ِ
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].
وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24].
الصداقُ والصدُقةَ والمهر: اسم لما يجب على الرجل للنساءِ في النكاح والوطء، وقد سماه الله تعالى صدقة وأجراً، وليس هو بركن في النكاح، بل هو من جملة الزوائد؛ كالرهن في البيع، [والركن: هما الزوجان] حتى يصح النكاح من غير تسمية الصداق.
قال الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] إلا أن المستحب أن يسمى حتى لا يُشبه نكاح الموهوبة التي كانت خاصة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وحتى يكون أقطع للخصومة والاختلاف، حتى لو زوج أمته من عبده يُستحب أن يسمى صداقاً، وإن كان لا يجب.
وقيل: يجب، ثم يسقط.
ولو سمى في النكاح صداقاً فاسداً من خمرٍ، أو خنزيرٍ، أو ميتةٍ، أو سمي مجهولاً - لا يصح، ويجب مهر المثل؛ لأن المرأة لم ترض ببذل بُضعها مجاناً، وقد احتبس البضع عنده، فعليه عوضه؛ كما لو اشترى سلعة بثمن فاسدٍ، فهلكت عنده، تجب عليه قيمتها.
وعند مالك: فساد الصداق يمنعُ صحة النكاح، ووافقنا أن ترك التسمية لا يمنع
صحة العقد، بل تقدير الصداقِ موكولٌ إلى تسمية الزوجين لا يتقدر أقله ولا أكثره، بل ما جاز أن يكون مبيعاً، أو ثمناً في البيع، أو أجرة في إجارة - جاز أن يكون صداقاً.
وقال مالك، وأبو حنيفة - رضي الله عنهما-: يقدر أقله بنصاب السرقة، غير أن عند مالك نصاب السرقة ثلاثة دراهم، وعند أبي حنيفة: عشرةُ دراهم.
ولو سمي أقل من عشرةٍ، فيكمل عشرة دراهم.
وعند أبي حنيفة، وزفر: يجب مهر المثل.
والدليل على أنه لا يتقدر: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أدوا العلائق" قيل: وما العلائق يا رسول الله؟ قال: [ما تراضى] به الأهلون".
وقال- صلى الله عليه وسلم -: "من استحل بدرهمين فقد استحل".
يعني: طلب الحلال.
ويستحب ألا ينقص الصداق عن العشرة، وألا يغالي فيه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
رُوي عن أم سلمة قالت: سألت عائشة - رضي الله عنها- كم ان صداق رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية وَنَشَّا.
قالت أتدري ما النشُّ؟ قلت: لا.
قالت: نصف أوقيةٍ.
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: "ألا لا تُغالوا في صدقات النساء؛ فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا وتقوى لله، لكان أولاكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما علمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكح شيئاً من نسائه، ولا أنكح نساء من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية".
ولو تزوج وسمي مالا ًكثيراً معلوماً لزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: 20].
قيل: القنطار: ملء مسك ثورٍ ذهباً.
ولو سمي حبةِ حنطةٍ أو ثمرةً حيث لا تكون لها قيمةٌ، أو شيئاً لا يتمول - يجب مهر المثل، فغن سمى ثمرةً لها قيمةٌ لا يجب غيرها.
إذا قال: زوجتك ابنتي بألف، فقال: قبلت بخمسمائة - يجب مهر المثل.
وقال الشيخ - رحمه الله-: وجب ألا يصح النكاحُ لاختلاف الإيجاب والقبول.
فصل في أنه هل تصح المنفعة صداقاً؟
قال الله تعالى إخباراً عن شُعيب قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27].
فشرع من قبلنا يلزمنا إذا لم يرد به النسخ.
كلُّ عملٍ جاز عقدُ الإجارة عليه - جاز أن يجعل صداقاً؛ مثل: الخدمة، والبناء، والخياطة، وتعليم القرآن، والحرفة.
وعند أبي حنيفة: منفعة الحر لا تجوز أن تُجعل صداقاً، ومنفعة العبد تجوز، وفعل شعيب حجة على جوازه.
وكذلك عنده لا يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقاً، والدليل على جوازه: ما روي عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن ل بها حاجة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس ولو خاتماً من حديد".
فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"هل معك شيءٌ من القرآن؟ " قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا سورٌ سماها.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"زوجتُكها بما معك من القرآن".
وفي رواية "زوجتكها فعلمها".
ففيه دليلٌ على جواز أن يتزوج على القليل التافه من المال؛ فإن خاتم الحديد لا قيمة له إلا الشيء القليل، ودليلٌ على جواز أن يُجعل القرآن صداقاً.
فإن نكحها على تعليم القرآن، أو على تعليم سورة عينها - جاز، ولزمه التعليم.
وإن سمى آية لا يلحقه كُلفة في تعليمها؛ كقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] ونحوه - يجب مهر المثل؛ لأنه تعليمه لا يتقوم؛ كما لو نكح على حبةِ حنطةٍ.
ولو شرط على تعليم آية أو سورةٍ ولم يبين - يجبُ مهر المثل، وإن زوجها على أن يُعلمها سورة بعينها، وبين أنه يعلمها بحرف ابن كثير، أو أبي عمرو - جاز، وإن أطلق ولم يبين ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن هذه الحروف ينوب بعضها عن بعض؛ فله أن يعلمها بأي حرفٍ شاء مما تجوز قراءته؛ كما لو نكحها على قفيز من صُبرة يكال بأي قفيز شاء إذا كان لا يتفاوت.
والثاني: المسمى فاسدٌ، ويجب مهر المثل؛ لأن الحروف مختلفة بعضها يكون أصعب وأشق من بعضٍ؛ كما لو سمي آية ولم يبين الخلاف الصبرة؛ فإنها متساوية الأجزاء.
ولو تزوجها على تعليم سورةٍ، والزوج لا يحسنها- نظر؛ إن تزوج على أن يحصل لها تعليمُها - يصح؛ لأنه عملٌ جعلته في ذمته، فيأمر غيره بتعليمها، وإن تعلم بنفسه ثم علمها - جاز.
ولو تزوجها على أن يُعلمها بنفسه - لم يجز، ويجب مهر المثل؛ كما لو تزوج على منفعة عبدٍ بعينه وهو لا يملكه.
ولو شرط التأجيل ليتعلم، ثم يُعلمها - لم يجز؛ لأنها استحقت من عينه، والعين لا تقبل التأجيل، وهو بخلاف ما لو تزوج امرأة على ألف درهم، وهو لا يملك شيئاً - يصح؛ لأن الصداق هناك يكون في ذمته؛ فيصح، وإن لم يملكه.
ولو تزوجها على أن يُعلمها سورةً، ثم جاءت بغيرها من ابن أو غُلام، وقالت: علمه هل يجبرُ عليه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجبر؛ لأن الناس يتفاوتون في التعليم، ولأنه شرط إيقاع العمل في عين بعينها، فلا يجبر على إيقاعه في غيرها؛ كما لو تزوج على خياطة ثوبٍ بعينه، فلا يجبر على خياطة غيره.
والثاني: يجبر لأنها استحقت استيفاء منفعته، فإن شاءت استوفت بنفسها، وإن شاءت بغيرها؛ كما لو اكترى دابةٍ للركوب، فإن شاء ركب بنفسه، وإن شاء أركب غيره.
وإن أراد الزوج أن يأمر غيره بتعليمها - نظر؛ إن كان التعليم في ذمته جاز، وإن كان على عينه لم يجز.
ولو تزوجا على تعليم غيره من ابن أو غلام - لم يجز؛ كما لو شرط الصداق لغيرها.
قال الشيخ - رحمه الله-: إن افترض عليها تعليم الولد، أو ختان الولد، أو ختان العبد، فشرطت عليه - جاز، وإن تزوجها على تعليم سورة، فتعذر التعليم؛ بأن تعلمت المرأة من غيرها، أو كانت بليدةً لا تتعلم، أو يحتاج الزوج إلى أن يصرف جميع أوقاته في تعليمها، أو مات أحدهما- فقد سقط التعليم، فماذا يجب على الزوج؟ فيه قولان؛ كما لو تلف الصداق قبل القبض.
أصحهما- وهو قوله في الجديد، واختيار المزني: يجب عليه مهر المثل:
والثاني: وهو قوله القديم: يجب عليه أجرةُ مثل التعليم، وإن علمها فنسيت بعده لا شيء عليه؛ كما لو تلفت عين الصداق في يدها بعد القبض.
وإن كانت سريعة الحفظ والنسيان، وكلما علمها حفت ونسيت في الحال- نظر إن لقنها دون آيةٍ فنسيت لا يعتد بذلك؛ لأنه لا يعدُّ تعليماً إنما هو تذكير.
وكم يُشترط أن يعلمها حتى تخرج عن عهدة التعليم، ولو نسيت بعده لا تجب الإعادة؟ - فيه وجهان:
أحدهما: آية، فإذا علمها آية فنسيتها يعتد بذلك، ولا تجب عليه إعادة التعليم.
والثاني: سورة وما دونها لا يعد تعليماً في العادة.
ولو تزوج كتابية على أن يُعلمها سورة من القرآن - نظر؛ إن كان يتوسم منها أمر الإسلام يجوز، وإن كان يرى ذلك أنها تتعلم للمباهاة، فلا يجوز، ويجب مهر المثل.
ولو تزوج مسلمٌ مسلمةً أو كتابية على أن يُعلمها التوراة والإنجيل - لا يجوز، ويجب مهرُ المثلِ؛ لأن الذي في أيديهم مُبدلٌ لا يجوز تعليمه.
ولو تزوج كافرٌ كافرةً على أن يُعلمها التوراة ثم أسلما، أو ترافعا إلينا بعد التعليم - لا نوجب شيئاً آخر، وإن كان قبل التعليم نوجب مهر المثل، ولو تزوجها على تعليم شعرٍ أو حكاية.
فإن كان مباحاً جاز ولزم، وإن كان محظوراً من هجوٍ أو فُحشٍ، أو على تعليم الغناء - لا يجوز، ويجبُ مهر المثل.
ولو تزوج كتابية على تلقين الشهادة، أو امرأة على أداء شهادةٍ لها عليه لم يجز؛ لأنه فرضٌ عليه، ويجب مهر المثل.
وإن تزوجها على أن يعلمها الفاتحة- نظر؛ إن لم يكن متعيناً عليه- جاز، وإن كان متعيناً عليه، ففيه وجهان؛ كالإجارة عليه.
وإن تزوجها على تعليم سورةٍ، ثم طلقها - لا يخلو؛ إما أن طلقها بعد التعليم أو قبله، فإن طلقها بعد التعليم نظر؛ إن كان بعد الدخول فقد أوفاها حقها، وإن كان قبل الدخول يرجع الزوج عليها بنصف أجرة التعليم؛ كما لو أصدقها عيناً فهلكت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول يجرع بنصف قيمة العين؛ لأن الصداق في يدها مضمونٌ ضمان اليد، وإن طلقها قبل التعليم، فإنه يُعلمُها بعد الطلاق جميعه إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبل الدخول.
ويعلمها من وراء حجابٍ من غير أن يخلو بها.
وقيل: لا يجوزُ تعليمُها لخوفِ الفتنة فإن قلنا: لا يجوز التعليم، أو تعذر التعليم، فماذا يجب على الزوج فيه قولان كما ذرنا:
أصحهما: عليه مهر المثل جميعه إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبله.
والثاني: عليه أجرُ مثل التعليم إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله فنصفه.
وإن نكحها على أن يرد عبدها الآبق، أو جملها الشارد من موضع معلومٍ - يجوز، ويلزم رده.
وإن كان الموضع مجهولاً يجب مهر المثلِ، بخلاف الجعالة تجوز مع جهالة الموضع؛ لأنه عقدٌ جائزٌ.
ثم إن طلقها بعد الرد قبل الدخول يسترد منها نصف أجر مثل الرد.
وإن طلقها قبل الرد، فإن كان بعد الدخول يجب عليه رده، وإن كان قبل الدخول يرده إلى نصف الطريق.
وإن تعذر الرد بأن مات العبد، أو رجع بنفسه، فماذا يجب على الزوج؟ فيه قولان:
أصحهما: مهر المثل:
والثاني: أجر مثل الرد.
ولو تزوجها على خياطة ثوب معلومٍ - جاز، إن كان يُحسن الخياطة، وإن كان لا يُحسن الخياطة فلا يجوز، ويجب مهر المثل، إلا أن تلزم ذمته الخياطة، فيصح له أن يأمر الغير بالخياطة، وكذلك إن كان يُحسن الخياطة، فله أن يأمر الغير إذا كان في الذمة.
وإن تعذرت الخياطة معه؛ بأن مات أو شُلت يدُه- نظر إن كان تزوجها على تحصيل الخياطة فلا تسقط الخياطة، ويأمر غيره بالخياطة.
وإن تزوجها على أن يخيط بنفسه، فقد سقطت الخياطة، وفيما عليه؟ قولان:
أصحهما: مهر المثل.
والثاني: أجر مثل الخياطة.
ولو تلف الثوبُ: اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال هاهنا: لم يتلف الصداقُ، ولها أن تأتي بثوبٍ مثله حتى يخيطه؛ لأنها استحقت عليه منفعة، فلها استيفاؤها كيف شاءت؛ كما لو اكترى دابةً ليركبها، فإن شاء ركب بنفسهن وإن شاء أركبها غيره.
ومنهم من قال- وهو الأصح: قد تلف الصداق، فعلى الزوج مهر المثل في قول، وفي الثاني أجرُ مثل تلك الخياطة؛ لأن العقد انعقد على إيقاع منفعةٍ في عينٍ، وقد تلفت
تلك العينُ؛ كما لو تلف المستوفى منه؛ فهو كما لو استأجر رجلا ليحصد له زرعاً، فتلف الزرعُ، يبطل العقد.
وكذلك في حال بقاء ِ الثوب، هل لها إبداله بثوبٍ آخر مثله ليخيطه؟ فيه وجهان:
وهذا بناء على ما لو استأجر امرأة لإرضاع ولدٍ، فمات الولدُ، فهل له إبداله بولدٍ آخر؟ فيه قولان.
[وإن طلقها الزوج قبل الدخول بعد الخياطة يسترد منها نصف أجر مثل الخياطة].
وإن طلقها قبل الخياطة، نظر إن كان بعد الدخول يجب عليه الخياطة، وإن كان قبل الدخول يجب عليه أن يخيط نصفه فإن تعذر يجب عليه نصف مهر المثل على أصح القولين، وعلى الثاني نصف أجر الخياطة.
والله أعلم بالصواب.
باب صداق ما يزيد وينقص
إذا أصدق امرأة شيئاً تملك المرأة جميعه بالعقد، ويستقر بالدخول، ولا يدخل في ضمانها ما لم تقبض.
وعند مالك: لا تملك المرأة بالعقد إلا نصف الصداق، فنقول: هو عوضٌ بمقابلة معوضٍ، فتملك بملك المعوض كالثمن المبيع.
والصداقُ قبل التسليم إلى المرأة مضمونٌ على الزوج، ويكون ضمانه ضمان العقدِ أو ضمان اليد؟ فيه قولان:
أصحهما - وهو قوله الجديد، واختيار المزني: ضمانه ضمان العقد؛ لأنه مملوك بعقد معاوضةٍ؛ كالمبيع في يد البائع.
وقال في القديم: ضمانه ضمان اليد؛ لأن المملوكَ [عندنا] بعقد المعاوضة إذا لم يفسخ العقد بتلفه في يد العاقد- يكون ضمانه ضمان اليد؛ كما إذا غصب البائع المبيع من المشتري بعد تسليمه إليه؛ فيكون ضمانه ضمان اليد، وكذلك بدل الخلع في يد المرأة قبل تسليمه إلى الزوج، وبدل الصلح عن دم العمد في يد المعطي - مضمون ضمنا العقد، أم ضمان اليد؟ فعلى قولين.
وفائدته: أنه إذا تلف في يد الزوج، أو ردته بعيبٍ بعد القبض أو قبله-، ماذا يجب على الزوج؟
إن قلنا: ضمانه ضمان العقد يجب [عليه] مهر المثل، وهو قيمة البضع؛ لأن البضع كالتالف، فإن عقد النكاح لا يرتفع فهو الثمن المتين إذا ملك في يد المشتري بعد بض المبيع، وتلفه - يجب على المشتري للبائع قيمةُ المبيع التالف إن كان متقوماً، ومثله إن كان مثلياً لتعذر المبيع.
فإن قلنا: ضمانه ضمان اليد، يجب عليه قيمة عين الصداق إن كان متقوماً، ومثله إن كان مثلياً، فعلى هذا أي قيمةٍ تلزمه؟ فيه وجهان:
[أحدهما - وهو الأصح]: أكثر ما كانت من يوم الإصداق إلى يوم الهلاك؛ كضمان الغصب.
والثاني: تجب قيمته باعتبار يوم الهلاك؛ لأنه غير متعد في إمساكه.
ولم يختلف القول في أن الناكح لا ينفسخ بهلاكه؛ لأنه من جملة الزوائد.
أما إذا تلف الصداق في يد الزوج بجناية جان-، نظر إن أتلفته المرأة، فقد استوفت حقها، وإن أتلفه أجنبي، يجب على الأجنبي قيمته، والمرأة بالخيار؛ إن شاءت فسخت عقد الصداق، وإن شاءت أجازته، فإن فسخت أخذت مهر المثل من الزوج، إن قلنا: ضمانه ضمان العقد، وهو المذهب.
وإن قلنا: ضمان يد أخذت قيمته إن كان متقوماً، أو مثله إن كان مثلياً، والزوج يرجع على المتلفِ بقيمته أو مثله، فإن لم يفسخ الصداق أخذت القيمة من المتلفِ، أو المثلِ، وهل يكون الزوج طريقاص؟
إن قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ، فلا.
وإن قلنا: ضمان يد فبلى، للمرأةِ أن تأخذ منه، ثم هو يرجع على المتلف.
وإن أتلفه الزوج، فهو كما لو تلف بآفة سماوية على ظاهر المذهب؛ فترجع المرأة عليه بمهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني بقيمته.
وقيل: إتلاف الزوج كإتلاف الأجنبي، أما إذا تغير الصداق في يد الزوج؛ لا يخلو، إما أن تغير بنقصان أو زيادة، فإن تغير بنقصان، فللمرأة الخيار بين الرد والإجازة.
ثم ذلك النقصان لا يخلو، إما إن كان نقصان جزء أو نقصان وصفٍ، فإن كان نقصان جزءٍ، مثل أن أصدقها شيئين، فتلف أحدهما، انفسخ العقد في التالف.
والمذهب أنه لا ينفسخ في القائم، ولها الخيار، فإن فسخت في القائم أخذت مهر المثل على قولنا: إن ضمانه ضمان عقدٍ، وهو الأصح.
وإن قلنا: ضمانه ضماني د تأخذ قيمة الشيئين، أو مثلهما إن كانا مثليين، وإن أجازت القائم أخذت بحصة التالف من مهر المثل على قولنا: إن ضمانه ضمان عقدٍ.
وإن قلنا: ضمان يدٍ أخذت قيمة التالف.
وإن كان هلاك أحدهما بجناية جانٍ، فإن كانت بجناية المرأة، فقد استوفت بقدره من الصداق، وإن كان بجناية أجنبي، فلها الخيار، فإن فسخت في التالف أخذت القائم، وتُقدر قيمة التالف من مهر المثل على الأصح.
وعلى القول الآخر: قيمته.
وإن أجازت ترجع على الأجنبي [بقدر] ما أتلف إن كان متقوماً، أو مثله إن كان مثلياً، وإن كان بجناية الزوج، فكالآفة السماوية على الأصح ينفسخ العقد في التالف.
وإن كان النقصان نقصان وصفٍ، فإن كان عبداً فعمى أو شلت يده، أو [كان محترفاً] فنسي الحرفة -، فالمرأة بالخيار: إن شاءت فسخت الصداق، ورجعت بمهر المثل على الأصح، أو بقيمته سليماً على القول الآخر.
وإن أجازت فإن قُلنا: ضمانه ضمان عقدٍ، فلا شيء لها؛ كما لو رضي المشتري بعيب المبيع لا شيء له.
وإن قلنا: ضمانه ضمان يد، أخذت بقدرٍ ما انتقص من قيمته.
وكذلك لو اطلعت على عيبٍ قديم بها- فلها الخيار كما بيناً.
ولو أصدقها داراً فانهدمت في يده، فإن لم يفت شيء من النقص فهو نقصان وصفٍ، وإن فات النقص أو احترقت - فقد، قيل هو كنقصان الوصف؛ كما لو سقط أطراف العبد، والأصح أنه كنقصان الجزء؛ ولأنه يقبل الإقرار بالبيع، بخلاف أطراف العبد.
وإن حصل التغير بجناية جانٍ، نظر إن حصل بجناية المرأة، فقد استوفت من الصداق بقدر ما انتقص من قيمته؛ فتأخذ الباقي، ولا خيار لها.
فإن هلك في يد الزوج بعد جنايتها، فلها بقدر ما بقي من مهر المثل على الأصح، وعلى الثاني: بقيمة ما بقي.
وإن حصل بجناية أجنبي، فلها الخيار، فإن فسخت الصداق أخذت مهر المثل من الزوج على الأصح، وقيمته سليماً على القول الآخر.
والزوج يرجع على الجانب بضمان الجناية.
وإن أجازت أخذت ضمان الجناية من الجاني، فهل يكون الزوج طريقاً فيه؟
إن قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ لا يكون طريقاً، وإن قلنا: ضمان يد يكون طريقاً.
ثم إن لم يكن لتلك الجناية أرش مقدرٌ، أولها أرش مقدرٌ، ولكنه مع أرش النقصان سواء، أو كان المقدر أكثر من أرش النقصان -، فالمراة ترجع على أيهما شاءت، ويكون على الأجنبي.
وإن كان المقدار أقل، رجع به على أيهما شاء، والقرار على الأجنبي، ويرجع بالباقي إلى كمال أوش النقصان على الزوج، وإن حصل بجناية الزوج، فهو كما لو حصل بآفةٍ سماوية على ظاهر المذهب، ولا شيء لها إن أجازت على أصح القولين، وهو أن ضمانه ضمان عقدٍ.
وإن قلنا: [ضمانه] ضمان يد، فيجب ضمان النقصان، ثم إن لم يكن لتلك الجناية أرشٌ - يقدر عليه أرش النقصان.
وإن كان له أرش مقدرٌ؛ بأن كان قطع إحدى يدي العبد-، فعليه أكثر الأمرين؛ إما نصف القيمة، أو أرش النقصان.
وقيل: هو كجناية الأجنبي، ولها الرجوع على الزوج، وإن أجازت بقدر الجناية من مهر المثل، أو أرش النقصان؛ كما ذكرنا في جناية الأجنبي.
أما إذا تغير الصداق في يد الزوج بالزيادة-، نُظر؛ إن كانت الزيادة متصلة كاللبن، والسمن، وتعليم الحرفة -فهي للمرأة، وإن زالت في يد الزوج لا يجب ضمانه إلا على الوجه الذي يقول: إن ضمانه في يده ضمان الغصب، فيضمن إن كانت الزيادة منفصلة؛ كالولد، واللبن، وثمر الشجر، وكسب العبد كلها تكون للمرأة؛ لأنها حدثت في ملكها، ولا تكون مضمونة على الزوج إلا على الوجه الذي يقول: ضمان الأصل ضمان الغصب.
فإن أتلف الأصل في يده تبقى تلك الزوائد للمرأة، وإن طالبته المرأة بدفعها إليها
وقيل: إذا قيل: ضمانه ضمانُ العقد، فإذا هلك الأصل في يده تكون الزوائد للزوج، وهذا بناء على أن المبيع إذا هلك في يد البائع بعد حصول الزوائد - يرتفع العقد من حينه أم من أصله؟:
وفيه وجهان:
أصحهما: يرتفع من حينه، وتكون الزوائد للمشتري، كذلك هاهنا تكون للمرأة.
والثاني: يرتفع من أصله، ويكون للبائع، فعلى هذا تكون الزوائد للزوج.
ولو استعمل الزوج عين الصداق هل عليه الأجرة؟
إن قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ لا يجب على ظاهر المذهب، وإن جعلنا جنايته كجناية الأجنبي يجب.
وإن قلنا: ضمانه ضمان يد يجب.
ولو امتنع من تسليمه إليها بعد الطلب، فإن قلنا ضمانه ضمان عقد لا تظهر له فائدة، وإن قلنا: ضمان يد، فيجب عليه أجر المثل من وقت الامتناع.
وإن قلنا: نُعتبر قيمته بيوم التلف، يصير غاصباً.
فإذا تلف تجب قيمته أكثر ما كانت من وقت الامتناع إلى التلف.
ولو أصدق امرأته نخلة، فأخذ الزوج ثمرها، وجعلها في قارورة لنفسه، وجعل عليها صقراً من صقر تلك النخلة-، فلا يخلو؛ إما عن كانت الثمرة صداقاً، أو لم تكن، فإن كانت صداقاً؛ بأن أصدقها [نخلة] مثمرة أو مطلعة، نُظر: إن لم تدخل الثمرة ولا الصقر نقص-: لا تأخذه المرأة، ولا شيء لها؛ لأن الزوج كفاها مؤنة الاجتناء.
وإن دخله نقصٌ لا يخلو، إما إن كان نقصان عين، أو نقصان وصفٍ.
فإن كان نقصان عين؛ كأنه صب عليها مكيلتين من الصقر، فتشرب الرطب إحدى المكيلتين، فلا يجب نقصان الصقرين بزيادة قيمة الرطب؛ لأن الزيادة لها، والنقصان عليه.
ثم إن قلنا: ضمانه ضمان العقد، انفسخ الصداق في قدر ما ذهب من الصقر إن قلنا: جنايته بآفة سماوية وهو الأصح، ولا ينفسخ في الباقي، وللمرأة الخيارُ، فإن فسخت أخذت مهر المثل من الزوج، وإن أجازت في الباقي أخذت بقدر ما ذهب من الصقر من مهر المثل.
وإن قلنا: جنايته كجناية الأجنبي لا ينفسخ في شيء، ولها الخيار، فإن فسخت أخذت مهر المثل، وإن أجازت أخذت النخلة والرطب، ومثل الصقر الذي ذهب.
وإن قلنا: ضمانُهُ ضمانُ يدٍ، فإن فسخت أخذت قيمة النخلة والثمرة، ومثل الصقر، لأنه مثليٌّ، وإن كان الثمر قد جف فهو أيضاً مثلي، فإن أجازت أخذت الباقي، ومثل ما انتقص من الصقر.
وإن كان النقصان نقصان وصفٍ؛ بأن انتقصت قيمة الصقر والملكية بحالها أو تغير الرطب، فللمرأة الخيار، فإن فسخت أخذت مهر المثل إن قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ.
وإن قلنا: [ضمانه] ضمان يد أخذت قيمة النخلة والرطب ومثل الصقر.
وإن أجازت قلنا: ضمانه ضمان عقدٍ، وجنايته كآفةٍ سماوية لا شيء لها بسبب النقصان، وإن قلنا: كجناية أجنبي يجب عليه أرش النقصان.
وإن قلنا: ضمانه ضمان يد، أخذت أرش النقصان.
وإن كان الرطب بحيث لو نُزع من القوارير لم يتعيب، ولو تُرك يتعيب-، لها تكليفه النزع، ولا خيار لها.
وإن كان بحيث لو نزع تعيبن وبحيث لو ترك لا يتعيب، فلها الخيار، ولا يجبر الزوج على ترك القارورة إليها.
فإن تبرع بترك القارورة إليها تجبر المرأة على القبول إمضاء العقد، ويسقط خيارها، ثم هل تملك المرأة القارورة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، حتى لا يمكنه الرجوع فيه، ولو نُزعت ما فيها لا يجب عليها رد القارورة.
والثاني: لا، بل هو قطع للخصومة حتى يجوز للزوج أن يرجع، وخيارها قائمٌ.
فإن نزعت ما فيها لا يجب عليها رد القارورة.
وإن كنا قد صب على هذه الثمرة صقراً من عند نفسه، فنقصان الصقر لا يعتبر؛ إنما يعتبر نقصان الرطب في إثبات الخيار لها.
فإن لم يدخله نقصٌ أخذ الزوج صقر نفسه، والمرأة تأخذ الثمرة، ولا شيء له فيما تشرب الثمرة من الصقر.
وإن كان الرطب بحيث لو ترك في الصقر لا يتعيب، ولو نُزع يتعيب - فلا الخيارُ.
فإن تبرع بترك الصقر إليها تجبر على القبول، ويسقط خيارها؛ كما قلنا في القارورة.
فأما إذا لم تكن الثمرة صداقاً؛ كأنه أصدقها نخلة حائلاً فأثمرت - فالثمرة لها، فإن
أخذها الزوج وجعلها في القارورة، وجعل عليها من صقر تلك النخلة شيئاً - فهو من غصب ثمراً وجعل عليها صقراً مغصوباً؛ فلا خيار للمرأة؛ لأن العيب ليس في الصداق.
ثم إن لم تنتقص الثمرة والصقر أخذته المرأة، ولا شيء لها، وإن تعيبت أخذتها وأرش النقصان.
وإن كان بحيث لو نزع تعيب، ولو ترك لا يتعيب، فيتبرع الزوج بترك القارورة وردها إليها ولا يجبر على القبول؛ لأنه لا حاجة إليه في إمضاء العقد.
فصل
في حكم الصداق بعد الطلاق
قبل الدخول
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237].
إذا طلق الرجل [امرأته] قبل الدخول يعود نصف الصداق إلى الزوج بنفس الطلاق.
وقال أبو إسحاق: لا يعودُ إلا باختيار التملك، والمذهب الأول.
وفائدته تتبين فيما لو حدثت زيادة في عين الصداق بعد الطلاق قبل الاختيار - يكون نصفها للزوج على ظاهر المذهب.
وعلى قول أبي إسحاق: تكون [كلها] للمرأة؛ كما لو حدثت قبل الطلاق، وكذلك لو حدث نقص بعد الطلاق قبل اختيار التملك أخذ الزوج نصفها مع أرش النقصان؛ كما لو حدث بعد اختيار التملك على ظاهر المذهب.
وعلى قول أبي إسحاق: هو بالخيار؛ إن شاء أخذ نصفه ناقصاً ولا شيء له، وإن شاء ترك وأخذ نصف قيمته صحيحة؛ كما لو حدث النقص قبل الطلاق.
ولا خلاف أن عود النصف إليه لايحتاج إلى قضاء القاضي.
وقول الشافعي - رضي الله عنه- "هذا كله ما لم يقض له القاضي" أراد ما لم يعلم سبب عود نصف الصداق إلى ملك الزوج، وهو الطلاق على ظاهر المذهب، والطلاق مع
اختيار التملك على قول أبي إسحاق، حتى تصير المرأة ضامنة [منه] لما حدث في الصداق من النقص، فعبر بالقضاء عن وجود السبب؛ لأنه أوضح وأشهرُ إذا ثبت أن نف الصداق يعود إلى الزوج بالطلاق قبل الدخول، فلا يخلو إما إن كانت عين الصداق قائمة أو هالكة أو متغيرة.
فإن كانت قائمة في يد المرأة أخذ الزوج نصفها، ونصيب الزوج يكون أمانةً في يدها بعد الطلاق، حتى لو هلك، أو تعيب - لا يجب عليها ضمانه.
وإن كان الصداق ديناً في ذمة الزوج سقط بالطلاق نصفه، وإن كان قد عينه وسلم إليها هل يتعين حقه في نصف ما أدى، أم يجوز لها أن تؤدي حقه من موضع آخر؟:
فيه وجهان: أحدهما: [لها أن] تؤدي من موضع آخر قدر نصفه؛ لأن العقد لم يتعلق بعينه.
والثاني: يتعين حقه فيه؛ لأنه تعين بالتسليم، وإن كان الصداق عيناً وهي تالفة في يدها، أو خرج عن ملكها بإعتاقٍ، أو بيع، أو هبة أو تسليم، [أو وقفته] أو كان عبداً فكاتبته؛ فلا يبطل ذلك العقد، والزوج يرجع بنصف مثله إن كان مثلياً، أو نصف قيمته [إن كان متقوماً] أقل ما كانت قيمته من يوم الإصداق إلى يوم التسليم إليها؛ لأن قيمته إن كانت يوم الإصداق أقل فزادت، فتلك الزيادة للمرأة لحدوثها على ملكها، فليس للزوج أن يرجع في نصفها.
وإن كانت قيمتها يوم الإصداق أكثر، فانتقصت؛ فذلك النقصان حصل في ضمانه؛ فلا روع له بما هو مضمون عليه، وإن كان قد خرج عن ملكها، ثم عاد إليها، ثم طلقها الزوج قبل الدخول - يتعين في حقه نصفه، وفيه وجهان
أصحهما - وهو المذهب: يتعين؛ لأنه وجد عين الصداق.
وقيل: يأخذ نصف قيمته؛ لأنه ملكته من غيره.
والأول أصح، بخلاف ما لو وهب لولده شيئاً، فخرج عن ملكه، ثم عاد إليه - لا رجوع للأب على الأصح من الوجهين؛ لأن حق الروع للأب مختص بالعين؛ بدليل أنها لو هلكت لا يرجع في قيمتها، فبخروج العين عن ملك الابن سقط حقه وحق الزوج بتلف العين؛ فلا يبطل حتى يرجع بالقيمة، فبخروج العين عن الملك لا يبطل حقه عن العين إذا عاد إليها.
أما إذا طلقها قبل أن عاد إلى ملكها، ثم عاد إلى ملكها قبل أخذ القيمة، فحقه [في
القيمة] وإن كانت قد أوصت به أو وهبته، ولم تقبض أو رهنته ولم تسلم - فللزوج الرجوع في نصفه.
وإن كانت قد أجرته، أو كانت أمةً، فهو نصفان، فن شاء الزوج أخذ نصفه مسلوب المنفعة، وإن شاء أخذ نصف القيمة.
وإن كان الصداق قائماً عندها، إلا أنه قد تغير - لا يخلو إما أن تغير بزيادة أو بنقصان، أو بهما جميعاً.
فإن تغير بزيادة نُظر إن كانت الزيادة منفصلة، كالولد، والكسب، [وثمر الشجرة] ونحوها - تبقى كلها للمرأة، سواء حصلت في يده أوفي يدها قبل الطلاق، والزوج يأخذ نصف الأصل، وإن كانت الزيادة متصلة، [كالسمن] والكبر، [وتعلم القرآن]، والحرفة، أو كانت جارية عمياً، [الأصل]، فأبصرت قبل التسليم أو بعده.
فإن تبرعت المرأة بتسليم نصفه إليه، فليس للزوج إلا ذلك، وإن لم تتبرع لا تُجبر المرأة عليه، وللزوج نصف قيمتها أقل ما كانت من يوم الإصداق إلى وقت التسليم، وهذا بخلاف ما لو أفلس المشتري بالثمن رجع البائع على المبيع بزيادته المتصلة.
وكذلك يرجع في هبة [الولد] زائداً؛ لأن الفسخ في هذه المواضع يستند إلى أصل العقد، فيصير كأن هذه الزوائد حصلت في ملك البائع والواهب، وفي الطلاق يحصل الملك للزوج ابتداء في نصف ما كان أصدقها؛ لأن الطلاق ليس بفسخ، لكنه تصرف في الملك، وقطع له في الحال كالعتق في ملك اليمين، فلم يكن للزوج أخذ شيء من الزوائد التي حصلت عندها.
ولو فسخ احد الزوجين النكاح بعيب وجد بصاحبه قبل الدخول - أخذ الزوج عين الصداق بزيادتها المتصلة؛ كما لو فسخ البيع بالعيب أخذ البائع المبيع زائداً، وفي الردة قبل الدخول يأخذ الزوج نصف الصداق في ردته، وجميع الصداق في ردتها.
فإن كانت زائدة، فلا حق له في الزيادة إلا برضاها؛ كما في الطلاق، فإن لم ترض رجع بالقيمة، فإن كان التغيير بالنقصان نظر؛ لا يخلو إما أن كان النقصان نقصان عينٍ، أو نقصان وصفٍ.
فإن كان نقصان عين، مثل أن أصدقها عينين، فتلفت أحداهما، ثم طلقها قبل الدخول فالزوج بماذا يرجع عليها؟ فيه قولان:
أحدهما - وهو الأصح: يرجع بنصف العين القائمة، ونصف قيمة التالفة.
والثاني: يأخذ القائمة بحقه إن كانت قيمتها سواء؛ مثل إن كانا عبدين قيمتهما سواء، فهلك أحدهما، أخذ القائم بحقه.
وفيه قول آخر: أنه بالخيار إن شاء أخذ نصف القائمة ونصف قيمة التالفة، وإن شاء ترك العين، وأخذ نصف قيمة العبدين أقل ما كانت من يوم الإصداق إلى يوم التسليم.
فأما إذا كان النقصان نقصان وصف؛ مثل العمى، والعور، ونسيان الحرفة وغيرها- نر إن حدث في يده، فحقه في نصفه ناقصاً، وللمرأة الخيارُ في نصيبها، وإن حدثت في يدها فالزوج بالخيار؛ إن شاء أخذ نصفه ناقصاً، ولا شيء له سواه، وإن شاء ترك وأخذ نصف قيمته أقل ما كانت من يوم الإصداق إلى يوم التسليم، بخلاف المرأة حيث قلنا: تأخذ نصيبها مع الأرش في قول؛ لأن الصداق في يده ملك للمرأة، وهو مضمونٌ على الزوج، فعليه ضمان النقصان، وفي يد المرأة ملكٌ لها لا حق للغير فيه، ولا يجب عليها ضمان ما حدث من النقص في يدها.
وإن كان الصداق زائداً من وجه ناقصاً من وجه؛ بان كان عبداً صغيراً فكبر - ازداد من حيث العملُ، وانتقصت قيمته بالكبر، أو كانت شجرة فصارت فحاماً لا تثمر، وزاد حطبها وانتقص ثمرها، [أو كان عبدٌ تعلم حرفة ومرض أو عورت عينه] فإن اتفقا على أن يرجع الزوج في نصفه رجع، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وأيهما أبى لا يُجبر عليه، بل يرجع الزوج بنصف قيمته، ولا يجبر الزوج على أخذ نصفه؛ لما فيه من النقصان، ولا المرأة على إعطاء نصفه لأجل الزيادة.
ولو أصدقها جاريةً أوشاةً حائلاً فولدت، ثم طلقها قبل الدخول - فالولد لها، وليس له أخذ نصف الأم إن كان الولد رضيعاً؛ لأنه يحل بالرضاع، وإن رضيت المرأة، ولكن يأخذ نصف قيمتها، وإن كان فطيماً يأخذ الزوج نصف الأم إن لم تنتقص قيمتها بالولادة.
وإن انتقصت [قيمتها بالولادة] نظر؛ إن كانت الولادة في يد الزوج، فليس له إلا أخذ نصفها ناقصاً، وللمرأة الخيار في نصيبها، فإن شاءت تركت إليه، وأخذت نصف مهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني نصف قيمتها، وإن شاءت أخذت نصف الجارية، ولا شيء لها بسبب النقصان إن جعلنا ضمانه ضمان عقدٍ.
وإن قلنا: ضمان يد، أخذت أرش النقصان، وإن كانت الولادة في يدها، فللزوج الخيار إن شاء أخذ نصفها ناقصاً ولا شيء له بسبب النقصان، وإن شاء أخذ نصف قيمتها أقل ما كانت من يوم الإصداق إلى يوم التسليم.
وإن كان الحبل في يده، والولادة في يدها - فالنقصان من ضمان من يكون؟:
فيه وجهان:
أحدهما: من ضمانه، ولها الخيارُ؛ لأن السبب وجد في يده.
والثاني: يكون من ضمانها، وله الخيار؛ لأن النقص حصل في يدها.
وإن أصدقها جارية حائلاً، وكانت حاملاً يوم الطلاق- نظر؛ إن كان قبل القبض، فلها الخيار إن شاءت أخذت جميع الجارية؛ لأن الحمل زيادة حدثت في ملكها، وللزوج نصف قيمتها عليها، وإن شاءت تركت الجارية إليه، وأخذت نصف مهر المثل على الأصح.
وعلى القول الآخر: نصف قيمتها.
وإن رضيت المرأة بأخذ نصفها يجبر الزوج عليه؛ لأن نقص الحمل حدث في يده، وإن كان الطلاق بعد قبض المرأة الجارية، وحدوث الحمل - فالحمل زيادة من وجهٍ، ونقصان من وجهٍ، جارية كانت أو بهيمة.
وإن [اتفقا] على أخذ نصفها، فللزوج نصف قيمة الأم أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم التسليم، وإن أصدقها حاملاً، فإن طلقها وهي حاملٌ بذلك الحمل - أخذ الزوج نصفها حاملاً، فإن ولدت ثم طلقها، فحكم الأم ما ذكرنا، وهل له حق في الولد؟
هذا يُبنى على أن الحمل هل يُعرف؟ وفيه قولان:
فإن قلنا: لا يعرفُ، فهو [كولد] يحدث بعد العقد، فيكون لها.
وإن قلنا: الحمل يعرف، فهو ما لو أصدقها عينين، إلا أن الولد قد زاد على ما كان عليه حالة الإصداق، فإن رضيت المرأة بدفع نصف الولد إليه، وإلا فله نصف قيمته باعتبار حالة الانفصال؛ لأنه أول حالة يمكن فيها تقويمه.
وقيل: لا يجب له شيءٌ بسبب الحمل؛ لأن تقويمه لا يمكن حالة الاجتنان في البطن، وقد زاد بالانفصال، فلا يمكن تسليم نصفه إليه، فيسقط ضمانه، والأول أصح.
ولو أصدقها نخلة مثمرة، ثم طلقها أخذ الزوج نصفها مع نصف الثمرة، سواء جدت
المرأة الثمرة أولم تجد، فإن كانت مطلعة يوم الصداقِ، نظر إن طلقها وهي مطلعة بذلك الطلع، [فله] نصفها.
وإن كانت مؤبرة يوم الطلاق، فهل له حق في الثمرة؟
قيل: فيه قولان:
وقيل - وهو الأصح: له حق نصف الثمرة قولاً واحداً؛ لأنها كانت مشاهدة يوم الإصداق بخلاف؛ كما لو أصدقها حاملاً فولدت، هل له حكم في الولد ففيه قولان: حمل الحيوان.
قال الشيخُ - رحمه الله-: إذا جعلنا له حقاً في الثمرة، فلا يمكنه أخذ نصفها بغير رضاها؛ لأنها زائدة، ولن يأخذ نصف قيمة الطلع.
ولو أصدقها نخيلاً حائلاً، وطلقها قبل الدخول وهي مطلعةٌ- ليس له أخذ شيءٍ من الطلع، بخلاف ما لو باع نخلةً مطلعةً دخل الطلع في البيع؛ لأنه يملك بالتراضي، فإن رضيت المرأة بأن يأخذ الزوج نصف الشجرة مع الطلع - أجبر الزوج على القبول.
وإن كانت الثمرة قد أبرت، ورضيت المرأة بأن تأخذ نصفها مع نصف الثمرة- هل تجبر؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى كالطلع لاتصال الثمرة بالشجرة.
والثاني - وهو الأصح: لا تجبر؛ لأن الثمرة المؤبرة في حكم المنفصلة؛ بدليل أنها لا تدخل في مطلق بيع الشجرة ولا يجبر أحد على قبول ملك الغير.
ولو قال الزوجُ: أنا أرجعُ في نصف الشجرة، وأكلفها قطع الثمرة - لم يكن له ذلك؛ لأن الثمرة حدثت في ملكها، فاستحقت التربية على الشجرة.
ثم إن تراضيا على أن ياخذ الزوج نصف الشجرة ويترك الثمرة إلى الجداد فأخذ غلته لزم، وليس لأحدهما أن يرجع عن ذلك.
وإن رغب الزوج فيه فقال: آخذ نصف الشجرة، وأترك الثمرة لها على أوان الجداد والمرأة أبت - تجبر المرأة عليه.
فإن دعت المرأة إلى ذلك فللزوج ألا يرضى ويأخذ القيمة؛ لأن حقه في شجرة فارغةٍ، ولو قال الزوج: أنا أرضى بتأخير حقي حتى تجدي الثمرة، ثم آخذ نصف الشجرة - فللمرأة ألا ترضى به؛ لأن [الشجرة] نصيبه يكون مضموناً عليها، بخلاف ما لو رجع في
نصفه، وترك الثمرة - تُجبر المرأة؛ لأن ملك النصف انتقل إليه، فإذا قبضه مشاعاً سقط الضمان عنها.
ولو دعته المرأة إلى تأخير حقه إلى أن تجد الثمرة - له ألا يرضى؛ لأن حقه معجل، فإن تراضيا على التأخير، فلكل واحدٍ منهما أن يرجع على ذلك؛ لأنه تبرعٌ لا يلزم.
وعند المزني: يأخذ الزوج نصف النخلة، وتبقى الثمرة إلى أوان الجداد؛ كمن باع نخلاً وعليها ثمرة مؤبرة تكون الثمرة للبائع، وتبقى إلى أوان الجَدَادِ.
قلنا: لأن البيع يصدر عن تراضٍ منهما، فيقران على ما تراضيا عليه، وحكم سائر الأشجار إذا خرج نورها حم النخلة تطلعُ، فإذا انعقد ثمرها فكالنخلة تؤبر.
وإن كان الصداق أرضاً فزرعتها المرأة، ثم طلقها الزوج قبل الدخول - فلا حق له في الزرع، ولا له أن يكلفها قلع الزرع، فإن تراضيا على أن يأخذ الزوج نصف الأرض، ويترك الزرع إلى الحصاد- فحسن، وإن رغب فيه الزوج وأبت المرأة تجبر المرأة عليه، وإن رغبت [فيه المرأة] وأبىلزوج - فله ذلك، ويأخذ نصف قيمة الأرض؛ كما ذكرنا في الثمرة.
ولو رضيت المرأة بأن يأخذ الزوج نصف الأرض مع نصف الزرع - هل يُجبر الزوج عليه؟: فيه وجهان كالثمرة المؤبرة:
أصحهما: لا يجبر، وكذلك إذا كانت قد غرست فيها، فإن تراضيا على أن يأخذ الزوج نصف الأرض، ويترك الغراس له - جاز، وإن رغب فيه الزوج تُجبر المرأة عليه؛ كما في الزرع.
وقيل: لا تجبر لأنه للتأبيد.
وإن رغبت فيه المرأة لا يجبر الزوج، بل يأخذ نصف قيمة الأرض.
ولو تركت نصف الغراس إليه لا تجبر على القبول على الأصح؛ كما قلنا في الزرع.
ولو كانت حرثت الأرض، فهي زيادة من وهو نقصان من وجهٍ، فإن كان يُراد للبناء، فهو نقصان وإن كان يُراد للزراعة، فهو زيادة.
وإن تراضيا على أن يأخذ الزوج نصفها - جاز، وأيهما أبى لا يجبر الآخر عليه، وللزوج نصف قيمتها غير محروثة.
وإن كان الصداق عبداً وقد دبرته المرأة، فهل للزوج أخذ نصفه؟ نص أنه لا يأخذ.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، بناء على أن التدبير وصيةً أم تعليق عتقٍ بصفةٍ؟
فإن قلنا: وصية، فله أخذ نصفه؛ كما لو أوصت به لإنسان [له] أخذ نصفه.
وإن قلنا: تعليق عتق بصفة، فيأخذ نصف قيمته.
ومنهم من قال: ليس له أخذ نصفه.
وإن قلنا: وصية؛ لأنها قد قصدت فيه قربةً؛ فلا يبطل عليها ذلك مع إمكان جبرِ حق الزوج بالقيمة.
فإن رجعت عن التدبير، وقلنا: يصح الرجوع عنه، ثم طلقها الزوج - جاز له أخذ نصفه.
قال الشيخ - رحمه الله-: ولو وهب لابنه عبداً فدبره، أو باع عبداً بثوبٍ فدبره المشتري، ثم وجد بالثوب عيباً فرده - يجوز أن يسترد العبد؛ كما يأخذه بالزوائد المتصلة بخلاف الصداق.
ولو علقت عتقه بصفة، ثم طلقها الزوج - فالمذهب: أنه لا يرجع في نصفه؛ لأنه لا يقبل الروع.
بخلاف التدبير، بل بأخذ نصف قيمته.
فصل في وطء جارية الصداق
إذا أصدق امرأته جارية، ثم وطئها الزوج عالماً بأنها جارية الصداق - نظر إن وطئها بعد الدخول بالمرأة، فهو كما لو وطيء جارية أجنبي، فعليه الحد، فإن أولدها فالولد رقيق لها.
وإن ادعى أنه لم يعلم أنها ملكتها بالإصداق - لا يقبل قوله، وإن كان قبل الدخول بها، وادعى أنه لم يعلم أن المرأة تملك الصداق قبل الدخول - يقبل قوله، ولا حد عليه.
ولأي معنى لم يجب عليه الحد؟ فيه معنيان:
أحدهما: للجهل؛ لان العوام مما تخفى عليهم مثل هذه المسائل.
والثاني: لاختلاف العلماء، فإن عند مالك لا تملك [المرأة] قبل الدخول إلا نصف الصداق.
وإن كان عالماً بأن المرأة تملك جميع الصداق قبل الدخول، فهل عليه الحد؟ فعلى وجهين بناء على المعنيين.
فإن قلنا: المعنى فيه الجهالة، فهاهنا يجب عليه الحد؛ لأنه كان عالماً بحصول الملك لها.
وإن قلنا: اختلاف العلماء، فلا يجب، فحيث أوجبنا الحد، فإن أولدها يكون الولدُ رقيقاً لها، ويجب المهر إن كانت مكرهة، وإن لم نوجب الحد، فالولد حر ثابت النسب، وعلى الزوج قيمته للمرأة باعتبار يوم السقوط، وعليه المهر.
فصل في تفريق الصداق وجمعه
إذا جمع بين البيع والنكاح، بأن قال: زوجتك ابنتي هذه، وبعتك هذا العبد بألف، فقال: تزوجتها واشتريت العبد، أو قال: قبلت النكاح والبيع - فالنكاح صحيحٌ، وفي البيع قولان
أحدهما: باطلٌ، لما بينه وبين النكاح من اختلاف الأحكام.
والثاني: صحيح؛ لأن العقد على كل واحدٍ على الانفراد جائز، فيجوز الجمعُ؛ كما لو باع عبدين.
فإن قلنا: البيع باطلٌ، فالمسمى فاسدٌ، ويجب للمرأة مهر المثل.
وإن قلنا: البيع صحيحٌ، فتوزع الألف على مهر المثل، وقيمة العبد ويصور فيما إذا كان مهر المثل وقيمة العبد سواء.
وإن طلقها [الزوج] قبل الدخول رجع إليه نصف الصداق، [وهو ربعُ] الألف.
وإن ارتدت هي، أو فسخ احدهما النكاح بعيب وجد بصاحبه قبل الدخول، عاد إليه كل الصداق، وهو نصف الألف.
ولو وُجد بالعبد عيباً ورده يسترد الثمن، وهو نصف الألف، وليس للمرأة رد باقي الألف، والمطالبة بمهر المثل، وإن لم تجوز تفريق الصفقة؛ لأن المسمى صحيحٌ لا يترك بمهر المثل.
فإن رد الزوج العبد بالعيب، أو فسخ النكاح قبل الدخول بالعيب - عاد إليه كل الألف، وإن كانت الألف معينة، فخرجت مستحقة أو زيوفاً فردتها - يسترد العبد.
وفي الصداق قولان:
أحدهما: لها مهر المثل.
والثاني: خمسمائة درهم، وكذلك لو كان الألف من جهتها؛ بأن قال الولي: زوجتك ابنتي بعبدك؛ على أن أرد عليك ألفاً من مالها، أو قال: زوجتك ابنتي وملكتك ألفاً من مالها
بهذا العبد - صح النكاح، وفي البيع وتسمية الصداق قولان.
فإن قلنا: لا يصح؛ فعليه لها مهر المثل.
وإن قلنا: يصح، فيوزع العبد على صداق مثلها والثمن، ويصور فيما إذا كانت قيمة العبد ألفين، ومهر مثلها ألف، حتى يكون نصف العبد صداقاًن ونصفه مبيعاً بألفٍ، فإن طلقها [الزوج] قبل الدخول بها -رجع إليه نصف الصداق، وهو ربع العبد.
وإن ارتدت [الزوجة]، أو فسخ أحدهما النكاح بعيبٍ قبل الدخول - عاد إليه كل الصداق، وهو نصف العبد، فإن كانت الألف معيبة، فوجد الزوج بها عيباً وردها - استرد المبيع، وهو نصف العبد وبقى لها النصف,
ولو وجدت [هي] بالعبد عيباً وردته تسترد الثمن، وهو الألف للنصف المبيع.
وفي الصداق قولان:
أحدهما: تأخذ مهر المثل.
والثاني: نصف قيمة العبد.
ولو أرادت تفريق الصفقة، فيرد نصف المبيع من العبد، ويمسك نصف الصداق، أو عكسه، فقد قيل: فيه قولان؛ كما لو اشترى عبدين، وأراد رد أحدهما بالعيب - هل له ذلك؟ فيه قولان:
وقيل هاهنا: يجوز قولاً واحداً؛ لأنهما عقدان، فيجوز ردُّ أحدهما دون الآخر.
وعلى هذا لو مع بين الخلع والبيع؛ بأن قالت: طلقني على ألفٍ على أن تعطيني عبدك الفلاني، فقال: فعلت، فبعض الألف بدل الخلع، والبعض ثمنُ العبد.
أو قال الزوج: خالعتك، وبعتك هذا العبد بألف، فقبلت - صح الخلع.
وفي صحة المسمى والبيع قولان.
فإن قلنا: لا يصح، يجب عليها مهر المثل.
وإن قلنا: يصح، فيوزع [المسمى] على مهر المثل، وقيمة ما ضم غليها.
وإن جمع بين نكاح امرأتين، أو بين أربع بمسمى واحدٍ؛ بأن كانت له أربع بناتٍ ابن
من أربع بنين، فقال الرجلُ: زوجتكهن بألفٍ، فالنكاح صحيح، وفي صحة المسمى قولان.
وكذلك لو خالع امرأتين، أو أربع نسوة بألفٍ دفعة واحدة فقبلن- وقعت البينونة، وفي صحة المسمى قولان:
أحدهما: المسمى فاسدٌ؛ لأن ما يخص كل واحد منهن مجهولٌ، ولكل واحدةٍ منهن في النكاح وفي الخلع على كل واحدة منهن مهر مثلها.
والقول الثاني: المسمى صحيحٌ؛ لأن الجملة معلومةٌ والتفضيل يصير معلوماً بالتوزيع؛ كما لو باع أربعة أعبد صفقة واحدة بألف، يصح، ويوزع المسمى على قدر قيمتهم، فعلى هذا يجوز المسمى على مهور أمثالهن على ظاهر المذهب.
وقيل: يوزعُ على عدد رؤوسهن، وليس بصحيح؛ كما في الثمن يوزع على قدر قيمتهم لا على عدد رؤوسهم.
ونص الشافعي - رحمه الله - على أنه لو اشترى عبدين، أو أربعة أعبدٍ من أربعة نفرٍ غير مشتركة بينهم، صفقة واحدة؛ أنه لا يصح [في] البيع.
ونص على أنه لو كاتب ثلاثة أعبدٍ كتابة واحدة بمسمى معلوم، أن الكتابة جائزة.
اختلف أصحابنا في هذه النصوص منهم من جعل الكل على قولين، [في المسمى] في النكاح والخلع، ومنهم من ألحق الكتابة بالنكاح والخلع، فجعلهما على قولين، وقال في البيع: لا يصح قولاً واحداً [والفرق]: أن الثمن ركنٌ في البيع؛ بدليل أن فساده يمنع صحة العقد، بخلاف النكاح والخلع والكتابة، فإن البدل ليس بركن فيها؛ بدليل أن فساده لا يمنع مقصود العقد؛ لأن النكاح يصح مع فساد العوض، وفي الخلع تقع البينونة، وفي الكتابة يحصل العتق إذا أدى المسمى، فكذلك الجهل بالعوض لا يمنع صحة العقد.
ومنهم من ألحق البيع بالنكاح والخلع، فجعله على قولين، وقال: الكتابة صحيحة قولاً واحداً، وفرق بأن العبيد في الكتابة يجمعهم ملكٌ واحدٌ، وقبولهم صدر على رأي مالك واحد؛ فصح؛ كما لو باع واحدٌ عبدين من واحدٍ يصح، بخلاف العقود الثلاث.
وإذا تزوج امرأة على عبدٍ، فخرج العبد مستحقاً، أو خرج حراً، أو على جارية فخرجت أم ولد، أو على عصير فبان خمراً، أو على مُذكاةٍ فبان ميتة [أو على بقرةٍ فبان خنزيراً]- فالنكاح صحيح.
وفيما عليه؟ قولان:
أصحهما- وهو اختيار المُزني: يجبُ عليه لها مهر المثل.
والثاني: عليه القيمةُ، فيقدر الحر عبداً، والميتة مُذكاة، والخنزير بقرةً، وتؤخذ قيمته، ويقدر الخمر عصيراً فيؤخذ مثله.
وكذلك لو خالع زوجته على عبدٍ، فبان مستحقاً أو حراً، [أو على مُذكاة فبانت ميتة]- تقع البينونة، ويجب [لها] مهر المثل في أصح القولين.
وفي الثاني القيمة.
أما إذا قال: [زوجتكها] على هذا الحر أيقع؟، أو على هذا الخمر [أو على هذا الخنزير]- فيفسد المسمى، ويجب مهر المثل قولاً واحداً؛ لأن التسمية وقعت فاسدة، وفي الصورة الأولى كانت التسمية صحيحة، فيجوز أن يقال: يرجعُ إلى ما سمي، وذلك الخُلعُ.
ولو نكحها على ألفِ درهمٍ، وزق خمرٍ - فالمهر فاسدٌ، ويجب لها مهر المثل، ولو نكحها على عبدين، فبان أحدهما مستحقاً أو حراً - ففي الحر والمستحق فاسد.
وهل يصح في العبد؟ فعلى قولين بناء على تفريق الصفقة.
فإن قلنا: لا يصح، فلها مهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني: قيمتها.
وإن قلنا: يصح في العبد، فللمرأة الخيار في الصداقِ؛ لأنه لم يسلم لها جميع المسمى، فإن ردت فهكذا يرجع بمهر المثل على الأصح، وعلى الثاني بقيمة العبدين.
وإن أجازت فبم تجيز المملوك فيه قولان:
أحدهما: بجميع المهر، ولا شيء لها غيره.
والثاني: يجبر بحصته [من مهر المثل]، ثم بماذا يرجع بسبب الحر؟ فعلى قولين:
أصحهما بحصته من مهر المثل.
والثاني: بقيمته لو كان عبداً.
وعند أبي حنيفة: إذا أصدقها عبدين، فخرج أحدهما حراً - ليس لها إلا العبد، وإن
خرج أحدهما مستحقاً، فلها قيمة المستحق مع الثاني.
وعند أبي يوسف في الحر كذلك لها قيمة الحر مع الثاني.
ولو عقد النكاح في السر بألفٍ، ثم عقد في العلانية بألفين:
قال في موضع: المهر مهر السر، وقال في موضع آخر: المهر مهر العلانية.
أومأ المزني أن المسألة على قولين.
وخرج بعض أصحابنا من هذا أن المواضعة عليه قبل العقد، هل تجعل كالمشروط في العقد، فجعلوها على قولين.
والمذهب أن المواضعة [عليه] قبل العقد لا تجعل كالمشروط في العقد.
وهذه المسألة على اختلاف الحالين حيث قال: المهر مهر السر، أراد به إذا عقد عقداً صحيحاً في السر بألف، ثم عقد ثانياً بألفين في العلانية ليتسامع الناس، فالواجب هو الأول، وحيث قال: المهر مهر العلانية، أراد به إذا تواطؤوا في السر على أن المهر ألفٌ، ولم يعقدوا، ثم عقدوا في العلانية - بألفين- فالمهر مهر العلانية.
ولو ادعت امرأة على زوجها أنه نكحها يوم الخميس بعشرين، ويوم الجمعة بثلاثين، وادعت المهرين جميعاً - تُسمعُ دعواها، فإذا ثبت العقدان بإقرارهما، أو بنكوله وبيمينها، أو ببينةٍ [قامت عليه]- يلزمه المهران جميعاً، ويحمل على أنه طلقها بعد النكاحة الأول، ثم نكحها ثانياً.
وإن لم تُصرح المرأة بذلك في دعواها؛ لأن إقدامه على النكاح الثاني أمارة وقوع الفرقة بينهما، فلو ادعى الزوج أن العقد الثاني كان في حال بقاء الأول ليتسامع الناسُ؛ كما لو ابتاع شيئاً، ثم ادعى أنه ملكه لا يقبل؛ لأن ابتياعه إقرارٌ لصاحب اليد بالملك؛ إلا أنه إذا ادعى أن الفراق في النكاح الأول كان قبل الدخول - يقبل قوله مع يمينه، ولا يلزمه إلا نصف المهر في النكاح الأول، ويكون عنده في النكاح الثاني بطلقتين.
وعلى هذا لو ادعى على رجل أنه اشترى هذه السلعة يوم الخميس بعشرين، واشتراها يوم الجمعة بثلاثين، وأقام عليه بينة - يلزمه الثمنان جميعاً، ولا يقبل قول المشتري: عن الثاني كان مع بقاء الأول.
ولو قبل لابنه الصغير، أو المجنون نكاح امرأة بمهر من مال الابن - يصح، ثم إن كان
ديناً لا يكون الأب ضامناً، إلا أن يضمن صريحاً.
وقال في القديم: يكون الأب ضامناً.
فإن قلنا بهذا، أو ضمن صريحاً، فإن أدى من مال نفسه [بحم الضمان، فإن نوى الرجوع على الابن حالة الأداء رجع، وإلا فلا، وإن لم يكن الأب ضامناً فأدى من مال نفسه] متبرعاً - لا رجوع له على الابن، وكذلك لو تبرع أجنبي بإذنه.
فلو بلغ الصبي، فطلقها قبل الدخول، كان الصداق للابن، وعلا رجوع للأب فيه.
وقيل: إذا كان عينُ ما دفع الأب قائماً، فهل للأب الرجوعُ؟ فيه وجهان؛ كما لو كان الموهوب عيناً.
وإن كان الابن بالغاً، فتبرع الأب بأداء الصداق، ثم طلقها الابن قبل الدخول، عاد نصف عينه إلى الابن، فهل للأب الرجوع؟
فيه [وجهان]؛ كما في حق الصغير.
وقيل في [القديم]: لا يرجع قولاً واحداً، بخلاف الصغير؛ لأن الصغير ليس من أهل القبض، فجعل الأب متبرعاً عليه قابضاً عنه؛ فكان له الرجوع، فلا ينوب عن البالغ في القبض، وكان أداؤه عن محض إسقاط حق، فلم يقدر على الرجوع.
ولو قبل لابنه الصغير النكاح بصداقٍ من مال نفسه - صح، عيناً كان أو ديناً، ثم إذا بلغ الصبي وطلقها قبل الدخول - فنصف الصداق يعود إلى الابن، وإذا ارتدت قبل الدخول، فكل الصداق يعود إلى الابن، وهل للأب - الرجوعُ فيه؟ نُظر؛ إن كان ديناً فلا؛ كما لو اشترى الابن شيئاً بثمن في ذمته، وأدى، ثم وجد الابن بالمبيع عيباً ورده - يسترد الثمن، ولا رجوع للأب فيه، بخلاف ما لو خرج المبيع مستحقاً يعود الثمن إلى الأب؛ لأنه بان أن الأداء فيه لم يصح.
وإن كان الصداق عيناً فإن كان قد هلك عندها، رجع الابن في نصف قيمته، ولا رجوع للأب فيه، وإن كانت العين باقية، فأخذ الابن نصفها، هل للأب أن يرجع فيه؟
فعلى وجهين، بناء على ما لو خرج الموهوب من ملك الابن، ثم عاد إليه - هل يثبت للأب الروع فيه أم لا؟ فعلى وجهين.
والصحيح من المذهب أن لا رجوع للأب في هذه المواضع كلها.
ولو قبل لابنه الصغير نكاح امرأةٍ، وجعل أم ذلك الابن صداقاً لها؛ بأن كانت مملوكة له - لم يصح الإصداق؛ لأنا نحتاج أن يملكها الابن أولاً، ثم نجعلها صداقاً لزوجته، وإذا ملكناه عتقت، وإذا عتقت لم يصح إصداقُها، فقلنا: لا يصح ولا تعتق.
والله أعلم.
باب التفويض
التفويض هو التزويج بلا مهرٍ، وهو نوعان: صحيح، وفاسد.
فالصحيحُ: هو أن تأذن المرأة المالكة لأمرها - ثيباً كانت أو بكراً - لوليها أن يُزوجها بلا مهر، أو قالت: زوجني ولا تكر المهر، فزوجها وليها، وقال: زوجتكها بلا مهرٍ، أو سكت عن ذكر المهر، أو السيد زوج أمته بلا مهر، أو سكت عن ذكره - صح النكاح، ولا يجب المهر بالعقد على الصحيح من المذهب؛ لأن المهر حقها، وقد رضيت بإسقاطه؛ ما لو أبرأت الزوج عن الصداق بعد الوجوب.
وفيه قول مخرج: أنه يجب المهر، وهو قول أبي حنيفة، والأول أصح؛ لأنه لو وجب بالعقد انتصف بالطلاق قبل الدخول، ولم يكن لها مطالبته بالفرض، وبالاتفاق يجوز لها مطالبته باني فرض لها صداقاً.
ولو طلقها قبل الفرض والمسيس - لا مهر لها، وتجب لها المتعة، ولو دخل بها الزوج وجب لها مهر المثلن ولم يكن لها بعد مطالبته بالفرض.
ولو مات أحد الزوجين قبل الفرض والمسيس- هل يجب لها مهر المثل؟:
قال الشافعي - رضي الله عنه-: إن صح حديث بروع بنت واشقٍ، فلها المهر؛ وهو ما رُوي عن معقل بن سنان؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في بروع بنت واشقٍ - نُكحت بغير مهر، فمات زوجها بمهر نسائها والميراث.
وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه يقال: رواية معقل بن يسار، ويقال: معقل بن سنان، ويقال: بعض بني الأشجع؛ ولذلك علق القول على ثبوته.
فإن ثبت الحديث، وجب لها المهر، وإن لم يثبت، ففيه قولان:
أصحهما - وبه قال علي، وزيد، وابن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهم -: لا مهر لها؛ لأن ارتفاع نكاح التفويض قبل الفرض والمسيس - لا يُوجب المهر؛ كما لو طلقها قبل الدخول.
والثاني: يجب لها المهر؛ لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى، كذلك في إيجاب المهر في التفويض.
فمن أصحابنا من قال: القول الذي ذكرنا: إنه يجب المهر بالعقد - يخرج من هذا.
والصحيح من المذهب: أنه لا يجب بالعقد.
وفي وجوبه بالموت قولان.
وفي نكاح التفويض يجوزُ للمرأة مطالبة الزوج بالفرض قبل الدخول، ولها حبس نسها عنه حتى يفرض، ويؤدي المفروض، سواء قلنا: وجب بالعقد، أو لم يجب.
وإنما أثبتنا لها ذلك؛ ليتقرر لها نصف المهر.
ولو طلقها قبل الدخول، وكذلك السيد إذا زوج أمته مفوضة، فله مطالبة الزوج بالفرض.
ثم إن تراضيا على فرض بأنفسهما جاز ولزم - عيناً كان أو ديناً - أكثر من مهر المثل، أو أقل من جنس نقد البلد، أو من غير جنسه حالاً أو مؤجلاً، سواء كانا عالمين بقدر مهر المثل أو جاهلين.
وقيل: إن قلنا: وجب المهر بنفس العقد، بشرط أن يكونا عالمين بمهر المثل؛ فإن جهلاه أو أحدهما - لم يجز.
ولو فرض لها شيئاً لم ترض به، فهو كما لو لم يفرض.
أما إذا كان الفرض من جهة القاضي بطلبها - فلا يجوزُ له أن يفرض إلا بنقد البلد حالاً، بعد أن كان عالماً بقدر مهر المثل، حتى لا يزيد على مهر المثل، ولا ينقص، رضيت المرأة أو أبت؛ كما في تقويم المتلفات، فإن زاد أو نقص لم يجز إلا بالقدر اليسير الذي يقع في الاجتهاد.
وإن رضيت المرأة بالتأجيل، فالقاضي يوجبه حالاً، ثم للمرأة تأخير المطالبة إن شاءت.
وإذا دخل بها الزوج بعد فرض القاضي، أو بعد تراضيهما على مفروضٍ - استقر المفروض، وكذلك لو مات.
وإن طلقها قبل الدخول فنصف ذلك المفروض كالمسمى في العقد، ولو زوجها على أن لا مهر لها في الحال، ولا عند الدخول - اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هي مفوضة؛ ما لو سكت عن ذكر المهر، ويجب لها المهر عند الدخول؛ لأن وجوب المهر عند الدخول حق الشرع، حتى لا يُضاهي نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم - والسفاح؛ فلم يسقط بإسقاطها.
وقال أبو إسحاق: يجب مهر المثل بالعقد قولاً واحداً؛ لأن شرط سقوط المهر عند الدخول شرط فاسد، والشرط الفاسد عند النكاح يوجب مهر المثل.
وقال ابن أبي هريرة: لا يصح النكاح؛ لأن من لا مهر لها بحال موهوبةٌ، ولا يحل ذلك لغير النبي - صلى الله عليه وسلم - والمفوضة إن لمي جب لها [مهر بالعقد، فيجب بأمر آخر من فرض، أو دخول، أو موتٍ في قول.
ولو تزوجها على أن لا مهر لها] ولا نفقة، أو على أن لا مهر لها وتُعطي زوجها شيئاً - فهي مفوضةٌ؛ لأنها شرطت [مع سقوطي المهر إعطاء شيء، فكان أبلغ في التفويض، ولا يجب عليها إعطاء شيء.
ولو قالت المرأة: زوجني بلا مهر، فزوجها الولي بالمهر - نُظر إن زوجها بمهر المثل فأكثر بنقد البلد - صح ولزم، وإن زوجها بدون مهر المثل، وبغير نقد البلد - فهو كما لو زوجها مفوضة؛ ولا يلزم المسمى.
ولو أطلقت المرأة فقالت: زوجني من فلان، فزوجها الولي بمهر المثل، أو أكثر - صح ولزم المسمى، وإن زوجها بلا مهر، أو بدون مهر المثل - ففيه قولان:
أحدهما: لا ينعقد؛ لأنه بخس حقها.
والثاني: ينعقد، ويجب مهر المثل.
قال الشيخ - رحمه الله-: وكذلك لو زوجها الولي مطلقاً ولم يُسم [المهر، وإن سمت المرأة مالاً فقالت: زوجني بألف، فزوجها الولي بألفٍ فأكثر - صح ولزم المسمى] وإن زوجها بأقل من ألف، أو بلا مهر، أو مطلقاً - لا يصح؛ كما لو أذنت في زيدٍ، فزوجت من عمرو، وكذلك أمر وكيل الولي.
أما التفويض الفاسد، وهو أن يُزوج الأب الصغيرة، أو المجنونة، أو السفيهة مفوضة، أذنت السفيهة أو لم تأذن، أو يزوج البكر البالغة دون رضاها مفوضة - ففي انعقاد النكاح قولان:
أصحهما: يصح، ويجب مهر المثل بالعقد.
وهذا كله في تفويض البضع.
أما إذا كان التفويض في المهر؛ بأن قالت لوليها: زوجني بما شاء الزوج، أو بما شاء فلان، أو بما شئت، فسمى الزوج أو فلان، وهو شيءٌ معلوم، فزوجها به - صح، ولزم المسمى، وإن كان دون مهر المثل.
ولو زوجها بلا مهر أو مطلقاً لا يصح.
ولو قال الولي في العقد: زوجتكها بما شئت، أو بما شاء فلان - يب مهر المثل بنفس العقد.
والله أعلم بالصواب.
باب تفسير مهر مثلها
كل موضع أوجبنا للمرأة مهر المثل تنعني به [مهر] نساء عصباتها، فيعتبر مهرها بمهر امرأة من عصباتها هي مثلها في السن، والعقل، والعفة، والجمال، واليسار، والثيابة، والبكارة، والصراحة، وغيرها من أسباب الكمال؛ لأن المهر يختلف بهذه الأشياء، فإن مهر الثيابة أكثر من مهر العجوز، ومهر الجميلة والغنية والبكر أكثر من مهر من هي على خلاف ذلك، ومهر الصريح التي أبواها قرشيان أكثر من مهر الهجين التي أمها نبطية.
فإن كانت فيها خصلة حميدة لم تكن في نساء عصباتها يُزاد في مهرها، وإن كان فيها نقص ينقص من مهرها؛ ما في تقويم المتلفات.
ونساء عصباتها كل امرأةٍ تنسب هذه إليه؛ كالأخوات [للأب والأم] أو للأب، والعمات للأبوين أو للأب، وبنات الأخ والعم [للأب والأم] أو للأب ولا يعتبر بأمهاتها وجداتها وخالاتها وبنات أخواتها ولا بنات عماتها، بخلاف الحيض يعتبر بنساء العشيرة؛
لأنه معنى يرجع إلى الجبلة والخلقة، وقد اشترك في خلقتها [الأم والأب].
ومهرُ المثل أمرٌ يقع به الافتخار كالنسب، فاعتبر بنساء النسب؛ كالكفاءة تعتبر بالعصبات، وتعتبر بالأقرب فالأقرب من نساء العصبة؛ فيعتبر بالأخوات للأب والأم، ثم للأب ثم بنات الإخوة، ثم العمات ثم بنات الأعمام، ويعتبر بغالب مهرِ نساءِ عصباتها في بلدها وإن كُنَّ موتى؛ لأنه يختلف باختلاف البلدان كقيم المتلفات.
وإن لم يكن لها في بلدها أحدٌ منهن، ونساء عصباتها ببلدٍ آخر؛ فحينئذ يعتبر بنساء عصباتها ببلد آخر حيث كن.
فإن لم يكن لها أحدٌ من نساء العصبة، فيعتبر بالأقرب فالأقرب من أمهاتها وجداتها وخالاتها، فإن عُدمن، فبالأجانب من نساء بلدها، فإن لم يكن فبأقرب [النساء] شبهاً بها من أقرب البلاد إليها.
وإن كانت عربية يعتبر [بمهر غربية] مثلها، وإن كانت من الموالي فبمولاة مثلها في شرف سيدها ودناءته.
وإن كانت أمة فبمهر مثل أمة مثلها في بلدها.
وإذا أوجب الحاكم مهر المثل يُوجب من نقد البلد حالاً كقيم المتلفات، ثم إن رضيت المرأة بالتأجيل، فهو تبرعٌ منها لا يلزم.
وإن كانت عادة نساء عصبتها تأجيل المهر، أو تأجيل بعضه - فالحاكم يوجب كله حالاً، وينقص عن مهرهن بقدر ما يقابل التأجيل؛ لأنهن إذا أجلن زدن.
ويختلف ذلك أيضاً باختلاف الخاطب، فإن الشريف يرغب فيه بمهر أقل، لا يرغب بمثله في الوضيع.
وإن كانت عادة نساء عصبتها تخفيف المهر مع العشائر - يُراعى ذلك، فيخفف مع العشيرة، بخلاف قيمة [المتلفات] نوجبها بكمالها.
وإن كان المتلف صديقاً، وفي العادات المحاباة مع الأصدقاء؛ لأن المقصود من النكاح الوصلة، فيراعى فيه من التودد والتآلف ما لا يُراعى فيما المقصود منه المال.
وكل نكاحٍ وجب فيه مهر المثل يتشطر ذلك بالطلاق قبل الدخول، ويتقرر بالدخول
والموت إلا المفوضة على قولنا المخرج: إنه يجب المهر بالعقد، ويسقط بالطلاق قبل الدخول إلى المتعة.
وعند أبي حنيفة: لا يتنصف بمهر المثل، بل يسقط إلى المتعة في جميع المواضع، ونحن نقيسه على المسمى.
والله أعلم.
باب الاختلاف في المهر
إذا اختلف الزوجان في الصداق في قدره، أو جنسه، أو عينه، أو في أصله: فقال الزوج: نكحتك بلا مهر، وقالت: بلى على ألف، أو في الأجل فيه، أو في قدر الأجل - يتحالفان، سواء كان قبل الدخول أو بعده في حال بقاء النكاح، أو بعد الفراق، فإذا تحالفا انفسخ الصداق، ويجب لها مهر المثل.
وإن زاد على المسمى الذي تدعيه، فالنكاح بحاله.
وقال أبو حنيفة: إن كان بعد الدخول، فالقول قول الزوج، [وإن كان قبله، فالقول قولها في قدر المهر، وفيما زاد القول قول الزوج].
وقال مالك: إن كان بعد الدخول، فالقول قول الزوج، وإن كان قبله تحالفا، ويبدأ بالتحالف بالزوج.
وكذلك لو وقع الاختلاف بين ورثة الزوجين بعد موتهما، أو بعد موت أحدهما، [ووقع بين وارثه والآخر]- يتحالفان، إلا أن الزوجين بأنفسهما يتحالفان على البت في النفي والإثبات جميعاً.
والوارث يحلف على [نفي] العلم فيما ينفي، وعلى البت فيما يثبت، فيقول وارث الزوج: والله لا أعلم أن مورثي تزوجك على ألف، إنما تزوجك على خمسمائة، ويقول وارث المرأة: والله لا أعلم أنك تزوجتها على خمسمائة، بل تزوجتها على ألفٍ.
وإذا اختلف الزوج وأبو الصبية البكر: فقال الأب: زوجتكها بألفٍ، وقال الزوج: بل بخمسمائة - يتحالفان كالزوجين، لأن الولي هو المباشر.
وقيل: لا يحلف الأب، بل يتوقف حتى تبلغ الصبية، ثم يتحالفان، أو يحلف الزوج في الحال وتوقف يمين الصبية حتى تبلغ، فإن بلغت الصبية قبل التحالف - تحلف الصبية
بالاتفاق لا الأب، وتحلف فيما تنفي على [نفي] العلم؛ لأنها لم تُباشر.
والاختلافُ في حق الصبية إنما يكون فيما زاد على مهر المثل، بأن كان مهرها ألفاً، فقال الولي زوجتكها بألفين، والزوج يقول: بألف.
فأما إذا كان الزوج يقول: بخمسمائة، والولي يقول: بألف - فلا معنى للاختلاف؛ لأن الولي إذا نقص عن مهر المثل يجب لها المثل كاملاً بالعقد.
وإن كان الزوج يقر بأكثر من مهر المثل؛ بأن يكون مهرها ألفاً، والزوج يقول: نكحتها بألفين، والولي يدعي عليه ثلاثة آلاف - فلا يتحالفان، ويأخذ الولي ألفين؛ لأنهما إذا تحالفا يعو مهرها إلى ألفٍ.
فلو اختلف الزوجان في أداء المهر، فقال الزوج: أديت وأنكرت - فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل انشغال ذمته بحقها، سواءٌ كان قبل الدخول أو بعده.
وقال مالك: إن كان قبل الدخول، فالقول قولها، وإن كان بعد الدخول فالقول قوله؛ لأن الظاهر أنها لا تُسلم نفسها إلا بعد قبض المهر.
وإن كان الصداق تعليم سورةٍ، فقال الزوج: علمتكها، وأنكرت - نظر إن كانت المرأة لا تُحسن تلك السورة، فالقول قولها، وإن كانت تحسنها - فوجهان:
أحدهما: القول قولها؛ لاحتمال أنها تعلمت من غيره، والأصل انشغال ذمته بالصداق.
والثاني: القول قوله مع يمينه؛ لأن الظاهرة معه.
ولو اتفقا على قبض مالٍ، واختلفا في الجهة: فقالت [المرأة]: كان المقبوض هدية، وقال الزوج: كان صداقاً - فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بنيته، سواء كان المقبوض من جنس الصداق، أو لم يكن، من طعام أو غيره.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله-: إن كان شيئاً [آخر] لا يدخر، فالقول قولها، فإذا حلف إن كان المقبوض من جنس الصداق - وقع عنه، وإن كان من غير جنسه، فإن شاء باعه عنها بالصداق إن كان قائماً، وإن شاء استرده، وأعطاها المهر، وإن كان تالفاً أخذ بدله.
أما إذا بعث إلى بيت من لا دين له عليه شيئاً، ثم قال: بعوضٍ وأنكر - فالقول قولُ القابض.
ويجوز للولي قبض الصداقِ للصغيرة، والمجنونة، والسفيهة من زوجها، ولا يجوز قبض الصداق للبالغة الرشيدة إلا بإذنها، أباً كان الولي أو جداً، ولا يبرأُ الزوج بالدفع إليه.
وفي القديم قولٌ آخرُ: أنه يجوز للأب والجد قبض صداق البكر البالغة دون إذنها، ويبرأ الزوج بالدفع إليها؛ كما يجوز لهما إجبارها على النكاح، وهذا على قولنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي.
وعند أبي حنيفة: يجوز له قبض صداقها، إلا أن تنهي عنه.
والله أعلم.
باب الشروط في المهر
رُوي عن عقبة بن عامر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج".
كل شرط يقتضيه النكاح، فذكره في العقد لا يضر؛ وذلك مثل أن يتزوجها على أن ينفق عليها، ويقسم لها، ويطأها، ولا تخرج إلا بإذنه، وأن له أن يُسافر بها إن بدا له، أو يتزوج عليها إن شاء، ويجوز ذلك.
وإن شرط لها مالاً يقتضيه العقد لا يبطل به النكاح، ويفسد الصداق، ويجب لها مهر المثل، سواء كان الشرط لها أو عليها.
أما مالها مثل أن شرط ألا يتزوج عليها، أو لا يتسرى عليها، أو يُطلق ضرتها، أو تخرج متى شاءت، أو لا يخرجها من بلدها ولا يُطلقها.
وما عليها: مثل أن شرط ألا ينفق عليها، ولا يقسم لها، ويجمع بينها وبين ضرتها في مسكن واحدٍ، ونحو ذلك.
وسواء زاد في المهر حيث شر طلها، أو نقص حيث شرط عليها، أو لم يزد ولم ينقص.
ولو نكحها على أنه إن أخرجها عن البلد - فمهرها ألفان، وإن لم يخرجها فمهرها ألفٌ - فلها مهر المثل، أخرجها أو لم يخرجها.
وقال أبو يوسف: إن أخرجها فعليه ألفانِ، وألا فألفٌ؛ كما شرط.
ولو تزوجها على ألا يطأها، قال في موضع: فسد النكاح.
وقال في موضع: لا يفسدُ.
قال الربيع: ليست على قولين، بل هي على حالين؛ وهو كما قال الربيعُ: حيث قال: يفسدُ إذا شرطت المرأة على الزوج ألا يطلقها، أو لا يطأها إلا أن تشاء هي -: لا يصح النكاح، لأنها شرطت منع حق الزوج ومقصود النكاحِ.
وحيث قال: لا يفسد، أراد به إذا شرط الزوج ألا يطلقها ولا يطأها، إلا أن يشاء هو، أو لا يطأها في السنة إلا مرة؛ فلا يبطل النكاح؛ لان الوطء حقه، وهذا كرجل له على فقير دينٌ، فقال الفقير له: ادفع إليَّ ديناراً عن الزكاة؛ حتى أؤدي دينك منه، [فدفع] جاز عن الزكاة، والفقير بالخيار إن شاء أدى دينه منه، وإن شاء لم يؤد منه، وأدى من غيره.
ولو قال رب المال: خذ هذا الدينار عن الزكاة، بشرط أن ترده علي من ديني - لا يجوز عن الزكاة، ولا قضاء الدين منه.
ولو عقد النكاح بألفٍ على أن لأبيها ألفاً - صح النكاحُ، وفسد المسمى، ولها مهر المثل؛ لأن قوله: على أن لأبيه ألفاً، إن أراد سوى الصداق فهو عقد في عقدٍ، وإن أراد ألف الصداق فقد شرط بدل المتعة لغير المرأة؛ وذلك لا يجوز؛ كما لو شرط في البيع بعض الثمن لغير البائع.
هذا قوله الجديد.
وذكر في القديم ما يدل على أن الشرط يلغو، ويصح المسمى، فقال: عن تزوج امرأة على أن لها ألفاً ولأبيها ألفاً، ولأمها ألفاً - بطل الشرط، والألوف لها؛ لأنه شرطها في مقابلة البُضع، وهي مالكة للبضع، فحصل قولان في فساد التسمية.
ومن أصحابنا من قال: المسمى فاسدٌ قولاً واحداً، ولها مهر المثل.
وما [قال] في القديم أراد إذا نكحها على ثلاثة آلافٍ، فشرطت هي على نفسها أن يدفع ألفاً على أبيها، وألفاً على أمها؛ فهو وعدٌ من جهتها لا يلزمها، ولا يضر العقد.
ثم ذكر المُزني بعد هذا مسألة تشبه الأولى في الصورة- والحكم بخلافه - فقال: إن نكح امرأة على ألفٍ، وعلى أن يُعطي أباها ألفاً - كان جائزاً.
وصورة هذه المسألة أن ينكحها على ألفين، على أن يُعطى إحدى الألفين إلى أبيها، فلا يفسد المسمى؛ لأنه ليس بشرطٍ، بل وعدٌ جميلٌ منها بأن تهب إحدى الألفين من الأب، أو وكلت الأب بقبض إحدى الألفين لها، ووعدُ هبة الصداق للأب من المرأة أو لوكيله بقبضه - لا يؤثر في العقد، هذا إذا كان منها على سبيل الوعد.
فإن كان على سبيل الشرط يفسد المسمى أيهما شرط.
وقيل: إن شرطت هي لا يفسد المسمى، وإن شرط هو عليها يفسد المسمى؛ لأنه شرط عليها من ملكها ما لا يقتضيه العقدُ.
إذا شرط الخيار في النكاح، نظر: إن شرط في المنكوحة لا يصح النكاح؛ لأنه معاوضةٌ لا يثبت فيه خيار الشرط؛ فيفسد بشرط الخيار فيه كالصرف.
وعند أبي حنيفة: يصح النكاح ويبطل الشرط.
أما إذا شرط الخيار في الصداق لهما أو لأحدهما - يصح النكاح، ويفسد المسمى، ويجب لها مهر المثل، وقال في القديم: يفسد النكاح.
واختلفوا في وجه فساده.
منهم من قال: إنما يفسد لفساد الشرط، وقال في جميع الشروط الفاسدة: يفسد النكاح في القديم.
ومنهم من خصه بشرط الخيار، وقال: لأن الخيار في أحد العوضين يوجب الخيار ي الثاني، ويصير كأنه شرط الخيار في المنكوحة.
والله أعلم.
باب عفو المهر
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ....﴾ [البقرة: 237] الآية.
المراد من الآية: أن الزوج إذا طلق امرأته قبل الدخول بها ينتصف الصداق، فلا يجب على الزوج إلا نصفه.
قوله: " [إلا] "أن يعفون" المراد منه: الزوجان معناه: إلا أن تعفو المرأة عن حقها، فيعود جميع الصداق إلى الزوج.
وقوله:"أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح".
اختلفوا فيه: فقال قوم: أراد الزوج، وهو قولُ علي؛ وبه قال سعيد بن المسيب، وشريح، ومجاهد، ومذهب أبي حنيفة، وقول الشافعي - رضي الله عنه - في الجديد معناه: أوي عفو الزوج عن حقه، فيخلص لها جميع الصداق.
وقال قوم: الذي بيده عقدة النكاح وليُّ المرأة، وهو قول ابن عباس، والشافعي -
رضي الله عنه - في القديم؛ لأن عقدة النكاح في الحال بيده، وأما الزوج فكان بيده قبل الفراق، معناه: ينتصف الصداق، إلا أن تعفو المرأة عن حقها إن كانت من أهل العفو، أو يعفو وليها إن لم تكن هي من أهل العفو، فيعود كل الصداق إلى الزوج، وخرج من هذا أنه لا يجوز للولي أن يُبريء الزوج عن صداق وليته الثيب.
فإن كانت بكراً فالمذهب أيضاً أنه لا يجوز، وهو قوله الجديد.
وعلى قوله القديم: يجوز للأب، وللجد أن يُبريء عن صداق البكر الصغيرة العاقلة بعد ما طلقها الزوج، ويختص بالأب والجد؛ لأن كمال شفقتهما يمنعهما من ترك النظر للولد، فقد يريان النظر في العفو ترغيباً للخطاب فيها، ولا يجوز قبل الطلاق؛ لأن الزوج ربما يدخل بها بعد الإبراء، فيفوت بُضعها مجاناً.
ويشترطُ أن تكون عاقلةً؛ لأن المجنونة لا يُرغب في نكاحها، فلا يجوز إسقاط حقها طمعاً لرغبة الخطاب فيها، وأن يكون الصداق ديناً في ذمة الزوج، فإن كان قد قبضه أو كان عيناً لا يجوز إبطال حقها عن العين.
وهل يجوز الإبراء عن صداق البر البالغة على هذا القول؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يجوزُ؛ لأنه لا يلي مالها، فإذا عفا أحد الزوجين عن نصيبه [كان من الصداق بعد الطلاق قبل الدخول لا يخلو؛ إما أن] كان الصداق عيناً أو ديناً.
فإن كان عيناً نُظر: إن كان [عيناً] في يده [فكان] هو العافي، فهو هبةُ نصفه، فلا بد من تمليكه وقبولها وقبضها.
وإن كانت هي العافية؛ فهو كما لو وهب شيئاً من إنسان، وهو في يد المتهب، فيشترط التمليك والقبول، ومضى إمكان القبض، فهل يجوز هذا التمليك بلفظ العفو من الجانبين؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز لظاهر القُرآن.
والثاني: لا يجوز كسائر التمليكات والمراد بالآية إذا كان الصداق ديناً، وإن كان عينُ الصداق في يدها؛ فإن كانت هي العافية، فلابد من التمليك، وكان القبول والتسليم، وإن كان هو العافي فلابد من القبول، ومضى إمكان القبض - كما ذكرنا في جانب الزوج.
وإن كان الصداق ديناً، أو كان بعد تلف العين، فإن كان العافي من هو في ذمته فلابد