وزيادة ربع دينار- لا يقطع؛ لأن النصف من جميع المال حقه؛ فيجوز أن يقع جميع [المال] المأخوذ من نصيبه عند القسمة، أو إن كان أثلاثاً - يقع جميع الثلثين في نصيبه؛ فيشترط أن يأخذ ربع دينار زائداً عليه.
ولو سرق رجلٌ نصاباً من حرز، وأحد بعض ذلك النصاب ملك رجل، والبعض ملك رجل آخر - يجب القطع، كما لو كان الكل لواحد.
ولو سرق مسلم من بيت المال شيئاً:
قال صاحب "التلخيص": لا قطع عليه.
قال أصحابنا: هذا إذا كان له فيه شبهة؛ بأن سرق من خمس خُمس الغنيمة أو الفيء سهم المصالح، أو من تركة مسلم مات، ولا وارث له - لا قطع عليه؛ فقيراً كان السارق أو غنياً؛ لأنه ما من مسلم إلا وله في بيت المال حق؛ بخلاف ما لو زنى بارية من بيت المال - يجب عليه الحد، لأنه يستحق النفقة في مال بيت المال، ولا يستحق الإعفاف.
رُوي أن عاملاً لعمر - رضي الله عنه - كتب إليه في رجل سرق من [مال] بيت المال، فكتب: لا تقطعه، فنه ما من أحد إلا وله فيه حق، وكذلك لو سرق من مال الصدقة، وهو فقيرٌ - لا قطع عليه، وإن سرق مما لا شبهة له فيه؛ بأن سرق من نصيب اليتامى من خُمس الخمس مفرزاً، أو من نصيب الفقراء من مال الصدقة، وهو غني - قُطعَ، وإن كان في ذلك البيت أخماسٌ من موضع آخر؛ لأن القطع لا يسقط بكون المال له فيه شبهة في الحرز؛ إذا لم يكن له في المسروق شبهة؛ كالمودع إذا سرق مال المودع من بيت فيه وديعته - يجب القطع.
أما الذمي: إذا سرق من مال بيت المال - تقطع يده؛ لأنه لا حق له فيه؛ إنما الحق فيه للمسلمين.
فإن قيل: أليس أن الذمي إذا اضطر - يجب على الإمام أن ينفق عليه من بيت المال؟
قيل: بلى، ولكن ينفق عليه من بيت المال بشرط الضمان، كالمضطر يأكل مال الغير؛ بشرط الضمان، ولا يصير ذلك شبهة في سقوط القطع؛ إذا سرق ماله لغير ضرورة.
قال الشيخ - رحمه الله-: يحتمل أن يقال: لا يقطع الذمي؛ إذا سرق من خمس الخمس سهم المصالح، وعلى الإمام أن يُطعمه منه عند الضرورة، بلا ضمان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي الكفار منه، فإن سرق من مال مسلمٍ، لا وارث له - قُطع، لأنه
مصروف إلى بيت المال إرثاً للمسلمين؛ فلا حق للذمي فيه، ولو سرق ستر الكعبة أو باب المسجد، أو اسطوانة منه، أو شيئاً مما جُعل في المسجد للزينة - قطع؛ روي أن عثمان قطع سارقاً سرق قبطية من منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وعند أبي حنيفة: لا قطع في شيء منها.
أما ما كان في المسد لمنفعة الناس كالحصر والقناديل، فإن سرقه مسلم - لا قطع عليه؛ لأنه لمنفعة -المسلمين، وإن سرقه ذمي - قطع.
قال الشيخ - رحمه الله-: هذا في قناديل السرج، أما علق [فيه] للزينة من القناديل - يقطع سارقها؛ كالستور، والأبواب، ولو سرق شيئاً موقوفاً - ففي وجوب القطع وجهانَ؛ سواء قلنا: الملك فيه زال إلى الله تعالى أو إلى الموقوف عليه:
أصحهما: يجب القطع؛ لأنه مالٌ محرز؛ كأستار الكعبة.
والثاني: لا يجب؛ لأن الملك فيه ناقصٌ.
قال الشيخ- رحمه الله-: ولو سرق الموقوف عليه العين الموقوفة - لا يقطع، وإن سرق من غلة الوقف، أو ثمرة الشجرة الموقوفة المحرزة؛ نُظر:
إن كان السارق من أهل الوقف؛ بأن كان وقفاً على كافة الناس، أو كان وقفاً على جماعة [متعينين، وهو منهم، أو على جماعة] موصوفين كالفقراء، وهو فقيرٌ - فلا قطع عليه، وإن لم يكن من أهل الوقف بأن كان وقفاً على متعينين، وليس هو منهم، أو على الفقراء، وهو غنيٌّ - قطع.
ولو سرق بكرة البئر المسبلة - قطع، قال الشيخ - رحمه الله -: وهو عندي كحصر المسجد؛ لأنها لمنفعة الناس، ولو سرق واحدٌ من الغانمين شيئاً من مال الغنيمة قبل إفراز الخمس - لا قطع عليه؛ سواء كان حراً أو عبداً؛ لأن له حقاً في أربعة أخماسها وفي خمسها؛ لأنه مال بيت المال، ولو سرق منه أجنبي - فهو كما لو سرق مال بيت المال، لأن سهم بيت المال فيه، ولو سرق بعد إفراز الخمس - لا يخلو: إما أن يون سرق من الأربعة الأخماس أو من الخمس: فإن سرق من الأربعة الأخماس التي هي سهم الغانمين:
فإن كان السارق من الغانمين - لا قطع عليه؛ كما لو سرق مالاً مشتركاً بينه وبين غيره، وكذلك: لو لم يكن من الغانمين؛ ولكن له في الغانمين ولدٌ أو والدٌ أو عبدٌ - فلا قطع عليه، وكذلك: لو كان السارق امرأة، ولها زوج فيهم، وقلنا: لا قطع على أحد الزوجين بسرقة مال صاحبه- فلا قطع عليها، وإن لم يكن له فيهم أحدٌ منهم - عليه القطع، وإن سرق من الخمس - فلا فرق بين أن يكون السارق من الغانمين أو لم يكن؛ فينظر: إن كان قبل إفراز خمس الخمس سهم المصالح - فلا قطع عليه؛ لأن سهم بيت المال فيه، وإن كان بعد إفراز سهم المصالح [بأن] سرق من أربعة أخماس الخمس -[يجب] عليه القطع.
