هريرة.
ويجوز في البنيان؛ لما روي عن ابن عمر قال: "ارتقيت فوق بيت حفصة، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته مستدبر القبلة، مستقبل الشام".
وقال الثوري، وأبو حنيفة: "لا يجوز الاستقبال، ولا الاستدبار؛ لا في الصحراء، ولا في البنيان".
والفرق بين الصحراء والبنيان [يعد الجيران] الصحراء، ولا تخلو عن مُصَلٍّ جني، أو إنسي، أو ملكٍ، فربما يقع بصر مثل على عورته، وأما الخشوش في الأبنية إنما تحضرها الشياطين، ولأن الأماكن تضيق في البنيان؛ فربما لا يمكنه تحريف كنيفه.
ونعني بالبنيان: ما يكون مسقفاً، أو محوطاً يمكن تسقيفه.
وإن كان في بستانٍ، فقعد بقرب الجدار، جاز الاستقبال والاستدبار.
وإن قعد بعيداً لم يجز.
ولو جعل في الصحراء بين يديه سترةً، وجلس قريباً منها مستقبل القبلة- جاز.
وينبغي أن تكون تلك السترة فوق سترة المصلي؛ بحيث تستر أسافل بدنه.
روي عن ابن عمر؛ أنه أناخ راحلته مستقبلاً القبلة، ثم جلس يبول إليها.
فقيل له: أليس قد نهي عن هذا؟
قال: إنما نهي عن ذلك في الفضاء؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك، فلا بأس.
ولا يستقبل بفرجه الشمس والقمر.
وإذا أحدث الرجل؛ نظر: إن كان حدثه نوماً، أو لمس امرأة، أو مس ذكراً، أو خرجت منه ريح- فلا استنجاء عليه.
وإن خرجت من أحد سبيليه عينٌ؛ نظر: إن كان ما يوجب الطهارة الكبرى؛ كالمني، أو [دم] الحيض، أو النفاس- فيجب به الغسل، ولا يغنيه الاستنجاء.
وإن كان مما يوجب الطهارة الصغرى؛ نظر: إن كان معتاداً؛ مثل: الغائط والبول- يجب عليه الاستنجاء؛ قلت النجاسة، أو كثرت؛ إما بالماء، [أو بالحجر].
ويجوز الاقتصار على أحدهما، والماء أولى؛ لأنه يزيل العين والأثر جميعاً، والحجر لا يزيل الأثر.
ولو جمع بينهما؛ فاستعمل الحجر أولاً، ثم غسل بالماء- كان أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: 108].
نزل في شأن أهل "قباء"؛ كانوا يتبعون الماء الحجر.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "لا معنى للاستنجاء بالحجر وجوباً، بل إن كانت النجاسة
قدر درهم بغلي وأقل- كان عفواً، ولا استنجاء عليه، وإن كانت أكثر؛ فيجب الغسل بالماء.
وإذا استنجى بالماء؛ يصب الماء بيمينه، ويدلك المحل بشماله، فإذا فرغ يستحب أن يمسح بشماله الأرض، ثم يغسلها؛ لما روي عن أبي هريرة قال: "كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا أتى الخلاء أتيته بماءٍ في [تورٍ أو ركوةٍ]؛ فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر؛ فتوضأ.
وفي الاستنجاء يبدأ بغسل قبله؛ كما في مسح الرأس؛ يبدأ بمقدم رأسه.
وإن خرج من أحد فرجيه غير المعتاد من دمٍ، أو قيحٍ، أو مذي- يجب عليه الاستنجاء.
وهل يجوز أن يقتصر على الحجر، أم لا؟
فيه قولان [ظاهران]:
أصحهما: يجوز؛ كما لو خرج المعتاد.
والثاني: لا يجوز ما لم يغسله بالماء؛ لأنه الأصل وجوب غسل النجاسات؛ غير أنه جوز الاقتصار على الحجر في المعتاد؛ لأنه يكثر ويتكرر، وخروج غير المعتاد يقع نادراً.
ولو خرج منه حصاةٌ، أو نواةٌ، أو خرج المعتاد يابساً، ولم يتلوث المحل؛ هل يجب الاستنجاء؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجب؛ كما لو خرجت منه ريحٌ.
والثاني: يجب تعبداً؛ كما لو حصل النقاء بحجرٍ واحد، يجب استعمال حجرين آخرين؛ تعبداً.
[قال القفال إذا استعمل الثالث وزالت النجاسة بالحجر، لا يجوز؛ لأنه أدى به للفرض]؛ فعلى هذا هل يجوز أن يقتصر على الحجر في خروج الحصاة والنواة؟ فيه قولان؛ لأنه غير معتادٍ.
ولو انسد المخرج المعتاد، وانفتح على بطنه مخرجٌ؛ يخرج منه الغائط والبول- نظر: إن انفتح دون المعدة، ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه؛ لأن الإنسان لابد له من مخرج حدثٍ.
وهل يجوز الاقتصار على الحجر؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ لأن الخارج معتادٌ.
والثاني: لا يجوز، بل يجب الغسل بالماء؛ وهو الأصح؛ لأن الخرج غير معتادٍ.
وإن انفتح فوق المعدة؛ هل ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه، [أو تقيأ خلاله]؟
فيه قولان:
أحدهما: بلى.
كما لو كان دون المعدة.
والثاني: لا ينتقض؛ لأن الوضوء إنما ينتقض بما أحالته المعدة، ثم انحط منها إلى المخرج.
وإن لم ينسد [المخرج] المعتاد، وانفتحت على بطنه ثقبةٌ يخرج منها المعتاد؛ فإن كانت فوق المعدة لا ينتقض الوضوء منه، وإن كانت دون المعدة فقولان:
فحيث قلنا: ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه، هل ينتقض بخروج غير المعتاد منه، وبخروج الريح، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما ينتقض؛ لأن كل مخرجٍ ينتقض الوضوء بخروج المعتاد منه- ينتقض
بخروج غير المعتاد منه؛ قياساً على المخرج المعتاد.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينتقض؛ لأنا نجعله كمحل الحدث في المعتاد خاصة، لضرورة أن الحيوان لا بد له من محلٌ حدثٍ، ولا ضرورة في غير المعتاد.
وكذلك هل يجب الوضوء بمس تلك الثقبة؟ وهل يجب الغسل بالإيلاج فيها؟
فعلى وجهين:
الأصح: لا يجب؛ كما لا يجب الحد بالإيلاج فيها، ولا يجب سترها عن الأبصار؛ فحيث قلنا: لا ينتقض الوضوء؛ فيجب غسل ذلك المحل بالماء.
وإن قلنا: ينتقض الوضوء؛ فهل يجوز أن يقتصر على الحجر؟ نظر: إن كان الخارج غير معتاد لا يجوز؛ لأن الخارج والمخرج جميعاً غير معتادٍ.
وإن كان الخارج معتاداً، فقولان:
إن اعتبرنا الخارج يجوز، وإن اعتبرنا المخرج لا يجوز، بل يجب الغسل بالماء.
وإذا بال أو تغوط، يجوز له الاقتصار على الحجر، وإن عدا المخرج، إذا لم يتفاحش، فإن تفاحش لا يجوز.
هذا هو المذهب.
وفيه قولٌ آخر: إذا عدا المخرج لا يجوز.
وفيه قول ثالث: يجوز ما لم يخرج إلى ظاهر الأليتين.
