التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 173-221

ويجعل السجود أخفض من الركوع، ويدني جبهته من الأرض ما أمكنه، ولا يشترط وضع الجبهة على الوسادة، فإن كان به صداع أو رمدٌ لا يمكنه وضع الجبهة على الأرض، ويمكنه أن يضع على وسادة لا تخرج عن حد الساجدين يجب وضعها على الوسادة روي أن أم سلمة كانت تسجد على مخدة لرمد بها.
ولو عجز عن الإيماء بالرأس يومئ بعينيه، فإن عجز يتفكر بالقلب، ولا قضاء عليه، ولا ينتقص ثوابه، ولا يسقط الفرض منه ما دام العقل معه.
وعند أبي حنيفة: إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقط عنه الفرض، ولو لم يمكنه القيام إلا معتمداً على غيره أو مستنداً إلى جدار، يلزمه أن يصلي قائماً مستنداً.
وقيل: لا يلزمه ذلك، بل يصلي قاعداً، فإن صلى قائماً مستنداً جاز.
وإن كان بظهره علة لا تمنعه من القيام، وتمنع من الركوع والسجود لزمه القيام، ويركع ويسجد على قدر طاقته.
قال الشيخ- رحمه الله-: يحني بالركوع قائماً، وبالسجود قاعداً، فإن لم يمكنه أن يحنيَ ظهره في الركوع والسجود حنى رقبته، وإن أمكنه القيام والاضطجاع، ولا يمكنه القعود يتشهد، ويأتي بالجلوس قائماً.
قلنا: لأنه قعود وزيادة وإن تقوَّس ظهره حتى صار كأنه راكعٌ أو كانت به علة، لا تمكنه الاعتدال، وأمكنه القيام على هيئة الراكعين يجب أن يقوم كذلك، ويرفع رأسه وإن كان بعينيه وجع وهو قادر على القيام، فقيل له: إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له ترك القيام كالمريض.
والثاني: لا يجوز؛ لما روي عن ابن عباس أنه لما وقع في عينه الماء فقال له الأطباء: تمكث سبعاً لا تصلي إلا مستلقياً فسأل عائشة وأم سلمة فنهتاه.

وإذا كان يصلي قائماً فعجز عن القيام في خلال الصلاة يقعد، ويبني على صلاته، وإن عجز عن القعود ينام، ويبني، وإن كان يُصلي قاعداً للعجز فقدر على القيام في محل القيام عليه أن يقوم، فإذا كان يصلي نائماً فقدر على قيام، أو قعود- عليه أن يقوم أو يقعد ويبني.
وعند أبي حنيفة: النائم إذا قدر على قيام، أو قعود لا يبني فيقيس على بناء القيام على القعود، وإن كان يصلي قاعداً، فقدر على القيام في خلال الفاتحة، فقرأ بعض الفاتحة في الارتفاع لا تحسب، وعليه أن يعيد ما قرأ في الارتفاع بعدما اعتدل قائماً؛ لأن الواجب عليه في هذه الحالة أن يقرأ بقية الفاتحة قائماً، وحالة الارتفاع دون حالة القيام، وإن كان يصلي قائماً فعجز عن القيام في خلال الفاتحة، فقرأ بعضها في خلال الهويّ تحسب؛ لأن الواجب عليه أن يقرأ قاعداً، وحالة الهويّ فوق حالة القعود، فحيث قلنا: لا يحسب لا تبطل صلاته ولا سجود عليه إن كان ساهياً.
ولو قدر المريض على القيام بعد القراءة قبل أن يركع يجب أن يقوم فيركع، وليس له أن يقوم راكعاً؛ لأن الهوي من القيام شرط، وبمثله لو قدر على القيام في خلال الركوع، فله أن يقوم راكعاً، ولا يجوز أن يستوي قائماً، ثم يركع؛ لأنه يصير كأنه زاد ركوعاً.
قال الشيخ- رحمه الله-: فلو قام من الركوع وسجد جاز؛ لأن ركوعه قد تم قاعداً، ولو قدر على القيام بعدما اعتدل عن الرُّكوع، واطمئن لم يلزمه أن يقوم فيسجد؛ لأن الاعتدال ركن قصير لا يمد.
وقيل: يلزمه أن يقوم فيسجد كما لو قدر بعد القراءة يلزمه أن يقوم فيركع، ولو قدر بعد الركوع قبل أن يعتدل عليه أن يعتدل قائماً، ثم يسجد، فإن كان في الركعة الثانية من صلاة الصبح قدر بعدما رفع من الركوع، واطمأنّ قبل أن يقنت، عليه أن يقنت قائماً، فلو

قنت جالساً بطلت صلاته ولو قدر أن يصلي قائماً منفرداً، ويخفف القراءة.
وإذا صلى جماعة يحتاج أن يقعد في بعضها فالأفضل أن يصلي قائماً منفرداً؛ لأن القيام فرض، والجماعة فضيلة، فمراعاة الفرض أولى، فلو صلى مع الإمام وقعد في بعضها جاز، وكذلك لو أمكنه أن يصلي بأمِّ القرآن وحدها قائماً، وإن زاد عجز صلى بأمر القرآن قائماً، فلو ابتدأ السورة، وعجز فقعد جاز، ولا يجب أن يقطع السورة فيركع.
وأما السُّنن والتطوعات يجوز أداؤها قاعداً مع القدرة على القيام، ويكون ثوابه على النصف من ثواب القائم؛ لما روي عن عمران بن الحصين قال: سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: "من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد".
فلو صلى مضطجعاً مع القدرة على القيام والقعود هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز بدليل الحديث، وثوابه نصف ثواب القاعد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن عماد الصلاة الفعل، وهو يترك أكثر أفعالها مع القدرة عليها، ولو صلى بعض النافلة قائماً، والبعض قاعداً جاز.
فصلٌ: في سجود التِّلاوة روي عن ابن عمر أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد ويسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته.

سجود التِّلاوة مشروع عند عامة العلماء، وهو سُنَّة عند أكثرهم.
وقال أبو حنيفة: واجب، والدليل على أنه غير واجب ما روي عن زيد بن ثابت أنه قرأ عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- و"النَّجم" فلم يسجد فيها، ولو كان واجباً لأمره النبي- صلى الله عليه وسلم- وقال عمر بن الخطاب: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء.
وعدد سجود القرآن أربع عشرة، وبه قال أبو حنيفة لأن عندنا في "الحج" سجدتين وسجود "ص" سجود شكر ليس من عزائم السجود.
وعند أبي حنيفة سجود "ص" سجود تلاوة ولا سجود في آخر سورة "الحج"، والدليل على أن سجود "ص" ليس من عزائم السجود ما روي عن ابن عباس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- سجد

في "ص" وقال: سجدها داود توبة، وسجدتها شكراً.
وعن ابن مسعود أنه كان لا يسجد في "ص"، وقال: إنما هي توبة نبيٍّ.
والدليل على أن في سورة "الحج" سجدتين ما روي عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله فضلت سورة "الحج" بأن فيها سجدتين قال: "نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأها".
وقال ابن سُريج: عدد سجون القرآن خمس عشرة، وهو قول إسحاق بن راهويه؛ لما روي عن عمرو بن العاص أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أقرِأَه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث

في المُفَصّل، وفي سورة "الحج" سجدتان.
وقال مالك: سجود القرآن إحدى عشرة وليس في المفصل سجود وهو قول الشافعي في القديم؛ لما روي عن ابن عباس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوَّل إلى "المدينة"، والدليل على أنه يسجد فيها ما روي عن أبي هريرة قال: سجدنا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ واتفقوا على مواضع السجود إلا في "حم السجدة" فإن فيه وجهين:

أصحهما: يسجد عند قوله: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾.
وقيل: عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37].
ويجوز سجود التلاوة في الصلاة وغير الصلاة، أما سجدة "ص" لو سجدها خارج الصلاة فحسنٌ ولو سجد في الصلاة فيه وجهان: أصحهما: تبطل صلاته، كما لو سجد للشكر في الصلاة.
والثاني: لا تبطل صلاته؛ لأن سببه تلاوة القرآن، فإن كان الإمام حنفياً، فهو كما لو ترك قراءة الفاتحة على اعتقاده.
وإذا قرأ آية السجدة في الصلاة يكبر فيهوي، ولا يكبر للافتتاح، ولا يرفع يديه، ثم يكبر فيرفع رأسه ويقوم ولا يجلس للاستراحة، فإذا قام يستحب أن يقرأ شيئاً ثم يركع، فلو لم يقرأ وركع جاز، ولو قام راكعاً ولم يعد إلى القيام لم يجز؛ لأن عليه أن يبتدئ الركوع من القيام، وإن كان خارج الصلاة يستحب أن يكبر للافتتاح، ويرفع يديه حذو منكبيه، ويستحب أن يقوم فيكبر، ثم يكبر فيجسد ثم يكبر فيرفع، ولا يتشهد وهل يسلم؟ فيه قولان: أحدهما: لا يسلم.
والثاني: وبه قال عطاء يسلم؛ لأنه مفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى السلام، وقد قال الشافعي- رضي الله عنه-: وأقله أن يضع جبهته بلا شروع ولا سلام، ويقول في سجود التلاوة ما روي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول في سجود القرآن بالليل: "سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته".