قال الشيخ - رحمه الله-: إلا أن يكون ممن له فيه سهم - فلا قطع.
ولو كان له على رجل دين، فسرق رب الدين مال المديون - نظر: إن لم يقصد الاستيفاء - قطع، وإن قصده- نُظر: إن كان من عليه الحق وفياً - قطع، وإن كان جاحداً أو مماطلاً - لم يقطع؛ وإن أخذ أكثر من حقه - فالمذهب أنه لا يُقطع؛ لأنه كان له دخول ملكه؛ فلم يكن المال محرزاً في حقه، وقيل: إن كانت الزيادة منفصلة قدر نصاب- قطع.
والمضطر إلى المجاعة إذا لم يجد طعاماً، فسرق - لا قطع عليه [قال عثمان - رضي الله عنه-: لا قطع في عام المجاعة].
ولو سرق مستحق الزكاة شيئاً من مال الزكاة: فإن قلنا: [الزكاة] تتعلق بالعين - لم يقطع، وإن قلنا: بالذمة - فكما لو سرق [من] مال المديون.
ولو سرق خمراً أو خنزيراً أو كلباً أو جلد ميتة لم يُدبغ - لا قطع عليه؛ لأنه ليس بمالٍ، ولو سرق إناء قيمته نصابٌ، وفيه خمرٌ - قطع؛ كما لو كان فيه بول، وقيل في إناء الخمر: لا يقطع؛ لأن ما فيه [مستحق الإراقة]، فيصير شبهة في دفعه.
ولو سرق طنبوراً، أو مزماراً، أو صنماً - نظر: إن كانت محلولة [أو] مغيرة، لا تصلح لمباح، أو تصلح، ولكنه بعد الحل والتغيير لا يبلغ نصاباً - لا يجب القطع، وإن كان يبلغ نصاباً- ففيه وجهان:
أحدهما: يقطع؛ لأنه مالٌ متقوم.
والثاني: لا يقطع؛ لأنه آلة المعصية؛ كالخمر.
أما إذا حله، ثم أخرجه - يجب القطع، وكذلك: إذا كان [على الصنم حليةٌ تبلغ نصاباً - يقطع، ولو سرق إناء من ذهب أو فضة- يقطع؛ لأنه يتخذ للزينة، لا للمعصية، والله أعلم.
باب قطاع الطريق
قال الله تعالى: ﴿نَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ]....﴾ الآية [المائدة 33].
قُطاع الطريق: الذين يعترضون القوم بالسلاح مجاهرةً- يحل قتالهم؛ لأنهم أسوأ حالاً من البغاة، وإذا علم الإمام من رجل أنه يعترض الرفقة، ويخيف السبيل - يجب على الإمام طلبه وحبسه؛ حتى لا تقوى شوكته، فيكثر منه الفساد، ومن خرج لقطع الطريق، فقتل نفساً - يجب عليه القتل حتماً وإن أخذ نصاباً من المال - تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى؛ سواء أخذ ذلك النصب من ملك واحد، أو من أملاك مختلفة.
وإن قتل وأخذ المال - يقتلُن ويصلبن ظاهر الآية التخيير، وهي على ترتيب الجرائم ويروي عن ابن عباس - رضي الله عنه- مثل ما قلنا في معنى الآية.
وعند أبي حنيفة: إن قتل وأخذ المال - يتخير الإمام بين أن يجمع عليه [القطع والقتل] [أو القتل] والصلب، وأبو يوسف معنا، والسلاح ليس بشرط، حتى لو خرجوا بالخشب واللطم، حيث لا يلحقهم الغوث- فالحكم كذلك؛ وسواء قطعوا الطريق على جماعة، أو على واحد.
ولو خرج [واحد أو] جماعة في المِصْرِ، فحاربوا، أو العساكر أغاروا على أحد طرفي البلاد] إذا خرجوا فحاربوا الطرف الآخر، أو خرجوا بالليالي مكابرة على الدور - فحكمهم حكم قطاع الطريق إذا كان لا يلحقهم الغوث؛ إذا استغاثوا، أما إذا خرج جماعة في بلدة أو قرية، أو بين قريتين، بحيث يلحقهم الغوث أو استغاثوا- فلا يكون حكمهم حكم قُطاع الطريق؛ فمن أخذ منهم مالاً - فهو الغاصب والناهب؛ يضمن ما أخذ.
وعند أبي حنيفة: لا يجب عقوبة قطاع الطريق على من حارب في المصر.
وأبو يوسف معنا.
وإذا خرج النساء لقطع الطريق - يقام عليهن ما يقام على الرجال.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: لايجب على النساء عقوبة قُطاع الطريق؛ حتى قال: لو خرج جماعة من الرجال، وفيهم امرأة أو صبي لا تقام العقوبة على الرجال البالغين.
وأبو يوسف معنا؛ فنه يعاقب البالغون من الرجال.
