فصل
رُوي عن سَعيد بْنِ المسيب أنَّ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - قالَ: (لاَ يُغلقُ الرَّهنُ مِنْ صَاحبِهِ الذى رَهَنَهُ, لَهَ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ).
وروى موصولًا عن ابن المسيب عن أبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم -.
الرهنُ أمانةٌ فى يدِ المرتهن, لا يسقط بهلاكه شئٌ من الدَّين, إلا أن يتَعدَّى المرتهنُ فيه, فيصير ضَامنًا.
وعند أبى حنيفة والثورى: الرهن مضمونٌ بالأقلٌ من قيمته أو الدين, فإن كانت قيمتُه
أقل من الدَّين يسقط بهلاكه من الدَّين بقدر قيمته، وإن كان قيمته أكثر من الدين، يسقط الدين بهلاكه، ولا يضمن الزيادة.
وقال الشعبي، والنخعي: هو مضمون بجميع الدَّين بالغاً ما بلغ، والحديثُ حجَّة عليهم؛ حيث قال: "له غنمه" يعني: للراهن زيادته، "وعليه غرمه" يعني: نقصانه:
ولأن ما تبرع وثيقة للدَّين لا يسقط الدين بهلاكه، كالكفيل إذا مات.
ولو رهن شيئاً بشرط أن يكون مضموناً على المرتهن- كان فاسداً، ولا يكون مضموناً
عليه؛ لأن ما كان أمانة لا يصير بالشرط مضموناً؛ كما لو دفع إليه وديعة، أو دفع إليه مالاً قراضاً، أو أجَّر داره بشرط الضمان؛ لا يكون مضموناً، وما لا يكون صحيحه مضموناً، لا يكون فاسده مضموناً.
ولو رهن منفعة دار لا يصح، فلو سلم الدار لا تكون مضمونة على المرتهن، لا عينها ولا منفعتها؛ لأنها مقبوضة بحكم الرهن الفاسد، بخلاف ما لو أجر إجارة فاسدة وسلم- يضمن المستأجر منفعتها؛ لأنه تبرع منه على شرط ضمان المنفعة، فإن سكن المرتهن الدار، أو أسكنها غيره- يضمن أجرة المثل؛ لأنه يتعدى بإتلاف المنفعة.
ولو دفع عبداً أو شيئاً إلى رب الدين، فقال: خذ هذا بحقك، فقبل- ملكه رب الدين؛ كما لو باعه منه، ولو لم يقبل دخل بالأخذ في ضمانه بحكم البيع الفاسد.
ولو قال: استوف حقك من ثمنه، فهو أمانة في يده.
ولو قال: خذ هذا الكيس بحقك، فإن كان ما فيه معلوماً، وكان جنس حقه وقدره- ملكه.
وإن كان أكثر لا يملكه، ودخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد.
وكذلك إذا كان ما فيه مجهولاً، ولو قال: خذه واستوف حقك منه، فهو أمانة في يده قبل أن يستوفي منه حقه، فإذا استوفى دخل في ضمانه ما أخذه بحقه.
ولو دفع إليه شيئاً، فقال: رهنتك هذا بحقك، فإذا حل الأجل فهو مبيع منك.
أو إذا لم أقضك حقك فهو مبيع منك؛ فهذا فاسد؛ كالرهن المؤقت، وهو أن يقول: رهنتك شهراً، يعني: إذا مضى الشهر يخرج عن الرهن، ثم هو أمانة في يده قبل حلول الحق؛ لأنه يمسكه بحكم الرهن الفاسد.
وبعد حلول الحق يكون مضموناً عليه؛ لأنه في يده بحكم البيع الفاسد.
فإن كان ذلك أرضاً غرس فيها المرتهن، نظر: إن غرس قبل حلول الأجل، يقلع مجاناً، وإن غرس بعده نظر:
إن كان عالماً بفساده يقلع مجاناً، وإن كان جاهلاً، لا يقلع مجاناً، ولكن الراهن [فيها] بالخيار بين ثلاثة أشياء:
إما أن يتملكها بالقيمة، أو يقرها بالأجرة، أو يقلعها، ويضمن أرش النقصان.
فصل ما يشترط لبيع الرهن
لا يجوز للمرتهن بيع الرهن عند المحل إلا بإذن الراهن، فإن أذن له في بيعه عند المحل، فباع بحضرة الراهن- صح.
وإن باع بغيبته: فيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: يصح لوجود إذن المالك.
والثاني وعليه نص: أنه لا يصح؛ لأنه يبيعه في حق نفسه، فيكون متهماً؛ لأنه ينظر لنفسه أكثر مما ينظر لمالكه.
فحيث قلنا: يصح، إنما يصح إذا باع لمالكه، فإن باع لنفسه لا يصح؛ لأنه ليس بمالك له، ولا يجوز أن يبيع مال الغير لنفسه.
ولو قال الراهن: بعه لنفسك، لا يصح التوكيل، ولو قال: بعه لي، واقبض الثمن لنفسك، صح بيعه، ولا يصح قبضه لنفسه، فإن قال: اقبضه لي، ثم اقبض مني لنفسك، صح قبضه للراهن، وهل يصح قبضه منه لنفسه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يصح، فإن امتنع الراهن من أن يبيع، أو يأذن في البيع- أجبره الحاكم على أن يبيع، أو يأذن في بيعه، فإن لم يفعل، باعه الحاكم.
وعند أبي حنيفة: لا يبيعه الحاكم، بل يحبسه حتى يبيع.
فإن حل الحق، والراهن غائب، أثبت بالبينة عند الحاكم حتى يبيعه، فإن لم يكن له بينة، له أن يبيعه بنفسه؛ كمن ظفر بغير جنس حقِّه من مال المدينون، ولا حجة له عليه- يجوز أن يبيعه بنفسه، كمن ظفر بغير جنس حقه من مال المديون، ولا حجة له عليه- يجوز أن يبيعه بنفسه، ويستوفي حقه من ثمنه.
ولو وضعا الرهن عند عدل، فالعدل حافظ لهما جميعاً، لا يجوز له دفعه إلى أحدهما إلا بإذن الآخر.
فإن فعل كان ضامناً، ويسترد إن كان قائماً.
وإن تلف عند من دفعه إليه؛ فإن كان دفعه إلى المرتهن، فإن كان الحق حالاً، والقيمة من جنس الدين، يتقاصان، وإن لم يكن من جنسه، أو كان الحق مؤجلاً- يؤخذ منه قيمته، والراهن إن شاء غرم العدل، وإن شاء غرم المرتهن، وقرار الضمان على المرتهن.
فإذا أخذت القيمة كان رهناً عند العدل، وإن دفعه العدل إلى الراهن، فالمرتهن يرجع بكمال قيمته.
