التهذيب في فقه الإمام الشافعيكتاب الرجعة

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا....﴾ [البقرة: 228] أي: برجعتهن، وقال جل وعلا: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ...﴾ [الطلاق: 2] أراد ببلوغ الأجل: مقاربة انقضاء العدة، وبالإمساك: الرجعة.
المطلقات قسمان: مستوفى عدد طلاقها؛ فلا تحل لمن طلقها إلا بعد نكاح زوج آخر، وغير مستوفى عدد طلاقها، فهي قسمان: بائنة ورجعية.

فالبائنة: هي التي طلقها زوجها قبل الدخول، أو طلقها على عوض؛ فلا تحل له إلا بنكاح جديد.
والرجعية: هي التي طلقها طلقة أو طلقتين من غير عوض بعد الدخول، فيجوز للزوج رجعتها بغير إذنها ولا بإذن وليها، ما دامت في العدة، ويصح من غير علمها؛ ويستحب: أن يعلمها.
وإن كانت أمة-: لا يشترط إذن سيدها، ويملك العبد المراجعة بغير إذن مولاه، والحر يملك على زوجته ثلاث طلقات ورجعتين، سواء كانت زوجته حرة أو أمة.
والعبد لا يملك إلا طلقتين ورجعة واحدة؛ سواء كانت زوجته حرة أو أمة، فإذا طلقها طلقتين-: لا تحل له إلا بعد زوج آخر، ويستحب الإشهاد على الرجعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وهل يجب؟ فعلى قولين: أصحهما: لا يجب؛ لأنه ليس بعقد جديد؛ كما لا يحتاج إلى إذن الولي.
والثاني: وبه قال مالك-: يجب الإشهاد؛ لظاهر الآية.
ولا يجوز للزوج وطء الرجعية، ولا مسها، ولا النظر إليها بشهوة، ولا الخلوة بها.
وعند أبي حنيفة: يجوز وطؤها، ولا يجوز الخلوة بها إذا لم يرد الرجعة.
ولا يحصل عندنا الرجعة إلا بالقول، فيقول: راجعتك، أو ارتجعتك، أو رددتك، فهل يشترط أن يقول في الرد: رددتها إلي، أو إلى زوجيتي؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا؛ لأن ظاهره الرد إلى الحالة الأولى من الزوجية؛ كما لا يشترط في لفظ "الرجعة" بل يستحب.
والثاني: يشترط؛ لأنه يحتمل أن يريد الرد إلى الأبوين بالفراق، والظاهر من أمر المراجعة الرجعة إلى الزوجية.
ويستحب أن يقول أيضاً: راجعتك إلى زوجيتي، ويحصل بلفظ الإمساك؛ على الأصح؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وأراد به الرجعة.
ويستحب أن يقول: أمسكتك على زوجيتي، ولا يحصل بلفظ الإنكاح والتزويج؛ على أصح الوجهين؛ لأنه غير مستعمل فيه.
وقيل: يحصل؛ لأنه لما صلح لاستحداث الملك فلأن يصلح للتدارك أولى، وهل تحصل الرجعة بالكتبة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تحصل؛ كالنكاح.
والثاني: تحصل؛ لأنه لا يحتاج إلى قبول ولا إشهاد.
وهل يجوز التوكيل فيه؟ فعلى وجهين: أصحهما: يجوز؛ كالنكاح، ولا تحصل الرجعة بالوطء، ولا باللمس بالشهوة، والتقبيل.
وعند أبي حنيفة: تحصل بالوطء، واللمس بالشهوة، والنظر إلى الفرج بالشهوة.
وعند مالك: إن قصد بالوطء الرجعة-: تحصل، وإلا فلا.
وإذا وطئ الرجعية-: فلا حد عليه للشبهة؛ لأنه لم يزل به الملك على الثبات، ويجب المهر، سواء راجعها أو لم يراجعها.
وقيل: إن راجعها-: لا يجب المهر، ويلزمها من وقت الوطء كمال العدة، وتدخل من عدة الوطء في عدة الطلاق بقدر ما بقي منها، وله الرجعة في بقية عدة الرجعة؛ مثل: أن وطئها بعد مضي قرء من عدتها-: فعليها أن تعتد من وقت الوطء بثلاثة أقراء.
ويجوز له مراجعتها في قراين، ولا يجوز في القرء الثالث، ويجوز فيه ابتداء النكاح، له دون غيره.
ولو أنها حبلت من هذا الوطء، فهل تدخل عدة الطلاق في عدة الوطء؟ فيه وجهان:

أحدهما: تدخل، ويوضع الحمل تخرج من العدتين.
وقيل: [وهل] تصح رجعته قبل الوضع؟ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: لا تصح؛ لأن عدتها بالحمل، وهي عدة الوطء.
والثاني: تصح؛ لأن عدة الطلاق باقية.
والثاني: لا تدخل؛ لأنهما جنسان مختلفان، ولكن تقدم عدة الحمل، ثم بعد الوضع: تتم باقي عدة الطلاق، وتصح رجعته في القرأين بعد وضع الحمل، وهل تصح رجعته قبل وضع الحمل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنها في عدة وطء بالشبهة.
والثاني: تصح؛ لأن عدة الطلاق عليها، فلو ارتد الزوجان أو أحدهما في عدة الرجعة، فراجعها في حال الردة-: لم تصح؛ لأنها جارية في البينونة، والرجعة لا تلائم حالها؛ بخلاف ما لو راجعها في حال الإحرام: يصح.
وكذلك لو ارتد أحدهما بعد الدخول، ثم طلقها في العدة، وراجعها-: فالطلاق يكون موقوفاً، فإن جمعهما الإسلام في العدة-: بان أن الطلاق كان واقفاً، ولم تصح الرجعة، ولا يصح تعليق الرجعة إذا قال: راجعتك إن شئت، فقالت: شئت-: لم يصح.
ولو قال: إذا طلقتك فقد راجعتك-: لم يصح؛ كما لو علق الطلاق بالنكاح.
ولو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها طلاقاً رجعياً ثم قال: راجعت المطلقة، هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ كما يقع الطلاق لا على التعيين.
والثاني: لا يصح؛ لأنه ليس للرجعة من الغلبة ما للطلاق، والله أعلم.
فصل إذا ادعت المرأة انقضاء عدتها، وأنكر الزوج- نظر: إن كانت عدتها بالأشهر-: فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأنه في الحقيقة اختلاف في وقت الطلاق.
ولو اختلفا في أصل الطلاق-: كان القول قول الزوج، كذلك: إذا اختلفا في وقته، وإن كان عدتها بوضع الحمل أو الأقراء-: فالقول قول المرأة مع يمينها في موضع الإمكان.
وإن كانت حاملاً- نظر: إن ادعت المرأة ولادة ولد كامل وأقل مدة تصدق فيها ستة أشهر وساعتان من يوم النكاح: ساعة لإمكان الوطء، وساعة للولادة.

فإن ادعت أقل من ذلك-: لا يقبل، وإنما جعلنا أقل مدة الحمل ستة أشهر، لما روي أن امرأة ولدت في زمن عثمان- رضي الله عنه- لستة أشهر، فشاور عثمان، رضي الله عنه- القوم في رجمها؟ فقال ابن عباس: أنزل الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: 15] وأنزل: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] فيكون الحمل ستة أشهر.
وإن ادعت إسقاط سقط ظهر فيه خلق الآدميين-: فأقل مدة تصدق فيها مائة وعشرون يوماً وساعتان من يوم النكاح؛ لما جاء في الحديث: "يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ: أَرْبَعُونَ يَوْماً نُطْفَةً، وَأَرْبَعُونَ عَلَقَةً، وَأَرْبَعُونَ مُضْغَةً".
وإذا ادعت إلقاء المضغة-: ففي انقضاء العدة بإلقائها قولان: فإن قلنا: تنقضي-: فأقل مدة تصدق فيها ثمانون يوماً وساعتان من يوم النكاح.
وقال أبو إسحاق-: لا يقبل قولها في ولادة ولد كامل، لأن إقامة البينة عليه ممكن؛ بخلاف إسقاط السقوط.
والمذهب: أنه يقبل، وإنما يقبل قولها في الولادة، إذا كانت ممن تحيض.
فإن كانت صغيرة أو آيسة-: لا يقبل [قولها]؛ لأنها لا تحبل، وإن كانت عدتها بالأقراء- لا يخلو: إما أن كانت مبتدأة أو معتادة: فإن كانت مبتدأة: ينبني على أن الصغيرة إذا رأت الدم في خلال الأشهر-: هل يحسب ما مضى قرءاً؟ فيه وجهان: إن قلنا: يحسب قرءاً: فأقل مدة تصدق فيها اثنان وثلاثون يوماً وساعتان من يوم الطلاق، وتجعل كأنها حاضت عقيب الطلاق، فتلك الساعة قرء، ثم بعده حيضتان وطهران، ثم ساعة الطعن في الحيضة الثالثة.
وإن قلنا: لا تحسب قرءاً، فلا تصدق في أقل من ثمانية وأربعين يوماً وساعة لثلاثة أطهار، وثلاث حيض.
فإن كانت معتادة: فإن ادعت انقضاء عدتها على وفق عادتها: تصدق، وإن ادعت لأقل من ذلك، وقالت: اختلفت عادتي-: تصدق؛ على أحد الوجهين.
وإن كانت عادتها مختلفة، فادعت انقضاء عدتها لأق الطهر وأقل الحيض-: تصدق، فإن كان الطلاق في حال الطهر-: تصدق لاثنتين وثلاثين يوماً وساعتين من وقت الطلاق،

وإن كان في حال الحيض-: فلسبعة وأربعين يوماً وساعة؛ تجعل كأن الطلاق وقع في ىخر جزء من الحيض.
فلو قالت المرأة: طلقني، وقد بقي من الطهر ما يحسب قرءاً، وقال الزوج: طلقتك، ولم يبق شيء من الطهر-: فالقول قول المرأة مع يمينها؛ لأنه اختلاف في وقت الحيض؛ فالقول في الحيض قولها؛ كما لو اختلفا في وضع ما تنقضي به العدة-: كان القول قولها.
فإذا ادعت انقضاء العدة لأقل من زمان الإمكان، ورددناه: فإذا بلغت زمان الإمكان-: يحكم بالانقضاء، وإن كانت مصرة على قولها السابق.
وقيل: لا يحكم ما لم ترجع عن قولها السابق؛ لأن أمانتها بطلت بالإصرار على الخيانة.
وعند أبي حنيفة: يعتبر أقل الطهر وأكثر الحيض.
وقول الأمة مقبول في انقضاء عدتها كالحرة، وأقل مدة تصدق فيه ستة عشر يوماً وساعتان إن كان الطلاق في حال الطهر.
وإن كان في حال الحيض-: فإحدى وثلاثين يوماً وساعة.
وإذا قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فولدت ولداً-: طلقت، ثم هو كالطلاق في حال الحيض، فأقل مدة تصدق فيه المرأة سبعة وأربعون يوماً وساعة تجعل كأنها ولدت، ولم تر الدم؛ فلا بد من ثلاثة أطهار بعده وحيضتان، ثم ساعة للطعن في الحيضة الثالثة.
هذا إذا قلنا: يتصور الحيض في زمان النفاس؛ وهو المذهب.
فإن قلنا: لا يتصور-: فلا يقبل في أقل من اثنين [وسبعين] يوماً وساعة: ستون يوماً للنفاس، ويحسب ذلك قرءاً، ثم بعده حيضتان وطهران، وساعة للطعن في الحيضة الثالثة.
فصل في الاختلاف إذا نكحت الرجعية بعد انقضاء عدتها، ثم جاء زوجها الأول، وادعى بأني كنت راجعتها- نظر: إن أقام عليه بينة، أو صدقة الزوجان-: فهي زوجة الأول، سواء دخل بها الزوج الثاني، أو لم يدخل بها؛ وهو قول علي، كرم الله وجهه.
وعند مالك: إن دخل بها الثاني-: فهي زوجة الثاني.

وإن لم يكن له بينة، ولم يصدقاه-: فدعواه مسموعة على المرأة، وهل تسمع على الزوج؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأنها في فراشه.
والثاني: لا؛ لأن المرأة لا تحتوي عليها يد الزوج.
وإن قلنا: لا تسمع، فادعى على المرأة- نظر: إن أقرت له بالرجعة-: لا يقبل إقرارها ف حق الثاني؛ بخلاف ما لو ادعى على امرأة، وهي تحت رجل أنك زوجتي، فقالت: كنت زوجة لك، وطلقتني-: كان إقراراً له به، وكانت زوجة له، والقول قوله مع يمينه أنه لم يطلقها؛ لأن ثم لم يتفقا على الطلاق-: فههنا: اتفقا على الطلاق، والأصل عدم الرجعة إلا أن المرأة تغرم للزوج الأول مهر مثلها؛ لتفويت البضع عليه.
وإن أنكرت المرأة رجعته-: فالقول قولها مع يمينها، وإن نكلت حلف الزوج، وأخذ منها مهرها، ولا يحكم ببطلان نكاح الثاني.
وإن جعلنا النكول ورد اليمين كالبينة؛ لأنه كالبينة في حق المتداعيين لا في حق غيرهما.
وإن قلنا: تسمع دعوى الزوج الأول على الزوج الثاني، فادعى عليه- نظر: إن أقر له بالرجعة-: حكم ببطلان نكاحه؛ ولكن قوله على المرأة لا يقبل، وللزوج الأول أن يدعي عليها، فإن أقرت له كانت زوجة له، وإن أنكرت-: حلفت، وإن كذبه الزوج [الثاني]-: فالقول قوله مع يمينه، وإن حلف-: فللأول أن يدعي على المرأة، وإن نكل الزوج الثاني، وحلف الأول-: ارتفع النكاح بينها وبين الثاني، ولكن لا تسلم المرأة إلى الأول، ولكن الأول يبتدئ الدعوى على المرأة، وهل يجب للمرأة على الزوج الثاني شيء أم لا؟ هذا ينبني على أن النكول ورد اليمين كالبينة أم كالإقرار؟ فيه جوابان: إن قلنا: كالبينة-: يصير كأن النكاح لم يكن، فإن كان قبل الدخول-: لا شيء لها، وإن كان بعده-: يجب مهر المثل.
وإن قلنا: كالإقرار أو أقر الثاني للأول-: لا يقبل إقراره في حقها؛ فيجب لها كمال المسمى، إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله-: فنصف المسمى.
قال الشيخ- رحمه الله-: والصحيح عندي أن نكوله لا يعمل في سقوط حقها، وإن جعلناه كالبينة في حق المتداعيين لا في حق المرأة؛ بدليل أنه لا تكون منكوحة للأول، كذلك في المهر، بل عليه المسمى.

قال- رحمه الله-: أما إذا [نكلت] المرأة، وحلف الأول بعد نكول الزوج الثاني ويمين الأول-: فهي زوجة الأول، وعلى الثاني لها مهر المثل، إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله-: فلا شيء، كما لو أقرت للأول.
فكل موضع قلنا: لا تسلم المرأة إلى الأول بعد إقرارها ونكولها-: فيمين الأول لحق [الزوج] الثاني.
فإذا زال حق الثاني بموت أو طلاق-: ردت إلى الأول؛ لإقرارها له؛ كمن أقر بحرية عبد في يد الغير، ثم اشتراه-: حكم بحريته.
هذا إذا اختلفا في الرجعة بعد نكاح زوج آخر، فأما إذا اختلفا قبل أن نكحت- نظر: إن كان في حال بقاء العدة-: فدعواه الرجعة رجعة؛ لأن من ملك إنشاء شيء-: كان دعواه كالإنشاء، وإن كان بعد انقضاء العدة-: قال الزوج: كنت راجعتك قبل انقضاء عدتك، وأنكرت-: فالقول قولها مع يمينها.
فلو صدقته [بعد الجحود-: كانت زوجة له؛ كمن جحد حقاً، ثم أقر به، وإن اختلفا في الرجعة، وانقضت العدة] بعد وجودها-: ففيه ثلاث مسائل.
إحداها: أن يتفقا على وقت الرجعة؛ أنها كانت يوم الجمعة، واختلفا في وقت انقضاء العدة، وقال الزوج: انقضت يوم السبت، وقالت: بل يوم الخميس-: فالقول قول الزوج مع يمينه، لاتفاقهما على صدقه فيما يدعيه، واختلفا في انقضاء العدة، والأصل بقاؤها.
الثانية: أن يتفقا على وقت انقضاء العدة أنه كان يوم الجمعة، واختلفا في الرجعة، فقال الزوج: راجعتك يوم الخميس، فقالت المرأة: بل يوم السبت-: فالقول قولها مع يمينها؛ لاتفاقهما على صدقها فيما تدعيه.
الثالثة: إذا لم يتفقا على وقت، بل يقول الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتك، وتقول المرأة: انقضت عدتي قبل مراجعتك-: فالقول قول من سبق بالدعوى.
فإن قالت المرأة أولاً: انقضت عدتي، ثم قال الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتك-: فالقول قولها مع يمينها، ويجعل كأن الزوج أنشأ الرجعة هذه الحالة.
وإن سبق قوله، فقال: راجعتك قبل انقضاء عدتك، وقالت بعده: انقضت عدتي-

نظر: إن قالت المرأة متراخياً عنه بزمان: انقضت عدتي-: فالقول قول الزوج مع يمينه، ويجعل كأن عدتها انقضت حالة الدعوى.
وإن قالت ارتجالاً عقيب قوله: انقضت عدتي-: فالقول قولها مع يمينها، وهي مسألة الكتاب؛ لأن الرجعة تكون بالقول، فيجعل قوله: "راجعتك" كأنه ينشئ الرجعة الآن، وانقضاء العدة لا يكون بالقول؛ فيكون قولها: "انقضت عدتي" إخباراً عن أمر كان قبل؛ فيصير كأن قول الزوج "راجعتك" صادف انقضاء العدة؛ فلم يصح، وإن جاءا متداعيين: هذا يدعي الرجعة، وتدعي المرأة انقضاء العدة، ولا يعرف البادئ منهما-: فالقول قولها مع يمينها، ويصير كأن الرجعة صادفت انقضاء العدة.
وإن لم يختلفا، بل قالا جميعاً: نعلم وجودهما، ولا نعلم أيهما كان أسبق-: فالأصل بقاء العدة، وله الرجعة.
وإن كانت المرأة حاملاً، فوضعت، وطلقها زوجها، فاختلفا؛ فقال الزوج: وضعت قبل الطلاق؛ فلي الرجعة، وقالت المرأة: بل بعد الطلاق، فانقضت عدتي- نظر: إن اتفقا على وقت الولادة، واختلفا في وقت الطلاق-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الطلاق بيده.
فإن اتفقا على وقت الطلاق، واختلفا في وقت الولادة-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأن القول في أصل الولادة قولها.
وإن لم يتفقا على شيء، بل الزوج يقول: كان الولادة قبل الطلاق، وهي تقول: كان الطلاق قبله-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل وجوب العدة، وبقاء الرجعة.
فإن قالا: لا ندري السابق-: فله مراجعتها، والورع أن يترك، ولا يجوز لها أن تنكح إلا بعد مضي ثلاثة أقراء.
وكذلك: إذا ادعى الزوج الولادة قبل الطلاق، وقالت: لا أدري.
ولو ادعت المرأة الطلاق قبل الولادة، وقال الزوج: ولا أدري-: فيجعل الزوج بقوله: "لا أدري".
منكراً، ويعرض عليه اليمين، فإن أعاد هذا-: كان ناكلاً، فتحلف المرأة، ولا عدة عليها ولا رجعة له، فإن نكلت-: عليها العدة لا بمجرد نكولها، بل لما أن الأصل وجود العدة عليها.
وإن كانت المرأة أمة، فاختلفا، وصدقه السيد-: فلا أثر لقوله؛ لأنه أجنبي من النكاح.
ولو طلقها الزوج، واختلفا في الإصابة، فقال الزوج: قد أصبتها، فلي الرجعة، وأنكرت المرأة الإصابة-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم الإصابة، فإذا حلفت

فلا رجعة له، ولا عدة عليها، ولا نفقة لها، ولا سكنى، ولها أن تنكح في الحال، ولا يجوز للزوج أن ينكح أختها ولا أربعاً سواها، ما لم ينقض زمان إمكان عدتها.
ثم هو مقر لها بكمال المهر، وهي لا تدعي إلا نصفه، فإن لم تكن قبضت-: فليس لها إلا طلب النصف.
وإن كانت قبضت الصداق كله-: فلا يطالبها الزوج بشيء.
ولو ادعت المرأة الإصابة، وأنكر الزوج-: فالقول قوله مع يمينه، وعليها العدة، ولا رجعة له عليها؛ لإنكاره الإصابة، ولا نفقة لها، ولا سكنى، ولها نصف المسمى.
فلو قالت المرأة بعد ذلك: كنت كاذبة، ولم يصبني: لا تسقط عنها العدة بعد ما لزمتها بإقرارها، والله أعلم.
باب المطلقة ثلاثاً.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 23.]. وروي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: جَاءَتِ امْرَأَةُ رفَاعَةَ القُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ! لاَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ".