ولو قطع جماعة من المراهقين الطريق - لا عقوبة عليهم، وعليهم ضمان المال، ومن خرج مع قطاع الطريق؛ فكشر وهيب، وكان ردءاً لهم؛ ولكنه لم يقتل، ولم يأخذ المال - لايجب عليه عقوبة قطاع الطريق، ولكن يعر ويحبس، حتى يتوب؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، قيل: أراد به الحبس، وقيل: أراد به التغريب، وقيل: نفيه أن يرتكب ما يوجب عقوبةً، ثم يهرب، فنفيه: أن يُتْبع ويطلبن حتى لا يقر في موضع حتى يظفر به؛ فيقام عليه الحد؛ يروى هذا عن ابن عباس.
وعند أبي حنيفة: يجب على الردء عقوبة قطاع الطريق، حتى لو كانوا مائة، فقتل واحد إنساناً - يقتل الكل، ولو أخذ واحد منهم نصاباً من المال - يقطع الكل.
قلنا: هذا حد يجب بسبب الجريمة؛ فلا يجب على غير المباشر؛ كما لا يجب حد الشرب على الساقي.
ومن أمسك إنساناً، حتى قتله آخر، أو أمسك امرأة، حتى زنى بها آخر، لا يجب القتل والحد على الممسك، ولا يجب القطع على قاطع الطريق؛ حتى يأخذ نصاباً من المال، وكذلك: لا يجمع بين القتل والصلب حتى يأخذ مع القتل نصاباً، وهو ربع دينار.
ولو أخذ رجل ثلث دينار، ومعه [ردء] أخذ سدس دينار- يقطع من أخذ الثلث، ولا قطع على من أخذ السدس، ولا يكمل نصابه بما أخذ رقيقه.
وإذا وجب القطع على قاطع طريق - تقطع يده ورجله في مكان واحد، وإذا قطع [منه] أحد العضوين - لا يؤخر قطع الآخر حتى يبرأ الأول لأنه حد واحد، وإن كان فقيد اليد اليمنى - تقطع رجله اليسرى، ولا تقطع [يده اليسرى]؛ لأن الحد لم يتعلق بها؛ كالسارق إذا كانت يده ناقصة بإصبع - تقطع يده الناقصة، ولا تقطع رجله.
أما إذا قطع الطريق وأخذ المال، وهو فقيد اليد اليمنى والرجل اليسرى - حينئذ: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ لأن ما يبدأ به معدوم؛ [فيتعلق القطع] بما بعده.
وإذا أخذ المال، وقتل، وقطع الطريق - فإنه يقتل ويُصلب.
واختلفوا في كيفيته -فالصحيح من المذهب: أن يقتل [ثم يُصلب مستور العورة.
وفيه قول آخر: أنه يصلب حياً، وهو قول أب حنيفة - رحمه الله-: لأن عقوبة] قطع الطريق تُقام عليه حياً.
والأول المذهب؛ لأنه لا عقوبة فوق القتل، والصلب [للاعتبار زجراً] للناس عن مثل فعله، فإن قلنا: يُصلب بعد القتل - فكم يترك على الصلب؟ فيه وجهان:
أحدهما - قاله ابن أبي هريرة-: حتى يسيل صديده؛ إلا أن يتأذى به الأحياء؛ فينزل، ولا يغسل، ولا يصلي عليه.
وهذا لا يصح؛ لأن فيه تعطيل فرض الله تعالى من الغُسل، والصلاة، والدفن.
والثاني- وهو الأصح-: يُنزل على الصلب ثلاثاً؛ إن كان الزمان بارداً، أو معتدلاً، ثم يُنزل وإن كان في شدة الحر - ينزل إذا خيف عليه التغير قبل الثلاث، [ويدفع إلى أهله؛ ليقيموا عليه فرض الغسل والصلاة عليه والدفن]، وإن قلنا: يصلب حياً - اختلفوا في كيفية قتله، منهم من قال: يُطعن حتى يموت مصلوباً، وهو قول الليث بن سعد، ومنهم من قال: يترك بلا طعام، ولا شراب، حتى يموت، ومنهم من قال: يترك ثلاثاً حياً، ثم ينزل، فيُقتل، وهو قول أبي يوسف، فإن مات قبل الصلب - ففيه وجهان:
أحدهما: قاله الشيخ أبو حامد الإسفرائيني - أنه لا يُصلب؛ لأن الصلب تبع للقتل، وسقط القتل؛ فسقط الصلب.
وإن قتل في قطع الطريق - يقتل حتماً، ثم يغسل، ويصلي عليه، ويدفن، والقتل حتمٌح حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإن جرح إنساناً في قطع الطريق - نظر: إن كانت جراحة لا يثبت فيها القود؛ كالجائفة ونحوها - فلا يقتص، وعليه أرشها، وإن قطع يداً أو رجلاً أو عضواً يقاد منه - وهل يتحتم؟ فيه قولان:
أحدهما: يتحتم؛ حتى لا يسقط بالعفو؛ كالقتل.
والثاني - وهو الأصح-: لا يتحتم؛ لأنه تغليظ لا يتبعض؛ يثبت في النفس، فلا يثبت فيما دون النفس؛ كالكفارة؛ ولكنه بالخيار؛ إن شاء اقتص، وإن شاء عفا، ولو أتلف مالاً في قطع الطريق - يجب عليه الضمان وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان، وكذلك قال: لو قطع طرفاً - فلا قصاص، ولا أرش؛ لأن الطرف كالمال.
