التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 417-463

قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، وقال جل

ذكره؛ إخباراً عن شعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27].

وروي عن ابن عباس؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- "احتجم وأعطى الحجام [أجره] ". الإجارة: جائزة عند عامة أهل العلم.
وهي بيع منافع الأعيان، جوز مع كون المنافع معدومة للحاجة الداعية إليه، ثم كل عين ظاهرة يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجري الإباحة في منفعتها: جاز إجارتها؛ كالدور والأراضي والعبيد والدواب ونحوها.
ويجوز استئجار الحر وأم الولد والمدبر.
أما ما لا يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه؛ كالأطعمة: لا يجوز إجارتها، وهل يجوز استئجار الدراهم والدنانير؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.

والثاني: يجوز؛ لأنه يريد أن يتجمل بها، وأن يضرب على طبعها.
والأول أصح؛ لأن الدراهم والدنانير لا تراد للجمال.
وكذلك: هل يجوز استئجار الأشجار؛ لتجفيف الثياب والاستظلال بها؟ فيه وجهان: الأصح: لا يجوز؛ لأن الأشجار لا تراد لهذا الأمر؛ فكان بذل العوض فيه تبذيراً وسفهاً.
وكذلك: الوجهان في استئجار الببغاء للاستئناس بوصته.
ويجوز استئجار الحلى للبس واستئجار الرياحين والمسك للشم، وتضمن منفعتها بالغصب.
ويجوز استئجار الجوارح للصيد، "الفهد" و"البازي" واستئجار الهرة لأخذ الفأر، ويجوز استئجار الولد للخدمة، ويكره استئجار أحد الأبوين، [و] هل يصح؟ إن ألزم ذمته: صح، وإن استأجر عينه: فوجهان؛ بناءً على المسلم إذا أجر نفسه من كافر.
وهل يجوز استئجار الكلب المعلم للاصطياد والحراسة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن الانتفاع به يباح؛ كالفهد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن اقتناءه حرام إلا للحاجة، وما أبيح للحاجة: لا يجوز أخذ العوض عليه؛ كالميتة: تُباح عند الضرورة، ولا يجوز بيعها.
ويجوز استئجار الشبكة للاصطياد.

ويجوز إجارة المشاع في نصف دار، ونصف عبد، سواء أجر من شريكه أو من غيره، وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجوز من غير شريكه، وجوزه صاحباه.
والإجارة تنعقد بلفظ "الإجارة" و"الكراء"؛ تقول: أكريت منك هذه الدار بكذا، أو أجرت منك هذه الدار بكذا، وإن قال: أجرت منك منفعة هذه الدار: يجوز.
وقيل: لا يجوز حتى يقول: أجرتك هذه الدار.
وإن كان في الذمة، فقال: أكريت ذمتك بكذا: جاز، وإن لم يتلفظ بواحد من اللفظين.
ولو قال بلفظ التمليك والبيع- نُظر: إن قال: بعت منك هذه الدار: لا يصح؛ لأنه لتمليك العين، وإن قال: بعت منك، أو ملكتك منفعة هذه الدار شهراً بكذا: ففيه وجهان: قال ابن سريج: يصح؛ لأن الإجارة صنف من البيوع.

والثاني- وهو الأصح-: لا يصح؛ لأنه موضوع لتمليك العين؛ فلا يستعمل في تمليك المنفعة؛ كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة، والنكاح بلفظ البيع.
ولا تصح الإجارة إلا على منفعة معلومة المقدار، ويعلم مقدار المنفعة: إما ببيان المدة أو العمل: فبيان المدة: أن تقول: اكتريت هذه الدار لأسكنها سنة، أو هذه الدابة لأركبها يوماً، واستأجرت هذا الثوب لألبسه شهراً.
وبيان العمل أن يقول: استأجرتك؛ لتخيط لي هذا الثوب، أو لتبني هذا الجدار ونحو ذلك: فيجوز.
ولو جعل العمل في ذمته، فقال: ألزمت ذمتك؛ ليحصل لي خياطة ثوب أو بناء جدار كذا: جاز.
ولو قدر العمل والمدة جميعاً، فقال: استأجرتك اليوم؛ لتخيط لي هذا الثوب: هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ لأنه ربما تم أحدهما قبل الآخر.
والثاني: يجوز، ويستحق المسمى بأسرعهما انقضاء.
ويشترط بيان الأجرة: إما بالمشاهدة أو ببيان الوصف، والمقدار، فالمشاهدة: أن يقول: استأجرتك؛ لتعمل لي كذا بهذا الدينار، أو بهذا الثوب.
والوصف والمقدار أن يقول: استأجرتك بدينار، أو بمائة من حنطة يصفها: فيجوز.
ولو استأجر بكف من دراهم نشاهدها غير معلوم الوزن، أو بشيء جزافاً، هل يجوز،

أم لا؟ نُظر: إن كان العقد على منفعة في الذمة: ففيه قولان؛ كالسلم، وإن كان على منفعة معينة: ففيه طريقان: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو كان في الذمة.
ومنهم من قال: يجوز قولاً واحداً؛ كبيع العين: يجوز أن يكون العوض فيه جزافاً، فلو لم يبين الأجرة، بل قال: اعمل لي كذا، لا أعطيك شيئاً، وأرضيك، أو استأجره بمسمى فاسد من خمر أو خنزير: لا يصح، والعامل يستحق أجر مثل عمله، ولو جعل أجرته من شيء يجعله بعمله: لا يجوز؛ مثل: أن يقول: انسج هذا الثوب، ولك نصفه، أو اجن هذه الثمرة، ولك ثلثها أو اسلخ هذه الشاة، ولك جلدها، أو رد آبقي، ولك نصفه، أو اطحن هذه الحنطة على أن لك ثلث الدقيق: لا يجوز؛ لأنه يعمل له ولنفسه، وعليه الأجرة، وإن قال: استأجرتك بربع هذه الحنطة على أن تطحن لي ثلاثة أرباعها: جاز ثم يقاسمه قبل الطحن، فيفرز الربع؛ ليطحن الباقي، أما إذا كان بينهما حنطة: استأجر أحدهما صاحبه بدرهم؛ ليطحنها، أو كان بينهما ثوب استأجره ليقصر نصيبه بدرهم، أو كان بينهما دابة استأجرها صاحبه ليتعهد نصيبه بكذا؛ كما لو استأجر أحدهما من الآخر جوالقا؛ ليجعل فيه الحنطة المشتركة: جاز.
ولو جعل الأجرة منفعة عين: يجوز؛ مثل: إن أجر داراً بمنفعة دار أخرى، أو بمنفعة عبد أو أجر داراً بمنفعة دارين: يجوز، لأنه لا ربا في المنافع؛ فإنه لو أجر حلياً من ذهب بالذهب: يجوز، ولا يشترط القبض في المجلس.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجوز إجارة المنافع بالمنافع عند اتفاق الجنس.
ولو دفع ثوباً إلى خياط، فقال: إن خطت اليوم، فلك درهم، وإن خطت الغد، فلك نصف درهم.
قال الشيخ- رحمه الله-: في أي يوم خاط، فله أجر المثل.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إن خاط اليوم، فله درهم، وإن خاط غداً، فأجر المثل.
وقال أبو يوسف ومحمد: له أجر المثل في أي يوم خاط، وإذا أجر شيئاً بأجر

معلوم: فإن شرط تعجيل الأجر: يتعجل، وإن شرط التأجيل: يتأجل، وإن أطلق: يجب تعجيلها؛ كالثمن في البيع؛ فيملك الأجرة بنفس العقد، ويستحق تسليم [الكل إليه بتسليم العين إلى المستأجر.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يملك الأجرة بنفس العقد، بل يملك شيئاً فشيئاً، ويستحق التسليم] شيئاً فشيئاً؛ كما أن المستأجر يستوفي المنفعة شيئاً فشيئاً.
فنقول: عوض في معاوضة تتعجل بشرط التعجيل.
فتتعجل عند الإطلاق؛ كالثمن في البيع، فإن قيل: المستأجر لا يملك المنفعة إلا شيئاً فشيئاً؛ كذلك الآجر: لا يملك الأجرة، قلنا: لا، بل يملك المستأجر المنفعة بنفس العقد، وإن كانت معدومة، فنجعلها كالموجودة في الحكم؛ كما جعلناها موجودة في جواز العقد عليها.
والدليل على أنه يملك الأجرة بنفس العقد: أن الاعتياض عنها: يجوز، ويصح ضمانها، والمكاتب: لو بقي عليه عشرة دراهم من النجوم، فأجر داره من سيده بعشرة: يعتق.
ولو استأجر عيناً أو اكترى دابة بعينها لحمل أو ركوب: جاز، وإن كان يشاهدها، وإن كانت غائبة: فعلى قولي شراء الغائب.
فإن جوزنا: فإن كانت داراً أو أرضاً: يجب أن يبين موضعها، وسعتها، أو دابة: يذكر جنسها ونوعها أنها: بعير، أو حمار، أو بغل، من ذكر أو أنثى.
ولا يجب تسليم الأجرة في المجلس.
ولو تلفت الدابة تنفسخ بنفس العقد.
ولو تعيبت، أو وجد بها عيباً قديماً: للمكتري فسخ العقد، ولا يجوز الإبدال؛ كالمبيع المتعيب، إذا تلف، وإذا كانت الإجارة في الذمة؛ بأن قال: ألزمت ذمتك، وحملي، أو حمل متاعي على دابتك إلى موضع كذا: فهو كالسلم؛ لا يشترط رؤية الدابة، بل يصفها.
ويجوز بلفظ "السلم" فيقول: أسلمت إليك هذه الدراهم، أو هذا الثوب في ظهر يحمل متاعي، أو يحملني إلى موضع كذا.
ولا يجوز تأجيل الأجرة، بل يجب تسليم الأجرة في المجلس بأي لفظ عقد.