وعلى هذا القول يجوز في البول ما لم يجاوز الحشفة.
والأول أصح.
والمرأة في الاستنجاء من الخلاء كالرجل في البول، يجوز لها الاقتصار على الحجر، إن كانت بكراً.
وإن كانت ثيباً، فالغالب أنها إذا بالت تعدى البول إلى أسفل فرجها، فإن تحقق ذلك وجب الغسل بالماء، وإلا فيجوز الاقتصار على الحجر [والخنثى المشكل إذا خرج البول من أحد عضويه، فيجب عليه الغسل بالماء، ولا يجوز الاقتصار بالحجر] لاحتمال أن العضو الذي يمسحه بالحجر عضوٌ زائد.
وإذا خرجت النجاسة من غير الفرج يجب الغسل بالماء، فلو تغوط فقبل أن يستنجي بالماء قام حتى انضمت أليتاه- وجب الغسل بالماء؛ لتحول النجاسة عن المكان الذي لاقته عند الخروج، وكذلك لو لم يستنج حتى جف المحل وجب الغسل؛ لأن الحجر لا يقلع النجاسة بعد الجفاف.
ويجب في الاستنجاء استعمال الحجر؛ حتى يحصل النقاء؛ وهو ألا يبقى إلا أثر لاصق، لا يزيله إلا الماء.
ثم إن حصل ذلك بحجر، أو بحجرين- يجب إكمال الثالث؛ لقوله عليه السلام: "وليستنج بثلاثة أحجار".
وإن لم يحصل النقاء بثلاثة أحجارٍ، يجب أن يزيد، ثم إذا حصل النقاء بعد الثالث بشفع، يستحب أن يزيد واحداً؛ حتى يختم بالوتر، وإن لم يزد جاز؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "من استجمر فليوتر، ومن لا فلا حرج".
وقال مالك: "إذا حصل النقاء بأقل من ثلاثة أحجار- لا يجب إكمال الثالث؛ لهذا الحديث" [وعندنا هذا] فيما بعد الثالث؛ بدليل قوله عليه السلام: "وليستنج بثلاثة أحجار".
ولو استنجى بحجرٍ كبير في ثلاثة مواضع- كان كثلاثة أحجار.
واختلفوا في كيفية الاستنجاء بالحجر:
فقال أبو إسحاق: "يأخذ حجراً؛ فيضعه على مقدم صفحته اليمنى، ويديره إلى مؤخرها، ثم يأخذ الثاني؛ فيضعه على مقدم صفحته اليسرى، ويديره إلى مؤخرها، ثم يأخذ الثالث؛ فيمسح به المسربة".
وقال ابن أبي هريرة: "إذا فعل هكذا لا يكون ماسحاً جميع المحل بثلاثة أحجار، بل يأخذ حجراً؛ فيضعه على مقدم صفحته اليمنى على مكان طاهر، ويديره إلى مؤخر تلك الصفحة، ومن مؤخر صفحته اليسرى إلى مقدمها، ثم يأخذ الثاني؛ فيضعه على مقدم صفحته اليسرى، ويديره إلى مؤخرها؛ ومن مؤخر اليمنى إلى مقدمها، ويمر بالثالث على الصفحتين والمسربة".
وقيل: "يأخذ حجراً؛ فيضعه على مقدم المسربة، ويديره إلى مؤخرها، ويضع الثاني على مؤخرها، ويديره إلى مقدمها، ويحلق بالثالث".
[ولم ينقل العراقيون إلا الوجهين الأولين] وهذا كله بيان السنة.
فلو استنجى بثلاثة أحجارٍ كيف شاء؛ بحيث لا تنتشر، وحصل النقاء- جاز.
وإنما قلنا: "يضع الحجر على مكانٍ طاهر"؛ لأنه إذا وضعه على محل النجاسة نشرها، ولم يجز بعده إلا الغسل بالماء".
وإنما قلنا: "يدير الحجر"؛ حتى يرفع كل جزء طاهر من الحجر جزءاً من النجاسة فلو جرفه انتقلت النجاسة من محل إلى محل؛ فيجب بعده الغسل بالماء.
ويستنجي بشماله؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: "كانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى".
فلو استنجى بيمينه، كان مكروهاً، وسقط الفرض عنه؛ لأن الاستنجاء يحصل بالحجر؛ وهو صالحٌ للاستنجاء به.
وإذا بال، يجب أن يستبرئ بعده؛ وهو أن يمكث بعد البول ساعة، ويمشي خطوات، ويتنحنح، ويمر أصبعه على العرق الذي تحت أنثييه، ويجر ذكره بشماله؛ حتى يخرج ما فيه من بقية البول، ثم يمر ذكره على حجرٍ، أو ارض، أو جدارٍ في ثلاثة مواضع بشماله، فإن لم يجد إلا حجراً صغيراً أخذه بين عقبيه، فإن لم يمكنه أخذه بيمينه ويمر عليه قضيبه بشماله؛ بحيث لا يحرك يمينه؛ حتى لا يكون مستنجياً بيمينه فلو أمر القضيب على مكانٍ واحد مرتين يجب الغسل بالماء؛ لأن بعض ما زايله من النجاسة في المسحة الأولى يعود إليه في الثانية.
فصلٌ فيما يجوز به الاستنجاء
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وليستنج بثلاثة أحجار" ونهى عن الروث والرمة.
والاستنجاء لا يختص بالحجر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- لما نهى عن الروث والرمة دل ذلك على أن الحكم غير مقصورٍ على الحجر، بل يجوز بكل جامدٍ طاهرٍ قالعٍ غير محترم؛ كالمدر والخرف والخشب وغيرها.
ولا يجوز بمائع غير الماء، ولا بشيء رطب، ولا بشيء نجس؛ كالرجيع، وعظم الميتة ونحوها.
فلو استنجى بشيء منها لا يسقط الفرض عنه، ويجب الغسل بالماء؛ لأنه حدثت هناك نجاسةٌ أجنبية، ولا يجوز أن يستنجي بحجر قد استنجى به مرةً، إلا أن يغسل بالماء ويجفف.
ولو استنجى بالحجر الثاني والثالث، ولم يتعلق به شيءٌ من لوث- جاز الاستنجاء به.
ولو استنجى بشيء أملس من زجاجٍ، أو قصبٍ، أو حديدٍ أملس- لا يسقط الفرض عنه؛ لأنه لا يقلع النجاسة، ويجب الغسل بالماء؛ لأنه ينشر النجاسة.
ولو استنجى بمحترمٍ من مطعومٍ، أو ورق مصحفٍ، أو عضوٍ من أعضاء حيوانٍ يعصي الله تعالى، وهل يسقط الفرض عنه؟
إذا كان قالعاً فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه معصيةٌ.
والثاني: يسقط؛ لأنه قلع النجاسة.
فإن قلنا: لا يسقط، فلو استنجى بعده بالحجر يجوز؛ لأنه لم ينشر النجاسة ولم يزدها.
ولو استنجى بشيء مأكول ما في جوفه؛ كالجوز واللوز ونحوه- يكره، ويسقط الفرض عنه.
فإن زايله القشر؛ فاستنجى بقشره- لم يكره.
ولو استنجى بعظمٍ ذكي طاهرٍ، يعصي الله تعالى؛ لأنه مطعومٌ؛ روي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن".