قلنا: قاطع الطريق ظالمٌ؛ لا شبهة له في مال أهل الرفقة، ولا في طرفه؛ ما لا شبهة له في نفسه، فإذا أخذ بقتل نفسه يؤخذ بقطع طرفه وضمان ماله، وإذا قتل في قطع الطريق خطأ، بأن رمى إلى شخص، فأصاب غيره، أو شبه عمدٍ - فلا قتل عليه، وتجب الدية على العاقلة، وإذا قتل عمداً - تحتم قتله، ففيه معنى الحدود، لأنه لا يسقط بالعفو، واستيفاؤه إلى السلطان لا إلى الولي، وفيه معنى القصاص؛ لأنه قتل بإزاء قتل، وأيهما يغلب؟ فيه قولان، وفائدته تتبني في أنه هل تُراعى فيه الكفارة والمماثلة أم لا؟ مثل إن قتل حر عبداً، أو مسلمٌ ذمياً، أو قتل الأب ابنه؛ إن غلبنا جهة الحدود - فيقتل به، وإن غلبنا جهة القصاص - فلا قتل عليه، وتجب الدية وقيمة العبد، ولا خلاف أنه لو قتل عبد نفسه - لا يقتل؛ كما لو أخذ مال نفسه - لا يُقطع، ولو قتل جماعةً في قطع الطريق؛ إن غلبنا جهة الحدود - قُتل بهم جميعاً، ولا يجب شيء من الدية، وإن غلبنا جهة القصاص - قُتل بالأول، وللباقين الدية، فإن عفا الأول - لا تسقط، ولو قتله أجنبي غير الإمام: إن غلبنا الحد - فلا شيء عليه، إلا التعزير؛ لتفويته على الإمام، وإن غلبنا القصاص - عليه الدية لورثته.
قال الشيخ - رحمه الله-: ولا قود؛ لأن قتله محتومٌ، ولو مات إن غلبنا الحد - فلا شيء عليه، وإن غلبنا القصاص - تؤخذ الدية من تركته.
ولو قتل في قطع الطريق بمثقل أو قطع عضو -هل يستوفي بذلك الطريق؟ إن غلبنا الحد - فلا؛ بل تُحز رقبته؛ كالمرتد، وإن غلبنا القصاص- يقتل بذلك الطريق.
وإذا وجبت العقوبة على قاطع الطريق، فهرب- يطلب، فيتبع؛ حتى يظفر به؛ فيقام عليه الحد، فإن تاب قبل القدرة عليه - سقط عنه ما لزمه بسبب قطع الطريق؛ لقوله [عز وجل]: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34]، فإن كان قد قتل - سقط تحتم القتل، ولا يسقط القصاص، فالولي إن شاء
قتله، وإن شاء عفا عنه، وإن كان قد قتل، وأخذ المال - يسقط عنه الصلب وتحتم القتل، وبقي القصاص، وإن كان أخذ المال - يسقط عنه قطع اليد، والرجل وإن قتل الأب الابن في قطع الطريق، أو الحر عبداً، أو المسلم ذمياً، وأوجبنا عليه القتل: فإذا تاب قبل القدرة - سقط القتل أصلاً، ووجبت الدية والقيمة، وإن تاب بعد القدرة عليه - فهل يسقط ما وجب بسبب قطع الطريق من تحتم القتل، والصلب، والقطع - فعلى قولين؛ كالزاني، والسارق، وشارب الخمر إذا تاب هل يسقط عنه الحد؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يسقط، فإن قلنا: يسقط بالتوبة [ما يجب] في غير المحاربة، فلابد من مضي زمان يوثق بتوبته؛ لأن الله تعالى قال في الزاني: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ [النساء: 16] وقال في السارق: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: 39]- علق العفو بالتوبة والإصلاح، وقد يُظهر التوبة للتقية، فلا يُعلم صحتها، حتى يقترن بها الإصلاح: من مضي زمان يوثق بتوبته، وفي المحارب يسقط عنه الحد بإظهار التوبة والدخول في الطاعة؛ لأنه خارج من يد الإمام ممتنع؛ فلا تُحمل توبته على التقية.
ولو شهد رجلان من أهل الرفقة على قوم؛ أنهم قطعوا الطريق علينا، وأخذوا كذا من أموالنا - لا تُقبل؛ لأنهم يشهدون لأنفسهم، فإن لم يقولا علينا بل قالا: قطعوا [الطريق] على هؤلاء، وأشاروا إلى أصحابهما، وأخذوا منهم كذا وكذا يقبل، ولا يسألهما الحاكم - هل كنتما معهم أم لا؟ هذا كما لو شهد احد الشريكين للآخر، وقال: هذا العبد بيننا - لا يُقبل، ولو شهد لشريكه بنصفه - يُقبل، وكذلك: لو شهد عدلان من الفقراء؛ أن فلاناً أوصى للفقراء بثلث ماله - يقبل ولو قالا: وصى لنا بثلثه - لا يقبل.
فصل في اجتماع الحدود
إذا اجتمع على واحد حدود من جنس واحد؛ وإنما يتصور ذلك في القذف، بأن يقذف جماعة بكلمات، فعليه لكل واحد حد لواحد - لا يقام عليه حد الآخر، حتى يبرأ جلده عن حد الأول.
أما إذا زنى مراراً - لا يجب عليه إلا حد واحدٌ، وكذلك: لو شرب مراراً، أو سرق مراراً - لا يجب عليه إلا حد واحد، وقطع واحد، ولو زنى مرة، فحد، أو شرب مرة،
فحد، ثم زنى أو شرب ثانياً - يحد ثانياً.
وإن ارتكب الثاني قبل أن يبرأ عن حد الأول - لا يقام الثاني ما لم يبرأ، ولو أن عبداً قذف رجلين - هل يوالي عليه بين الحدين؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يوالي عليه؛ لأنهما حدان؛ كما في حق الحر؛ لا يوالي بين الحدين.
والثاني: يوالي؛ لأنه ليس فيه إلا الموالاة بين ثمانين جلدة، وذلك لا يمتنع كما في حق الحر.
ولو اجتمع حدان، موجبهما مختلفٌ نظر: إن كان أحدهما قتلاً - يقام ما دونه أولاً، ثم يقتل في الحال - مثل إن وجب عليه حد شرب أو حد قذف وقتل بسبب ردة، أو رجم بسبب زنى - يقام عليه الحد، ثم يقتل للردة، أو يرجم للزنى في الحال.
وكذلك: لو اجتمع عليه قطع بسبب [سرقة أو قصاص] وقتل يقطع، ثم يقتل في الحال.
وإن كانت الحدود كلها دون القتل - لا يوالي بينهما، بل يُتأنى بينهما حتى يبرأ الأول؛ مثل: إن وجب عليه حد القذف، وحد الزنا، وهو بكرٌ - يقام عليه حد القذف، أولاً، ثم يترك حتى يبرأ، ثم يحد للزنى، وإنما قدمنا حد القذف؛ لأنه حق الآدمي، ومبناه على الضيق لشحه، وقيل: إنما قدمنا؛ لأنه أقل.
وإن وجب عليه حد القذف والشرب - يقام حد القذف أولاً، ثم إذا برأ - يقام حد الشرب، وقيل: يقدم حد الشرب؛ لأنه أقل، ثم إذا برأ - يقام حد القذف، والأول أصح، ولا فرق على الوجهين بين أن يتقدم القذف أو الشرب.
ولو وجب عليه جلد بسبب الشرب، أو الزنا [أو] قطع السرقة؛ سواء تقدم [الزنا] أو تأخر - يقدم الجلد، ثم يترك حتى يندمل، ثم يقطع.
ولو وجب عليه قطع اليد والرجل بسبب قطع الطريق - تقطع يده ورجله في مكان واحد؛ لأنه حد واحد؛ كما يوالي بين الجلدات في الحد الواحد، ولو أخذ المال في قطع الطريق، وقطع يسار إنسان يُقطع أولاً يساره قصاصاً، ثم يترك حتى يبرأ، ثم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وكذلك: لو سرق، وقطع يسار إنسانٍ - لا يوالي بين القطعين، بل تقطع يساره قصاصاً، ثم إذا برأ تقطع يمينه للسرقة.
ولو قطع يمين إنسان، وأخذ نصاباً فيقطع الطريق -تقطع بمينه قصاصاً، ويسقط قطعها عن قطع طريق، وتقطع رجله اليسرى في الحال، ولا ينتظر؛ لأن قطع العضوين بحد واحد، وإن كان مستحقاً علبه.
وكذلك: لو سرق، وأخذ المال في قطع الطريق، تقطع اليد والرجل في مكان واحد، وقيل: يؤخر قطع الرجل حتى تندمل اليد؛ لأن قطع اليد - وجب بغير سبب قطع الرجل؛ فهما سببان مختلفان، والأول المذهب.
وإذا قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى من إنسان في قطع الطريق، وأخذ المال - يقطع عن القصاص، ويسقط القطع بسبب أخذ المال.
وإذا اجتمع عليه حد القذف، والشرب، وحد الزنا، وهو بكر، وقطع اليد والرجل بسبب السرقة وقطع الطريق وقيل: القصاص يبدأ بحد القذف، ثم يترك حتى يبرأ، ثم يُحد للشرب، ويحبس، حتى يبرأ، ثم يحد للزنى، ويحبس حتى يبرأ، ثم تقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى بسبب السرقة، وقطع الطريق، ولا ينتظر بينهما، ثم يقتل في الحال قصاصاً، فإن مات - سقطت الحدود، لوولي القتيل الدية، وإن كان القتل الواجب مع هذه الحدود بسبب المحاربة- هل يجب التفريق بين هذه الحدود أم يجوز أن يُوالي بينهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب التفريق؛ كما لو كان القتل في غير المحاربة.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق -: يجوز أن يوالي بين الكل، بخلاف القتل في غير المحاربة فإنه غير متحتم، فإذا أتى ربما يعفو، فيسلم نفسه، والقتل في المحاربة، متحتم؛ فلا معنى للتفريق، وترك الموالاة.
وعند أبي حنيفة يقام عليه حد القذف، ثم يقتل فعنده: جميع الحدود تدخل في القتل إلا حد القذف، وفيه دليل على أن حد [القذف] حق للآدمي.
باب تحريم الخمر
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
ورُوي عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: [كل مسكر [خمر]، وكل
مسكر] حرامٌ" والخمر المتخذة من العنب والرطب - حرام باتفاق الأمة، يحد شاربه،
وإن شرب قطرة ويفسق ويكفر مستحله، وهي نجسة، لا يجوز بيعها، أما المطبوخ من غير العنب والرطب، أو المتخذ من التمر والزبيب ونقيع الحنطة والشعير: إن كان مسكراص - فهو عندنا خمرٌ نجسٌ؛ لا يحل شرب شيء منه، وإن قل.
وعند أبي حنيفة: يحل شرب قليله، ويحرم السكر منه.
والدليل على تحريمه: خبر ابن عمر وعن جابر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أسكر كثيره - فقليله حرام" وعن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أسكر
الفرق منه - فملء الكف منه حرام"، وعن ابن عمر قال: "خطب عمر على منبر
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة والشعير، والعسل".
والخمر: ما خامر العقل، وعندنا: إذا شرب منه شيئاً، وإن قل - يحد شاربه؛ سواء كان ممن يستحله أو لا يستحله، ولكن لا يكفر مستحله؛ لاختلاف العلماء فيه، وهل يُفسق؟ نظر: إن كان ممن يقول بإباحته - لا يفسق، ولا ترد شهادته، وإن كان ممن يقول بتحريمه - يُفسق، وتُرد شهادته؛ بخلاف الحد أقمنا على الفريقين؛ لأنه على الأمام، وتُرد
الشهادة [لارتكاب] محظور عقيدته، ومن يستبيحه لم يرتكب محظور عقيدته، فلم ترد شهادته، ودُردي الخمر حرام، يجب به الحد، وكذلك: لو كان ثخيناً، فأكله بخبز، أو شربها لدواء - يجب الحد، وعند أبي حنيفة: لا يجب الحد في هذه المواضع، ولو احتقن الخمر - لا يحد، ولو استعطه - ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحد؛ كما لو احتقن.
والثاني: يحد؛ لأنه يُطرب؛ كما لو شرب.
ولو شرب جاهلاً؛ بأن رأى في [كوز لم يظن] أنه خمرٌ، فشرب - لا حد عليه.
ولا يُحد الشارب حتى يقر بأنه شرب الخمر، أو شهد الشهود؛ أنه شربها قصداً، أو شرب من إناء شرب منه قوم، فسكروا - حينئذ يحد.
أما إذا رأوه سكرانا، أو وُجد منه ريح الخمر - فلا يحد؛ لاحتمال أنه كان مكرهاً عليه.
فصل في حد الخمر
رُوي عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشارب، فقال: "اضربوه، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: بكثوه، فبكثوه، ثم أرسله"، فلما كان أبو بكر - رضي الله عنه - سأل من حضر ذلك الضرب، فقوموا أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين حياته، ثم عمر، حتى تتابع الناس في الخمر، فاستشار، فضرب ثمانين.
ورُوي عن ثور بن يزيد الديلي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استشار في الخمر، فقال له عليُّ - رضي الله عنه-: أرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فجلد عمر - رضي الله عنه-في الخمر ثمانين".
حد شارب الخمر أربعون جلدة، إن كان حراً، وإن كان عبداً - فعشرون.
وعند أبي حنيفة يُجلد الحر ثمانين جلدة؛ لأن عمر جلد ثمانين.
والزيادة على الأربعين - عند الآخرين - كان على وجه التعزير أدى إليه اجتهاده؛ بدليل أنه لما آل الأمر إلى عليٍّ - رضي الله عنه - جلد أربعين.
ولو شرب مراراً، فلم يُحد لا يحد إلا أربعين، وتتداخل الحدود، فإن شرب، فحُد، ثم شرب ثانياً - يحد ثانياً.
ولو ضرب الشارب بالنعال وأطراف الثياب والأيدي قدر أربعين جلدة - جوز؛ وبالسياط يجوز؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - ضربوا بالسياط.
ولو جلد الإمام إنساناً في قذف أو زنى، فمات - لا شيء عليه.
ولو ضربه في الخمر، فمات [نظر: إن ضرب بالأيدي والنعال، وأطراف الثياب والصفع، فمات - لا يضمن، وإن جلده بالسياط أربعين - هل يضمن؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يضمن] كما في حد القذف، وكما لو ضرب بالأيدي والنعال.
والثاني: يضمن: لأنه كان بالاجتهاد، وكان بشرط سلامة العاقبة.
رُوي عن عليٍّ
-[رضي الله عنه]-
أنه كان يضرب أربعين، ويقول ليس احد أقيم عليه الحد، فيموت، فأجد في نفسي منه شيئاً الحق قتله إلا حد الخمر؛ فإنه شيءٌ رأيناه بعد النبي - صلى الله عليه وسمل - فمن مات منه - فديته: إما قال: في بيت المال، وما قال: على عاقلة الإمام.
ولو ضرب في الخمر ثمانين، فمات: إن قلنا: من مات في حد الشرب - يجب ضمانه-: ههنا: يجب تمام الدية وإن قلنا: لا يجب- فيجب نصف الدية؛ لأن نصفه حد؛ لا يجب ضمانه، ونصفه في حكم التعزير؛ فيجب ضمانه.
وإن جلد في القذف إحدى وثمانين، فمات - فلا قود، وكم يجب من الدية؟ فيه قولان:
أحدهما تجب نصف الدية؛ كما لو جرح نفسه عشر جراحات، وجرحه أجنبي جراحة واحدة، ومات منهما - يجب على الأجنبي نصف الدية؛ لأنه مات من مضمون وغير مضمون.
والثاني: يجب جزء من أحد وثمانين جزءاً من الدية؛ بخلاف الجرح؛ لأن نكاية الجراحة تكون في الباطن، وقد تكون نكاية جراحة [واحدة] أكثر من نكاية عشر جراحات، فاستويا، والضرب بالسوط يلاقي الظاهر؛ فقلما يقع التفاوت بين الضربات، فتوزع الدية على أعدادها، وكذلك: لو ضرب في الخمر أحداً وأربعين، فمات، وقلنا: لا يجب ضمان من مات في حد الخمر - فكم يجب من الضمان؟ فعلى قولين:
أحدهما: نصف الضمان.
والثاني: جزء من أحد وأربعين جزءاً من الدية.
وإذا أقام الإمام الحد على رجل بشهادة شخصين، فبانا عبدين، أو مراهقين، أو امرأتين، أو كافرين، أو فاسقين؛ فمات المحدود- تجب الدية.
وكل موضع أوجبنا الدية في خطإ الإمام - تكون على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه قولان:
أحدهما: على عاقلته كخطإ غير الإمام - تكون على عاقلته.
والثاني: تكون في بيت المال؛ لأن خطأ الإمام يكثر؛ فلو أوجبنا على العاقلة أدى إلى الإجحاف بهم.
فإن قلنا: تجب الدية على عاقلته - فتجب الكفارة في ماله، وإن قلنا: تجب الدية في بيت المال - ففي الكفارة وجهان:
أحدهما: تجب في بيت المال؛ كالدية.
والثاني: تجب في ماله؛ لأن الكفارة لا يجري فيها التحمل؛ بدليل أنها لا تجب على
العاقلة، فإذا ضمنت عاقلة الإمام أو بيت المال - فهل يرجع على الشاهدين أم لا؟ نظر:
إن بانا فاسقين فسقا مستتراً - لا يرجع؛ لأنهما يقولان: نحن صدقنا فيما قلنا، وإسرارُ الفسق كان واجباً علينا، وإن بانا عبدين، أو كافرين، أو امرأتين - فهل يرجع عليهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: لايرجع، كما لو بانا فاسقين.
والثاني: يرجع؛ لأن إظهار حالهما - كان واجباً عليهما، فإذا لم يظهرا- فقد فرطا؛ فضمنا.
فإن قلنا: [يرجع] يرجع على الكافر، والمرأة [في الحال] وفي العبد - يتعلق برقبته أم بذمته؟ فيه وجهان؛ أصحهما: [يتعلق بذمته؛ لأنه لم يمحض جناية، وهل يرجع على المراهق أم لا؟ [إن قلنا] يتعلق برقبة العبد - يرجع في مال المراهق، وإن قلنا: بذمة العبد - لا يرجع على المراهق أصلاً؛ كما لا يلزمه دين المعاملة.
وإن بانا فاسقين فسقاً ظاهراً - فهو ما لو بانا كافرين.
فكل موضع أوجبنا الضمان على الإمام: إما على عاقلته أو في بيت المال - فكذلك إذا باشر الإمام القتل أو الضرب بنفسه، أو أمر الجلاد به، ولم يعلم الجلاد خطأ، فإن كان الجلاد عالماً بخطئه - فالضمان على الجلاد، فلو قال الجلاد: إني علمت أن الإمام مخطيء، ولكني علمت بقول بعض العلماء - فعليه الضمان، لأنه لم يكن له الاجتهاد.
ولو أمر الإمام الجلاد بقتل رجل في موضع اجتهاد واعتقادهما أن لا قود عليهما؛ مثل: أن يأمر بقتل المسلم بالذمي، أو الحر بالعبد، فقيل: عليهما القود.
قال الشيخ - رحمه الله-: هذا على قولنا: إن أمر السلطان إكراه، ويجب القود على المُكرِه والمكرَه جميعاً، فلو قال الجلاد: إني ظننت أن الإمام رجع عن ذلك إلى قول من يوجب القود وأنه يأمر بحق - لا يسقط عنه القود بهذا؛ لأنه قصد قتلاً يعتقد تحريمه، ولو كان الجلاد يعتقد جواز قتله، والإمام يعتقد تحريمه - يجب القود على الجلاد؛ اعتباراً باعتقاد الإمام.
[ولو] أمر الإمام الجلاد بضربه، وقال: أنا ظالم في ضربه، فضربه الجلاد، مات إن قلنا: أمر السلطان ليس بإكراه - فالضمان على الجلاد، وإن قلنا: أمره إكراه: فإن قلنا:
لا ضمان على المكُرَه - فالضمان على الإمام، وإن قلنا: يجب الضمان على المُكرَه - فيكون عليهما نصفان، هذا إذا أمره الإمام جزماً، ولم يخوفه، فإن خوفه - فهو إكراهٌ، وإن قال: إن شئت، فافعل - ليس بإكراه؛ فالضمان على الجلاد.
ولو أمر الإمام الجلاد؛ بأن يضرب في القذف ثمانين؛ فضرب إحدى وثمانين، ومات - فالضمان على الجلاد، وكم يجب؟ فعلى القولين.
ولو أمره بأن يضرب في الخمر ثمانين، فجلد واحداً وثمانين، ومات المضروب.
فإن قلنا: الدية تُقسط على الضربات - تجعل الدية أحداً وثمانين جُزءاً فيسقط أربعون جزءاً لأجل الحد، ويجب على الإمام أربعون جزءاً؛ لأن الزيادة على الثمانين في حكم التعزير، ويجب على الجلاد جزء واحد.
وإن قلنا: يسقط على عدد الجناية - ففيه وجهان:
أحدهما تجعل الدية أثلاثاً، فيسقط ثلثها، ويجب ثلثها على الإمام، وثلثها على الجلاد؛ لأن مات بثلاثة أنواع من الضرب: اثنان مضمونان، وواحد غير مضمون، وهو ضرب الحد.
والثاني: يجمع بين المضمونين، فيجعل نصفان، فيسقط نصفها لأجل الحد، والنصف الآخر يكون على الإمام والجلاد نصفان.
ولو قال الإمام للجلاد: اضرب، وأنا أعد، فغلط الإمام، فزاد في العدد - فالضمان على الإمام، وفي قدره ما ذكرنا من الاختلاف.
فصل
قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] يجوز للزوج ضرب زوجته على النشوز، وعلى ترك واجب عيها ضرباً غير مبرح، وكذلك: يباح للمعلم ضرب الصبي للتأديب، ولكن يكون ضربهما بشرط السلامة، فإن ماتت الزوجة أو الصبي من الضرب، إن جاوز الحد في الضرب - يجب عليه القود، وإن لم يجاوز - فهو شبه عمدٍ؛ تجب به الدية على عاقلته مغلظة، والكفارة في ماله، ولا فرق بين أن يضرب الصبي بإذن أبيه، أو بغير إذنه.
وإن كان الصبي مملوكاً، فضربه المعلم ضرب مثله، فهلك - يضمن، وإن ضربه بإذن
مولاه - لا يضمن؛ لأنه لو أمره بقتله، فقتله -لا يلزمه الضمان.
ولو عزر الإمام رجلاً لحق الله تعالى، فمات - تجب الدية، وتكون على عاقلة الإمام أم في بيت المال؟ فعلى القولين، وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان؛ كما لو حده، فمات.
وأصله: أن التعزير عندنا غير واجب وعند أبي حنيفة واجب، كالحد.
قلنا: كم من مستحق للتعزير أعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - كالذي غل في الغنيمة، والذي لوى شدقه حين حكم لخصمه الزبير في شراج الحرة، وغير ذلك، ولو كان واجباً - لما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
رُوي عن عائشة - رضي الله عنها -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود".
وإن عزره لحق العباد، فمات - ففي وجوب الدية وجهان:
أصحهما: تجب؛ ما لو عزره لحق الله [عز وجل].
والثاني: لا تجب؛ لأنه تجب إقامته؛ إذا طلبه المستحق؛ لو مات في الحد.
ولو كان برجلٍ سلعةٌ، فقطعها صاحبها، أو قطع يده بسبب الأكلة، فمات - لا يعصي [الله]؛ لأنه قصد الإصلاح؛ بخلاف ما لو قطع يده بلا سبب - عصى الله تعالى.
لو قطع السلعة، أو الأكلة غيره، فمات - نظر: إن كان المقطوع منه عاقلاً بالغاً، وقطعها بإذنه- فلا شيء -على القاطع، وإن قطع بغير إذنه -يجب القود على القاطع، سواء قطعه السلطان أو غيره، وإن كان المقطوع منه صبياً أو مجنوناً - فلا يجوز قطعه، خوفاً من الهلاك، فإن قطع - نظر: إن قطعها غير الولي، فمات - يجب القود، وإن قطعها وليه أو السلطان - تجب الدية مغلظة في ماله، وهل يجب القود؟ إن كان القاطع غير الأب والجد - فيه قولان:
أحدهما: يجب القود؛ لأنه قطع ما لم يكن له قطعه.
والثاني: لا يجب؛ لأنه قصد الإصلاح لا الإهلاك.
وقيل: إن قطعه الأب - فلا ضمان عليه أصلاً؛ لأن ولايته أتم، فإنه يعالج الصبي بالفصد والحجامة، وقطع السلعة لشفقته.
فصلٌ: في بيان الختان
الختان واجبٌ، ويجب على العاقل البالغ أن يختن نفسه؛ رجلاً كان أو امرأة.
وعلى السيد أن يختن عبده أو يخلي بينه وبين كسبه؛ حتى يختن نفسه، فلو لم يختن الرجل نفسه، فختنه الإمام في وقت اعتدال الهواء، فمات - لا شيء على الإمام؛ ما لو أقام عليه حداً، فمات وإن ختنه في حر شديد، أو برد [شديد] فمات - تجب الدية في بيت المال، أو على عاقلة الإمام؟ على اختلاف القولين.
ولو ختنه أجنبي؛ فمات: قال الشيخ - رحمه الله-: يحتمل أن يبنى على أن الإمام لو ختنه في شدة الحر والبرد، فمات - هل يضمن؟! إن قلنا هناك يضمن للتعدي - فههنا يضمن؛ وإلا- فلا؛ بخلاف ما لو قطع في السرقة أجنبي، فمات - لم يضمن؛ لأن قطع السرقة على الغير، والختان إليه.
ولو ختن صبياً في سن لا يحتمل، فمات - يجب القود؛ سواء ختنه السلطان أو قيمه، فإن ختنه أبوه - فلا قود، وتجب الدية، وإن ختنه في سن يحتمل، وهو بعد عشر سنين، فمات -فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه الضمان؛ لأن الختان غير واجب على الصبي؛ كما لو قطع سلعة.
والثاني: لا يجب الضمان؛ لأن الختان واجب في الجملة.
فصلٌ: في التعزير
من أتى معصية لا حد فيها؛ كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، والسرقة من غير الحرز، وسرقة ما دون النصاب، وإيذاء الناس، والسب، والضرب، وما أشبه ذلك من المعاصي؛ فإنه يعزر بما يراه السلطان من تغليظ قول، أو حبس، أو ضرب، ولا يبلغ بالتعزير الحد؛ لأنه مجتهد فيه؛ فلا يبلغ به المقدر شرعاً؛ كالرضخ؛ لا يبلغ السهم، والحكومة لا تبلغ دية العضو.
وعن أي حد ينقص اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال - وهو الأصح-: تعزير كل شخص ينقص عن أقل حدود؛ فتعزير الحر لا يبلغ أربعين؛ لأنها أقل حدوده، وتعزير العبد لا يبلغ.
ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير ما عشرين؛ لأنه أقل الحدود.
ومنهم من قال: لا يبلغ أربعين؛ لأنها أقل حدود الأحرار؛ رُوي عن عمر - رضي الله عنه- في التعزير ما بين ثلاثين إلى أربعين.
ومنهم من قال تعزير كل جريمة ينقص عن حدها؛ كما أن حكومة كل عضو لا تبلغبدله المقدر؛ فتعزير الزنا بأن فاخذ أو باشر أجنبية فيما دون الفرج - يجوز أن يزاد على حد القذف ولا يبلغ مائة، وتعزير القذف؛ أن شتم أو رماه بخيانة - لا يبلغ ثمانين، ويجوز أن يُزاد على حد الشرب، وتعزير الشرب، بأن تشبه بالشرب، فأدار كأس الماء على الشرب إدارة كأس الخمر - لا يبلغ أربعين.
قال شيخنا - رحمه الله -: وقد صح عن أبي بردة بن سيار؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يثجلد فوق عشر جلدات، إلا في حد من حدود الله تعالى".
وقال رحمه الله - الأمر هكذا عند قلة الفساد؛ وحصول الزجر بهذا، أما إذا أكثر الفساد واستقل الناس هذا التعزير - فلا باس أن يزاد، ولايبلغ به الحد؛ كما ذرناه؛ كما أن عمر - رضي الله عنه - ضرب في الخمر ثمانين، فزاد أربعين؛ تعزيراً على الافتراء.
والحدود لا تُقام في المساجد، لما رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تقام الحدود في المساجد"، ولأنه لا يؤمن أن يتلوث المسجد بجرح أو بحدث يحصل من المحدود.
فلو أقيم في المسجد - سقط الحد؛ كما لو صلى في ثوب مغصوب - سقط الفرض عنه، وإن كان عاصياً بالغصب، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم