التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 133-172

ِ باب أسنانِ الإبل قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الآية [النساء: 92]، وروي عن ابن عمرو؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا عن في قتل العمد [و] الخطإ بالسوط والعصا - مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفةً في بطونها أولادها".

الأصل في الديات: الإبل؛ فمن قتل مسلماً حراً - تجب عليه مائة من الإبل.
ثم إن كان القتل عمداً - فديته مغلةٌ من ثلاثة أوجهٍ: من [حيث] السنُّ، ومن حيث إنها تجب في مال الجاني، ومن حيث إنها تكون حالة.
وإن كان القتل خطأً - فديته مخففة من الوجوه كلها؛ من حيث السن، وبأنها تكون على العاقلة مؤجلة.

وإن كان القتل شبه عمدٍ - فديته مغلظة من حيث السن مخففة من حيث إنها تجب على العاقلة مؤجلة.
ولا فرق في العمد المحض بين أن يكون موجباً للقصاص، [فيعفى على] الدية أو لا يكون موجباً للقصاص، كقتل الأب، والجراحات التي لا توجب القود.
والتغليظ بالسن في العمد وشبه العمد: أنه تجب ثلاثون حقةً وثلاثون جذعةً، وأربعون خلفةً في بطونها أولادها.
وعند مالك وأبي حنيفة - رحمهما الله -: يكون أرباعاً: خمسٌ وعشرون بنت مخاضٍ وخمسٌ وعشرون بنت لبون وخمسٌ وعشرون حقةً، وخمسٌ وعشرون جذعة.
وقال أبو ثور: ديةُ شبه العمد: أخماسٌ؛ كدية الخطإ، وديةُ الخطإ - بالاتفاق - أخماسٌ؛ غير أن - عندنا - يجب عشرون بنت مخاضٍ، وعشرون بنت لبونٍ، وعشرون ابن لبونٍ، وعشرون حقةً، وعشرون جذعةً، ويروي ذلك عن ابن مسعود.

وعند أبي حنيفة: تجبُ عشرون بنتَ مخاضٍ بدل بني اللبون، وديةُ الأطراف والجراح كذلك؛ إن كان عمداً، فأثلاث، وإن كان خطأ - فأخماس مثل إن قطع إصبعه عمداً - يجب عليه عشر من الإبل: ثلاثُ حقاقٍ، وثلاثُ جذاعٍ، وأربعُ خلفاتٍ.
وإن كان خطأ - فابنتا مخاضٍ، وابنتا لبونٍ، وابنا لبونٍ، وحقتان، وجذعتان.
وإن أوضح رأسه، أو قلع سناً عمداً - فخمسٌ من الإبل حقةً، ونصفٌ، وجذعةٌ ونصفٌ، وخلفتان.
وإن كان خطأ - فبنت مخاض، وبنت لبون، [وابن لبون]، وحقةٌ، وجذعةٌ، والخلفةُ الحامل، وقل ما تحمل إلا ثنية: فإن حبلت دون الثنية - تقبل منه، وفيه قول آخر: أنه لا تقبل؛ لأنه أحد أقسام إبل الدية؛ فيختص بسن كالسنين، والأول أصح؛ لأن الشرع أوجب الخلفة من غير اعتبار السن.
فلو أتى بناقةٍ، فقال هي حاملٌ، وقال الولي ليست بحاملٍ - يرى أهل المعرفة: فإن قال اثنان منهم: إنها حاملٌ - أجبر على القبول، فإن ماتت في يد المجني عليه قبل أن تضع، واختلف في كونها حاملاً - يشق بطنها، ولو أخذها الولي، ثم أتى بها [حائلاً] وقال الجاني: أسقطت - نظر: إن كان الزمان لا يحتمل الإسقاط- ردت إليه بلا يمين، وإن احتمل الإسقاط- نظر: إن أخذها الولي بقول للجاني - فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الحمل.
وإن أخذ بقول أهل المعرفة - فالقول قول الجاني على أصح الوجهين.
وإذا بان كونُها حائلاً بعد ما هلت عند الولي - يغرم الولي قيمة ما تلف عنده، ويطالب الجاني بالخلفة.
فصلٌ رُوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى فمن قتل في الحرام أو في الشهر الحرام أو

محرماً - بدية وثلث.
وعن عثمان: أنه قضى في امرأةٍ وطئت بالأقدام بمكة بدية وثلثٍ.
دية الخطإ في النفس والجراح تغلظ بالسن، وتلحق بشبه العمد في ثلاث مواضع: أحدها: أن يقتل أو يجرح في حرم "مكة".
الثاني: أن يقتل في الأشهر الحرم، وهي أربعة أشهر: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجبٌ.
والثالث: أن يقتل ذا رحم محرماً من القرابة.
لتعظيم هذه الحرمات، وتأكيد الشرع أمر القتال فيها.
قال الشيخ رحمه الله: وفي حرمة الحرم فيها، سواءٌ كان القاتل في الحرم أو المقتول - تغلظ؛ كما في جزاء الصيد: لا فرق بين أن يكون الصائد في الحرم أو الصيد.
وعند أبي حنيفة: لا تغلظ بهذه الأشياء، ولا تغلظ لشهر رمضان؛ لأنها ليست من الأشهر الحرم، ولا بسب الإحرام؛ لأن حرمة الإحرام غير متأبدة، ولا بحرم المدينة؛ لأن صيدها غير مضمون بالجزاء؛ على ظاهر المذهب.
وقيل: يغلظ بحرم المدينة؛ لأن صيدها حرامٌ.
ولا يغلظ بمحرمية الرضاع والمصاهرة.
وكيفية التغليظ: أن نوجب فيه ما نوجب في العمد: ثلاثين حقةً، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفةً، وعند عدم الإبل: تجبُ قيمتها في الجديد، وفي القديم: يرجع إلى بدلٍ مقدر؛ فعلى هذا: هل يُزاد بسبب التغليظ؟ فيه وجهان: [أحدهما]: يزاد الثلث؛ فإن كانت الحرمةُ واحدةً - فتجب فيها ديةٌ وثلث: ستة عشر ألف درهم، أو ألف دينار وثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث؛ في ثلاث سنين؛ كما قضى فيه عمر وعثمان - رضي الله عنهما-.
والثاني: لا يزادُ، ويسقط التغليظُ؛ لأن التغليظ في الأصل يكون بالصفة، لا بزيادة العدد، وكذلك: لا تؤخذ في الدراهم والدنانير؛ ألا ترى أن العبد لما لم تجب في بدله الإبلُ

  • لم يتغلظ بدله، وكذلك سائر المتلفات، ومن قال بهذا - حمل قضاء عمر وعثمان: على أن قيمة الإبل المغلظة كانت بلغت دية وثلثاً.
    وكذلك إذا قتل عمداً أو شبه عمد في غير هذه المواضع، وعدمت الإبل، وقلنا بقوله القديم -هل يزادُ بسبب التغليظ الثلث؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يزاد الثلثُ: فإن اجتمعت الحرمات؛ بأن قتل ذا رحم محرماً، في الحرم، في الشهر الحرام - ففي الجديد: لا يزادُ على مائة من الإبل مغلظةٍ، وعند عدمها: تجب قيمتها، وفي القديم: إذا قلنا: يزاد بسبب التغليظ الثلث - ففيه وجهان: أحدهما: لا يغلظ غلا مرةً؛ فيجب ديةٌ وثلث: ستة عشر ألف درهم.
    والثاني: يزاد بكل سببٍ ثلثها؛ فتجب أربعٌ وعشرون ألف درهم؛ لما رُوي عن ابن عباس: أنه قضى في رجل قتل في الشهر الحرام، في البلد الحرام بعشرين ألف درهم.
    فعلى هذا: إن كان قتله شبه عمد مع هذه الحرمات - تجب ثمانية وعشرون ألف درهم.
    ولو أتلف جنيناً في هذه المواضع - لا تغلظ الغرة؛ لأنها لا تغلظ بالفعل، فإذا عدمت الغرة، وقلنا: تجب عليه خمسٌ من الإبل - تغلظ الإبل.
    فصلٌ عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده؛ أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن [كتابا]، وكان في كتابه: "في النفس الدية مائة من الإبل".
    دية الحر المسلم: مائة من الإبل، وتؤخذ من كل من عليه شيء من الدية من القاتل أو من العاقلة من الصنف الذي في يده من الإبل: مهرية، أو أرجبية أو مجيدية أو

بخاتي؛ كالزكاة تجب من الصنف الذي عنده إلا أن يكون إبله عجافاً أو معايب، أو مراضاً - فللولي ألا يقبل منه، ويكلفه أن يحصل صحاحاً من الصنف الذي عليه؛ لأنه حق ثبت في ذمته؛ فلا يقبل منه المعيب؛ كالرقبة في الكفارة؛ بخلاف الزكاة يؤخذ فيها المعيب؛ إذا كانت [تؤخذ] كل إبله معايب؛ لأنها حق وجب في العين؛ فان من جنسها؛ غير أن في الكفارة: كل نقصٍ لا يؤثر في العمل - لا يمنع الجواز، وههنا كل عيبٍ ينقص المالية- لا يجب على الولي أن يقبل معه؛ لأن المقصود منه المال.
وإذا اجتمع في ملكه صنفان من الإبل فأكثر - ففيه وجهان: أحدهما: تؤخذ من الصنف الأكثر، فإن استويا - دفع من أيهما شاء.
والوجه الثاني: تؤخذ من كل نوع بقدره؛ إلا أن يتبرع، فيغطي الكل من النوع الأعلى، فإن أدى من نوع آخر غير ما في يده - يُجبر على القبول، إذا كان من غالب إبل قبيلته وبلده، فإن لم يكن له إبل - فعليه أن يحصل، ويبتاع من غالب نوع إبل بلده وقبيلته.
فإن كانت العاقلة متفرقة في البلدان والقبائل - فعلى كل واحدٍ من نوع إبلِ بلده وقبيلته: فإن أدى من غير نوع قبيلته - نظر: إن كان أدنى من نوع إبل قبيلته -لم يُقبل؛ وإلا فيقبل.
وإن لم تكن في بلده أو قبيلته إبلٌ، أو كانت معايب - فعليه نقلها من البلاد القريبة منه، وعليه من نوع أقرب البلاد إليه.
فإن بعدت المسافة؛ بحيث شق نقلها عليه - فهي كالمعدومة.
وإذا أعدمت الإبلُ - ففيه قولان: قال في القديم: يصار إلى بدل مقدر من إحدى النقدين؛ فيجب ألف دينارٍ من الذهب الخالص، أو اثنا عشر ألف درهم من الفضة الخالصة؛ لما رُوي عن مكحول وعطاءٍ قالا: أدركنا الناس على أن دية الحر المسلم، على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة من الإبل، فقوم عمر بن

الخطاب - رضي الله عنه - تلك الدية على أهل القرى ألف دينارٍ، أو اثني عشر ألف درهمٍ.
وقال في الجديد - وهو الأصح-: إذا عدمت الإبل - تجب قيمتها؛ لما روي عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقوم دية الخطإ على أهل القرى أربعمائة دينارٍ أو عدلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل، فإذا غلت - دفع قيمتها، وإذا هانت- نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينارٍ أو عدلها من الورق، وما قضى به عمر -رضي الله عنه - لم يكن على طريق التقدير، بل كانت القيمة بلغت ألف دينار في زمانه أو اثني عشر ألف درهم؛ بدليل ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم؛ حتى استخلف عمر -رضي الله عنه - فقام خطيباً فقال: إن الإبل قد غلت؛ ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
وإذا قومنا - نقوم الإبل التي [لو] كانت موجودة وجب تسليمها: فإن كانت لهم إبلٌ، لكنها معيبة - يقوم جنس إبلهم صحيحة، فإن لم يكن لهم إبل؛ [فيقوم جنس أقرب القبائل إليهم، ويقوم بالأغلب من نقد البلد، وتعتبر قيمتها بيوم الوجوب؛ فكل حول يمضي تعتبر قيمة حصته بيوم حلوله، وفي كيفيته وجهان: أحدهما: يقوم في المواضع الموجودة.
والثاني: يقوم في هذه البلدة، لو كانت موجودة؛ لأنها وجبت فيها، ولا تجب باعتبار حالة العدم.
ولو أراد الجاني أو العاقلة دفع القيمة مع وجود الإبل، أو أراد الولي أخذ القيمة مع

وجود الإبل - لا يجبر الآخر عليه، فإن تراضيا [عليه] جاز [كما إذا أتلف مثلاً، والمثليُّ موجودٌ لا يجبر أحدهما على الدية، وإن تراضيا - جاز] وعند أبي حنيفة - رحمه الله - الأصل في الديات أحد الأشياء الثلاثة: إما مائة من الإبل، أو ألف دينارٍ أو عشرة آلاف درهم.
وعند أبي يوسف: أحد الأشياء الستة: [أحد] هذه الأشياء الثلاثة، أو مائتا بقرة، أو مائتا حُلةٍ، أو ألفا شاةٍ، ومعنى الحُلةِ عامةُ لباس العرب؛ إزاراً ورداءً.
فصلٌ عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن: "في النفس مائة من الإبل، وفي الموضحة خمسٌ" هـ. تجب في الموضحة - خمسٌ من الإبل، وفي الهاشمة عشرٌ، وفي المنقلة خمس عشرة، وهي في الرأس والوجه واللحى الأسفل.
ولو شجه متلاحمة أو سمحاقاً كبيراً وفي وسطها موضحةٌ صغيرةً أو كبيرة - لا تجب إلا ديةٌ موضحةٍ، وتُدخل فيها حكومة السمحاق؛ لأن جميع تلك الجراحة: لو كانت موضحة - لم يكن له إلا أرش موضحة، ولو اقتص من الموضحة - هل له أخذ حكومةِ ما حولها من السمحاق؟ قال الشيخ رحمه الله-: يحتمل أن يكون على وجهين؛ كما لو قطع يد إنسان من نصف الكفِّ، فقطع المجني عليه أصابع الجاني - هل له أخذ حكومة نصف الكف؟ فيه وجهان: وإن كان وسط تلك الجراحة موضحات - لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ؛ لأن الكل جراحة واحدةٌ.
ولو أوضح رأسه موضحتين، وبينهما حاجز بالجلد واللحم - عليه عشرٌ من الإبل؛ فلو تآكل الحاجز؛ سواء تآكل الجلد دون اللحم، أو اللحم والجلد معاً - يعود إلى أرش موضحةٍ واحدة-: فله أن يقتص من الموضحتين دون ما تآكل؛ لأن القصاص لا يجب في الطرف

بالسراية، وتوزع دية موضحة على الكل؛ فبقدر ما تآكل - يجب.
قال الشيخ رحمه الله: فإن كان قد تآكل الجلدُ دون اللحمِ - وتجب له حومةٌ؛ إذا اقتص من الموضحتين، و [لو] لم يتآكل الحاجزُ، بل عاد الجاني، ودفع الحاجز بينهما قبل الاندمال - يعود إلى أرش موضحة واحدةٍ؛ سواء دفع الجلد واللحم، أو قطع الجلد دون اللحم، ولو ادخل السكين بين الموضحتين؛ فقطع اللحم بينهما، والجلد باقٍ بينهما - فهل يعود إلى أرش موضحةٍ واحدةٍ - فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لاتصال الجراحة.
والثاني: لا يعود؛ لبقاء الحاجز بينهما في الظاهر.
قال الشيخ رضي الله عنه: وكذلك: لو تآكل اللحم بينهما دون الجلد - هل يعودُ إلى أرش موضحةٍ واحدةٍ؟ فيه وجهان: ولو دفع الجاني الحاجز بعد الاندمال، فأوضح عليه أرش موضحة ثالثةٍ.
ولو جاء أجنبي، فرفع الحاجز بينهما - فعلى الأول: أرشُ موضحتين، وعلى الثاني: أرش موضحةٍ أخرى - سواءٌ دفع بعد اندمال الأول أو قبله؛ لأن فعل أحدهما لا يُبنى على فعل الآخر.
ولو أوضح رأسه بجر السكين بإيضاح، أو بجرحٍ غير إيضاحً إلى موضوع آخر من رأسه، وأوضح في قفاه - لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ.
ولو جر السكين إلى القفا من غير إيضاح - عليه أرش موضحةٍ، وحكومةٌ لجراحة القفا، سواء أوضح القفا أو لم يوضح؛ لأنه ليس لجراحة القفا أرشٌ مقدرٌ، ولو جر السكين إلى الجبهة بالموضحة أو بغير الموضحة، وأوضح الجبهة - فيه وجهان: أحدهما: لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ؛ لأن الجبهة محل الإيضاح؛ كالرأس؛ كما لو أوضح رأسه، وجر السكين من غير إيضاح على رأسه، ثم أوضح في متنهاه على رأسه.
لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ؛ لأن الجبهة محل الإيضاح؛ كالرأس.
والثاني: وهو الأصح-: عليه أرش موضحتين؛ لاختلاف المحلين.
ولو أوضح رأسه، فاتصل [فقد قيل: هل] يسقط الأرش؟ فيه قولان؛ السن ينبتُ، والصحيح: [أنه] لا يسقط الأرش؛ لأن العادة لن تجر به، حتى لو التأم بالجلد

واللحم، ثم جاء آخر، فأوضحه ثانياً - يجب على الثاني أرش موضحةٍ أخرى؛ سواء نبت الشعر على ذلك الموضع، أو لم تنبت، وسواءٌ كان لون الجلد متغيراً عن لون سائر الجسد، أو لم يكنن فأما قبل أن تتصل بالجلد واللحم إذا أوضحه آخر - يجب على الثاني الحكومة.
ولو أوضح رأسه [فجاء] آخر، فأوضح قطعةً أخرى متصلاً بها - فعلى الثاني أرش موضحةٍ تامةٍ؛ كما على الأول.
ولو أخذ رجلان سكيناً، وأوضحا معاً - فلا يجب عليهما إلا أرش موضحة واحدةٍ.
قال الشيخ رحمه الله: وعليهما القود؛ فيوضح من رأس كل واحدٍ بقدرِ موضحةٍ المشجوج؛ كما تقطع الأطراف بطرف واحدٍ.
ولو أوضح رجلٌ رأس آخر، ثم جاء آخر، وهشمه في موضعها، ثم جاء ثالثٌ، وجعلها منقلة، ثم جاء رابعٌ، وجعلها مأمومة، وجاء خامسٌ، فخرق خريطة الدماغ -فعلى الموضح خمسٌ من الإبل، وعلى الهاشم ما بين الموضحة والهاشمة: خمسٌ، وعلى من جعلها منقلة خمسٌ، وعلى من جعلها مامومةً ما بن المنقلة والمأمومة: ثمانية عشر من الإبل وثلث، وعلى من خرق الخريطة كمالُ دية النفس؛ كمن حز رقبة إنسان بعدما قطع أطرافه -يجب على حازِّ الرقبة كمالُ دية النفس.
ولو هشم رجلاً من غير إيضاحٍ - عليه خمسٌ من الإبل، ولو نقل - فعشر من الإبل.
وقال ابن أبي هريرة: تجب فيه الحكومة؛ لأنه ليس فيه شيئين ظاهرٌ؛ كما لو كسر عظماً آخر من ساعده أو ساقه.
والأول المذهب.
ولو هشم رأسه في موضعين، وبي الجلد واللحم، والعظم بينهما صحيحٌ - فعليه أرشُ هاشمتين: عشرٌ من الإبل، ولو بقي بينهما عظمٌ صحيح، وذهب الجلد واللحمُ - فلا يجب إلا أرش هاشمةٍ واحدةٍ؛ نص عليه؛ كما في الموضحة.
ولو بقي بينهما الجلدُ واللحمُ غير أن الهشم متصلٌ في الباطن - فوجهان: أحدهما: لا يجب إلا أرش هاشمةٍ واحدةٍ؛ لاتصال الكسر.

والثاني: [هما] هاشمتان؛ لبقاء الجلد واللحم بينهما.
وكذلك: لو شجه منقلةً في موضعين، ولو شجه هاشمةً، وجر السكين بإيضاح أو غير إيضاح إلى موضع آخر من رأسه، وأوضح [في] منتهاه - لا يجب إلا أرش هاشمةٍ واحدةٍ؛ كما ذكرنا في الموضحة، ويجب على المأمومة ثلث دية النفس، كما في الجائفة.
ولو خرق خده؛ فوصل على باطن الفم، أو مارن أنفه؛ فوصل إلى باطن الأنف - ففيه وجهان: أحدهما: عليه ديةُ الجائفة؛ لأنها جراحةٌ وصلت على الجوف من الظاهر.
والثاني: وهو الأصح - عليه حكومةٌ؛ لأن باطن الفم والأنف ليس بجوف؛ بدليل أنه لا يحصل الفطر بوصول الواصل غليه، ولأن الجائفة أن تصل الجراحة إلى جوفِ يخافُ منه التلفُ، وهو جوفُ الرأس والبدن، وهذا لا يخاف منه التلف؛ فلو ضرب على وجنته، فهشمه، أو نقله وخرقه؛ فوصل إلى باطن الفم، أو هشم قصبة أنفه، فأولها إلى باطن الأنف - فيه وجهان: أحدهما: عليه أرشُ المأمومةِ؛ ما لو هشم رأسه، فأوصل إلى خريطة الدماغ، وهذا على الوجه الأول الذي يقول: خرق الخد كالجائفة.
والثاني: وهو الأصح-: عليه أرش الهاشمة، إن كان هشم، أو المنقلة إن كان نقل، وحكومة لخرق الخد والأنف، ولا تدخل حكومة خرق الخد والأنف في أرش الهاشمة والمنقلة؛ لأنه جناية أخرى، وحكومة خرق الخد، فقد قيل: لا تبلغ أرش الموضحة، وكان [شيخي رحمه الله] يقول: يجوز أن تُزاد على أرش الجائفة، لأنا إذا لم نجعل له حكم الجوف فهو ليس بعضو، له بدلٌ مقدرٌ حتى لاتزاد حكومته عليه.
فصلٌ عن عمرو بن حزم؛ أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "وفي المأمومة ثلث دية النفس، وفي الجائفة مثلها".

في الجائفة ثلث دية النفس، وهو: أن يضرب في بطنه أو ظهره أو جنبه أو صدره أو، ثغرة نحره أو وركه: فيصل إلى باطنه.
ولو ضرب في حلقه أو قفاه، فنفذ - فهو جائفةٌ؛ لأن وصول الطعام إليه يفطره.
ولو طعنه بسنانٍ له شُعبتان، فأجاف في موضعين - فهما جائفتان؛ ففي كل واحدة ثلث دية النفس، ولو طعن في بطنه، فأخرجه من ظهره - ففيه وجهان: أصحهما: أنهما جائفتان، وهو قول أبي حنيفة - رحمة الله عليه- وقيل: عليه أرشُ جائفة، وحكومةٌ للجرح إلى الجانب الآخر - لأن الجائفة ما يصل [من الظاهر] إلى الجوف، والنفاذ إلى الظاهر - خروج من الجوف؛ فيجب فيها الحكومة.
ولو أجاف بطنه، فجر السين بالجائفة إلى جنبه أو ظهره -لا يجب إلا أرش جائفة واحدة، وكذلك: لو جَرَّ إلى آليته؛ لأن الآلية في مقابل الجوف.
ولو أجاف بطنه، [فجر السكين] إلى فخذه أو كتفه - فعليه ديةُ جائفةٍ، وحكومةٌ لجرح الفخذ والكتف؛ لاختلاف المحلين؛ كما لو أوضح رأسه، وجر السكين إلى قفاه - عليه أرش موضحةٍ، وحكومةٌ.
ولو أجافه، ثم جاء رجلٌ آخر، ووسعها ظاهراً وباطناً - يجب على الثاني أرش جائفةٍ؛ كما على الأول.
ولو قطع الظاهر دون الباطن، أو الباطن، دون الظاهر - فعليه الحكومة.
ولو أدخل السكين فيها من غير جرح - عُزر، ولو اندملت الجائفة فاتصلت - لا يسقط أرشها على ظاهر المذهب؛ كالموضحة إذا اتصلت.
ولو خاط الجائفة، فجاء آخر ونزع الخيط - نظر: إن كان قبل الالتحام - يُعزر، ولا أرش عليه، وعليه قيمة الخيط إن تلف، وأجرُ مثل الخياطة.
وإن نزع بعدما التحم ظاهراً وباطناً، فانفتحت - عليه أرش جائفةٍ أخرى، ولا يجب

أجرُ الخياطةِ؛ لأنه دخل في أرش الجائفة.
وإن كان قد التحم ظاهرها دون باطنها أو باطنها دون ظاهرها - فعليه الحكومة، ولا يجب أرش الخياطة، وتجب [عليه] قيمة الخيط، إن تلف بالنزع.
ولو أدخل خشبة في دبر إنسان، فخرق حاجزاً في الباطن - هل يلزمه أرش الجائفة، أم لا تجب إلا الحكومة؟ فيه وجهان؛ بناء على الوجهين فيمن خرق الحاجز بين الموضحتين في الباطن - هل يجعلُ كما لو خرق ظاهره، حتى لا يجب إلا أرش موضحةٍ واحدةٍ؟ فيه وجهان: فصلٌ يجب في الأذنين كمال دية النفس؛ لأن فيهما جمالاً ومنفعةً؛ فإنها تجمعُ الصوت، وتوصل إلى الدماغ، وفي أحداهما نصف الدية، وفي بعضها بقدرها من الدية.
وعند مالك -رحمه الله - يجب في الأذنين الحكومة.
ولو ضرب على أذنه، فاستحشفت، ويبست - ففيه قولان: أصحهما: هو المذهب -: يجب عليه كمال الدية؛ كما لو ضرب يده فأشلها.
وفيه قولٌ آخر، وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله - تجب عليه حكومة؛ لأن الجمال والنفع باقٍ مع الاستحشاف، فلو جاء رجلٌ، وقطع المستحشفة - فعليه الحكومةُ على القول [الأول]، وهو الأصح.
وإن قلنا: على الأول الحكومة- فعلى الثاني الدية؛ لأنه أفات النفع والجمال.
ولو ضرب رأسه، فأذهب سمعه - يجب عليه كمال الدية؛ لأنها حاسة تختص بمنفعة تامة، ولاقود فيه لعدم افمكان، وفي سمع إحدى الأذنين نصف الدية.
وإن قال عدلان من أهل البصر: إنه يعود إلى مدة قدروها، تنتظر تلك المدة: فإن

لم يعد- أخذت الدية، وإن لم يقدروا مدة - لا ينتظر، لأن الانتظار إلى مدة غير معلومة - يؤدي إلى إسقاط موجب الجناية.
وإن أخذت الدية، ثم عاد السمع - يجب رد الدية؛ لأنه بان أنه لم يفت السمع.
ولو قطع أذنه، وأذهب سمعه - عليه ديتان.
فإن ادعى المجني عليه ذهاب سمعه، وأنكر الجاني - يختبر بأن يُصاح به عند النوم والغفلة، وعند صوت الرعد: فإن انزعج - فالقول قول الجاني مع يمينه، وإنما حلفناه؛ لاحتمال أن يكون انزعاجه لسبب آخر، فإن لم ينزعج - فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
وإنما حلفناه؛ لاحتمال أنه يتماسك جلادةً، ولو ادعى ذهاب سمع إحدى أذنيه - تُحشى أذنه الصحيحة، وتختبر في العليلة؛ كما ذكرنا.
ولو انتقص سمعه - نُظر: عن انتقص من الأذنين جميعاً - فلا يمكن تقديره إلا أن يعلم أنه من قبل من أي موضع كان يسمع؛ فيعرف قدر ما انتقص: فإن لم يعرف ففيه حكومة؛ بقدر ما يؤدي اجتهاد الحاكم إليه، وإن قال الجاني: لم ينتقص سمعك - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه لا يُعرف لك إلا من جهته.
وإن انتقص سمع إحدى أذنيه- يمكن معرفته بأن تُحشى أذنه العليلة، وتطلق الصحيحة، ويتباعد [عنه رجلٌ] وينادي ويصيح: فإن سمع - تباعد إلى حيث لا يسمع وراءه، فيعلم عليه علامةً، ثم تحشى أذنه الصحيحة، وتطلق العليلة، ويقرب الصائح؛ فيصيح إلى حيث يسمع، ثم نذرع المسافة، فتوزع الدية عليها، فتوجب بقدر ما انتقص.
وإن اختلفا - فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
ولو ضرب رأسه، [فأزال عقله] عليه كمال الدية؛ لأن العقل أشرفُ ما ينتفعُ به الإنسان في بدنه، وبه يتميز عن البهائم، ولا قود؛ لأنه لا يمكن الاقتصاص منه.
ولو ذهب بعض عقله - نظر: إن كان مما يمكن معرفته؛ بأن كان يُجن يوماً، ويفيق يوماً - عليه نصف الدية، وإن

كان يُجن يومين، ويفيق يوماً - فثلثا الدية.
وإن لم تمكن معرفته بأن دخله نقصٌ، واختلط كلامه، قوبل صوابه بخطئه، ويوجب من الدية بقر ما يتكلم بكلام المجانين، ويعرف ذلك ما يعرف السكر من الإفاقة: فإن لم يُعرف- ففيه حكومة بقدر ما يؤدي اجتهاد الحاكم إليه.
وإن جنى عليه جنايةً، فذهب بها عقله- نُظر: إن لم يكن لتلك الجناية أرشٌ؛ بأن ضربه أو لطمه، فذهب عقله - فعيه دية العقل، وإن كان لها أرشٌ: إما مقدرٌ؛ مثلُ: إن قطع يده، فذهب عقله، أو أوضحه - أو غير مقدرٍ؛ مثل: جراحةٍ توجب حكومةً - فهل يدخل أرش تلك الجناية وحكومتها في دية العقل؟ - فيه قولان: أصحهما: وهو قوله الجديد -: لا يدخل، [بل] عليه أرش الجناية وديةُ العقل؛ لأنه أتلف عضواً ذهب به منفعةٌ حالةٌ في غيره؛ فلا يتداخل أرشهما؛ كما لو أوضحه، فأذهب سمعه وبصره - لا يدخل أرش الموضحة في دية السمع والبصر.
وقال في القديم: إن كان أرش الجراحة أقل من الدية؛ بأن أوضحه، فذهب عقله - يدخل الأقل في الأكثر؛ لأن زوال العقل معنى يزيل التكليف؛ فجاز أن تدخل دية الطرف في ديته؛ كما لو جرحه، فخرج به روحه.
وإن كان أرش الجناية أكثر من دية العقل، أو استويا - فيجب كلاهما، ولا يتداخلان.
ولو ضربه، فأذهب نطقه وسمعه [وعقله]- عليه ثلاث دياتٍ؛ [و] رُوي عن أبي قلابةَ؛ أن رجلاً رمى رجلاً بحجرٍ، فأصاب رأسه، فذهب سمعه وعقله وكلامه ونكاحه؛ فقضى فيه عمر - رضي الله عنه - بأربع ديات.
فصلٌ عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"في النفس مائة من الإبل، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون أهـ

إذا فقأ عيني بصيرٍ - عليه كمالُ دية النفس، وفي أحداهما نصفها.
ولا تفرد الحدقة بالضمان وإن عظم شينها؛ لأن البصر يحلها، وقد أوجبنا [ضمان في البصر]؛ بخلاف السمع حيث قلنا: لا تدخل دية الأذن في دية السمع؛ [لأن السمع] لا يحل جرم الأذن، وفي كل واحد منفعةً تامةٌ.
ولو فقأ العين البصيرة من الأعور - لا تجب غلا نصف الدية.
وقال الزهري ومالك - رحمة الله عليهما - تجب كل الدية -قلنا: لما لم تجب من البصير فيهما إلا نصف الدية - فمن الأعور كذلك؛ كما لو قطع يد الأقطع - لا تجب إلا نصف الدية.
ولو ضرب على رأسه، فهب ضوء بصره - يجب تمام الدية، وفي ضوء إحدى العينين نصف الدية، وتجب في البصر الضعيف الدية؛ كما في اليد الضعيفة.
ولو قال عدلان من أهل الخبرة: إنه يُرجى عوده إلى مدة معلومة -تنتظر تلك المدة: فإن عاد - فلا قصاص ولا دية، وإن لم يعد - يقتص أو [تأخذ] الدية، وإن مات قبل مضى تلك المدة - فلا قصاص؛ لأن قول أهل الخبرة: إنه يعود - يورث شبهةً، والقصاص يسقط بالشبهة؛ وتجب الدية.
وقيل: في وجوب الدية وجهان؛ كما ذكرنا في السن إذا مات المجني عيه قبل [أوان] النبات.
[والمذهب الأول] وكذلك [في] حكم السمع إذا قال أهل الخبرة: يعود، فمات قبل مضي تلك المدة، فلو اختلفا: فقال الجاني: مات بعد عود البصر، وقال الولي: بل قبله - فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العود، ووجوب الدية.
ومن قل الحدقة العمياء عليه الحكومة، فلو ادعى المجني عليه ذهاب بصره، وأنكر الجاني - يختبر؛ بأن يقرب من عينه حديدةٌ أو عقربٌ، فإن انزعج - فالقول قول الجاني مع

يمينه، وإلا فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
وإن ادعى ذهاب ضوء إحدى عينيه - تُعصب الصحيحة، وتختبر في العليلة بما ذكرنا.
وإن انتقص ضوء بصره - نظر: فإن انتقص من العينين جميعاً، وعُرف مقداره؛ بأن كان يرى الشخص من مسافةٍ، فصار بحيث لا يراه إلا من نصف تلك المسافة - وجب بقدره من الدية، وإن لم يعرف قدر النقصان - ففيه حكومةٌ بقدر ما يؤدي اجتهاد الحاكم إليه.
وإن انتقص ضوء إحدى عينيه بحيث يمكن معرفته بأن تعصب عينه العليلة، وتطلق الصحيحة، ويتباعد منه رجلٌ، وهو يتبعه بصره إلى حيث لا يراه [وراءه]، فيعلم عليه علامةً، ثم تطلق عينه العليلة، وتعصب الصحيحة، ويقرب ذلك الرجل منه إلى حيث يراه، ثم تُذرع المسافة - فتوجب بقدر ما انتقص من دية إحدى العينين.
فإن قال أهل الخبرة: [إن الرؤية] على البعد تحتاج فيها من الضوء إلى ضعف ما يحتاج إليه على القرب، وأمكن ضبط ذلك - يحمل عليه، وقل ما يعرف ذلك.
ولو أذهب ضوء بصره، وجاء آخر، فقلع حدقته، فاختلفا: فقال الأول: قلع الثاني الحدقة بعد عود البصر، وقال الثاني: بل قبله - فالقول قول الثاني مع يمينه.
فلو أن المجني عليه صدق الأول - برئت ذمة الأول عن الدية، ولا يقبل قوله على الثاني، والثاني يحلف، وعليه الحكومة.
وفي عين الأعمش والأخفش والأحول تمام الدية.
ولو ضربه، فشخصت عينه، أو جعله أحول أو أعمش ففيه الحكومة.
وإن صار أعشى، وهو: الذي لا يبصر بالليل - يجب عليه نصف الدية، ولو عشى إحدى عينيه - فربع الدية.
وإن كان في عين المجني عليه بياضٌ - نظر: إن لم يكن على الناظر - ففيه القصاص أو كمال الدية؛ كالثآليل على اليد؛ سواءٌ كان

على بياض العين أو على سوادها.
وإن كان على الناظر بحيث لا يرى إلا قليلاً - ففيه حكومة بقدر ما يرى الحاكم وفي أجفان العينين كمالُ الدية، وهي الجلود التي تنطبق على الحدقة؛ سواءٌ قطعها من بصير أو أعمى؛ لأن فيها منفعةً، وهي أنها تقي البصر من الحر والبرد والآفات، وفي جفني إحدى العينين نصف الدية وفي إحدى الجفنين ربع الدية؛ سواءٌ فيه الأعلى والأسفل، وفي الأهداب - إذا أتلفها - الحكومة.
وإذا قطع الجفن - هل تدخل حكومة الأهداب في دية الجفن؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل؛ كشعر الذراع تدخل حكومته في أرش الذراع، وكشعر موضع الموضحة يتبع أرشها.
والثاني: لا يدخل؛ لأن في الأهداب جمالاً ومنفعة خاصة، وهي أنها تبقي البصر.
ولو ضرب على جفنه، فاستحشفت - فعليه الدية، ومن قطع المستحشفة - فعليه الحكومة.
فصلٌ عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي تكبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي الأنف - إذا أوعى جذعاً - مائةً من الإبل".
إذا قطع مارن أنفِ إنسانٍ - تجب فيه كمال الدية؛ للحديث، ولأنه عضو فيه جمالٌ ومنفعةٌ كاملةٌ؛ لأنه يجمع الشم، ويمنع الغبار من الدماغ؛ وسواءٌ فيه أنف الشم والأخشم؛ لأن نقص الشم لي سفي جِرْمِ الأنف.
ولو قطع الحاجز بين المنخرين - ففيه الحكومة، ولو قطع المنخرين مع الحاجز - فحكومة الحاجز تدخل في الدية.
ولو قطع إحدى المنخرين - ففيه نصف الدية؛ على الصحيح من المذهب، وفيه وجه آخر: أن عليه ثلث الدية؛ لأن الدية توزع على المنخرين والحاجز.
ولو قطع إحدى المنخرين مع الحاجز - فعليه نصف الدية، وحكومةٌ للحاجز؛ على الصحيح من المذهب، وعلى الوجه الثاني: عليه ثلثا الدية.

ولو ضرب أنفه، فاستحشفت- ففيه قولان؛ ما ذكرنا في الأذنين: أصحهما: يجب عليه كمال الدية.
والثاني: تجب [عليه] الحكومةُ؛ لأن الجمال والمنفعة باقٍ.
ولو قطع رجلٌ المستحشفة - فعليه الحكومة على القول الأول، وهو الأصح، وعلى الثاني: عليه الدية؛ لأنه أفات الجمال والمنفعة.
ولو ضرب أنفه، فاعوجت - عليه الحكومة.
ولو ضرب رأسه، فأذهب شمه - عليه كمال الدية، ولو أذهب شم أحد أنفيه - فنصف الدية، وإن انتقص شمه - ففيه حكومة بقدر ما يؤدي [إليه] اجتهاد الحاكم.
ولو أنكر الجاني نقصان شمه - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لوجود الجناية.
ولو قطع أنفه، وأذهب شمه - فعليه ديتان، ولو أنكر الجاني ذهب شمه - يختبر؛ بأن يقرب من أنفه الروائح الطيبة والمنتنة: فإن اهتش من الطيب، وتعبس من المنتن- فالقول قول الجاني مع يمينه، [وألا- فالقول قول المجني عليه مع يمينه].
ولو أذهب ذوقه، فلا يجد طعم الأشياء- ففيه مال الدية، كما في الشم، والذوق في خمسة أشياء: الحلاوة والحموضة، والمرارة، والملوحة، والعذوبة؛ فإن أذهب واحداً منها - ففيه خمس الدية وإن انتقص بأن كان يحس هذه المذاقات، ولكنه لا يدركها على كمالها - ففيه الحكومة.
ولو قال الجاني: لم يذهب ذوقك - يختبر؛ بأن تصب في فمه الأشياء المرة، فن قطب وجهه - فالقول قول الجاني مع يمينه؛ وإلا - فالقول قول المجني عليه مع يمينه.
ولو عاد شمه، وذوقه - بعد أخذ الدية - يجب ردها؛ كما لو عاد سمعه وبصره.
ولو وضع المجني عليه يده على أنفه عند رائحةً، فقال الجاني: أخذت أنفك عن الرائحة؛ فقد عاد شمك، وأنكر المجني عليه - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه قد يقع

ذلك اتفاقاً أو استمخاطاً ونحوه.
فصلٌ عن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي الشفتين الدية".
إذا قطع شفتي إنسان - يجب فيهما كمال دية النفس، إذا استوعبنا، وهي: ما تجافي من جلدة الذقن والخد مما يستر اللثة، [و] في أحداهما نصف الدية؛ سواءٌ قطع العليا أو السفلى، وفي بعضها بقدره من الدية.
ولو ضرب شفته فأشلها بأن استرسلت، فلا تنقبض، أو انقبضت؛ فلا تسترسل - فعليه كمال الدية.
ومن قطع الشلاء - فعليه الحكومة.
ولو قطع شفة مشقوقة - فلا قود إلا أن يكون للقاطع مثلها، وفيها ديةٌ ناقصةٌ بقدر الشق، ومن شق شفته أو أنفه -[فعليه] الحكومة.
وفي اللسان مال دية النفس؛ لأنه فيه منفعة تامة، وهي النطق، وبه يتميز عن البهائم.
ولو ضرب لسانه، فذهب كلامه- يجب كمال الدية.
ولو قطع آخر لسانه بعد ذهاب الكلام - فعليه الحكومة، وفي لسا، الأخرس الحكومة؛ إذا كان ذلك لنقص بلسانه.
فإن كان لسانه صحيحا غير أنه ولد أصم لم يسمع الكلام؛ فلا يتكلم لذلك- ففيه وجهان: أحدهما: تجب فيه الحكومة؛ لأن منفعة اللسان بالكلام، وهو لا يتكلم؛ كما لو قطع يداً شلاء.
والثاني: يجب كمال الدية؛ لأنه [لا] نقص بلسانه؛ كما لو قطع لسان صبي لم يبلغ الكلام.
ولو ضرب لسانه، فأذهب بعض حروفه - فعليه بقدره من الدية، وتُوزع على حروف

المعجم، وتقسم على حروف كلامه؛ فإن حروف اللغات مختلفة الأعداد، فكمن يتكلم بلغة توزع ديته على حروف لغته.
فإن كان يتكلم بالعربية فحروف لغتهم ثمانية وعشرون حرفاً، فإن أذهب نصفها - عليه نصف الدية، وإن أذهب حرفاً منها - عليه جزءٌ من ثمانية وعشرين جزءاً من الدية؛ سواءٌ كان ذلك الحرف مما يثقل على اللسان أو يخف عليه؛ كالباء والفاء والميم.
وقال الإصطخري: توزع على الحروف اللسانية، وهي خمسة عشر حرفاً، وفي تفويتها كمال الدية، وليس بصحيح؛ لأن الحروف - وإن انقسمت إلى لسانية، وشفوية، وحلقية - فالمعول في كلها على اللسان، والانتفاع بها يكون باللسان؛ فن مقطوع اللسان لا يكون له نطقٌ.
ولو جعله يُبدلُ حرفاً بحرف فعليه دية حرفٍ، ولو أذهب بعض حروفه، ولكن لا يُفهم كلامه بما بقي منها - فعليه كمال الدية.
وإن كان الرجل ألثغ أو أرت؛ لا يتكلم إلا بعشرين [حرفاً] وكلامه مفهوم - ففي لسانه القود أو كمال الدية لأن جرم اللسان صحيحٌ؛ كاليد الضعيفة.
وإذا ذهب بعض حروفه - توزع ديته على عشرين حرفاً؛ ففي عشر منها نصف الدية.
ولو قطع بعض لسانه، وذهب بعض حروفه - نظر: إن استوى ما قطع من لسانه وما فات من الحروف؛ مثل: إن قطع نصف لسانه [وذهب بعض حروفه - فعليه نصف الدية، وإن اختلفا - فالاعتبار بالأكثر؛ مثل: ن قطع نصف لسانه].
وذهب ربع حروفه، أو قطع ربع لسانه، وذهب نصف حروفه- فعليه نصف الدية؛ لأن جرم اللسان الصحيح مضمون الدية، ومنفعته أيضاً مضمونة.
وقال أبو إسحاق المروزي: الحكم هكذا، ولكن ليس ذلك باعتبار الأكثر، بل الاعتبار بجرم اللسان؛ فهو إذا قطع ربع اللسان، وأذهب نصف الحروف فعليه نصف الدية؛ لأنه قطع ربع اللسان، وفوت منفعة الربع بالإشلال.

وفائدة هذا الخلاف تتبين في حق من قطع بقية اللسان -[صح]؛ مثل: ن قطع ربع لسانه، وأذهب نصف حروفه، ثم جاء آخر، وقطع الباقي - فعلى الوجه الأول - وهو الأصح-: يجب على الثاني ثلاثة أرباع الدية، وعلى قول أبي إسحاق: يجب على الثاني نصف الدية، وحكومةٌ؛ لأن بعض ما قطعه كان أشل بفوات حروفه، وعلى عكسه: لو قطع رجلٌ نصف لسانه، وأذهب ربع حروفه، ثم جاء آخر، وقطع الباقي - فعلى الوجه الأول: على الثاني ثلاثة أرباع الدية؛ لإفاتته ثلاثة أرباع الحروف، وعلى قول أبي إسحاق: عليه نصف الدية؛ كما على الأول.
قال الشيخ رحمه الله: ولو أن رجلاً قُطع نصف لسانه، وذهب ربع كلامه، ومن آخر [قطع] نصف لسانه، وذهب نصف كلامه، فقطع الأول باقي لسان الآخر - لا قصاص عليه؛ لأن المجني عليه ناقصٌ في حق الجاني.
ولو قطع نصف لسانه، وأذهب حروفه، فاقتص من نصف لسانه، ولم يذهب من حروفه إلا الربع- أخذ المجني عليه مع القاص ربع الدية؛ لتمام حقه، ون ذهب بالقصاص ثلاثة أرابع حروف الجاني -[لم] يجب ضمان الزيادة؛ لأن فواتها بسبب قود مستحق؛ كسراية القصاص - لا تكون مضمونة.
وإن كان الرجل لا يتكلم بحرفٍ من الحروف، فجنى رجلٌ على لسانه، فانطلق لسانه على ذلك الحرف، وفات حرفٌ آخر - تجب عليه دية حرفٍ، ولا يجبر بما انطلق عليه اللسان.
ولو جنى على لسانه، فجعله ثقيل الكلام، أو عجولاً، أو تمتاماً، أو فأفاء فعليه الحكومة، ولا دية؛ لأن المنفعة باقية.
ولو كان للسانه طرفان، فقطع رجلٌ أحد طرفيه - نظر: إن كان على سمت اللسان، واستويا في الخلقة - فعليه بقدر ما قطع من الدية، وإن لم يذهب [شيء] من الحروف، وإن قطع الكل فعليه كمال الدية، فهما كاللسان المشقوق.
وإن كان أحدهما تام الخلقة، والآخر ناقص - فالتام هو الأصل؛ ففيه كمال الدية وفي الناقص الحكومة، ولا تبلغ تل الحكومة دية قدره من اللسان؛ مثل أن يكون ذلك القدر سدس

اللسان - لا يبلغ بحكومته سدس الدية، وإن قطعهما - فعليه ديةٌ وحكومةٌ.
وإن فات بقطع بعض أحدهما بعض حروفه - نُظر: إن قطع من الأصلية - فعليه الأكثر من دية اللسان أو الحروف وإن قطع من غير الأصلية - فعليه دية ما فات من الحروف، وحكومة لجرم اللسان.
وفي لسان الرضيع الذي يُحرك ببكاء أو غيره - كمال الدية، فن كان لا يحركه - ففيه الحكومة.
وإن بلغ أوان الكلام، ولم يتكلم - ففيه الحكومة، وإن كان يحركه: فلو قطع بعض لسانه، وأخذنا منه حكومته، ثم تكلم ببعض الحروف؛ فتبين أنه لو لم يقطع لسانه - لكان ناطقاً - تكمل تلك الحكومة دية ما فات من الحروف أو جرم اللسان، أيهما كان أكثر.
ولو جنى على لسانه، فذهب نطقه، ثم عاد - سقطت الدية؛ كالبصر والسمع يعود.
وإن قطع لسانه، وأذهب ذوقه - عليه ديتان.
فصلٌ عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "في السن خمسٌ من الإبل".
إذا قلع سناً من أسنانه - يجب عليه خمسٌ من الإبل، تستوي فيه جميعُ الأسنان؛ لما رُوي عن ابن عباس قال: جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابع اليد والرجل سواء، وقال: الأسنان سواء، الثنية والضرس سواءٌ، والأصابع سواءٌ، هذه وهذه سواءٌ.

ولو كسرها ظهر منها فوق اللثة - يجب فيه تمام دية سن.
ثم من قلع السنخ - فعليه الحكومة، ومن قلع سناً [مع سنخها - تدخل حكومة النسخ في دية السن؛ كما أن حكومة الكف تدخل في دية الأصابع.
ولو كسر ما ظهر من سنه، ثم عاد هو، فقلع السنخ - نُظر: إن قلع السنخ بعد الاندمال - عليه دية للسن، وحكومةٌ للسنخ.
وإن قلع السنخ قبل الاندمال - ذكر شيخي - رحمه الله - فيه وجهين؛ وكذلك لو قطع أصابع يده، ثم عاد قبل الاندمال، فقطع كفه.
أحدهما: تدخل حكومة السنخ في دية السن، وحكومةُ الكف في دية الأصابع؛ كما لو أوضح رأسه موضحتين، ثم قبل الاندمال: رفع الحاجز بينهما - لا يجب إلا ارش موضحةٍ واحدةٍ.
والثاني: لا تدخل بخلاف الموضحة؛ لأن - ثم - اسم الموضحة تقع على الكل، وههنا: ينفرد السنخ والكف باسم آخر، فإذا انفرد بالجناية - انفرد بالضمان.
ولو كسر نصف ما ظهر من السن - عليه نصف دية سنٍّ، فلو جاء آخر، وقلع الباقي مع السنخ - فعلى الثاني نصف دية سن، هل تدخل فيه حكومة السنخ؟ - نظر: إن كسر الأول نصف ما هر منها عرضاً - لا تجب على الثاني حومة السنخ؛ كما لو قطع أنامل إنسانٍ، ثم جاء آخر، وقطع يده من الكوع - تدخل حكومة الكف في دية الأصابع الناقصة الأنامل.
وإن كسر الأول نصف السن طولاً - يجب على الثاني نصف حكومة السنخ، وهو ما تحت المكسور؛ لأنه ليس فوق ذلك النصف سن تدخل فيها حكومته؛ كما لو قطع كفاً عليها ثلاث أصابع - تجب عليه حكومة خمسي الكف اللتين لا أصبع فوقها.
ولو كسر بعض ما ظهر، واختلفا، فقال الجاني: كسرت ثلثها، وقال المجني عليه: بل نصفها - فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.

ولو ظهر بعض سنخه بسقوط لحم اللثة - فلا يعطى له حكم الظاهر؛ حتى لو كسر ما كان منها في الأصل ظاهراً - يجب فيه كمال دية السن.
ولو تناثر بعض ما ظاهر من سنه، فقلع رجلٌ الباقي - لا قود [عليه، ويقدر] ما بقي من الدية، فلو اختلفا في قدر ما يتناثر - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل بقاءُ سنه.
ولو قلع سناً فيها شق، ولم يذهب شيءٌ من أجزائها - ففيه كمالُ ديتها.
وإن كانت أسنانه متفاوتة، بعضها اقصر وبعضها أطول: فإن كانت السفلى أقصر من العليان أو كانت الثنايا أطول من الرباعيات أو كانت الرباعيات أطول - فليس ذلك ينقص - ففي كل واحدةٍ ديةُ سن تامةٍ.
وإن كانت إحدى ثنيتيه أقصر من الأخرى، فقطع القصيرة - يُنقص من ديتها بقدر نقصانها؛ لأنهما لا يختلفان في العادة، فإذا اختلفا - كانت القصيرة ناقصة.
وإن كانت له سن أطول من سائر الأسنان، حتى خرجت من الفم - فلا يجب فيها غلا دية سن؛ كالإصبع إذا كانت طويلة، ولم تزد أناملها.
ولو قلع سناً متحركة - نظر: إن كانت حركة يسيرة؛ لم ينتقص شيءٌ من منافعها - ففيه القود، أو دية سن تامة.
وإن كانت متزلزلة - نُظر.
إن ذهبت منفعتها - ففيها الحكومةُ.
[وإن كانت منافعها باقية مع النقصان ففيه قولان: أحدهما: فيها الحكومة]، لنقصان منفعتها.
والثاني: يجب تمام ديتها؛ لأن منافعها باقيةٌ: من المضغن وحفظ الطعام، ورد الريق، وإن كانت ضعيفة؛ كاليد الضعيفة.

ولو ضرب سنةُ، فتزلزلت - نظر: إن أفات منفعتها - فعيه ديةُ سن، وعلى من قلعها الحكومة، وإن لم تفت منفعتها - فعلى القولين: أحدهما: عليه الحومة، وعلى من قلعها الدية.
والثاني: عليه الدية، وعلى من قلعها الحكومة.
ولو ثبتت بعد التزلزل - فلا دية، ولا حكومة.
وإن ضرب سنه، فاسودت أو اخضرت - نظر: إن ذهبت منفعتها - فعليه الدية، وعلى من قلعها الحكومة.
وإن لم تذهب منفعتها.
فعليه الحكومةُ، وعلى من قلعها الدية.
ولو سقطت سن رجلٍ، فاتخذ سناً من عظم ظاهر أو من ذهب أو [من] حديدٍ، فقلعها رجلٌ - نُظر: إن قلع قبل الالتحام - عُزر، ولا ضمان عليه.
وإن قلع بعد الالتحام: على القول في إيجاب الحكومة، وخرج منه: أنا لجراحة إذا اندملت، ولم يبق أثرٌ - هل تجب الحومة؟ فيه وجهان: ولو قلع جميع أسنان إنسانٍ - نظر: إن قلع كل واحدةٍ بعد اندمال الأخرى، أو قلع عشرين منها، ثم بعد الاندمال - قلع الباقي-: تجب عليه مائةٌ وستون من الإبل؛ في كل سن خمسٌ.
وإن قلع الكل دفعةً واحدةً، اواحدةً واحدةً؛ قبل الاندمال - فالصحيح من المذهب: أن في كل سن خمساً من الإبل.
وإن زادت على دية النفس؛ كالموضحات إذا ثرت - تجب في كل واحدةٍ خمسٌ من الإبل، وإن زادت على ديات.
وفيه وجهٌ آخر: أنه لا يجب في الأسنان كلها- إذا قلعها دفعة واحدة -[إلا دية واحدة] لأن كل متعدد في البدن تتوزع الدية على أعدادها فلا يجب في [جملتها إلا ديةٌ]

[واحدةٌ]؛ كأصابع اليد، وأصابع الرجل، فأما إذا قلع رجلٌ عشرين، ثم جاء آخر، وقلع الباقي؛ سواءٌ كان قبل الاندمال أو بعده- فيجب على الأول دية النفس، وعلى الثاني: ستون من الإبل؛ لا يختلف القول فيه.
ولو قلع لحي إنسانٍ - ففيهما القود أو كمال دية النفس، وفي أحدهما نصف الدية، واللحيان هما العظمان المتقابلان، عليهما نباتُ الأسنان السفلى، وملتقاهما [الذقن]، والأسنان العليا تكونُ في عظم الرأس، ولو قلع اللحيين، [وعليهما الأسنان] تجب من اللحيين دية النفس، وفي كل سن عليها خمسٌ من الإبل، جملتها مائةٌ وثمانون، ولا تدخل دية الأسنان في دية اللحيين؛ لأن الديات المقدرة في الأطراف - لا يدخل بعضها في بعض؛ بخلاف حكومة الكف تدخل في دية الأصابع؛ لأن الحكومة غير مقدرةٍ، ولأن اللحي تخلو عن السن، والأصابع [لا] تخلو عن الكف.
ولو ضرب لحييه، فأذهب [منفعة المضغ، أو كسر عنقه، فأذهب] منفعة الأكل - تجب الدية؛ كما لو ضرب يده، فأهب منفعة بطشه؛ فهو كإشلال العضو.
فصلٌ عن عمرو بن حزمٍ: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "في النفس مائة من الإبل، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشرٌ من الإبل" أهـ. إذا قطع يدي إنسان ٍ- يجب عليه كمالُ الدية، وفي غحداهما نصفها، وكذلك: في الرجلين كمال الدية، وفي إحداهما نصفها.
ولو التقط أصابع يده، أو أصابع رجله - فعليه كمال الدية في كلإصبع عشرٌ من الإبل.

ولو قطع الكف مع الأصابع، أو قطع القدم مع أصابع الرجل - فحكومة الكف والقدم تدخل في دية الأصابع.
ولو قطع يده من المرفق، أو رجله من الركبة - فعليه نصفُ الدية، وحكومة الساعد والساق، ولاتدخل حكومة الساعد والساق في دية الأصابع؛ بخلاف الكف والقدم؛ لأنهما منبت الأصابع، والأصابع دون الكف لا تسمى يداً، ومع الكف دون الساعد تسمى يداً.
ولو قطع أصابعه، ثم جاء آخر، وقطع كفه - فعلى الأول ديةُ اليد، وعلى الثاني الحكومةُ.
ولو ضرب يده أو رجله، فشلت - ففيها كمالُ الدية.
ولو قطع إصبعاً من أصابعه -يجب عليه عشرٌ من الإبل يستوي فيه جميع الأصابع؛ سواءٌ قطعها من اليد أو من الرجل، وفي كل أنملةٍ ثلث دية الإصبع: ثلاثة أبعرةٍ، وثلث تستوي فيه جميع الأصابع؛ ولأن لكل إصبع ثلاث أنامل إلا الإبهام؛ فإن لها أنملتين؛ ففي كل واحدة نصف دية إصبعٍ.
وقال مالك وأبو حنيفة - رحمهما الله-: في أنملة الإبهام ثلث دية إصبعٍ؛ لأن لها ثلاث أنامل غير أن واحدة منها مستترةٌ.
وليس كذلك؛ لأن ما دون الحز منبت [الأصابع] فلا يتقدر بدله.
ولو ضرب [إصبعه]، فشلتْ - ففيه ديتها.
فصلٌ عن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية".
ويجب في الذكر كمال الدية، يستوي فيه ذكر الشاب والشيخ [والعنين] والطفل والغليظ والدقيق، والقصير والطويل، معوج الرأس ومستويه.

وكمال الدية تجب بقطع الحشفة، وفي الباقي الحكومة.
وإذا قطع الكل - تدخل حكومة الأصل في دية الحشفة.
ولو ضرب ذكره فأشله - ففيه كمال الدية.
ولو جعله بحيث لا يمكنه الجماع، وهو حي [ينقبض وينبسط]-ففيه الحكومة، وعلى من قطعه القصاص أو كمال الدية؛ كما في ذكر العنين وفي الأنثيين كمال الدية، وفي أحداهما نصفها؛ سواءٌ فيه اليمنى واليسرى.
ولو قطع أنثييه، فذهب ماؤه - فعليه ديتان.
وفي الأليتين كمال الدية، وفي أحداهما نصفها، وفي بعضها بقدره من الدية.
والإيصال إلى العظم ليس بشرط، [بل ما دفع] المشرف.
ولو قطع أليته، ثم بدت، واستوى - لا تسقط الدية على ظاهر المذهب؛ كالموضحة إذا اتصلت.
ولو كسر صلبه، فأفات مشيه- فعيه ديةٌ كاملةٌ للصلب، ولا يجب لفوات المشي شيءٌ؛ لأن فواته لكسر الصلب، والرجل سليمةٌ؛ فلا تؤخذ الدية في الحال؛ حتى تندمل، فإن انجبر، وعاد مشيه - فلا دية، بل عليه حكومةٌ لما بقي من أثره.
ولو كسر صلبه، فأفات مشيه، وشلت رجله مع ذلك - عليه ديتان.
ولو انتقص مشيه، ولم يفت بأن كان لا يمكنه أن يمشي إلا بعصا، أو محدودِباً، أو على ضعف - ففيه الحكومة.
ولو ضرب صُلبه، فلم يفت مشيه، وذهب ماؤه - فعليه الدية.
ولو ادعى المجني عليه ذهاب جماعة، وأنكر الجاني - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه لا يعرف إلا بقوله كالمرأة؛ إذا قالت: حِضتُ.
ولو كسر صلبه، فذهب ماؤه ومشيه - ففيه وجهان:

أصحهما: عليه ديتان؛ لأنه يجب لكل واحدٍ منهما ديةٌ على الانفراد؛ فصار كما لو كسر صلبه، ففات مشيه وشل ذكره - عليه ديتان، وكما لو قطع أذنه، وذهب سمعه.
والثاني: لا يجب إلا ديةٌ واحدةٌ؛ لأن الماء محله الصلب، وقد أوجبنا دية الصلب؛ كما لو قلع حدقته، فذهب بصره - لا يجب إلا ديةٌ واحدةٌ.
فصلٌ دية المرأة على النصف من دية- الرجل: في النفس والأطراف جمعاً، ففي نفسها خمسون من الإبل، وفي إحدى يديها خمسٌ وعشرون، وفي إصبعها خمسٌ من الإبل، وفي سنها أو وضحتها بعيران ونصفٌ.
هذا قول عثمان وعليٍّ - رضي الله عنهما - وأكثر أهل العلم.
وقال في "القديم": المرأة تعادل الرجل إلى ثلث ديتها، وهي دية الجائفة؛ يروي ذلك عن عمر وهو قول سعيد بن المسيب ومالك وأحمد - رضي الله عنهم - وعلى ما قالوه: تجب في ثلاث أصابع منها ثلاثون من الإبل، وفي أربع أصابع عشرون، وفي حلمتي المرأة كمال ديتها، وفي أحداهما نصفها؛ لأن فيها جمالاً ومنفعةً، وهي منفعةُ الإرضاع.
ولو قطع الحلمة مع الثدي - فلا تجب إلا ديةٌ واحدةٌ، [و] تدخل حكومة الثدي في دية الحلمة؛ كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع.
ولو قطع رجلٌ حلمتها، ورجلٌ آخر ثديها - فعلى الأول: الدية، وعلى الثاني: الحكومة.
ولو قطع ثديها مع جلدة الصدر - فعليه ديةٌ للثدي، وحكومةٌ لجلدة الصدر، فإن وصل القطع على الباطن - فعليه دية الثدي، وثلث الدية للجائفة.
ولو ضرب ثديها، فشلت - عليه الدية، فإن كانت ناهدة، فاسترسلت - ففيه الحكومةُ.
ولو جنى على ثديها، وبها لبن، فانقطع اللبنُ - تجب الحكومة، وإن لم يكن لها لبن، فولدت بعده، ولم ينزل اللبن - سئل أهل البصر:

فإن قالوا: انقطع اللبن بالجناية - فتجب الحكومةُ، وإن قالوا: قد ينقطع من غير جنايةٍ - فلا تجب بالشك، ما لم يقطعوا أنه من الجناية.
وفي حلمتي الرجل قولان: أحدهما: تجب فيهما ديته؛ لأن ما يضمن من المرأة بالدية - يُضمن من الرجل بالدية؛ كاليد والرجل.
والثاني: - وهو الأصح-: تجب فيها الحكومة؛ لأن فيهما مجرد جمالٍ بلا منفعة، وفي ثدي المرأة جمال ومنفعة، وهي منفعة الإرضاع؛ فضمنت بالدية.
فلو قطع حلمته من الثندوة.
إن قلنا: تجب في الحلمة الدية - فحكومة الثندوية تدخل فيها.
وإن قلنا: تجب في الحلمة الحكومة - فعليه حكومتان.
ولو قطعت امراةٌ حلمة امرأة عمداً - يقتص منها.
وإن قطعت ثديها - فلا قصاص في الثدي؛ لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه، ولها قطع الحلمة، وأخذ حكومة الثدي.
وتقطع حلمة الرجل بحلمة الرجل؛ سواء قلنا: فيها دية أو حكومة.
وإن قلنا: في حلمة الرجل الدية - تقطع حلمة الرجل بحلمة المرأة، وحلمة المرأة بحلمة الرجل.
وإن قلنا: لا دية في حلمة الرجل - فلا تقطع حلمة المرأة بحلمة الرجل، وإن رضيت به؛ كما لا تقطع [اليد] الصحيحة بالشلاء، وتقطع حلمة الرجل بحلمة المرأة، إذا رضيت؛ كما تقطع الشلاء بالصحيحة.
وفي شُفري المرأة كمالُ ديتها، وهو أن يرفع اللحم المشرف المحيط بالفرج؛ لأن فيهما، جمالاً ومنفعة؛ فإن الالتذاذ بالجماع يكون بهما وفي أحدهما نصف الدية ولا يشترط الإيصال إلى العظم، ويثبت القود، وإن كانت القاطعة امرأة؛ تستوي فيه السمينة والهزيلة، والبكر والثيب، [والرتقاء والقرناء].

ولو جنى على شُفريها، فشلتا - يجب [كمال] الدية.
ولو أفضى امرأة - يجب مال ديتها، والإفضاء: هو أن يرفع الحاجز بين مدخل الذكر ومخرج البول، وقيل: هو أن يرفع الحاجز بين القبل والدبر، وليس بشيء؛ لأنه لا يمكن ذلك إلا بحديدةٍ؛ وسواء أفضاها بآلة الجماع، أو بإصبع، وخشبةٍ؛ سواء كانت امرأته أو أجنبية وطئها بشبهةٍ أو زناً؛ مكرهةً كانت أو طائعةً؛ لأنها إذا طاوعت - فقد رضيت بالوطء لا بالإفضاء؛ كما لو تحامل عليها في الوطء، وكسر رجلها - يجب [عليه] ضمان الرجل.
ولو أفضاها، فصارت بحيث لايستمسك البول - تجب حكومةٌ مع الدية.
وحكم المهر لا يتغير بالإفضاء؛ إذا كان إفضاؤها بآلة الوطء؛ ففي الزوجة يتقدر المهر، وفي الأجنبية يجب المهر مع الدية؛ إن كانت بشبهة أو كانت مكرهةً.
وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه-: لاتجب الدية في الزوجة؛ لأن الوطء مستحق له؛ كما لو أزال بكارتها، فتورمت وماتت.
وفي الأجنبية قالوا: إن كانت تستمسك البول - يجب ثلث الدية مع المهر، وإن كان لا يستمسك - لا يجب المهر، ويجب تمام الدية.
فيقول: إفضاء مضمون، فيوجب مال.
[الدية؛ كما إذا كان لا يستمسك البول، ولو أفضاها، فالتأم الجُرح - تسقط] الدية، وعليه حكومةٌ، إن بقى أثر؛ بخلاف الجائفة إذا التأمت - لم يسقط أرشها، لأن أرش الجائفة يجب باسمها؛ كأرش الموضحة؛ فلا يسقط بالالتئام.
ودية الإفضاء تجبُ بإزالة الحاجز، وقد عاد الحاجز؛ كدية العين تجب بإزالة البصر، فإذا عاد - يسقط.
ولو أزال بكارة امرأة - نظر: إن كانت زوجته - لا شيء عليه؛ سواءٌ أزالها بآلة الجماع، أو بإصبع، أو خشبة؛ لأن الافتضاض مستحق للزوج.

وإن كانت أجنبيةً - نظر: إن أزال بإصبع أو خشبة فعليه أرش الافتضاض، وإن كان الفاعل امراة بكراً - يقتص منها، ويكون ذلك من الإبل باعتبار السوق؟ فيه وجهان: أصحهما: بالإبل؛ كسائر الحكومات.
والثاني: باعتبار السوق؛ كالمهر.
وإن أزال بآلة الجماع- فيجب المهر، وهل يفرد أرش الافتضاض عن المهر؟ فيه وجهان: أحدهما: يفرد؛ فعليه مهر مثل ثيبٍ، وأرش الافتضاض؛ لأن موجب كل واحدٍ مختلفٌ؛ فإن الأرش يجب بالجرح، والمهر بإتلاف المنفعة.
والثاني: لا يُفرد؛ بل عليه مهر مثل بكر.
وإن كانت طائعة - فلا أرش لها؛ كما لا مهر لها.
ولو وطيء أجنبية، [وأزال بكارتها، وأفضاها - فعيه المهر، ودية الإفضاء، أما أرش البكارة - فهل يجب معها؟ فيه وجهان: كذلك: لو أزال بكارتها بخشبة، وأفضاها، هل يدخل [أرش البكارة في دية الإفضاء؟ وجهان: أحدهما: لا يدخل [كما لا يدخل]] فيها المهر، إذا كان ذلك بالوطء.
والثاني:- وهو الأصح-: يدخل أرش البكارة في دية الإفضاء، لأن وجوبه بإتلاف جزء؛ فجاز أن يدخل في بدل الإتلاف؛ بخلاف المهر حيث لم يدخل في [دية الإفضاء] لأن وجوب المهر بالاستمتاع؛ فلا يدخل في أرش الإتلاف؛ كما لو تحامل على الموطوءة؛ فكسر رجلها - لا يدخل المهر في دية الرجل.
فصلٌ في الحكومات يجب - في العين القائمة، واليد الشلاء، [والرجل الشلاء]، والأذن المستحشفة

واللسان الأخرس، والذكر الأشل - الحكومة؛ لأنه لا منفعة في هذه الأعضاء؛ إنما فيها جمالٌ فحسبُ.
ومعنى الحكومة: أن يقال لو كان المجني عليه عبداً بصفته، كم كانت قيمته وكم كان ينتقص من قيمته بتلك الجناية؟ فيجب من دية النفس بتلك النسبة؛ مثل: إن كانت قيمته مائة، وينتقص من قيمته بتلك الجناية عشرةٌ؛ فيجب على الجاني عشر دية النفس.
ولو حلق شعر رأسه، أو شفته أو لحيته أو حاجبه أو أهداب عينه، أو شعر جسده- نظر: إن أفسد منابتها - فعليه الحكومة.
وإن لم يُفسد منابتها - نظر: إن بقي أثرٌ أو نبت أنقص - فعليه الحكومةُ، وإن نبت، ولم يبق أثر - فلا شيء عليه إلا التعزير.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: أربعةٌ من الشهور يجب فيها تمام الدية؛ إذا أفسد منابتها: شعر الرأس، واللحية، وأهداب العينين، والحاجبين.
قلنا: ما لا منفعة فيه فلا تجب فيه الدية؛ كشعر البدن، يؤكده: أنه لو قطع أجفانه، وعليها الأهداب -[لا تجب] إلا ديةٌ واحدةٌ بالاتفاق.
ولو ضمن الأهداب بالدية - لم تدخل ديته في دية الأجفان.
ولو قطع إصبعاً زائدة، أو سناً شاغية، أو نتف لحية امرأة، وبقي له أثر - ففيها الحكومة، فلو اندمل، ولم يبق له أثرٌ، أو زاد جمالاً - ففيه وجهان: قال ابن سريج: لا يجب فيه ضمانٌ؛ لأن وجوب الضمان بسبب النقص أو الشين، ولا نقص ههنا، ولا شين؛ كما لو لطم وجهه، أو ضربه سوطاً، ولم يؤثر - فلا ضمان عليه.
وقال أبو إسحاق - رحمه الله - وهو الأصح-: تجب الحكومة؛ لأنه جزءٌ من جملةٍ مضمونة؛ فيكون مضموناً؛ كما لو بقي له شينٌ؛ فعلى هذا: يقوم قبل الجناية، ويقوم أقرب أحواله إلى الاندمال؛ فيجب ما بينهما؛ لأنه لما سقط اعتبارُ قيمته بعد الاندمال؛ لعدم النقص - تعتبر أقرب الأحوال إليه.

فإن لم ينتقص قبل الاندمال - يقوم، والدم جارٍ.
وفي لحية المرأة تقوم رجلاً في سنها له لحيةٌ، ثم يقوم وقد ذهبت لحيته؛ يجب ما بينهما من ديتها.
ولو لطم رجلاً، أو ضربه؛ فلم يظهر له أثر - لا ضمان عليه.
وإن اسود أو اخضر، وبقي له أثرٌ بعد الاندمال - ففيه الحومةُ.
وإن زال الأثر - فلا ضمان فيه؛ كما لو جنى على عينه، فابيضت، ثم زال البياض - لا ضمان عليه.
وإن كان قد أخذ - فعليه رده.
وجُملته: أنكل جناية بقي لها أثرٌ بعد الاندمال [من ضعف] وشين - ففيه الحكومة، وما لم يبق لها أثرٌ - نظر: إن لم يكن أصل الجناية جراحاً أو شجاً، وإنما كان ضرباً تألم به، فزال - فلا يجب له أرشٌ.
وإن كان جراحاً أو شجاً، فاندمل، وزال أثره - ففيه وجهان: ولو كسر ضلعه أو ترقوته - قال في موضع: فيه جملٌ، وقال في موضع: فيه الحكومة، فأومأ المُزني: إلى أنه على قولين: [في] الجديد: فيه حكومة، وفي القديم: في جمل؛ تقليداً لعمر - رضي الله عنه- فإنه قضى فيها بجمل والصحيح: أن فيه حكومةً قولاً واحداً؛ ما لو كسر عظماً سواهما: من عظم ساقٍ أو ساعد، وحيث قال: فيه جمل - أوجبه على سبيل الحكومة.
وعلى هذا السبيل: كان قضاء عمر - رضي الله عنه - أوجب جملاً؛ لأنه كان مبلغ الحكومة.
ولو ضرب على عنقه، فجله كالملتفت، أو جعله بحيث لا يلتفت إلا بشدة، أو لا يسيغ الطعام إلا بمشقة - فعليه الحكومة.
ولو كسر ساعده أو ساقه: فإن جبره مستقيماً - ففيه حكومة؛ لأنه لا يخلو عن ضعف،

فإن لم يبق ضعفٌ ولا شينٌ - فوجهان أحدهما: لا شيء.
والثاني: تجب حكومةٌ باعتبار حالة الألم.
وإن بقي فيه ضعفٌ، وكان معه شين أو اعوجاج - فحكومته أكثر، فإن قال الجاني: أكسره ثانياً؛ لينجبر مستقيماً - ليس له ذلك، فإن [كسره] ثانياً، فانجبر مستقيماً - لا تسقط الحكومة الأولى، وتجب

-[للكسر الثاني]-

حكومة أخرى؛ لأنه جنايةٌ جديدةٌ، وكل عضو له أرش مقدر - فحكومة الجناية عليه لا تبلغ أرشه المقدر؛ لأن الحكومة تقديرها بالاجتهاد؛ فلا تبلغ [أرشه] المقدر شرعاً؛ كالتعزير.
لا يبلغ الحد، والرضخ: لا يبلغ السهم.
فإن قلع ظفره، أو جنى على أنملته - لا تبلغ حكومته دية الأنملة.
ولو جنى على إصبعه - تنقص حكومتها عن دية الإصبع.
وحكومة الجناية على البطن لا تبلغ دية الجائفة.
ولو جرح برأسه دون الموضحة- لا يبلغ أرشه دية الموضحة، وإن كان شينه أكثر من شين الموضحة؛ لأنه لو أوضحه وشانه شيناً فاحشاً - لم يكن له عليه إلا أرش الموضحة، ثم عليه أكثر الحكومتين من الجرح والشين.
فإن جنى على عضو ليس له أرشٌ مقدر؛ من كتفٍ، أو فخذٍ، أو ساق أو عضد أو ذراع- يجوز أن تزاد حكومته على دية عضو آخر، ولا تبلغ دية النفس؛ بخلاف حكومة الكف والقدم - لا تبلغ نصف الدية؛ لأنهما تبع للأصابع.
فصل في ديات الكفار رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عام الفتح، فقال: "لا يقتل مؤمن بكافرٍن دية الكافر نصف دية المسلم".

وبهذا الإسناد قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار، أو ثمانمائة ألف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ - النصف من دية المسلمين، فكان كذلك حتى استخلف عمر -رضي الله عنه - فقام خطيباًن فقال: "إن الإبل قد غلت"، ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وترك دية أهل الكتاب لم يرفعها.
وعن سعيد بن المسيب؛ ان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلاف، وفي المجوسي ثمانمائة [درهم].
ديةُ اليهودي والنصراني إذا كان ذمياً أو مستأمناً - ثلث دية المسلم عند الشافعي - رضي الله عنه - وهي من الإبل ثلاثةٌ وثلاثون وثلثٌ، ومن النقدين إن صرنا على بدل مقدر على القول القديم أربعة آلاف درهم، أو ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث دينار، وهو قول عمر وعثمان - رضي الله عنهما-.
وبدل أطرافه ثلث بدل طرف المسلم.
ودية المرأة منهم نصف دية رجالهم.
وعند أبي حنيفة والثوري - رحمهما الله - ديته مثل دية المسلم، وهو قول عبد الله بن مسعود.
وقال عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز: ديته نصف دية المسلم، وهو قول أحمد - رضي الله عنه-.
أما دية المجوسي - فخمس دية النصراني؛ وهو من الإبل ستةٌ وثلثان، ومن النقدين ثمانمائة درهم، أو ستة وستون ديناراً، وثلثا دينار وبدلُ أطرافه خمس ثلث بدل

طرف المسلم، ودية نسائهم على نصف دية رجالهم.
وقال أبو حنيفة وحده: دية المجوسي مثل دية المسلم.
والسامرة من اليهود، والصابئون من النصارى: دياتهم كدياتهم.
فأما من لا كتاب لهم من الكفار؛ مثل: عبدة الأوثان والشمس والقمر والزنادقة - فلا يجوز عقد الذمة معهم، وإذا دخلوا إلينا بأمانٍ - فديتهم كدية المجوسي.
أما من لم يبلغه الدعوة - فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام، فإن دعي إلى الإسلام، فلم يجب - فهو حربي لا شيء على من قتله، وإن قتل قبل أن يدعي إلى الإسلام - يجب على قاتله الكفارة والدية.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان بقتله؛ وأصله: أن عندهم: هو محجوجٌ عليه [بعقله؛ وعندنا: هو غير محجوج عليه] قبل بلوغ الدعوة إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]، وقال تعالى: ﴿لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]، فثبت انه لا حجة عليهم قبل مجيء الرسل.
إذا ثبت أن دمه مضمونٌ - فماذا يجب على قاتله؟ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: إن عرف أصل - فعليه دية أهل دينه: فإن كان كتابياً فثلث الدية؛ سواءٌ كان قبل التبديل أو بعده: وإن كان مجوسياً - فخمس الثلث، وإن لم يعرف أصل ديته - فعليه أقل الديات، وهي دية المجوسي؛ لأنها اليقين.
ومن أصحابنا من قال: إن كان موحداً، لم تبلغه دعوة نبي [ما]، أو كان متمسكاً بدين غير مبدل، ولم يبلغه نسخه؛ بأن كان على دين موسى عليه السلام -ثم تبدل، ولم تأته دعوة عيسى - عليه السلام - أو كان على دين عيسى - عليه السلام - ثم تبدل، ولم تأته دعوة نبينا - صلى الله عليه وسلم-] فحكمه حم المسلمين: يجب على قاتله المسلم القود أو كمال دية مسلم، ويكون هو من أهل الجنة.
وإن كان على دين مبدلٍ - فلا قود على قاتله المسلم، ويجب بقتله ثلث الدية.
يعبد الوثن - فديته دية المجوسي؛ كالوثني الذي له أمان.

فصلٌ في الجناية على الرقيق من قتل عبداً - تجب عليه قيمته، باعتبار السوق بالغةً ما بلغت؛ يستوي فيه القن والمكاتب وأم الولد.
وإن قطع طرفاً من أطراف عبد -[فماذا] يجب؟ فيه قولان: قال في الجديد - وهو الأصح: يعتبر بدل طرفه بقيمة نفسه؛ ما في الحر، وهو قول [عمر وعليِّ].
فن قطع إحدى يديه - يجب عليه نصف قيمته، [وإن قطع كلتا يديه فكمال قيمته.
وفي إصبعه عشر قيمته].
وفي الموضحة نصف عشر قيمته.
وإن قطع ذكره وأنثييه - فعليه قيمتان؛ كما يجب في الحر ديتان إلا أن بدل نفس الحر لا ينتقص بانتقاص الأطراف، وبدل نفس العبد ينتقص؛ حتى لو قطع رجلٌ أطراف [حر ثم جاء آخر وحز رقبته - يجب على من حز الرقبة كمال الدية، ولو قطع أطراف] عبدٍ، ثم جاء آخر، وحز رقبته يجب على حاز الرقبة قيمته يوم قتله، حتى لو لم يكن له قيمةٌ يوم القتل؛ لفوات أطرافه - لا يجب عليه ضمانٌ إلا الكفارة، وإن كان حاز الرقبة عبداً - يقتص به، وقال في القديم: إذا قطع طرف عبدٍ - يجب عليه ما انتقص من قيمته؛ لأنه مملولٌ كالبهيمة، وبه قال مالكٌ وابن أبي ليلى.
فعلى هذا: لو جب ذكره وأنثييه، فلم ينتقص قيمته، وزادت قيمته - ففيه وجهان: أحدهما: وبه قال مالك -: لا ضمان عليه.
والثاني: تجب عليه حكومةٌ؛ باعتبار ما قبل الاندمال.
ومن أصحابنا من أنكر هذا القول؛ وقال: القول هوا لأول؛ إن بدل طرف العبد - يعتبر بقيمته نفسه من غير اختلاف.
فعلى هذا: لو قطع إحدى يدي عبد، قيمته ألف، فعادت قيمته إلى مائتين - لا يجب عليه إلا خمسمائة، [وغن عادت قيمته إلى ثمانمائة - فعليه خمسمائة] ولو قطع إحدى يدي

جارٍ التحميل