ثم إن كان العظم عليه زهومةٌ لا يسقط الفرض عنه، ويجب الغسل بالماء لأنه لا يقلع النجاسة، بل ينشرها.
وإن كان قالعاً، فوجهان.
ولو استنجى بجلد طاهرٍ، فيه ثلاثة أقوال:
قال في رواية عن حرملة: "لا يجوز؛ لأنه في معنى الرمة".
وقال في رواية البويطي: "يجوز؛ لأنه طاهرٌ قالعٌ؛ كالحجر".
وقال في "الأم"- وهو الأصح-: "إن كان مدبوغاً يجوز؛ سواء كان جلد ذكي، أو جلد ميتةٍ؛ لأنه تحول بالدباغ عن طبع اللحم إلى طبع الثياب.
وإن كان جلد ذكي لم
يدبغ- لا يجوز؛ لأنه طعام؛ فإن الشاة قد تسمط؛ فيؤكل جلدها، فإن كان عليه شعرٌ يحول بين النجاسة والجلد، فاستنجى بالوجه الذي عليه الشعر- يجوز مع الكراهية".
ويجوز الاستنجاء بالقابس والفحم الصلب.
وقال في رواية البويطي: "ولا يستنجى بعظمٍ ولا حممةٍ، وقد جاء ذلك في الحديث".
قيل: أراد بالحمم': العظم المحترق.
وقيل: أراد بها: الفحم الرخو الذي يتناثر إذا أصابه غمزٌ فلا يقلع النجاسة، وأما التراب: فقد نص على أن الاستنجاء به؛ لأنه يلتصق بالمحل؛ فلا يقلع النجاسة.
وقيل: يجوز؛ لأن ما يلتصق بالمحل في المرة الأولى يتناثر في الثانية.
ولو بال أو تغوط ثم توضأ قبل الاستنجاء- يصح وضوؤه.
ولو تيمم قبل الاستنجاء، ففيه قولان:
أحدهما: [يصح] تيممه؛ كالوضوء.
والثاني- وهو الأصح-: لا يصح تيممه، بخلاف الوضوء؛ لأن الوضوء يراد لرفع الحدث؛ فجاز أن يرفع الحدث، وثم مانعٌ عن الصلاة؛ ولذلك جاز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت.
والتيمم يراد للصلاة؛ ولذلك جاز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت.
والتيمم يراد للصلاة؛ ولذلك لا يجوز لصلاة الوقت قبل دخول الوقت.
وإذا تيمم قبل الاستنجاء، لا يعقبه استباحة فلم يجز.
ولو تيمم وعلى بدنه نجاسةٌ في غير محل الاستنجاء- هل يصح تيممه؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ كما لو كان على محل الاستنجاء.
والثاني: يصح- وهو الأصح-؛ لأن النجاسة على البدن لا تزال إلا بالماء؛ وهو عادمٌ للماء، فلو لم يصح تيممه امتنع عليه أداء الصلاة، وفي محل الاستنجاء يمكنه أن يستنجي بالحجر، ثم يتيمم؛ حتى لو كان معه ما يكفي لإزالة النجاسة؛ فتيمم قبل غسلها- لم يصح تيممه؛ لإمكان إزالتها قبل التيمم.
وقال الشيخ أبو زيد: "التيمم قبل الاستنجاء صحيحٌ، ثم إن طلب الماء للاستنجاء، بطل تيممه، وغن استنجى بحجرٍ، ولم يطلب الماء لا يبطل تيممه.
باب الحدث
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ [أو] أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا... الآية﴾ [النساء: 43].
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة من أحدث؛ حتى يتوضأ".
نواقض الوضوء أربعةٌ:
- خروج الخارج من أحد السبيلين.
- والغلبة على العقل.
- ولمس الرجل المرأة.
- ومس الفرج ببطن الكف.
فإن خرج من أحد فرجيه شيء؛ معتاداً كان أو غير معتادٍ؛ عيناً أو ريحاً؛ خرجت من الدبر أو من القبل- ينتقض وضوؤه؛ حتى لو أدخل في [إحليله] قطنةً؛ فخرج قليل منها- أينتقض وضوؤه؟ وبالإدخال لا يبطل.
وقال ربيعة: "خروج غير المعتاد لا ينقض الوضوء"؛ وبه قال مالك، إلا في دم الاستحاضة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "خروج الريح من القُبل لا ينقض الوضوء، وإذا زال عقله بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو مرضٍ، أو سكرٍ- ينتقض وضوؤه، قل ذلك أو كثر؛ على أي حالٍ كان".
وقيل: "قل من يغمى عليه إلا وينزل، فإن تيقن الإنزال وجب الغسل، وإن لم يتيقن يستحب أن يغتسل، ولا يجب".
وأما النوم: فأوائله؛ وهو النعاس لا توجب الوضوء، فإن تمكن من النوم ينتقض وضوؤه، قل ذلك أم كثر؛ سواء كان في الصلاة، أو خارج الصلاة؛ على أي حال كان؛ قائماً أو ساجداً، إلا أن ينام قاعداً متمكناً بمقعدته من الأرض، فلا ينتقض وضوؤه؛ على ظاهر المذهب؛ سواء كان مستنداً، أو لم يكن؛ لأن النوم لا ينقض الوضوء بعينه، ولكن تسترخي به المفاصل، فيتيسر خروج الخارج منه، وهو لا يشعر، فنومه على هذه الصفة كان حدثاً، وإذا نام قاعداً، فلا يخرج منه شيء إلا هو يشعر به؛ فلم ينتقض الوضوء.
وقال في رواية البويطي؛ وهو اختيار المزي: "إنه ينتقض وضوؤه" وجعل النوم حدثاً
على أي حال كان؛ لما روي عن علي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "وكاء السه العينان؛ فمن نام فليتوضأ".
وهذا على ظاهر المذهب محمولٌ على غ ير حال القعود؛ لما روي عن أنسٍ قال: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ينتظرون العشاء؛ فينامون قعوداً؛ حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضوؤن.
فلو نام قاعداً فسقط؛ نظر: إن انتبه قبل أن زالت مقعدته- لم ينتقض وضوؤه وغن لم ينتبه حتى زالت مقعدته- ينتقض وضوؤه".
وقال مالك: "قليل النوم لا ينقض الوضوء".
وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن المبارك: "إذا نام على هيئةٍ من هيئات الصلاة- لا ينتقض وضوؤه، وإن لم يكن في الصلاة؛ حتى يستلقي أو يضطجع".
وللشافعي- رحمه الله- قول في القديم: "أن من نام في الصلاة، لا ينتقض وضوؤه".
فصلٌ في الملامسة
قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43].
قال عبد الله بن عمر: "قبلة الرجل امرأته، وجسها بيديه من الملامسة" فمن قبل امرأته، أو جسها بيديه؛ فعليه الوضوء.
وإذا لمس الرجل امرأته، أو أمته، أو أجنبية؛ وهو أن تصيب بشرته بشرتها، ولا حائل بينهما- ينتقض وضوؤه بأي عضوٍ؛ لمس بشهوة أو غير شهوةٍ؛ عمداً أو سهواً؛ وهو قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود.
وكذلك إذا لمسته المرأة، ينتقض وضوؤها؛ وهو قول الزهري، والأوزاعي، ومالك.
وفي الملموس قولان:
أصحهما: ينتقض وضوؤه؛ لأنهما يشتركان في ابتغاء اللذة؛ كما أنهما يستويان في وجوب الغسل عليهما بالجماع".
وقال في رواية حرملة: "لا ينتقض وضوء الملموس؛ لأن الفعل من اللامس دونه".
وقال الحسن: "لا ينتقض وضوؤه باللمس"؛ وهو قول ابن عباس.
وقال أبو حنيفة: "لا ينتقض إلا أن يتجردا، ويتعانقا، وينشر لها".
وقال مالك: "إن لمس بشهوة ينتقض، وإن كان وراء حائلٍ، وإن كان بغير شهوةٍ لا ينتقض".
وعندنا: وراء الحائل لا ينقض الوضوء؛ سواء كان الحائل رقيقاً، أو صفيقاً.
ولو لمس شعر امرأة، أو ظفرها، أو سنها- لا ينتقض الوضوء؛ لأن لا يلتذ بلمس الشعر والسن والظفر، إنما يلتذ بالنظر إليها.
ولو لمس امرأة من محارمه؛ بنسبٍ، أو رضاع، أو صهرته- فقولان:
أصحهما: لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الله - تعالى- سلب الشهوة عن قلوب الرجال على محارمهم؛ فهو كما لو لمس رجل رجلاً، أو امرأةٌ امرأةً.
والثاني: ينتقض؛ لظاهر القرآن.
فإن قلنا: بالأول، فلا ينتقض، وإن كان شهوةٌ؛ كما لو لمس رجلٌ رجلاً بشهوة.
ولو لمس صغيرةً أجنبية لا تشتهى، فعلى هذين القولين.
ولو لمس صغيرةً من محارمه، ترتب على الكبيرة: إن قلنا ثم: لا ينتقض وضوؤه، فها هنا أولى وإلا فوجهان.
والمذهب أنه لا ينتقض؛ لأنه اجتمع فيها سببان لسلب الشهوة: الصغر، والمحرمية.
ولو لمس عجوزةً لا تشتهى، أو امرأة ميتةً: قيل: فيه وجهان [وهو طريقة العراقيين] كالصغيرة.
وقيل- وهو الأصح-: ينتقض وضوؤه؛ كما لو لمس يداً شلاء من امرأة حيةٍ.
ولو لمس يداً، أو عضواً قطعت من امرأة- لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الحكم معلقٌ بلمس المرأة؛ وذلك العضو لا يسمى امرأةً.
فصلٌ في مس الفرج
روي عن بسرة بنت صفوان؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ".
وقالت عائشة- رضي الله عنها-: "إذا مست المرأة فرجها توضأت".
إذا مس رجل ذكر نفسه، أو ذكر غيره؛ من صغير أو كبير؛ حي أو ميت؛ قريب أو أجنبي، أو ذكراً سُل من حي؛ ببطن الكف، أو بطن الأصابع- ينتقض وضوؤه، ولا ينتقض وضوء الملموس؛ لأن الحكم علق باللمس، ولم يوجد ذلك من الملموس وكذلك المرأة إذا مست فرجها، أو فرج غيرها- ينتقض وضوؤها؛ وهو قول عمر، وابن عمر، وابن عباسٍ، وسعد بن أبي وقاصٍ، وجماعةٍ من التابعين.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وابن المبارك: "لا ينتقض الوضوء بمس الفرج"؛ وهو قول علي، وابن مسعود.
وقال مالك: "إن مس قصداً، ينتقض [الوضوء] ".
ولو مس بظهر الكف أو بالساعد- لا ينتقض ولو مس برؤوس الأصابع، أو بما بين
الأصابع- نظر: إن كان مما يلي بطن الكف ينتقض وإن مس بموضع الاستواء، فوجهان:
أصحهما: لا ينتقض.
ولو مس ببطن أصبعٍ زائدةٍ، فإن كانت على سنن الأصابع الأصلية ينتقض وضوؤه، وإلا فلا.
ولو مس بيده الشلاء، ينتقض [وضوؤه].
ولو كانت له كفان، فإن كانتا عاملتين؛ فبأيهما مس ينتقض وضوؤه.
فإن كانت إحداهما عاملةً، فإن مس ببطن العاملة ينتقض وإن مس ببطن الأخرى، لا ينتقض.
ولو مس أنثييه، أو أليتيه، أو أعجازه، أو عانته- لا ينتقض وضوؤه وكذلك لو مست المرأة ركبها: وهو ما ظهر من الفرج- لا ينتقض حتى تمس أحد طرفي فرجها.
ولو مس ذكراً مقطوعاً، أو قطع جزءاً منه؛ فمسه- فوجهان:
أصحهما: ينتقض وضوؤه؛ بخلاف ما لو مس يداً مقطوعة من امرأة؛ لأن لمس المرأة غير موجود هناك، وهاهنا مس الذكر موجود.
وكذلك لو مس البقية الباقية من مجبوبٍ، ينتقض.
ولو مس حلقة الدبر، ينتقض وضوؤه؛ على القول الجديد؛ وهو المذهب؛ لأنه أحد الفرجين؛ كالذكر.
وقال في القديم، وبه قال مالكٌ: "لا ينتقض".
ولو خلق لرجل ذكران، فإن كانا عاملين؛ فأيهما مس ينتقض وضوؤه.
وإن كان أحدهما عاملاً، فإن مس العامل ينتقض وضوؤه، وغن مس غير العامل لا ينتقض.
ولو مس فرج بهيمةٍ، لا ينتقض وضوؤه؛ لأنه لا حرمة لها؛ بدليل أنه لا يحرم النظر إليها، ولا يعتد عليها بوجوب التستر.
أما الخنثى المشكل: ففي مس الدبر كالواضح، أما في مس القبل، فيؤخذ في أمره باليقين، ويطرح الشك؛ فكل موضع يحتمل بقاء طهره، ويحتمل انتفاضه- لا يحكم بانتقاضه؛ حتى يتحقق قطعاً.
فإذا مس الخنثى ذكر نفسه، لا ينتقض وضوؤه؛ لاحتمال أنه
أنثى، وهذا عضوٌ زائد.
ولو مس فرجه، لا ينتقض؛ لاحتمال أنه ذكرٌ، وهو شقٌ زائدٌ.
ولو مسهما جميعاً، ينتقض وضوؤه، وكذلك لو خرج من أحد فرجيه شيءٌ، لا ينتقض وضوؤه؛ حتى يخرج منهما.
فإن خرج من أ؛ د فرجيه منيٌّ يجب الغسل؛ لأن خروجه من ثقبه غير الفرج يوجبه.
فلو مس الخنثى ذكره، وصلى الظهر، ثم مس فرجه وصلى العصر- يجب عليه إعادة صلاة العصر؛ لأن الحدث فيها يقينٌ، ولا يجب إعادة صلاة الظهر.
ولو مس ذكره، وصلى الظهر، ثم أحدث؛ فتوضأ ومس الفرج، وصلى العصر- لا يجب إعادة واحدة منهما.
وإن كان الحدث يقيناً في إحداهما لا بعينها، لأنهما حدثان أمضت كل واحدة منهما باجتهاد صحيح، فيقين الخطأ في إحداهما [لا بعينها] لا يوجب الإعادة؛ كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، لا يجب إعادة واحدة منهما.
فإن صلى صلوات بعد مس الذكر، ثم زال الإشكال، وبان أنه رجلٌ- يجب عليه إعادةُ تلك الصلوات؛ كما لو حكم بالاجتهاد، ثم بان النص بخلافه - يرد الحكم.