لو عين الدابة، فقال: ألزمت ذمتك حملي على هذه الدابة: لا يصح؛ لأن السلم في العين لا يجوز ولو تلفت الدابة أو تعيبت بعد التسليم، أو وجد بها عيباً قديماً: لا ينفسخ العقد، ولا يفسخ، وعلى المكتري الإبدال.
وقيل: إن قال بلفظ "الكراء" فقال: اكتريت منك دابة تحملني عليها إلى موضع كذا، أو بلفظ "الإجارة" هل يجب تسليم الأجرة في المجلس؟ فيه وجهان؛ بناءً على أن المراعي في العقود اللفظ أو المعنى؟ إذا راعينا المعنى: يجب، وإن راعينا اللفظ لا يجب.
فصلٌ في بيان المدة والعمل إذا أجر داراً أو عبداً للانتفاع بها: يجب أن يبين المدة بالأيام أو بالشهور، أو بالسنين، فلو قال: أجرتك شهراً، أو قال: سنة: فعلى وجهين: أحدهما: لا يصح؛ لأنه لم يبين أي شهر، أو أي سنة، حتى يقول: شهر أو سنة من الآن؛ كما لو قال: بعتك عبداً، ولم يعين: لا يجوز.
والثاني: يصح، ويكون ابتداؤه من يوم العقد، فإن أجر شهراً: يكون ثلاثين يوماً بالأيام، وإن أجر شهرين، فيكمل الشهر الأول بالشهر الثالث ثلاثين يوماً؛ لأنه ينكسر، والشهر الثاني يكون بالهلال، وإن كان ناقصاً.
ولو أجر سنة تكون اثني عشر شهراً: يكمل الشهر الأول بالثالث عشر ثلاثين يوماً، وأحد عشر شهراً يكون بالأهلة.
وكذلك: لو أجر اثنا عشر شهراً، ويحمل مطلق ذكر السنة على الهلالية: فإن قال: سنة؛ بالعدد: تكون ثلثمائة وستين يوماً.
ولو قال: أجرتك هذه السنة: ينصرف إلى ما بقي من السنة، ولو قال: شهراً من هذه السنة: فإن لم يكن بقي من السنة إلا شهر: صح وإن بقي أكثر: لم يصح للجهالة.
ولو قال: إلى نصف هذا الشهر: فينتهي إذا غربت الشمس من اليوم الخامس عشر.
ولو قال: اكتريت نصف هذا الشهر؛ فيكون نصف باقي الشهر.
ولو قال: أجرتك هذه السنة كل شهر بكذا: يجوز، وإن فاوت بين الشهور في مقدار الأجرة.
وكذلك: لوق ال: هذا الشهر كل يوم بكذا.

ولو قال: أجرتك هذه الدار كل شهر بدينار: فالمذهب: أنه لا يصح؛ لأنه لم يبين المدة.
وقال في "الإملاء": يصح في الشهر الأول؛ لأنه معلوم، وما زاد مجهول، لا يصح.
وكذلك: لو قال: أجرتك كل شهر من هذه السنة بكذا: لم يصح؛ لأنه لم يضف إلى جميع السنة.
وقال ابن سريج: يصح في شهر واحد؛ كما لو قال: أجرتك هذا شهراً بدينار، وما زاد فبحسابه: صح في شهر واحد، وقد ذكر الشافعي- رضي الله عنه-: أنه لو اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة بعشرة، وما زاد فبحسابه؛ أنه يصح في شهر، وفرق بينهما من حيث إن هناك أفرد الشهر الأول بالعقد، وأفرد الأقفزة بالعشرة عما سواها؛ فصح العقد فيها، وفيما نحن فيه: لم يفرد الشهر عما بعده؛ فلم يصح في شيء منه.
ولا يصح إجارة الزمان المستقبل؛ مثل: إن قال: أجرتك هذه الدار سنة ابتداؤها من الغد أو الشهر الثاني، أو هذه الدابة إلى موضع كذا؛ لتخرج غداً.
وعند أبي حنيفة: يصح ذلك لنا: أنه تأخر مقتضى العقد عنه، كما لو اشترى داراً أو عبداً بشرط ألا يسلم إلا بعد شهر: لا يجوز.
فإن كان العقد في الذمة بأن قال: ألزمت ذمتك حملي على دابتك غداً إلى موضع كذا بكذا، أو غسل ثوبي غداً، أو قال: بعد شهر: فهذا يجوز، كما لو أسلم في شيء مؤجلاً: يجوز، فإن أطلق: يكون حالاً، وكذلك: لو أجر داره شهر رمضان من إنسان، ثم قبل مضي رمضان أجرها شوالاً من غيره: لا يجوز، وإن أجرها ممن هي في إجارته: فيه قولان: أصحهما: يجوز؛ لأن إجارته متصلة ليس لغيره يد حائلة، كما لو أجر منه شهرين بعقد واحد.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يأخذ الشهر الثاني قبل مضي الأول؛ فتكون إجارة المستقبل، وكذلك؛ لو أجر داره من زيد شهر رمضان، وزيد أجرها من عمرو، ثم الأول أجرها من عمرو شوالاً قبل مضي رمضان: فعلى قولين.

ولو أجرها من زيد: لا يجوز؛ لأنها ليست في إجارته.
وهل يجوز أن يؤاجر الشيء أكثر من سنة؟ نص- ههنا- على أن له أن يؤاجر [داره و] عبده ثلاثين سنة.
وقال في موضع لا يجوز أكثر من سنة، وقال في موضع آخر: له أن يؤاجرها ما شاء؛ خرج من هذا: أنه هل يجوز أكثر من سنة؟ فيه قولان.
أصحهما: يجوز، بدليل قصة شعيب مع موسى، عليهما السلام؛ قال: ﴿عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27]، وكالآجل في الديون: يجوز ما شاء؛ ولأن المنافع كالأعيان في أنها تضمن بالعقد الصحيح والفاسد، ثم الجمع بين أعيان كثيرة في العقد: يجوز؛ كذلك المنافع.
والثاني: لا يجوز أكثر من سنة؛ لأنه عقد على معدوم جوز لمسيس الحاجة إليه، والحاجة تزول سنة واحدة.
فإن قلنا: يجوز أكثر من سنة، فكم يجوز؟ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: ثلاثون سنة، ولا يجوز أكثر؛ لأنها نصف عمر الإنسان في الغالب.
ومنهم من قال: يجوز ما شاء.
وحيث قال: ثلاثون سنة: لم يُرد به التحديد، بل أراد لامبالغة في التكثير.
ومنهم من قال: يجوز قدر بقاء ذلك الشيء غالباً؛ فإن كان ثوباً: فسنة، وإن كانت دابة: فعشر سنين، وإن كان عبداً: فثلاثين سنة، وإن كان عقاراً: فما شاء، وإن لم نجوز أكثر من سنة: فلا يشترط بيان حصة كل شهر من الأجرة، فإن جوزنا: فأجر أكثر من سنة، هل يشترط أن يبين حصته كل سنة من الأجر؟ فيه قولان: أصحهما: لا يشترط [كما لو أجر سنة: لم يجب] بيان حصة كل شهر، وكما لو اشترى ثلاثة أعبد صفقة واحدة: لا يجب بيان حصة كل عبد.
والثاني: يشترط؛ لأن المنافع تتفاوت بالأوقات، وربما تتلف العين في خلال المدة؛ فيتنازعان في قدرها: يلزمه، فإن قلنا: لا يجب البيان: توزع الأجرة على لاسنين على أجور أمثالها.

ولو بين حصة كل شهر، وفاوت بين الشهور، فإذا انفسخ العقد في بعضها: يجب المسمى لما مضى.
وبيان العمل إذا استأجره ليخيط له ثوباً: يجب أن يبين الثوب وما يريد منه من قميص أو سراويل أو قباء، ويبين طوله وعرضه، وإذا استأجره ليبني له حائطاً: يجب أن يبين موضعه ويبين طوله وعرضه وسمكه، وأن يبينه من لبن أو طين أو آجر.
وإن استأجره لحفر بئر أو نهر: يجب أن يبين موضعه وعرضه وطوله وعمقه.
وإذا استأجره لضرب لبن: يجب أن يبين العدد والطول والعرض والسمك.
وإذا استأجره ليرعى له مدة: يجب أن يبين جنس الحيوان وعدده.
ويجوز أن يعقد على جنس معين، وعلى جنس في الذمة.
وإن استأجره على أن يعلمه شيئاً من القرآن: يجب أن يبين موضعه، فإن قال: عشر آيات، ولم يبين: لم يجز، وهل يجب أن يبين أن يعلمه بحرف ابن كثير، أو أبي عمرو، أو غيرهما من القراء؟ فيه وجهان.
وإذا استأجر وراقاً ليكتب له مصحفاً أو شيئاً يحل كتابته: يجوز.
ويجب أن يبين كم يكتب في كل صفحة من الخطوط، ولا يجب بيان الحروف.
وجملة هذا الفصل: أن الإجارة على ضربين: إجارة عقار، وغير عقار: أما العقار: فلا يصح إجارته إلا أن يكون معيناً؛ لأنه لا يجوز ابتياع العقار في الذمة؛ كذلك استئجاره.
وتقدير منافعها: يكون ببيان المدة، فيقول: أجرتك هذه الأرض سنة أو سنتين بكذا، ولا يمكن تقدير العمل فيه.
أما غير العقار من العبيد والدواب: فيجوز إجارتها معيناً، وفي الذمة، فإن كان معيناً يمكن تقدير المنفعة فيه بالمدة والعمل: فالمدة: أن يقول: استأجرتك لتعمل لي كذا شهراً، والعمل: أن يقول: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب، أو اكتريت هذه الدابة لأركب إلى موضع كذا.
وإن كان في الذمة: تصير المنافع معلومة؛ بتقدير العمل؛ وكل منفعة هي مجهولة في

نفسها؛ مثل: سكنى الدار، وسقي الأرض والرضاع: يكون تقديرها بالمدة؛ لأن السكنى وما يروى به الأرض من السقي، ويشبع منه الصبي من اللبن: لا يمكن ضبطه.
فإذا اكترى دابة للاستقاء: يجب أن يذكر جنس الدابة أنها بعير أو ثور أو بغل.
ويجب أن يعرف عين البئر، ويبين الدواب؛ لأن الدواب تختلف في الصغر والكبر، ويجب بيان المدة، فيقول: تستقي اليوم في هذا البئر بهذا الدلو، ويبين العمل، فيقول: تستقي خمسين دلواً بهذا الدلو.
ويجب تعيين الدلو ويكون آلات الاستقاء على المكتري، ولو ألزم ذمته، فقال: ألزمت ذمتك الاستقاء من هذا البئر اليوم، أو يبين العمل، فيقول؛ استقى خمسين دلواً بهذا الدلو من هذا البئر: فيجوز، ولا يجب بيان الدابة.
وإذا اكترى للحراسة: يجب أن يبين جنس الدابة، ويبين الأرض؛ لأن الأراضي تختلف بالصلابة والرخاوة، ويبين المدة أو العمل.
فالعمل: أن يقول: أجرت هذه الأرض، والمدة: أن تقول: أجرت هذه الأرض يوماً أو شهراً، والآلات على المكتري وإن ألزم ذمته، فقال: ألزمت ذمتك لحراسة أرض كذا: جاز؛ كما ذكرنا في الاستقاء.
وإذا اكترى للدياس: لا يصح، حتى يعرف الجنس الذي يداس.
ثم إن كان على زرع: لا يحتاج إلى ذكر الحيوان؛ لأنه لا غرض في تعيينه، إنما المقصود يحصل بالدياسة، وإن كان على مدة: لا يصح، حتى يبين جنس الحيوان؛ لأن العمل يختلف باختلافه.
فصلٌ في تعذر الانتفاع بالعين المستأجرة إذا استأجر دازاً فانهدمت، أو عبداً فمات، أو عيناً فهلكت- نظر: إن هلكت قبل القبض، أو بعدما قبض هلكت في الحال: ينفسخ العقد، ولا شيء على المستأجر، وإن هلكت بعدما قبضها وانقضت المدة: فقد استقرت الأجرة عليه، وإن هلكت بعد القبض في خلال المدة: ينفسخ العقد في المدة الباقية، وسقط عنه بقدر ما يقابلها من الأجرة، ولا تنفسخ المدة الماضية، وهل له فسخ العقد فيها؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه حصل تسليم منافعها، وهلكت.

والثاني: له الفسخ فيها؛ لأنه لم يسلم له جميع المعقود عليه.
فإن قلنا: له الفسخ فيها، وفسخ: يسقط عنه جميع المسمى، وعليه أجر مثل ما مضى من المسمى، ويوزع على المنفعة لا على الزمان، حتى لو استأجر ستة أشهر، ولم يمض من الزمان إلا شهران، ويقابلها نصف الأجرة: عليه نصف المسمى، وإن مضت أربعة أشهر ولا يقابلها إلا ثلث الأجرة: عليه ثلث المسمى.
ولو لم تنهدم الدار، ولكن انهدم جدارٌ، أو انكسرت منها دعامة، أو اعوجت، أو انقطع ماء البئر، أو تغير بحيث يمنع الشرب، أو الوضوء، أو مرض العبد، أو اعتلت يده، أو حدث به ما ينقص منفعته بعد القبض، أو قبله: لا ينفسخ العقد، وللمستأجر أن يفسخ العقد في المدة الباقية، وهل له الفسخ في المدة الماضية؟ فيه وجهان: وإن لم يفسخ: فعليه كمال المسمى.
وإن اكترى داراً، فانهدم بعضها، ورضى المكتري سكناها، ولم يفسخ العقد- فهل يلزمه جميع الأجرة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لم يستوف جميع ما استحق من المنفعة؛ كما لو اكترى داراً سنة، فسكنها بعض السنة، ثم غصبت.
والثاني: يلزمه جميع الأجرة، لأنه استوفى جميع المعقود عليه ناقصاً بالعيب؛ كما لو اشترى عبداً، فسقطت يده في يد البائع، ورضي به المشتري: يلزمه جميع الثمن.
ولو هدم المستأجر الدار، أو قتل الدابة، أو أتلف العين: فهو كما لو هدمها أو قتلها الآخر، أو انهدمت وماتت الدابة بنفسها في أنه ينفسخ العقد في المدة الباقية، ولا يتقرر عليه الأجرة، بل عليه قيمة العين؛ بخلاف ما لو أهلك المشتري المبيع قبل القبض: يجعل قابضاً، وعليه تمام الثمن؛ لأن البيع ورد على العين، وقد أتلفها، والإجارة وردت على المنفعة، وهي معدومة لا تصير موجودة بالإتلاف.
وقال ابن أبي هريرة: إذا أتلفه المستأجر: يستقر عليه جميع المسمى؛ كما لو قتل المبيع.
والأول المذهب، حتى لو عيب المستأجر العين، أو كانت طاحونة فقطع المستأجر النقير، أو كان عبداً فجرحه، أو داراً فكسر منه دعامة: يثبت له الخيار في فسخ العقد؛ كما لو تعيب بنفسه.

أما إذا كانت الإجارة في الذمة: فلا ينفسخ العقد بتلف الدابة، ولا يثبت حق الفسخ بتعيبها، وعلى المكتري الإبدال، كما لو وجد بالمسلم فيه عيباً رده واستبدله.
ولو اكترى دابة فهربت، أو عبداً فغصب أو أبق- نُظر: إن كانت الإجارة في الذمة: فعلى المكري الإبدال، وإن لم يفعل: يستأجر عليه.
وإن كانت الإجارة على العين، فيثبت للمكتري حق الفسخ؛ سواء هربت أو غصبت بعد القبض أو قبله؛ بخلاف ما لو أبق المبيع بعد القبض: لم يثبت للمشتري فسخ البيع؛ لأن تسليم المعقود عليه في البيع قد حصل، وفي الإجارة: لم يحصل؛ لأن المنفعة معدومة، وإن هرب، أو غصب من يد المستأجر في خلال المدة: انفسخ في المدة الباقية، وهل ينفسخ في الماضية؟ فعلى وجهين: الأصح: لا يفسخ، وعليه من المسمى بقدر ما مضى من المدة، فلو لم يفسخ العقد- نُظر: إن كان قد استأجر مدة معلومة، ولم تعد إلى يده حتى انقضت المدة: انفسخ العقد، وسقط عنه المسمى.
وإن عاد قبل انقضاء المدة: ينتفع به بقية المدة، وسقط عنه بقدر ما كان غائباً عنه، وإن كان قد استأجر لعمل معلوم، ولم يفسخ: فإذا عاد: استعمله.
ولو أجر عبداً، ثم أعتقه الآجر: يعتق، ولا تبطل الإجارة.
وهل للعبد أن يرجع على المولى بأجر مثل المدة الباقية؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يرجع؛ لأنه استحق منفعته بالعقد قبل العتق.
فإن قلنا: يرجع بالأجرة: كانت نفقته على نفسه لا على السيد؛ لأنه يملك منفعة نفسه بعد العتق؛ كما لو أجر نفسه بعد العتق.
وإن قلنا: لا يرجع: ففي نفقته وجهان: أحدهما: على المولى؛ لأنه كالباقي على ملكه؛ بدليل أن منفعته له.
والثاني: في بيت المال؛ لأنه لا يمكن إيجابها على المولى لزوال ملكه، ولا على العبد؛ لأن منفعته لغيره.
وكذلك: لو أجر أم ولده شهراً، فمات السيد في خلال الشهر: تعتق أم الولد، والإجارة لا تبطل.

وقيل في أم الولد: تبطل الإجارة بموت السيد؛ لأنه أنهى ملكه؛ كما لو أوصى له بمنفعة عبده حين حياته، فأجره الموصى له، ثم مات: تنفسخ الإجارة: قال الشيخ: وكذلك: لو أجر المعلق عتقه بالصفة، فوجدت الصفة في خلال المدة: يعتق، وهل تبطل الإجارة: فكأم الولد.
قال- رحمة الله عليه-: إنما تصح إجارته، إذا كان لا يتحقق وجود الصفة قبل انقضاء الأجل: فإن تحقق وجود الصفة في خلال المدة: وجب ألا يجوز، كما لا يجوز إجارة الصبي مدة يتحقق بلوغه في خلالها.
ولو أجر داراً أو عيناً، ثم باعها، أو وهبها-[نُظر: إن باعها] من المستأجر: يصح؛ لأنه لا حائل دونه؛ كما لو باع المغصوب من الغاصب، والمرهون من المرتهن، وهل ينفسخ عقد الإجارة؟ فيه وجهان: أحدهما: ينفسخ؛ كما لو اشترى زوجته: ينفسخ النكاح.
والاثني- وهو الأصح-: لا ينفسخ؛ بخلاف النكاح؛ لأن ثمن ملك الرقبة يغلب على ملك الرقبة [وملك الرقبة] يغلب على ملك المنفعة؛ بدليل أن من زوج أمته وقبض الصداق: لا يجب عليه تسليم الأمة.
وفي الإجارة: ملك المنفعة يغلب؛ بدليل أن الأجير إذا قبض الأجرة: يجب تسليم العين.
فإن قلنا: لا تنفسخ الإجارة: فلو تلفت العين، أو انهدمت الدار بعد القبض: تنفسخ الإجارة، ويسترد من الأجرة بقدر ما يقابل المدة الباقية، والبيع بحاله.
ولو وجد بالدار أو بالعين عيباً، وردها بحكم البيع: فله أن يمسكها، وينتفع بها بقية مدة الإجارة، وإن قلنا: تنفسخ الإجارة: يسترد أجرة المدة الباقية، وإذا فسخ البيع بعيب: لم يكن له إمساكه بقية المدة؛ لأن الإجارة قد ارتفعت بالبيع.
أما إذا باع أو وهب العين المستأجرة من غير المستأجر: هل يصح البيع والهبة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصح، لأن منفعتهما مستحقة للغير، ويد المستأجر تحول دونه؛ كبيع

الغصوب من غير الغاصب، والمرهون من غير المرتهن: لا يصح.
والثاني- وهو الأصح، نص عليه في كتاب "الصلح": يصح البيع؛ كما لو باع من المستأجر، وكما لو زوج أمة، ثم باعها: يصح البيع، ولا تنفسخ الإجارة، كما لا ينفسخ النكاح، بل يترك في يد المستأجر إلى انقضاء مدته، كما لو باع أرضاً مشغولة بزرع للبائع: يصح، ويبقى الزرع إلى الحصاد، فإذا صححنا البيع: فللمشتري الخيار إن كان جاهلاً بكونها في إجارة الغير.
وإن كان عالماً: لا خيار له، أو كان جاهلاً وأجاز العقد: فلا أجرة له لتلك المدة، وجعل كأن البائع استثناها لنفسه.
ولو وجد المستأجر به عيباً، وفسخ عقد الإجارة: فمنفعة بقية المدة لمن تكون؟ فيه وجهان: أحدهما: للبائع؛ لأنا أبقينا منفعة تلك المدة على حكم ملكه.
والثاني: يكون للمشتري؛ لأن استثناء تلك المنفعة للمستأجر، وقد رده المستأجر كما لو اشترى جارية مزوجة، فطلقها زوجها: تون منفعة البضع للمشتري.
نظيره: لو أوصى لإنسان بخدمة عبده، ولآخر برقبته، ومات، فرد الموصى له بالخدمة الوصية: فالخدمة لمن تكون؟ فيه وجهان.
أحدهما: للوارث.
والثاني: للموصى له بالرقبة.
ولو استأجر داراً، وأراد المستأجر أن يؤاجرها من غيره بعد ما قبض: يجوز؛ سواء أجر بأكثر مما استأجر أو بأقل.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: إن أجره بأكثر مما استأجر: لا يطيبل هـ الربح إلاأن يكون قد عمر فيها عمارة، حتى يقع الربح في مقابلة العمارة، وبالاتفاق: لو اشترى شيئاً، فباعه بأكثر مما اشترى طاب له الربح؛ [لأنه] يملك العين؛ فله أن يربح عليها، كذلك في الإجارة: يملك المنفعة؛ فجاز أن يربح عليها.

ولو أن المستأجر أجرها قبل القبض: هل يجوز؟ فعلى وجهين؛ بناءً على إجارة المبيع قبل القبض.
فإذا أراد المستأجر أن يؤاجرها من الآخر بعد القبض، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ كما لو اشترى شيئاً، ثم باعه من بائعه: يجوز.
نظيره: لو أوصى لإنسان برقبة عبده، وللآخر بخدمته، ثم الموصى له بالخدمة أجره من الموصى له بالرقبة: هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان.
ولو استأجر حراً للعملن فبعد ما سلم الأجير نفسه إليه: له أن يؤاجره من غيره، وقال الشيخ القفال- رحمة الله عليه-: لا يجوز؛ لأن الحر لا تحتوي عليه اليد.
ولو أجر الأب ولده الصغير، أو القيم أجر الطفل على النظر، وأجر ما له مدة لا يبلغ فيه؛ مثل: إن كان عشر سنين، فأجره أقل من خنمس سنين: جاز؛ لأن الغالب أنه لا يبلغ فيه، فإذا بلغ بالاحتلام قبل تمام المدة؟ هل تنفسخ الإجارة؟ فيه وجهان: أحدهما: تنفسخ؛ لأنا تبينا أنه عقده على مدة لم يكن له عليه ولاية.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه عقد حين عقد كان ولياً؛ كما لو أجر عبده مدة، ثم عتق: لا ينفسخ.
وإن قلنا: لا ينفسخ: فهل له أن يفسخ العقد على نفسه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كالعبد إذا عتق.
والثاني: له ذلك؛ بخلاف العبد؛ فإن السيد عقد لنفسه؛ لأن منافعه كانت ملكاً له؛ كالرقبة، فإذا أعتقه كأنه أزال ملكه عن الرقبة دون المنفعة، والولي لم يعقد لنفسه، بل عقد على الصبي؛ فيكون على النظر، وليس من لانظر استدامته بعد البلوغ.
أما إذا أجره مدة يبلغ في خلالها بأن كان ابن عشر، فأجره ست سنين: لا تصح الإجارة.
وقيل: لا تصح فيما زاد على البلوغ، وفيما دونه قولان.
والأول أصح أنه لا يصح؛ كما لو أجر الراهن الرهن مدة يتحقق حلول الدين قبل انقضائها: لا يصح.

ولو استأجر امرأة لإرضاع ولده: جاز، وإن كان فيه إتلاف اللبن.

ولا يجوز إهلاك العين بعقد الإجارة، ولكن جوزناها هنا لأجل الضرورة؛ لأن الغالب أن المولود إنما يتربى بلبن يصل إلى جوفه من الثدي، ولا يمكن شراؤه؛ فجوزت الإجارة للحضانة وللإرضاع.
ولا يصح حتى يعرف الصبي الذي يعقد على إرضاعه، ويعرف موضع الإرضاع، وعلى المرضعة من الأكل والشرب ما يدرأ به اللبن، ولمستأجر مطالبتها؛ لأنه من مقتضى

التمكن من الرضاع، وفي تركه إضرار بالصبي، وإن استأجر للحضانة والإرضاع جميعاً: جاز.
والحضانة: هي تعهد الصبي وحفظه وإصلاحه بغسل رأسه ونجاسته وثيابه، وتدهينه وتكحيله وتنويمه وما يحتاج إليه، ثم المعقود عليه ماذا؟ اختلفوا فيه: فمنهم من قال: المعقود عليه اللبن، والحضانة تبع؛ لأن اللبن أشد مقصوداً للولد؛ فعلى هذا: إذا انقطع اللبن: ينفسخ العقد فيه.
ومنهم من قال: المعقود عليه الحضانة، واللبن تبع؛ لأن الإجارة ترد على المنفعة، فعلى هذا، إذا انقطع اللبن: ينفسخ العقد فيه.
وهل ينفسخ في الحضانة؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
ولو استأجر امرأة للحضانة: لا يدخل فيه الرضاع.
فلو استأجر للإرضاع: فإن قال: بلا حضانة: فلا تلزم الحضانة، وإن طلق: فهل تلزم الحضانة؟ فيه وجهان:

الأصح: لا تلزم؛ لأنه لم يشرطها، وهما منفعتان مقصودتان؛ تنفرد إحداهما عن الأخرى؛ فلا تتبع إحداهما الأخرى.
والثاني: تلزم؛ للعادة الجارية به.
وإذا استأجر للإرضاع: فلا يتأتى إلا بفعل من جهتها من الاعتشار والتمكين من الارتضاع.
واختلفوا في أن العقد يتناول اللبن، وفعلها تبع أم يتناول فعلها؛ واللبن تبع؟ منهم من قال: يتناول اللبن؛ لأنه المقصود؛ ألا ترى أنه لو انتقص اللبن: ثبت للمستأجر الخيار، ثم يدخل الفعل تبعاً؛ لأنه سبب وصول المقصود إليه.
ومنهم من قال- وهو الأصح: العقد يتناول فعلها، واللبن تبع، لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]؛ جعل الأجرة على فعل الإرضاع دون اللبن؛ ولأن اللبن عين، وتدخل الأعيان في عقد الإجارة تبعاً لا مقصودة؟ كما يكتري البئر ليستقي ماءها، ويكتري داراً ليسكنها وفيها بئر ماء: يجوز أن يستقي ماءها.
ولو استأجر امرأة على كفالة الولد؛ لتتعهده، وتربيه، وينفق الأب ويكسوه: جاز، إذا بين المدة.
وإذا استأجرها؛ لتكون النفقة وما يحتاج الصبي إليه عليها: فإن لم يبين ما تنفق عليه: لا يجوز، وإن بين ما تنفق عليه كل وقت جنساً ووصفه بصفات السلم: فهذا جمع بين الإجازة والسلم إلى آجال مختلفة، وفي جوازه قولان: فإن قلنا: لا يجوز، فإذا تعهدته وأنفقت عليه: يجب على المستأجر أجر مثلها، وقيمة ما أنفقت عليه من الطعام وغيره.
ولو استأجر للإرضاع، فلم يلتقم الصبي ثديها: ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ العقد.
والثاني: لا ينفسخ، ويأتي بولد آخر ترضعه، وكذلك: لو مات الصبي: ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ العقد؛ كما لو ماتت المرضعة.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأن العقد يتناول عملها، وهو باق، فيأتي بولد آخر ترضعه؛ كما لو اكترى دابة ليحمل عليها متاعاً، فهلك المتاع: لا ينفسخ العقد: فإن لم يوجد ولد آخر،

وتشاحا: يفسخ العقد وجملة هذا الباب: أن العقد، إذا عقد على شيء بعينه، فهلك: إن هلك المستوفى: فلا يضر، ووارثه يقوم مقامه.
وإن هلك المستوفى منه؛ كالعبد يموت، والدار تنهدم: ينفسخ العقد.
وإن هلك المستوفى به؛ كالصبي يموت: فإن استأجر لخياطة ثوب بعينه، فهلك الثوبك هل يبطل؟ فيه قولان.
أما إذا ألزم ذمته حمل متاع إلى موضع، فهلك المتاع: ينفسخ العقد.
ولا يجوز استئجار المرأة المزوجة للإرضاع ولا لغيره بغير إذن الزوج؛ لأنه ليس لها أن تشغل نفسها عن إيفاء حق الزوج، وإذا لزم ذمتها الإرضاع: جاز؛ لأنه يمكنها أن يحصل بغيرها.
ولو أجرت نفسها بإذن الزوج: جاز، وإن أجرت نفسها لعمل، ولا زوج لها، ثم نكحت في مدة الإجارة: صح النكاح، ولا تنفسخ الإجارة، ولا يثبت حق الفسخ؛ لأن الزوج: لا يجوز له منعها من العمل، ثم إن كانت أجرت نفسها للإرضاع، وإصابة الزوج تضر باللبن: يمنع من الإصابة، ولا تستحق على الزوج النفقة في هذه المدة.
ولو زوج السيد أمته، ثم أجرها: جاز، ولم يكن للزوج منعها عن المستأجر؛ لأن يد المستأجر في الانتفاع يد السيد، وحق المستأجر ألزم؛ بدليل أنه يجب على السيد تسليمها إلى المستأجر بعد أخذ الأجرة، ولا يجب تسليمها إلى الزوج بعد قبض الصداق.
ولو استأجر وراقاً؛ ليكتب له كتاباً: يجب أن يبين أن الحبر ممن يكون، وكذلك: لو استأجر صباغاً: يبين أن الصبغ ممن يكون، أو خياطاً: يبين أن الخيط ممكن يكون، فإذا شرط الحبر أو الصبغ أو الخيط على الأجير: يجب أن يبين قدره، وإذا بين قدره: من أصحابنا من قال: يكون ذلك جمعاً بين الشراء والكراء؛ لأنه يستأجره للعمل، ويشتري منه الحبر والصبغ والخيط؛ فتكون على قولين.
ومنهم من قال: يجوز قولاً واحداً، وبه قال صاحب "التلخيص"؛ قال: قلت في الوراق تخريجاً؛ لأن المقصود عمله، وهو الكتابة وفعل الصباغة، والحبر والصبغ تابعان فيه، كاللبن في إرضاع الولد.
ومن قال بالأول قال: جوز الإرضاع لأجل الضرورة؛ لأن الولد يتربى بلبن يصل إليه من الثدي، ولا يمكن إفراده بالبيع.

أما الحِبْرُ والصبغ: يمكن إفرادهما بالبيع: فلا ضرورة إلى جعلهما تبعاً.
نظيره: أن لو كان اللبن محلوباً، فاستأجرها على تربيته بذلك اللبن وبطعام آخر من عندها؛ فيكون على قولين.
فصلٌ وعقد الإجارة عقد لازم؛ لا يجوز لأحد المتعاقدين فسخه بعذر يظهر له؛ سواء استأجر عينه أو ألزم ذمته، إلا أن تتلف العين، فينفسخ، أو يجد بالعين عيباً ينقص المنفعة؛ فيثبت للمستأجر الفسخ.

ولو اكترى دابة ليحج عليها، فمرض وعجز عن الخروج، أو اكترى حماماً، فتعذر عليه ما يوقده: لا فسخ له؛ لأن المعقود عليه باق، وإنما يتعذر الانتفاع بمعنى في غيره.
وأبو حنيفة- رحمة الله عليه-: يجوز الفسخ بعذر يظهر للعامل؛ مثل: إن استأجر دار في الغربة، ثم بدا له أن يرجع إلى وطنه، أو حانوتاً ليحترف بحرفة، فبدا له ألا يفعل، أو دابة ليسافر عليها، فبدا له ألا يخرج، أو الآجر ركبته الديون: فله أن يفسخ العقد.
وبالاتفاق: لو أجر داره، وأهله بالغربة، فعادوا، أو لم يكن متأهلاً، فتأهل، أو اكترى جملاً، فمرض الجمال: لم يكن له الفسخ؛ فنقيس عليه.
أما إذا استأجر رجلاً ليقطع يده بسبب الأكلة، أو يقلع سنه للوجع أو لاستيفاء القصاص: جاز، فإذا سكن الوجع أو عفا عن القصاص: انفسخ العقد.

وقيل: هذا جعالة؛ لأنه ربما يبدو له ألا يقطع؛ خوفاً من الزيادة، أو يعفو عن القصاص.
وإذا استأجر رجلاً ليحفر له بئراً: يجب أن يبين العرض والعمق، فإن لقيته صلابة- نظر: إن كان يعمل عليها المعول: يجب عليه أن يحفر، وإن شق عليه أن يعمل عليها المعول، أو تبع الماء فلم يمكن الحفر: ينفسخ العقد، وله من المسمى بقدر ما عمل.
وإن استأجر امرأة لتقم المسجد مدة، فحاضت: انفسخ العقد، إن استأجر عينها، وإن ألزم ذمتها: لم ينفسخ؛ لأنه يمكنها أن تأمر غيرها أن تقم، أو تقم بعدم اتطهر، وإذا اكترى عيناً، فمات أحد المتكاريين: لا ينفسخ العقد، فإن مات المكتري: قام وارثه مقامه في استيفاء المنفعة بقية المدة؛ لأن المكتري يرث المنفعة المستحقة [لمورثه]؛ كما يرث العين المملوكة له، وإن مات المكري يترك في يد المكتري حتى تنقضي مدة الإجارة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: أيهما مات ينفسخ العقد.
فنقول: عقد معاوضة؛ فلا ينفسخ بموت العاقد مع بقاء المعقود عليه؛ كالبيع.
ولو استأجر أجيراً، فمات الأجير: ينفسخ العقد؛ لفوات المعقود عليه؛ كما لو استأجر دابة، فماتت.
ولو أوصى لإنسان بمنفعة داره ما عاش، فمات الموصي، وقبل الموصى له الوصية، وأجرها: جاز، فإذا مات الموصى له في خلال المدة: تنفسخ الإجارة؛ لأنه انتهى حق الموصى له، ولو أجر داره من وارثه، ثم مات الآجر، هل تنفسخ الإجارة؟ فيه وجهان، كما لو باع الآجر الدار من المستأجر، هل تنفسخ الإجارة؟ فيه وجهان.
ولو أجر داراً موقوفة- نُظر: إن كانت موقوفة على جماعة غير متعينين، أو على مسجد، أو رباط: فأمره إلى الواقف ما دام حياً، وإلى قيم ينصبه بعده، فإذا لم ينصب قيماً: فإلى الحاكم، فإذا أجرها هو أو قيمة أو الحاكم مدة، ثم مات الآجر، أو المستأجر في خلال المدة: لا تبطل الإجارة، وتترك في يد المستأجر إلى أن تنقضي مدته.
فإن وقف على متعينين بأن وقف على أولاده، ثم على أولاد أولاده: فإن قلنا: الملك في الوقف للواقف، أو زال إلى الله تعالى: فأمره بعد الواقف إلى الحاكم.

وإذا أجره: لا يبطل بموته، وإذا مات البطن الأول في خلال المدة: فأجرة المدة الباقية للبطن الثاني، فإن كان قد أجره البطن الأول: يرجع البطن الثاني في تركته، وإن قلنا: الملك للموقوف عليه: فأجرة البطن الأول، ثم مات في خلال المدة، هل تبطل الإجارة؟ فيه وجهان، بناءً على أن البطن الثاني تتلقى الملك من الواقف أم من البطن الأول؟ فيه وجهان: إن قلنا: من الواقف: ينفسخ؛ لأن ملك الأول قد انتهى، وتبينا أنه أجر حق غيره، وإن قلنا: من البطن الأول: لا ينفسخ؛ كما لو أجر داره؛ ثم مات: لا تنفسخ الإجارة، وأجرة المدة الباقية: تكون للبطن الثاني؛ بخلاف ما لو أجر دار نفسه مدة، فمات: تكون جميع الأجرة باقية على ملك الميت ينفذ منه ديونه ووصاياه؛ لأنه أجر ملكه المطلق، وينتقل إلى وارثه ما كان ملكاً له، والذي كان يملكه رقبة مسلوبة المنفعة.
فصلٌ إذا استأجر عيناً؛ لينتفع بها: تكون العين أمانة في يد المستأجرح لأنه استحق الانتفاع بها، ولا يمكن إلا بحبسها؛ فلا يضمنها إلا بالتعدي، وهو في استيفاء ملك المنفعة بالخيار، إن شاء استوفى بنفسه، وإن شاء استوفى بغيره، ويجب أن يستوفيها بالمعروف، فلو شرط عليه ألا يستوفيه إلا بنفسه: لا يصح العقد؛ كما لو باع من رجل شيئاً بشرط ألا يبيعه: لا يصح.
ولو اكترى دابة ليركبها، فإن أركبها من هو في مثل نفسه: لا يضمن، وإن أركبها من هو أثقل منه: ضمن، وإن لم يخرج عن الحد وقرار الضمان: يكون على الثاني إن كان عالماً، وإن كان جاهلاً: فعلى الأول، وإن أركبها من هو في مثله غير أنه أعنف في ضرب الدابة: فلا ضمان، ما لم يخرج عن العادة في الضرب؛ بخلاف ما لو كان أثقل منه؛ لأن الوزن محصور، والضرب غير محصور؛ فإن خرج الثاني عن العادة في الضرب: ضمن الثاني، ولا يكون الأول طريقاً فيه؛ لأنه لم يتعد.
وكذلك: لو استأجر ثوباً ليلبسه، فألبسه من هو في مثل حاله: لم يضمن، وإن ألبسه قصاباً، أو عصاراً: ضمن.
ولو اكترى داراً ليسكنها، فأسكنها من هو في مثله: لم يضمن، وإن أسكنها حداداً أو [قصاراً]: يضرب بالمطرقة.

وعند أبي حنيفة- رحمه الله تعالى: إذا أركب الدابة من هو مثله، أو ألبس الثوب: ضمن، ووافق في الدار.
ولو اكترى داراً للسكنى: جاز أن يضع فيها متاعه، ولا يجوز أن يربط فيها الدواب، ولا أن يطرح في أصل حيطانها التراب والرماد؛ لأنه غير متعارف في السكنى.
وهل يجوز أن يطرح فيها ما يسرع إليه الفساد؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ لأن طرح المطعومات متعارف في سكنى الدار، ويسرع إليه الفساد.
ولو استأجر ثوباً ليلبسه، فنام فيه بالليل: ضمن، ولو قال فيه بالنهار: لم يضمن؛ لأن العادة جرت أن الناس يقيلون في الثياب، ولو اتزر به: ضمن، ولو ارتدى: لم يضمن، لأن الاتزار أضر بالثوب من اللبس.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها مائة من من حديد، فحمل عليهامائة من من التبن أو القطن: ضمن؛ لأن القطن يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ الحديد، ولو اكترى ليحمل عليها مائة من من القطن، فحمل مائة من من الحديد: ضمن؛ لأن الحديد يجتمع على موضع واحد من ظهر الدابة؛ [فيدقته].
وكذلك: لو اكترى ليحمل عليها مائة من من الحنطة، فحمل مائة من من الشعير، أو على عكسه: ضمن؛ لأن الشعير أخف؛ فيأخذ من ظهر الدابة أكثر.
أما إذا اكترى ليحمل عليها عشرة أقفزة من الحنطة، فحمل عليها عشرة أقفزة من الشعير: لم يضمن؛ لأنهما في الخفة سواء والشعير أخف وعلى عكسه: لو اكترى أن يحمل عليها عشرة أقفزة من الشعير، فحمل عليها عشرة أقفزة من الحنطة: ضمن؛ لأن الحنطة أكثر.
ولو اكترى للركوب فحمل، أو للحمل فركب: يضمن؛ لأنه إذا اكترى للركوب فحمل: فالراب يعين الدابة بحركته، والحمل لا يعينها، وإذا اكترى للحمل فركب: فالحمل يتفرق على جنبي الدابة، والراكب يلزم مكاناً واحداً، ففي كل واحد ضرر ليس في الآخر؛ فيضمن في الحالين.
ولو اكترى ليركبها بسرج، فركبها عرياناً، أو ليركب عرياناً فركب بسرج: ضمن؛ لأن ركوبه عرياناً أضر بالدابة، وفي ركوبه بالسرج حمل زيادة متاع عليها.

ولو اكترى ليركب بالإكاف فركب بالسرج: لم يضمن؛ لأنه أخف على الدابة.
ولو اكترى ليركب بالسرج، فركب بالإكاف: ضمن.
أما إذا اكترى ليحمل عليها بالإكاف، فحمل بالسرج: ضمن؛ لأن الحمل بالسرج أشق على الدابة.
ولو اكترى ليحمل بالسرج فحمل بالإكاف: لم يضمن، فإن كان في شيء منه زيادة ثقل، أو ضرر: ضمن.
ولو اكترى دابة للركوب من مكة إلى مر الظهران، فذهب من جانب آخر قدر مر الظهران: إن كان الطريق الثاني مثل طريق مر الظهران من السهولة والأمن: جاز، ولم يضمن، وإن كان أضر أو أخوف: ضمن، وعليه المسمى، لأن الزمان مستحق له.
ولو اكترى ليركبها إلى مر الظهران، فجاوزها إلى عسفان: يجب عليه المسمى بالذهاب إلى مر الظهران، وأجر المثل من مر الظهران إلى عسفان، وصار ضامناً للدابة بإخراجها إلى عسفان.
فإن هلكت: عليه قيمتها أكثر ما كانت من حين جاوزت مر الظهران إلى أن ماتت.
هذا إذا سلم الدابة إلى المكتري، ولم يكن صاحبها معها: فإن كان صاحبها معها: فسكوته لا يسقط الضمان.
ثم ننظر: إن هلكت الدابة بعد نزول الراكب لرواح أو غيره، وتسليم الدابة إلى صاحبها: يجب ضمانها؛ لأنها في يد صاحبها؛ كرجل ساق جملاً، وعليه صاحبه نائم: لا يضمنه، وإن تلفت والمكتري عليها: يضمن، وكم يضمن؟ نظر: إن كان أتلفها لا بسبب السير؛ بأن وقعت في بئر أو نحوه: ضمن الكل، وإن كانت بتوالي السير: فقد تلفت بسيره وجنايته؛ فيجب عليه الضمان، وكم يلزمه؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه نصف الضمان؛ لأنها تلفت من مضمون وغير مضمون.
والثاني: توزع القيمة على المسافتين، فما قابل مسافة الإجارة: يسقط، وما قابل الزيادة: يجب.
هذا إذا اكتراها للذهاب، فإن اكتراها للذهاب والرجوع: فلا يجب كراء المثل

للمجاوزة إلى عسفان؛ لأن الزمان مستحق له؛ ولكنه ضامن للدابة لإخراجها إلى مالكها.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة من الحنطة إلى بلد، فحمل عليها أحد عشر قفيزاً: يجب عليه أجر المسمى للأقفزة العشرة، وأجر المثل للزيادة، وعليه ضمان الدابة إذا هلكت، وكم يلزمه؟ نُظر: إن كان قد سلم الدابة إلى المكتري، ولم يكن صاحبها معها: فعليه جميع قيمة الدابة، وإن كان صاحبها معها: كم يجب عليه من الضمان؟ فيه قولان.
أحدهما: يجب نصفه؛ لأن التلف حصل من محظور ومباح.
والثاني: يوزع؛ فعليه جزء من أحد عشر جزءاً من الضمان.
وأصل هذا: الجلاد إذا ضرب في حد القذف إحدى وثمانين جلدة، ومات المجلود: كم يجب على الجلاد من الضمان؟ فيه قولان: أحدهما: نصفه.
والثاني: جزء من أحد وثمانين جزءاً.
وهذا بخلاف ما لو لم يكن صاحب الدابة معها، حيث قلنا: يجب عليه جميع قيمة الدابة؛ لأن اليد- هناك- للمستأجر؛ فيلزمه ضمان اليد، وهو ضمان الغصب.
وإذا كان المالك معها: فاليد للمالك؛ فيكون ضمان المكتري ضمان الجناية؛ فيكون بقدر الجناية.
هذا إذا كان الكيال هو المكتري، وكان المكري جاهلاً بالزيادة بسوق الدابة، وإن كان المكتري زائداً، وحملها المكري [عالماً] بالزيادة بغير أمره، سواء كان على الأرض فحملها، أو كان المكتري وضعها على ظهر الدابة، أو الدابة واقفة، فسيرها المكري عالماً، أو كان الكيال هو المكري، فكال زائداً، عمداً أو خطأ، وحملها: لا يجب على المكتري أجر مثل الزيادة، ولا ضمان الدابة، وتلك الزيادة مضمونة على المكري؛ فللمكتري أن يكلفه ردها إلى البلد الأول، ويغرمه قيمتها باعتبار بلد النقد إلى أن يردها إلى موضعها.
ولو أن رجلين اكتريا دابة، فركباها، فارتدفا معهما ثالثاً من غير إذن، فهلكت الدابة: ففيما يجب على المرتدف ثلاثة أوجه: أحدها: يجب عليه نصف القيمة؛ لأنها هلكت من مضمون وغير مضمون.

والثاني: عليه الثلث؛ لأن الرجال لا يوزنون؛ فيوزع الضمان على عدد رءوسهم.
والثالث: يوزع على أوزانهم؛ فيجب عليه حصته بالوزن.
ولو غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر: لا يجبر الآجر على انتزاعها من يد الغاصب؛ بل إذا كان العقد على موصوف في الذمة: يطالب الآجر بإقامة غيرها مقامها، وإن كان على العين: فللمستأجر أن يفسخ العقد، ويجب على الغاصب كراء المثل للمالك لا للمستأجر، وإن كان للمستأجر؛ لأن من استهلك المنفعة: يجب عليه العوض لمالك العين؛ كمن وطئ أمة مزوجة بالشبهة: يجب على الواطئ المهر للسيد لا للزوج الذي هو مالك منفعة البضع، ويجب على المستأجر من المسمى بقدر ما انتفع بها، ويسقط بقدر ما كان في يد الغاصب، وإذا غصبت الدار المكراة أو العين المستأجرة: فالخصومة للمكري؛ لأنه مالك العين، وهل للمستأجر أن يخاصم لأجل المنفعة؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه ليس بمالك العين؛ كما لو غصب الرهن أو الوديعة لم يكن للمرتهن ولا للمودع أن يخاصم الغاصب.
والثاني: له ذلك؛ لأنه يقول: هذه المنفعة لي، وأنت تستوفيها ظلماً.
ولو استأجر داراً إجارة صحيحة، ثم أجرها من غيره إجارة فاسدة: يجب على الأول المسمى للمالك، وعلى الثاني أجر المثل للأول؛ بخلاف الغاصب: يجب عليه أجر المثل للمالك؛ لأن في الإجارة الفاسدة: وجد التسليط من جهة المستأجر على استيفاء المنفعة التي هي حقه.
ولو أجر عيناً، ثم أقر الآجر [به] لآخر، هل يقبل؟ فيه قولان؛ بناءً على ما لو رهن شيئاً، ثم أقر به لآخر، هل يقبل به؟ فيه قولان؛ سواء كانت العين في يد المستأجر، أو غصبها غاصب، فأقر بها للغاصب أو لغيره.
فمن أصحابنا من قال: إن أقر قبل أن غصب: لا يُقبل؛ لأن المنافع تحدث على ملك المستأجر في يده، وإن أقر بعد ما غصب: يُقبل [لأن] ما حدث في يد الغاصب من المنفعة: يحدث للمالك.
وإذا استأجر داراً أو عيناً مدة: فإن لم يسلمها الآجر إليه حتى مضت المدة:

انفسخت الإجارة، وإن سلمها إليه، فأمسكها المستأجر تلك المدة، ولم ينتفع بها: تستقر الأجرة، وعليه ردها، حتى لو انتفع بها بعد مضي المدة: يجب عليه مع المسمى أجر المثل لما انتفع بها.
ولو اكترى دابة؛ ليخرج إلى بلد، فقبضها، وأمسكها قدر إمكان المسير إلى ذلك البلد: لم يكن له الخروج عليها، سواء كان له عذر في المقام أو لم يكن، وعليه المسمى.
ولو أخذ الدابة، فصار الطريق مخوفاً: لم يكن له إخراجها، فلو أخرجها: كان ضامناً، ولم يكن له فسخ العقد، ولو حبسها: يستقر عليه الأجرة، وله أن يستعملها في البلد.
ولو استأجر حراً مدة لعمل معلوم، فسلم الحر نفسه إليه، فلم يستعمله حتى مضت المدة، أو مضى قدر إمكان ذلك العمل: تستقر عليه الأجرة.
وقال الشيخ القفال: لا تستقر؛ لأن الحر لا تحتوي عليه اليد؛ كما قال: لا يجوز للمستأجر أن يؤاجره، ولو ألزم ذمة الحر عملاً، فسلم نفسه قدر إمكان العمل: هل تستقر عليه الأجرة؟ فيه وجهان: فإن قلنا: لا تستقر، ولم يستعمله المستأجر: رفعه إلى الحاكم حتى يجبره على استعماله؛ ولو استأجر دابة شهراً من أول رمضان، فأمسكها الآجر يومين أو ثلاثة: فللمستأجر الخيار؛ لأنه فوت عليه منفعة يومين، وليس للآجر أن يقول: استعملها ما بقي من رمضان ويومين من أول شوال؛ لأن القدر يرتفع بمضي رمضان.
ولو اكترى شيئاً فاسداً، وقبضه، وأمسكه: يجب عليه أجر المثل؛ سواء كان أقل من المسمى أو أكثر؛ سواء انتفع به، أو لم ينتفع؛ لأن القبض في الإجارة الصحيحة تقرير المسمى؛ ففي الفاسد: يجب أجر المثل؛ كالقبض في البيع الصحيح لما قرر الثمن المسمى: ففي الفاسد، إذا هلك عنده: وجب قيمة المثل.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه: إن لم يستعمل: لا شيء عليه، وإن استعمل: عليه أقل الأمرين من المسمى أو أجر المثل.
ولو أجر الحر نفسه إجارة فاسدة، وسلم نفسه: يجب أجر المثل، والتمكين من القبض يكون قبضاً في الصحيح، ولا يكون قبضاً في الفاسد؛ فإنه إذا باع أو أجر شيئاً عقداً صحيحاً، فجاء به، ووضعه بين يدي المشتري والمستأجر بلا حائل: كان قبضاً، حتى

يستقر عليه العوض، إذا مضى زمان إمكان الاستيفاء، وفي الفاسد: لا يكون قبضاً؛ لأن التسليم في الصحيح واجب، وأجري عليه حكم القبض.
فصلٌ إذا أجر شيئاً: يجب على الآجر ما يحتاج إليه للتمكين من الانتفاع من تسليم مفتاح الدار وزمام الجمل والبرة التي في أنفه ولجام الفرس، فإن تلف شيء منه في يد المكتري: لا يجب عليه ضمان؛ كما لا يجب ضمان العين المستأجرة، وعلى المكري بدله.
ولو أجر داره، فانكسرت فيها دعامة، أو انهدمت، أو خرب ميزاب، أو انغلق باب، فإصلاحه على المكري، ونعني بقولنا: إنه على المكري: أنه إن بادر المكري إلى إصلاحه: فلا خيار للمكتري، وإن لم يصلحه: فلا يجبر عليه؛ لكن يثبت للمكتري حق الفسخ؛ وكذلك: تطيين السطح وكسح الثلج، فإن فعله المكري؛ وإلا يثبت للمكتري الفسخ، إن ظهر من تركه ذلك.
أما نصب باب جديد، أو إحداث ميزاب: فليس على المكري إلاأن يخل بالانتفاع، فيكون كعيب بالدار، يثبت للمكتري الخيار، وعلى المكري أن يسلم الدار فارغة الحش؛ فإن كان الحش ممتلئاً، أو أجر حماماً، والموضع الذي تجري فيه الغسالة منسد- يثبت للمستأجر الخيار، ولو امتلأ أو انسد في خلال المدة: فهل على الآجر تنقيته؟ فيه وجهان: أحدهما: عليه؛ فإن لم يفعل: فللمكتري الخيار.
والثاني: يكون على المستأجر إن أراد الانتفاع؛ لأنه قد حصل بفعله؛ كتنظيف الدار من القمامة، وكذلك: نقل رماد الحمام الذي اجتمع في خلال المدة.
أما بعد مضي المدة: لا يجب على المستأجر تنقية البالوعة، ولا نقل الرماد، ويجب نقل القمامة؛ لأنها ليست من ضرورة الإجارة، وهل يجب على المستأجر رد العين بعد مضي المدة، واستيفاء المنفعة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب؛ بل عليه التخلية بعد الطلب، والمؤنة على الآجر؛ كما لا يجب على المودع مؤنة رد الوديعة.
والثاني: يجب عليه مؤنة الرد؛ لأنه أخذه لمنفعة نفسه؛ كالعارية: يجب على المستعير مؤنة ردها.

ولو أمسكها بعد المدة: إن كان بعذر: لم يضمن، وإن كان بغير عذر، إن قلنا: لا رد عليه قبل الطلب: لا يضمن؛ وإلا فيضمن.
ولو استأجر رجلاً لضرب اللبن: فليس عليه غير الضرب، وليس عليه إقامته حتى يجف.
وكذلك: لو استأجره لطبخ اللبن: ليس عليه إخراجه من الأتون بعد الطبخ.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه: له ذلك.
وكذلك: لو استأجر لحفر قبر ليس عليه رد التراب في القبر بعد وضع الميت فيه.
وعنده: يجب عليه ذلك.
وكذلك: لو استأجر لحفر قبر: ليس عليه رد التراب في القبر بعد وضع الميت فيه.
وعنده: يجب عليه ذلك.
باب كراء الإبل إذا اكترى دابة بعينها: يجب أن يبين أنه يكتريها ليركبها، أو ليحمل عليها: فإذا اكترى للركوب- نُظر: إذا أراد أن يركب في غير شيء: لا يحتاج إلى ذكر ما يركب عليه، ويركبه المكري على قتب، أو زاملة، أو ما شاء.
وإن كان يركب على شيء: يجب أن يبين أنه يركبها بسرج، أو إكاف، أو فوق زاملة، أو في محمل، أو عمارية.
ويجب أن يرى المكري الراكب، وإن كان غائباً يعرف وزنه، ويرى الإكاف، والزاملة، والعمارية، والمحمل، إن كانت حاضرة، وإن كانت غائبة: فيذكر وزنها، ويصفها، ويصف الوطاء الذي تحته.
وإن شرط المظلة، فيراه، أو يذكر وزنه؛ لأن من الناس من لا يتخذ المظلة، ومن

أصحابنا من قال: لا يجوز أن يعقد على المحمل والعمارية بالوصف، إلا بالمشاهدة؛ لأنها تختلف بالضيق والسعة، والثقل والخفة؛ بخلاف السرج، والقتب.
وقال أبو إسحاق: إن كانت من المحامل الخراسانية: تشترط مشاهدتها؛ لأنها يقال: لا تضبط بالصفة.
أما البغدادية: فإنها خفاف، ويجوز العقد عليها بالوصف، فإن كانت محاملهم معروفة على وزن وتقطيع واحد لا تختلف: فيجوز ذكرها مطلقاً.
ويمتحن الزاملة باليد، إن كانت حاضرة، فيكتفي به؛ لأنه يعرف ثقلها وخفتها باليد؛ كما يعرف الراكب بالنظر إليه، إذا كان حاضراً، ولا يشترط امتحانه باليد ولا وزنه.
وإن اكترى للحملن فيشترط رؤية ما يحمله مع الحبال، والأوعية، وإن كان الحمل غائباً: يجب أن يذكر جنسه؛ أنه حديد، أو قطن؛ لأنه يختلف على الدابة، ويذكر وزنه، أو كيله إن كان مكيلاً، والوزن أولى؛ لأنه أحصر وأبعد من الغرر.
وإن كان شيئاً حاضراً في وعاء: يمتحنه باليد، فإن كان محملاً، أو زاملة، أو ظرفاً لمتاع، بغير رؤية ولا وصف: لا يصح العقد، إلا أن يكون مما لا يختلف؛ مثل غرائر متماثلة، فيكتفي بمجرد الذكر، وإن أراه الحمل، وقال: معه معاليق مثل السفرة والإداوة والقربة والقدور والقمقمة: فإن رآها، أو ذكر وزنها: جاز، وإن لم يرها، ولم يصف: ففيه قولان: أصحهما: لا يصح لأنها مجهولة.
والثاني: يصح؛ للعادة في ذلك؛ فيكون تبعاً للراكب والحمل، ويحمل على [الوسط].
والأصح هو الأول: أنه لا يصح؛ حتى تكون معلومة.
وقيل: القول الثاني ليس قولاً للشافعي- رضي الله عنه- إنما هو مذهب مالك- رحمة الله عليه-.
ونعني بالسفرة: سرة خالية عن الزاد، وإداوة فارغة منا لماء، فإن كان فيها زاد

اكترى لحمل متاع، فلو سلم إليه دابة عريانة، فركبها أو حمل عليها بلا إكاف ولا سرج: ضمن؛ لأنه يدق ظهر الدابة، إلا أن يكتري إلى مسافة قريبة، وإن كان في الذمة: فالإكاف والسرج والبرذعة التي تحته كلها تكون على المكري؛ لأنها للتمكن من الانتفاع.
أما ما يحتاج إليه للتوطئة وإصلاح المركوب: فعلى المكتري، وذلك مثل المحمل والوطاء والمظلة والحبل الذي يشد به المحمل على الحمل، والذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر، والغطاء وأجرة الدليل والسائق على المكري، إن كانت الإجارة في الذمة؛ لأنه يحتاج إلى تحصيله في ذلك الموضع.
وهذا من مؤن التحصيل.
وإن كانت على دابة بعينها: فعلى المكتري؛ لأن الذي على المكري تسليم الدابة، وقد فعل.
وإذا اكترى دابة بعينها للركوب أو للحمل إلى بلد، وسلمت الدابة إليه: لا يجب على المكري الخروج معه، ولا إعانته في الحمل والإركاب والإنزال.
وإذا هلكت الدابة: ينفسخ العقد، وإذا وجد بها عيباً بأن كانت تعثر في مشيها أو لا تبصر بالليل [أو] نحوه: فهو بالخيار: بين أن يمسكها مع ذلك العيب، أو يردها ويفسخ العقد، وليس له إبدالها بغيرها، وإن وجدها خشنة المشيك لم يكن له ردها؛ لأنه لا يعد عيباً، وإذا أفلس المكري: يقدم حق المكتري على سائر الغرماء، وإن كانت الإجارة في الذمة؛ بأن قال: ألزمت ذمتك حملي على دابتك أو حمل متاعي إلى بلد كذا، أو قال: استأجرتك؛ لتحملني أو تحمل متاعي على دابتك إلى موضع كذا: جاز، ويكون كالسلم: يجب تسليم الأجرة في المجلس؛ فإن عين الدابة، وقال: لتحملني على هذه الدابة: لا يصح؛ لأن السلم في العين: لا يصح، وهل يجب أن يبين جنس الدابة أنه بعير أو فرس أو حمار؟ نظر: إن كان أراد الركوب: يجب أن يبين؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الدواب، وهل يحتاج إلى بيان النوع لاختلاف الأنواع في السير؟ فيه وجهان.
وإن أراد الحمل: لا يجب بيانه؛ لأن المقصود من الحمل حصول المتاع في ذلك الموضع؛ فعلى أي وجه حصلها: جاز.
وإذا سلم الدابة إليه، فهلكت عنده: لا ينفسخ العقد، ولو وجد بها عيباً، وردها: لم يكن له فسخ العقد، ويجب على المكري الإبدال.
ولو أفلس المكري بعد تسليم الدابة إلى المكتري: فهو مقدم على سائر الغرماء،

وإن كان قبل تسليمها- نُظر: إن كانت الأجرة قائمة في يد المكري: فللمكتري فسخ العقد، واسترداد الأجرة، وإن كانت تالفة: فلا فسخ له، ولكنه يحاص الغرماء؛ فما يخصه من ماله: يكتري له به دابة.
ولو أراد المكتري أن يبذل منفعة الدابة بشيء آخر: يقبضه من المكري؛ فإن كان العقد في الذمة: لا يجوز؛ لأن بيع المسلم فيه قبل القبض: لا يجوز، وإن كان العقد على العين: قال الشيخ: فهو كما لو أجر العين من الأجير، وفيه وجهان: الأصح: أنه يجوز بعدما قبضها؛ كما لو اشترى شيئاً، وقبضه، ثم باعه من بائعه: يجوز.
وإذا سلم الدابة التي في الذمة إلى المكتري: فعلى المُكري أن يخرج معه يسوق وماء، فلابد من رؤيته، أو ذكر وزنه.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها ما شاء: لم يجز للجهالة، ولأن الدابة لا تحمل كل ما يحمل.
ولو قال: مائة من مما شئت: ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لاختلاف الأشياء في الضرر.
والثاني: يجوز، فيكون رضاً منه بأضر الأشياء؛ فإن جوزنا فيكون مع الوعاء مائة من، ولو قال: مائة من من الحنطة: فيكون مائة من دون الوعاء.
وإذا اكترى ليحمل عليها مائة من مع الزاد، ففني الزاد: يجوز إبداله، وإن كان فقد بعضه: فهل له إكماله؟ فيه قولان: أصحهما: له ذلك؛ كما لو نفد الكل، وكما لو انكسر المحمل أو المظلة، أو هلك بعض متاعه أو باعه: يجوز له إبداله.
والثاني: ليس له إكماله؛ لأن العادة لم تجر به.
وقال أبو إسحاق: إن كان بين يديه منزل يعز فيه الطعام: فله أن يبدل قولاً واحداً، وإن كان قد شرط أنه يكمل ما انتقص: فله الإكمال قولاً واحداً.
وإذا اكترى دابة للركوب: فعلى المُكري كل ما يحتاج إليه للتمكن للركوب؛ مثل: البُرة [التي] في أنف الجمل والخطام ولجام الفرس.
وإذا اكترى عين دابة للركوب: فالسرج والإكاف على المكتري؛ وكذلك الوعاء.
إذا

الدابة، ويتعهدها: فإن كان المكتري مريضاً، أو شيخاً كبيراً، أو سميناً، أو امرأة: ينيخ له البعير، وينزله ويركبه، فإن كان قوياً يمكنه ركوب البعير قائماً: لا يلزمه أن ينيخ له البعير، فإن كان قوياً، فمرض وضعف: يجب أن ينيخ له، وإن كان ضعيفاً، فقوي- لا يجب، فإن ينظر احتاج إلى إعانة: أعانه.
وإن اكترى ما في الذمة للحمل: فعلى المكري شد المحمل على البعير، وحله وحطه ورفعه، وأما شد أحد المحملين بالآخر: ففيه وجهان: أحدهما: على المكري؛ لأنه من الحمولة.
والثاني: على المكتري؛ لأنه بمنزلة تأليف المحمل، وضم أجزائه بعضها إلى بعض، وإذا نزل لقضاء حاجة أو لأداء فريضة، أو ما لابد مما لا يمكن فعله على الدابة: عليه أن ينتظره من غير استعجال، ولا يطول المنازل، بل على الوسط، ولا يلزمه قصر الصلاة، ولا ينتظره للناقلة ولا للأكل والشرب؛ لأنه يمكن فعلها على الدابة.
وإذا اختلفا في الرحل: رحل لا مكبوباً ولا مستلقياً، والمكبوب: أن يكون مؤخر الرحل أعلى؛ فهو أيسر على الدابة وأشق على الراكب، والمستلقى عكسه.
وإذا اكترى دابة إلى بلد: يجب أن يبين مسير كل يوم بالفراسخ، ثم يسيران على الشرط؛ فإن شرطا لكل يوم عشرة فراسخ، فسار في كل يوم أكثر أو أقل: فلا تجبر الزيادة بالنقصان، ويسيران بعده على الشرط، وإن لم يبينا- نظر: إن كانت منازل ذلك الطريق معلومة: صح العقد، وينزلان عليها، فأيهما أراد المجاوزة عنها أو النزول دونها: فلآخر ألا يرضى، وإن كانت منازلها مختلفة: لا يصح حتى يبينا، وإن لم يكن فيها منازل: يجب أن يبينا بالفراسخ، ثم إذا أراد أحدهما المجاوزة عنها، أو النزول دونها؛ لخوف أو لخصب: لم يكن له ذلك، إلا أن يوافقه صاحبه.
ولو اختلفا في السير؛ فقال المكري: نسير بالليل؛ فإنه أخف على الجمال؛ فلا يصيبها الحر، وقال المكتري بل نسير بالنهار؛ فإنه آمن: لا ينظر إلى قول واحد منهما، بل يسيران على عادة الناس في مسير ذلك الطريق من ليل أو نهار، وإن كانت العادة في ذلك الطريق النزول للرواح: ففيه وجهان: أحدهما: يكون النزول على العادة؛ لأن المتعارف؛ كالمشروط.
والثاني: لا يلزم؛ لأنه اكترى للركوب في جميع الطريق؛ فلا يلزمه تركه في بعضه.

وإن كان موضع النزول معلوماً، فقال المكتري: ننزل في وسط البلد؛ لأنه آمن، وقال المكري: بل في الصحراء؛ لأنه أقرب إلى المرعى: لا ينظر إلى قول واحد منهما؛ لكن ينزلان في الموضع المعتاد.
ولو اكترى دابة من بغداد إلى البصرة: فإذا بلغ عمران البصرة: له أن يسترد الدابة، وإن لم يصل إلى داره.
ولو اكترى دابة إلى مكة: لم يجز أن يحج عليها؛ لأن ذلك زيادة على المعقود عليه، وإن اكترى للحج عليها: فله أن يركبها إلى منى، ثم إلى عرفات، ثم إلى المزدلفة، ثم إلى منى، ثم إلى مكة للطواف، وهل يجوز أن يركبها من مكة عائداً إلى منى للمبيت والرمي: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه قد حل بالطواف من الحج.
والثاني: يجوز؛ لأن العود إلى منى للمبيت والرمي من تمام الحج.
ولو اكترى دابة من البلد إلى قرية سماها: فإذا أتى القرية: لا يجوز له ردها إلى البلد، بل يسلم إلى وكيل المكري، إن كان له بها وكيل، فإن لم يكن: فإلى حاكم القرية، فإن لم يكن ثم حاكم: فإلى أمين، وإن لم يجد: ردها إلى البلد.
ولا يجوز أن يركبها في الطريق؛ فإن ركب: ضمن، إلا أن تكون الدابة جموحاً لا تنقاد إلا بالركوب: فلا يضمن.
وقال صاحب "التقريب": يجوز له ردها إلى البلد، إلا أن ينهاه عن ردها.
وإن شرط عليه الرد- فعلى قول صاحب "التقريب": هو قضية العقد، وعلى قول غيره: يفسد العقد، غير أنه لو رد: لم يضمن لوجود الإذن، إلا أن يركب في الرد؛ فيضمن إلا أن تكون جموحاً.
ولو اكترى إلى قرية، فسقط السوط من يده في الطريق، ومضى قدر غلوة، ثم رجع راكباً لأخذ السوط، فإذا بقي من القرية قدر تلك الغلوة ذهاباً ورجوعاً: عليه أن ينزل؛ لأن مدته قد انقضت.

وذكر صاحب "التلخيص": أنه يجوز اكتراء الدابة مضموناً في الذمة، ومعيناً، إلا في كراء العقب: لا يجوز إلا مضموناً.
قاله المزني في "الكبير" تخريجاً.
وجملته: أنه إذا أكرى دابة من رجل إلى موضع؛ ليركب المكري زماناً والمكتري زماناً: لا يجوز؛ لأنه يتأخر حق المكتري؛ فتكون إجارة للزمان المستقبل.
ولو أكرى دابة من رجلين يتعاقبان فيه، أو أكرى من واحد على أن يركب زماناً، ويمشي زماناً: اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا يجوز؛ لأنه كراء إلى آجال متفرقة؛ فيكون إجارة للزمان المستقبل.
ومنهم من ذهب إلى ما قال المزني: أنه إنما يجوز مضموناً في الذمة، فأما أن يكتري جملاً بعينه في الذمة عقباً: لا يجوز؛ لأنه إذا كان في الذمة: يصير كأنه ملك نصف منافعه مشاعاً في تلك المسافة، ثم يقاسم المكري.
وإذا اكترى اثنان على هذا: ملكا الكل، ثم يقتسمان، أما في العين، فلا؛ لأن كل مدة يقبضها يتعقبها ما يقطعها؛ فيصير ما بعدها كإجارة الزمان المستقبل.
والمذهب: أنه يجوز، وهو قول عامة أصحابنا؛ سواء كان معيناً أو في الذمة.
وذكره الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم"؛ لأن الاستحقاق مقارن للعقد، وإنما تتأخر القسمة.
وأما إذا اكتراه واحد: فقد ملك الركوب في نصف المسافة؛ وكذلك: الاثنان يكتريان، ثم يقتسمان أو المالك مع المكتري: يتعاقبان، ولا عبرة بما يتخلل كما لو استأجر ثوباً؛ ليلبسه شهراً: فإنه يلبسه بالنهار على العادة، وينزع بالليل.
ومن أصحابنا من قال: إذا اكتراه اثنان في جميع المدة: يجوز؛ لأنه لا يكون كراء مدة قابلة، [لأن الكراء موصول].
وإذا اكترى واحد، عقبه: لا يجوز؛ لأن الكراء غير موصول؛ وهذا- أيضاً- لا يصح؛ لأن كراء المشاع يجوز، ويقاسم المالك كما يقاسم الشريك؛ فإن جوزنا- فينظر:

جارٍ التحميل