التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 386-428

روي عن أبي بكرة قال: خسفت الشمس على عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- فخرج يجرُّ رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب إليه الناس فصلى بهم ركعتين فانجلت الشمس.
فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد وإذا كان كذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم".
وذلك أن ابناً للنبي- صلى الله عليه وسلم- مات يقال له: إبراهيم.
فقال الناس في ذلك.
وعن عائشة: أن الشمس خسفت على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبعث منادياً: الصلاة

جامعةً.
فتقدم فصلى أربع ركوعات في ركعتين، وأربع سجدات.
قالت عائشة ما ركعت ركوعاً قط، ولا سجدت سجوداً قط- كان أطول منه.
صلاة الخسوف سُنَّة فإذا خسفت الشمس أو القمر؛ فيخرج الإمام إلى المسجد الجامع بعد أن يغتسل، ولا يخرج إلى الصحراء؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلاها في المسجد؛ ولأنه يقع بغتة فلا يحضرها أهل السَّواد، فيسعهم المسجد؛ ولأنه ربما ينجلي إذا امتد الزمان؛ لاجتماع الناس.
فإذا حضر الجامع ينادي: الصلاة جامعة؛ بلا أذان ولا إقامة، فيصلي بهم ركعتين في كل ركعة ركوعان وقيامان وسجودان؛ يطول فيهما القراءة والتسبيح؛ سواء وقع الكسوف بعد العصر أو قبله أو وقت الزوال؛ لأنها صلاة لها سبب، فيجوز في جميع الأوقات.
وكيعيتها: أنه يفتتح الصلاة، فإذا فرغ من أم القرآن قرأ سورة البقرة- إن كان يحفظها، أو ثلثمائة آية من موضع آخر- ثم يركع؛ فيمكث فيه بقدر قراءة مائة آية من سورة البقرة- يسبح الله- ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويرفع يديه، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة آل عمران أو قدر مائتي آية من سورة البقرة من موضع آخر، ثم يركع بقدر ثمانين آية من البقرة- يسبح الله عز وجل- ثم يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويرفع يديه، ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم ويقرأ بأم القرآن وبقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة ثم يركع فيسبح الله- تعالى- بقدر سبعين آية من سورة البقرة ثم يرفع فيقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويرفع يديه ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم ويقرأ بأم القرآن وبقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة، ثم يرفع

فيقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويقرأ فاتحة الكتاب وبقدر مائة آية من سورة البقرة، ثم يركع فيسبح بقدر خمسين آية، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين ويتشهد ويسلم.. وهل يطيل السجود؟ فيه قولان: أصحهما: يطيل؛ كالركوع؛ فالسجود الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني كالركوع الثاني.
والثاني: لا يطيل؛ كما لا يزيد في التشهد، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين، ثم بعد الفراغ من الصلاة يخطب خطبتين.
وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين؛ كسائر الصلوات.
وقال أحمد: يصلي ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات.
ويروي في الحديث: أنه- عليه السلام- صلى ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات.
ويروي خمس ركوعات.

فمن أصحابنا: من جمع بين الأخبار، وقال: إن انجلى سريعاً صلى ركعتين؛ كسائر الصلوات، وإن امتد زاد إلى خمس ركوعات.
ومنهم من قال: لا يزيد على ركوعين؛ لأن الحديث فيه أصح وأشهر، فلو زاد في القراءة- على ما ذكرنا- أو نقص؛ فلم يقرأ في كل قيام إلا فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص، أو لم يزد على الفاتحة- جاز.
وصلاة خسوف [القمر] مثل صلاة خسوف الشمس، ويخطب لها؛ كما يخطب لخسوف الشمس إلا أنه يسر بالقراءة في صلاة خسوف الشمس؛ لأنها صلاة نهار، ويجهر في صلاة خسوف القمر؛ فإن ابن عباس حكى صلاة النبي- صلى الله عليه وسلم- في خسوف الشمس فقال: قرأ نحواً من سورة البقرة، ولو جهر لكان لا يقدر.
وروي: أنه قال: كنت إلى جنب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فما سمعت منه حرفاً.
وقال أبو يوسف: يجهر في خسوف الشمس.
وقال أبو حنيفة: لا جماعة، ولا خطبة لصلاة خسوف القمر، بل يصلي منفرداً.
وإذا لم يصلِّ حتى تجلى فلا يصلي بعده؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا حتى ينجلي" دلَّ على أنه لا يصلي بعد التجلِّي.
وإذا انجلت وهو

في الصلاة أتمها، ولو جلَّلها سحاب أو جبل؛ فلم يدر: هل تجلى أم لا؟ فله أن يصلي؛ لأن الأصل بقاؤه.
ولو خسفت الشمس فلم يصلِّ حتى غربت الشمس؛ وهي كاسفة، لا يصلي بعده.
وكذلك لو خسف القمر فلم يصل حتى طلعت الشمس، لا يصلي؛ لأن سلطان الشمس النهار، وسلطان القمر الليل؛ وقد ذهب.
ولو وقعت الخطبة بعد غروب الشمس أو بعد طلوعها، فلا بأس.
ولو خسف القمر، فلم يصل حتى غاب خاسفاً بالليل- يصلي؛ لأن سلطانه، باقٍ؛ ولو طلع الفجر؛ وهو خاسف، ووجد خسوف القمر بعد طلوع الفجر- هل يصلي؟ فيه قولان.
قال في القديم: لا يصلي؛ لأن سلطان القمر قد ذهب بطلوع الفجر.
وقال في الجديد: يصلي- وهو الأصح- لأن ظلمة الليل في هذا الوقت باقية؛ فينتفع بضوء القمر، ولأنه لا وقت في الليل والنهار إلا وهو صالح لإحدى صلاتي الخسوف.
فإن قلنا: يصلي فلو غاب خاسفاً بعد طلوع الفجر يصلي؛ كما لو غاب بالليل خاسفاً ولو امتد الخسوف، وهو في الصلاة؛ هل يزيد ركوعاً ثالثاً ورابعاً؟ ولو انجلى وهو في القيام هل يقتصر على ركوع واحد؟ وجهان: أصحهما: لا يتغير حكم الصلاة؛ فلا يزيد ولا ينقص ولو صلى ولم ينجل هل يصلي ثانياً؟ فيه وجهان: الأصح: لا يصلي.
ولو أن مسبوقاً أدرك الإمام في الركوع الأول من الركعة الأولى، كان مدركاً للصلاة؛ فيسلم مع الإمام ولو أدركه في الركوع الأول من الركعة الثانية، كان مدركاً لركعة؛ فإذا سلم الإمام، قام وصلى ركعة بركوعين.
ولو أدركه في الركوع الثاني من الركعة الأولى وفي القيام الثاني، فلا يكون مدركاً لتلك الركعة، ثم يقضي ركعة بركوعين أم بركوع واحد؟ فيه قولان: أصحهما: بركوعين؛ لأن الركوع الثاني تبعٌ للأول، فلا يكون بإدراكه مدركاً لشيء من الركعة؛ كما لو أدركه في السجود.
وذكر صاحب "التقريب" قولاً: أنه يقضي ركعة بركوع واحد.
ولو اجتمع: عيد وخسوف واستسقاء وجنازة، بدأ بصلاة الجنازة؛ لأنه يخشى على الميت التغير.
فإن لم يكن حصرت الجنازة، أو حضرت ولم يحضر وليُّها- فالإمام يفرد

جماعة ينتظرون الجنازة، وهو يشتغل بغيرها.
وإذا صلى على الجنازة لا يتبعها، بل يأمر من يتولَّى دفن الميت، وهو يشتغل بغيرها.
ثم إن كان يخاف فوت صلاة العيد يبدأ بصلاة العيد، ثم يصلي الخسوف، ثم يخطب لها، ويذكر فيها شأن العيد والخسوف، ولا بأس أن تقع خطبة العيد بعد الزوال.
وإن كان لا يخاف فوت صلاة العيد، ففيه قولان: أصحهما: يبدأ بصلاة الخسوف؛ لأنه يخاف فوتُها بالانجلاء، ثم يصلي صلاة العيد، ثم يخطب لهما.
وقال في رواية البويطي: يبدأ بصلاة العيد؛ لأنها آكد ويؤخر الاستسقاء إلى يوم آخر.
ولو خسفت الشمس في وقت الجمعة: نظر إن كان في آخر وقت يخاف فوتها، يبدأ بصلاة الجمعة؛ يخطب لها، ويصلي، ثم يصلي للخسوف، ويخطب.
وإن لم يخف فوت الجمعة، فعلى القولين: أصحهما: يبدأ بصلاة الخسوف؛ لأنه يخاف فوتها؛ فيصلي ركعتين خفيفتين، ثم يخطب للجمعة، ويذكر فيها شأن الخسوف، ولا يخطب لهما؛ لأن التشريك بين الفرض والنفل لا يجوز، بخلاف الخسوف والعيد قلنا: يخطب لهما؛ لأنهما سنتان، وذكر شأن الخسوف في خطبة الجمعة لا يضر؛ كما أن النبي- صلى الله عليه وسلم- استسقى في خطبة الجمعة.
وفي رواية البويطي: يبدأ بالجمعة؛ لأنها آكد.
ولو وجد الخسوف في وقت الوِتر والتراويح، يبدأ بصلاة الخسوف، وإن خاف فوت الوتر والتراويح.
وكذلك إن خاف فوت ركعتي الطواف؛ لأن صلاة الخسوف آكد؛ لأنها إذا فاتت لا تقضى، بخلاف الوتر والتراويح وركعتي الفجر.
وجملته: أنه إذا اجتمع أمران، وخاف فوتهما، أو لم يخف فوت واحد منهما- بدأ بالآكد، وإن خاف فت أحدهما بدأ بالذي يخاف فوته.
ولا يؤمر بالصلاة جماعة؛ لأنه من الآيات سوى الخسوف؛ مثل: الزلازل والصواعق والرياح الشديدة؛ لأنه- لم ينقل؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلى جماعة لآية سواها، لكنه يستحب أن يصلي منفرداً، أو يدعو.
روي عن ابن عباس: قال: ما هبَّت ريح قطُّ إلا جثا النبي- صلى الله عليه وسلم- على ركبتيه.
قال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً".

قال ابن عباس في كتاب الله عز وجل: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ [فصلت: 16] ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: 41]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46].
روي عن ابن عمر: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك".
بابُ: الاستسقاء روي عن عباد بن تميم، عن عمه؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خرج بالناس يستسقي؛ فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما- وحوَّل رداءه، ورفع يديه فدعا واستسقى، واستقبل القِبلة.

صلاة الاستسقاء سُنَّة عند جدوبة الزمان، وانقطاع الأمطار، أو غور العيون، وانبثاق الأنهار؛ فيخرج الإمام بالناس إلى حيث يصلي العيد؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يخرج إلى الصحراء؛ ولأن الجمع يكثر فيه، فلا يسعهم إلا الصحراء.
ويستحب أن يأمرهم قبل ذلك بصوم ثلاثة أيام، وبالتوبة، والخروج عن المظالم، والتقرب إلى الله- عز وجل- بما استطاعوا من الخير.
ثم يخرج بهم في اليوم الرابع- وهم صيام- وإذا أرادوا الخروج يغتسلون، ويتنظفون بما يقطع الرائحة من سِواك وغيره، ويخرجون في ثبات وتواضع متبذلاً لأنه يوم الخشوع والتضرع ولا يتطيب؛ لأن الطيب للزينة، وليس هذا يوم الزينة، بخلاف يوم العيد.
روي عن ابن عباس في الاستسقاء: قال: خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- متبذِّلاً متواضعاً متضرعاً.

ويستحب: إخراج الصبيان، ويتنظفون، ويخرج كبار النساء من لا يخشى منهن الفتنة.
ويستحب إخراج البهائم، فتوقف في جانب؛ لتكثر الضجة والصِّياح؛ فيكون أقرب إلى الإجابة.
ويستسقي بأهل الصلاح، وأهل بيت النبوة.
روي عن أنس؛ أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس بن عبد المطلب؛ فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا وتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا.
قال: فيسقون.
ويكره إخراج أهل الذمة إلى مصلى المسلمين؛ لأن المسلم إذا خرج يؤمر بالتوبة، والخروج عن المظالم؛ فذنب الشرك أعظم الذنوب فإن خرجوا متميزين عن المسلمين في ذلك اليوم، أو في يوم آخر لم يمنعوا؛ لأن الله- تعالى- يجيب دعوة الكافر؛ تعجيلاً لحظِّه من الدنيا.
قال الشافعي في الكبير: لا أكره من خروج صبيانهم مع المسلمين ما أكره من خروج رجالهم؛ لأن ذنوبهم أقل، ولكن يكره لكفرهم.
ووقته بعد بروز الشمس إلى الزوال مثل صلاة العيد؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- فعل في هذا الوقت.
وإذا خرج ينادي: "الصلاة جامعة"، ويصلي بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة؛ كما في العيد؛ يكبر في الأولى سبعاً سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام،

ويرفع يديه حذو منكبيه مع كل تكبيرة، ويقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب بـ ﴿ق﴾، وفي الثانية ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ﴾ ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الأولى بـ ﴿ق﴾، وفي الثانية سورة نوح؛ لأن فيها ذكر الاستسقاء.
قال الله- تعالى- إخباراً عن نوح: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح: 10، 11] ويجهر بالقراءة، ثم بعد الفراغ من الصلاة يخطب قائماً خطبتين؛ كما في العيد، إلا أنه يبدأ بالاستغفار بدل التكبير، ويكثر في أثنائها الاستغفار، ويقول: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح: 10، 11]. فإذا قام إلى الخطبة الثانية، وأتى ببعضها- حول وجهه إلى القبلة، وحول رداءه؛ فجعل طرفه الأسفل الذي على شقة الأيسر على عاتقه الأيمن، وطرفه الأسفل الذي على شقة الأيمن على عاتقه الأيسر؛ فيحصل به التقليب والتنكيس.
فلو حوله ولم ينكس جاز.
هذا وإذا كان الرداء مربعاً؛ فإن كان مثلثاً أو مدوراً جعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، وما على عاتقه الأيسر على عاتقه الأيمن.
وقال أحمد وإسحاق: كيف ما كان الرداء يجعل اليمين على الشمال، والشمال على اليمين.
روى عبد الله بن زيد قال: استسقى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليه خميصةٌ سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها، فيجعله أعلاها، فملا ثقلت عليه قلبها على عاتقه.
ويستحب للناس أن يفعلوا ذلك.
وهذا كله للتفاؤل لتقلُّب الزمان إلى الخصب.
وإذا تحول إلى القِبلة رفع يديه، ودعا سراً والناس كذلك يفعلون.
روي عن أنس: قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء؛ فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه.

وروي عن أنس: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء [والسنة هذا أنه إذا دعا لرفع البلاء يجعل ظهر كفيه إلى السماء]، وإذا سأل الله شيئاً جعل كفيه إلى السماء.
ويستحب أن يكون من دعائهم: اللهم أنت أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، فقد دعوناك؛ كما أمرتنا، فأجبنا؛ كما وعدتنا.
اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا، وإجابتك في سقيانا وسعة رزقنا.
ثم يدعون بما شاءوا من دين ودنيا.
ويبدأ الإمام ويبدءون بالاستغفار، ويفصل به كلامه، ويختم به.
ثم يُقبل بوجهه على الناس، فيحضهم على طاعة ربهم، ويصلي على النبي- صلى الله عليه وسلم- ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ آية أو آيتين، ويقول؛ أستغفر الله لي ولكم ثم ينزل.
ويدعون أرديتهم محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم، فينزعونها مع سائر الثياب.
فإن سقاهم الله، وإلا عادوا من الغد بعده للصلاة والاستسقاء حتى يسقيهم الله؛ فإن الله يحب الملحين في الدعاء.
فإن سقوا قبل أن يصلوا، صلوا شكراً وطلباً للزيادة.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي للاستسقاء، بل يخطب ويدعو، وإن كانت ناحية جدبة والأخرى خصبة، يستحب لأهل الخصبة أن يستسقوا لأهل الجدبة، وللمسلمين، ويسألوا لأنفسهم الزيادة.
ويجوز لأهل البوادي والمسافرين الاستسقاء بالصلاة والخطبة؛ كأهل المصر؛ لأن أهل البوادي أحوج إليه.
ويجوز للإمام أن يستسقي بغير صلاة وخلف الصلوات، وفي خطبة الجمعة.
ولو نذر الإمام أن يستسقي، يلزمه أن يخرج بالناس، ويصلي بهم ولو نذر واحد من عرض الناس أن يستسقي، لزمه أن يصلي منفرداً ويستسقي، فإن نذر أن يستسقي بالناس لا ينعقد؛ لأن الناس، لا يطيعونه، إلا أن ينذره الإمام.
وكذلك لو نذر أن يخطب- وهو من أهله- لزمه [و] هل يجوز قاعداً مع القدرة على القيام؟ فعلى وجهين؛ كالصلاة المنذورة.
وكان القاضي- رحمه الله- يقول: إذا نذر أن

يستسقي، يلزمه الاستسقاء.
وهل يلزمه الصلاة؟ قال: يحتمل وجهين.
باب: الدعاء في الاستسقاء روي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا استسقى قال: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً هنيئاً مريعاً غدقاً مجللاً عاماً طبقاً سحّاً دائماً، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللاواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الفرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والعُرْيَ والجوع واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرُك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً".
يستحب أن يذكر هذا كله في الخطبة، ويزيد ما شاء من الدعاء.
روي عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى المطر قال: "صيِّباً نافعاً".
وروي عن المطلب بن حنطب؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "اللهم سقيا رحمةٍ لا سقيا عذاب ولا محقٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ، اللهم على الظِّراب ومنابت الشجر، اللهم حوالينا ولا علينا".

ويستحب أن يبرز لأول المطر.
روي عن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مطر فحسر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثوبه حتى أصابه من المطر.
فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربِّه".

كتابُ: الجنائز

بسم الله الرحمن الرحيم روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أكثروا ذكر هادم اللذات" يعني: الموت.

وعن ابن عمر قال: أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ببعض جسدي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل، وعدَّ نفسك من أهل القبول".
ينبغي للعبد أن يكون مستعداً للموت، يكثر ذكره، يخاف الله ويرجوه.
وقيل: ينبغي أن يكون خوفه في الصحة أكثر؛ ليرتدع عن المعاصي، ورجاؤه في المرض أكثر؛ ليكون حسن الظن بالله؛ لما روي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول قبل موته بثلاث: "لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".
وروي عن أنس؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دخل على شابٍّ- وهو في الموت- فقال: "كيف تجدك؟ " فقال: أرجو الله- يا رسول الله وأخاف ذنوبي.
قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف".

ويكره للإنسان أن يتمنى الموت؛ لما روي عن أنس، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يتمنى أحدكم الموت من ضرٍّ أصابه، فإن كان لابدَّ فاعلاً؛ فليقل: اللهم أحييني ما دامت الحياة خيراً لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيراً لي".
وعيادة المريض سنة؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "خمس تجب للمسلم على أخيه: ردُّ السلام، وتشميتُ العاطس، وعيادة المريض، وإتِّباع الجنازة، وإجابة الدَّعوة".

وإذا عاد المريض، يستحب أن يدعو له.
روي عن أنس؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخل على مريض قال: "أذهب البأس ربَّ الناس، واشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، لا شافي إلا أنت، اشف شفاءً لا يغادر سقماً".
وإذا وجده منزولاً به لقَّنَهُ قول: لا إله إلا الله؛ [لما روي] عن أبي سعيد الخدري، عن النبي- صلى الله عليه سولم- قال: "لقنُّوا موتاكم قول: لا إله إلا الله".

وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من كان آخر كلامه لا إله غلا الله دخل الجنة".

ولا ينبغي أن يلح عليه حتى لا يضجر، بل يذكره بين يديه.
وإذا قال مرة لا يعيد عليه ما لم يتكلم.
روي عن عبد الله بن المبارك؛ أنه لما حضره الوفاةُ، جعل رجل بين يديه يلقنه: لا إله إلا الله، ويكثر عليه.
فقال له عبد الله: إذا قلت مرة، فأنا على ذلك ما لم أتكلم.
ويستحب أن يقرأ عنده سورة "يس"؛ لما روي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "اقرءوا يس على موتاكم".
وإذا حضرت الوفاة يحول وجهه إلى القبلة، وفي كيفيته وجهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة-: يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة؛ كما يوضع في اللَّحد.
والثاني: يضجع مستلقياً، ورجلاه إلى القِبلة؛ كما يوضع على المغتسل، ويتولى أرفقهم به إغماض عينيه؛ لأن البصر يتبع الروح؛ فتبقى عينُهُ مفتوحة.
روي عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أبي سلمة وقد شخص بصره؛ فأغمضه.

ويشد لحيه الأسفل بعصابةٍ عريضة تأخذ جميع لحييه، ويربطها فوق رأسه حتى لا يسترخي لحيُهُ الأسفل؛ فيبقى فوه منفتحاً؛ فيكون فيه قبح منظر، وربما يدخله شيء من الهوامِّ، ويلين مفاصله؛ بأن يرد ساعده إلى عضده، ثم يمدها، ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه إلى بطنه، ثم يمدها ويلين أصابعه؛ حتى تتباقى ليِّنة على غاسله؛ لأنه إذا برد لا يمكن تثنية مفاصله، ويخلع عنه ثيابه، فإن لم يفعل أدخل يديه في كمُّيه حتى لا يحتاج إلى تمزيقه إذا برد، ويوضع على سرير أو لوحٍ حتى لا يقصده الهوامُّ، ولا تغيره نداوةُ الأرض، ويوضع على بطنه سيف أو حديدة حتى لا تنتفخ بطنه، فإن لم تكن حديدة فقطعة طين رطب، ويسجَّى بثوب خفيف؛ لما روي عن عائشة؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين توفي سجِّي ببرد حبرة.
ولا يجمع عليه أطباق الثياب حتى يسارع إليه الفساد، وتجعل أطراف الثوب الذي ستر عليه تحت رأسه ورجليه؛ لئلا ينكشف.
ويبادر إلى تجهيزه وغسله ودفنه، ولا ينظر له غائب، وإذا مات فجأة ترك حتى يتيقن موته.
"بابُ غُسل الميِّت" روي عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين توفِّيت ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتُنَّ ذلك بماءٍ وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتنَّ فأذنَّني".
فلما فرغنا أذنَّاه؛ فأعطانا حقوه فقال: "أشعرنها إيَّاه".

غسل الميت فريضة يخاطب به كل من علم بموته، غير أنه إذا قام به البعض، سقط الفرض عن الباقين.
وكيفيته: أنه يوضع على المغتسل مستلقياً، ورجلاه إلى القبلة، ويكون المغسل كالمُنحدر أسفله حتى لا يثبت عليه الماء، ويعاد تليين مفاصله، ويطرح عليه ثوب يستره من سرَّته إلى ركبتيه حتى لا يقع بصرُ الغاسل على عورته؛ لما روي عن علي؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تُبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميتٍ".
وعند أبي حنيفة: يلقى على فرجه خِرقةٌ، وفخذه مكشوفة، ويستر موضع غسله حتى لا يرى الميت أحد إلا غاسله، ومن لابدّ له من معونته، ويغضون أبصارهم إلا فيما لا يمكن؛ وهو أن يعرف الغاسل ما غسل وما بقي.
ويستحب أن يتخذ إناءين: إناء يغرف به من الماء المجموع في مرجل، أو إجَّانَة؛ فيصب منه في الإناء الذي يلي الميت حتى لو تطاير شيءٌ من بدن الميت لا يصيب الإناء الذي يغرف به.
ويستحب: أن يغسله بالماء البارد؛ لأنه أبقى لجسمه ولحمه، إلا أن يكون الهواء بارداً أو بالميت ما لا يزيله إلا الماء المسخَّنُ، حينئذ يغسله بالمسخن.
والغسل في القميص أولى؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- غسل في قميص؛ وعند أبي حنيفة:

الأولى أن يجرد.
وقبل الغسل يعد خرقتين نظيفتين، والميت ملقىً على ظهره؛ فيبدأ الغاسل، فيجلسه إجلاساً رفيقاً يجعل يده اليمنى على كتفه، وإبهامه في نُقرة قفاه، فيجعله كالمائل، ثم يمر يده اليسرى على بطنه إمراراً بليغاً؛ ليخرج شيء إن كان، والماء يصب؛ ليخفي رائحة ما يخرج، وإحدى الخرقتين ملفوفة على يساره، فيبلغه إلى أليتيه؛ فيغسل قُبُلَهُ ودبره ومذاكيره وعانتهُ؛ كما يستنجي الحي، ولا يمس عورته بيده، ثم يلقي تلك الخرقة، ويغسل يده، ثم يلف الخرقة الأخرى على يده، فيدخل إصبعه في فيه، ويمرها على أسنانه بشيء من الماء ولا يغفر فاه، وهو كالسواك، ثم يدخل طرف إصبعه في أنفه بشيء من الماء؛ ليزيل أذى إن كان، ثم يوضئه؛ كما يتوضأ الحي ثلاثاً.
وعند أبي حنيفة: لا مضمضة فيه، ولا استنشاق، وإن كان فمه نجساً يجب غسله، ثم يغسل رأسه ولحيته بالسِّدر والخطميِّ، ويسرح رأسه ولحيته بمشطٍ واسع الأسنان تسريحاً رفيقاً حتى لا ينتف شعره، فإن انتتف منه شيء عاده إليه.
وعند أبي حنيفة: لا يسرح.
ثم يبدأ بميامنه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال للاتي يغسلن ابنته: "ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها" فيغسل صفحة عنقه اليمنى، وصدره، وجنبه، وفخذه، وساقه، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك، ويغسل ما حوله من المكان حتى إذا حوَّله يكون المكان نظيفاً.
ثم يحرفه على جنبه الأيسر؛ فيغسل قفاه وظهره وفخذه وساقه اليمنى، وما تحته من المغتسل، ثم يحرفه على شقه الأيمن؛ فيغسل قفاه وظهره وفخذه وساقه اليسرى، ويغسل ما تحت قدميه، وما بين فخذيه.
وهذا كله؛ لئلا يكبَّه على وجهه.

ويستحب: ألا يمس بدنه إلا بخِرقة؛ فإنه روي أن علياً- رضي الله عنه- غسَّل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبيده خِرقة يتبع بها تحت القميص.
ثم يصُبُّ على جميعه الماء القراح، ويستحب أن يجعل فيه كافوراً، فإن حصل النقاءُ بغسلة واحدة فاقتصر عليه، جاز.
ويستحب: أن يغسله ثلاثاً، وإن لم يحصل النقاء بواحدة، عليه أن يزيد حتى يحصل النقاء.
ثم إن حصل بشفع، يستحب أن يختم بالوَتْرِ، والغسل بالسدر والخطمي لا يكون محسوباً من الثلاث، ولا الذي يزيل به السِّدر، إنما المحتسب ما يصب عليه من الماء القراح، فيغسله بعد زوال السدر ثلاثاً.
وإن كان على بدنه نجاسةٌ، فيغسله بعد زوال النجاسة ثلاثاً، فإن لم يتغير الماء بالسدر والخطمي، يحسب ذلك من الثلاث، ويجعل في كل ماء قراح كافوراً، فإن لم يفعل ففي الأخيرة.
وقال أبو حنيفة: يغسل مرة واحدة بالماء القراح، وأخرى بالسدر، وثلاثاً بالماء القراح، ولا أعرف الكافور.
ويستحب أن يدخل بين أظافيره عوداً ليِّناً.
يخرج ما فيها من النُّفِّ، ويتبع أذنيه؛ فيخرج ما فيها من الأف، ويمسح بطنه في كل مرة بأرفق من الأولى، ويقعده في آخر الغسلات، فإن خرج منه شيء أنقاه.
قال الشافعي؛ وإعادة غسله اختلفوا فيه: فمنهم من قال: يعيد الغسلات؛ لأنه ظهر الحدث، وقرئ بضم الغين.
ومنهم من قال: يغسل ذلك المحل؛ وبه قال أبو حنيفة، وقرئ بنصب الغين.
قيل: يعاد الوضوء، فالحي يحدث.
ويتفرع عليه: لو مسَّ رجل امرأة بعد ما غسلت إن قلنا: بخروج الخارج يجب إعادة الغسل أو الوضوء؛ فها هنا كذلك.
وإن قلنا: لا يجب إلا غسل ذلك المحل؛ فها هنا لا يجب شيء.
ولو وطئت بعد الغسل إن قلنا: هناك يجب إعادة الغسل والوضوء؛ فها هنا يجب

إعادة الغسل.
وإن قلنا: هناك يجب غسل المحل؛ فها هنا لا يجب شيء.
ولا خلاف أنه يجب على الفاعل الغسل.
والمرأة في غُسلها كالرجل ويجعل شعرها ثلاثة قرون، ويفتل ضفيرة فيلقي خلفها؛ لما روي عن أم عطية قالت: توفيت إحدى بنات النبي- صلى الله عليه وسلم- فضفرنا شعرها ثلاثة قرون؛ فألقيناها خلفها.
وعند أبي حنيفة: يجعل شعرها ضفيرتان يلقيان على صدرها.
وهل تجب النية في غسل الميت؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لأنه غسل واجب؛ كغسل الجنابة.
والثاني: لا يجب؛ لأن النية تكون على المغتسل، وهو ليس من أهلها.
وفائدته: تتبين فيما لو وجد ميت في ماء، هل يجب غسله؟ إن شرطنا النية يجب، وإلا فلا؛ ولأن الغسل قد حصل.
وهل يجوز غسل الكافر المسلم؟ إن قلنا: النية شرط لا يجوز، وإلا فيجوز.
وهذا أصح؛ لأن الشافعي نص على أنه يكره للذمية غسل زوجها المسلم، ويجوز.
ثم بعد الفراغ من غسل الميت ينشفُّ أعضاؤه بخرقة حتى لا يبتلَّ الكفنُ؛ فيتسارع إليه البلى.
وهل تقلم أظافير الميت؟ وهل يؤخذ شعر إبطه، وعانته؟ وهل يقص شارب الرجل؟ فيه قولان: أحدهما: بلى، كما يتنظَّف الحي بهذه الأشياء.
والثاني: لا يؤخذ، ويكره لو فعل.
وبه قال مالك، وأبو حنيفة، واختاره المزني؛ لأنها تصير إلى البلى.
ولا يحلق شعر رأسه.
لأن أخذه غير مشروع في غير المناسك.
ولا يختنُ الميت، ويستحب أن يكون عند غسل الميت مجمرٌ طيب لا ينقطع، إلى أن يفرغ من غسله حتى يغلب ريحه رائحة ما يخرج منه.
وإذا رأى الغاسل من الميت شيئاً لا يتحدث به؛ لما عليه من ستر أخيه، وقد يحدث بالميت سوادٌ لغلبة الدم، والتواءُ عنق لتشنج أصابه.
فإذا تحدث به، أساء الناس فيه الظن.
وإن كان الميت مُحرماً لا ينقطع حكم إحرامه بالموت؛ فلا يجوز أن يحنَّط ويطيب، ولا أن يلبس المخيط، ولا يستر رأسه.
وإن كانت امرأة لا يُستر وجهها، ولا يؤخذ شعره وظفره؛ وهو قول عثمان وعلي وابن عباس.
وعند أبي حنيفة: هو كسائر الموتى؛ وهو قول ابن عمر.

والدليل على ما قلنا: ما روي عن ابن عباس؛ أن رجلاً كان مع النبي- صلى الله عليه وسلم- فوقصته ناقته وهو محرم؛ فمات.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "اغسلوه بماء وسدرٍ، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبِّياً".
أما التجمير عند غسله: فلا يمنع منه؛ كما لا يحرم على المحرم الجلوس عند العطَّار.
وإذا ماتت المعتدة الحادة، هل يجوز تطييبها؟ ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه كان حراماً عليها في الحياة؛ كالمحرم.
والثاني: يجوز؛ لأن التحريم في حال الحياة كان لإظهار التفجُّع على فراق الزوج، وقد زال ذلك؛ بخلاف المحرم؛ فإنالتحريم في حقه كان لحقِّ الله تعالى؛ وذلك لا يزول.
فصلٌ: فيمن يغسِّل الميت قال الشافعي: أولاهم بغسله أولاهم بالصلاة عليه.
وهذا إذا كان الميت رجلاً، وله عصباتٌ من القرابة؛ فترتيبهم في غسله كترتيبهم في الصلاة عليه؛ حتى أن الأب أولى من الابن، والابن أولى من الأخ، وإن كان الميت امرأة فلا.
فإن الزوج أولى بغسلها من الأب؛ لأنه ينظر إلى ما لا ينظر إليه الأب، [والأب] والقريب أولى بالصلاة عليها؛ لأن الصلاة للدعاء ودعاء الأب والقريب أرجى لأنه أشفق، وكذلك الخال أولى بالغسل من ابن العم؛ لأنه محرم وابن العم أولى بالصلاة عليها.
وترتيب نساء القرابة في غسل المرأة هو أن أولاهنَّ ذات رحم محرم، ثم ذات رحم غير محرم.
تقدم

منهن الأقرب فالأقرب حتى أن العمة أولى من بنت العم: فإن اجتمعتا في المحرمية؛ فمن كانت في محل العصوبة لو كانت ذكراً كانت أولى؛ حتى أن العمة أولى من الخالة؛ لأنها، اجتمعتا في المحرميَّة، والعمة في محل العصوبة لو كانت ذكراً.
ونساء القرابة أولى بغسل الميت من نساء الأجانب، ونساء الأجانب أولى من رجال القرابة، ورجال القرابة أولى من رجال الأجانب؛ حتى يجوز للأب والأخ [وابن الأخ] والعم غسلها إذا لم تكن امرأة.
وكذلك في حق الرجل رجال القرابة أولى بغسله من رجال الأجانب، ورجال الأجانب أولى من نساء القرابة، ونساء القرابة أولى من النساء الأجانب.
ويجوز لكل واحد من الزوجين غسل صاحبه بعد الموت.
قالت عائشة- رضي الله عنها-: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا نساؤه.
وغسلت أسماء زوجها أبا بكر، وغسل عليُّ امرأته فاطمة بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للزوج غسل زوجته، ويجوز للزوجة غسل زوجها ثم إلى متى تغسل المرأة زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما لم تنقض عدَّتُها.
والثاني: ما لم تنكح.
والثالث: أبداً، وإن نكحت.

وهل يقدم الزوج على نساء الأقارب في غسل المرأة؟ وكذلك المرأة هل تقدَّم على رجال الأقارب في غسل الزوج؟ فيه وجهان: أحدهما: تقدم؛ لأن أحد الزوجين يرى من الآخر ما لا يراه غيره من الأقارب.
والثاني: الرجل أولى بغسل الرجل من المرأة، وإن كان من الأجانب، والمرأة أولى بغسل المرأة من الزوج وإن كانت أجنبية.
وإذا غسل أحد الزوجين صاحبه يلف خرقة على يده.
وكان القاضي- رحمه الله- يقول: وإن مسَّ بيده يصح الغسل، ولا يبنى على القولين في انتقاض طُهر الملموس؛ لأن الشرع أذَّن له، أما وضوء اللامس ينتقض.
ويجوز للمسلم غسل زوجته الذِّمية إن شاء، وهل تغسل الذمية زوجها المسلم؟ فعلى وجهين؛ بناءً على اشتراط النية في الغسل وإذا طلق.
امرأته طلاقاً رجعياً، ثم مات أحدهما في العدة لا يجوز للآخر غسله لمسه؛ لأن لمسها، والنظر إليها كان حراماً في حال الحياة.
ويجوز للسيد غسل أمته، ومدبرته وأم ولده، ومكاتبته؛ لأن الكتابة ترتفع بموتها، فإن كانت الأمة مزوجة أو معتدة؛ فلا يجوز له غسلها، ولا يجوز للمكاتبة ولا المزوجة ولا المستبرأة ولا المعتدة غسل سيدها: وهل يجوز للأمة، والمدبرة، وأم الولد غسل السيد؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كالمرأة تغسل زوجها.
والثاني: وهو الأظهر لا يجوز؛ لأن حكم ملكه انقطع بالموت؛ فعتقت المدبرة وأم الولد، وصارت الأمة للوارث، بخلاف الزوجة؛ فإن حقوقها لا تنقطع بالموت، ولذلك يتوارثان.
والخنثى المشكل البالغ إذا مات.
من أصحابنا من قال: يشتري جارية من ماله حتى تغسله، فإن لم يكن له مال تُشترى من بيت المال.
وقال الشيخ أبو زيد وهو الأصح: يجوز غسله للرجال والنساء جميعاً؛ استدامة لحال الصِّغر؛ فإن في صغره لو احتيج إلى غسله حياً أو ميتاً جاز غسله للرجال والنساء.
وقيل: يغسله من يغسل المرأة في قميص.
وقال أبو حنيفة: لا يغسله أحد، بل يُيَمَّمُ، ويدفن.

ولو مات رجل؛ وليس هنا من يغسله إلا امرأة أجنبية، أو ماتت امرأة؛ وليس هناك إلا رجل أجنبي ففيه وجهان: أحدهما: ييمم، ويدفن.
والثاني: يلف خرقة على يده، ويغسله في قميصه، ويغُضُّ طرفه ما أمكن.
فإن لم يمكن إلا بالنظر يجوز؛ لأنه موضع ضرورة؛ كما يحل النظر إلى بدنها للمعالجة إذا كان بها علة.
وإذا مات مسلم فالمسلم الأجنبي أولى بغسله من أقاربه الكفار، وإن جوزنا للكافر غسل المسلم وإن مات مشرك؛ فأقاربه الكفار أولى بغسله من المسلمين، ولو غسله مسلم يجوز؛ فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- أمر عليّاً بغسل أبيه أبي طالب.
ويجوز إتباع جنازته ودفنه، ولكن لا يصلى عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: 84].
وإذا مات ذمي، وليس له قريب يتولى أمره- لا يجب على المسلمين غسله، وهل يجب تكفينه ودفنه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ كما يكسوه في حياته، ويطعمه.
والثاني: لا يجب.
والحربي لا يجب تكفينه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- أمر بإلقاء قتلى بدر في القليب.
وهل يجب مواراته؟ وجهان: أحدهما: يجب؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- فعله.
والثاني: لا يجب؛ بل يجوز إغراء الكلاب عليه وكذلك المرتد.
فإن تأذَّى به الناس يورى.

بابُ الكفن روي عن عائشة؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.
تكفين الميت واجب، والسُّنة أن يكفن الرجل في ثلاث أثواب بيض رباط، ليس فيها قميص ولا عمامة.
واختلفوا في هذه اللفائف: قيل: كلها مستوية في الطول والعرض، يأخذ كل واحد جميع بدنه.
وقيل: وهي متفاوتة فالأسفل إزارٌ يأخذ ما بين سرته وركبته، والثاني أكبر يأخذ من عنقه إلى كعبه، والثالث أوسع يستر جميع بدنه؛ ولو زيد قميص وعمامة لم يكره، ونجعلهما تحت الثياب، والزيادة على الخمس مكروهة.
والمرأة تكفَّن في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وثلاثة لفائف.
وهل يسنُّ لها القميص؟ فيه قولان: فإن قلنا: بقميص، فهو بدل أحد اللفائف، ولا يزاد على الخمس؛ فهي: إزار، وخمار، ودرعٌ، ولفافتان.
والخُنثى المشكل كالمرأة، والثوب الغسيل أحب إلينا من الجديد.
قال الصديق- رضي الله عنه-: "الحي أحوج إلى الجديد من الميت".
وما روي عن جابر؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كفَّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه" أراد به: حُسن المنظر، لا الثمين؛ فإن المغالاة في الكفن مكروهة.

روي عن علي؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تغالوا في الكفن: فإنه يسلب سلباً سريعاً".
والأبيض أحبُّ إلينا من المصبوغ في حق الرجال والنساء جميعاً؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: [إن] من خير ثيابكم البيض؛ فليلبسها أحياؤكم، وكفِّنوا فيها موتاكم".
ولا يجوز تكفين الرجال في الديباج، ويجوز تكفين النساء فيه، غير أن القطن أحبُّ إلينا.
والفرض من الكفن ثوبٌ سابغٌ يستر جميع بدن الميت.
والمستحب أن يجمَّر الكفن بالعود، إلا أن يكون الميت مُحرماً، والعود أحب إلينا من المسك وغيره المرَّاة وهو النَّي أولى، والمسك جائز.
ثم يبسط أحسن الثياب وأوسعها، ثم الثانية فوقها، ثم الثالثة التي تلي الميت؛ لأن الحي يظهر أحسن ثيابه.
ويذر فيما بين الأكفان والميت الحنوط والكافور، ثم يوضع الميت فوق العليا منها مستلقياً، ثم يأخذ شيئاً من قطن منزوع الحب؛ فيجعل فيه الحنوط والكافور.
فيدخل فيما بين أليتيه إدخالاً بليغاً؛ ليرد شيئاً إن جاء منه عند التحريك.
فقد قيل: يدخل في صرمِهِ؛ لأن مجرد الإلصاق بالصَّرم لا يمنع خروج الخارج، إنما يمنعه الإدخال.
ولا يكره ذلك؛ لما فيه من المصلحة.
وقيل: يكره الإدخال، بل يفضي إليه، ثم يجعل تحتها شيئاً كالسُّفرة يضم أليتيه، ثم يأخذ خرقة مشقوقة الطرفين تأخذ أليتيه وعانته؛ فيشدها عليه فوق السفرة كالتُّبَّان الواسع، ثم نأخذ شيئاً من قطن؛ فيجعل عليه حنوطاً، أو

كافوراً؛ فيضعه على منافذه من العين والأذن والفم والمنخر والجروح النافذة.
ويجعل الطيب على مساجده وهي الأعضاء السبعة إلزاماً، ويحنط رأسه ولحيته بالكافور، ويوضع الميت على الكفن؛ بحيث ما يفضل من الثوب الأعلى يكون عند رأسه أكثر مما عند رجليه؛ فإن الحي يجعل فضل ثيابه على رأسه، وهي العمامة، ثم الثوب الذي يلي الميت تثنى ضفَّته التي تلي شقَّه الأيسر على شقه الأيمن، والتي تلي الأيمن على الأيسر، والثانية كذلك، ثم الثالثة؛ كما يشتمل الحي بالقباء، وما فضل عند رأسه جمعه جمع العمامة، ثم يرد على وجهه، وما فضل عند قدميه رده على ظهور قدميه إلى حيث يبلغ.
وإن خيف من انتشار الأكفان عند الحمل يشدُّ عليه ثم يحلُّ إذا وضع في القبر.
وكفن الميت يكون من رأس تركته، وكذلك الحنوط ومؤنة الدفن مقدمة على الديون والوصايا والميراث؛ كما أن كفاية الحي تكون مقدمة على ديونه، إلا أن يكون عليه زكاة، والمال الذي وجب فيه الزكاة قائم؛ فالزكاة مقدَّمة على الكفن والقبر؛ لأن ذلك [القدْر] تعلق به حقُّ المساكين؛ فيجعل كالمعدوم؛ كما لو كان المال مرهوناً، أو كان عبداً جانياً لا يباعُ الرَّهنُ، ولا العبد الجاني في الكفن.
ويكفن في ثلاثة أثواب من تركته إن لم يكن عليه دينٌ يستغرق التركة.
فإن قال بعض الورثة: لا نكفنه إلا في ثوب واحد؛ ففيه وجهان: أحدهما: يكفن في ثوب واحد؛ لأنه الواجب.
والثاني: وهو الأصح-: يكفن في ثلاثة أثواب؛ لأنها الكفن المسنون.
فإن اتفقوا على ثوب واحد جاز، وإن اختلفوا في الغلظ والرِّقَّة يراعي حال الميت فيما كان يلبس.
ولو لم يترك إلا ثوباً واحداً، كُفِّن فيه، ولا يجب على من هو في نفقته، ولا على المسلمين أن يتموه ثلاثاً.
وإن كان عليه دينٌ يستغرق التركة؛ فقال الغرماء: لا نكفِّنُه إلا في ثوب واحد- ففيه وجهان: أحدهما: يكفن في ثلاثة أثواب؛ كالحي المُفلس لا يباع عليه ثوب يحمله.
والثاني: يكفن في ثوب واحد؛ لأنه لا يحتاج إلى التقلُّب؛ بخلاف الحي.

فإن مات- ولا مال له- نظر إن كان في نفقة الغير فعلى المنفق عليه كفنه ومؤنة دفنه، حتى يجب كفن أم الولد والمكاتب على سيده، وإن لم يكن في نفقة الغير فكفنه في بيت المال.
هل يكتفي بثوب واحد، أم يكفن في ثلاثة أثواب؟ فيه وجهان.
فإن لم يكن في بيت المال مال، فعلى عامة المسلمين كفنُه، ومؤنة دفنه، ولا يجب إلا ثوب واحدي ستر جميع بدنه.
وإن لم يكن له إلا ثوب قصير لا يعم البدن غُطِّي به رأسه؛ لما روي عن خباب بن الأرت قال: قتل مصعب بن عمير يوم "أحد"، فلم نجد شيئاً نكفنه فيه إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "غطُّوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر".
بابُ الشهيد ومن يصلَّى عليه ويغسَّل روي عن جابر، وعن أنس؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يصلِّ على قتلى أحد، ولم يغسِّلهم.

فالمقتول من المسلمين في قتال أهل الشرك شهيد لا يغسل، ولا يصلَّى عليه؛ سواء قتله مشرك، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد عليه سلاحه أو سهمه الذي رماه إلى الكفار، أو رمحته دابته، أو تردَّى في وهدة، أو سقط عن دابته، أو عدت عليه دابة، أو لم يعرف سبب موته؛ رجلاً كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً، صبياً كان أو بالغاً؛ لأن القتل قد طهره؛ فلا حاجة [به] إلى غسل ابن آدم.
وقال أبو حنيفة: لا يغسل الشهيد، ولكن يصلى عليه، وإن كان صبياً فهو كسائر الموتى عنده.
ولو جرح في الحرب، فانكشف الحرب، وبه رمقٌ- فمات فهو كالمقتول في المعترك.
ولو عاش بعد تقضِّي الحرب أياماً، ثم مات- ففيه قولان؛ سواء طعِمَ أو لم يطعم، تكلم أو لم يتكلم: أحدهما: هو كالمقتول في المعترك؛ لأنه مات بجرح وجد فيه.
والثاني: يغسل ويصلى عليه؛ لأنه عاش بعد انقضاء الحرب؛ كما لو مات بسبب آخر.
وقال أبو حنيفة: إن طَعِمَ أو تكلم أو صلى فيه، فهو كسائر الموتى.

وخرج أصحابنا على هذا لو دخل مشرك، أو أكثر دار الإسلام سارقاً، فقتلوا مسلماً هل يغسل؟ وهل يصلى عليه؟ فعلى جوابين.
ولو استشهد جُنُب: ففيه وجهان: أصحهما: لا يغسل؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ فإن حنظلة بن راهب قتل يوم "أحد" وهو جُنُب فلم يغسله النبي- صلى الله عليه وسلم- وقال: "رأيتُ الملائكة يغسِّلونه".
والثاني: وبه قال أبو حنيفة-: يغسل؛ لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل يجب بالموت؛ كما أنه لا يغسل عنه نجاسة حصلت بالقتل.
وإن أصابته نجاسة من موضع آخر يغسل.
وينزع من الشهيد الخِفاف والفراء والجلود، وما ليس من عام لباس الناس، ويدفن في قميصه وخرقة بدمائه.
روي عن ابن عباس قال: أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقتلى "أُحد" ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم.
ولو أراد أهل الشهيد تكفينه، لم يمنعوا من ذلك، وإن أرادوا غسله؛ منعوا منه، وإن أرادوا الصلاة عليه هل يمنعون؟ فيه وجهان.
أما من مات في المعترك فجأة أو بمرض، أو قتله مسلم عمداً، أو كان يرمي إلى صيد؛ فأصابه- فهو كسائر الموتى؛ كما لو قتل في غير المعترك عمداً أو خطأ.

والباغي إذا قتله العادل يغسل، ويصلى عليه؛ لأنه ظالم مقتول.
وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه؛ عقوبة له.
أما العادل إذا قتله الباغي؛ ففيه قولان: أحدهما: لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ كالمقتول في معترك الكفار، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: هو كسائر الموتى؛ لأنه قتيل مسلم؛ كقاطع الطريق إذا قتل واحداً من أهل الرفقة، ومن قصد إلى حريم رجل وقتله يغسل ويصلى عليه.
ومن قال بالأول أجاب: بأن قتال أهل العدل مع أهل البغي على تأويل الدين، بخلاف قاطع الطريق.
وقيل: من قتله قاطع الطريق؛ كمن قتله الباغي من أهل العدل.
وقال أبو حنيفة: من قتل ظلماً بماله فهو شهيد.
وسوى المقتول شهيداً في هذه الأمة في ثواب الآخرة- جاء به الحديث؛ كالمبطون، والغريق، والمطعون، وصاحب الهدم، والحريق، والمرأة تموت في الطَّلق ولكنهم في حكم الطنيا كسائر الموتى في أنهم يغسَّلون، ويصلى عليهم.
"فصلٌ: في مسائل متفرِّقة" إذا ألقت المرأة علقة أو مُضغة لم يظهر فيها شيءٌ من خلق الآدميين، فليس لها غسل، ولا تكفين، ويُوارى؛ كما يوارى دمُ الرجل إذا افتصد أو احتجم.

وإن أسقطت سُقطاً، نظر: إن استهل، ثم مات، غسل وكفن وصلى عليه؛ كسائر الموتى وإن لم يستهل، نظر: إن تحرك غسل وكفن.
وهل يصلى عليه؟ فيه قولان: أحدهما: يصلى عليه، كما يغسَّل.
والثاني: لا يصلى عليه؛ لأن الصلاة تكون على من فارقه الروح، ولا يعلم ذلك؛ لأن الحركة لا تدل على الحياة والغسل لخروجه عن مجامع اللَّوث.
وإن لم يتحرك كفن في خرقة، ولا يصلى عليه، وهل يغسل؟ فيه قولان: أحدهما: لا يغسل؛ كما لا يصلى عليه.
والثاني: يغسل لخروجه عن محل اللَّوث، وإن ماتت امرأة في بطنها جنين حي يتحرك، هل يشق بطنها؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لما روي عن عائشة؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: كسرُ عظمِ الميِّت ككسره حياً".
والثاني: نشق؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأن نالحيَّ تبقى حياته بلحم الآدمي الميت.
فإن قلنا: لا يشق، فلا تدفن ما لم تسكن الحركة.
ولو ابتلع دُرَّة لإنسان ومات شق بطه وردت، وقيل: لا تُشَقُّ ويعطي القيمة من تركته.
والأول أصح وإن كانت الدُّرَّة له، ففيه وجهان: أحدهما: يشق بطنه؛ لأنها صارت للورثة.

والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يشق؛ لأنه أتلفها في حياته؛ كالطعام أكله.
ولو وجد عضواً من أعضاء ميت يغسل، ويصلى عليه، ويكفن، ويدفن إذا علم أن صاحبه ميت؛ صلى عمر- رضي الله عنه- على عظام بـ "الشام"، وصلت الصحابة على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ألقاها طائر بـ "مكة" من وقعة "الجمل".
وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه ما لم يكن أكثر من النصف، أو يكون الرأس معه.
ولو اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين صلى عليهم، وقصد المسلمين بالنيَّة، ولو صلى عليهم واحداً واحداً، ونوى الصلاة عليه إن كان مسلماً- جاز، ويقول: اللهم اغفر له إن كان مسلماً.
وعند أبي حنيفة: لا يصلى عليهم، إلا أن يكون أكثرهم مسلمين.
"باب حمل الجنازة" روي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه حمل جنازة سعد بن معاذٍ بين العمودين.

المستحب حمل الجنازة من الجوانب الأربعة، وهو أن يبدأ بياسرة السرير المقدَّمة؛ لأن فيها يمين الميت؛ فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يتقدم أمامها معترضاً بين يديها؛ فيضع يامنةِ السرير المقدَّم على عاتقه الأيسر، ثم يصير إلى يامنة المؤخرة؛ فيضعها على عاتقه الأيسر.
وإنما قلنا: يصير من ياسرة المؤخَّرة إلى يامنة المقدمة معترضاً بين يديها حتى لا يكون ماشياً خلف الجنازة؛ ولأن البداية برأس الميِّت أولى.
فإن كثر الناس ولم يمكن الحملُ من الجوانب حمل بين العمودين؛ كما جاء في السُّنَّة؛ وهو أن يجعل الخشبة المعترضة بين العمودين من مقدمة الجنازة على كاهله، ثم إن قوي على أخذ العمودين بيديه فعل؛ فيحصل الحمل بثلاثة، وإن لم يمكنه حصل الحملُ بخمسة، ولا يتصوَّر الحمل بين العمودين من مؤخر الجنازة.
وذهب: بعضنا إلى أن الحمل بين العمودين أفضل.
وعند أبي حنيفة: الحملُ بين العمودين بدعةٌ.
والمشي أمام الجنازة أفضلُ من المشي خلفها؛ لما روى سالم، عن أبيه؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعُمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة.

وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل؛ وهو قول علي رضي الله عنه.
وقال أحمد: إن كان ماشياً يمشي أمامها، وإن كان راكباً فخلفها.
ويعني: بالمشي أمامها: أن يمشي قريباً منها؛ بحيث لو التفت رأى الجنازة، لا أن يتقدم؛ فيقعد بالمصلَّى ينتظر حضورها.
فإن سبق إلى المقبرة فهو بالخيار؛ إن شاء قام حتى تُوضع الجنازة وإن شاء قعد؛ لما روي عن علي رضي الله عنه قال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع الجنازة حتى توضع، وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود.
والمشي بالجنازة: الإسراع، وهو فوق سجيَّة المشي دون الخبب، والرَّمل في الطواف.
والخبب: دون شدة السعي، وبين الصفا والمروة: السعي الشديد في خلال الطريق.
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة؛ فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك؛ فشرٌّ تضعونه عن رقابكم".

والسُّنَّة: ألا يركب؛ لما روي؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ما ركب في عيد ولا جنازة.
فإن ركب في الانصراف، فلا بأس.
روي عن جابر بن سمرة، قال: أُتِيَ النبي- صلى الله عليه وسلم- بفرسٍ معروف؛ فركبه حين انصرف من جنازة أبي الدحداح، ونحن نمشي حوله.
ويكره أن تتبع الجنازة بنارٍ ونائحةٍ.
قال عمرو بن العاص: إذا أنا مِتُّ فلا تصحبني نائحة ولا نار.
ومثله عن أبي موسى.
بابُ الصلاة على الميت ومن أولى بها الصلاة على الميِّت فرض على الكفاية، وفي العدد الذي يسقط بهم الفرض أوجه: أحدها: يسقط برجُل واحد؛ حراً كان أو عبداً؛ لأن الجماعة ليست بشرط فيها، ولو شرط العدد لشرط الجماعة؛ كالجمعة.
والثاني: يسقط برجلين؛ لأن الاثنين أقلُّ الجمع.
والثالث: بثلاثة: لأنها الجمع المطلق.
والرابع: بأربعة عدد حملة الجنازة، وليس الشرط أن يصلوا جماعة، فلو صلوا فرادى جاز ولو صلى عليه جماعةٌ من النساء لا يسقط بهن الفرض، ولو صلى جماعة من المراهقين فيه وجهان: أحدهما: لا يسقط به الفرض؛ كالنساء.

جارٍ التحميل