ولو مس رجلٌ ذكر الخنثى المشكل- ينتقض وضوء الماس؛ لأن الخنثى إن كان ذكراً، فقد مس ذكره، وإن كان أنثى فقد لمسها.
ولا ينتقض وضوء الخنثى؛ لاحتمال أنه رجل.
وإن مس رجلٌ فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤه، لاحتمال أن الخنثى رجل.
ولو مست امرأة فرج الخنثى ينتقض وضوؤها؛ لأن الخنثى إن كانت امرأةً، فقد مست فرجها، وإن كان رجلاً، فقد لمسته، ولا ينتقض وضوء الخنثى.
ولو مست المرأة ذكر الخنثى، لا ينتقض وضوؤها؛ لاحتمال [أنه أنثى.
ولو أن خنثيين؛ مس كل واحد ذكر صاحبه- لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال] أنهما امرأتان، وكذلك لو مس كل واحدٍ فرج الآخر؛ لاحتمال أنهما رجلان.
ولو مس أحدهما ذكر الآخر، ومس الآخر فرجه- ينتقض وضوء واحد منهما لا بعينه، وكل واحد يبني على يقين نفسه، ويصلي.
ولو مس خنثى ذكر خنثى، وفرج خنثى آخر- ينتقض وضوء الماس؛ كما إذا كان الممسوس واحداً.
ولو أولج خنثى ذكره في فرج- امرأة، أو دبرها- ينتقض وضوء المولج فيها
بالإخراج، ولا غسل عليها، ولا وضوء على الخنثى؛ لاحتمال أنه أنثى.
ولو أولج رجلٌ ذكره في فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثى رجلٌ.
ولو أن خنثيين أولج كل واحد ذكره في فرج الخنثى، لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثى رجلٌ.
ولو أن خنثيين أولج كل واحد ذكره في فرج الآخر- لا ينتقض وضوؤهما؛ لاحتمال أن الخنثيين رجلان.
ولو أولج كل واحدٍ ذكره في دبر الآخر- ينتقض وضوؤهما بالإخراج، ولا غسل على واحدٍ منهما؛ لاحتمال أنهما امرأتان.
ولو أولج هذا ذكره في دبر ذاك، وذاك في فرج هذا - ينتقض وضوؤهما؛ لأن أخس أحوالهما أن نجعلهما امرأتين؛ إذ لو قدرناهما رجلين، أو رجلاً وامرأة وجب الغسل عليهما؛ فكل موضعٍ لا يوجب الغسل عليه، لا يحكم ببطلان صومه وحجه، ولا يوجب على المرأة المولج فيها عدة، ولا يوجب لها مهراً.
قال الإمام إمام الأئمة: "والخنثى الذي حكمنا بزوال الإشكال في حقه؛ فإذا خرج من العضو الآخر له بولٌ، فهو كما لو خرج من ثقبةٍ على بطنه.
وإن كان مشكلاً فخرج من الفرجين شيء- ينتقض وضوؤه، وإن خرج من أحدهما، فكالخروج من الثقبة".
ولو أولج الخنثى ذكره في فرج امرأة أو دبرها، وأولج رجل في فرجه- وجب الغسل على الخنثى، وبطل صومه وحجه، ولا كفارة عليه في الصوم، إن لم يوجب على المرأة [إلا احتياطاً].
فصلٌ
خروج النجاسة من غير السبيلين- لا يوجب الوضوء؛ وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن المبارك: "إذا افتصد، أو احتجم، أو خرج دمٌ من موضع آخر؛ فسال، أو قاء ملء الفم- ينتقض وضوؤه.
والقهقهة لا تبطل الطهارة؛ وهو قول عامة أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: "القهقهة في الصلاة تبطل الطهارة، إلا في صلاة الجنازة".
وأكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أكل كتف شاةٍ، ثم صلى ولم يتوضأ.
وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "توضؤوا مما مست النار"- منسوخ.
قال جابرٌ: "كان آخر الأمرين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما غيرت النار".
وقال أحمد: "أكل لحم الجزور يوجب الوضوء"؛ وهو قول الشافعي في القديم؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم".
[وهذا عند الأكثرين
منسوخٌ، أو محمول على غسل اليد والفم.
خص به لحم الجزور؛ لأن له زهومةً ليست لغيره من اللحوم].
وحكى القاضي قولاً: أن أكل لحم الجزور يوجب الوضوء؛ وليس بمشهور.
والمستحب أن يتوضأ من الضحك في الصلاة، ومن الكلام القبيح؛ لما روي عن ابن مسعودٍ: "لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة- أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب".
وقالت عائشة: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء".
قال ابن عباس: "الحدث حدثان: حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان".
فصلٌ في الشك في الطهارة
روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً؛ فأشكل عليه؛ أخرج منه شيءٌ، أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد؛ حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً".
إذا تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فله أن يصلي؛ لأن الأصل بقاء الطهارة.
وإن وقع هذا الشك في الصلاة مضى في صلاته [ولا يجوز أن يخرج، ويبطل العبادة.
وقال مالك: عن وقع هذا الشك في الصلاة، مضى في صلاته].
وإن كان خارج [عن] الصلاة، فلا يصلي حتى يتوضأ.
والحديث حجةٌ عليه؛ لأنه لم يفصل بين الحالين، فلو شك في الحدث، وتوضأ على الشك، ثم بان أنه كان محدثاً- لم يصح وضوؤه؛ لأن وضوؤه لم يستند إلى أصل حدثٍ.
ولو تيقن الحدث وشك في الطهارة لا يجوز [له] أن يصلي حتى يتوضأ؛ لأن الأصل بقاء الحدث.
فلو توضأ، ونوى أنه كان محدثاً- فهو فرض طهارته، وغلا فهو تجديد وضوئه على الفرض؛ حتى لو زال شكه بعد ذلك، وتيقن الحدث لا يجب [عليه] إعادة الوضوء؛ لأنه استند إلى يقين حدثٍ.
ولو تيقن الطهارة، وتيقن أنه رأى رؤيا بعدها، ولا يذكر نوماً- فعليه الوضوء، ولا يحمل على النوم قاعداً؛ لأنه خلاف العادة.
وإن شك أنه كان رؤيا، أو حديث نفسٍ- فلا وضوء عليه؛ لأن الأصل بقاء الطهارة.
ولو تيقن الطهارة والحدث، ولم يدر أيهما كان أسبق- فينظر إلى الحالة التي قبلها: فإن كان في تلك الحالة متطهراً، فهو الآن محدثٌ؛ لأنه تيقن حدثاً رافعاً لتلك الطهارة، وشك في طهارة رافعةٍ لهذا الحدث، والأصل بقاء الحدث.
وإن كان في تلك الحالة محدثاً، فهو الآن متطهرٌ؛ لأنه تيقن طهارة رافعةً لذلك الحدث، وشك في حدثٍ رفع هذه الطهارة، والأصل بقاؤها.
ولو سمع من بين رجلين صوتُ حدثٍ، وكل واحد ينفيه عن نفسه، يجوز لكل واحد منهما أن يبني على يقين نفسه؛ فيصلي.
فلو اقتدى أحدهما بالآخر، فصلاة الإمام صحيحةٌ، وصلاة المأموم باطلة؛ لأنه ينفي الحدث عن نفسه، ويجعله في إمامه، ولا يصح الاقتداء بإمام هو عنده محدثٌ.
وإن كانوا جماعة؛ فسمع من بينهم صوت حدثٍ، وكل واحدٍ ينفيه عن نفسه، ثم أم كل واحد في صلاةٍ، واقتدى به الآخرون- فعلى كل واحد منهم إعادة آخر صلاة كان فيها مأموماً؛ مثلاً: كانوا خمسة [و] أم كل واحدٍ في صلاة من الصلوات الخمس، وبدؤوا بالصبح- فعلى إمام الصبح والظهر والعصر والمغرب إعادة صلاة العشاء، وعلى إمام العشاء إعادة صلاة المغرب؛ لأن كل واحد منهم إذا اقتدى بآخرٍ، كأنه ينفي الحدث عن نفسه، وعن إمامه؛ حتى يتعين في الآخر؛ فلا يمكنه نفيه عنه".
هذا قول ابن الحداد؛ وهو الأصح.
وقال صاحب "التلخيص": "صلاة الأئمة صحيحة، وعلى كل واحدٍ [منهم إعادة كل صلاةٍ كان فيها مأموماً؛ لأن لكل واحدٍ أن يجتهد في حدث نفسه، وليس [له] أن يجتهد في حدث الغير؛ لأنه لا علامة يتميز بها المتطهر عن المحدث".
أما إذا اجتهد خمسة نفرٍ في خمس أوانٍ؛ واحد منها نجس، واشتبه، وتوضأ كل واحد منهم بواحد، وأم كل واحد الباقين في صلاة؛ فعلى كل واحدٍ منهم إعادة آخر صلاةٍ كان فيها مأموماً بالاتفاق؛ لأن الاجتهاد في الأواني جائزٌ؛ فكأن كل واحد منهم اجتهد في إنائه وإناء إمامه؛ إلى أن تعينت النجاسة في الآخر.
وقيل: مسألة الأواني كمسألة الحدث على الاختلاف، إلا أن يجتهد كل واحدٍ في إناء إمامه؛ كما اجتهد في إناء [نفسه، وأدى] اجتهاده إلى طهارته، حينئذٍ لا يجب [إلا] إعادة آخر صلاةٍ كان فيها مأموماً [بالاتفاق].
ولو امتنع الخامس من أن يؤمهم في العشاء فصلوا خلف واحد منهم [ولو اختلف واحد من الأولين فعلى الخامس إعادة المغرب] ولا إعادة على الباقين.
ولو كان واحد من الأواني الخمس طاهراً، واشتبه؛ فاجتهد خمسة؛ واستعمل كل واحد منهم واحداً، ثم اقتدى بعضهم بالبعض يجب على المأمومين الإعادة بالاتفاق؛ لأن الطاهر فيها واحد، وكل واحد [منهم] يعين الطهارة فيما استعمله، فيكون اقتداؤه بمن يعتقد أنه استعمل النجس.
وإن كانوا خمسة، وسمع من بينهم صوتان- فهو كالصوت الواحد ما لم يعلم أنهما من شخصين، فإن علم أنهما من اثنين، أو كان خمس أوانٍ: اثنان نجسان؛ فاجتهد خمسةٌ، واستعمل كل واحد واحداً أو أم كل واحدٍ في صلاة، واقتدى به الآخرون- صح صلاةُ كل واحد خلف اثنين، وبطل خلف اثنين.
ولو كان النجس ثلاثة، جاز صلاةُ كل واحد خلف واحد، ولا تصح خلف ثلاثٍ.
باب ما يوجب الغسل
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا... الآية﴾ [المائدة: 6].
وروي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان- فقد وجب الغسل؛ وإن لم ينزل".
موجبات الغسل أربعة: اثنان يختصان بالنساء؛ وهما: الحيض والنفاس.
واثنان يشترك فيهما الفريقان:
أحدهما: الموت.
والثاني: الجنابة.
وغسل الجنابة يجب بأحد أمرين: إما نزول المني، أو تغيب الحشفة في الفرج؛ وإن لم ينزل.
والمني ماءٌ أبيض ثخينٌ، له رائحة كرائحة الطلع، يخرج بدفقةٍ ولذةٍ، تعقبه فترةٌ، وإذا يبس تكون رائحته كرائحة البيض وقد يرق [ويصفر] من المرض، ويحمر من كثرة الجماع.
ومني المرأة أصفر رقيق، فمن أيهما خرج بشهوةٍ، أو بغير شهوة- وجب عليهما الغسل.
وإذا خرج من غير الإحليل، يجب.
وقال أبو حنيفة: "إذا خرج لمرض، لا يجب الغسل".
وأما المذي: وهو رقيقٌ يخرج عند حركة الشهوة، والودي: ماء أبيض ثخين يخرج
بعد البول؛ فهما يوجبان الوضوء؛ كالبول.
روي عن علي- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل".
وإذا غيب حشفته في فرجٍ، أو دبرٍ من آدمي، أو بهيمة حي أو ميتٍ- وجب الغسل، وإن لم ينزل.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الغسل في البهيمة ما لم ينزل.
وإن غيب بعض الحشفة، لا يجب.
وإن كان مقطوع الحشفة؛ فغيب من الباقي بقدر الحشفة- وجب الغسل، وإن كان الباقي أقل من الحشفة، لا يجب.
ولو لف على ذكره خرقةً؛ فأولج- وجب.
ولو احتلم فلم ينزل، لا غُسل عليه، ولو احتلمت المرأة فأنزلت، وجب عليها؛ كالرجل؛ لما روي عن أم سلمة قالت: "جاءت أم سليمٍ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقالت: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسلٍ إذا احتلمت؟ قالت: "نعم، إذا رأت الماء".
ولو أمنى فاغتسل [ثم خرج] منه المني- وجب عليه إعادة الغسل؛ سواء كان بعد البول، أو قبله.
وقال الحسن، والأوزاعي: "إذا كان قبل البول، لا يجب إعادة الغسل؛ لأنه بقية مني، اغتسل منه مرةً".
ولو استدخلت امرأة مني رجل، هل يجب عليها الغسل؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يجب؛ لأنه لم يوجد جماعٌ، ولا نزول مني.
وقيل: يجب.
فعلى هذا: لا فرق بين أن تدخله في فرجها أو دبرها؛ كتغييب الحشفة.
وإذا خرج منها مني الرجل، لا غسل عليها؛ سواء حصل فيها بالاستدخال، أو بالجماع.
والاحتياط أن تغتسل إذا كان من جماعٍ؛ لأنه لا يؤمن من امتزاج المنيين.
ولو رأى على ثوبه أثراً لم يدر أنه منيٌّ أو مذيٌ: فإن اغتسل وصلى في ذلك الثوب- جاز؛ لاحتمال أنه منيٌّ، ولو توضأ وصلى فيه من غير أن يغسله- لم يجز؛ لأنه إن كان مذياً فهو نجس، وغن كان منياً فيجب عليه الغسل.
وكذلك لو توضأ، وترك فيه الترتيب- لا يجوز، والاحتياط: أن يغتسل، ويرتب أعضاء وضوئه، ويغسل الثوب.
وقال عطاء، والشعبي، والنخعي: "إذا رأى بلةً وجب الغسل، وإن لم يتيقن أنه منيٌّ".
ولو رأى على ثوبه منياً، ولا يذكر إنزالاً؛ نظر: إن احتمل أنه أصابه من غيره، بأن كان يلبسه غيره- فلا غسل عليه، ويستحب أن يغتسل؛ لاحتمال أن يكون منه.
وإن لم يحتمل من غيره، فعليه الغسل، وإعادة الصلوات من آخر نومةٍ نامها فيه، والاحتياط أن يعيد من أول نومةٍ نامها فيه.
وإن لم يكن صلى فيه بعد النوم، اغتسل، ولا يجب قضاء الصلاة، وكذلك إن لم يكن [نام فيه، اغتسل لما يستقبل].
أما غسل الحيض والنفاس يجب بخروج الدم؛ لأن الغسل [المتعلق بالخارج يتعلق بطهوره؛ كغسل الجنابة] يجب بخروج المني.
ووقت جوازه: انقطاع الدم؛ كالوضوء يجب بخروج لحدث، ووقته القيام إلى الصلاة، كالوطء يوجب العدة عند الطلاق.
ولو ولدت امرأة ولم تر الدم، يجب عليها الغسل على ظاهر المذهب؛ لأن الولد من منيهما؛ وخروج المني يوجب الغسل.
وقيل: لا يجب؛ لأنها لم تر الدم.
وكذلك هل يفسد به الصوم؟
فعلى وجهين:
ولو ألقت علقةً، هل يجب عليها الغسل؟
فوجهان:
أصحهما: يجب؛ كالمضغة ولو أجنبت حائضٌ فلا فائدة لغسلها، إلا على قول من يجوز للحائض قراءة القرآن.
قال الشيخ إمام الأئمة: "ويستحب أن تغتسل؛ تنظيفاً".
وإذا أراد الجنب النوم، أو الأكل، أو الشرب قبل الغسل- يجوز، ويستحب أن يغسل فرجه، ويتوضأ، وكذلك إذا أراد العود؛ لما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا كان جنباً، فأرد أن يأكل أو ينام- توضأ للصلاة".
وأما الحائض: فلا يستحب لها الوضوء للأكل، والشرب، والنوم؛ لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهان ويؤثر في حق الجنب؛ فإنه يرفع الجنابة عن أعضاء وضوئه.
فصل
روي عن قيس بن عاصمٍ، أنه أسلم؛ فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يغتسل بماءٍ وسدرٍ".
إذا أسلم كافر، ولم يكن وجب عليه الغسل في حال كفره- يستحب له أن يغتسل، ولا يجب؛ لأن خلقاً كثيراً أسلموا، ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم- أحداً منهم بالاغتسال.
وقال مالك: "يجب الغسل للإسلام، ولو وجب عليه الغسل، واغتسل في حال كفره- يجب عليه إعادة الغسل بعد الإسلام؛ لأن الغسل قربةٌ لا تصح من الكافر؛ كالوضوء.
وقال أبو بكر الفارسي: "لا يجب إعادة الغسل [بعد الإسلام]؛ لأن غسل الكافر
صحيح؛ بدليل أن الذمية إذا طهرت من الحيض تحت مسلم؛ واغتسلت- جاز للزوج غشيانها".
والأول [أصح و] هو المذهب، وليس إذا صح غسلها لحق الزوج ما يدل على أنه يجوز أن تصلي به؛ كالمجنونة إذا طهرت من الحيض، وغسلها زوجها- جاز له غشيانها، وإذا أفاقت يجب عليها إعادة الغسل.
ولو توضأ كافر أو تيمم، ثم أسلم- لا يجوز أن يصلي [به] حتى لو أن ذميةً طهرت من الحيض؛ فتيممت عند عدم الماء لغشيان الزوج، ثم أسلمت قبل أن يصيبها الزوج- لا يجوز أن تصلي به.
ولو اغتسل مسلمٌ أو توضأ، ثم ارتد، ثم أسلم- لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء.
وقال أبو بكر الفارسي: "يجب إعادة الوضوء، ولا يجب إعادة الغسل".
ولو تيمم، ثم ارتد، ثم أسلم؛ هل يجب إعادة التيمم؟
وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ كالوضوء.
والأصح: أنه يجب؛ لأنه أضعف، ومن شرطه أن تعقبه العبادة.
ولو اغتسل أو توضأ [صبي] يعقل عقل مثله، ثم بلغ- لا إعادة عليه.
ولو تيمم، ثم بلغ؛ فوجهان:
أصحهما: لا إعادة عليه؛ بدليل أنه لو صلى بذلك التيمم قبل البلوغ، ثم بلغ- والوقت باقٍ- جازت صلاته؛ فكذلك إذا صلى بعد البلوغ.
فصلٌ في الاغتسالات المسنونة
روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل".
وعن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم".
وأراد بالمحتلم: البالغ، والمراد من الوجوب: وجوب الاختيار.
غسل الجمعة سنة في حق من يريد حضور الجمعة دون من لا يريد حضورها، بخلاف غسل العيد؛ فإنه سنةٌ في حق الكافة من النساء والعبيد والصبيان؛ لأنه لإظهار السرور، وهو عام.
وغسل الجمعة لإزالة الرائحة الكريهة؛ حتى لا يتأذى به من بقربه؛ فيختص بمن يريد الحضور.
وعند مالكٍ: غسل الجمعة واجبٌ.
والدليل على أنه غير واجب: ما روي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من توضأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل".
قوله: "فبها ونعمت" أي: بالسنة أخذ، ونعمت الخصلة.
ويستحب أن يغتسل للجمعة حالة الرواح إلى الجمعة، فلو اغتسل بعد طلوع الفجر الصادق- يحسب، ولو اغتسل قبله، لم يحسب؛ بخلاف غسل العيد يحسب؛ على أصح القولين قبل طلوع الفجر الصادق عند السحر؛ لأن صلاة العيد تؤدى في أول النهار، فإذا اغتسل قبل طلوع الفجر، يبقى أثره إلى وقت الصلاة.
وصلاة الجمعة تؤدى بعد الزوال؛ فلا يبقى أثره.
وفيه قول آخر: أن غسل العيد أيضاً لا يحسب، إلا بعد طلوع الفجر؛ كغسل الجمعة.
والأول أصح.
ولا يصح الغسل إلا بالنية؛ فلو وافق يوم الجمعة يوم العيد؛ فاغتسل لهما غسلاً واحداً- يكفي، ولو نوى أحدهما، حصل الثاني.
وإن كان جنباً؛ فنوى غسل الجنابة
والجمعة والعيد- حصل الكل، ولو نوى غسل الجمعة والعيد، لم يخرج عن الجنابة.
وهل يحسب عن غسل الجمعة والعيد؟ وجهان.
ولو نوى غسل الجنابة، ولم ينوِ غسل الجمعة- خرج عن الجنابة، وهل يحسب عن غسل الجمعة والعيد؟
فيه قولان:
أصحهما: يحسب؛ كمن دخل المسجد، وصلى فرضاً، يحسب عن تحية المسجد.
والغسل من غسل الميت، والوضوء من مسه- سنةٌ؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" ويروى: "من مسه فليتوضأ" والمراد من الحمل: المس أيضاً.
وقيل: لا يؤمر من مسه بالوضوء، وتأول الحديث على مس الفرج منه، أو أراد بقوله: "من حمله فليتوضأ" أي: من أراد حمله، فليتوضأ من قبل؛ حتى يكون بصفة يمكنه الصلاة عليه.
والاغتسالات المسنونة ستة عشر: غسل الجمعة، والعيدين، والخسوفين، والاستسقاء، والغسل من غسل الميت، وغسل الكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق.
وسبع اغتسالات في الحج: الغسل للإحرام، ولدخول "مكة"، وللوقوف بـ"عرفة"، وللوقوف بـ"مزدلفة" غداة يوم النحر، وثلاث اغتسالات لرمي أيام التشريق؛ لأن هذه المواضع يجتمع لها الناس، فاستحب لها الغسل.
ولم يذكر الغسل لرمي جمرة العقبة؛ لأنه [قد] اغتسل يومئذٍ للعيد، وللوقوف بـ"مزدلفة" ولأن وقته موسعٌ من [نصف] الليل إلى آخر النهار، ولا يجتمع لها الناس في وقت واحد.
وزاد في القديم: "الغسل لطواف الزيارة، وطواف الوداع".
وتغتسل الحائض جميع هذه الاغتسالات، إلا غُسل الطواف؛ فإنها لا تطوف.
وقال في القديم: "وتغتسل من الحجامة والحمامة.
أما الحجامة: فقد ورد فيه أثرٌ.
وأما [من] الحمام قيل: أراد به إذا [تنور] تغتسل، وغلا فلا".
وقيل: الاختلاف الأيدي في ماء الحمام.
[و] قال الشيخ [إمام الأئمة: "المراد] من الغسل للحمام عندي: أن يدخل الحمام فيعرق؛ فيستحب ألا يخرج من غير غسلٍ، ويستحب لمن أراد مقاربة الناس، والاجتماع معهم- أن يغتسل ويتنظف ويتطيب، لئلا يتأذى بقربه أحدٌ".
وآكدُ الاغتسالات المسنونة غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت.
وفيهما قولان:
أصحهما وهو اختيار المزني-: غسل الجمعة؛ لأن الأخبار فيه أصح.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوبه.
باب كيفية الغسل
روي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بغسل بدنه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم يغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثياتٍ".
فرضُ الغسل شيئان: النية، وغسل جميع البدن كيف شاء، والسنة أن يبدأ؛ فيسمى الله تعالى، ويغسل يديه ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل فرجه وما عليه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة.
وهل يستحب تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل؟
فيه قولان:
أحدهما: لا يؤخر؛ وهو ظاهر رواية عائشة.
والثاني: يؤخر؛ وهو رواية ميمونة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه أخر غسل الرجلين؛ وبه قال أبو حنيفة.
ثم إن كثر شعر رأسه، يدخل أصابعه العشر في الماء؛ فيخلل بها أصول شعره؛ حتى
يبتل، فيتيسر وصول الماء إلى باطنها.
ثم يصب الماء على رأسه [ثلاث] حثيات من ماءٍ بيديه ولا يجب نقضُ الضفائر إذا وصل الماء إلى باطنها من غير النقض، فإن لم يصل إلا بالنقض، يجب أن ينقضها؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "تحت كل شعرةٍ جنابةٌ؛ فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر".
وعند مالك: لا يجب نقض الضفائر، ولا إيصال الماء إلى ما تحت الشعور الكثيفة، والحديث حجةٌ عليه.
ثم يفيض الماء على سائر جسده ويبدأ بميامنه، ويستحب إمرار اليد على ما أمكنه من جسده، ولا يجب.
وقال مالك: "يجب".
ويجب إيصال الماء إلى باطن الأذنين والغضون وبواطن الشعور الكثة، ولا يجب إدخال الماء في العينين.
ولو ترك المضمضة والاستنشاق فقد أساء ويجزيه، ويستحب أن يعيد المضمضة والاستنشاق.
وغسل المرأة من الحيض والنفاس كغسل الجنابة، إلا أنه يستحب لها في غسل الحيض والنفاس أن تأخذ فرصةً من مسكٍ [على قطنة]؛ فتدخلها في فرجها؛ لإزالة تغير حصل من الدم؛ [لما] روي عن عائشة قالت: "جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- تسأله عن الغسل من الحيض فقال: "خذي فرصة من مسكٍ، فتطهري بها.
فقالت: كيف أتطهر بها؟ قالت عائشة: " [فقلت]: تتبعي بها آثار الدم".
فإن لم تجد مسكاً، فطيباً آخر، وإن لم تجد فالماء كافٍ.
ويجب على المرأة الثيب في الغسل إيصال الماء إلى محل الافتضاض، وما يبدو منها عند القعود؛ لأنه صار في حكم الظاهر؛ كالشقوق على الرجل؛ بخلاف الفم والأنف، لا يجب إيصال الماء إلى [باطنهما لأنهما] على الحالة الأولى.
وقيل: لا يجب إيصال الماء إلى باطن الفرج، وهذا على قول من يجعل بلل باطن الفرج نجساً.
وقال: لأنه تزداد النجاسة إذا غسلته.
وقيل: يجب في غسل الحيض والنفاس؛ لإزالة الدم، ولا يجب في غسل الجنابة؛ كباطن الفم، يجب غسله إذا نجس، ولا يجب غسله في غسل الجنابة.
فصل
روي عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنبٌ" فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة.
قال: يتناوله تناولاً".
ويكره الاغتسال في الماء الدائم، فلو اغتسل فيه؛ نظر: إن كان الماء قدر قلتين يدفع الجنابة عنه، ولا يصير الماء مستعملاً، وإن اغتسل فيه جماعة.
فإن كان الماء أقل من قلتين؛ نظر: إن انغمس فيه ثم نوى، خرج عن الجنابة، وإذا خرج يصير الماء مستعملاً، وإن نوى ثم انغمس فيه.
[فقد] صار الماء مستعملاً.
وهل يخرج عن الجنابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يخرج؛ لأن الماء صار مستعملاً؛ بملاقاة أول جزء من بدنه.
والثاني- وهو الأصح-: أنه يخرج من الجنابة؛ لأن الماء ما دام يتردد على العضو، لا يحكم باستعماله ما لم ينفصل.
ومن قال: بالأول، قال: ذاك إذا ورد الماء على المحل.
وأما إذا أورد المحل على الماء القليل، فلا.
كما في غسل النجاسات.
ولو قعد فيه إلى سرته ثم نوى ثم مقل فيه- ترتفع الجنابة عما دون سرته.
وفيما فوقها وجهان:
الأصح: [ترتفع].
ولو انغمسا في ماء قليل، ثم نويا معاً، خرجا عن الجنابة.
ولو انغمس فيه أحدهما، ونوى، ثم انغمس فيه الثاني قبل خروج الأول- ترتفع الجنابة عن الأول.
وفي الثاني وجهان:
أحدهما: ترتفع؛ لأن الماء لم ينفصل (عن) الأول، فلا يحكم باستعماله.
والثاني- وهو الأصح-: لا ترتفع؛ لأن ما يتصل بالثاني في حكم المنفصل عن الأول.
قال الشيخ إمام الأئمة (رحمة الله عليه): فإن قلنا بالوجه الأول؛ فلو خرج أحدهما قبل الثاني، فلا يحكم بالاستعمال في حق الثاني، وكذلك لو شرعا معاً ثم خرج أحدهما- لا يحكم بالاستعمال في حق الثاني ما لم يخرجا.