وإن قال ما يقول في سجود صلاته جاز، ولو قرأ آية السجدة في الصلاة قبل الفاتحة يسجد، بخلاف ما لو قرأ في الركوع أو السجود لا يجوز أن يسجد؛ لأن القيام محل القراءة حتى لو قرأ آية السجدة في الصلاة، فهوى يسجد فشك، هل قرأ الفاتحة؟ فإنه يسجد للتلاوة، ثم يعود إلى القيام فيقرأ الفاتحة؛ لأن سجود التلاوة لا يؤخر، وإذا سجد التالي يستحب أن يسجد معه من يسمع تلاوته، سواء كان التالي في الصلاة، أو لم يكن في الصلاة، ويتأكد الاستحباب بشرطين: أحدهما: أن يكون مستمعاً لقراءته قاصداً، فإن لم يكن قاصداً إلى استماعه إنما سمعه مارّاً فلا يتأكد.
قال ابن عباس: السَّجدة لمن جلس لها.
الثاني: أن يسجد التالي، فإن لم يسجد التالي لا يتأكد في حق المستمع، ولو سجد فحسن روي عن عطاء بن يسار أن رجلاً قرأ عند النبي- صلى الله عليه وسلم- السجدة، فسجد فسجد النبي- صلى الله عليه وسلم- ثم قرأ عنده آخر السجدة، فلم يسجد فلم يسجد النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله قرأ فلان عندك السجدة فسجدت، وقرأت عندك السجدة فلم تسجد، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "كنت إماماً فلو سجدتَ سجدتُ".
وإذا سجد المستمع مع التالي لا يلزمه نيَّة الاقتداء به، ويجوز أن يرفع قبله، أما الإمام إذا سجد في الصلاة يجب على المأموم متابعته، ولو لم يسجد الإمام لا يجوز للمأموم أن يسجد؛ لأن متابعة الإمام فرض عليه، ولا يجوز للمصلِّي أن يسجد للتلاوة، غير إمامه، فلو فعل بطلت صلاته، فإذا فرغ فحسنٌ أن يسجد، كما يجيب المؤذّن بعد الفراغ من الصلاة.
ولو سجد الإمام للتلاوة، فلم ينتبه المأموم حتى رفع رأسه لا يجوز أن يسجد، ولو علم قبل أن يرفع رأسه يسجد، فلو كان في الهُويّ، فرفع رأسه يرجع معه، ولا يسجد.
وكذلك الضعيف الذي هوى مع الإمام قبل أن يصل إلى الأرض قام الإمام يقوم معه، ولو

قرأ رجل آيات السجدة في مكان واحد، أو في الصلاة في ركعة واحدة: يسجد لكل آية، ولو قرأ آية واحدة مراراً، فإن سجد للأولى يسجد للثانية، وإن لم يسجد للأولى يكفيه للكل سجود واحد.
وقال أبو حنيفة: يكفيه سجود واحد سجد أولاً أو آخراً، وبه قال ابن سُريج.
ولو تلا في سجود التلاوة لا يسجد ثانياً.
والركوع لا يقوم مقام السجود، وعند أبي حنيفة يقوم مقامه.
ولو قرأ آية السجدة في الصلاة، فلم يسجد وركع، ثم بدا له أن يسجد ليس له ذلك؛ لأنه شرع الفرض كما لو ترك التشهد الأول، وقام لا يجوز أن يعود إلى التشهد، فإن كان قبل بلوغه حدّ الراكعين يجوز أن يسجد.
ولو هوى يسجد للتلاوة، ثم في خلال الهُويّ بدا له ألا يسجد، فرجع جاز، كما لو قعد للتشهد الأول، فقرأ بعضه، ثم قام صحَّت صلاته، ولو بلغ حد الراكعين فبدا له أن يركع عن فرض الصلاة يجب أن يعود إلى القيام، ثم يركع؛ لأنه لم يقطع القيام لقصد الرُّكوع، كما قال الشافعي- رضي الله عنه-: لو رفع رأسه من الركوع لينتقل يجب عليه أن يعود.
ويشترط في سجود التلاوة الطهارة عن الحدث، وطهارة الثوب والمكان عن النَّجاسة، وسترُ العورة، واستقبال القِبْلَةِ، كما في الصلاة، وإن كان في السّفر سائراً، فإن كان راكباً سجد بالإيماء إلى الطريق، وإن كان ماشياً سجد على الأرض متمكناً إلى القِبلةِ.
ولو قرأ وهو غير متطهر فتطهر، فحسن أن يقضي، وكذلك المستمع إذا لم يكن على الطَّهارة، فحسن أن يتطهر، ويقضي ولا يتأكّد.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله- يجب عليه أن يقضي إلا أن يكون السامع حائضاً فلا يقضي، وكذلك لو قرأ الإمام في الصلاة آية السجدة، ولم يسجد لا يجوز للمأموم أن يسجد، فإذا فرغ من الصلاة وسلم، فحسن أن يقضي ولا يتأكد.
ولو قرأ في الأوقات المنهية عن الصلاة سجد، وعند أبي حنيفة لا يسجد، ويقضي بعده.
والله أعلم بالصواب.
بابُ سُجُود السَّهْوِ روي عن أبي سعيد الخُدريّ قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا شك أحدكم في صلاته

فلم يدر كم صلَّى ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم.

فإن كان يصلي خمساً شفعها بهاتين السجدتين، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان.
الشَّك في الصلاة قسمان: شك في أصل الصلاة أنه هل صلاها أم لم يصلها؟ فالأصل أنه لم يُصلّ، وعليه أن يصليها.
وشك في أفعالها، مثل أن شكَّ أنه صلى ثلاث ركعات، أم أربع ركعات؟ عليه أن يبني على اليقين، فيأخذ بالأقل، وهو أنه صلى ثلاثاً، فيصلي ركعة أخرى، ويسجد في آخر صلاته سجدتين للسهو، ولا يأخذ بغلبة الظن.
وعند أبي حنيفة: إن وقع له هذا أول مرة بطلت صلاته، وإن اعتاد ذلك يتحرَّى، ويأخذ بغلبة الظن، والحديث حُجَّة عليه.
ولو شك برُكنٍ من أركان الصلاة، أنه هل أتى به أم لا؟ فالأصل أنه لم يأت به، ثم ينظر إن لم يصل إلى ذلك الركن في الركعة الثانية، يعود إليه مثل أن شك في الركوع، أو في السجود أنه هل قرأ الفاتحة في هذه الركعة أم لا؟ يجب عليه أن يعود إلى القيام، فيقرأ ويعيد الركوع والسجود، وما أتى به لا يحسب؛ لأن الترتيب واجب في أفعال الصلاة، وإن وصل إلى ذلك الركن في الركعة الثانية، مثل أن قام إلى الركعة الثانية، وشك هل قرأ الفاتحة في الركعة الأولى، فهذه الركعة أُولاهُ، فإن كان قد ركع أو سجد في الثانية يمضي في صلاته، وهذه أُولاه فيصلي بعدها ثلاث ركعات إن كانت الصلاة [ذات] أربع ركعات، ويسجد للسهو في آخر الصلاة، ولو شكَّ بعد الفراغ من الصلاة أنه صلّى ثلاثاً أو أربعاً أو شكَّ في

ركن أنه هل أتى به أم لا، لا يلزمه شيء؛ لأن الظاهر أنه أدَّاها على التمام، ولو اعتبر الشَّك الطارئ بعد الفراغ من الصلاة لضاق الأمر على الناس.
وقيل: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: حكمه حكم ما لو تيقن الترك إن كان الفصل قريباً بنى، وإن طال استأنف.
قال الشيخ- رحمه الله-: عندي إن هذا وقع الشك والفصل قريب، فهو كما لو وقع في الصلاة وإن كان بعد طول الفصل فلا يعتبر.
ومحل سجود السهو قبل السلام، وهو قول أكثر أهل العلم، بدليل حديث أبي سعيد.
وعند أبي حنيفة، والثوري يسجد بعد السلام، ثم يتشهد ويسلم.
وذهب قوم إلى أنه إذا سجد بعد السلام يتشهد ويسلم.
وقال بعضهم: يسلم، ولا يتشهد فقال مالك: إن كان سهوه بزيادة فعل يسجد بعد السلام، وإن كان بنقصان فقبل السلام، وإن شك في عدد الركعات بنى على اليقين وسجد بعد السلام.
وإذا قام إلى الخامسة في صلاة ذات أربع ركعات، ثم تذكر يجب أن يعود إلى التشهد سواء قيد الخامسة بالسجود، أو لم يقيد، وسواء قعد في الرابعة، أو لم يقعد حتى لو صلَّى خمس ركعات ساهياً سجد للسهو وسلم وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن قيد الخامسة بالسجود عاد وسلم، وسجد للسهو، وإن كان قد قيد بالسجود، نظر إن لم يكن قعد في الرابعة بطلت صلاته، وإن قعد في الرابعة ضم إليها ركعة أخرى حتى يصير شفعاً، فأربعة فرض، وركعتان نفل، وبه قال الثوري.
والدليل على ما قلنا ما روي عن عبد الله بن مسعود ـن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر خمساً فقيل، له: أزيد في الصلاة فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلم، فالنبي- صلى الله عليه وسلم- إن لم يكن قعد في الرابعة لم يعد الصلاة، وإن كان قد قعد لم يضم إليها ركعة أخرى.
ثم عندنا إذا عاد إلى القعود، نظر إن لم يكن قد تشهَّد في الرابعة، أو شك هل تشهد أم لا؟ فيجب عليه أن يتشهد، ثم يسجد للسهو، [ويسلم] وإن كان قد تشهَّد سجد

للسهو، ويسلم ولا تجب إعادة التشهد على ظاهر المذهب.
وفيه وجه آخر: أنه يعيد التشهد حتى يكون منتقلاً من ركن التشهد إلى السلام؛ لأن الموالاة شرط.
وعلى هذا لو شك في السجود أنه هل ركع أم لا؟ أو تيقن أنه ترك الركوع، عليه أن يعود إلى الركوع، ويجوز أن يقوم راكعاً على ظاهر المذهب.
وعلى الوجه الآخر يقوم، ثم يركع، كما قال الشافعي.
ولو قدر المريض على القيام بعد القراءة لا يقوم راكعاً، بل يعتدل قائماً، ثم يركع، والأول أصح كما لو قام إلى الخامسة ساهياً بعد السجود، ثم ذكر، فلا يعود على السجود، بل يجلس ويتشهد.
ولو شكَّ في عدد الركعات، أو في ركن من أركان الصلاة أنه هل أتى به أم لا؟ ثم تذكَّر أنه قد أتى به هل يلزمه سجود السهو؟ نظر إن كان مفعوله من وقت الشك إلى زمان التذكر مما يقطع على المغيب أن عليه فعله لا يلزمه سجود السهو، وإن كنا لا نقطع أن عليه فعله يلزمه سجود السهو.
بيانه: إذا شك في القيام من صلاة الظهر أن هذه ثالثته أم رابعته؟ فبنى على اليقين فركع وسجد على هذا الشك، ثم تذكر قبل القيام إلى الركعة الأخرى أنها ثالثته، أو رابعته لا يلزمه سجود السهو؛ لأن هذه الأفعال كانت عليه في المحتملين جميعاً قطعاً، فإن لم يتذكر حتى قام إلى الركعة الأخرى يلزمه سجود السهو، وإن تذكر أنها كانت ثالثته، وهذه رابعته؛ لأنا لم نكن نقطع على المغيب أن عليه فعل هذا القيام؛ لأنه كان في أحد المحتملين أنه قام إلى الخامسة.
وإن وقع له هذا الشك في ركن، وزال الشك قبل الانتقال عن ذلك الركن، وكان ذلك الركن في أحد المحتملين قبل التذكر زائداً مثل أن شك في التشهد أنه صلى أربعاً أم خمساً؟ ثم تذكر أنه صلى أربعاً أو لم يتذكر لا سجود عليه؛ لأنه في الحقيقة شك في أنه هل سها أم لا؟ والأصل أنه غير ساهٍ.
ولو وقع له هذا الشك في السجود، فتذكر قبل أن يرفع رأسه أنه في الرابعة لا سجود عليه، وإن رفع رأسه، ثم تذكر أنه في الرابعة، نظر إن وقع له هذا الشك في السجود الأول، فرفع رأسه وسجد الثانية، ثم تذكر عليه سجود السهو، وإن وقع في السجود الثاني، فلا سجود عليه؛ لأن الرفع أمر لابدّ منه، فهو كما لو تذكر في السجود.

ولو شَكّ في التشهد أن هذا تشهده الأول، أو الثاني، فقرأ التشهد الثاني على الشك، ثم تذكر بعد ما قام، عليه سجود السهو، وإن بان أنه تشهده الأول؛ لأن هذا القيام زائد في أحد المحتملين، وإن تذكر قبل أن قام، سواء تذكر أنه تشهده الأول أو الثاني، لا سجود عليه؛ لأنه في أحد المحتملين عليه إلا أنه إذا بان أنه تشهده الثاني يجب عليه أن يعيد ما قرأ من التشهد في حال الشك؛ لأنه قراءة بنيَّة السُّنة.
ولو شك في القيام في صلاة المغرب أنها أولاه أو ثانيته؟ فأخذ باليقين أنها أولاه، فأتم تلك الركعة، وقام على الثانية، ثم تذكر، نظر، إن تذكر أنه قام على الثالثة، عليه سجود السهو لترك التشهد الأول، وإن تذكر أنه قام إلى الثانية، فلا سجود عليه.
وإن كان في أحد المحتملين أنه قام على الثالثة، وترك التشهد الأول، لأن هذا القيام في المحتملين كان عليه وسجود السهو لو لزمه [لزمه] بترك التشهد الأول، وبان أنه لم يتركه.
فصلٌ روي عن عبد الله ابن بحينة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه كبّر، وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم.

القعود للتشهد الأول، والقنوت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان سُنتان لو ترك واحداً منهما ناسياً يلزمه سجود السهو، ولو ترك عامداً ففيه وجهان: أصحهما: يسجد؛ لأنه إذا لزمه السجود بالسهو فبالعمد أولى؛ لأنه أفحش.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة- لا يسجد؛ لأنه سجود مضاف إلى السهو، فلا يلزم بالعمد، فإذا نسي التشهد الأول قعوداً أو قراءة، فقام ثم تذكر بعدما اعتدل قائماً لا يجوز أن يعود؛ لأن القيام فرض، فلا يجوز أن يعود منه إلى السُّنة، فإن عاد عالماً بطلت صلاته، وإن

عاد ساهياً لم تبطل صلاته، فإن تذكر عليه أن يقوم في الحال ولو عاد جاهلاً بالحكم هل يعيد؟ فيه وجهان: أصحهما: يعذر كالناسي؛ لأنه مما يخفى على العوام، وإن قام فتذكر قبل أن يعتدل قائماً يعود ويتشهد، وهل يسجد للسهو أم لا؟ ينظر إن كان إلى الجلوس أقرب، وهو أن يكون قبل انتصاب الساقين لا يسجد للسهو، وإن كان إلى القيام أقرب سجد للسهو؛ لأن ذلك القدر لو فعله عمداً في غير موضعه تبطل صلاته.
والدليل عليه ما روي عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس، وإن استوى قائماً، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو، وكذلك لو ترك القنوت، فتذكر بعدما وضع جبهته على الأرض

لا يجوز أن يعود، فإن عاد بطلت صلاته، وإن تذكر قبل أن يضع جبهته يعود، ويقنت، ثم إن عاد بعد بلوغه حد الراكعين يلزمه سجود [للسهو]، وإن عاد قبل بلوغه هذا الحدَّ لا يلزمه سجود السهو.
ولو كان يصلي مع الإمام فترك الإمام التشهد الأول، وقام، أو ترك القنوت وسجد لا يجوز للمأموم أن يشتغل به، فلو فعل بطلت صلاته، بل يجب عليه متابعة الإمام، فلو خرج عن متابعته وتشهد، فهو خروج بالعذر.
ولو قعد الإمام للتشهد الأول، فقام المأموم ساهياً، يجب عليه أن يعود؛ لأن متابعة الإمام فرض، فإن لم ينتبه حتى قام الإمام لا يجوز أن يعود، فلو نسي الإمام التشهد، فقام، وقام المأموم معه، ثم عاد الإمام لا يجوز للمأموم أن يعود معه، بل يخرج عن متابعته، فلو انتظره قائماً وحمل عوده على النسيان هل يجوز؟ فيه وجهان.
ولو ترك التشهد الأول عمداً، ثم عاد قبل أن اعتدل قائماً، نظر إن عاد بعد ما صار إلى القيام أقرب بطلت صلاته، وإن عاد قبله لا تبطل صلاته، وكذلك القُنُوت.
فصلٌ إذا جلس في الركعة الأولى على اعتقاد أنها ثانيته، نظر إن زاد جلوسه على جلسة الاستراحة يلزمه سجود السهو، سواء قرأ شيئاً من التشهد، أو لم يقرأ، وإن فعله عمداً بطلت صلاته، وإن لم يزد، نظر إن لم يقرأ شيئاً من التشهد، لا سجود عليه؛ لأن هذا الجلوس سُنة، ولو أوجبنا سجود السهو لقصده عن غيره، لأوجبنا بمجرَّد عمل القلب، ومجرد عمل القلب لا يوجب سجود السهو.
وإن قرأ شيئاً من التشهد وإن قلَّ، فهو كما لو تشهد في القيام أو قرأ الفاتحة في التشهد ساهياً، فيلزمه سجود السهو، كما لو سجد أو ركع في غير محله، هذا هو المذهب،