وإن كان أكثر من حقه، فيغرم أيهما شاء، والقرار على الراهن، فتؤخذ القيمة منه، وتوضع عند العدل رهناً.
فإن غصب المرتهن الرهن من العدل- كان ضامناً، فلو رده إلى العدل برأ؛ لأنه أمين الراهن، فيده في الحفظ كيد الراهن؛ كما لو غصب الوديعة من المودع، أو العين المستأجرة، ثم رده إليهما- يبرأ عن الضمان.
وكذلك لو غصبه من المرتهن، ثم رده إليه- يبرأ، ولو غصب من المستعير أو المستام، ثم رد إليه- هل يبرأ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يبرأ؛ لأن المالك قد رضي كونه في يده.
والثاني: لا يبرأ؛ لأن يد المستعير والمستام، يد ضمان؛ فلا تحصل براءة الغاصب بالرد غليهما؛ كما لو غصب من الغاصب، ثم رده إليه- لا يبرأ.
ولو جعلا الرهن على يدي عدلين، هل ينفرد أحدهما بحفظه؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه يشق اجتماعهما على حفظه.
والثاني: لا؛ لأن الاعتماد كان عليهما؛ كما لو وكل رجلين بالبيع لا ينفرد به أحدهما، وهذا أصح.
فإن قلنا: لا ينفرد يجعلانه في حرز لهما.
وإن قلنا: ينفرد، فإن اتفقا على أن يحفظه أحدهما- كان عنده، وإن تشاحا، فإن كان الشيء مما لا ينقسم- يحفظ هذا مدة وذلك مدة.
وإن كان مما ينقسم، يقسمان، فيحفظ كل واحد نصفه، فإن فعلا، ثم سلم أحدهما إلى الآخر نصفه- جاز.
ولا يجوز للعدل بيعُ الرهن إلا بإذن المتراهنين، فإذا أذن له الراهن في بيعه، إذا حل الحق- يجوز بيعه، وهو وكيل من جهته، ولكن لا يبيع إلا بإذن المرتهن.
وإذا أذنا له يجوز له بيعه في غيبتهما؛ لأنه لا يبيع لنفسه، وإذا رجع أحدهما عن الإذن قبل البيع- لم يجز البيع.
وكذلك لو مات أحدهما قبل البيع ينعزل في حقه، ولا يجوز للعدل إذا باعه، حيث جوزنا أن يبيعه إلا بنقد البلد حالاً، فلو باع بغير نقد البلد، أو نسيئة، أو بدون ثمن المثل-
لا يصح، فإذا سلم إلى المشتري صار ضامناً، فإن كان قائماً يسترد، ويكون مضموناً على العدل.
ولكن يجوز له بيعه؛ لأن الإذن لم يرتفع، فإذا باعه وأخذ الثمن- فالثمن لا يكون مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعد فيه.
وإن هلك في يد المشتري في البيع الفاسد- فالراهن بالخيار؛ إن شاء ضمن العدل، وإن شاء ضمن المشتري، وقرار الضمان على المشتري؛ لأن الهلاك كان في يده.
ولو باعه العدل بثمن المثل، ثم جاء آخر وطلبه بأكثر- نظر: إن كان بعد التفرق عن المجلس- لا يردُّ البيع الأول.
وإن كان قبل التفرق، عليه أن يبيع من الثاني، فإن لم يفعل، فالبيع الأول مردود.
وقيل: لا يلزمه البيع من الثاني، ولكن يستحب ذلك؛ لأنه لا تتحقق هذه الزيادة؛ لجواز أن يكون قصد الزائد، إفساد العقد الأول.
والأول المذهب؛ لأن مجلس العقد، كحالة المعاقدة، ولا يجوز العقد بثمن المثل، وثمَّ من يطلب بأكثر.
فلو رجع الثاني نظر: إن كان قبل التمكن من البيع منه- فالبيع الأول بحاله، وإن كان بعد التمكن فقد انفسخ الأول؛ فعليه تجديد العقد مع الأول أو مع غيره.
وإن باعه العدل بإذنهما، فأخذ الثمن- فهو من ضمان الراهن.
وعند أبي حنيفة: من ضمان المرتهن.
ولو تلف في يد العدل، ثم خرج الرهن مستحقاً- فالمشتري بالخيار، إن شاء رجع بالثمن على العدل، وإن شاء على الراهن، والقرار على الراهن.
حتى إذا أخذ من العدل يرجع [العدل على الراهن، ولو مات الراهن فأمر الحاكم العدل] أو غيره ببيعه، فباع وتلف الثمن، ثم خرج مستحقاً- فالمشتري [بالخيار] يرجع بالثمن في تركة الراهن، والعدل هل يكون طريقاً في الضمان؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأنه نائب الحاكم، والحاكم لا يطالب به، كذلك نائبه.
والثاني: يكون طريقاً؛ كما لو باعه بإذن الراهن يكون طريقاً.
ولو قال العدل: تلف الثمن في يدي، قبل قوله مع يمينه؛ لأنه أمين، ولو قال: دفعته إلى المرتهن، وأنكر المرتهن- فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإذا حلف رجع على الراهن بحقه.
والراهن يرجع على العدل؛ لأنه متعد بترك الإشهاد.
ولو قال أحد المتراهنين للعدل: بعْ بالدراهم، وقال الآخر: بالدنانير- لا يبيع بواحد منهما، بل المتراهنان يرفعان الأمر إلى الحاكم؛ ليبيعه بنقد البلد، ولا يجب على العدل أن يأتي الحاكم.
وإن رأى الحاكم أن يبيعه بجنس حق المرتهن- جاز.
وليس لأحد المتراهنين نقل الرهن من العدل الذي اتفقا عليه إلى عدل آخر، إلا أن يتفقا عليه.
وإن تغير حال العدل فأيهما دعا إلى إخراجه من يده- له ذلك، ولكن لا يفعل بنفسه إلا باتفاقهما، فإن لم يتفقا ترافعا إلى الحاكم حتى يضعه عند عدل آخر.
وكذلك لو مات العدل، أو كان الرهن في يد المرتهن، فمات المرتهن- لا يترك الرهن في يد وارثه، إلا أن يتفقا عليه، وإن لم يتفقا، وضعه الحاكم عند عدل.
إن أتلف العدل الرهن عمداً- أخذت قيمته ووضعت عند آخر.
وإن أتلفه مخطئاً، لا يخرج به عن العدالة، فتأخذ القيمة منه وتوضع عنده؛ كما لو أتلفه متلفٌ.
ولو أتلفه متلفٌ في يد العدل بعد ما أذنا له في بيعه- فليس للعدل بيع قيمته؛ لأن من أمر ببيع شيء لا يكون مأموراً ببيع بدله، ومن استحفظ شيئاً كان مستحفظاً بدله.
ولو أراد العدل رد الرهن- له ذلك، ثم إن كانا حاضرين أو وكيلهما رد غليهما، فإن دفع إلى أمين، أو إلى الحاكم مع حضورهما- ضمن، وإن كانا غائبين نظر: إن أراد العدل سفراً، فدفعه إلى الحاكم- لم يضمن، وعلى الحاكم قبوله إذا دفع إليه.
وإن دفعه إلى أمين بغير أمر الحاكم- وثمَّ حاكم- يصمن، وإن لم يكن ثمَّ حاكم، لا يضمن.
وإن لم يرد سفراً، فدفعه إلى غير الحاكم- ضمن، سواء كان ثمَّ حاكم أو لم يكن، وإن دفعه إلى الحاكم هل يضمن؟ فيه وجهان، وكذلك الوديعة.
ولو ادعى العدل هلاك الرهن في يده- يقبل قوله مع يمينه، وكذلك لو ادعى الرد غليهما؛ كالمودع إذا ادعى هلاك الوديعة، أو ردها- يقبل قوله، وكذلك المرتهن لو ادعى
هلاك الرهن، يقبل قوله مع يمينه، سواء خفي هلاكه أو ظهر.
وعند مالك: إذا خفي هلاكه لا يقبل.
ولو ادعى رده هل يقبل؟
فيه وجهان:
أحدهما: يقبل؛ لأنه أمين كالمودع.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه كان يمسكه لمنفعة نفسه؛ بل القول قول الراهن مع يمينه، والله أعلم.
فصلٌ
إذا رهن عبد الغير بدين نفسه بإذن المالك- يجوز، بخلاف ما لو باع مال الغير لنفسه لا يجوز؛ لأن البيع إزالة الملك بعوض؛ فلا يجوز أن يملك هو الثمن، والمثمن ليس له.
أما الرهن فاستيثاق، والاستيثاق يحصل بما لا يملك؛ كما يحصل بالكفالة وبالإشهاد، فإذا رهن مال الغير بدينه، يسلك به مسلك العارية، أو مسلك الضمان؟
فيه قولان:
أحدهما: مسلك العارية؛ لأنه نوع انتفاع بمال الغير.
والثاني وهو الأصح: يسلك به مسلك الضمان؛ لأنه ضمن دين الغير في رقبة عبده، وذمته فارغة؛ كما لو أذن لعبده في ضمان دين ففعل- صح، وليس كالعارية، لأن منفعة العارية تكون للمستعير، وههنا منفعة الرهن تكون للمالك لا لمن رهنه.
وهل يجب بيان ما يرهنه به؟
إن قلنا: عارية، لا يجب؛ لأن جهة الانتفاع معلومة، وإن قلنا: ضمان، يجب أن يبين الجنس والقدرُ المرهون منه والأجل.
وعلى القولين، لو بين لا يجوز أن يتجاوزه، فإن قال: ارهن بعشرة- لا يجوز أن يرهن بأكثر.
فإن رهن بأقل جاز، ولو قال: ارهن بدراهم- لا يجوز أن يرهن بدنانير، وقال: بدنانير- لا يجوز أن يرهن بدراهم.
ولو قال: ارهن من فلان- لا يجوز أن يرهن من غيره.
ولو قال: بدين حال- لا يجوز [بدين مؤجل]؛ لأنه لا يمكنه مطالبته بفكه في الحال، ولو قال: بمؤجل- لا يجوز أن يرهن بحال؛ لأنه يباع في الدَّين في الحال.
قلت: ولو استعار ليرهن من واحد، فرهن من اثنين- لا يجوز؛ لأنه رهنه من غير من أمره.
ولو استعاره ليرهن من اثنين، فرهن من واحد- لا يجوز؛ لأنه إذا رهن من اثنين يفتكُّ نصفه بأداء نصف الحق، وإذا رهن من واحد لا يفتك شيء منه إلا بأداء جميع الحق.
ولو استعار عبداً من رجلين، فرهنه من واحد- جاز.
فإذا قضى نصف الحق عن نصيب أحدهما بعينه، هل يفتك بنصيبه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يفتك؛ كما لو كان العبد لواحد، ورهنه من واحد، فأدى نصف الحق- لا يفتك شيء من الرهن.
والثاني: يفتك؛ كما لو رهن رجلان من رجل، فأدى أحدهما نصيبه- يفتك نصفه.
فإن قلنا: يفتك، فهل للمرتهن الخيار في فسخ البيع، إن كان الرهن مشروطاً فيه، وكان جاهلاً به؟
فيه قولان، لابن سريج:
أحدهما: لا خيار له؛ لأنه لا ضرر عليه.
والثاني: له الخيار؛ لأن قضية الرهن ألا يفتك شيء منه إلا بعد أداء جميع الحق، وها هنا لم يحصل له مقتضاه.
وإذا رهن عبد الغير بدينه، فإن قلنا: عارية- للسيد أن يطالب بفكاكه، ويسترده متى شاء، حل الدين أو لم يحُل ثم إن كان الرهن مشروطاً في البيع- يجوز للمرتهن فسخ البيع إن كان جاهلاً بالحال.
وإن قلنا: ضمان، ليس للمالك أن يسترده، بل إن كان الدين حالاً يطالب الراهن بفكه، وإن كان مؤجلاً فلا مطالبة له حتى يحلَّ الأجل، كمن ضمن ديناً مؤجلاً، ليس له مطالبة المضمون عنه بتعجيله حتى تبرأ ذمته.
فإذا حل الأجل فأراد المرتهن إنظار الراهن- فللمالك أن يقول: إما أن تطالبه بحقك حتى يفتك الرهن، أو ترد إلي مالي، كما في الضمان، إذا مات المضمون عنه، حل الدين عليه، ولا يحل على الضامن.
ثم إن لم يطلب ربُّ الدين حقه من التركة- للضامن أن يقول له: إما أن تطلب حقك من التركة، أو تبرئ ذمتي؛ لأني أخاف فوات التركة عند المحل، ولو بيع الرهن في الدين، رجع المالك على الراهن بقيمته على القولين جميعاً، ولو بيع بأكثر من قيمته، فإن قلنا، عارية، ليس للمالك إلا قيمته، والباقي للراهن.
وإن قلنا: ضمان، رجع بالثمن، سواء بيع بقدر قيمته، أو أقل أو أكثر، ولو باعه المالك، أو أعتقه، إن قلنا: عارية- يصح بيعه وإعتاقه، وكان رجوعاً، وإن قلنا: ضمان، فلا يصح بيعه وإعتاقه، كإعتاق المرهون.
فإن قلنا: ينفذ.
فعلى المالك أن يرهن قيمته مكانه.
ولو هلك في يد المرتهن؛ إن قلنا: عارية- تجب القيمة على الراهن؛ كما لو هلك في يد الراهن، وإن قلنا: ضمان لا شيء عليه.
ولو جنى العبد، فبيع في الجناية، إن قلنا: عارية- فعلى الراهن قيمته للمالك، وإن قلنا: ضمان، لا شيء عليه.
ولو قال المديون لإنسان: ارهن عبدك من فلان بديني، ففعل- جاز، وكان نائباً عنه؛ كما لو أخذه ورهنه، ولو رهن المالك عبد نفسه بدين الغير دون إذنه- جاز، وهو متطوع.
فلو بيع في الدين لا رجوع على المديون بشيء؛ كما لو قضى دينه بغير إذنه، والله أعلم.
بابُ الرهن والحميل في البيع
لا يصح الرهن ولا الضمان إلا مقترناً بثبوت الحق، أو متراخياً عنه، فإن باع بشرط أن يرهن منه شيئاً- عينه بالثمن، أو بشرط أن يتكفل فلان بالثمن- جاز، سواء كان الثمن حالاً أو مؤجلاً.
وكذلك لو شرط المشتري أن يعطيه البائع فلاناً كفيلاً بالعهد- يجوز، ثم إن لم يرهن لا يجبر عليه.
وكذلك إن لم يتكفل فلان، ولكن ثبت للبائع الخيار في فسخ البيع، إن لم يعط المشتري الرهن والكفيل؛ فإن أجاز العقد، فلا خيار للمشتري؛ لأنه لا نفع له في الرهن والكفيل، إنما النفع للبائع بتوسيع محل طلب الحق عليه.
وإذا تكفل غير من عينه، أو دفع إليه عيناً أخرى رهناً- لا يسقط به خيار البائع.
وإذا باع بشرط الرهن، هل يشترط أن يذكر أنه يكون عند المرتهن أو عند عدل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط، قطعاً للنزاع، حتى لو تركا ذكره لا يصح الرهن.
والثاني: لا يشترط، ثم إن لم يتفقا على شيء، وضعه الحاكم عند عدل، ولو باع بشرط أن يرهن منه شيئاً، ولم يعيِّن، أو أحد عبديه ولم يعين، أو على أن يتكفل الثمن رجل، ولم يعين- فالشرط فاسد للجهل، وهل يصح البيع؟
فيه قولان:
وكذلك لو شرط رهناً فاسداً من خمر، أو خنزير، أو ميتة- ففي صحة البيع قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه أمر يرتفع به أحد المتعاقدين، فشرطه مع الجهالة يفسد البيع كالأجل، والخيار المجهول.
والثاني، وهو اختيار المزني: يصح؛ لأنه من جملة الزوائد في العقد؛ بدليل أنه يجوز إفراده عن البيع، ففساده لا يوجب فساد البيع؛ كالصداق في النكاح، لا يوجب فساده فساد النكاح.
فإن قلنا: يصح البيع، فللبائع الخيار إن كان جاهلاً.
ولو باع بشرط أن يرهن عبد فلان- لا يصح الشرط؛ لأن العادة لم تجزه، بخلاف ما لو شرط كفالة فلان- جاز، ثم في صحة البيع قولان:
ولو باع بشرط أن يشهد شاهدين وعينهما- جاز.
وإن لم يعينهما هل يصح الشرط؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح كما لو شرط رهناً أو كفيلاً مجهولاً، فعلى هذا هل يفسد البيع؟
فيه قولان.
والثاني، وهو المذهب: يصح الشرط بخلاف ما لو شرط رهناً أو كفيلاً مجهولاً، لأن أعيان الشهود غير مقصودة، وإنما المقصود عدالتهما، بحيث يمكن إثبات الحق بشهادتهما.
والأغراض تختلف باختلاف المرهون والكفلاء لاختلافهم في الأمانة.
فلو شرط شاهدين معينين فلم يتحملا، هل له الخيار أم لا؟
إن قلنا: لو لم يعين الشاهدين يصح الشرط، فلا خيار له؛ لأنه لا يمكنه إشهاد آخرين.
وإن قلنا: لا يصح الشرط فله الخيار.
ولو باع بشرط الرهن فهلك الرهن قبل القبض، أو تعيب، أو وجد به عيباً قديماً، فله فسخ البيع.
ولو حدث العيب بعد القبض، فلا فسخ له.
ولو اختلفا فقال الراهن: حدث بعد القبض، وقال المرتهن: بل قبله، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأن المرتهن يروم فسخ البيع، والأصل سلامته.
ولو قبض الرهن فتلف أو تعيب عنده ثم وُجد به عيباً قديماً، فلا أرش له؛ لأنه لم
يتملكه [بعوض]، وهل له فسخ البيع المشروط فيه؟ فعلى وجهين:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه لم يسلم له جميع الرهن.
والثاني: وهو الأصح والمنصوص: أنه لا فسخ له؛ لأن فقد الصفة لا يثبت حق الفسخ بعد التلف كما لو هلك المبيع عنده ثم وجد به عيباً، لا يثبت له فسخ البيع.
ومن قال بالأول، قال: في البيع يستدرك الظلامة بأخذ الأرش، ولا أرش ههنا فكان له الفسخ.
والثاني، وهو المذهب: لا يثبت الفسخ؛ لأن الفسخ إنما يثبت إذا أمكنه رد العين كما أخذ، حتى فرع أصحابنا عليه: وقالوا: لو رهن شيئين فسلم أحدهما، فتلف في يده- لا يجب على الراهن تسليم الثاني؛ لأنه رهن غير مقبوض، ولا خيار للمرتهن؛ لأنه لا يتمكن من رد ما قبضه.
ولو باع شيئاً، وشرط أن يكون المبيع نفسه رهناً بالثمن- لا يصح البيع؛ لأن الثمن إن كان مجهولاً لا يجوز له حبس المبيع لاستيفاء الثمن، وإن كان حالاً فحبس المبيع له ثابت لاستيفاء الثمن.
فلا معنى للحبس بحكم الرهن، وبين الحبسين اختلاف، من حيث إن هلاك الرهن لا يسقط الدين، وبهلاك المبيع المحبوس يسقط الثمن، والمالك ينتفع بالرهن، والمشتري لا ينتفع بالمبيع قبل القبض.
وكذلك لو شرط أن يقبض المبيع، ثم يرده إليه رهناً- لا يصح البيع.
أما إذا لم يشرط ذلك في البيع، بل رهنه بالثمن، من غير شرط أن يرهنه بعد القبض- جاز.
وإن رهنه قبل القبض، والثمن مؤجل.
قلت: فهو كما لو رهن منه بدين آخر، وإن كان حالاً، فلا؛ لأن الحبس له ثابت.
فصلٌ في الاختلاف
إذا اختلفا في الرهن، فقال رب الدين: رهنتني عبدك، وأنكر المالك.
أو قال الراهن: رهنتك عبدي، وقال المرتهن: بل دارك؛ فإن كان الرهن مشروطاً في البيع يتحالفان.
ثم إن لم يوافق أحدهما الآخر، يفسخ العقد بينهما.
وإن كان رهن تبرُّع، فالقول قول الراهن مع يمينه.
وكذلك لو قال الراهن: رهنتك عبدي بألف، وقال المرتهن: بل بألفين- فالقول قول الراهن مع يمينه، ولا ينظر إلى قيمة العبد.
ولو ادعى رجل على رجلين، وقال: رهنتماني عبدكما هذا بألف، وقبضته منكما، فكذباه- فالقول قولهما مع يمينهما.
وإن صدَّقه أحدهما، وكذَّبه الآخر- فنصيب المصدِّق رهن بخمسمائة، والقول قول المكذب مع يمينه في نصيبه.
ولو شهد المصدق للمدعي على شريكه- تقبل شهادته، ويحلف المدعى معه؛ ويكون الكل مرهوناً.
ولو كذبه كل واحد في حق نفسه، وصدق في حق شريكه، فشهد على شريكه- هل يقبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأن المدعي يقول: كل واحد كاذب.
والثاني: تقبل؛ لأن كذبه غير معلوم، ويجوز أن يكون نسي، ثم يحلف المدعي مع كل واحد منهما، ويكون العبد رهناً عنده.
ولو ادعى رجلان على واحد، وقالا: رهنتنا عبدك هذا بألف، وقبضناه؛ فإن كذَّبهما حلف يمينين، فإن صدق أحدهما، وكذب الآخر- فنصفه مرهون عند المصدق، ويحلف في حق المكذب.
ولو شهد المصدق للمكذب تُقبل شهادته؛ لأنه لا يجرُّ نفعاً إلى نفسه؛ كما لو كانت داراً في يد رجلين، وجاء ثالث، وادعى نصيب أحدهما، فشهد له الشريك الآخر- تقبل.
هذا إذا أنكر الرهن، فإن أنكر المال، فشهادة المصدق هل تقبل أم لا؟
نظر: إن ثبت المال إرثاً، لا تقبل؛ لأنه ما من جزء من الميراث إلا وهو مشترك بين جميع الورثة، ولا تقبل شهادة بعض الورثة للبعض في الميراث؛ لأنه يشهد لنفسه، إن ثبت المال قرضاً، أو إتلافاً، أو بيعاً- تقبل.
ولو دفع شيئاً إلى رجل؛ ليرهنه عند آخر، فيستقرض له شيئاً ففعل، ثم اختلفا، فقال الراهن: أمرته أن يرهنه بخمسة، وقال المرتهن: بل بعشرة؛ نظر: إن صدّق الوكيل الراهن، فللمرتهن أن يدعي خمسة على الوكيل، ويحلف الوكيل، وإن صدق الوكيل المرتهن فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإذا حلف كان رهناً بخمسة، على الراهن أداؤها، وعلى الوكيل خمسة.
وإذا كان لرجل على آخر ألفان، أحدهما بها رهنٌ، أو ضمانٌ، والأخرى لا رهن بها
ولا ضمان، أو أحدهما ثمن مبيع محبوس لاستيفائها، أو أحدهما حالة والأخرى مؤجَّلة، فأدى من عليه إحدى الألفين- نظر: إن دفع عن التي بها الرهن، أو الضمين، أو ثمن المبيع- افتكَّ الرهن، وبرئ الضمين، وخرج المبيع عن الحبس.
وإن دفع عن الأخرى فلا يفتكُّ ولا يبرأ.
فإن دفع عنهما وقع النصف عن هذا، والنصف عن ذاك.
وإن اختلف الدينان، أحدهما بألف والآخر خمسمائة، يقع أثلاثاً.
وإن دفع مطلقاً، فوجهان:
أحدهما: يقع عنهما.
والثاني: قاله أبو إسحاق: للدافع أن يصرفه إلى أيهما شاء.
فلو اختلفا، فقال الدافع: دفعت عن الذي به الرهن والضمين.
وعن ثمن المبيع المحبوس، وقال القابض: بل عن الآخر- فالقول قول الدافع مع يمينه، والاعتبار ببينة الدافع لا بينة القابض.
ولو أبرأ رب الدَّين عن أحد الدينين، ثم اختلفا، فقال المدينون: أبرأت عن الذي به الرهن أو الكفيل، وقال رب الدين: عن الآخر- فالقول قول رب الدين مع يمينه.
ولو كان له عبدٌ فجاء رجلان، فادعى كل واحد منهما أنك رهنت مني جميع هذا العبد، وأقبضتني؛ فإن كذبهما- فالقول قوله مع يمينه يحلفُ يمينين.
وإن صدق أحدهما يسلم إلى المصدق، وهل للآخر تحليفه؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يحلفه؛ لأن اليمين لطلب الإقرار، وهو لو أقرَّ للثاني بعدما أقر للأول- لا يقبل إقراره.
والثاني: له تحليفه، بناء على ما لو قال: غصبت هذا من فلان، لا بل من فلان آخر، يسلم إلى الأول، وهل يغرم قيمته للثاني؟
فيه قولان:
إن قلنا: يغرم قيمته للثاني، فههنا للثاني تحليفه، فإن نكل حلف المكذِّب، وعلى المالك أن يرهن قيمته مكانه.
وإن قلنا هناك: لا يغرم للثاني شيئاً، فههنا: هل له تحليفه أم لا؟ هذا يبني على أن النكول وردَّ اليمين بمنزلة الإقرار، أم بمنزلة البيِّنة.
إن قلنا: بمنزلة الإقرار، ليس له تحليفه، وإن قلنا: بمنزلة البينة، له تحليفه، فإن نكل حلف المكذب، وعلى المالك أن يرهن قيمته.
وقيل: إن قلنا: كالبينة، يسلم العين إلى الثاني، وليس بصحيح؛ لأن النكول ورد
اليمين بمنزلة البينة في حق المتداعيين لا في حق ثالث، وههنا تعلق به حق الأول.
وإن صدقهما جميعاً، نظر: إن لم يدَّعيا السبق أو ادعيا.
وقال المدعى عليه: لا أعلم السابق منهما- ففيه وجهان:
أحدهما: الرهن باطل في حقهما؛ كالنكاحين إذا تعارضا؛ لأنه لا يجوز أن يكون كل العبد مرهوناً عند كل واحد منهما.
والثاني: يرهن من كل واحد نصفه؛ لأنه يقبل التشريك، بخلاف النكاح.
فإن صدق أحدهما في السبق فهو له، والاعتبار بالقبض، حتى لو صدّق أحدهما بسبق العقد، وصدّق الآخر بسبق القبض- فهو لمن سبق قبضه.
هذا إذا كان العبد في يد المصدق، أو في يد المالك، أو في يد ثالث؛ فإن كان في يد المكذِّب- ففيه قولان:
أحدهما: هو لمن في يده لا للمصدق.
والثاني، وهو الأصح: (هو) للمقرِّ له بالسبق؛ لأن اليد لا تدل على الرهن.
فإذا أرجحنا باليد، فقال الذي في يديه: قد قبضه كل واحد منا- يبطل حقه، ويسلم الكل إلى المصدق؛ لأن صاحب اليد أقر للمصدق بقبض ما بعد.
وإن كان العبد في أيديهما جميعاً، ففي النصف الذي في يد المصدق- يرجح جانبه، وفي النصف الآخر، قولان.
ولو قال: رهنت هذا العبد من زيد، وأقبضته بعد ما كنت رهنته من عمرو وأقبضته، فلمن يكون؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكون لزيد لتقدمه في اللفظ.
والثاني: لعمومه؛ لأن آخر الكلام يدل على أن قبضه كان سابقاً، وهذا أصح.
والوجهان يبنيان على تبعيض الإقرار، إن قلنا: يبعض، فهو لزيد، وإن قلنا: لا يبعَّض فلعمرو.
والله أعلم.
باب الزيادة في الرهن
روي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الظهر يركب إذا كان مرهوناً، ولبنُ الدَّرِّ يشرب إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب نفقته".
منافع الرهن للراهن، فيسكن الدار المرهونة، ويركب الدابة، ويستخدم العبد، ويلبس الثوب.
وإذا انتفع بالحيوان نهاراً ردَّه إلى المرتهن، أو إلى العدل الموضوع على يده بالليل؛ لأنه لا يطيق العمل دائماً.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: تعطل منافع الرهن، ويرش لبنه على ضرعه حتى يجف، والحديث حجة عليه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- جعل منفعته لمن عليه نفقته، ونفقته بالاتفاق على الراهن، فدل على أن منافعه له.
وإنما يجوز أن ينتفع به على وجه لا تنتقص به قيمته، ولا يتضرر به المرتهن.
فإن أراد أن يسافر على الدابة، أو يكريه ممن يسافر به- ليس له ذلك، وإن كان ثوباً تنتقص باللبس قيمته- لا يجوز أن يلبسه.
وللمرتهن ألا يدفع الرهن إليه للانتفاع إلا بشاهدين إذا خاف إنكاره، وإن خاف خيانته دفعه إلى الحاكم حتى يؤاجره عليه، ويدفع الأجرة إليه.
وإن كان أرضاً لا يجوز له أن يغرسها، ولا أن يبني فيها؛ لأنها تنتقص قيمتها بالغراس والبناء.
ولا يجوز أن يزرع زرعاً ينقص قيمتها.
فإن أراد زرع ما لا ينتقص قيمتها؛ نظر: إن كان الدَّين حالاً، أو مؤجلاً يحل قبل استحصاد الزرع- لا يجوز، وإن كان يستحصد الزرع قبل حلول الأجل- جاز.
ثم إذا تأخَّر استحصاده لآفة، ليس للمرتهن قلعه، بل يبقى إلى أوان الحصاد.
وحيث قلنا: ليس له أن يزرع ففعل، أو غرس أو بنى، فلا يقلع قبل حلول الأجل، ويقلع بعده إذا كانت قيمة الأرض مشغولة لا تفي بدينه، ويزداد قيمتها بالقطع.
وكذلك لا يجوز أن يؤاجر الرهن إذا كان الدَّين حالاً، أو مؤجلاً، ولكن يحل الأجل قبل انقضاء مدة الإجارة.
فإن أجر مدة تقضى قبل حلول الأجل- جاز، وتجوز الإعارة؛ لأنه يجوز له أن يرجع فيها متى شاء.
ولا يجوز تزويج الجارية المرهونة؛ لأنه تنتقص قيمتها، ولا يجوز له وطؤها إن كانت بكراً، أو كانت ثيباً، ولكن يخشى منها العلوق، شابَّة كانت أو عجوزة؛ لأن العجوزة قد
تحبلُ، سواء عزل أو لم يعزل؛ لأن الماء قد يسبق إلى رحمها فتحبل.
وإن كانت صغيرة لم تبلغ مبلغ العلوق فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن العلوق ليس له وقت معلوم بل يحصل بغتة.
والثاني: قاله أبو إسحاق: يجوز؛ لأنه لا ضرر عليه.
فحيث قلنا: لا يجوز الوطء، فليس للسيد أخذها للخدمة؛ خوفاً من أن يطأها، إلا أن تكون ممن لا يحل له وطؤها.
ويكره رهن الجواري، إلا من امرأة أو محرم لها، أو كانت صغيرة لا تشتهى؛ فلا يكره، فإن كانت كبيرة رهنها من رجل توضع على يد امرأة ثقة، أو على يد رجل عدل له امرأة ثقة؛ حذراً من وطء المرتهن.
وإن كان الرهن حيواناً فحلاً، يجوز أن ينزيه على الإناث؛ لأنه لا ضرر فيه، كالركوب، وإن كان أنثى أراد أن ينزي عليها فحلاً؛ نظر: إن كانت تلد محلَّ الدين، أو يحل الدين قبل ظهور الحمل- يجوز، ولو كان يحلُّ بعد ظهور الحمل قبل الولادة، إن قلنا: الحمل لا يعرف- يجوز؛ لأنها تباعُ مع الحمل.
وإن قلنا: يعرف فلا يجوز؛ لأن الحمل لا يكون رهناً، ولا يمكن بيعها دون الحمل.
ويجوز أن يفعل به ما فيه مصلحة الملك من حجامة العبد، وفصده، وسقي الدواء، وودج الدابة، وتبزيغها.
ولا يجبر الراهن عليه، بخلاف النفقة يجبر عليها؛ لأنها لا تعيش بدونه، وتعيش من غير حجامة وفصدٍ، وشرب دواء، ولا يتحقق الشفاء منها.
وله ختان العبد المرهون، إذا كان في سن يحتمل، ويندمل الجرح قبل حلول الأجل، فإن لم يندمل لم يجز.
وإن كانت بيده أكلة يخاف من تركها، ولا يخاف من قطعها- جاز له قطعها، وإن كانت يخاف من تركها ومن قطعها- لم يجز قطعها، وإن كانت ماشية، إذا كان يخرج بها في طلب فلاة- نظر: إن كان الموضع الذي فيه مخصباً- لا يجوز؛ لأنه مخاطرة بها من غير حاجة، وإن كان الموضع الذي فيها مجدباً- جاز.
وإن اختلفا في موضع النجعة واختار الراهن جهة، والمرتهن جهة أخرى- فاختيار الراهن أولى؛ لأنه يملك العين والمنفعة جميعاً.
وإن كانت أرضاً، وفيها نخلات، فأراد الراهن تحويل بعضها إلى مكان آخر، يسأل
أهل البصر، فإن قيل: لا يثبت ما يحول، ليس له ذلك.
وإن قيل: يثبت، وكان يزداد به ثمن الأرض، أو ثمن النخل- له ذلك.
وكذلك لو قيل: الأكثر لثمن الأرض قطع بعضهن- له ذلك، وما قطن فرهن، ومؤنة الرهن تكون على الراهن؛ مثل نفقة العبد وكسوته، وكفنه إذا مات، وعلف الدابة، وسقي الكرم، ونحوها.
وإن احتاج إلى بيت يحفظ الرهن فيه، ولم يتبرع به المرتهن أو العدل الذي عنده- فعلى الراهن مكان الحفظ وكراء البيت، فإن لم يكن للراهن شيء، أو كان غائباً يبيع الحاكم جزءاً منه، فيكتري به بيتاً.
فلو أعطاه المرتهن بإذن الراهن على أن يرجع عليه، ويكون الرهن محبوساً- فهو كما لو فدى جناية الرهن على أن يكون الرهن محبوساً به، وفيه طريقان.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: مؤنة الحفظ، وسقي الكرم على المرتهن.
فوافقت في نفقة العبد، وعلف الدابة.
فصلٌ في الزوائد
إذا حصلت في الرهن زوائد متصلة، مثل سمن الدابة، وكبر الودي والثمار- فهي مرهونة؛ لأنها تتبع الأصل.
وإن كانت منفصلة، مثل إن رهن جارية أو دابة حائلاً فولدت، أو حصل منها لبنٌ أو صوف، أو كانت شجرة حائلاً فأثمرت، أو طائراً فباضت، أو جارية فوطئت بشبهة وأخذ المهر- فالولد واللبن والثمرة والصوف والبيض والمهر كلها للراهن خارجة عن الرهن.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: زوائد الرهن مرهونة؛ كما لو باع شيئاً تكون زوائده للمشتري.
قلنا: لأن البيع يزول، فكانت الزوائد تبعاً للملك، وبالرهن لا يزول الملك، بل يثبت للمرتهن حق حبس، فهو كما لو أجر حيواناً، لا يثبت حكم الإجارة في الولد، وكذلك ولد الجانية لا يتعلق ضمان الجناية برقبته، وولد الضمين لا يكون مؤاخذاً بالضمان؛ كذا هذا [مثله].
ولو رهن حاملٌ، واحتيج إلى بيعها، وهي حامل بذلك الحمل- تباعُ كذلك في الدَّين، وإن كانت حاملاً يوم الرهن فولدت- هل يكون الولد رهناً؟
فيه قولان:
إن قلنا: الحمل يعرف، يكون رهناً، يباع الولد مع الأم كما لو رهن شيئين، فإن قلنا: لا يعرف، فالولد خارج عن الرهن، كالحادث.
وإن كانت حائلاً يوم الرهن، فحبلت، هل تباعُ حاملاً أم لا؟ إن قلنا: الحمل يعرف، لا تباع حتى تضع، وإن قلنا: لا يعرف فتباع، وهو كزيادة متصلة.
ولو رهن نخلة حائلاً فأطلعت، هل تباع مع الطلع في الدَّين؟ قيل: فيه قولان:
كالحمل، وقيل: الطلعُ خارجٌ عن الرهن، لأنه زيادة تقبلُ الإفراد بالبيع، بخلاف الحمل، فعلى هذا يجوز بيع النخل في الدين، ويستثنى الطلع، بخلاف الجارية الحامل لا تباع، إذا لم يجعل الحمل رهناً حتى تضع؛ لأن استثناء الحمل، لا يجوز.
ولو رهن نخلة مطلعة، وقلنا: الطلع يدخل في الرهن، ورهنها مع الطلع، فإذا حل الحق والثمر طلع- يباع مع الطلع.
وإن أبر الطلع- قطع أو لم يقطع- هل يباع الطلع في الدين؟
قيل: فيه قولان، كالحمل يخرج، وقيل: يباع قولاً واحداً؛ لأنه كان مشاهداً يوم الرهن، يجوز أن يفرد بالعقد؛ كما لو رهن عينين.
ولو جنى على الرهن، فأرش الجناية مرهون مع الأصل؛ لأنه بدل نقص قائم بالرهن، ليس في باب الزوائد.
ولو وطئت وهي بكرٌ، فنقدر أرش الافتضاض من المهر يكون رهناً، والباقي للراهن.
باب رهن رجلين
إذا رهن رجلان شيئاً من رجل يجوز.
ثم إذا أدى أحد الراهنين ما عليه، أو أبرأه المرتهن- افتكَّ نصيبه دون نصيب صاحبه.
وكذلك لو رهن [رجل] من رجلين شيئاً، وسلم إليهما، ثم أدَّى حق أحدهما، أو أبرأه أحدهما- يفتكُّ نصيبه.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا رهن رجل من رجلين، ثم أدى حق أحدهما- يبقى الكل مرهوناً عند الآخر.
قلنا: هو لم يرهن من كل واحد إلا نصفه، فلا يصير كله مرهوناً عند واحد؛ كما لو باع من رجلين، لا يستبدُّ بكله أحدهما.
ولو رهن رجلان شيئاً مشاعاً من رجل، وأدى أحدهما ما عليه وافتكَّ نصيبه- يجوز له مقاسمة شريكه إن كان الشيء منقسماً، وهل يحتاج في القسمة إلى إذن المرتهن أم لا؟
هذا ينبني على أن القسمة بيع، أم إفراد حق؟
ففيه قولان: إن قلنا: بيع، يشترط إذنه، لأن بيع المرهون لا يجوز إلا بإذنه.
وإن قلنا: إفراد حق لا يشترط.
وكذلك قبل أداء أحدهما حقه، أراد الراهنان القسمة، أو رهن واحد من اثنين، فأدى نصيب أحدهما، وأراد مقاسمة الآخر، هل يشترط رضاه؟
فعلى قولين، وقد ذكرنا بقية مسائل هذا الباب في "باب الرهن يجمع بين شيئين".
والله أعلم.
بابُ ما يفسد الرهن
إذا شرط في الرهن ما هو قضية الرهن؛ بأن قال: رهنتك على أن تحبسه إلى أداء الحق، أو تتقدم بثمنه على سائر الغرماء، أو لا يبيعه إلا بإذنه، ونحو ذلك- يصحُّ العقد، سواء كان الرهن مشروطاً في البيع، أو لم يكن.
وإن شرط خلاف قضية العقد؛ نظر: إن لم يكن فيه نفعٌ للمرتهن؛ بأن قال: رهنتك على ألا تبيعه عند [محل الدَّين]، أو لا تبيعه إلا بما يرضاه الراهن، أو لا تبيعه بعد المحل إلا بعد شهر، أو لا يكون لك فيه حقُّ الحبس، أو لا تتقدم بثمنه على [سائر] الغرماء، أو إن بعته تبيعه بأكثر من [ثمن المثل]- فالرهن فاسد، وهل يفسد به البيع المشروط فيه؟ فعلى قولين؛ فإن قلنا: يصح البيع، فللبائع الخيار في فسخ البيع؛ لأنه لم يسلم له الرهن.
وإن شرط شرطاً فيه نفع للمرتهن، سواء شرطه الراهن، أو شرطه المرتهن بنفسه؛ مثل إن شرط أنه إن أدى الحق لا يفتكُّ الرهن، أو أن منفعة الرهن تكون للمرتهن- فالشرط فاسدٌ، وهل يفسد الرهن؟
نظر: إن كان رهن تبرع، بأن كان له على إنسان دينٌ، فرهن به منه شيئاً بهذا الشرط- ففي فساد الرهن قولان، سواء شرط المنافع لنفسه ملكاً، بأن قال: اسكن الدار المرهونة، أو اركب الدابة، أو يكون نتاجه وزوائده ملكي، أو شرط رهناً؛ بأن قال: منافعه، أو نتاجه وزوائده تكون مرهونة عندي.
أحد القولين، وهو الأصح: يفسد الرهن كما يفسد البيع بالشرط الفاسد.
والثاني: لا يفسد؛ لأن هذا الرهن تبرعٌ من الراهن، فشرط معه تبرعاً آخر.
فإذا لم يلزم الثاني لا يبطل الأول.
وكما لو أقرضه عشرة دنانير صحاحاً على أن يرد إليه المكسر- صح القرض، وإن لم يلزم الشرط، فكذلك لو رهن منه داراً على أن يرهن منه داراً أخرى؛ فالشرط فاسد؛ وهل يصح الرهن في هذه؟ فعلى قولين: وإن كان الرهن مشروطاً في البيع؛ نظر: إن شرط الزوائد لنفسه ملكاً؛ بأن قال: على أن: سكنى الدار لي، أو ظهر الدابة لي، أو نتاجها وثمرة الشجرة- فالبيع باطل؛ لأنه جعل الثمن المسمى، ومنفعة الرهن، وهي مجهولة ثمناً للمبيع، وجهالة بعض الثمن تمنع صحة البيع.
وتكون الزوائد والمنافع مضمونة عليه؛ لأنها مقبوضة بحكم البيع الفاسد.
وإن شرط أن تكون الزوائد رهناً فالشرط فاسد.
وهل يفسد الرهن في الأصل؟ فيه قولان:
وإذا حكمنا بفساد الرهن فهل يفسد البيع بفساده؟
فيه قولان.
وإن قلنا: يصح البيع، فللبائع الخيار، سواء قلنا: يصح الرهن في الأصل، أو لا يصح؛ لأنا إن قلنا: لا يصح الرهن في الأصل- فلم يسلم له الرهن.
وإن قلنا: يصح، فلم يسلم له الشرط، وهو رهن الزوائد.
ولو قال: أقرضني ألفاً، على أن أرهنك داري، ودابَّتي على أن لك منفعتها- نظر: إن شرط له المنافع ملكاً- فالقرض فاسد؛ لأنه قرض جرَّ منفعة؛ فيكون رباً.
وإن شرط رهناً فالقرض صحيح؛ لأن شرط الرهن في القرض يجوز والشرط فاسد للجهالة، وفساده لا يوجب فساد القرض؛ لأنه لا يجرُّ إلى نفسه نفعاً لا يباح له مثله، وهل يفسد الرهن في الأصل؟ فعلى قولين: لأنه زيادة للمرتهن.
ولو كان لرجل عليه ألف، فقال من عليه: زدني ألفاً، على أن أرهنك بألفين داري، أو بألف الأولى داري- لا يصح إقراض الألف الثانية؛ لأنه يجرُّ به إلى نفسه نفع الارتهان بالألف الأولى، ولا يصح بالألف الأولى.
ولو قال من عليه الألف: بعني عبدك بألف حتى أرهنك داري بألف الأولى، أو قال: بألفين جميعاً- لا يصح البيع ولا الرهن؛ لأنه جعل الألف منفعة الارتهان بالألف الأولى ثمناً، وإذا فسد الشرط سقط بعض الثمن، فبقي الباقي مجهولاً.
ولو كان عليه دين مؤجل، فقال لرب الدين: أرهنك داري به، على أن تزيدني في الأجل، ففعل- فالرهن فاسدٌ.
ولا يزداد الأجل.
ولو قال: رهنتك هذا الحق بما فيه بكذا، فإن كان ما فيه معلوماً عندهما- صح الرهن منهما جميعاً في الحق، وفيما فيه.
وإن كان ما فيه مجهولاً، لا يصح الرهن فيما في الحق.
وهل يصح في الحق أم لا؟ فعلى قولين: أصحهما وعليه نص: أنه يجوز.
ولو قال: رهنتك هذه الخريطة وما فيها.
وما في الخريطة مجهول، نص عليه أنه لا يصح الرهن في الخريطة، إلا أن يقول: رهنتك هذه الخريطة دون ما فيها- يصحُّ.
وفرق بأن الظاهر من الحق بأنه يكون ثميناً ذا قيمة، فيكون مقصوداً، فصح الرهن فيه وإن بطل فيما فيه، والظاهر من الخريطة أنها لا تكون ثمينة ذات قيمة، فيكون المقصود ما فيها، فإذا لم يصح ما فيها- لم يصح فيها، حتى لو كانت الخريطة ثمينة من ديباج؛ فيصح الرهن فيها في قول؛ كما يصح في الحق.
وإن أفرد الخريطة بالرهن صح الرهن فيها، وإن قلت قيمتها؛ لأنها بالإفراد صارت مقصودةً.
وإن لم يكن لها قيمة فلا تصح رهناً بحال؛ كبيع ما لا قيمة له- لا يصح.
باب الرهن غير مضمون
سبق الكلام فيه.
والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم