التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 235-239

فإن قلنا: يبطل، فإذا بريء، عاد وبنى، فإن مكث بعد البرء، وجب الاستئناف.
فإذا جوزنا البناء، فزمان خروجه لا يكون محسوباً من مدة الاعتكاف.
ولو جُن أو أغمي عليه؛ فأخرج من المسجد، لم يبطل اعتكافه؛ لأنه لم يخرج باختياره، وكذلك لو حمل العاقل؛ فأخرج مكرهاًن فإذا أفاق وأطلق بنى.
ولو خرج ناسياً، لم يبطل، كما لا يبطل الصوم بالأكل ناسياً أو أكره؛ حتى خرج، فعلى قولين.
ولو أخرجه السلطان؛ نظر: إن أخرجه لإقامة حد ثبت عليه بإقراره، أو لدين هو قادر على أدائه وهو مماطل - بطل اعتكافه.
وإن ثبت عليه حد بالبينة؛ فأخرجه لإقامته، فهل يبطل اعتكافه؟ فيه وجهان.
وإن أخرجه ظُلماً فعلى قولين كالمكره.
وكذلك عن خاف من شيء؛ فخرج، أو خاف من الم؛ فخرج واستتر فيه قولان.
ولو سكر المعتكف، ثم أفاق نص الشافعي على أنه يستأنف.
وقال: لو ارتد ثم عاد،

بنى على اعتكافه؛ فقيل: فيهما قولان، وليس بصحيح.
واختلفوا فيه منهم من قال: لا يبطل فيهما الاعتكاف إذا لم يخرجا من المسجد.
وقوله في السكر: يستأنف، أراد به: إذا خرج أو أخرج لإقامة الحد عليه.
ومنهم من قال: قوله في الردة: يبني، أراد به: إذا ارتد ساعة يسيرة، ولم يطل.
وإن طال زمان الردة استأنف، وزمان السكر يمتد؛ فيجب الاستئناف.
وهذا لا يصح؛ لأن ما يبطل الاعتكاف لا فرق بين قليله وكثيره؛ كالخروج من المسجد.
ومنهم من قال- وهو الصحيح-: يبطل اعتكافه في الموضعين جميعاً؛ خرج من المسجد، أو لم يخرج؛ لأن السكران خرج عن أن يكون من أهل المسجد، قال الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] وأراد مواضع الصلاة، والمرتد خرج من أن يكون من أهل العبادة.
ونصه في الردة فيما إذا لم يكن اعتكافاً متتابعاً؛ بأن نر اعتكاف عشرة أيام مطلقاً؛ فاعتكف خمسة أيام، ثم ارتد - والعياذ بالله عز وجل - فإذا عاد، لا يجب إعادة ما اعتكف.
ونصه في السكر في الاعتكاف المتتابع.
ومنهم من فرق على ظاهر النص؛ فقال: السكران يستأنف؛ لأنه ممنوع من المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] والمرتد إذا عاد بنى؛ لأن الكافر ممنوع من المسجد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحبس الأسارى في المسجد فكل موضع جوزنا له الخروج للعذر، ولم يبطل اعتكافه، فإذا زال العذر، فعليه أن يعود، فإن لم

يَعُدْ بطل اعتكافه.
وكل موضع أبطلنا اعتكافه، يجب عليه الاستئناف بنية جديدة.
وإن لم يبطل اعتكافه وجوزنا البناء؛ فإن [كان] خروجه لأمر لابد منه، وكان يسيراً؛ كقضاء الحاجة، والاغتسال، والأذان- فلا يجب تجديد النية إذا عاد، وإن طال فعلى وجهين.
قال الشيخ: البناء على الوضوء.
ولا يجوز للمعتكف أن يجامع امرأته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فلو جامعها عالماً، عصى الله - عز وجل - وبطل اعتكافه؛ سواء جامع في المسجد، أو خرج لقضاء الحاجة؛ فجامع.
ولو جامع ناسياً، لا يبطل اعتكافه؛ كما لا يبطل صومه.
ولو لمسها بغير شهوة، يجوز؛ فإن عائشة كانت تُرجل رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو معتكف.
ولو لمسها بشهوة، أو قبلها، أو باشرها فيما دون الفرج فهو حرام على المعتكف.
وهل يبطل بها اعتكافه؟ فيه قولان: أحدهما - وهو الأصح -: يبطل بها الاعتكاف؛ لأنها مباشرة محرمة في الاعتكاف فيبطل الاعتكاف؛ كالجماع.
والثاني: لا يبطل؛ لأنها مباشرة لا تبطل الحج؛ فلا تبطل الاعتكاف؛ كالقبلة بغير الشهوة.
واختلفوا في محل القولين: منهم من قال: محل القولين إذا لم ينزل الماء فإن أنزل بطل؛ ما يبطل الصوم بالإنزال.
ومنهم من قال: محل القولين إذا أنزل فن لم ينزل فلا يبطل به الاعتكاف؛ كما لا يبطل الصوم.
ومنهم من قال: أنزل أو لم ينزل، ففيها قولان.
ولو استمنى إن قلنا: إذا أنزل باللمس لا يبطل اعتكافه، فهاهنا أولى، وإلا فعلى وجهين: وكل موضع لزم المعتكف غسل الجنابة إما من احتلام، أو من جماع ناسياً، أو باشر دون الفرج؛ فأنزل، وقلنا: لا يبطل اعتكافه، فمكث في المسجد، يعصي الله عز وجل، ولا يحسب زمان الجنابة عن الاعتكاف، وكذلك زمان السكر إذا لم يخرج عن المسجد؛ لأنهما ممنوعان عن المسجد قال الله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] يعني: موضع الصلاة، إلى أن قال: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43]

وقيل: تحسب فيهما؛ لأنه ليس فيه إلا أنه عاصٍ؛ ما لو أكل حراماً.
وقيل: لا يحسب زمان الجنابة، ويحسب زمان السكر، لأن عصيان الجُنب لأجل المُكثِ في المسجد، وعصيان السكر ليس لأجل المُكث، بل لشرب الخمر.
والأول المذهب؛ حتى لو نذر اعتكافاً؛ فاعتكف جنباً، لا يحسب، كما لو نذر أن يقرأ القرآن؛ فقرأ جنباً، لا يحسب نذر؛ لأن النذر للقربة، وما يفعله معصية.
وقال الشيخ: والمرأة المعتكفة إذا حاضت ولم تخرج، لا يحسب زمان الحيض، وكذلك إذا ارتد، ولم يخرج؛ لأن المرتد ليس من أهل العبادة.
وإذا نذر اعتكاف يوم بعينه؛ فمنعه سلطان، أو نذرت المراة؛ فمنعها زوجها؛ حتى مضت المدة - لا قضاء عليها؛ كما لو نذرت صوم يوم بعينه؛ فحاضت فيه، لا قضاء عليها، ولا فدية.
وإذا نذر اعتكافاً متتابعاً، وشرط الخروج لعارض، مثل: أن قال: أخرج لعيادة مريض، أو لصلاة الجنازة - صح نذره، وله أن يخرج للأمر الذي استثناه؛ كما يخرج لقضاء الحاجة؛ لأن المستثني شرطاً كالمستثني شرعاً.
فإذا خرج لذلك الأمر، فإذا عاد، هل يحتاج إلى تجديد النية؟ فيه وجهان: وإذا مكث بعد قضاء ما استثناه بطل اعتكافه.
وإذا خرج لما استثناه، هل يجب قضاء زمان الخروج؟ نظر.
إن كان اعتكف عشرة أيام بعينها، لا يجب لمن ينذر اعتكاف ذلك القدر، وإن نذر اعتكاف عشرة متتابعة لا بعينها، يجب قضاؤه؛ وإن خرج لما لابد منه؛ كالغائط، والبول لا يجب قضاؤه.
ولو نذر صلاة، وشرط أنه إن عرض له عارض كذا، خرج، هل ينعقد؟ فيه وجهان: الأصح: أنه لا ينعقد؛ كما لو شرع في الصالة بهذا الشرط لا ينعقد.
لو نذر صوماً، وشرط أنه إن أضافه إنسان، أو جاع أكل - ففيه وجهان: أحدهما: ينعقد؛ كالاعتكاف.
والثاني: لا ينعقد؛ الصلاة، بخلاف الاعتكاف؛ لأن اعتكاف بعض النهار يجوز، ولا يجوز صوم بعض النهار.
ولو نذر حجاً، وشرط أنه إن عرض له عارض خرج انعقد نذره؛ لأن الإحرام على هذا الشرط ينعقد.
ثم في القديم: يجوز له الخروج لذلك العارض.
وفي الجديد: لا يجوز؛ لأن مبنى الحج على اللزوم؛ بدليل أنه لا يخرج عنه بالفساد.

فصلٌ يجوز للمعتكف أن يتزين باللباس، وأن يتطيب، وأن يتزوج، ويزوج؛ كما يجو ذلك للصائم، ويجوز تدريس العلم، ومجالسة العلماء، والنطق بما لا إثم فيه.
ولو شاتم أو جادل، لا يبطل اعتكافه، ويحبط ثواب عمله، كالصائم إذا فعله.
ويجوز أن يأكل ويشرب، وأن يضع المائدة، ويغسل يده في الطست؛ بحيث لا يلوث المسجد.
ويجوز نضح المسجد بالماء المطلق، ولايجوز بالمستعمل، وإن كان طاهراً؛ لأنه يعاف منه.
ويجوز أن يمر بالأمر الخفيف في ماله وضيعته، وأن يبيع ويشتري إذا لم يكثر ذلك، فإن أكثر كره؛ لأنه يجعل المسجد موضعاً للبيع والشراء، ولكن لا يبطل به اعتكافه.
وإن عمل عملاً مباحاً يسيراً، أو خاط شيئاً من ثوبه، لم يكره فإن قعد يحترف بالخياطة، أو بحرفة أخرى، كره.

جارٍ التحميل