وقيل: لا يلزمه سجود السهو؛ لأن حكم الذِّكر أخف من حكم الفعل ولو فعله عمداً، والمذهب أن صلاته لا تبطل.
وقيل: تبطل، وكذلك لو مد الاعتدال عن الركوع في غير محل القنوت [بالقنوت]، أو بذكر آخر، أو بالسكوت، أو أطال القعود بين السجدتين عمداً، بطلت صلاته، ولو سها يلزمه سجود السهو، فلو لم يطل، لكنه قرأ [فيه] التشهد، أو الفاتحة، أو قنت، فالمذهب أنه يلزمه سجود السهو، وإن تعمد فالمذهب أن صلاته لا تبطل.
واعلم أن سجود السهو إنما يجب بأحد أمرين: إما بترك مأمور، أو بارتكاب منهيّ أما ترك المأمور، فما يوجب عمده بطلان الصلاة يوجب سهوه سجود السهو، مثل أن يترك ركوعاً أو سجوداً أو قراءة، وما لا يوجب عمده بطلان صلاته، مثل إن ترك قراءة السورة، وتكبيرات الانتقالات والتسبيحات والجهر والإسرار وغيرها من السنن، فسهوه لا يوجب سجود السهو إلى الأبعاض، وهي التشهد الأول قعوداً وقراءة؛ والقنوت والصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول على أحد قولين، فإن تركها عمداً لا توجب بطلان الصلاة، ولو تركها سهواً يلزمه سجود السهو.
وأما ارتكاب المنهي، فما يوجب عمده بطلان الصلاة، يوجب سهوه سجود السهو، إن لم تبطل الطهارة، وذلك مثل أن يتكلم أو يسلم في غير موضعه، أو يعمل عملاً، أو يزيد ركوعاً، أو سجوداً، أو قياماً، أو قعوداً.
وما لا يوجب عمده بطلان الصلاة، فسهوه لا يوجب سجود السهو، مثل الالتفات، والخطوة والخطوتين، إلا نفل القراءة، فإن عمده لا يوجب بطلان الصلاة على ظاهر المذهب، وسهوه يوجب سجود السهو.
أما إذا أحدث فيستوي عمده وسهوه؛ لأنه يبطل الطهارة في الحالين.
فصلٌ الترتيب في أركان الصلاة واجب، فإن ترك عمداً بأن سجد قبل الركوع، أو ركع قبل القراءة، بطلت صلاته، وإن سها عليه أن يعود إلى الركن المتروك.
بيانه: إذا نسى السجدة الأخيرة من الركعة الأولى فقام، ثم تذكَّر، لا يخلو إما أن يذكر قبل أن يسجد، أو بعد ما سجد.

فإن تذكر قبل أن يسجد في الثانية، عليه أن يعود لإتمام الركعة الأولى، حتى لو كان في الركوع لا يجوز أن يعتدل قائماً، بل يهوي، ثم ينظر إن كان قد قعد بين السجدتين في الركعة الأولى يهوي إلى السجود، هذا هو المذهب.
وإن لم يكن قد قعد بين السجدتين، فإنه يجلس، ثم يسجد.
وقيل: يهوي إلى السجود، ولا يجلس؛ لأن الجلوس بين السجدتين للفصل بينهما، وقد حصل الفصل بالقيام، وليس بصحيح؛ لأن الجلوس فريضة، فلا يقوم القيام مقامه، كما لا يقوم الجلوس مقام التشهد.
وإن كان قد جلس بين السجدتين بنية جلسة الاستراحة، أو بنية التشهد الأول، فقد قيل: يعود ساجداً، ويحسب هذا الجلوس غير الجلوس بين السجدتين.
والمذهب أنه لا تحسب، لأنه جلس بنيَّة السُّنة، فلا يقوم مقام الفرض، كما لو سجد للتلاوة، أو للسهو لا يقوم مقام [سجود] الفرض، بل عليه أن يجلس ثم يسجد.
وإن وقع هذا في الركعة الأخيرة، فجلس بنيَّة التشهد الأخير، قام مقام القعود بين السجدتين؛ لأنه فرض.
أما إذا تذكَّر بعد أن سجد في الثانية نظر إن تذكر في السجدة الأولى، وكان قد قعد بين السجدتين، تمَّت الأولى بهذه السجدة، فعليه أني قوم، فإن لم يكن قد قعد بين السجدتين، فلا تتم أولاه بهذه السجدة، بل يقعد، ثم يسجد الثانية حتى يتم الركعة الأولى، ثم يقوم، وأعماله في الثانية كلا عملٍ إلا هذه السجدة الواحدة.
وإن تذكر في السجدة الثانية تمَّت الأولى بإحدى السجدتين، إما بالأولى إن كان قد قعد بين السجدتين، أو بالثانية إن لم يكن قد قعد، فيقوم إلى الركعة الثانية.
وإذا صلى صلاة ذات أربع ركعات، ففي التشهد الأخير تذكر أنه نسي سجدة منها، نظر إن علم أنه نسيها من الأخيرة سجدها، واستأنف التشهد، وسجد للسهو وسلم، وإنما قلنا: يسجد للسهو؛ لأنه طوَّل الجلوس بين السجدتين بالتشهد، فإن لم يكن طوَّل، ولا قرأ شيئاً من التشهد لا يلزمه سجود السهو، وإن علم أنه تركها من إحدى الركعات الثلاث، أو لم يدرِ أنه ترك من الركعة الأخيرة، أو من إحدى الثلاث يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنه تركها من إحدى الثلاث، فعليه أني قوم ويصلي ركعة، ويسجد للسهو.
وإنما قلنا: يصلي ركعة؛ لأنه إن تركها من الأولى تمَّت الأولى بالثانية، وأعماله في

الثانية كلا عملاٍ، وإن ترك من الثانية تمَّت الثانية بالثالثة، وأعماله في الثالثة كلا عمل.
وإن ترك من الثالثة تمَّت الثالثة بالرابعة وأعماله في الرابعة كلا عملٍ، فعليه أن يصلِّي ركعة.
وإن تذكر أنه نسي سجدتين، ولا يدري كيف تركهما من الرَّكعة الأخيرة، أو من إحدى الركعات، وعلم أنه تركهما من ركعة واحدة، حصل له ثلاث ركعات، فعليه أن يقوم ويصلِّي ركعة، وإن شك لم يدرِ أنه تركهما من ركعة واحدة، أو من ركعتين، يحصل له ركعتان لاحتمال أنه ترك واحدة من الأولى، وواحدة من الثانية تتم الأولى بالثانية، وتتم الثالثة بالرابعة، واعماله فيما بينهما كلا عملٍ، فيقوم ويصلِّي ركعتين.
وإن تذكر أنه نسي ثلاث سجدات لا يدري كيف تركها؟ يحصل له ركعتان، يجعل كأنه ترك من كل ركعة من الأوليات سجدة.
وإن نسي أربع سجدت تجعل له ركعتان إلا سجدة، يجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ومن الثالثة سجدتين، ومن الرابعة سجدة، تمت الأولى بالثانية، وصارت رابعته ثانيته، فيسجد في الحال سجدة، حتى تتم هذه الركعة، ثم يقوم ويصلّي ركعتين.
وإن نسيَ خمس سجدات، حصلت له ركعة، يجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ولم يسجد في الثانية، ولا في الثالثة، وسجد في الرابعة سجدة، تتم الأولى بهذه السجدة، فيقوم ويصلي ثلاث ركعات.
ولو ترك ست سجدات، يحصل له ركعة.
وإن ترك سبع سجدات فركعة إلا سجدة يسجد في الحال سجدة، ثم يقوم، ويصلي ثلاث ركعات، هذا كله فيما إذا علم أنه قعد بين السجدتين، ثم نسي السجدة الثانية، أو قلنا بالوجه البعيد أن القيام يقوم مقام القعود بين السجدتين.
فإن قلنا: لا يقوم مقامه، ولم يكن قعد بين السجدتين، أو شكّ هل قعد أم لا؟ فإذا شك في أربع سجدات، لا يحصل له إلا ركعة ناقصة سجدة، ثم قعود للتشهد الأخير، يقوم مقام القعود بين السجدتين، فيسجد سجدة أخرى، ويقوم ويصلّي ثلاث ركعات.
ولو أن مسافراً شرع في الظهر بنيَّة القصر، فصلاها أربع ركعات ساهياً، وترك من كل ركعة سجدة حصلت له ركعتان، وصحت صلاته، فيسجد للسهو، ويسلم، وكذلك الجمعة لو صلاها أربعاً سهواً.
كذلك لو قعد للتشهد في صلاة الصبح، فتذكر أنه ترك ركوعاً، نظر إن علم أنه ترك من الأولى، تمَّت الأولى بركوع الثانية، وما قبل الركوع لغوٌ، فيقوم ويصلي ركعة، وإن علم أنه ترك من الثانية يعود إلى القيام، ثم إلى الركوع، ويعيد السجدتين والتشهد.

وإن شك لم يدرِ من أيهما ترك، يجعل كأنه ترك من الأولى، فيقوم ويصلّي ركعة ولو كان في الركوع من الرَّكعة الثانية، فتذكر أنه ترك الفاتحة من إحدى الركعتين، نظر إن علم أنه ترك من الأولى، فهذه الركعة أولاه يتمُّها، ويصلي ركعة أخرى، وإن علم أنه تركها من الثانية يعود إلى القيام فيقرأ ثم يركع.
وإن شك لم يدر من أيهما ترك، يجعل كأنه ترك من الأولى، وحصل له قيام وركوع، فيمضي في ركعة فيتمها، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى.
وإن تيقَّن في آخر الصلاة أنه ترك ركناً يعرف عينه، يجب عليه أن يصلي ركعة كاملة إذا تحقق الإتيان بالنية والتكبير، فإن شك في واحد منهما عليه استئناف الصلاة.
فصلٌ إذا شك المصلّي أنه هل سها أم لا؟ أو هل ارتكب منهياً؟ فلا سجود عليه؛ لأن الأصل عدم السهو، وكذلك لو شك في الجملة أنه هل ترك مأموراً أم لا؟ فلا سجود عليه.
أما إذا شك مفصلاً، نظر إن كان في ارتكاب منهي، مثل أن شك هل تكلم ناسياً؟ أو هل سلم في غير موضعه؟ أو هل شك في عدد الركعات فبنى على اليقين؟ فالأصل أنه لم يفعل، ولا سجود عليه وإن شك في ترك مأمور، مثل أن شك هل ترك مأمور كذا؟ فالأصل أنه لم يأت به، وكذلك لو شك هل قعد للتشهد الأول، أو هل قنت أم لا؟ فالأصل أنه لم يأت به، فعليه سجود السهو ولو تيقن السهو، لكنه لم يدرِ أنه ترك مأموراً وارتكب منهياً يجب عليه سجود السهو؛ لأن السهو يقينٌ، ولو تيقَّن السهو، وشكّ أنه هل سجد لسهو أم لا؟ فالأصل أنه لم يسجد، فعليه أن يسجد، وكذلك لو شك أنه سجد للسهو واحدة أو ثنتين، سجد سجدة أخرى، فإذا سجد ثم تحقق أنه كان قد سجد سجدتين، لا يلزمه أن يسجد ثانياً؛ لأنه سهو في سجود السهو، والسهو في سجود السهو لا يوجب سجود السهو، حتى لو تكلم في سجدتي السهو، أو في أحدهما، أو سلّم بينهما لا يلزمه سجود السهو؛ لأنه لا يمن من وقوع مثله في السجود فيؤدي إلى ما لا يتناهى كما يقال في اللغة: التصغير لا يُصغّر.
وقال صاحب "التلخيص": إذا سها بعد سجدتي السهو، يلزمه سجود السهو؛ لأن السجود السابق لا يجبر سهواً وقع بعده، والأول المذهب للاتفاق على أنه لو سجد ثلاثاً لا يلزمه سجود السهو.
أما السهو بسجود السهو موجب سجود السهو، مثل أن شك هل قعد للتشهد الأول أو هل قنت أم لا؟ فسجد للسهو، ثم بان أنه قد أتى به، يلزمه أن يسجد ثانياً، لأن سهوه هذا السجود، فعليه جبرُهُ.

وسئل القاضي عمَّن ظن أن سهوه ترك القنوت، فسجد للسهو، ثم بان أنه لم يتركه بل تكلم ناسياً، قال: عليه أن يسجد للسهو ثانياً؛ لأنه قصد بالأوليين جبر ما هو مجبور، وجبر الخلل عليه، وإن كان عنده أنه ترك القنوت، وتكلم ناسياً، فسجد للسهو، ثم بان أنه لم يترك القنوت، لا يلزمه إعادة سجود السهو.
وقيل: لا يلزمه أن يسجد ثانياً في الموضعين، وقطع به في كرَّة أخرى؛ لأن سجود السهو لجبر الخلل، وقد قصد جبر الخلل.
ولو سها في صلاة سهوين، أو أكثر، لا يلزمه إلا سجدتان، بدليل حديث ذي اليدين أن النبي- صلى الله عليه وسلم- تكلّم ومشى، ولم يزد على سجدتين، وتأخير سجود السهو عن حالة السهو إلى آخر الصلاة لهذا المعنى، فلو كان لا يتداخل لكان يؤمرُ بالسجود حالة السهو، كسجود التلاوة يأتي به حالة ما يتلو.
ولو سها في صلاة الجمعة، فسجد للسهو، فقبل أن سلم خرج الوقت، يجب عليه إكمال الظهر ويسجد ثانياً في آخر صلاته، وكذلك المسافر لو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، فسها وسجد للسهو، فقبل أن سلّم نوى الإتمام، أو صار مقيماً، عليه أن يتم الصلاة، ويسجد ثانياً في آخر صلاته؛ لأن محلَّ سجود السهو آخر الصلاة، وسجود السهو سُنَّة، فلو نسي سجود السَّهو وسلم، نظر إن تذكر، والفصل قريب، سجد، فلو لم يفعل فصلاته صحيحة، وإن طال الفصل، ففيه قولان: قال في الجديد: لا يسجد؛ لأن محله الصلاة، فبعد طول الفصل لا يبنى، كما لو ترك ركناً من الصلاة، فتذكر بعد ما سلم، وطال الفصل لا يبنى.
وقال في القديم: يسجد بعد طول الفصل؛ لأنه جبران عبادة، فيجوز أن يتراخى عنها، كجبران الحج، فحيث قلنا: يسجد بعد السلام فسجد، هل يعود إلى حكم الصلاة؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأن محلّ سجود السهو قبل السلام.
والثاني وهو المذهب لا يعود على حكم الصلاة؛ لأنه تخلَّل عنها بالسلام، بدليل أنه لو سجد جاز، ولو كان سلامه غير محسوب للزمه الرجوع، وفائدته تتبين في مسائل.
منها: أنه لو تكلم عامداً، أو أحدث بعد ما عاد إلى السجود، هل تبطل صلاته؟ إن قلنا: عاد إلى حكم صلاته تبطل، وإلا فلا، وهل يكبر للافتتاح؟ وهل يتشهد بعد السجدتين؟ فيه وجهان:

أحدهما: يتشهَّد؛ لأن سجود الصلاة بعده يتشهد.
والثاني: وهو الأصح لا يتشهد؛ لأن المتروك هو السجود، فلا يلزمه معه شيء آخر.
والصحيح: أنه لو سلّم، سواء قلنا: يتشهد أو لا يتشهد، ولو ترك سجود السهو عمداً وسلّم، فبعد طول الفصل لا يسجد، وهل يسجد على قرب الفصل فيه وجهان: أصحهما: لا يسجد؛ لأنه قطع الصّلاة بالسلام العمد.
فصلٌ روي عن معاوية بن الحكم قال: بينما أصلِّي أنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ عطس رجل، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: ما شأنكم تنظرون إليَّ فلما صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
أو كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا سها المأموم خلف إمامه فلا سجود عليه ويتحمل عنه الإمام.
فإن معاوية بن الحكم لم يأمره النبي- صلى الله عليه وسلم- بالسجود، مع أنه تكلم خلفه، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "الأئمة ضمناء والضمين من يتحمل، فلو سها الإمام يجب على المأموم سجود السهو، فالإمام لما لزمه سهو نفسه تحمَّل عنه سهوه، فلو سها الإمام ولم يسجد للسهو، فالمأموم يسجد؛ لأن سهو الإمام أوقع خللاً في صلاة المأموم، فعليه جبرُهُ فقال

المزني: لا يسجد المأموم؛ لأنه لزمه متابعة الإمام، كسجود التلاوة، فإذا تركه الإمام لا يأتي به المأموم.
قلنا: لأن سجود التلاوة يكون في خلال الصلاة، فإذا تركه الإمام لا يجوز للمأموم مخالفته، وسجود السهو يأتي به بعد مفارقة الإمام، فلا يكون فيه مخالفة الإمام، فلو ترك الإمام سجود السهو وسلّم، ثم عاد ليسجد، فهل على المأموم موافقته لا يخلو إما أن يسلم المأموم معه، أو لم يسلم، فإن سلَّم معه ناسياً فإذا سجد الإمام يسجد معه، فإن لم يفعل هل تبطل صلاته أم لا؟ إن قلنا: عاد الإمام إلى حكم صلاته بطلت، وإلا فلا، وإن سلَّم المأموم عمداً ذاكراً للسهو، فإذا عاد الإمام لا يلزمه متابعته، وصحَّت صلاته، وإن لم يسلم المأموم، فعاد الإمام ليسجد، نظر إن عاد بعد أن سجد المأموم للسهو، فلا يجوز أن يتابع الإمام؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالسجود، وإن عاد قبل أن يسجد المأموم إن قلنا: عاد إلى حكم صلاته يلزمه متابعته، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
وإن قلنا: لم يعد إلى حكم صلاته لا يجوز أن يتابعه، بل يسجد منفرداً، فإن تابعه بطلت صلاته، وكذلك إذا كان خلف الإمام مسبوق، فبعد تسليم الإمام قام المسبوق لقضاء ما فاته، فإذا عاد الإمام ليسجد لا يتابعه المسبوق؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالقيام.
وإن كان الإمام حنفياً فسلّم قبل أن يسجد للسهو، فلا يسلم معه المأموم، بل يسجد قبل السلام منفرداً، ولا ينتظر سجود الإمام؛ لأنه فارقه بالسلام.
ولو سها الإمام، ثم سبقه الحدث، فالمأموم يتم صلاته منفرداً، ويسجد للسهو.
ولو سها المأموم، ثم سبق الإمام الحدث لا يسجد للسهو؛ لأن الإمام تحمل عنه.
ولو قام الإمام إلى الخامسة ساهياً، فخرج المأموم عن متابعته، نظر إن خرج قبل بلوغه حد الرَّاكعين لا سجود عليه؛ لأنه فارقه قبل أن يحقِّق سهوه، وإن خرج بعد بلوغه حدّ الراكعين سجد للسهو؛ لأن سهو الإمام لحقه.
ولو سجد الإمام في آخر صلاته سجدتين يجب على المأموم متابعته، ويحمل على أنه سها، ولم يطلع عليه المأموم حتى لو لم يسجد إلا واحدة سجد المأموم أخرى، ويحمل على أن الإمام نسيها، بخلاف ما لو قام الإمام إلى الخامسة لا يجوز للمأموم أن يتابعه حملاً على أنه ترك الفاتحة في ركعة؛ لأنه لو تحقق ذلك لم تكن له متابعته؛ لأن المأموم قد أتى به يقيناً.
قيل للقاضي- رحمه الله-: لو كان مسبوقاً بركعة أو شاكّاً في قراءة الفاتحة في ركعة،

قال: لا يجوز أن يتابع الإمام في الخامسة؛ لأن الواجب عليه قضاء ما فاته منفرداً، وإذا سها الإمام وخلفه مسبوق يجب على المسبوق أن يسجد مع الإمام في آخر صلاته، سواء أدرك سهو الإمام، أو لم يدرك، فلو لم يسجد الإمام في آخر صلاته لا يجوز للمسبوق أني سجد في آخر صلاة الإمام حتى لو سجد بطلت صلاته؛ لأن ذلك يلزمه لمتابعته الإمام، ثم إذا تم المسبوق صلاته، هل يلزمه أن يسجد في آخر صلاة نفسه، سواء سجد مع الإمام أو لم يسجد؟ نظر إن أدرك سهو الإمام فيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المُزنيّ- رحمه الله- لا يسجد؛ لأنه لمتابعة الإمام، وقد ارتفعت المتابعة.
والثاني: وهو الأصح نصّ عليه في "الأم"- أنه يسجد؛ لأن سهو الإمام أوقع خللاً في صلاته، وما أتى مع الإمام كان لمتابعة الإمام، فلا يكون محسوباً له؛ لأنه في غير محله، وإن لم يدرك سهو الإمام ترتب على ما لو أدركه إن قلنا ثم لا يسجد في آخر صلاته، فها هنا أولى وإلا فقولان، والأصح أنه يسجد حتى لو اقتدى بهذا المسبوق بعدما فارق الإمام مسبوق آخر، وبذلك المسبوق ثالث، فعلى كل واحد أن يسجد لمتابعة إمامه، ثم يسجد ثانياً في آخر صلاته.
ولو سها المسبوق في قضاء ما فاته عن قلنا: لا سجود عليه لسهو الإمام في آخر صلاته سجد لسهو نفسه.
وإن قلنا: يلزمه أن يسجد لسهو الإمام يكفيه لذلك سجدتان لسهوه وسهو الإمام، ولو سلّم المسبوق بتسليم الإمام ساهياً، ثم تذكر يتم صلاته، ويسجد للسهو؛ لأن سهوه بالسلام كان بعد مفارقة الإمام، فلو قدر المأموم الموافق أن إمامه قد سلم فسلّم، فبان أنه لم يسلم، عليه أن يسلم معه، ولا سجود عليه، ولو تيقَّن المأموم في التشهد أنه ترك الفاتحة في ركعة، أو شك في فواتها، فإذا سلَّم الإمام، عليه أن يقوم ويُصلِّي ركعتين، ولا سجود عليه؛ لأن سهوه كان خلف الإمام، فلو سها في هذه الركعة سجد للسهو؛ لأنه منفرد.
فصلٌ: في سجود الشُّكر روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه رأى نغاشياً فسجد شكراً لله عز وجل.

وعن أبي بكر أنه سجد حين بلغه فتحُ "اليمامة".
وسجد على حين بلغه قتل ذي الثّدية.
سجود الشكر سنة لنعمة تحدثن أو بليَّة تندفِعُ.
وعند أبي حنيفة بِدعة، والحديث حُجة عليه، ولا يشرع لجميع النِّعَم، لأن نعم الله متواترة لا تُحصى، بل لنعمة طال ما كان يرقبها أو بليَّة طال ما يتوقع انكشافها، أو رأى مبتلىً ببليَّة أو بمعصية، ولو أراد أن يصلي أو يتصدق شكراً فحسن، ثم إن كان يسجد لنعمة حدثت له من شفاء مريض، أو حدوث ولد، أو قدوم غائب، يجوز أن يظهره، وإن كان لبليَّة في غيره، ينظر فإن كانت به علة أو زمانةٌ يخفى السجود عنه حتى لا يضجر به المُبتلى، فيحمله ذلك على الكُفران، وإن لم يكن معذوراً بأن كان في فسق أو فجور، فيظهر السجود بين يديه لعله يحمله ذلك على التوبة.
ولا يجوز سجود الشُّكر في الصلاة، فلو فعل بطلت صلاته.
وإذا أراد أن يسجد يستقبل القِبلة، ويكبر، ويرفع يديه، ثم يكبر للهُوِيِّ، ثم يكبر فيرفع، ولا يتشهد وهل يسلم؟ فيه وجهان كما ذكرناه في سجود التلاوة.
ويسجد الرَّاكبُ في السَّفَرِ بالإيماء إلى الطريق، والماشي يسجد على الأرض مستقبل القبلة، ويشترط فيه الطهارة عن الحدث، وطهارة الثوب والمكان عن النجاسة، كما في سجود التلاوة.
والله أعلم.
باب الصلاة بالنَّجاسة قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4].
قد ذكرنا أن شرائط جواز الصلاة خمسة، وذكرنا حكم الطَّهارة عن الحدث، وستر العورة، والقِبلة، والوقت، ومن شرائطه [طهارة] البدن، والثوب، والمكان عن النَّجاسة، فلا خلاف أن القليل من دم البرغوث والقمل والبعوض، وما يخرج من بدن الإنسان من الدم والقيح والصديد يكون عفواً تصح الصلاة معه، سواء كان على بدنه، أو [على] ثوبه؛ لأن الإنسان قلّ ما يخلو عن بثرةٍ ببدنه يخرج منها شيءٌ.

وعن البرغوث والقمل فيشق عليه الاحتراز فعفا عنه الشرع حتى لا يضيق الأمر على النَّاس، فإن كثر ذلك وعرق في ذلك الثوب حتى انتشر، هل يكون عفواً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعفى؛ لأن الكثير لا يشق الاحتراز عنه.
والثاني: يعفى؛ لأن هذا الجنس يتعذر الاحتراز عنه، فوقع عفواً، وإن أصابه دمٌ من غيره، فلا يعفى عن كثيره، وهل يعفى عن قليله؟ فيه قولان: أحدهما: قاله في "الإملاء" [لا يعفى]، لأنه لا يشق الاحتراز عنه.
وقال في "الأم" وهو الأصح: يعفى؛ لأن مما يتعافاه الناس في العادة.
والمرجع القليل والكثير إلى العادة.
وقال في القديم: ما دون الكف عفو، ولا يعفى عن الكف.
وقال في موضع: يعفى عن قدر دينار من الدم، وحكم ونيم الذُّباب وبول الخُفَّاش حكم الدم لتعذر الاحتراز عنه.
أما سائرا لنجاسات مثل: البول والعذرة والخمر، فلا يعفى عن شيء منها، وإن قل إذا أدركه الطرف إلا محل الاستنجاء، فإنه عفو بعد المسح بالحجر، وإن كان لا يدركه الطرف، نظر إن أصاب بدنه، فلا يعفى عنه؛ لأنه يشعر به إذا أصابه، وإن أصاب ثوبه ففيه قولان: أصحهما: لا يعفى؛ لأنه نجاسة لا يشق الاحتراز عنها كالذي يدركه الطرف.
والثاني: يعفى؛ لأنه قد يصيب ثوبه ولا يشعر به فكان عفواً.
ولو حمل في الصلاة مستنجياً بالحجر، أو رجلاً على ثوبه نجاسة معفوة هل تصح صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: تصح؛ لأنه نجاسة معفوة.
والثاني: لا تصح؛ لأنه عفو في حق من عليه لتعذُّر الاحتراز عنه، فلا يكون عفواً في حق غيره.
وقال أبو حنيفة: النجاسات قسمان: مغلَّظة ومخففة، فالمغلَّظة مثل العذرة، والخمر، وبول ما لا يؤكل لحمه، فقدر الدِّرهم البغلي منها يكون معفواً، والمخففة بول ما

يؤكل لحمه، فإن لم يزد على ربع الثوب، أو ربع العضو يكون عفواً.
ولو صلى وعلى ثوبه نجاسة غير معفوة لم يعلمها يجب عليه الإعادة على قوله الجديد، وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة، كما لو بان محدثاً، وكذلك لو وقعت عليه في خلال الصلاة، ولم يشعر حتى مضى زمان تجب عليه الإعادة.
وقال في القديم: لا تجب الإعادة؛ لما روي عن أبي سعيد الخُدري قال: بينما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم" قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيها قذراً" أو قال: أذى إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه ويصلِّي فيهما".
ومن قال بالأول حمل ذلك الأذى على ما يستقذره الإنسان من الطاهرات كالنُّخامة ونحوها أمر بمسحه تنزيهاً للمسجد عنها، وكذلك لو صلى، ثم علم أن على إزاره ثقبة يظهر منها العورة يجب عليه الإعادة على الصحيح من المذهب.
أما إذا علم النجاسة، فنسي وصلّى تجب الإعادة، وخرج قول من نسي الماء في الرَّحل من قوله القديم أنه لا يعيد.
وعند مالك إن كان الوقت باقياً يعيد، وإن كان فائتاً فلا يعيد.
قلنا: الإعادة إذا وجبت، فلا تسقط بفوات الوقت، كما لو بان محدثاً، فإذا أوجبنا الإعادة يجب عليه إعادة كل صلاة تيقن كونها معه فيها حتى لو صلّى صلوات في مكان واحد لم يفارقه، ولا يتصور حدوثها في ذلك المكان يجب عليه إعادة كلها، وإن احتمل حدوثها بعد الفراغ من الصلوات لا تجب إعادة شيء منها.

وقال أبو حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة يجب عليه إعادة صلاة واحدة، وإن كانت يابسة، فإن كان في الصيف يعيد صلاة واحدة، وإن كان في الشتاء يعيد صلوات يوم وليلة، ولو وقعت عليه نجاسة في خلال الصلاة، نظر إن كانت يابسة، فلما أصابته سقطت، أو نفض الثوب حتى سقطت، أو ألقى الثوب الذي وقعت عليه في الحال صحَّت صلاته، وإن استقرت عليه أبطلت صلاته، وإن وقعت على مُصلّاه، فإن نحَّاها بيده أو كُمِّه بطلت صلاته؛ لأنه قصد النجاسة، وإن تنحى عنها أو ألقى عليها ثوباً صحَّت صلاته.
وإن كان عليه ثوب طاهر وطرف منه موضوع على نجاسة، كالعمامة طرف منها على رأسه، والطرف الآخر منها على النجاسة فإن كان بعيداً منه لا تصح صلاته؛ لأنه حامل لما هو متصل بالنجاسة، وكذلك لو شد حبلاً على وسطه، وطرف منه متصل بنجاسة أو مشدود في [عنق] كلب لم تصح صلاته؛ لأنه إذا مشى انجر معه.
أما إذا كان أحد طرفيه تحت قدميه، والطرف الآخر متصل بالنجاسة تصح صلاته؛ لأنه كالبساط تحت قدميه، ولو صلى على طرف بُساطه، والطرف الآخر نجس، يجوز؛ لأن البساط كالأرض، ولو أخذ طرف حبل بيده، والطرف الآخر منه نجس أو متصل بنجاسة، هل تصح صلاته؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تصح؛ لأنه حامل للنجاسة، كما لو كان مشدوداً على وسطه.
والثاني: تصح لأنه مباين عنه.
والثالث: يفصل، فإن كان الطرف الآخر نجساً، أو متصلاً بعين النجاسة بأن كان في عنق كلب لا يصح، وإن كان متصلاً بشيء طاهر بأن كان متصلاً بساجور أو خرقة، والسَّاجور والخرقة في عنق الكلب، أو في عنق حمار، وعليه حمل نجاس صح.
ولو بسط ثوباً على موضع نجس وصلَّى عليه، أو صلى على سرير وقوائمه على النجاسة تصح، سواء كان يتحرك بتحركه أو لا يتحرك.
وقال أبو حنيفة: إن كان يتحرك بتحركه لا تصح، ولو كان على مُصلّاه نجاسة، فإن كانت تلاقي بدنه أو ثياب بدنه لا تصح صلاته، وإن كان لا يلاقيه، ولكن في محاذاة صدره إذا ركع وسجد، هل تصح صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: تصح؛ لأنها لا تلاقيه.

والثاني: لا تصح؛ لأن النجاسة ظاهرة في موضع صلاته.
ولو حمل في الصلاة صبياً أو طائراً تصح صلاته، وإن كان باطنه نجساً؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت أبي العاص.
ولو جعل نجاسة في قارورة فسدَّ رأسها، فحملها لا تصح صلاته؛ لأن تلك النجاسة أودعها بصنعته، ونجاسة باطن الحيوان خلقة في معدتها، فهو كنجاسة باطن المصلِّي.
وتجوز الصلاة في ثوب الحائض والنفساء، وفي الثوب الذي ينام فيه، ويجامع فيه أهله إذا لم يعلم به نجاسة؛ لأن الأصل طهارته.
قالت ميمونة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يصلِّي في مرطٍ بعضه عليَّ وبعضه عليه وأنا حائض.
فصلٌ: في مواضع الصلاة روي عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام".
الصلاة في المقبرة مكروهة، فلو صلى، نظر إن بسط ثوباً فصلى عليه، أو صلى على تربتها وهي جديدة لم تنبش تصح صلاته، وإن كانت منبوشة لا تصح صلاته على تربتها لاختلاط صديد الموتى بها، وإن شك في نبشها هل تصح صلاته على تربتها؟ فيه قولان:

أحدهما: لا تصح؛ لأن الظاهر من أمر المقبرة النجاسة، والأصل انشغال ذمته بغرض الصلاة، فلا تسقط عنه بالشك.
والثاني: يصح؛ لأن الأصل طهارة الأرض، وكذلك لو صلى في الشارع الذي هو ممرُّ الدواب، أو أصابه وحل الطريق، فصلى معه، فعلى قولين: أحدهما: لا تصح: لأن الظاهر من أمر الطريق بول الدواب وروثها.
والثاني: تصح؛ لأن الأصل طهارة الماء والتُّراب، وكان القاضي الإمام- رحمه الله- يبني عليه الصلاة في ثياب الأساكفة الذين يستعملون الهُلب والقصَّابين والصبيان الذين لا يحترزون عن النجاسات، والكفَّار الذين يتديَّنون باستعمال النجاسات، فنجعلها على قولين.
وروي عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: في "المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى".

والنهي في كلها تُنزيه إلا الصَّلاة فوق ظهر الكعبة لا يجوز، لأنه لا قِبلة له.
وأما المزبلة والمجزرة، فالنهي فيها لنجاسة المكان، فإن بسط ثوباً طاهراً، وصلى عليه، صحت صلاته.
وأما قارعة الطريق، فالنهي فيها لنجاستها غالباً، ولما أن مرور الناس يشغله عن الصلاة، فلو بسط ثوباً لا تزول الكراهة، وتصح صلاته.
وأما الحمام فلأنه محل غسل النجاسات، ودخول الناس يشغله عن الصلاة، فإن صلى فيه والمكان طاهر تصح مع الكراهة.
وأما معاطنُ الإبل؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة، ولأ، فيها نفاراً فربما تنفر، فتشغله عن الصلاة، فإن كان المكان طاهراً، وصلى فيه تصح صلاته مع الكراهية، ولا تكره في مراح الغنم إذا كان المكان طاهراً، لأن لها سكينةً لا يشغل بها قلب المصلِّي.
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلُّوا في أعطان الإبل".
وإن كان الرجل محبوساً في حُشٍّ أو مكان نجس، فدخل عليه وقت الصلاة يجب عليه أن يصلي، وهل يضع جبهته على الأرض في السجود؟ فيه قولان: أحدهما: يجب وضعها؛ لأنه قادر عليه.
والثاني: لا يضع، بل يدني جبهته من الأرض بحيث لو زاد عليه أصاب الأرض؛ لأن الصلاة تجزئ بالإيماء، ولا تجزئ مع النجاسة، وعلى القولين يجب عليه الإعادة، وإن

كان معه ثوب زائد على ستر عورته يجب أن يبسطه ويُصلي عليه، وإن كان الثوب واحداً لو بسطه يحتاج أن يصلي عارياً ففيه قولان: أحدهما: يستر عورته، ويصلّي على النجاسة؛ لأن ستر العورة مأمور به لحقِّ الله- عزَّ وجلَّ- وحق العباد.
والثاني: يبسط ويصلي عارياً، وهو الأصح؛ لأن صلاة العُريان محسوبة، ومن صلَّى على النجاسة تلزمه الإعادة، كما لو كان محدثاً، وعلى بدنه نجاسة، ووجد من الماء ما يكفي لأحدهما يلزمه صرفه إلى غسل النجاسة، ويتيمَّمُ للحدث حتى لا يلزمه الإعادة.
باب الساعات التي يُكره فيها صلاة التطوع روي عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس".

خمسة أوقات في النهار لا تجوز صلاة التطوع فيها: وقتان تعلَّق النهي فيهما بالفعل، وهو بعد ما صلَّى الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رُمح، وبعد ما صلى العصر حتى تغرب الشمس، وتعلق النهي بالفعل من حيث إن من لم يُصلِّ الصبح والعصر يجوز له أن يتطوَّع، ولا يجوز ذلك لمن صلاهما.
وثلاثة أوقات تعلق النهي فيها بالزَّمان، وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وعند دنوِّها من الغروب حتى تغرب.
والدليل عليه ما روي عن الصُّنابحي أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا آذنت

للغروب قارنها، ونهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة في تلك الساعات.

وقيل: أراد أن الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذه الساعات، حتى أن من سجد لها يكون ساجداً للشيطان، وإنما لا يجوز في هذه الأوقات فعل صلاة لا سبب لها.
أما مالها سببٌ مثل قضاء الفرائض وقضاء السُّنن، والأوراد التي فاتته، وصلاة الخسوف، وتحية المسجد، إن اتفق دخوله، وسجود التلاوة والشكر، فلا يكره، يروى ذلك عن علي وابن عباس وهو قول جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة الوقتان اللذان تعلَّق النهي فيهما بالفعل يجوز فيهما قضاء الفرائض، ولا يجوز غيرها، ولا يجوز في الأوقات الثلاثة صلاةٌ ما إلا عند غروب الشمس عصر يومه حتى قال: لو فاتت ركعتا الفجر لا يقضيها بعد فرض الصبح حتى ترتفع الشمس، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
والدليل على جوازه ما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دخل بيت أم سلمة بعد صلاة العصر، فصلى ركعتين، فسألته أم سلمة، فقال: "أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان.
وروي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رأى قيس بن فهد يصلي ركعتين بعد الصبح، فقال: "ما هاتان الركعتان" قال: إني لم أكن صليت ركعتي الفجر، فسكت النبي- صلى الله عليه وسلم-.
ولو شرع في هذه الأوقات في صلاة لا سبب لها، هل تنعقد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تنعقد لأنه منهي عنه، كما لو صام يوم العيد لا تصح.
والثاني: تنعقد؛ لأن هذه الأوقات قابلة للصلاة في الجملة، بخلاف يوم العيد، وكذلك لو نذر أن يصلّي في هذه الأوقات، هل ينعقد نذره على هذين الوجهين؟ فإن قلنا: ينعقد نذره يستحبّ أن يصلي في وقت آخر، كمن نذر أن يضحِّي بشاة،

ونوى أن يذبحها بسكين مغصوب صح نذره، وذبحها بسكين غير مغصوب.
أما إذا نذر أن يصلِّي مطلقاً يجوز أن يصلِّي في هذه الأوقات، ولو قضى في هذه الأوقات فائتة لا يصير ذلك سبباً يجوز أن يتنفل فيها بعده.
وروي عن عائشة قالت: ما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يأتيني بعد العصر إلا صلى ركعتين، وكان ذلك مخصوصاً به، فإنه كان يداوم على العمل قالت عائشة كان إذا صلى صلاة أثبتها وروي عنها أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بعد العصر وينهي عنها.
ولو قصد دخول المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية هل يكره؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، كما لو قصد فعل الصلاة.
والثاني: لا يكره؛ لأن دخول المسجد مباح، ثم التحية ترتب عليه، كما لو وقع الدخول اتفاقاً، ولو أراد أن يحرم في هذه الأوقات بحجِّ أو عمرة لا يصلي ركعتي الإحرام على الأصح لأن سببهما الإحرام وهو متأخر، فربما لا يحرم، كما يكره صلاة الاستسقاء والاستخارة في هذه الأوقات؛ لأنها للدعاء وهو متأخر، ولو تطهَّر في هذه الأوقات جاز أن يصلي ركعتين.
وروي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال لبلال عند صلاة الفجر: "حدِّثني بأرجى عملٍ عملتهُ في الإسلام فإني سمعت دويَّ نعليك بين يدي في الجنة" قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي.
ولا تكره الصلاة يوم الجمعة عند الاستواء لمن حضر الجمعة؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة.

أما من لم يحضر الجامع، هل له أن يصلي في هذا الوقت؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وهو مخصوص بمن حضر الجامع، فإنه قد يبتكر إلى الصلاة، فيغلبه النوم، فيحتاج إلى دفع النوم عن نفسه بركعتين يصليهما.
أما من لم يحضر أو حضر، ولكن لا يؤذيه النوم، فلا يفعل، كما لا يفعل وقت الطلوع والغروب.
والوجه الثاني: الرُّخصة عامة في حق من حضر، ومن لم يحضر لفضيلة الوقت.
قال الشيخ- رحمه الله-: وهذا أصح لما روي عن أبي قتادة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه كره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة وقال: "إنَّ جهنم تسجر إلا يوم الجمعة".
وروي عن أبي ذرِّ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرُب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة".

أما ما تُسنُّ له الجماعة فخمسة: صلاة العيدين، والخسوفين، والاستسقاء، فهذه الخمس آكد من السُّنن التي لا تُسَنُّ لها الجماعة، ومن جميع التطوعات لشبهها بالفرائض في سُنة الجماعة، وآكد هذه الخمس صلاة العيدين، لأن لها وقتاً معلوماً من حيث الزَّمان كالفرائض، ثم صلاة الخُسوف؛ لأن وقتها مضيق يفوت بالانجلاء، ثم صلاة الاستسقاء، لأن فعلها ممكن في جميع النهار، وتقبل التأخير.
أما ما لا تُسَنُّ له الجماعة فآكدها السُّنَنُ الرواتب، وهي ثنتا عشرة ركعة سوى الوتر.
روي عن عائشة قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السُّنة بنى الله له بيتاً في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر".
وأقل السُّنن الرواتب عشر ركعات سوى الوتر؛ لما روي عن ابن عمر قال: صلَّيت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته.
وحدثتني حفصة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصلي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر.
وفي رواية: وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي في بيته ركعتين، والأفضل والأكمل أن يصلي بعد الظهر أربعاً، وقبل العصر أربعاً؛ لما روي عن أم حبيبة

قالت: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله على النار".
وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "رحم الله امرأ صلَّى قبل العصر أربعاً".
وروي عن عليٍّ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يصلّي قبل العصر أربع ركعات وروي أنه كان يصلي قبل العصر ركعتين.

جارٍ التحميل