وإذا طلق الحر امرأته ثلاثاً قبل الدخول أو بعده، في نكاح واحد، أو في أنكحة متفرقة، أو العبد طلق امرأته طلقتين-: فلا يحل له بعد ذلك نكاحها حتى تنكح زوجاً غيره ويصيبها، ثم يفارقها، وتنقضي عدتها منه، ثم إن شاء الأول نكحها.
فأقل الإصابة، إن كانت بكراً: أن يفتضها بآلة الافتضاض، وإن كانت ثيباً: أن يغيب الحشة، سواء كان قوي الانتشار ودخل بنفسه، أو ضعيفاً أدخله بيده أو بيدها.
فإن كان لا ينتشر-: فهو كالذكر الأشل لا يحصل التحليل بإدخاله؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم - شرط ذواق العسيلة وذواق العسيلة لا يحصل به.
ولو أصابها، وهي نائمة أو هو نائم، استدخلت هي ذكره-: يحصل التحليل، وسواء كان الزوج الثاني عبداً أو مجنوناً أو مراهقاً، إذا كان يتأتى منه فعل الوطء، فإن كان طفلاً لا يتأتى منه فعل الوطء، فأدخل فيها-: لا يحصل التحليل.

ويحصل بإيلاج الخصي، فإن كان مجبوباً، وبقي من ذكره قدر الحشفة، فأدخله-: حلت، وإن بقي أقل من الحشفة-: لم يحصل؛ كالصحيح إذا غيب بعض الحشفة.
ولو أصابها في دبرها-: لا يحل، ولو أصابها فأفضاها-: حلت.
ولو أصابها في حال الحيض والنفاس، أو في الصوم أو الإحرام-: حصل التحليل.
ولو أصابها على ظن أنه يطأ أجنبية حصل؛ لأن القصد ليس بشرط يشترط.
ولو طلق المسلم امرأته الذمية ثلاثاً، فنكحت زوجاً ذمياً على اعتقادهم، فأصابها-: ح. صل به التحليل؛ لأن أنكحة أهل الشرك لا يحكم لها بالبطلان، وكذلك المسلم إذا نكح الذمية، فأصابها يحللها لزوجها الذمي، ويشترط أن تكون إصابة الذمي إياها في وقت، لو ترافعا إلينا في تلك الحالة-: أقررناهم عليه حتى يحل.
ولا يحصل التحليل بالزنا، ولا بوطء السيد بملك اليمين، ولا بوطء الشبهة، ولا النكاح الفاسد؛ كما لا يحصل به الإحصان.
فلو أنها وطئت بالشبهة في نكاح الزوج الثاني، ثم وطئها الزوج الثاني في عدة الوطء-: هل يحصل به التحليل؟ ذكر شيخنا فيه وجهين: أحدهما: لا؛ كالوطء بالشبهة.
والثاني: يحصل؛ لأنه وطء صادف نكاحاً صحيحاً؛ كما لو وطئها في حال الحيض والنفاس.
وإذا استدخلت المرأة مني الزوج الثاني، أو فاخذها، فسبق الماء إلى رحمها، أو أتاها في دبرها-: لا يحصل بشيء منها التحليل، ولكن يجب عليها العدة.
ولو أنها ارتدت بعد وجود شيء منها- يتوقف النكاح بينهما على انقضاء العدة، فلو وطئها الزوج الثاني في حال الردة-: لا يحصل به التحليل؛ لأنها جارية في الفسخ.
ولو طلق امرأته ثلاثاً، فغاب عنها زماناً، ثم رجع، فادعت المرأة أنها قد نكحت زوجاً آخر، وأصابها، وانقضت العدة-: قبل قولها، إن كان الزمان يحتمل ذلك.
ثم إن غلب على ظن الزوج الأول صدقها-: لم يكن له نكاحها، وإن ارتاب في أمرها-: جاز له نكاحها، والورع ألا يفعل حتى لو جاء الزوج الثاني والشهود، وأنكروا ذلك-: لا يقبل منهم.

ولو أنكر الزوج الثاني الإصابة-: فالقول قوله في أنه لا يلزمه إلا نصف المهر، والقول قولها في الإصابة في حق الزوج الأول.
وإن قال الأول: أنا أعلم أنه لم يصبها-: فلا تحل له، فإن رجع، وقال: قد صح عندي إصابته إياها-: جاز له نكاحها؛ لأنه قد يظن شيئاً، ثم يزول ذلك الظن.
ولو طلق رجل امرأته طلقة أو طلقتين، فنكحت زوجاً آخر، وأصابها، ثم فارقها، فنكحها الأول-: تكون عنده ببقية الطلقات الثلاث، والزوج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث.
وعند أبي حنيفة: تعود إليه بكمال الطلقات، والزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث؛ كما يهدم الثلاث.
قلنا: بالطلقة والطلقتين لا يحصل شيء من التحريم، المحتاج إلى زوج آخر، فتلك إصابة غير محتاج إليها؛ فلا تؤثر في هدم الطلاق؛ كإصابة السيد بملك اليمين بعدما طلقها الزوج ثلاثاً.
ولو طلق امرأته الأمة ثلاثاً، ثم اشتراها-: لا يحل له وطؤها بملك اليمين إلا بعد زوج آخر.
وكذلك: لو ظاهر عن زوجته الأمة، ولزمته الكفارة، ثم اشتراها-: لا يحل له وطؤها إلا بعد التكفير.
ولو لاعَنَ عنها، ثم ملكها-: لا يحل له وطؤها أبداً؛ كما لا يحل له نكاحها، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

"كِتَابُ الإِيلَاءِ".

قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ....﴾ الآية [البقرة: 226]. الإيلاء في اللغة: هو الحلف على أي شيء كان.

وفي الشرع: اسم ليمين مخصوصة.
وكان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فغير الشرع حكمها.
وصورة الإيلاء: أن يحلف بالله، أو باسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته: ألا يطأ امرأته أبداً، أو مطلقاً، فيحمل على التأبيد، أو مدة سماها أكثر من أربعة أشهر، فحكمه أن يضرب له مدة أربعة أشهر، فبعد مضيها للمرأة مرافعته إلى الحاكم، ومطالبته بالفيء أو بالطلاق؛ إزالة للضرر عنها، فإن لم يفعل واحداً منها يطلقها عليه الحاكم؛ على قوله الجديد.
وأحد قولي القديم: طلقة واحدة؛ وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنه حق توجه عليه، وهو ممتنع عن إيفائه، فينوب الحاكم عنه فيما يقبل النيابة، وهو الطلاق.
وفي القديم قول آخر: أنه لا يطلق الحاكم عليه، بل يحبسه ويعزره حتى يطلق أو يفيء [وبمضي المدة: يرتفع اليمين].
وقال الثوري، وأبو حنيفة: بنفس مضي المدة: تقع طلقة بائنة، ويخرج من هذا: أنه إذا حلف ألا يطأها أربعة أشهر: لا يكون مولياً؛ لأن تضييق الأمر عليه إنما يكون في حال بقاء اليمين.
وعند الثوري، وأبي حنيفة: يكون مولياً، حتى يقع الطلاق بمضيها.
ومثل قولنا: يروى عن عمر، وعثمان، وعلي وابن عمر، وعائشة، رضي الله عنهم.
قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- كلهم يوقف المولى.
وعندنا: مدة الإيلاء حق الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ...﴾ [البقرة: 226] فجعل المدة للأزواج؛ فلا يتوجه عليهم المطالبة قبل مضيها؛ فهو كالأجل: يكون للمديون؛ فلا يتوجه عليه المطالبة في خلالها.
ولو حلف ألا يطأ امرأته أقل من أربعة أشهر-: لا يكون مولياً بالاتفاق، بل هو

حالف؛ حتى لو وطئها قبل مضي تلك المدة: يلزمه كفارة اليمين.
ولو قال: والله لا أطؤك مدة، أو ليطولن عهدك بجماعي-: لا يكون مولياً؛ لأنه يقع على القليل والكثير، إلا أن يريد مدة أكثر من أربعة أشهر.
فإذا فاء المولي في خلال المدة أو بعد مضيها-: خرج عن الإيلاء، وعليه كفارة اليمين؛ على قوله الجديد؛ وهو المذهب.
وفي القديم قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: أنه إذا فاء بعد مضي المدة لا كفارة عليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226]. وعد المغفرة على الفيئة بعد المدة؛ فدل ذلك على أن لا كفارة عليه.
ولو علق بفعل الوطء أمراً يقبل التعليق؛ مثل: أن قال: إن وطئتك فعبدي حر، أو أنت طالق، أو ضرتك طالق، أو التزم أمراً في الذمة، فقال: إن وطئتك، فلله علي عتق رقبة، أو صدقة، أو حج أو صوم أو صلاة-: يكون مولياً؛ على قوله الجديد؛ وهو المذهب؛ لأنه يلزمه أمر بالوطء كما لو حلف بالله.
وفي القديم: لا يكون مولياً؛ لأنه لم يأت بمعهود الجاهلية.
وعلى القولين جميعاً نيته منعقدة، فإن كان قد علق به عتقاً أو طلاقاً أو ظهاراً، فإذا وطئها-: يقع ما علق عليه به.
وإن التزم قربة في الذمة-: فعليه ما في نذر اللجاج.
وفيه أقوال: أصحهما: عليه كفارة اليمين.
والثاني: عليه الوفاء بما سمى.
والثالث: يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما سمى.
وفائدة القولين: أنا إذا قلنا: يكون مولياً-: فبعد مضي أربعة أشهر: يضيق الأمر عليه، حتى يفيء أو يطلق.
فإن قلنا: لا يكون مولياً-: لا يضيق الأمر عليه.
ولو قال: إن قربتك-: فأنت طالق عند دخول الدار، أو عبدي حر بعد سنة-: فهو

مول في الجديد؛ لأنه يلزمه بالوطء أمر، وهو تعلق الطلاق بالدخول، والعتق بمضي السنة.
وفي القديم: ليس بمول.
وعلى القولين جميعاً: إذا وطئها-: يقع، ويتعلق الطلاق بالدخول، والعتق بمضي السنة.
وإن قال: إن قربتك-: فكل عبد أملكه- يعني: في المستقبل- فهو حر-: لا يكون شيئاً لأن تعليق العتق بالملك-: لا يصح.
ولو قال: إن قربتك فلله علي صوم شهر، ذكر شهراً أو عين شهراً بعد أربعة أشهر من وقت اليمين-: فهو مول، وكذا لو قال: لله علي أن أصوم [الشهر] الذي أطؤك فيه-: يكون مولياً، وإن سمى شهراً قبل مضي أربعة أشهر، وقال: صوم هذا الشهر-: فلا يكون مولياً؛ لكنه لو وطئها قبل مضي الشهر الذي عينه-: يلزمه ما يلزم في نذر اللجاج.
وكذلك لو قال: صوم هذه السنة: فإن بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر-: فهو مول، فإن بقي أربعة أشهر فأقل-: فليس بمول والله أعلم.
فصل في تحديد ماهية الإيلاء الإيلاء: هو أن يحلف على الامتناع من الجماع خاصة.
أما سائر المباشرات إذا حلف على الامتناع منها-: فلا يكون مولياً، وألفاظ الجماع تنقسم إلى صريح وكناية.
فالصريح: أن يقول: والله لا أنيكك، أو والله لا أدخل، أو لا أغيب حشفتي أو ذكري في فرجك، أو والله لا أجامعك.
ولو قال للعذراء: لا أفتضك-: يصير مولياً، نوى أو لم ينو، وإنما جعلنا لفظ الجماع صريحاً؛ لغلبة الاستعمال.
فلو قال: أردت بلفظ الجماع الاجتماع في أمر آخر-: لا يقبل في الظاهر، ويقبل في الباطن.
ولو قال: لم أرد بقولي: "لا أفتضك": الافتضاض بالذكر-: لا يقبل في الظاهر، ويقبل في الباطن، على الأصح؛ لأنه قد يريد به لا يفتضها بإصبع أو خشب، حتى يصرح ويقول: لا أفتضك بذكري؛ فيلزمه هذا الحكم ظاهراً وباطناً.

[وقيل: لا يقبل قوله ظاهراً وباطناً].
أما الكنايات؛ مثل قوله: لا أقربك، لا آتيك، أو لا أغتسل عنك، أو لا يجمع رأسي ورأسك شيء، أو لأسوءنك، أو لا أدخل عليك، أو لا تدخلين علي-: فلا يكون مولياً حتى يريد به تك الجماع.
ولو قال: لتطولن غيبتي عنك-: فهو كناية في الجماع، وفي المدة: لا يكون مولياً حتى ينوي ترك جماعها أكثر من أربعة أشهر.
فإن قال: ليطولن تركي لجماعك-: فهو صريح في ترك الجماع، كناية في المدة، حتى لو قال: أردت تركه شهراً أو شهرين-: يقبل؛ بخلاف ما لو قال: لا أجامعك، ثم قال: أردت شهراً أو شهرين-: لا يقبل في الظاهر، ويقبل في الباطن، لأن إطلاقه يعم جميع الأزمنة، وإذا قيد بالطول-: فيستعمل ذلك في أيام معدودة.
ولو قال: لا أباشرك، أو لا أمسك أو لا ألمسك، أو لا أفضي إليك، أو لا أباضعك؛ أو لا أباعلك أو لا أناهلك، أو لا أغشاك-: ففيها قولان: في الجديد: هن كنايات.
وفي القديم- وهو اختيار المزني-: صرائح؛ كلفظ المجامعة.
ولو قال: لا أطؤك، أو لا أمنيك أو لا أصيبك-: فهو كقوله: لا أجامعك، وقيل: كقوله لا أباشرك؛ على قولين.
ولو قال: لا أجامعك في دبرك-: لا يكون مولياً؛ لأنه حلف على ما هو ممنوع عنده؛ كما لو قال: لا أجامعك جماع سوء كذلك؛ لأنه لم يمتنع عن سائر أنواع الوطء.
ولو قال: لا أجامعك إلا جماع سوء-: سئل فإن أراد: لا أجامع إلا في الموضع المكروه، أو فيما دون الفرج، أو لا اجامع إلا جماعاً لا اغيب فيه الحشفة في الفرج-: فهو مول، وإن أراد: لا أجامعك إلا جماعاً ضعيفاً-: لا يكون مولياً؛ لأن الجماع الضعيف يعمل عمل قوي في الخروج عن الإيلاء.
ولو أضاف على عضو منها، فقال: لا أجامع يدك أو رجلك: لا يكون مولياً، إلا أن يقول: لا أجامع فرجك أو قبلك: يكون مولياً.
ولو قال: لا أجامع بعضك-: لا يكون مولياً، إلا أن يريد بالبعض: الفرج؛ فيكون مولياً.

ولو قال: لا أجامعك في هذا البيت-: لا يكون مولياً؛ لأنه يمكنه أن يجامعها من غير شيء يلزمه، ولا ضرر عليها في ترك الوطء في بيت بعينه.
ولو قال لزوجته: والله لا أطؤك، ثم قال لامرأة أخرى: أشركتك معها-: لا يصير مولياً عن الأخرى؛ لأن الإيلاء يمين لا تجري فيه الكناية مولياً يعني به [الكناية] في المحلوف به؛ فإنه لو قال: لا أطؤك، فقال: أردت بالله-: لا يكون مولياً.
أما إذا كان إيلاؤه بالتزام عتق أو طلاق، بأن قال لإحدى امرأتيه: إن قربتك فأنت طالق، أو عبدي حر، ثم قال لامرأة أخرى: أشركتك معها- نظر: إن أراد التشريك في الطلاق، يعني: إن وطئت الأولى فالثانية طالق معها، أو في العتق: قال لعبد آخر: أشركتك معه؛ على معنى: أني إن وطئت المرأة، وعتق العبد الأول فأنت شريك في العتق-: صح التشريك.
فإذا وطئها-: طلقت المرأتان، وعتق العبدان؛ لأن الطلاق والعتق يقعان بالكناية.
وإن أراد بالتشريك: أن الأولى إن أصبتها-: لا تطلق إلا بإصابة الثانية: لا يصح التشريك؛ لأن الطلاق إذا تعلق بصفة-: لا يصح ضم صفة أخرى إليها.
وإن أراد بالتشريك: أن الثانية كالأولى، على معنى: أني إن [وطئتها] فهي طالق أيضاً-: فهل يصير مولياً على الثانية؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه تشريك في اليمين؛ كاليمين بالله.
والثاني: يصير مولياً عنها؛ لأن اليمين بالطلاق لنفس الطلاق؛ فيقع بالكناية؛ كما يجوز تعليق الطلاق صريحاً وكناية، والله أعلم.
فَصْلُ إذا قال لامرأته: إن قربتك فأنت طالق-: فهو مول، ولا يمنع من الوطء، سواء علق به ثلاث طلقات أو أقل.
وقال أبو علي بن خيران: يمنع؛ لأنه كما أولج الحشفة-: يقع الطلاق، وكما يمنع الصائم من الجماع إذا بقي إلى طلوع الفجر شيء قليل.
والأول المذهب؛ لأن الإيلاج يصادف حقيقة الزوجية، فإذا أولج: عليه أن ينزع،

فالذي يصادف غير الزوجية هو النزع، والنزع ترك الجماع؛ بخلاف الصائم: فإنه إذا بقي شيء قليل من الليل يجامع لا يتحقق أن ذلك الجزء من الليل، ثم بعد مضي المدة أو في خلالها إذا جامع؛ فكما غيبت الحشفة-: وقع الطلاق، وعليه أن ينزع، فإن نزع لا شيء عليه.
فإن أولج بعد النزع- نظر: إن كانت رجعية لا حد عليه، فإن كان علق به ثلاث طلقات-: فعليه الحد والمهر، إن كانت المرأة جاهلة.
أو علمت، ولم تقدر على أن تدفعه، فلا مهر، وعليه الحد، وإن لم ينزع، ومكث-: فلا حد عليه؛ لأن ابتداءه كان مباحاً، فانتصب شبهة في سقوط الحد، وسكت ههنا عن وجوب المهر، وأوجب الكفارة في الصوم؛ كما ذكرنا في "كتاب الصوم".
ولو قال: إن قربتك فأنت علي كظهر أمي-: فهو مول، فإذا فاء إليها في المدة أو بعد مضيها-: كان مظاهراً.
ولو قال: إن قربتك فأنت علي حرام: فإن أراد به الطلاق أو الظهار-: فهو مول، وإن أراد تحريم عينها أو أطلق، وقلنا: مطلق لفظ التحريم يوجب الكفارة-: فهو مول؛ لأنه إذا وطئها تلزمه الكفارة.
وإن قلنا: مطلقة-: لا توجب الكفارة، فلا يكون مولياً.
ولو قال لامرأته: أنت علي حرام، فنوى الإيلاء-: لا يكون مولياً، بل عليه كفارة اليمين، إذا قلنا: مطلق هذه اللفظة يوجب الكفارة.
فإن قال: أردت: أني إن قربتك فأنت علي حرام-: لا يقبل قوله في الحكم؛ لأنه يريد تأخير الكفارة إلى الوطء، ويقبل في الباطن.
قال الشيخ- رحمه الله- ويكون مولياً في الباطن.
ولو قال: إن قربتك فأنت زانية-: لا يكون مولياً؛ لأنه لا يلزمه أمر بالوطء، وإذا وطئها-: لا يصير قاذفاً؛ لأن القذف ما يلحق به العار في الحال، ولا يحصل ذلك بالتعليق؛ كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت زانية، فدخلت-: لم يكن قاذفاً.
فَصْلُ إذا قال لامرأته: إن قربتك فعبدي حر عن ظهاري، إن تظهرت-: فلا يكون مولياً في الحال ما لم يظاهر.
فإذا ظاهر عنها-: صار مولياً، فبعد مضي أربعة أشهر من وقت الظهار، يضيق الأمر

عليه: فإن فاء بعد المدة أو في خلالها-: عتق العبد؛ لوجود الشرطين، وهو الظهار والوطء، ولا يقع عتقه عن الظهار؛ لأن التعليق يقدم الظهار.
أما إذا قال: إن قربتك فعبدي حر عن ظهاري، ولم يقل: إن تظهرت-: فهو إقرار منه بالظهار، وهو مول يضرب المدة في الحال، فإذا فاء-: عتق العبد عن الظهار.
وكذلك لو قال: إن قربتك فعبدي حر عن ظهاري، إن تظهرت، وكان قد ظاهر ونسي-: كان مولياً، وإذا وطئ- عتق العبد عن الظهار؛ لأن الظهار سابق.
ولو أن مظاهراً عابداً قال لامرأته: إن قربتك فلله علي أن أعتق عبدي هذا عن ظهاري-: فهو مول؛ لأنه التزم بالوطء تعيين العتق الواجب في ذمته في عبد.
ثم إذا ضيقنا الأمر عليه، فطلق-: تخلص عن الإيلاء، وكفارة الظهار في ذمته: إن شاء أعتق ذلك العبد عنه، وإن شاء غيره، وإن فاء في المدة أو بعدها-: انحلت اليمين، ويلزمه ما يلزم في نذر اللجاج.
فإن قلنا: يلزمه كفارة اليمين، أو قلنا: يتخير، واختار كفارة اليمين: فإن أطعمه أو كسا عنه-: فعليه إعتاق رقبة عن الظهار: فإن شاء هذه، وإن شاء غيرها، وتبقى هذه رقيقة، وإن أعتق هذه عن اليمين-: عليه إعتاق رقبة أخرى عن الظهار وإن أعتق رقبة أخرى عن اليمين، فعليه إعتاق أخرى عن الظهار: إما هذه، وإما غيرها.
وإن قلنا: يلزمه الوفاء بما سمى، أو قلنا: يتخير، فاختاره-: فعليه إعتاق هذه الرقبة، ويخرج عن موجب اليمين، وهل يسقط عنه كفارة الظهار، إن نواه؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط؛ لأنه التزم إعتاقه عن الظهار.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه يقع مشركاً بين الحنث والظهار.
واختار المزني أنه لا يكون مولياً، وبتعيينه: لا يتعين العتق الواجب عليه بسبب الظهار في تلك الرقبة.
وكذلك عنده كل من كان في ذمته عتق رقبة، فعينه، في عبد: لا يتغير، كما لو كان عليه صوم يوم، فقال: لله علي أن أصوم يوم الخميس عن اليوم الذي في ذمتي-: لا يتعين، وله أن يصوم أي يوم شاء.
فإذا لم يتعين: لا يلزمه كفارة اليمين.
وقد ذكر ابن أبي هريرة: أن اليوم في الصوم-: يتعين كالرقبة.

والأكثرون على أنه لا يتعين بخلاف العتق؛ لأن للعبد فيه حقاً، ولا حق للزمان في الصوم؛ فلا فائدة في تعيينه.
ولو قال: إن قربتك فعبدي حر قبله بشهر-: لا تحسب المدة، حتى يمضي شهر؛ لأنه إن وطئها قبل مضي شهر-: لا يلزمه شيء، ويرتفع حكم اليمين.
وإذا مضى شهر، ولم يطأها-: يضرب المدة، فبعد مضي أربعة أشهر: يضيق الأمر عليه، فإن فاء بعد الأربعة الأشهر، أو في خلالها: يحكم بعتق العبد قبله بشهر، ولو لم يفيء وطلقها: فإذا راجعها يضرب المدة ثانياً، ولو لم يراجعها، بل نكحها بعد انقضاء العدة-: فهل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى قولي عود اليمين.
ولا خلاف أنه لو وطئها-: يحكم بعتق العبد قبله بشهر؛ لأنه لو زنا بها بعد البينونة-: يعتق أيضاً، فإن باع العبد في الشهر الرابع من وقت ضرب المدة مثلاً بعد انتصافه-: فلا يرتفع حكم الإيلاء، ولا يضيق الأمر عليه، حتى يمضي الشهر الرابع، وتتم المدة، ثم يضيق الأمر عليه إلى انتصاب الشهر الخامس: فإن فاء بان أن العتق حصل قبل البيع، وإن لم يفيء حتى ينتصف الشهر الخامس، ويتم من وقت البيع شهر فأكثر: ارتفع حكم الإيلاء؛ لأنه لا يلزم شيء بالوطء بعده.
فَصْلُ إذا قال لامرأته: والله لا أجامعك خمسة أشهر؛ فإذا مضت خمسة أشهر، فوالله لا أجامعك سنة-: فهما يمينان عقدهما على مدتين.
فإذا مضت أربعة أشهر من يوم عقد اليمين-: يضيق الأمر عليه، فإن فاء ارتفعت اليمين الأولى وكفر، ثم بعد مضي الشهر الخامس-: يضرب المدة لليمين الثانية.
وإن طلقها في اليمين الأولى، ولم يفئ- نظر: إن لم يراجعها حتى مضت سنة بعد الأشهر الخمسة- فقد ارتفع حكم اليمين.
فإن راجعها قبل مضي الشهر الخامس-: لا يضرب المدة في الحال؛ لأنه لم يبق من اليمين الأولى إلا قليل، فإذا مضى الشهر الخامس حينئذ: نضرب المدة لليمين الثانية.
ولو راجعها بعد الشهر الخامس قبل مضي السنة- نظر: إن كان بقي منها أقل من أربعة أشهر بعد الشهر الخامس-: فقد ارتفع حكم الإيلاء إلا أن حكم اليمين باق.
ولو وطئها قبل تمام سنة-: عليه الكفارة، وكذلك: لو نكحها، وقد بقي من السنة شيء، وإن قل.

ولو راجعها، وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر-: يضرب المدة في الحال، وإن نكحها بعد انقضاء العدة، وقد بقي أكثر من أربعة أشهر-: فهل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى قولين: فإن قلنا: يعود حكم الإيلاء-: يضرب المدة في الحال؛ وإلا فلا، ولا خلاف في بقاء اليمين، حتى لو وطئها قبل مضي السنة-: يجب عليه الكفارة.
أما إذا عقد اليمينين على مدة واحدة، فقال: والله لا أجامعك خمسة أشهر، ثم قال: والله لا أجامعك سنة: فإذا مضت أربعة أشهر-: يضيق الأمر عليه: فإن فاء انحلت اليمينان جميعاً، ثم يلزمه كفارة واحدة أم كفارتان؟ فيه قولان؛ لأنه حنث بفعل واحد في يمينين.
وإن طلقها، ثم راجعها، أو نكحها، وقد بقي من السنة أربعة أشهر فأقل-: لا يعود حكم الإيلاء، وحكم اليمين باق حتى لو وطئها-: يلزمه الكفارة.
ثم إن كان بعد مضي خمسة أشهر من وقت اليمين-: فلا يجب إلا كفارة واحدة؛ لأن اليمين الأولى قد ارتفعت.
وإن كان قبل مضي الشهر الخامس-: فيلزمه كفارة أو كفارتان؟ فيه قولان.
وإن راجعها، وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر-: يعود حكم الإيلاء، وإن نكحها-: فعلى قولين.
ولو قال: إذا مضت خمسة أشهر فوالله لا أطؤك-: فلا يصير مولياً، حتى تمضي خمسة أشهر، ثم يضرب المدة.
ولو قال: والله لا أقربك أربعة أشهر، فإذا مضت فوالله لا أقربك أربعة أشهر-: فلا يكون مولياً؛ لأن كل يمين منها لا تبقى أكثر من أربعة أشهر، وكما لو كان كل يمين أقل من أربعة أشهر، ومجموعها يزيد على أربعة أشهر.
وقيل: يكون مولياً؛ لأنه منع نفسه من وطئها أكثر من أربعة أشهر؛ فصار كما لو جمعها في يمين واحدة.
والأول المذهب.
ولو قال لامرأته: إن أصبتك، فوالله لا أصبتك-: فلا يكون مولياً؛ على قوله الجديد؛ وهو المذهب؛ [لأنه لا يلزمه شيء بالوطء الأول، حتى يطأها، فإذا وطئها-: صار مولياً يضرب المدة] عقيب الإصابة.

وفي القديم قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يكون مولياً يضرب المدة في الحال؛ لأن الوطء الأول يقربه من الحنث.
ثم بعد مضي أربعة أشهر: نضيق الأمر عليه، فإن فاء لا شيء عليه، ويضرب المدة ثانياً في الحال، وهذا بخلاف ما لو قال: إن دخلت الدار، فوالله لا أصيبك-: لا يكون مولياً قولاً واحداً في الحال، حتى تدخل الدار، لأن القرب من الحنث هناك الدخول، والدخول غير مقصور مجبور عليه، وفيمانحن فيه المقرب من الحنث هو الوطء، والوطء مقصود ومجبور عليه، فجعل الوطء المقرب من الحنث كنفسه في ثبوت حكم الإيلاء.
ولو قال: والله لا أصيبك في السنة إلا مرة واحدة-: فهكذا في الجديد وأحد قولي القديم: لا يكون مولياً، فإذا وطئها، وقد بقيت من السنة أكثر من أربعة أشهر-: صار مولياً يضرب المدة.
والثاني من قولي القديم: يكون مولياً، فبعد مضي أربعة أشهر-: يضيق الأمر عليه: فإن فاء لا شيء عليه، ويضرب المدة ثانياً.
فَصْلُ إذا علق الامتناع عن الوطء في اليمين على أمر في المستقبل- نظر: إن علق على أمر يستحيل وجوده بأن قال: والله لا أطؤك حتى تصعدي السماء، أو تطيري في الهواء-: فهو مول؛ لأنه مما لا يكون؛ فهو كما لو قال: لا أطؤك أبداً.
وإن علق علي أمر لا يستحيل وجوده- نظر: إن علق على أمر يتحقق وجوده قبل أربعة أشهر؛ مثل؛ أن قال: والله لا أطؤك حتى يجف الثوب، أو حتى تغرب الشمس، أوحتى يتم الشهر-: فلا يكون مولياً.
وكذلك: إن علقه على أمر الغالب على الظن وجوده قبل أربعة أشهر؛ مثل: أن يقول: لا أطؤك حتى يجيء زيد من القرية، وعادة أن يجيء ل جمعة-: لم يكن مولياً.
وإن علق على ما يتحقق: أنه لا يوجد إلا بعد أربعة أشهر؛ بأن قال حتى آتي مكة أو حتى يقدم فلان من بلد كذا، والمسافة بينهما بعيدة لا يتصور قدومه إلا بعد أربعة أشهر-: فهو مول.
وإن علق على ما يحتمل وجوده قبل أربعة أشهر وبعدها- نظر: إن كان ذلك أمراً مستبعداً؛ بأن قال: حتى تقوم الساعة، أو حتى يخرج الدجال، أو حتى ينزل عيسى ابن

مريم، أو تطلع الشمس من مغربها- فهو مول.
وكذلك لو قال: حتى أموت، أو تموتي، أو يموت فلان-: فهو مول؛ لأنه يعبر بهذه الأشياء عن الأبد.
وقيل: إذا قال: حتى يموت فلان-:فهو كما لو قال: حتى يمرض فلان؛ لأن الإنسان يستبعد موت نفسه، ولا يستبعد موت غيره.
ولو قال حتى أمرض أو يمرض فلان، أو حتى يقدم فلان، وكان على مسافة يتصور القدوم قبل أربعة أشهر، أو قال: حتى تدخلي الدار، أو حتى أخرجك عن البلد، أو حتى أكلم فلاناً-: لا يحكم بالإيلاء في الحال، فإذا مضت أربعة أشهر، ولم يوجد المرض ولا القدوم ولا الإخراج عن البلد ولا الدخول ولا الكلام-: هل يحكم أنه كان مولياً باللفظ حتى يضيق الأمر عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يحكم بأنه كان مولياً؛ لأن المضارة قد تحققت.
والثاني: وهو اختيار المزني-: لا يكون مولياً؛ لأنه لم يقصد المضارة حين علق بأمر يوجد قبل أربعة أشهر، فهو كما لو ترك مباشرتها سنين من غير يمين، ولا خلاف أنه لو وطئها قبل وجود تلك الصفة يلزمه كفارة اليمين، وترتفع اليمين.
ولو وجدت الصفة قبل أن يصيبها- ترتفع اليمين، سواء كان قبل أربعة أشهر أو بعدها.
ولو قال: والله لا أطؤك حتى تحبلي- نظر: إن كان في سن لا يحتمل فيها العلوق في أربعة أشهر؛ بأن كانت صغيرة أو آيسة-: فهو مول.
وإن كان يحتمل: فهو كما لو علق بالقدوم.
ولو قال حتى تفطمي ولدك- نظر: إن أراد أوان الفطام، وهو مضي حولين: فإن بقي إلى تمام الحولين أكثر من أربعة أشهر-: فهو مول، وإن بقي أربعة أشهر فأقل فليس-: بمول.
وإن أراد فعل الفطام- نظر: إن كان الصبي في سن لا يحتمل الفطام في أربعة أشهر؛ لصغر أو لضعف بنية-: فهو مول، وإن كان يحتمل الفطام في أربعة أشهر-: فهو كما لو علق بقدوم فلان.
وكذلك لو قال والله لا أطؤك حتى يشاء فلان: فإن لم يشأ فلان أن يطأها حتى مضت أربعة أشهر-: هل يحكم بكونه مولياً حالة اللفظ؟ فيه وجهان.

ولو شاء فلان ألا يطأها، [ومضت أربعة أشهر]-: فهو كعدم المشيئة.
ولو شاء فلان أن يطأها قبل أربعة أشهر أو بعدها-: ارتفع حكم اليمين.
ولو وطئها قبل المشيئة- لزمته الكفارة، وارتفعت اليمين.
ولو مات فلان قبل المشيئة، أو علق بالقدوم فمات الغائب، أو بفطام الولد، فمات الولد قبل الفطام-: صار مولياً.
قال الشيخ- رحمه الله-: فإن قلنا في حال الحياة بعد مضي المدة: نجعله مولياً من وقت اللفظ-: فههنا يحسب ما مضى، فإذا تم من وقت اللفظ أربعة أشهر-: يضيق الأمر عليه.
وإن قلنا: لا نجعله في الحياة مولياً-: فههنا: يضرب المدة من وقت الموت.
ولو قال: والله لا أطؤك إن شاء فلان-: فلا يكون مولياً حتى يشاء فلان، ولا تشترط مشيئته في المجلس: فإن شاء فلان ألا يطأها-: صار مولياً، ويضرب المدة؛ كما لو قال: والله لا أطؤك إن دخلت الدار-: يصير مولياً حتى تدخل الدار.
ولو قال: والله أطؤك إن شئت- نظر: إن أراد أنك إن أبيت لا أطؤك-: فلا يكون مولياً؛ كما لو قال: لا أصيبك إلا برضاك؛ لأنها مهما رغبت-: وطئها الزوج من غير شيء يلزمه.
وإن أراد التعليق بمشيئتها-: فلا يكون مولياً، ما لم يشأ في المجلس ألا يطأها؛ تقدير الكلام؛ والله لا أقربك إن شئت ألا أقربك، فإن شاءت في مجلس التواجب-: صار مولياً، وإن شاءت بعده-: فلا إيلاء عليه.
ولو قال والله لا أطؤك إن شئت أن أقربك- فلا يصير مولياً، حتى تشاء في مجلس التواجب أن يطأها.
ولو قال: والله لا أقربك إلا أن أشاء-: فليس بمول، لأنه متى شاء وطئها بلا غرم يلزمه؛ كما لو قال: لا أطؤك إلا بالليل.
ولو قال: والله لا أقربك إلا أن تشائي، أو ما لم تشائي: فإن أراد ألا أطاك إلا برضاك-: فليس بمول، وإن أراد التعليق بالمشيئة-: فهو مول؛ لأنه علق رفع اليمين بالمشيئة، فإن شاءت في الوقت أن يطأها-: ارتفع حكم الإيلاء، وإن لم تشأ أو شاءت في غير الوقت-: فاليمين بحاله.

قال الشيخ- رحمه الله-: فإن قال: إلا أن يشاء فلان-: فهو مول، فإن شاء فلان أن يطأها-: ارتفع الإيلاء، ولا يضيق الأمر عليه بعد أربعة أشهر، والله أعلم بالصواب.
بَابُ الإِيلاَءِ مِنْ نَسْوَةِ إذا كان له أربعة نسوة فقال: والله لا أقربكن-: فالكلام فيه في الكفارة وفي الإيلاء: أما الكفارة: فلا تلزمه، ما لم يطأ كلهن؛ كما لو حلف لا يأكل هذه الأرغفة-: فلا يحنث ما لم يأكل الكل، وإذا وطئ الكل-: لا تجب إلا كفارة واحدة؛ لاتحاد اليمين.
فلو ماتت واحدة منهن قبل الوطء- ارتفع اليمين، وإن تصور الإيلاج بعد الموت؛ لأن مطلق الوطء محمول على الوطء في الحياة، فلو ماتت واحدة بعد الوطء-: فاليمين بحالها؛ حتى لو وطئ الأخريات بعدها-: تلزمه الكفارة.
ولو طلق بعضهن قبل الوطء-: لا ترتفع اليمين؛ لأنه لو فارقهن، ثم وطئهن بعد البينونة-: تلزمه الكفارة.
أما الإيلاء: ففي الجديد: لا يكون مولياً؛ لأنه لا يلزمه أمر بوطء بعضهن، فإذا وطئ ثلاثاً منهن-: صار مولياً عن الرابعة، يضرب له المدة.
ولو مات بعدهن بعد الوطء-: لا يبطل حكم الإيلاء.
ولو طلق بعضهن قبل الوطء وبعده-: لا يرتفع حكم الإيلاء في الباقية عنده، حتى لو فارق ثلاثاً منهن قبل الوطء، ثم وطئهن بعد البينونة بشبهة أو سفاحاً-: صار مولياً عن الباقية في نكاحه.
ولو أبان واحدة منهن قبل الوطء، ثم وطئ الثلاث في ملكه، ثم نكح المبانة-: هل يعود حكم الإيلاء فعلى قولي عود اليمين، أما حكم اليمين-: فقائم، حتى لو وطئها تلزمه الكفارة.
وفي القديم: هل يكون مولياً؟ فيه قولان: أحدهما: كما ذكرنا.
والثاني: يجعل مولياً منهن في الحال؛ لأن وطء الأوليات، وإن لم يقع به الحنث- فهو مقرب من الحنث، فيضرب المدة في الحال.
فإذا مضت أربعة أشهر-: لكل واحدة منهن مطالبته بالفيء أو الطلاق، ولا يتخلص إلا بطلاق الكل أو بالفيء إلى الكل.

فإن فاء إلى البعض، وطلق البعض-: ارتفع الإيلاء في حق من فاء إليها، وإذا راجع المطلقة-: ضربت المدة في حقها ثانياً.
وعلى هذا: لو قال لزوجته وأمته المملوكة: والله لا أقربكما، أو قال لزوجته: لا أقربك وفلانة الأجنبية، فإذا وطئها: ففي الجديد وأحد قولي القديم: لا يصير مولياً عن زوجته، حتى يطأ المملوكة أو الأجنبية.
وإذا وطئها بنكاح أو سفاح-: صار موليا عن زوجته.
أما إذا قال لنسائه الأربع: والله لا أقرب كل واحدة منكن-: فهو مول منهن تضرب المدة في الحال، فبعد مضيها: لكل واحدة مطالبتها بالفيء أو الطلاق؛ لأنه ما من واحدة منهن إلا وهي بمحل أن تجب الكفارة بوطئها.
وإن اختار الطلاق-: لا يتخلص إلا بتطليق الكل، فإن طلق بعضهن-: لا تسقط عنه مطالبة الباقيات، فإن طلقهن، فراجعهن-: تضرب المدة ثانياً، فإن فاء إلى واحدة منهن-: لزمته الكفارة، وانحلت اليمين، وارتفع الإيلاء في حق الكل؛ لأنه لا يلزمه شيء بوطء الباقيات.
ولو مات بعضهن قبل الوطء-: فالإيلاء باق في حق الباقية.
ولو قال لهن: والله لا أقرب واحدة منكن- نظر: إن لم يعين واحدة بقلبه، بل نوى الامتناع عن وطئهن جميعاً، أو لم يكن له نية- فهو كما لو قال: لا أقرب كل واحدة منكن.
وإن قال: أردت واحدة لا بعينها-: فيقال له: عين؛ كما في الطلاق، فإن لم يفعل ومضت المدة وطلبن- يطلق السلطان عليه واحدة لا بعينها.
فإن عين في واحدة لم يكن للباقيات مطالبته.
وفي ابتداء المدة وجهان: أحدهما: من وقت اليمين.
والثاني: من وقت التعيين؛ بناءً على ما لو طلق واحدة لا بعينها، ثم عين-: فعدتها من أي وقت يكون فيه قولان: إن قلنا: عدتها من وقت اللفظ-: فههنا: ابتداء المدة من وقت اليمين.
وإن قلنا: العدة من وقت التعيين-: فالمدة ههنا من وقت التعيين، ولا يجعل مولياً قبله، وإن عين واحدة بقلبه-: فهو مول عنها وحدها، فبعد مضي المدة: يضيق الأمر عليه

بطلبها، فإن فاء إليها لزمته الكفارة، وللبواقي الدعوى عليه بأنك عينتنا؛ فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل: حلفن، واستحققن دعواهن؛ كما لو أقر لهن.
فإذا وطئ الكل- نظر: إن ثبت حكم الإيلاء للأخريات بإقراره لهن-: يجب عليه أربع كفارات، وإن ثبت بنكوله أو بيمينهن-: فلا يجب [عليه] إلا كفارة واحدة.
وعلى هذا: لو كانت له امرأتان، فقال: إذا قربت إحداكما فالأخرى طالق- نر: إن لم يعين واحدة-: فهو مول عنها، فبعد مضي المدة: لهما مطالبته بالفيء أو الطلاق، فإن لم يفعل-: طلق عليه السلطان واحدة لا بعينها، ثم يؤمر بالتعيين، ويتخلص بالفيء إلى أحداهما، وإن عين واحدة بقلبه-: يؤاخذ بالبيان، والقول قوله في حق الأخرى مع يمينه، والله أعلم بالصواب.
بَابُ الوَقْفِ فِي الإِيلاءِ المولي لا يتعرض له قبل مضي أربعة أشهر، وكذلك بعد مضيها إذا لم تطلب المرأة، فإن طلبت حقها-: رفعته إلى الحاكم حتى يجبره على الفيء أو الطلاق.
فإن تركت حقها وعفت، ثم بدا لها أن تطلب-: لها ذلك؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة؛ كما لو رضيت المرأة بإعسار الزوج، ثم بدا لها أن تفسخ-: لها ذلك.
فإن كانت أمة-: فالطلب لها، فإن عفت-: فلا طلب لسيدها.
فإن كانت صبية أو مجنونة-: فلا طلب لوليها، بل يقال للزوج: اتق الله فيء، أو طلق، ولا يضيق الأمر عليه، حتى تبلغ المرأة أو تفيق؛ فتطلب.
ومدة الإيلاءء: لا تختلف بالرق والحرية، وهي أربعة أشهر، سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين أو أحدهما رقيقاً؛ لأنها لمعنى يرجع إلى الجبلة والطبع، وهو قلة الصبر عن مفارقة الزوج، فيستوي فيه الحر والرقيق؛ كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة، فيستوي فيها الحر والعبد.
قال أبو حنيفة ومالك: ينتصف بالرق غير أن عند أبي حنيفة: ينتصف برق المرأة، وعند مالك: برق الرجل؛ كما قالا في الطلاق.
ولو اختلف الزوجان في انقضاء مدة الإيلاء، فقالت المرأة: قد انقضت، وأنكر الزوج-: فالقول قول الزوج مع يمينه؛ كما لو اختلفا في أصل الإيلاء-: كان القول قوله مع يمينه.
ولو آلى عن امرأته الرجعية-: ينعقد الإيلاء؛ كما يلحقها طلاقه، وينعقد عنها ظهاره،

غير أن المدة لا تحسب حتى يراجعها.
فإذا راجعها-: ضربت المدة في الحال.
ولو آلى عن الثانية، أو عن امرأة أجنبية، فقال: والله لا أطؤك، سواء أضاف إلى النكاح أو لم يضف-: لم ينعقد الإيلاء؛ حتى إذا نكحها: لا تضرب المدة، غير أن اليمين منعقدة؛ حتى لو وطئها قبل النكاح أو بعده: إن لم يكن أضاف إلى النكاح، أو وطئها بعد النكاح، إن كان قد أضاف إليه-: تلزمه كفارة اليمين.
ولو آلى عن زوجته، ثم أبانها، ثم نكحها-: نظر: إن أبانها بثلاث، فإذا نكحها-: لا يعود حكم الإيلاء على قوله الجديد، وأحد قولي القديم، غير أن اليمين باق به حتى لو وطئها-: تلزمه الكفارة؛ لأنه لو زنا بها قبل أن ينكحها-: لزمته الكفارة.
وإن أبانها بما دون الثلاث، ثم نكحها-: هل يعود حكم الإيلاء؟ في القديم: يعود، وفي الجديد: قولان.
وكذلك: لو آلى عن زوجته الأمة، ثم اشتراها، ثم أعتقها، ونكحها، أو باعها ثم نكحها-: هل يعود حكم الإيلاء؟ على هذين القولين.
[وكذلك: العبد إذا لاعن زوجته الحرة، فاشترته، ثم أعتقته، أو باعته، ثم نكحته: هل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى القولين].
ولو ارتد الزوجان أو أحدهما بعد الإيلاء، وكان بعد الدخول، ثم جمعهما الإسلام في العدة-: فحكم الإيلاء باق؛ كما لو طلقها رجعياً فراجعها.
فإن لم يجمعهما الإسلام في العدة-: فقد ارتفع النكاح بينهما بتبديل الدين، فإذا أسلما ثم نكحها، فهل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى القولين.
ولو كانت له امرأتان، فقال: إن وطئت حفصة-: فعمرة طالق-: فهو مول عن حفصة، حالف بطلاق عمرة، فبعد مضي المدة يضيق الأمر عليه لحق حفصة، فإن فاء إليها طلقت عمرة، وارتفع الإيلاء، وإن لم يفيء وطلق حفصة: فإن راجعها-: ضربت المدة في الحال.
وإن نكحها بعد البينونة-: هل يعود حكم الإيلاء؟ فعلى قولي عود اليمين، وعلى القولين: اليمين بطلاق عمرة-: لا ترتفع [حتى لو وطئ حفصة بعد ما أبانها-: تطلق عمرة، ولا يعود بعده إلى الإيلاء، إذا نكحها.

أما إذا طلق عمرة قبل وطء حفصة، فما دامت عمرة في عدة الرجعة-: لا يرتفع حكم التضييق في حق حفصة؛ لأنه إذا وطئها: تطلق عمرة، فإذا انقضت عدة عمرة أو كان خالعها-: سقط حكم التضييق في حق حفصة].
وإن كان بعد مضي المدة؛ لأنه لا يلزمه أمر بوطئها، ثم إن وطئ حفصة-: ارتفع حكم اليمين، ولا يعود حكم الإيلاء، إن نكح عمرة.
وإن نكح عمرة قبل أن يطأ حفصة-: هل يعود حكم اليمين حتى يقع الطلاق على عمرة بوطء حفصة؟ فعلى قولي عود اليمين.
فإن قلنا: يعود حكم اليمين-: يعود حكم الإيلاء في حق حفصة، حتى تضرب المدة في الحال، وألا فلا.
ولو قال لامرأته: إن قربتك فعبدي حر-: فهو مول، فلو مات العبد أو أعتقه-: ارتفع حكم الإيلاء؛ لأنه لا يلزمه شيء بالوطء.
وكذلك: إن باعه أو وهبه-: يرتفع حكم الإيلاء، فإذا ملكه بعد ذلك-: هل يعود حكم اليمين والإيلاء؟ فعلى القولين.
وإن كاتب العبد أو دبره أو كاتب جارية، فاستولدها-: لا يرتفع حكم الإيلاء؛ لأنه يعتق بوطئه.
فَصْلُ فِيمَا يَمْنَعُ احْتِسَابَ المُدَّةِ عَلَى المُولِي كل عارض يخل بالملك؛ كالردة من أحدهما أو عدة الرجعية، والعدة عن الوطء بالشبهة-: يمنع احتساب المدة.
ولو طرأ شيء من هذه الأشياء في خلال المدة، ثم زال بأن ارتد أحدهما، ثم عاد وطلقها، ثم راجعها، أو خالعها، ثم نكحها، وقلنا: يعود اليمين، أو انقضت عدة الوطء بالشبهة-: يستأنف المدة.
أما ما لا يخل بالملك من العوارض- نظر: إن كان من جانبها؛ مثل: كونها مجنونة ونشوزها، وغيبتها وكونها صغيرة لا توطأ، أو مريضة أو مضناة لا تحتمل الجماع، ومثل إحرامها وصومها واعتكافها المفروضين: فكلها يمنع من احتساب المدة، إذا طرأ شيء منها في خلال المدة، ثم زال-: تستأنف المدة إلا الحيض، فإنه لا يمنع احتساب المدة؛ لأنها لا تخلو عن الحيض.

فلو منع احتساب المدة-: أدى إلى ألا تكمل مدة الإيلاء في حق المرأة الشابة.
وحكم النفاس حكم الحيض على أصح الوجهين؛ أنه لا يمنع احتساب المدة.
وقيل: يمنع.
وإذا طرأ في خلال المدة-: قطع؛ لأنه نادر؛ كعدة الوطء بالشبهة.
لو آلى عن زوجته المجنونة أو الصغيرة التي تحتمل الجماع تحتسب المدة، وكذلك: لو طرأ الجنون في خلال المدة إلا أن تمتنع عنه، وكانت كالناشزة.
وإن كان العارض من جانبه؛ مثل: حبسه وجنونه ومرضه وغيبته وإحرامه وصومه واعتكافه-: فلا يمنع احتساب المدة.
فإذا زال العذر بعد أربعة أشهر-: يضيق الأمر عليه، وإن كان مجنوناً-: لا يطالب حتى يفيق.
فَصْلُ فِي وَطْءِ المَعْذُورِ إذا انقضت مدة الإيلاء والزوج حاضر، لا عذر له-: يؤمر بالفيء أو بالطلاق بعد طلب المرأة، فإن استمهل على الفيئة: فإن كان صائماً حتى يفطر، أو جائعاً حتى يأكل، أو به شبع مفرط حتى يزول، أو كان ناعساً حتى يدفع ذلك عن نفسه-: يمهل يوماً أو نصف يوم قدر ما يتهيأ ذلك.
وقيل: يمهل ثلاثاً: فإن كان هناك عذر يمنعه من فعل الجماع- نظر: إن كان من جانب المرأة؛ بأن كانت حائضاً أو نفساء أو محرمة، أو كانت صائمة صوم فرض أو معتكفة اعتكاف فرض-: ليس لها مطالبته بالفيء لا قولاً ولا فعلاً، ولا بالطلاق، لأن حقها في الفيء وهو متعذر.
وإن كان من جانبه- لا يخلو: إما أن كان عارضاً يمنع الاستمتاع طبعاً أو يمنعه شرعاً؛ فإن كان يمنعه طبعاً؛ مثل: كونه مريضاً أو محبوساً بظلم أو غائباً-: يجبر على الفيء باللسان، ثم إذا زال العذر-: أجبر على فعل الوطء أو الطلاق، والفيء باللسان هو أن يقول: ندمت على ما قلت، فإذا قدرت فعلت.
وإن لم يفيء باللسان، ولم يطلق-: طلق عليه السلطان؛ على أصح القولين، ويحبسه على القول الآخر، حتى يطلق.

ولو قال: أمهلوني-: لا يمهل؛ لأنه قادر عليه؛ فإنه لا ضرر عليه في القول باللسان.
فإن كان محبوساً بحق بأن حبس على دين، وهو قادر على أدائه-: لا يعذر بالفيء باللسان، بل يؤمر بأداء الدين والخروج لفعل الوطء أو يطلق.
وإذا كان غائباً-: أمر [السلطان] حاكم البلد الذي هو فيه بعد طلب وكيلها؛ بأن يفيء باللسان، ويسير إليها أو يحملها إليه: فإن كان الطريق مخوفاً-: يفيء باللسان، ويؤخر المسير إلى زوال الخوف.
فإن لم يفيء باللسان، أو فاء باللسان، ولم يسر حتى مضى إمكان السير-: طلق عليه السلطان بمسألة وكيلها.
أما ما يمنع الاستمتاع شرعاً؛ مثل: صومه وإحرامه وظهاره الذي لم يكفر عنه، سواء تقدم الظهار على الإيلاء أو تأخر-: فلا يعذر بالفيء باللسان، ولا يجبر على فعل الوطء؛ لأنه معصية في هذه الأحوال، بل يقال له اجتمع عليك أمران، وعليك إزالة الضرر، فإن فئت-: خرجت من الإيلاء، وعصيت ربك بإفساد صومك وحجك، ويتقدم الوطء على الكفارة في الظهار، وإن طلقت-: بانت منك امرأتك، ولابد لك من إزالة الضرر.
فلو قال المظاهر: أمهلوني حتى أكفر- نظر: إن أراد التكفير بالإعتاق أو الإطعام: أمهل نصف يوم أو يوماً، وإن أراد التكفير بالصوم-: فلا يمهل؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل مدة الإيلاء ستة أشهر.
فلو قصد الزوج وطأها في هذه الحالة-: لا امتناع لها من التمكين؛ على ظاهر المذهب؛ لأن المعصية من جانبه، فإن امتنعت-: سقط حقها.
وقيل: لها الامتناع؛ لأنه فعل حرام؛ ثم فيه وجهان أحدهما: تعين حقها في الطلاق.
والثاني: يقتصر على الفيئة باللسان.
وكل موضع أجبرناه على الوطء-: فأقله إن كانت بكراً: أن يفتضها بآلة الافتضاض، وإن كانت ثيباً: أن يغيب الحشفة، وإن كانت بكراً، فعجز عن الافتضاض: يؤمر بأن يفئ باللسان، وتضرب له مدة التعيين، ويقبل قوله: إني عاجز؛ لأنه لا يعرفه غيره.
ولو أتاها في دبرها-: لا يخرج عن الإيلاء؛ لأن الضرر به لا يزول.
ولو ادعى الزوج الإصابة، وأنكرت-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأنها تريد قطع

الوصلة، فإن ادعت المرأة أنها بكر-: ترى أربع نسوة عدول، فإن قلن: هي بكر-: أجبر الزوج على الوطء، فإن قال: إني افتضضتها غير أني لم أبالغ، فعادت العذرة-: تسمع دعواه، والقول قولها مع يمينها؛ لأنه يقوى جانبها بالبكارة.
ولو جامعها في حال الإحرام أو الصوم أو الحيض أو النفاس-: عصى الله عز وجل، وخرج عن الإيلاء، وعليه الكفارة.
و [كذلك] لو أصابها في حال جنونها-: خرج عن الإيلاء، وعليه الكفارة.
ولو آلى رجل عن زوجته، ثم جن فأصابها في جنونه في المدة أو بعدها-: خرج عن الإيلاء، وهل تلزمه الكفارة؟ فيه قولان.
وكذلك: لو آلى عن إحدى امرأتيه بعينها، ثم وطئها على ظن أنه يطأ الأخرى-: خرج عن الإيلاء، وفي الكفارة قولان؛ بناءً على حنث الناسي.
وكذلك: لو وطئها مكرهاً-: فهو كما لو وطئها ناسياً.
فإن قلنا: تلزمه الكفارة-: تنحل اليمين، وإن قلنا: لا تجب الكفارة-: فهل تنحل اليمين فيه وجهان: أحدهما: تنحل؛ كما خرج عن الإيلاء؛ لوجود الفعل المحلوف عليه.
والثاني: لا تنحل حتى لو أصابها بعد الإفاقة-: تلزمه الكفارة.
وارتفاع الإيلاء لارتفاع الضرر؛ وذلك لا يدل على ارتفاع اليمين؛ كما لو استدخلت المرأة ذكره، وهو نائم-: ارتفع الإيلاء، ولا تنحل اليمين حتى لو وطئها: تلزمه الكفارة.
ولو تكررت منه كلمة الإيلاء في حق امرأة واحدة، فقال: والله لا أطؤك، والله لا أطؤك قاله مرتين أو ثلاثاً، وسواء أطلقهما أو قيدهما مدة، أو أطلق أحدهما، وقيد الأخرى-: نظر: إن أراد بالثانية تكرار الأولى-: فهو يمين واحدة، وسواء اتحد المجلس أو اختلف، طال الفصل أو لم يطل.
فإن أراد الاستئناف-: فأيمان، وإن أطلق-: فعلى قولين: فإن قلنا: لا تتعدد اليمين-: فلا تجب إلا كفارة واحدة، إذا وطئ.
وإن قلنا: تتعدد اليمين-: فلا خلاف أن بوطأ واحدة ينحل الكل، وهل تتعدد الكفارة؟ فيه قولان:

أصحهما: لا تجب إلا كفارة واحدة لاتحاد الفعل.
والثاني: تتعدد؛ لتعدد الأيمان.
فَصْلُ فِيمَنْ يَصِحُّ إِيلاَءُهُ وَفِيمَنْ لاَ يَصِحُّ يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب؛ لظاهر القرآن.
وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.
ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون، ويصح إيلاء الذمي، وإذا آلى عن زوجته الذمية، ثم ترافعا إلينا: إن قلنا: يجب على حاكمنا أن يحكم بينهما-: فنجبره بعد مضي المدة بطلب المرأة على الفيء أو الطلاق، فإن لم يفعل-: طلق عليه الحاكم بطلبها؛ على أصح القولين؛ كما في حق المسلمة.
وإن قلنا: لا يجب الحكم فاختار أن يحكم-: لا يجوز أن تجبره؛ على الطلاق، ولا أن نطلق عليه؛ لأن الحكم على هذا القول: إنما يجوز بتراضيهما، بل إن لم يتفقا على حكمه- يردهما إلى حاكمهما.
ويصح إيلاء العربي بلسان العجم، والعجمي بلسان العرب، إذا كان العرب، إذا كان يعرف معناه: فإن لقن وهو لا يعرف معناه-: لا ينعقد والخصي والمجبوب الذي بقي من ذكره قدر الحشفة-: كالصحيح في الإيلاء، ويجبر بعد مضي المدة على الفيء بالفعل أو الطلاق.
وأما الممسوح أو من بقي من ذكره أقل من الحشفة: فإن كانت الأنثيان باقيتين-: ففي صحة إيلائه قولان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه لا يتحقق منه قصد المضارة.
والثاني: يصح، كالمريض، ثم بعد مضي المدة: يؤمر بالفيء باللسان أو الطلاق، وفي الفيء باللسان يقول: ندمت على ما قلت، ولا يحتاج إلى أن يقول: إن قدرت فعلت؛ بخلاف المريض: يقوله؛ لأنه يقدر عليه.
فأما إذا جب ذكره بعد الإيلاء-: فلا يبطل الإيلاء، ويجبر بعد مضي المدة على الفيء باللسان أو الطلاق.
ولو آلى عن امرأته القرناء أو الرتقاء-: ففيه قولان كالممسوح، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل