التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 517-550

من أن ينفذ ويملك، ويقبله الآخر ويقبضه.
وهل يجوز بلفظ العفو؟ فعلى الوجهين.
وإن كان العافي هو الآخر، فيجوز بلفظ التمليك والإبراء والعفو، ولا يحتاج إلى القبول؛ لأنه محض إسقاط.
فصل فيما لو عاد الصداق إلى الزوج إذا عاد الصداق إلى الزوج، ثم طلقها قبل الدخول- نظر إن عاد إليه من جهة أجنبي، أو عاد إليه من جهتها بعقد معاوضةٍ - فالزوج يرجع بنصف قيمته.
وإن وهبت الصداق منه، ثم طلقها قبل الدخول - فهل للزوج أن يرجع عليها بنصف قيمته، أو نصف قيمة مثله إن كان مثلياً؟ - فيه قولان.
وكذلك لو ارتدت قبل الدخول بعد ما وهبت الصداق منه، أو فسخ أحدهما النكاح بعيبٍ وجد بصاحبه، هل يرجع؟ لأن الصداق عاد إليه بملكٍ جديد؛ كما لو باعت منه.
والثاني - وهو الأصح، واختيار المزني: لا يجرع عليها بشيء؛ لأنها عجلت له ما كان يستحقه بالطلاق؛ كما لو عجل الزكاة قبل الحول لا يطالب بها بعد الحول.
أما إذا كان الصداق ديناً، نظر إن قبضته ثم وهبت منه، ثم طلقها قبل الدخول - فهو كما لو كان [عيناً] فوهبت منه، وإن لم تقبضه وأبرأت ذمته، ثم طلقها- هل يرجعُ عليها بنصفه؟ وإن ارتدت فبكله فقد قيل: فيه قولان كالعين.
والصحيح من المذهب: أنه لا يرجع بشيء قولاً واحداً، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنها لم تأخذ منه شيئاً، فصار كمال لو لم يسم لها مهراً.
وعند أبي حنيفة: إن كان الصداق متقوماً أو مثلياً متعيناً، فوهبت منه - لا يرجع عليها بشيء، وإن كان مثلياً في الذمة فقبضته، ثم وهبت منه نصف الصداق، ثم طلقها الزوج قبل الدخول -هل يرجع عليها بشيء؟ هذا ينبني على هبة الكل.
إن قلنا هناك: يرجع فيها، فهاهنا يرع بنصف الصداق، ثم هل يأخذ النصف القائم كله أم يأخذ نصف ما هو قائمٌ في يدها، ونصف ما فات؟:

فيه قولان؛ كما لو أصدقها عبدين، فهلك أحدهما، ثم طلقها قبل الدخول - هل يأخذ جميع العبد القائم، ويكون التالف من حقها، أم يأخذ نصف الصداقٍ، ونصف قيمة الهالك، ويُجعل الهالك من حقها جميعاً؟ فيه قولان.
فإن قلنا: إن هبة الكل لا ينبني عليها شيءٌ؛ فهاهنا أقوال: أصحها: [لا يرجع عليها] بشيء، وقد تعين حقه في النصف الذي عاد إليه.
والثاني: يأخذ جميع النصف الباقي، ويجعل الموهوب من خالص حقها.
والثالث: يرجع عليها بنصف ما بقي في يدها، وهو ربع الجملة، ويجعل الفائت بالهبة من الحقين جميعاً؛ لأنها وهبت مشاعاً، فجعل كأنها عجلت نصف حقه، ووهبت منه نصف حقها.
وعلى هذا لو باع عبداً بثوبٍ، ثم وهب مشتري الثوب الثوب من بائعه، ثم وجد بائعه بالعبد عيباً، فأراد رده في حال قيام العبد، واسترداد قيمة الثوب، أو بعد تلف العبد أراد أخذ الأرش - هل له ذلك أم لا؟ فعلى وجهين بناء على قولي هبة الصداق.
وإن باع العبدين، ثم أبرأه عن الدين، ثم وجد مُشترى العبد به عيباً، وأراد رده، وأخذ الثمن، أو كان تالفاً أراد أخذ الأرش - فهو كما لو كان الصداق ديناً فأبرأته.
أما إذا اشترى شيئاً، ثم وهب المشتري المبيع من البائع قبل دفع الثمن، ثم أفلس -فالبائع يُضارب الغرماء بالثمن قولاً واحداً؛ لأن حقه في الثمن، ولم يصل إليه الثمنُ.
فصل فيما لو خالع قبل الدخول إذا خالع الرجل امرأته قبل الدخول - نُظر، إن خالعها على شيء غير الصداق يثبت له عليها المسمى في الخُلْع، ولها عليه نصف الصداق.
وإن خالعها على الصداق لا يخلو إما أن خالعها على جميع الصداق، أو على نصفه، فإن خالعها على جميعه - عيناً كان الصداق أو ديناً - فقد خالعها على مال له، ومال لها؛ لأن نصف الصداق يعود إليه بالطلاق قبل الدخول، والبينونة واقعة لا يصح تسمية نصيبه.
وفي صحة تسمية نصيبها قولان.

فإن قلنا: لا يصح، فنصف الصداقه لها ثابتٌ، ويجب له مهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني: قيمة العين إن كان الصداق عيناً، وإن كان ديناً فمثله.
وإن قلنا: يصح تسمية نصيبها، فهل يرجع الزوج عليها بشيء؟ فيه قولان: أحدهما: [لا يرجعُ عليها] بشيءٍ، وجعل كأن الخلع وقع على نصيبها من الصداق فحسب.
والثاني: يرجع عليها بنصف بدل الخلع، وهو نصف مهر المثل في قول، ونصف قيمة العين في الآخر.
فأما إذا خالعها على نصف الصداق - نظر إن قال: خالعتك على نصيبك صح، ويسقط عن الزوج جميع الصداق إن كان ديناً، وإن كان عيناً عادت إليه كلها، وإن خالعها على نصف الصداق مطلقاً فقولان: أحدهما: ينصرف إلى نصيبها.
والثاني- وهو الأصح: يقع شائعاً، فكأنه خالعها على نصف نصيبه ونصف نصيبها، فلا يصح تسميةُ نصف نصيبه.
وفي نصف نصيبها قولان: إن قلنا: لا يصح، فنصف الصداق لها باقٍ، وعليها بدل الخلع في قول مال مهر المثل، والآخر نصف قيمة العين.
وإن قلنا: يصح في نصف نصيبها، فهل يرجع [الزوج] عليها بشيء؟ فعلى قولين كما ذكرنا: أحدهما: لا، وجعل كأن الخلع وقع على نصف نصيبها من الصداق.
والثاني: يرجع عليها بنصف بدل الخلع، وهو نصف مهر المثل في قول.
وفي الثاني: ربع قيمة العين.
فصل فيما لو نكح على مهر فاسدٍ إذا نكح امرأة على مهر فاسد من خمر، أو خنزير، أو نحوه - يجب لها بالعقد مهر المثل، فلو أبرأته عن العقد، أو عن المسمى الفاسد - لا يصح الإبراءُ، فلو أبرأته عن مهر

المثل إن كان معلوماً عندها يصح، والاعتبار بعلمها.
وإن كانت جاهلة فقولان: أصحهما: لا يصح للجهل.
والثاني: يبرأ عن أقل ما يتيقن، وهو القدر الذي يُعلم أنه لا ينقص عنه.
فإذا نكحها مفوضة، ثم أبرأت الزوج عن الفرض -لا يسقط حقها، بل لها طلب الفرض.
ولو أبرأته عن مهر المثل قبل الدخول، إن قلنا: لا يجب المهر بالعقد - لا يصح الإبراء؛ لأنه أبرأ قبل الوجوب.
وإن قلنا: يجب بالعقد، أو أبرأته بعد الدخول - يصح إن كان معلوماً عندها.
ولو أبرأته عن المتعة قبل الطلاق لا يصح؛ لأنها لم تجب بعد، وإن أبرأت بعد الطلاق، فهو كالإبراء عن المجهول.
وإن تيقن أن مهرها لا ينقص عن الألف، ولا يزيد على الألفين - فالوجه أن تبرئه عن ألفين، فإن قبضت الأقل وهو الألف، وحللته أو أبرأته مما بين ألف إلى ألفين صح، ثم بان أن مهرها ألفان فأقل- فقد بريء عنه، وإن بان أكثر من ألفين تجب عليه تلك الزيادة.
وكذلك إن دفع إليها الأكثر وهو ألفان، وحللها ما بين ألف إلى ألفين - صح، ولو بان أن مهرها أقل من ألف مثالً تسعمائة - يجب عليها رد مائة؛ لأن التحليل لم يقع عنها، إن كان هذا من جهتها صح بلفظ الإبراء التحليل والإسقاط والعفو.
وإن كان من جهته بأن أعطى الأكثر، فلا يصح إلا بلف صالح لتمليك الأعيان، إلا أن يكون ما قبضت هالكاً، فيصح بلفظ الإبراء والتحليل والعفو.
والله أعلم.
باب الحكم في الدخول وإغلاق الباب يجوز للمرأة حبس نفسها عن الزوج لاستيفاء جميع الصداق حالاً إن كان الصداق حالاً، وإن كان مؤجلاً لم يكن لها حبس نفسها عنه لاستيفائه؛ لأنها رضيت بتأخر حقها وإن حل الأجل؛ لأن العقد لم يثبت لها ذلك؛ هذا كما أن البائع يجوز له حبس [المبيع لاستيفاء الثمن، إلا أن يكون الثمن مؤجلاً، فليس له ذلك وإن حل الأجل.
وإن كان بعض] الصداق حالاً، والبعض مؤجلاً - لها منع النفس لاستيفاء القدر

الحال.
وإن كانت المرأة صغيرة أو مجنونة يجوز لوليها - منعها حتى يقبض الصداق.
وإن قبضت الصداق، أو كان مؤجلاً - لزمها التمكين، وتسليم النفس إذا طلب الزوج ولم يكن لها عذر، فإن استمهلت يوماً أو يومين لتصلح شأنها - أمهلت، ولا تجاوز في افمهال ثلاثة أيامٍ.
فإن كانت المرأة حائضاً أو نُفساء عليها تسليم النفس، [ولكن لا يطؤها الزوج؛ كما لو كانت رتقاء أو قرناء يجب عليها تسليم النفس].
وإن لم يمكن وطؤها بأن كان صغيرة لا تحتمل الوطء، أو بها مرضٌ أو هزال لا تحتمل معه الجماع - تُمهل على أن تصير محتملة.
ولو قال الزوج: سلموها إليَّ ولا أجامعها حتى تحتمل - نظر إن كانت صغيرة لوليها المنعُ، وإن كانت مريضة تسلم إليه؛ لأن تعهد الصغيرة بالحضانة من القريب أهدى إليها وأولى بها، وإذا كانت المرأة بهذه الصفة لا يجب على الزوج تسليم الصداق.
وإن سلم جاهلاً بالحالِ أو عالماً، هل [له أن] يسترد؟ فيه وجهان: أحدهما: [له ذلك؛ كما لا يجب التسليم ابتداء.
والثاني: ليس له ذلك؛ كما لو تبرع بتسليم المبيع قبل قبض الثمن]- لم يكن له رده إلى حبسه، وإذا كان الزوج صغيراً لا يجامع مثله لها مطالبته بالمهر.
وإذا اختلف الزوجان، فقال الزوج: لا أدفع الصداق حتى تُسلمي نفسك، وقالت المرأة: لا أسلم ما لم أقبض الصداق]- ففيه أقوالٌ: أحدهما: لا يجبران، بل أيهما تبرع بالتسليم أجبر الآخر.
والثاني: يُجبران، فيؤمر الزوج بأن يضع الصداق عند عدلٍ، وتؤمر المرأة بالتمكين، ثم يدفع الصداق إليها.
والثالث: يجبر الزوج أولاً على تسليم الصداق؛ لأن ما عنده لا يفوت بالتسليم، بخلاف البُضع، فإن قلنا: لا يُجبران، فلا نفقة لها في الامتناع.
وعلى القولين الأخيرين: يجب.
ولو مكنت المرأة نفسها مرة متبرعة قبل استيفاء الصداق - لم يكن لها بعد ذلك منع

نفسها عنه لاستيفائه، خلافاً لأبي حنيفة- رحمه الله -كما لو تبرع بتسليم المبيع قبل قبض الثمن- لم يكن له بعد ذلك رده إلى حبسه كقبض الثمن.
ولو أكرهها الزوج، فدخل بها، هل لها بعد ذلك منع النفس لاستيفاء الصداق؟ فيه وجهان: أصحهما: لها ذلك؛ كالمشتري إذا غصب المبيع من البائع قبل أداء الثمن -للبائع رده إلى حبسه.
والثاني: ليس لها ذلك؛ لأن البضع بالوطء صار في حكم التالف؛ كالمبيع إذا أخذه المشترين وهلك عنده- لم يكن للبائع بعده إلا المطالبة بالثمن، وكذلك لو سلم الولي الصغيرة والمجنونة إلى زوجها قبل أخذ الصداق.
فإن بلغت وأفاقت قبل أن دخل بها الزوج، فلها منع نفسها لقبض الصداق، وإن كان بعد ما دخل بها فوجهان.
وإن كانت المرأة صغيرة لا تحتمل الجماع، أو مريضة ليس للزوج وطؤها حتى تصير محتملة.
ولو وطيء الزوج امرأته، فأفضاها - لم يكن له العود إلى مباشرتها، حتى تبرأ البرء الذي إن أعاد لم ينكأها.
وإن اختلفا في البرء: فقال الزوجُ: قد برئت وأنكرت ما يدعيه الزوجُ - يحتمل أن ترى أربع نسوة عدول، فإن قلن: صارت محتملة، أجبرت على التمكين.
وإذا خلا رجل بامرأته ولم يدخل بها - فلا أثر لتلك الخلوة على قوله الجديد، وهو المذهبُ، حتى لو طلقها بعد الخلوة لا يجب إلا نصف المهر، ولا عدة عليها.
ولو اختلفا في الإصابة فالقول قول من ينفيها كما قبل الخلوة؛ وهو قول ابن مسعود، وابن عباس -رضي الله عنهما-، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]. أوجب نصف المهر بالطلاق قبل المسيس، والمسيس هاهنا لم يُوجد.
وفي القديم قولان: أحدهما: لا يتعلق بالخلوة شيءٌ من هذه الأحكام، ولكنها دليل الإصابة، حتى لو اختلفا في الإصابة قبل الخلوة- فالقول قول من ينفيها، وبعد الخلوة القول قول من يثبتها؛ وبه قال مالك.
وقيل: قوله القديم: إن الخلوة كالإصابة في تقرير المهر، وإيجاب العدة، وإثبات الرجعة.

وقيل: لا تثبت الرجعةُ.
وعند أبي حنيفة: الخلوة الصحيحة تُوجب العدة، وتقر المهر، ولكن لا تثبت الرجعة.
وأما الخلوة الفاسدة فلا حُكم لها، وهي أن تكون ثم مانعٌ شرعيٌّ من حيض، أو نفاس فيها، أو إحرام، أو فرض صوم في أحدهما، أو كان فيها مانعٌ طبيعيٌّ من قرن أو رتقٍ.
أما إذا كان المانع الطبيعي فيه كالجب والعنة- قالوا: الخلوة معه صحيحة، ونقيس على بعض هذه المواضع.
والله أعلم بالصواب.
باب المتعة قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241]. المتعة في الشرع اسمٌ للمال الذي يعطيه الرجل امرأته على الفراق، والكلام فيها فيثلاثة فصول: فمين يستحقها من النساء، وفي الفرقة التي توجبها، وفي قدرها.
أما الأول: فالمطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول، ومطلقةٌ بعد الدخول.

أما المطلقة قبل الدخول: نظر إن لم يكن فُرض لها، فلها المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236]. وإن كان قد فُرضَ لها فلا متعة لها، سواء كان الفرض مُسمى بالعقد، أو فُرضض بعده، أو وجب لها مهر المثل بفساد التسمية في العقد.
قال ابن عمر: لكل مطلقةٍ متعة إلا التي فُرض لها، ولم يدخل بها، فحسبها نصف المهر.
أما المطلقة بعد الدخول، سواء فُرض لها أو لم يُفرض؛ لأنه يجب لها مهر المثل بالدخول - فهل تستحق المتعة؟ فيه قولان: قال في القديم: وبه قال أبو حنيفة: لامتعة لها؛ لأنها تستحق المهر؛ كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول.
وقال في الجديد: لها المتعةُ؛ لقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241]، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] وكان ذلك في نساء دخل بهن النبي - صلى الله عليه وسلم - كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس؛ لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، فلم تستحق المتعة، والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة إتلاف البُضع، فيجب لها المتعة بالفراق.
أما الفصل الثاني في بيانه الفُرقة التي تُوجب المتعة: نقول: أما فرقة الموت لا توجبها؛ لأن الزوج لم يوجبها بالفراق، إنما اختطف قهراً.
وأما فرقة الحياة: نظر إن صدرت من جهة الزوج لا لمعنى فيها، أو من هة أجنبي، فتوجب المتعة في ما صدر من جهته؛ مثل: أن يُطلق، أو يرتد، أو يسلم، أو يُلاعن، فهو كالطلاق في التقسيم الذي ذكرناه؛ وكذلك إذا خالعها؛ لأن الخلع - وإن كان يتم بها - فالمغلب فيه جانب الزوج؛ لأنه ينفرد بالطلاق، ويخالع مع الأجنبي.

وكذلك لو فرض الطلاق إليها فطلقت نفسها، أو علق طلاقها بدخول الدار فدخلت، أو آلى عنها، فبعد مُضي المدة طلقها بطلبها.
وما صدر من جهة أجنبي؛ مثل: أن تُرضع أم الزوج أو ابنته الزوجة الصغيرة، أو وطيء الأب زوجة ابنه بالشبهة، ينفسخ النكاح، وتجب لها المتعة.
وكذلك لو خالعها مع أجنبي.
وإن صدرت الفرقة من جهتها، أو من الزوج لمعنى فيها- فلا نُوجب المتعة؛ كما لا نُوجب نصف المهر إذا كان قبل الدخول؛ مثل أن ترتد المرأة، أو تسلم، أو ترضع، أو تفسخ النكاح بعيب الزوج، أو يفسخ الزوج بعيب فيها؛ لأنه وإن كان من جهته فهو لمعنى فيها، أو الأمة عتقت تحت عبدٍ ففسخت النكاح؛ فلا مُتعة [لها].
ولو زوج الذمي ابنته الصغيرة من الذمي، ثم أسلم أحد أبوي المرأةِ- حُكم بإسلام الزوجة، وارتفاع النكاح، ولا متعة لها؛ لأن ارتفاع النكاح بسبب الإسلام.
ولو ارتد الزوجان معاً، فهل لها المتعةُ؟ فيه وجهان، بناء على أنه إذا كان قبل الدخول، فهل لها نصف المهر؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه لا يجبُ، وكل فرقة تُوجب المتعة، فإن كان قبل الفرض بعد المسيس - فلها نصف [المهر] ن ولا متعة لها.
وما لا توجب المتعة، فإن كان بعد الفرض قبل المسيس - لا يجب نصف المهر، إلا الزوج إذا اشترى زوجته يرتفع النكاح، ولا متعة لها، [وإن كان بعد الفرض قبل المسيس يجب نصف المهر]؛ لأن المهر يجب بالعقد للبائع، والمتعة تجب بالطلاق فيكون للمشتري.
فلو أوجبنا عليه المتعة لأوجبنا له على نفسه، فلم يجب.
أما الكلامُ في القدرِ: فليس لأقل المتعة، ولا أكثرها تقديرٌ، بل ذلك إلى اجتهاد الحاكم يوجبها على حسب حال الزوج من اليسار والإعسار.
قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] فالمستحب على الموسر خادمٌن وعلى المتوسط ثلاثون درهما، وعلى المقتر قدره.

وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: أكثر المتعة خادمٌ، وأقلها مقنعة، وأي قدرٍ أدى وإن قل جاز، ويجوزُ أن يُزاد على نصف المهر.
وقال أبو حنيفة: لا يُبلغ بالمتعة نصف المهر.
باب الوليمة رُوي عن أنس أن النبي - صلى اللهعليه وسلم - رأي على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة.
قال: "ما هذا"؟ قال: إني تزوجت امراة على وزن نواةٍ من ذهبٍ.
قال: "بارك الله لك وعليك، أو لم ولو بشاة".
الوليمة: اسم لكل دعوةٍ تتخذ على حادثة سرور من إملاكٍ أو ولادةٍ، أو ختان، أو غيرها، غير أن الأغلب على اللسان إطلاقُ اسمها على دعوة تُتخذ على النكاح، ولا يفهم منها غيرها إلا عند التقييد، فيقال: وليمة الولادة والختان ونحوها.
ولكل دعوة من هذه الدعوات اسم على حدةٍ: فالعقيقة اسم لدعوة الولادة، والإعذار للختان، والخُرس لسلامة المرأة من الطلق، وتستعمل في الولادة.
والنقيعة لقدوم الغائب.
والوكيرة لاستحداث البناء، والمأدبة ما يتخذ بغير سببٍ، وكل ذلك مُستجب؛ لما فيه من إظهار شُكر نعم الله - عز وجل- ولا يجب شيء من هذه الدعوات إلا وليمة العرس، علق الشافعي رضي الله عليه القول في وجوبها.
واختلف أصحابنا فيه منهم جعله على قولين.
أحدهما: يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به عبد الرحمن، فقال: "أولم" ولأنه - صلى الله عليه وسلم - ما تركها في سفر ولا حضر.
والثاني: لا تجب كسائر الدعوات.
والصحيح أنها سنةٌ، والأخبار محمولة على تأكيد الاستحباب، فإنها أشد استحباباً من سائر الدعوات.
وقال الشيخ القفال رحمه الله: لا [خلاف] أنها سُنة لا يُعصى بتركها، وتعليق القول

في وُجوب الإجابة إذا دُعي إليها.
وجملته: أن من دُعي على دعوةٍ يستحب الإجابة ولا تجب في غير وليمة النكاح.
وفي وليمة النكاح وجهان: أحدهما: تجب؛ لما روي عن ابن عمر؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة] فليأتها".
ورُوي عن أبي هريرة مرفوعاً: "شر الطعام طعام الوليمة، يُدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين، فمن لم يأتي الدعوة فقد عصى الله ورسوله".
والثاني: لا تجب الإجابة كسائر الدعوات.
والأخبار محمولةٌ على تأكيد الاستحبابن والمراد من العصيان عصيان الطريقة والسنة.
وإن قلنا: تجب، فهو فرضُ عينٍ، أم فرضُ كفاية؟ وجهان: أحدهما فرض عين، لظاهر الحديث.
والثاني: فرضٌ على الكفاية، لأن المقصود إظهارها، ويحصل لك بحضور البعض.
فإن قلنا: تجب الإجابة أو تستحب، فلا فرق بين أن يكون المدعو مفطراً أو صائماً، ثم إن كان مفطراً يأكل.
وهل يجب الأكل؟ وجهان: أحدهما: يجب، وأقله لقمةٌ، لأن المقصود من الدعوة الأكلُ.
والثاني: وهو الأصح: لا يجب، بل يستحب، لما رُوي عن جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك على المضيف".

وإن كان صائماً: نظر إن كان صوم فرضٍ فلا يطعم، ويدعو لهم، وإن كان صوم تطوعٍ يستحب أن يفطر إذا شق على المضيف صومه، فإن لم يشق عليه فالأولى ألا يفطر، ولو أفطر جاز.
رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم".
ولو دعاه ذميٌّ هل تجب الإجابة على الوجه الي تقول: تجب إجابة المسلم؟.
فيه وجهان: أحدهما: تجب، وفاء بعهده.
والثاني: لا تجب.
وعلى الوجه الآخر لايتأكد الاستحباب كما يتأكد في حق المسلم؛ لأنه ممنوعٌ عن موادته، وربما يعافُ من طعامه.
ولو دعته امرأة أجنبيةٌ تجب إذا لم يحتج إلى الخلوة معها.
وإن [ان] عادة من أكثر ماله رباً أو حراماً تُكرهُ الإجابة المعاملة معه، وغنما تتأكد الإجابة إذا دعاه بعينه لا لخوفٍ منه، ولا لطمع في جاهه، ولم يخص به الأغنياء، فإن خص الأغنياء له ألا يجيب إذا خصهم لغناهم.
فإن دعا أهل حرفته أو جيرانه وهم أغنياء فعليهم الإجابة.
ولو لم يدعه بعينه، بلأمر منادياً فنادى من كان في جيرانه فليحضر، أو قال لرسوله: ادعُ من لقيته فله ألا يجيب؛ لأنه إذا لم يدع بعينه فلا يشق عليه تخلفه.
وكذللو دعاه خوفاً منه، أو طمعاً في جاهه، فله أن يتخلف.
وإن دعاه جماعةٌ ولم يمكنه الجمع بين الكل أجاب الأسبق، فإن جاءوا معاً أجاب أقربهم به رحماً، فإن استووا اجاب أقربهم داراً منه، كما في صدقة التطوع.
فإن استووا أقرع بينهم، وإن كانت الوليمة ثلاثة أيامٍ، ودُعي فيهن - أجاب الأولى والثانية، ويُكره من الثالثة.
قال الحسن: الثالث رياء وسمعة.
وإن كان فيها شيء من المناكير من شُربِ الخمر، وضرب المعازف، إن علم أنه إذا حضر يُترك ويرفع، أو إذا نهاهم انتهوا عليه الإجابة.
وإن علم أنهم لا يتركونه لا يحضر.

فإن لم يعلم وحضر، نهاهم فإن لم ينتهوا خرج، وإن لم يمكنه الخروج قعد كارهاً بقلبه ولم يستمع.
أما ضربُ الدفِّ فلا بأس به.
وإن كنات حضر فيه صور ولها، أرواح فإن كانت من الممر دون محل الاجتماع حضر، وإن كان من محل الاجتماع، نظر إن كانت على الأرض أو على بساطٍ يُداسُ، أو مخدع يتكيء عليها جلس.
وإن كانت على الشقوف والجدران والستور المعلقة، لا يحضر.
وإن كانت مقطوعة الرأس فلا بأس، وإن كان فيها صور الأشجار فلا بأس بها.
ومن حضر صنيعاً فقدم إليه الطعام - له أن يأكل من غير إذنٍ في الأكل، إلا أن يون المضيف ينتظر حضور نسان، فلا يجزو للحاضر أن يبتديء الأكل حتى يحضر الذي ينتظره، أو ياذن صاحب البيت.
واختلفوا في أن الضيف هل يملك ذلك الطعام؟ قال الشيخ القفال رحمه الله - لا يملك، بل هو إتلافٌ على سبيل الإباحة.
ومنهم من قال: يملكه.
ثم اختلفوا فيه: قيل: يملكه بالوضع بين يديه.
وقيل يملكه بالأخذ بالبراجم.
وقيل: يملكه بالوضع في الفم.
وقيل: بالازدراد.
ولا يجوز للضيف أني عطي السائل على الباب شيئاً منه، ولا أن يلقم الهرة، ولا الساقي، إلا أن يكون الساقي من جملة الضيف.
ولا بأس أن يلقم بعضهم بعضاً إلا أن يون قد فاوت بينهم في الأطعمة.
ولا يجوز أن يطعم من خص بنوعٍ غيره.
ويكره للمضيف أن يفعل ذلك.
ويستحب للضيف إذا طعم أن يدعو لصاحب البيت لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طعم عند سعد بن عبادةن فلما فرغ قال:"أكل طعامكم الأبرارن وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون".

ويجوز نثر السُّكر والجوز واللوز والتمر في الإملاكات ولا يكره، إلا أن تركه أحب إلينا.
وقيل: يكره؛ لأنهم يأخذونه بخلسةٍ ونهبة، وقد يأخذه من غيره أحب إلى صاحبه منه فإذا فعل فالتقاطه مُباحٌ، وتركه أولى.
فإن علم أن صاحبه يحب أَخْذَه أَخَذَهُ، إلا أن يكون صاحب مروءةٍ، فيحفظ مروءته، ولا يأخذه.
ثم ما وقع على الأرض، أو في حجر من لا يأخذه، فكلهم فيه سواء، ولا يختص به من هو أقرب إليه، بل له أن يأخذ مما بين يدي غيره.
وما وقع في حجر من يأخذه، فهو أولى به، وليس لغيره أخذه، وإن أخذه، هل يملكه؟ فيه وجهان: كما لو افترخ طائرٌ على شجر إنسان فأخذه غيره، أو اخذ الثلج من حريم غيره هل يملكه؟ فيه وجهان.
فإن سقط من حجره قبل أن يقصد حيازته، أو قام فسقط عنه، فالكل فيه سواء، كالطائر إذا ملك جناحه فطار، جاز لكل من شاء أخذه، ويكره الأخذ بإطلاءة، فإن فعل ملك.
قاله شيخنا.
رحمه الله والله أعلم.
باب القسم بين النساء قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] أثبت الله - عز وجل - لكل واحدٍ من الزوجين على الآخر حقوقاً، فحقه عليها: الطاعة، والتمكين، والمقام في البيت.
وحقها عليه: أداء النفقة، والكسوة وإيتاء المهر، والمعاشرة بالمعروف.

قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، فعلى كل واحد منها أداءُ ما عليه من الحق من غير إظهار كراهية، فإن لم يفعل مع القدرة فمطل الغني ظُلمُ، ثم إن كان الرجل متفرداً لم يكن تحته إلا امرأة واحدةٌ - لا يجب عليه أن يبيت عندها، غيرأن المعروف أن يبيت عندها.
وقال أبو حنيفة: عليه أن يبيت عندها من كل أربع ليالٍ ليلة؛ لأن أكثر ما ينكح عليها ثلاث نسوة، فيخصها من كل أربع ليالٍ ليلة.
وإن كانت أمة ففي كل سبع ليالٍ ليلة، وهذا حسنٌ.
وإن كانت له زوجتان أو أكثر فلا يلزمه [البيتوتة عندهن، غير أنه إذا بات عند واحدة يجب عليه] التسوية بينهن، فإن لم يفعل عصى الله - تعالى- رُوي عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما -جاء يوم القيامة وشقه ساقطٌ".
وإنما تلزمه التسوية بينهن في البيتوتة عندهن، لا في الجماع حتى لو بات عند

واحدةٍ وأصابها، بات عند الأخرى ولم يصبها- فلا حرج عليه؛ لأن الداعي إليه الشهوة فلا يمكن إيجابه، ولا يؤاخذ بميل القلب إلى إحداهن إذا لم يتبع فعله هواه، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129]. أي: لا تتبعوا أهواءكم أفعالكم.

روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم بين نسائه ويعدل، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
وإذا أراد القسم، فلا يجوز أن يبدأ بواحدةٍ منهن من غير رضا البواقي إلا بقرعة، فإن كن أربعاً فبدأ بواحدة بالقرعة، ففي ليلة الثانية يقرع بين الثلاث، ثم في ليلة الثالثة يقرع بين الثنتين فإذا تمت النوبة عاد إلى الأولى على الترتيب الأول، ولا يحتاج إلى استئناف القرعة.
فإذا بدأ بواحدة من غير قرعة، فقد أساء، ثم يقرع بين الثلاث، فإذا تمت النوبة لا يبدأ بمن بدأ بها أولاً، بل يقرع بين الأربع، لأن البداية الأولى لم تكن على الحق، فلا يُبنى عليها.
فلو أن واحدة منهن تركت حقها من القسم لم يلزم رضاها في حق الزوج، حتى يجوز

له أن يبيت عندها، ولا يرضى بغيرها عنها.
فإن رضي الزوج نظر إن تركت حقها مطلقاً، أو وهبته لجميع ضراتها - لم يكن للزوج أن يخص بتلك الليلة واحدةً من ضرائرها، بل تخرج الواهبة من القسم، ويُسوى بين سائرهن.
وإن وهبت ليلتها للزوج، هل له أن - يخص بها واحدة.
منهن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لو كما لو تركت حقها مطلقاً.
والثاني: له ذلك؛ لأن الحق ضار له، فله أن يجعله لمن شاء.
ولو وهبت ليلتها واحدةً بعينها - صحت الهبة، ورضا الموهوبة وقبولها ليس بشرط، فالزوج يخرج الواهبة من القسم، ويبيت عند الموهوبة ليلتين: نوبتها ونوبة الواهبة، وعند البواقي ليلة ليلة، والدليل عليه ما رُوي أن سودة لما كبرت قالت: يا رسول الله، لقد جعلت نوبتي منك لعائشة، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة.
ثم إن كانت نوبة الواهبة تلي ليلة الموهوبة بيت عندها ليلتين على التوالي وإن تخللت بين النوبتين نوبة امرأة أخرى، فال يبيت عندها ليلتها بل يبيت [عندها] نوبتها ثم يدور، فإذا جاءت نوبة الواهبة بات مكانها عندها الموهوبة لمعنيين.
أحدهما: لأن حق من بين النوبتين أسبق، ولأن الواهبة ربما ترجع إذا جاءت نوبتها، فإذا عجل للموهوبة نوبتها بطل حقها من الرجوعن وإذا رجعت الواهبة لا يلزم رجوعها فيما مضى ويصح فيما بعد.
ولا يلزم الزوج حكم رجوعها ما لم يعلم حتى لو بات بعد رجوعها قبل العلم عند الموهوبة لا يجب قضاؤه للواهبة، فإن بات بعد العلم عليه القضاء.
وقيل: يلزمه قبل العلم، الوكيل يلزمه حكم العزل قبل العلم.
ولا يجوز أخذ العوض على هبة النوبة، ويجوز للأمة هبة نوبتها بغير إذن المولى؛ لأن ذلك حقها، كما لها في الإيلاء ترك حقها من المطالبة بالفيء أو الطلاق.
وعماد القسم الليل، لأنه سنٌ.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ [الأنعام: 96].
واليوم الذي يتبع الليلة تبع لليلس، فإن كان الرجل ممن يعمل بالليلِ كالحارس، فعاد القسم في حقه النهار والليل تبعٌ.
وإن كان الرجل معهن في سفر في الطريق، فعاد القسم في حقهن من وقت النزول إلى الارتحال قل أم كثر ليلاً كان أو نهاراً، لأن الخلوة لا تمكن من وقت السير.

والمسلمة والذمية من القسم سواءٌ، لاستوائهما في مقصود النكاح في الاستمتاع في الحال لا يمنعها منه أحدٌ، ومقصود في النسل في الثاني، لأن ولده منهما كولده من المسلمة، وإن كانت تحته حرة وأمةٌ يقسم للحرة ليلتين، وللأمة ليلةٌ واحدةٌ لأنهما لا يستويان في مقصودي النكاح، فلو عتقت الأمة، نظر إن كانت البداية في القسم بالحرة، فإن عتقت في الليلة [الأولى من ليلتي الحرة - أكمل لها تلك الليلة، ثم صار إلى المتعة وسوى بينهما.
وإن اعتقت في الليلة] الثانية من ليلتي الحرة - لم يُجبر على قطع النوبة، بل له أن يبيت عندها بقيت تلك الليلة، ثم يقسم للمعتقة ليلتين، لأنه يملك وضع القسم في الابتداء على ليلتين.
ولو خرج من عند الحرة في الحال، وبات في موضع آخر بقية تلك الليلة - لا يلزمه أن يقضي للأمة ما مضى من تلك الليلة قبل العتق، فلو بات عند الأمة بقية تلك الليلة كان أولى.
ولو عتقت الأمة في نوبتها بعد أن أوفى للحرة ليلتين نظر، إن عتقت قبل طلوع الفجر من ليلتها، أكمل لها ليلتين، لأنه لم يُوف حقها حتى صارت مساوية له، وإن عتقت بعد طلوع الفجر لا يملك لها ليلتين، بل يستأنف القسم بينهما على السوية؛ لأنه المغير جاء وليس هناك أصلٌ قائمٌ في حق المغير والمُغير جميعاً، فطروء المغير لا يظهر أثره.

وإن كان الزوج بدأ في القسم بالأمة نظر إن عتقت الأمة في نوبتها، أو في نوبة الحُرة في الليلة الأولى - أتم للحرة تلك الليلة، ثم عاد إلى المعتقة، وإن عتقت في الليلة الثانية من يلتي الحرة - خرج من عندها في الحال.
ويجب القسم للمريضة، والمجنونة والمحرمة والرتقاءن والقرناء، والحائض، والنفساء والمولى عنها، والمظاهر منها؛ لأن الجماع ليس بمقصود منه القسم ويجب على الخصي والمجبوب القسم بينهن.
ويقسم للمراهقة والمجنونة إذا كان لا يخاف منها، فإن كان يخاف منها فلا قسم لها.
وأقل نوبة القسم ليلة ليلة لا ينقص عنها؛ لأن الاستئناس قلما يحصل بدونها، وأكثرها ثلاث ليالٍ لا يجاوزها بغير رضاهن، لأنه إذا طال مقامه عند واحدة يشق عليه مفارقتها، وربما يعتريه [شغلٌ] يعجز عن إيفاء حق البواقي.
ولا يجوز أن يدخل في نوبة امرأة بالليل على غيرها، لا لعيادةٍ ولا غيرها، فإن فعل يجب عليه أن يقضي لها من نوبة المدخول عليها بذلك القدر.
وإن كان قد جامع المدخول عليها لا يجب قضاء الجماع، ولا يدخل في نهارها على غيرها إلا لحاجة من أخذ متاع، أو وضع شيء، ولا يطيل، فإن دخل لا يجامع.
ولا بأس أن يلمس، ويقبل، [ولا يجب] القضاء، لأن النهار تبع لليل إلا أن يكون ممن عادة القسم في حقه النهار؛ فحينئذٍ إن دخل بالنهار يقضين وبالليل لا يقضي، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما كان يومٌ او أقل من يوم إلا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف علينا جميعاً، فَيُقَبِّلُ ويلمس، فإذا [جاء] إلى التي حق نوبتها أقام عندها.
فلو مرضت واحدة منهن، أو ضربها الطلق، نظر إن كان لها متعهد، ليس له أن يسكن عندها إلا على النوبة.
وإن لم يكن لها متعهد له أن يبيت عندها أو يمرضها، ثم يقضي لصاحبة النوبة ذلك القدر فإن ثُقِلت أو أشرفت على الموت، واحتاج إلى المقام عندها ليالي - جاز، ثم إن برئت قضى للبواقي ما أقام عندها.
ولو ماتت فلا قضاء؛ لأن القضاء يكون من نوبتها، ولا نوبة لها بعد الموت.
وفي القضاء لا يبيت عند كل واحدةٍ جملة تلك الليالي على التوالي إن طالت المدة،

بل يبيت لليلة أو ليلتين، ولا يزيد على الثلاث، ثم يبيت عند الأخرى مثله حتى يتم مدة القضاء.
فلو كُن أربعاً فظلم واحدة، وبات عند ثلاثٍ شهراً - فعليه أن يقضي للمظلومة عشر ليالٍ على التوالي، لأنه يقضي لها من حق الباقيات.
فلو كُن ثلاثاً فبات عند اثنين عشرين ليلة ثم نكح جديدةً يوفى للجديدة حق الزفاف، ثم يقسم بينها وبين المظلومة، فيجعل للمظلومة، فيجعل للمظلومة ليالي من ظلمها بسببهن، فيبيت عند الجديدة ليلةً، وعند المظلومة ثلاثاً.
وكذلك لو كانت واحدةً غائبة وثلاث حضور، وظلم واحدةً من الحضور، وحضرت الغائبة - قسم للحاضر ليلة وللمظلومةٍ ثلاثاً، فإن كان الظلم بعشر ليالٍ، فدار هذا ثلاث دوراتٍ، فقد قضى للمظلومة بتسع ليالٍ، وبقيت ليلةٌ واحدةٌ، فإن كانت البداية في كل دور بالجديدة فبعد أن تم للمظلومة تسع ليالٍ يبيت عند الجديدة ثلث ليلة، ثم يخرج فيبيت في موضع آخر، ثم يبيت ليلة عند المظلومة، ثم بعده يسوى بين الكل.
وإن كانت البداية في ل دور بالمظلومة، فإذا تم لها تسع ليلاٍ يبيت عند الجديدة ليلةٍ، ثم عند المظلومة ليلةٍ، ليتم لها العر، ثم عند الجديدة ثلث ليلةٍ، ثم يستأنف القسم.
ولو ظلم واحدةً من الربع بليالٍ، ثم طلق المظلومة فإن راجعها أو نكحها ثانياً - واللاتي لمها بسببهن في نكاحه - يجب عليه القضاء للمظلومة.
وإن كان قد استبدل بهن، فلا قضاء.
ولو لم يطلق المظلومة وطلق اللاتي لمها بسببهن، ثم راجعهن أو نكحهن - قضى للمظلومة، ولا يجب عليها ما بات عندها في حال فراقهن.
ولو كُن ثلاثاً فبات عند اثنتين عشرين، ثم فارق أحداهما يبيت عند المظلومة عشراً للمساواة بينهما وبين الباقية.
ولو نكح جديدةً قبل القضاء أو فاتها حق الزفاف، ثم يقسم للمظلومة ليلتين، وللديدة ليلة حتى يتم مدة القضاء.
ولو خرج من عند واحدةٍ في نوبتها في جوف الليل، أو أخرجه السلطان- عليه أنيوفيها ما بقي من ليلتها.
والأولى أن يقضي في الوقت الذي خرج، فيبيت فريداً في الليلة الثانية إلى الوقت الذي خرج من عندها، ثم يدخل عليها، فهذا أقرب إلى العدل.
فإن خرج من آخر الليل، فقضاه من أوله جاز، ولو أنه [أقام] نصف القدر الذي كان قد بات عندها، وأقام نص ذلك القدر عند ضرتها، ثم بات بقية الليلة عندها كان أولى.
وإن كان الزوج مريضاً فيجب عليه التسوية بينهن في القسم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُطافُ به على نسائه في مرضه.

وإن كان الزوج مجنوناً لا يخاف منه، فعلى وليه أن يطوف به عليهن، أو يدعوهن إليه على التسوية، وإن ظلم أثم الولي، وإنما يجب إذا كان يقسم فيحال كونه عاقلاً فجُن، فإن لم يكن يقسم في حال عقله لا يجب على الولي أن يبتديء القسم بعد جنونه.
وإذا أفاق فقامت بينةً على أنه ظلم واحدةً، أو أقرت التي لمها بسببها قضى للمظلومة ولا يقبل قول الولي عليه بأني ظلمت.
وإن كان يجن يوماً ويفيق يوماً، فأيام الجنون كالفيئة، وعليه القسم من أيام إفاقته، حتى لو أقام من حال جنونه أياماً عند واحدة؛ فلا قضاء، بخلاف الجنون المطبق.
وإن كان الزوج مراهقاً فالإثم في الجور منسوب إلى وليه، بخلاف المحجور عليه بالسفه يأثم بالجور دون وليه لأنه مكلفٌ.
وإذا نشزت المرأة، أو امتنعت من التمكين - فلا قسم لها، كما لا نفقة لها، وكذلك المجنونة إذا امتنعت، إلا أنها لا تأثم، والعاقلة تأثم وكذلك الأمة إذا لم يئويها السيد مع الزوج بيتاً، فلا قسم لها ولا نفقة.
وإذا سافرت المرأة بغير إذن الزوج، أو خرجت إلى دار قومها - سقط حقها من القسم والنفقة، وإن أشخصها الزوج لحاجة نفسه، فلا يسقط حقها فإذا رجعت قضى لها من حق الباقيات.
وإن خرجت لحاجة نفسها بإذن الزوج، فالمذهب وهو قوله الجديد: لا قسم لها، ولا نفقة لأن المنع لحق نفسها، كما لو كانت في بيت الأب لا تعرض نفسها عليه فلا قسم لها، وقال في القديم، وبه قال أبو حنيفة: لا يسقط حقها؛ لأنها خرجت بإذنه، كما لو خرجت معه.
ولو لزم الزوج بيتاً، ودعاهُن إلى نفسه على التوبة- يجوز إذا لم يكن فيبيت واحدةٍ من الضرائر، وعليهن الإجابة، فمن امتنعت سقط حقها، ولكن عليه التسوية بينهن في بياتهن، أو دعاتهن إلى بيته.
ولو أتى البعض في دارها، ودعا بعضهن إلى نفسه - فهو ظلم، وكذلك لو لزم بيت واحدة منهن، ودعا الأخريات إليه، فمن امتنعت لا يبطل حقها من القسم فلو كانت إحداهن شابة حسنة، فخاف عليها الفتنة لو برزت، فحضرها، ودعا العجوز على بيته - جاز وعليها الإجابة.
وكذلك إذا كانت دار أحداهما أقرب فحضرها، ودعا البعيدة إليه - جاز، لأنه آثر التخفيف لا الإضرار وإن كانت له امرأتان في بلدين، فأقام في بلد إحداهما -نُظر إن لم يقم معها في منزلها لا يلزمه القضاء للأخرى، لأن المقام في البلد معها ليس بقسم، وإذا قام معها في منزلها يجب عليه القضاء للأخرى، لأن القسم لا يسقط باختلاف البلاد.

وإذا ملك رجلٌ عدداً من الإماء فلا سم بينهن لأنه من خصائص النكاح، ولكن لا يعطلهن حتى لا يمكن إلى الفجور.
وإن كان في نكاحه معهن نساء فبات عند الإماء - لا يجب عليه القضاء للحرائر.
ولا يجوز - للزوج أن يجمع بين الضرتين في دارٍ واحدةٍ إلا برضاهما، لما فيه من المكاشفة والخصومة بينهما، فإن كانت الدار تشتمل على حجرٍ تنفرد كل حجرةٍ بالمداخل والمرافق فأسن كل واحدةٍ حجرةً، أو أسكن إحداهما السفل، والأخرى العلو، ومرافقها متميزة - جاز.
ويجوز للزوج تكليف امرأته ملازمة البيت، ومنعها من الخروج لزيارة الآباء والأولاد وعيادتهم إذا مرضوا، وشهود تجهيزهم إذا ماتوا، غير أن المستحب ألا يمنعها من الزيارة والعيادة وشهود التجهيز والمواراة لئلا يؤدي إلى قطيعة الرحم.
ويمنعها من اتباع الجنائز، لما فيه من الاختلاط بالرجال.
والله أعلم بالصواب.
باب الحال الذي يختلف فيها حال النساء رُوي عن أنسٍ قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً.
وإذا نكح رجلٌ جديدة وعنده أخرى يجب أن يبيت عند الجديدة سبع ليالٍ على التوالي إن كانت بكراً، وإن كانت ثيباً فثلاث ليالٍ, وإذا تزوج وعنده امرأتان أو أكثر قطع الدورِ حتى

يُوفيَ الجديدة حق الزفافِ، ثم يسوي بينهن في القسم، ولا يجب قضاء حق الزفاف للقديمات، وعند أبي حنيفة: يجب.
ويجب أن يبيت لتلك الليالي على التوالي، لأنه لارتفاع الحشمة بينهما وإذا فرق لا يحصل المقصود.
ولا فرق بين أن تكون ثَيَابَتُها بنكاح، أو وطء أو شبهةٍ، أو زنا.
فإن كانت بمرصد أو وثبةٍ ففيه وهان كالاستئذان من النكاح.
وإن بات عند البكر أكثر من سبع يجب عليه قضاء ما زاد على السبع للباقيات.
وإن بات عند الثيب سبعاً، نظر؛ إن بات بغير استدعائها قضى للباقيات الزيادة على الثلاث، وإن بات باستدعائها قضى الكل للباقيات، لما رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سلمة: "إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت".
فجعل حقها في السبع بشرط القضاء، وفي الثلاث بلا قضاء، فإذا اختارت أحداهما بطل حقها عن الأخرى.
فلو بات عند الثيب خمساً أو ستاً - لا يقضي إلا الزيادة على الثلاث.
ولو كانت تحته امرأتان فقسم لإحداهما ثم نكح جديدة - أوْفَى للجديدة حق الزفاف، ثم قسم للقديمة الأخرى، ثم قسم للجديدة نصف ليلةٍ؛ لأن لها ثلث القسم في المستقبل، ثم يستأنف القسم بينهن بالسوية.
وهل ينتصف حق الزفاف بالرق؟ فيه وجهان، وإنما يتصور في العبد إذا نكح أمة وتحته حرةٌ: أحدهما: ينتصف كالقسمن فإن كانت الأمة بكراً يبيت عندهما ثلاث ليالٍ ونصفاً، وإن كانت ثيباً فليلةً ونصف.

والثاني: لا ينتصف؛ لأنه لارتفاع الحشمة، وذلك معنى يرجع إلى الطبع، فتستوي فيه الحرة والرقيق مدة العُنة والإيلاء.
وإن قلنا: ينتصف، فالاعتبار بحالِ الزفاف، إن نكحها وهي أمة فزفت غليه وهي حرة - فلها ما للحرة وإن عتقت بعد الزفاف فلها ما للإماء.
قال الشيخ - رحمه الله: وإن عتقت في خلال المدة يحتمل أن يُقال: لها ما للحرائر، لأن المغير وجد، وثم أصل قائم في حق المغير والمغير، فيظهر أثر المغير بالتكميل.
ولو نكح جديدتين لا يُفرق حق الزفاف بينهما، بل يبيت عند إحداهما تمام السبع أو الثلاث، ثُم ينتقل على الأخرى، ويبدأ بمن زُفت إليه أولاً، وإن تقدم عقد الأخرى.
وإن زفتا إليه معاً اقرع بينهما في البداية.
ولو نكح جديدتيهم وليست عنده أخرى يثبت لهما حق الزفاف.
ولو أوفى للجديدة حق الزفاف، ثم طلقها رجعياً، ثم راجعها - لا يتجدد لها حق الزفاف.
ولو أبانهما ثم نكحها فقولان: أحدهما: لا يتجدد؛ لان الحشمة قد ارتفعت بينها بالعقد الأول.
والثاني: وهو الأصح: يتجدد بحدوث الحشمة بالفراق، وكذلك لو أعتق سريته ثم نكحها، هل يثبت لها حق الزفاف؟ فيه قولان: الأصح: أنه يثبت، ولو أبانها قبل أن أوفاها حق الزفاف، ثم نكحها، عليه أن يوفيها.
قال الشيخ: فإن كانت بكراً، فبات عندها ثلاثاً وافتضها، ثم أبانه، ثم نكحها، إنقلنا يتجدد لها حق الزفاف يبيت عندها ثلاثاً.
وإن قلنا: لا يتجدد يبيت عندها أربعاً؛ لأن النكاح الثاني يُبنى على الأول في حق الزفاف على هذا القول، وهي إن كانت بكراً في الأول، فحقها كان في السبع ولم يُوفها كمال السبع.
ومن نكح امرأة لا ينبغي له أن يتخلف عن الجماعات، وعيادة المريض، أو اتباع الجنائز، وإصابة الدعوات، وعما كان يفعل من أعمال البر.
باب القسم بين النساء إذا حضر سفراً رُوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمهما خرج بها.

إذا أراد الرجل سفراً وتحته نسوة، فأراد حمل بعضهن مع نسه - نُظر إن كان سفر نقلةٍ، فلا يجوز له حمل بعضهن لا بالقرعة، ولا يُغير القرعة، فإن فعل عطى، وعليه قضاء مُدة الغيبة للمتخلفات.
وإذا أراد سفر حاجةٍ، وكان سفره يبلغ مسافة القصر - يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة حملها مع نفسه، فإن حملها بغير قرعةٍ عصى الله، وعليه القضاء للمخلفات، فإن حمل بالقرعة لا يجب القضاء للمخلفات وإن طال مدة سفره؛ لأن المسافرة وإن حظيت بصحبة الزوج، فقد شقيت - بمشقة السفر.
وإن كان سفره لا يبلغ مسافة القصر، ففيه وجهان:

أحدهما: لا يجوز حمل بعضهن بالقرعة؛ لأنه في حكم المقيم، ولا يجوز للمقيم أن يبيت عند البعض، ويهجر البواقي بالقرعة.
والثاني: يجوز؛ كما في السفر الطويل، وهذا أصح.
وإذا خرجت قرعة واحدةٍ ليس له أن يعدل عنها إلى غيرها ولو أراد أن يتركها ويخرج وحده يجوز.
ولو حمل بعضهن بالقرعة، وزاد مقامه في بلد على مقام المسافرين - يجب عليه أن

يقضي للمخلفات ما زاد على مقام المسافرين.
وإن دخل بلداً فلما دخله نوى إقامة أربع - يجب عليه قضاء مدة مكثه في تلك البلدة، ولا يجب قضاء مدة الرجوع.
وقيل: يجب؛ لأن حكم الأول قد انقطع بالإقامة.
أما إذا أخرج واحدةً بغير قرعة، عليه أن يقضي للمخلفات من حين خرج إلى أن يرجع إليهن.
وقيل: لا يجب القضاء من حين قصد الروع؛ لأن الروع خروجٌ عن المعصية.
ولو أخرج واحدةً بالقرعة، ثم عزم على الإقامة في بلد، وكتب البواقي يستحضرهن - هل يب عليه القضاء ومن وقت ما كتب إليهن؟ فيه وجهان ولو نوى بلداً فلما بلغه بدا له أن يُجاوز إلى بلدٍ آخر أبعد منه - له ذلك، ولا يجب القضاء؛ لأنه بنا ءسفر على سفر.
ولو خرج باثنتين بالقرعة يجب أن يُسوي بينهما في الطريق، فإن كانت أحداهما جديدة لم يوفها حق الزفاف - أوفى لها حق الزفاف، ثم قسم بينهما.
فلو ظلم واحدة في الطريق قضى في الطريق، فلو لم يتفق القضاء في السفر؛ فإذا رجع قضى للمظلومة من حق من ظلمها بسببها.
وكذلك لو خرج باثنتين وإحداهما بقرعةٍ، والأخرى بغير قرعةٍ - عليه أن يُسوي بينهما في الطريق، فإذا رجع قضى للمخلفات من نوبة من أخرجها بلا قرعة.
ولو خرج باثنتين بالقرعة ثم نكح في الطريق جديدة - خص الجديدة بحق الزفاف، ثم يستوي بينهما في القسم، فإذا رجع لا يجب القضاء للمخلفات.
قال الشيخ: وكذلك لو خرج وحده، فنكح جديدةً لا يقضي للمخلفات، فإن نوى الإقامة في موضع قضى للمخلفات من حين نوى الإقامة غلا حق الزفاف.
وفي مدة الانصراف وجهان.
ولو نكح جديدة على قديمة، فقبل أن يوفي الجديدة حق الزفاف، أخرج واحدةً إلى سفر بالقرعة - جاز، ثم نظر إن أخرج القديمة فإذا رجع أوفى الجديدة حق الزفاف، وإن أخرج الجديدة فمقامه معها في السفر محسوب من حق الزفاف.
قال الشيخ: وإن كان قد ظلم واحدةً بليالٍ، ثم خرج بالمظلومة إلى السفر بالقرعة - فمدة مقامها معه في السفر لا تُحسب من القضاء؛ لأن القضاء واجبٌ لها من حق ضرتها، فأيام السفر حق لها على الخصوص، فلا تحسب من القضاء، بخلاف حق الزفاف، فإنه ثابتٌ لها من غير أن يكون لضرتها بإزائه شيء، من حقها.
قال الشيخ: وإن خر بها بلا قرعةٍ حسب القضاء، ولو خرج وحده لنقلةٍ، فنكح امراة

في بلدٍ، فإذا رجع عليه القضاء للمخلفات مدة مقامه معها إلا قدر حق الزفاف.
وفي مدة الانصراف وجهان: أحدهما: لا يقضي لأن الانصراف لابد منه.
فإن نكح الجديدة في الانصراف، فلا يجب أني قضي منها شيئاً، وإن خرج لنقلةٍ حملهن: بعضهن مع نفسه وبعضهن مع وكيله - لا يجوز أن يفعل ذلك إلا بقرعة فإن فعل بلا قرعة قضى لمن بعثهن مع وكيله.
باب النشوز والشقاق بين الزوجين قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [السناء: 34] الآية إذا نشزت المرأة وعها الزوج، وهجرها، وضربها.

نعني بالوعظ: أن يُخوفها بالله - عز وجل - وبما يلحقها من الضرر بسقوط النفقة والقسم.
ونعني بالهجر: أن يهجرها في المضجع، أما بالكلام فلا.
ونعني بالضرب: أن يضربها ضرباً غير مبرحٍ، ولا يدمي، ويتقي الوجه والمهالك.
وإذا نشزت أول مرة، هل يجمع بين هذه الأشياء؟ - فيه قولان: أحدهما: بلى، والمراد به من الخوف العلم؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً﴾ [البقرة: 182] أي: علم.
والقول الثاني: لا يجمع بينها بأول مرةٍ.
وتنزل هذه المعاني على ترتيب الجرائم، فإن خاف نشوزها، بأن ظهرت أماراته من المخاشنة، وسوء الخلق وعظها، فإن أبدت النشوز ونشزت أول مرة- هجرها، فإن أصرت عليه ضربها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] والخوف الخشية من غير أن يتحقق؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: 58] ولا تسقط نفقة المرأة، ولا حقها من القسم بسوء الخلق، وإطالة اللسان، وإن كنت آثمة ما لم تمنع من التمكين.
وإن كان النشوز من جهة الزوج، نظر إن كان لا يمنعها شيئاً من حقها، لكنه يكره صحبتها لمرضٍ أو كبرٍ، أو معنى آخر، فلا يدعوها إلى فراشه، أو يريد طلاقها - فلا حيلة فيه؛ لأنه مباحٌ له.
فإن سمحت بترك حقها من قسم، أو نفقةٍ طلباً للصلح، فهو حسنٌ.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] كما أن سودة أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُطلقها فوهبت نوبتها لعائشة.
وإن كان يمنعها شيئاً من حقها من نفقةٍ، أو كسوةٍ، أو قسمٍ - أجبره السلطان على ادعاء حقها.
وإن شكا كل واحدٍ من الزوجين سوء خلق صاحبه، وقبح معاملته، وأشكل الأمر على الحاكم - تعرف حالهما من عدلٍ في جوارهما، فإن لم يكن عدلٌ أسكنها إلى جنبها ثقةٍ ليتعرف أحوالهما، فإذا تبين له منع الظالم من الظلم.
وإذا ظهر الشقاق بين الزوجين، وصار من القول والفعل إلى ما لا يحل من الضرب

والشتم، واشتبه حالهما، فلا الرجل يفعل الصفح أو الفرقة، ولا المرأة تؤديه الحق أو الفرقة - فعلى الحاكم أن يبعث حكماً من أهله إليها وحكماً من أهلها إليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ﴾ [النساء: 35].
فيخلو كل واحدٍ من الحكمين بصاحبه، ويستطلع رأيه، ورغبته فماذا؟ من الوصلة أو الفرقة، وما الذي يكره من صاحبه؟ وإنما بعثنا إلى كل واحدٍ حكماً من أهله؛ للآية، وليفش كل واحدٍ منها سره إلى أهله وقريبه من غير حشمةٍ، فيون أقرب إلى الصلاح.
ويجوز بعث الحكمين من الأجانب؛ لأنه في أحد القولين توكيلٌ، وفي الآخر حكم.
ويجوز كل واحد أن يذهب غير الأهل إلا أن الأهل أولى؛ لأنه أقرب إلى الصلاح.
فإن كان الحاكم قريباً لواحدٍ جاز أن يذهب بنفسه.
ويشترط أن يكون الحكمان حرين، بالغين، ذكرين، عدلين.
ثم إن جعلناهما حكمين بشرط أن يكونا فقيهين.
ثم إذا عرف كل واحدٍ من الحكمين مراد صاحبه يجتمعان، ولايخفى كل واحدٍ من الآخر ما سمع من صاحبه.
ويتعدان ما يستوصيان وهذا التحكيم تولية أو توكيلٌ؟ فيه قولان: أصحهما وبه قال أبو حنيفة: توكيل، فعلى هذا لا يجوز بعث الحكمين إلا برضاهما، ولا يجوز لحكم الرجل التطليق إلا بإذنه، ولا لحكم المرأة في الاختلاع بمالها إلا بإذنها.
فإن أبيا الاتفاق على شيء حكم الحاكم بينهما بحكم من استوفى حق المظلوم؛ وأدب الظالم.
والقول الثاني: هو تحكيم؛ لأن الله تعالى - سماهما حكمين فحكم الرجل إن رأى المصلحة في التطليق أو الخلع فعله، وإن لم يرض به الرجل.
وحكم المرأة إن رأى الصلاح في الاختلاع اختلعها وإن لم تأذن فيه ثم إن كانت المصلحة في التطليق ينفرد به حكم الرجل.
وإن كان في الخلع فلابد منه اجتماع الحكمين عليه.
وعلى القولين تلك الفرقة فرقة طلاقٍ، ويجوز على هذا القول بعث الحكمين بغير رضاهما.
حجة القول الأول: ما روي عن علي -رضي الله عنه - أنه بعث حكمين، وقال لهما: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا فقالت المرأة: رضيت بما في كتاب الله علي ولي، فقال الرجل: أما الفرقة فلان فقال علي-رضي الله عنه: كذبت، والله حتى تُقر بمثل الذي أقرت به، فثبت أن رضاهما وإقرارهما شرط.

ومن قال بالأول قال: قوله: "حتى تُقر" ليس المراد منه أن المرأة قد رضيت بالفرقة، فشرط رضاه كذلك، بل المراد به: أن المرأة لما قالت: رضيت بما في كتاب الله، رضيت بما في الكتاب لها وعليها من الجمع والتفرق.
قال الرجل: أما الفرقة فلا يعني الفرقة ليست في كتاب الله، فقال علي - رضي الله عنه- كذبت بل هو في كتاب الله؛ لأن قوله: ﴿يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35] يشتمل على الفراق وعلى الجمع جميعاً؛ لأن التوفيق أن يخلص كل واحدٍ من الوزر، يدل عليه أنه قال [له]: كذبت، ولا يقال لمن أخبر عن مراده: كذبت.
ثم القولان في التفريق والإصلاح، فلو شرط الحكمان ترك بعض حقها من قسم أو نفقةٍ، أو شرطاً ألا يتسرى، ولا ينكح الزوج عليها - فلا يلزم شيء من ذلك.
ولو كان لأحدهما حق على الآخر لا يجوز استيفاؤه إلا بإذن صاحب الحق، وإذا جُن أحد الزوجين، أو أغمي عليه، فلا يجوز بعث الحكمين بعده.
وإن جُن بعد استطلاع الحكمين رأيه لا يجوز تنفيذ الأمر، لأنا إن جعلناه توكيلاً فالوكيل ينعزل بجنون الموكل، وإن جعلناه تولية فقيام الخصومة شرطٌ لتنفيذ الأمر، ولا يتحقق ذلك بعد الجنون ولو غاب أحدهما بعد بعث الحكمين إن قلنا توكيل الحكمين لهما تنفيذ الأمر، وإن قلنا: تولية فلا، لأنه لا يعرف بقاء الشقاق بينهما.
ولو كل الزوج رجلاً فقال: إذا أخذت مالي على المرأة فطلقتها، أو قال: خُذ مالي ثم طلقها، فطلق قبل أخذ المال - لا يقع.
ولو قال: خُذ مالي وطلقها فكذلك على أصح الوجهين.
وقيل: الواو للجمع، فلو قدم الطلاق على الأخذ يقع.
أما إذا قال: طلقها ثم خذ مالي، فقدم أخذ المال ثم طلق جاز، لأنه زاده خيراً.
والله أعلم.

جارٍ التحميل