إحداها: أن يتزوج أربع حرائر.
الثانية: أن يتزوج أربع إماء.
الثالثة: أن يتزوج حرتين وأمتين.
فإن تزوج أربع حرائر، نظر؛ إن عتق قبل اجتماع إسلامهن؛ بأن عتق ثم أسلم وأسلمن، أو أسلم وعتق، ثم أسلمن، أو أسلمن وعتق ثم أسلم - فله إمساك الأربع.
ولو أسلم مع واحدةٍ، ثم عتق، ثم أسلمت البواقي - له إمساك الأربع، ولو أسلم مع اثنتين، ثم عتق، ثم أسلمت الباقيتان - ليس له إلا اختيار اثنتين، فإن شاء أمسك الأوليين، وإن شاء أمسك الأخريين وإن شاء واحدة من الأوليين، وواحدة من الأخريين، بخلاف الصورة الأولى إذا أسلم مع واحدة، ثم عتق ثم أسلمت البواقي- جاز له إمساك الأربع، لأن هناك حالة العتق كان قد بقي من عدد الرق واحدٌ.
وإذا أسلم مع اثنتين، ثم عتق، فقد تم عدد الرق قبل العتقِ، فلا يؤثر العتق في زيادة العدد وحده، وهو أنه مهما تغير الحال، وقد بقي شيءٌ من عدد المغير والمغير لمجموعهما - فالمغير يظهر أثره بالتكميل إن كان عتقاً، وبالتنقيص إن كان رقاً، ومهما تغير الحال ولم يبق من عدد أحدهما شيء - فلا يظهر أثر المغير هاهنا.
فإذا أسلم مع واحدة، ثم عتق - فقد جاء المغير وهو الحرية، وقد بقي من عدده ثلاثة، ومن عدد المغير وهو الرق واحدة، فأثر في التكميل لوجود أصل يستند إليه، فإذا أسلم مع اثنتين ثم عتق، جاء المغير، ولم يبق من عدد المغير وهو الرق شيءٌ؛ فلم يظهر أثرُ المغير.
وعلى هذا لو أن عبداً طلق امرأته طلقه، [ثم نكحها بعد عتقه]- يملك عليها طلقتين؛ لأن العتق المغير جاء وقد بقي من عدد الرق والحرية شيء؛ فأثر في التكميل.
فإن طلقها طلقتين، ثم عتق - لا يملك عليها شيئاً؛ لأن العتق جاء، ولم يبق من عدد الرق شيء، وكذلك الأمة عدتها قرآن، فإن عتقت في خلال القرءين تكمل ثلاثة أقراء؛ لأن المغير وهو العتق جاء وقد بقي شيء من عدة الحرائر والإماء جميعاً، فإن عتقت بعد المقرءين فلا شيء عليها.
وفرع ابن الحداد عليه: لو أن ذمياً طلق زوجته طلقتين، ثم نقض العهد، والتحق بدار الحرب، فاسترق، ونكح تلك المرأة - يملك عليها طلقة؛ لأن المغير وهو الرق جاء ولم يبق من عدده شيء؛ فلم يؤثر المغير في التنقيص.
ولو طلقها طلقةً، ثم نقض العهد واسترق ونكحها - لا يملك عليها إلا طلقة؛ لأن المغير جاء وقد بقي شيءٌ من عدد المغير والمغير جميعاً، فظهر أثر المغير في تنقيص العدد، فالمغير هاهنا هو الرق، فأثر في نقصان العدد.
وفي المسائل المتقدمة المغير هو الحرية، فأثر في التكميل.
المسألة الثانية: إذا تزوج العبد أربع إماءٍ، فإن وجد اجتماع الإسلامين وهو رقيق، ثم عتق يختار منهن اثنتين، وإن كان وقت اجتماع الإسلامين حراً وهن حرائر - له إمساك الأربع، وإن كان حراً وهن حرائر - له إمساك الأربع، وإن كان حراً وهن أرقاء - ليس له إلا إمساك واحدةٍ بشرط الإعسارِن وخوف العنتِ.
بيانه: إذا أسلم وأسلمن، ثم عتق - يمسك اثنتين منهن، سواء عتقن من بعده أو لم يعتقن، ولو عتق وعتقن، ثم أسلم وأسلمن، أو وُجد العتق بين الإسلامين، أو عتق وأسلم، ثم عتقن - فله إمساك الأربع.
فأما إذا عتق وأسلم، أو أسلم وعتق، ثم أسلمن وعتقن، أو أسلمن أولاً ثم عتقن - لم يكن له إلا إمساك واحدةٍ بعد أن يكون معسراً خائفاً من العنت.
ولو أسلم مع واحدةٍ، ثم عتق، ثم أسلمت البواقي، ثم عتقن بعد إسلامهن، أو لم يعتقن - تعينت الأولى، ولو أسلم مع واحدة، ثم عتق، ثم عتقت البواقي، ثم أسلمن - قال الشيخ: يجوز له إمساك الكل؛ لأنه لم يستوف عدد الرق قبل العتق، وحين عتق كانت الأولى قد أسلمت، وكان له إمساكها؛ لأنه كان رقيقاً يوم اجتماع إسلاميهما، والباقيات كُن حرائر يوم اجتماع إسلامه وإسلامهن وهو حر، وكان له إمساكهن؛ لأن إدخال الحرائر على [الإماء]- لا يجوز.
وإن أسلم مع اثنتين، ثم عتق، ثم أسلمت البواقي، ثم عتقن - لم يكن له إلا إمساك الأوليين.
قال [علي]- رضي الله عنه -: ولو أسلم مع اثنتين، ثم عتق الأخريان ثم أسلمتا - لم يكن له إلا إمساك اثنتين؛ لأنه استوفى عدد الرق قبل العتق، ولكن إن شاء أمسك الأوليين، وإن شاء أمسك الأخريين، وإن شاء واحدة من الأوليين، واحد من الأخريين؛ لأن الأخريين كانتا حرتين وقت اجتماع الإسلامين؛ كما لو كان تحته أربع حرائر، فأسلم مع اثنتين ثم عتق ثم أسلمت الأخريان - يختار اثنتين من أيهما شاء.
المسألة الثالثة: إذا نكح العبد [المشرك] حرتين وأمتين- نظر؛ إن وجد اجتماع إسلامهن وهو حر تعينت الحرتان للإمساك؛ مثل إن عتق ثم أسلم وأسلمن، أو أسلم وعتق
ثم أسلمن، أو أسلمن ثم عتق وأسلم - يمسك الحرتين.
وإن أسلم مع حرة وأمة، ثم عتق ثم أسلمت الأخريان فله أن يمسك إحدى الحرتين مع الأمة الأولى، وإنما لم يجز إمساك الاثنتين؛ لأنه استوفى عدد الرق قبل الحرية، وإنما لم يجز إمساك الأمة الثانية؛ لأنه كان حراً حين أسلمت الأمة الثانية، فلم يجز له إمساك الأمة، وفي حكم نكاحه حرة، وجاز له إمساك الأمة الأولى؛ لأنه كان رقيقاً وقت إسلامها.
قال الشيخ: ولو أراد إمساك الحرتين دون الأمة - يجوز؛ كما لو أسلم مع حرتين ثم عتق، ثم أسلمت الحرتان الأخريان - له أن يختار أي الحرتين شاء.
فصل في خيار العتق
إذا نكح العبد في الشرك أمة، ثم وجد الإسلام، وعتقت الأمة بعد الدخول- فلا يخلو؛ إما أن يتقدم إسلامها، أو إسلام الزوج.
فإن تقدم إسلامها؛ فلا يخلو إما أن أسلمت ثم عتقت، أو عتقت ثم أسلمت، فإن أسلمت ثم عتقت، والزوج متخلف - فإن اختارت المقام معه؛ لا يجوز لمعنيين:
أحدهما: لأنها جارية في البينونة، فاختيار المقام لا يلائم حالها.
والثاني: لأنها مسلمة لا يجوز قرارها تحت الكافر، وبهذا الاختيار لا يبطل حقها من الفسخ.
وإن اختارت الفراق في الحال - يجوز؛ لأنه يلائم حالها، ولا تُكلف الصبر حتى يتبين حال الزوج؛ لأنه إذا أسلم في العدة، ثم اختارت الفراق - تطول عليها العدة.
فإذا عجلت الفراق، نظر إن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها من وقت إسلامها - فعدتها من وقت اختيار الفسخ عدة الحرائر، وإن أسلم بعد انقضاء العدة - فعدتها من وقت إسلامها، ولا [عدة] لاختيارها الفُراق؛ لأن البينونة وقعت قبل ذلك.
وعدتها عدة الحرائر أم عدة الإماء.
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: حكمها حم الرجعية إذا عتقت في خلال العدة، ففي الجديد: تكمل عدة الحرائر.
وفي القديم قولان:
وشبهها بالرجعية؛ من حيث إن عدتها تعرض للارتفاع بإسلام الزوج؛ كعدة الرجعية بالمراجعة؛ ولأنا تستحق النفقة في هذه الحالة كالرجعية.
ومنهم من قال: حكمها حكم البائنة إذا عتقت في العدة.
ففي القديم: يقتصر على عدة الإماء.
وفي الجديد قولان؛ لأنا نحكم بعد انقضاء العدة بوقوع البينونة من وقت إسلامها؛ كالبائنة لا تكون بينونتها بانقضاء العدة، بخلاف الرجعية؛ فإنها تتبين بعد انقضاء العدة.
ثم هاهنا لا خلاف أنها لا تستأنف العدة من وقت اختيار الفراق؛ لأنه إذا لم يسلم حتى انقضت عدتها - بان أن الاختيار لم يكن صحيحاً، بخلاف الرجعية إذا عتقت، فاختارت الفراق تستأنف العدة في قولٍ؛ لأن ذلك الاختيار صحيح، وله أثرٌ وهو قطع الرجعة.
فأما إذا أرادت تأخير الفسخ إلى أن يتبين حال الزوج - يجوز، [ولا يبطل] به خيارها؛ كالرجعية إذا عتقت في العدة، لها تأخير الاختيار على تبيين حال الزوج، هل يراجعها أم لا؟
ثم إن لم يُسلم الزوج حتى انقضت عدتها سقط الاختيار، وعدتها من وقت إسلامها.
وتكون عدة الحرائر [أم عدة الإماء؟ فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.
وإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها، فلها خيار الفسخ، وعدتها من وقت الاختيار عدة الحرائر]، فأما إذا عتقت ثم أسلمت - والزوج متخلف - لا يجوز لها اختيار المقام؛ لما ذكرنا من المعنيين.
فإذا عجلت الفراق يجوز، ثم إن أسلم الزوجُ قبل انقضاء عدتها، فعدتها عدة الحرائر من وقت الاختيار، فإن أسلم بعد انقضاء عدتها، فعدتها من وقت إسلامها عدة الحرائر، وإن أرادت تأخير الفسخ على تبين حال الزوج - يجوز، ثم إن أسلم قبل انقضاء العدة فهما على النكاح، فإذا فسخت فعدتها من وقت الفسخ عدة الحرائر، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها - فعدتها من وقت إسلامها عدة الحرائر.
وأما إذا تقدم إسلام الزوج - نظر إن أسلمت بعده ثم عتقت - فلا الخيار في الحال هذه أمة عتقت تحت عبد، ولحكمه باب مفرد، سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإن عتقت قبل الإسلام، فأخرت الاختيار - جاز، ثم عن أسلمت قبل انقضاء عدتها من وقت إسلام الزوج، فاختارت الفراق - فعدتها من الآن عدة الحرائر.
وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها بان أن الفرقة وقعت بإسلام الزوج، وعدتها من ذلك الوقت عدة الحرائر، أم عدة الإماء؟ فعلى ما سبق من الاختلاف.
ولو أنها اختارت المقام، أو الفراق قبل إسلامها - فظاهر النص يدل على أنه لا يجوز واحد منهما.
فذهب بعضُ أصحابنا: إلى ظاهره، وقال: اختيارُ المقام لا يجوز؛ لأنها جارية في البينونة، فالمقام لا يلائم حالها، واختيار الفراق لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يسلم، ثم يختار الفراق، بخلاف ما لو تقدم إسلامها والزوج متخلف - جاز لها اختيار الفسخ في الحال؛ لأن إسلام الزوج [ليس] بيدها.
والصحيح من المذهب أن اختيار المقام لا يجوز، واختيار الفراق يجوز؛ لأنه يلائم حالها؛ كما لو تقدم إسلامها، وتخلف الزوج.
وقول الشافعي - رضي الله عنه-: فاخترن فراقه والمقام معه، ثم أسلمن - خُيرنَ.
جوابه: يرجع إلى اختيار المقام.
وقيل: لم يذكر الشافعي - رضي الله عنه- "فاخترن فراقه" بل قال: فاخترن المقام معه، فإذا اختارت الفراق، ثم أسلمت قبل انقضاء عدتها - فعدتها من وقت الاختيار عدة الحرائر.
وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها، فعدتها من وقت إسلام الزوج عدة الحرائر، أم عدة الإماء؟ فعلى ما سبق من الاختلاف.
ولو أسلم الزوج العبد، هل يثبت الخيار لزوجته الكافرة، حرة كانت أو أمة، أسلمت أو لم تسلم، وهي كتابية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها رضيت برقِه، ولم يحدث فيها عتق.
والثاني: يثبت وعليه نص حيث قال: ولو كان عنده إماء وحرائرن ولم يخترن فراقه؛ وذلك لأن الرق نقائص في الإسلام ليست في الكفر، وهي لم ترض بها، فمن قال بالأول قال: جوابه يرجع إلى الإماء إذا عتقن.
فصل فيما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة
إذا أسلم عن أكثر من أربع نسوة، وقعت الفرقة بينه وبين الزيادة على الأربع بنفسه الإسلام؛ فيؤمر بالاختيار، فإن لم يختر حُبس، فإن امتنع من الحبس عُزر، وإن امتنع بعد التعزير عُزر ثانياً وثالثاً إلى أن يختار؛ لأنه حق وجب عليه، فإن أغمي عليه في الحبس يُخلى سبيله حتى يفيق؛ لأنه خرج عن أن يكون له اختيارٌ، فإذا أفاق رُدَّ إلى الحبس، ولا يختارُ عليه الحاكم؛ لأنه اختيار تشهٍّ ولا يدري الحاكم أيتهن آثر عنده.
وكذلك لا يجوز التوكيل فيه، بخلاف [التوكيل] إذا لم يفِ ولم يُطلق، يُطلق عليه الحاكمُ؛ لأنه حق فرقة ثبتت لمستحقة متعينة، وهاهنا حق الفرقة ليس لواحدةٍ بعينها حتى يوصله إليها، وإلى أن يختار تجب عليه نفقة كلهن؛ لأنهن في حياله وحبسه.
وكل واحدة بفرض أن تكون المزوجة فإذا اختار أربعاً، تبين انقطاع الباقيات من وقت إسلام مُتقدم الإسلام منهما، أعني: من الزوج، وممن يرتفع نكاحها، وعدتهن من أي وقت تكون؟ اختلف أصحابُنا فيه: منهم من قال - وهو الأصح-: من وقت الاختيار.
ومنهم من قال: من وقت الإسلام، إن أسلمن والزوج معاًن وإن تقدم إسلام أحدهما، فمن وقت إسلام متقدم الإسلام منهما.
وإن كُنَّ كتابيات، فتخلفن من وقت إسلامه؛ لأن الحيلولة وقعت بينهما من ذلك الوقت - قال الشيخ.
ويمكن بناؤه على ما لو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ثم عين - فعدتها من وقت التعيين، أو من وقت تلفظ بالطلاق؟ فيه قولان:
فإن قلنا هناك: من وقت التعيين - وهو الأصح- فها هنا يكون من وقت الاختيار.
وإن قلنا هناك: من حين تلف فها هنا من حين أسلم السابق منهما.
وإن أسلم مع أربع، فاختارهن- جاز، ثم نظر؛ إن لم تُسلم المتخلفات حتى انقضت عدتهن - بان أن النكاح ارتفع بينه وبينهن بإسلامه، وانقضت عدتهن من ذلك الوقت.
وإن أسلمن قبل انقضاء عدتهن، فالفرقة وقعت بينه وبينهن باختيار الأوليات، وعدتهن من وقت الاختيار.
ولو أسلم معهن، أو اجتمع إسلامه وإسلامهن في العدة، فمات الزوج قبل الاختيار
- لا يقوم وارثه مقامه في الاختيار، ثم الكلام في فصلين: في العدة، والميراث.
أما العدةُ: ن لم يكن قد دخل بهن، فعلى كل واحدة أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من وقت موته؛ لأن كل واحدة بين أن تكون أجنبية؛ فلا عدة عليها، وبين أن تكون زوجةً فعليها عدة الوفاة؛ فيحتاط لإيجابها.
وإن كان بعد الدخول بهن، فكل من كانت حاملاً تنقضي عدتها بوضع الحمل.
ومن كانت حائلاً، نظر؛ إن كانت من ذوات الأشهر، فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من وقت الموت، وإن كانت من ذوات الأقراء؛ فعليها أن تعتد بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض، فأيهما تم أولاً عليها إكمال الثاني؛ لأن كل واحدة بين أن تكون زوجة فعليها عدة الوفاة، أو مفارقة في الحياة، فعليها أن تعتد بثلاثة أقراء.
غير أن مُضي الأشهر تعين من وقت الوفاة، والأقراء من أي وقت تُعتبر؟ فيه وجهان: أحدهما: تعتبر من وقت الموت أيضاً.
والثاني: من وقت إسلام متقدم الإسلام منهما، حتى لو مضى لها قُرءٌ في حياة الزوج بعد الإسلام تعتد بعد حياته بأربعة أشهر وعشر فيهما قُرآن، ولا يتصور في الأم والبنت اجتماعُ العدتين على واحدٍ.
أما الميراثُ: فيوقف لهن ربعُ الميراث، إن لم يكن له ولدٌ، فإن كان له ولد فالثمن، حتى يصطلحن، بخلاف النفقة لا توقف؛ لأن التفريط من جهته بترك الاختيار، ولا تفريط في الموت، فإن كُن ثمانية، فجاءت واحدة أو اثنتان أو ثلاث أو أربعٌ، وطلبن شيئاً من الميراث، لا يعطين؛ لاحتمال أن الزوجات غيرهن.
وإن طلب خمس منهن يُعطى إليهن ربع الموقوف؛ لأنا نعلم أن فيهن زوجتين وإن طلب ست يعطين نصف الموقوف؛ لأنا نعلم أن فيهن زوجتين، وإن طلبا سبع فثلاثة أرباع الموقوف.
وإن كن عشراً، فجاء خمسٌ أو ست، فطلبن شيئاً - لا يعطين.
فإن جاء تسع وطلبن يعطى إليهن الربع، وهل يعطين من غير إبراء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، حتى ينقطع الخصومة.
والثاني: يعطين من غير إبراءٍ - وهو الأصح؛ لأن منهن من يستحق هذا القدر.
وإن كُنَّ ثمانية فيهن صغيرة، أو مولى عليها، فإن أعطيت الصغيرة ربع الموقوف
فنعما، وإن لم تُعط، فلا يرضى وليها بأقل من ثمن الموقوف؛ لأنهن إذا اقتسمن على التسوية، فيكون لكل واحدةٍ ثمنه، فلا يجوز أن يبخس حق الصغيرة، فيرضى بأقل منه.
ولو كان تحته ثمان زوجاتٍ: أربعٌ تابيات، وأربعٌ مجوسيات أو وثنيات، فأسلم مع المجوسيات أو الوثنيات.
قال الشيخ - رحمه الله-: أو [كان تحته ثمان نسوة] كلهن كتابيات، فأسلم مع أربع منهن، وتخلفت الكتابيات - فإن شاء اختار الكتابيات، وإن شاء اختار اللاتي أسلمن معه، فلو مات قبل الاختيار:
من أصحابنا من قال: لا يوقف للزوجات شيءٌ، بل تُقسم التركة بين سائر الورثة؛ لأن الوقف حيث يتحقق الاستحقاق، وهاهنا لا يتحقق؛ لأنه يجوز أن تكون الكتابيات هن الزوجات، فلا ترث منه زوجة.
ومنهم من قال: يوقف؛ ما لو أسلمن معه جميعاً، ثم مات؛ لأن الزوجية [حقيقية] الكتابيات.
ولو مات ذمي كتابي أو مجوسي عن أكثر من أربع نسوة.
قال صاحب "التلخيص": كان الربعُ أو الثمن بينهن جميعاً؛ قلته تخريجاً.
وذهب جماعةٌ من أصحابنا إلى أنه لا يرث منهن إلا أربعٌ، فيوقف حتى يصطلحن؛ كما لو أسلم معهن، فمات قبل الاختيار؛ إذ لا فرق بين الإسلام وبين الترافع إلينا، فإن اقتسمن بينهن قبل الترافع إلينا - لا ننقضه.
وقال الشيخ القفال - رحمه الله- هذا يبني على أن أنكحة الكفار هل يحكم بصحتها أم لا؟
إن قلنا: لا يحكم لها بالصحة، فلا يرث منهن إلا أربعٌ ويوقف.
وإن قلنا: لها حم الصحة، ورث الكل.
أما المجوسي إذا نكح إماء ومات، فهل ترث المرأة منه؟
من أصحابنا من بني على هذا الأصل.
وإن قلنا: لها حكم الصحة ورثت، وإلا فلا.
والمذهب: أنها لا ترث قولاً واحداً؛ لأنه ليس في شيء من الأديان، ولا يتصور التقرير عليه في الإسلام.
قال الشيخ- رحمه الله -: وكذلك لو نكح في الشرك في العدة، ومات قبل انقضاء العدة - لا ترثُ؛ لأنه لا يقر عليه لو [أسلم].
فصل فيما لو أسلم وتحته مجوسية
إذا أسلم وتحته مجوسية أو وثنية، فتخلفت، وكان بعد الدخول بها، فنكح أختها المسلمة وأربعاً سواها قبل انقضاء عدتها - لا يصح.
وكذلك لو طلق امرأته في الشرك طلاقاً رجعياً، ثم أسلم ونكح أختها أو أربعاً سواها في عدتها - لا يصح؛ لأن زوال [النكاح] غير مستيقن.
قال المزني - رحمه الله-: يكون النكاح موقوفاً، فإن أسلمت المتخلفة في العدة- بان أنه باطل، وإن لم تسلم حتى انقضت عدتها - بان أنه صحيحٌ، ولا يتكرر وقف النكاح؛ كما ان نكاح المتخلفة موقوفٌ.
قلنا: الوقف في نكاح المتخلفة وقف الحل والزوال، وذلك جائزٌ، وفيما نحن فيه وقف العقد؛ كما أن زوال نكاح الرجعية موقوف على انقضاء عدتها، ولا يجوز نكاح أختها موقوفاً عليه.
فأما إذا أسلمت المرأة، وتخلف الزوج؛ إما في صلب النكاح، أو في عدة الرجعية، فتزوج الزوج المتخلف أختها، أو أربعاً سواها في عدتها، ثم أسلم مع الأخرى - نظر؛ إن أسلم بعد انقضاء عدة من أسلمت أولاً - قرت الأخرى تحته، وإن أسلم في عدتها يختار أيتهما شاء، ون كان قد نكح أربعاً يختار من الكل أربعاً؛ كما لو أسلم وتحته أختان، أو أكثر من أربع نسوة، بخلاف ما لو أسلم الزوج أولاً، ونكح أختها؛ لأنه نكح في الإسلام، وهو يعتقد تحريم نكاح الأخت على الأخت.
ولو أسلم أحد الزوجين، وتخلف الآخر بعد الدخول بها، وطلقها في العدة - فالطلاق موقوفٌ، فإن جمعهما، إسلام في العدة.
[بان أن الطلاق واقع وتعتد من ذلك الوقت، وإن لم يجمعهما إسلام حتى انقضت العدة] بان أن الطلاق غير واقعٍ.
وكذلك لو ظاهر عنها أو آلى عنها - فموقوفٌ، وإن لم يجمعهما إسلامٌ فلا ظهار، ولا إيلاء، ولا لعان في القذف، ويعزر إن كانت المرأة هي المتخلفة على القذف، ويُحد إن كان
هو المتخلفُ.
وإن جمعهما الإسلام بان أنها زوجته، وصح الظهار والإيلاء، وله اللعان لإسقاط الحد والتعزير.
فصل فيما لو أسلم احد الزوجين بعد الدخول
إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول - فلها المهر؛ لأنه استقر بالدخول، وإن أسلم قبل الدخول، نظر؛ إن أسلم الزوج حيث لا يدوم النكاح بينهما، فعليه نصف المهر المسمى إن كان صحيحاً، وإن كنا فاسداً فنصف مهر المثل، وإن لم يكن فرض لها شيئاً فالمتعة.
وإن أسلمت المرأة، وتخلف الزوج - فلا مهر لها؛ لأن ارتفاع النكاح إذا كان من قبلها قبل الدخول - فلا يون لها مهرٌ؛ كما لو ارتدت.
فلو اختلفا فقال الزوج؛ أسلمت أولاً فلا مهر لك، فقالت: بل أسلمت أولاً فعليك نصف المهر -فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل وجوب مهرها.
ولو قالت: لا أدري أينا أسلم أولاً، فلا مهر لها، فلو قالت بعده: تذكرت اسلم الزوج أولاً - حلفت، وأخذت المهر.
ولو قالا: لا نعلم أينا أسلم أولاً، فالنكاح ينفسخ لاتفاقهما على سبق إسلام أحدهما.
ثم إن كان: قبل أخذ الصداق، فلا تأخذ المرأة منه شيئاً؛ لاحتمال سبق [إسلام أحدهما] فإن كانت قد قبضت، فليس للزوج أن يسترد منها إلا النصف؛ لاحتمال سبق إسلامه.
ولو اختلفا في بقاء النكاح، فقالت المرأة: أسلم أحدنا قبل الآخر، فلا نكاح بيننا [ولو] كان قبل الدخول، وقال الزوج: بل أسلمنا معاً - فالقول قول من يكون؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو اختيار المُزني: القول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاحِ.
والثاني: القول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر معها، من حيث إنه ينظر وقوع إسلامهما معاً.
واستنبط أصحابنا من هذا حد المدعي والمدعى عليه، [فجعلوه على جوابين:
أحدهما: المدعي من لو سكت تُرك، والمدعى عليه] من لا يترك وسكوته فعلى هذا القول قول الزوج؛ لأن المرأة لو سكتت تُركت، فكانت هي المدعية.
والثاني: المدعي [من يدعي أمراً باطناً، والمدعى عليه من يدعي أمراً ظاهراً، فعلى هذا القول قولها مع يمينها؛ لأن الرجل يدعي] أمراً باطناً، وهو وقع الإسلامين معاً، فكان هو المدعي.
ولو قال الزوج: أسلم أحدنا قبل الآخر، وقالت: بل معاً - ارتفع النكاح بقوله، ودعواها في المهر مسموعة، والقول قول من يكون؟ فعلى القولين.
ولو قالا: لا ندري أسلمنا معاً، أو أحدنا قبل الآخر - فهما على النكاح؛ لأن الأصل بقاؤه.
ولو أسلمت المرأة بعد الدخول، ثم أسلم الزوج، واختلفا، فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء العدة، وقالت: أسلمت بعده- نظر إن اتفقا على وقت انقضاء العدة مثلاً؛ أنها انقضت يوم الجمعة، فقال الزوج: أسلمت يوم الخميس، وقالت: بل يوم السبت - فالقول قولها مع يمينها؛ لأنهما اتفقا على صدقها فيما تدعيه لنفسها، واختلفا في إسلامه، والأصل بقاءُ كفره.
ولو اتفقا على أنه أسلم يوم الجمعة، واختلفا في انقضاء العدة، فقالت المرأة: انقضت عدتي يوم الخميس، وقال: بل يوم السبت - فالقول قوله مع يمينه؛ لاتفاقهما على صدقه فيما يدعيه من إسلامه، واختلفا في انقضاء العدة، والأصل بقاؤها، ولو لم يتفقا على شيء، بل يقول الرجل: أسلمت قبل انقضاء عدتك، والمرأة تقول: انقضت عدتي قبل إسلامك - فالقول قول من سبق بالدعوة، فإن قالت المرأة أولاً: انقضت عدتي قبل إسلامكن ثم ادعى الرجل أنه أسلم قبل انقضاء عدتها - فالقول قولها مع يمينها، ويجعل كأن الزوج أنشأ الإسلام حالة الدعوى.
وإن قال الزوج أولاً: أسلمتُ قبل انقضاء العدة، ثم قالت المرأة: انقضت عدتي قبل إسلامك نظر إن قالت بعده بزمان - فالقول قوله مع يمينه.
وإن قالت ارتجالاً، فالقول قولها مع يمينها، لأنا نجعل قوله: أسلمت كأنه يُنشيء الإسلام الآن؛ لأن إنشاءه يكون بالقول كالإقرار به، ويجعل قولها: انقضت عدتي إخباراً؛
لأن انقضاء العدة لا يكون بالقول، فيكون الانقضاء سابقاً على الإخبار، فيصير كأن إسلامه وانقضاء عدتها وقعاً معاً، فلا يكون النكاح باقياً؛ لأن الإسلام لم يُصادف شيئاً من العدة.
وكذلك لو ارتد الزوج بعد الدخول، وغاب، ثم عاد مسلماً بعد انقضاء عدتها، فاختلفا - فهو على هذا التفصيل.
وكذلك لو اختلف [الزوجان] في الرجعة، وانقضاء العدة، فقال الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتك، وقالت: بل بعده.
ونص الشافعي - رضي الله عنه - في الرجعة والردة؛ أن القول قولها مع يمينها، ونص هاهنا أن القول قوله، فمنهم من جعل القول في الكل قولين، [والصحيح] أنه على حالين؛ حيث قال: "القول قوله"، أراد إذا اتفقا على وقت إسلامه ورجعته، واختلفا في وقت انقضاء العدة.
وحيث قال: "القول قولها" أراد به إذا اتفقا على وقت انقضاء العدة، واختلفا في وقت إسلامه ورجعته.
ومنهم من قال على حالين من وجه آخر؛ حيث قال: "القول قوله" أراد به إذا كان هو السابق في الدعوى، وحيث قال: "القول قولها" أراد به إن كانت هي السابقة.
فصل في إمساك عقود المشركين بعد الإسلام
إنما يجوز إمساك المرأة بعد الإسلام بعقد مضى في الشرك، إذا عقدوه في الشرك على وجه، ويعتقدون صحته، ثم وجد الإسلام، والمبطل غير قائم، حتى لو عقدوه بلا ولي ولا شاهد، وبإجبار غير الأب والجد، وبإجبار الثيب، وهم يعتقدونه، ثم أسلموا - يقرون عليه.
ولو قهر رجل امرأة على نفسها، أو طاوعتهن وهم يعتقدونه نكاحاً، فأسلما - يُقران عليه، وإن لم يعتقدوه فلا.
ولو راجع رجعية في القُرءِ الخامس، وهم يعتقدون أن العدة خمسة أقراءِ - يقرون عليه.
ولو نكح المطلقة ثلاثاً قبل زوج آخر، ثم أسلما - لا يقران عليه؛ لأن المبطل قائم؛ كما لو نكح أماً وأختاً ثم أسلما - لا يُقران عليه.
ولو نكح امرأة في عدة الغير، أو بشرط الخيار لهما معاً أو لأحدهما، ثم أسلما بعد
انقضاء العدة، ومضى زمان الخيار - يقران عليه، وإن كان قبل انقضاء العدة بزمان الخيار - فلا يُقران؛ لأن المبطل قائم.
ولو أسلم أحدهما - ومدة العدة والخيار باقية - ثم أسلم الثاني بعد انقضائها - لا يقران، وكان شيخي - رحمه الله- يقول: يُقران، ويشترط بقاء المبطل بعد اجتماع الإسلامين، من وقت إسلامها.
قال الشيخ: وكذلك إذا كنا أكثر من أربعة نسوة فأسلمن - يجوز اختيار الموطوءة في العدة الثانية إذا أسلم الزوج وأحرم، ثم أسلمت المرأة في العدة، نص على أنه يجوز إمساكها في حال الإحرام وإن كان لا يجوز ابتداء النكاح في الإحرام وإن كن أكثر من أربع فأسلمن؛ وهو محرم - له أن يختار أربعاً منهن: اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يجوز الإمساك والاختيار في الإحرام؛ كما تجوز الرجعة.
والثاني: لا يجوز كما لا يجوز ابتداء النكاح.
ومنهم من قال: لا يجوز الإمساك والاختيار في الإحرام قولاً واحداً، بل قد يقع النكاح؛ كما لو يجوز ابتداء النكاح وكما لو أسلم حر، وتحته أمة وهو موسر - لا يجوز إمساكها، كما لا يجوز ابتداء نكاح الأمة مع اليسار.
وحمل النص على ما لو أسلم وأسلمن معه، ثم أحرم قبل الاختيار - جاز أن يختار في حال الإحرام؛ لأن الاختيار ثبت له حاله الإسلام وهو غير محرم في تلك الحالة.
ولو أسلم الزوج بعد الدخول، ثم ارتد نظر إن لم تسلم المرأة؛ حتى انقضت عدتها - بانت منه باختلاف الدين الأول، والعدة من تلك الحالة، وإن أسلمت المرأة قبل انقضاء عدتها.
ولو نكح نكاح متعةٍ، ثم اسلما، إن اعتقدوا تأبيده - أقرا عليه، وألا فيقران عليه، سواء كانت المدة باقية أو منقضية؛ لأنها إن كانت باقية، فالمبطل قائم، وإن كانت منقضية، فاعتقادهم ارتفاع النكاح بانقضائها.
وكذلك لو نكحها على شرط أنهما بالخيار، أو أحدهما أبداً - لا يُقران عليه.
وكل امرأة جاز نكاحها في الإسلام - جاز إمساكها بعقد مضى في الشرك على اعتقادهم، وكل امرأة لا يجوز - ابتداء - نكاحها في الإسلام، لا يجوز استدامة نكاحها بعد إسلامها بعقد مضى في الشرك إلا في مسألتين.
إحداهما: إذا أسلمت [المرأة] بعد الدخول، فوطئت بالشبهة، ثم أسلم الزوج في العدة- له استدامة نكاحها، وإن كان لا يجوز - ابتداء - نكاح المعتدة، ثم إن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها من الزوج بان أن عدتها من وطء الشبهة، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها من الزوج، بان أن عدتها من الزوج، وتستأنف العدة من وطء الشبهة ومن حين انقضت عدة الزوج من وقت إسلامه، سقط حكم العدة الأولى وتستأنف العدة من حين ارتداد الزوج، ويقف النكاح على إسلامه، وانقضاء العدة.
فإن عاد إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها من وقت ردته - فهما على النكاح.
وإن لم يُسلم حتى انقضت العدة - بان أن الفرقة وقعت بينهما بارتداده، والعدة من تلك الحالة.
قال الشيخ -رحمه الله-: هذه مسألة ثالثة يفرق فيها حكم الابتداء والاستدامة وأن - ابتداء - نكاح المرتدة لا ينعقد على الوقف، ويوقف في الدوام.
ولو أسلم عن أكثر من أربع بعد الدخول، ثم ارتد، ثم أسلمن في العدة - لا يجوز الاختيار في الردة، وكذلك لو أسلم وأسلمن معه، ثم ارتد قبل الاختيار - لايجوز الاختيار في الردة؛ كما لا تجوز الرجعة في الردة، بخلاف الإحرام، ويجوز فيه الاختيار؛ لأنه لا ينافي الرجعة.
قال الشيخ: بل يتوقف، فإن عاد إلى الإسلام في العدة يختار.
قال - رحمه الله: ولو قال في حال الردة: طلقت أربعاً منكن- يتوقف، فإن جمعهم الإسلام في العدة تعين النكاح في المطلقات، وبن منه بالطلاق.
وإن كان طلق أربعاً لا على التعيين - يقال: اختر، فإذا اختار أربعاً طُلقن منه، وإن كان الاختيار في الردة لا يصح ولا يتوقف؛ لأن الطلاق له غلبة كما سبق.
قال الشيخ - رحمه الله-: فإن سخ نكاح أربع أراد حله بلا طلاق- نظر؛ إن لم يعين فلا معنى له، وإن عين يتوقف، فإن جمعهم الإسلام تعينت الأخريات للنكاح، وإن كان الاختيار على الوقف - لا يجوز؛ لأن الاختيار لا يلائم حالها فلم [يعلم] والفسخ يلائم حالها [فعلم]، فبقيت الأخريات منفرداتن فيتوقف نكاحهن؛ ما لو لم يكن تحته إلا أربع.
باب ارتداد أحد الزوجين والعياذ بالله إن ارتد أحد الزوجين أو هما جميعاً نظر إن كان قبل الدخول تتنجز الفرقة بينهما، وإن كان بعد الدخول يتوقف على انقضاء عدتها، فإن جمعهما الإسلام في العدة، فهما على
النكاح، وإن انقضت عدتها قبل إسلامها بان أن الفرقة وقعت بنفس الردة.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله-: إن ارتدا معاً دام النكاح بينهما؛ كما لو أسلم الزوجان معاً، وإن ارتد أحدهما تنجزت الفرقة، سواء كان قبل الدخول أو بعده، وإنما سوينا نحن بين ردتهما وردة أحدهما؛ لأن الحالتين تستويان في منع ابتداء النكاح، فكذلك تستويان في الدوام، بخلاف ما لو أسلما معاً دام النكاح بينهما، ويجوز له وطؤها بعد ما أسلما، ولا يجوز ذلك بعد ردتهما.
ثم إن وُجدت الردة بعد الدخول - وقد استقر مهرها بالدخول -[فلا يسقط بالردة، وإن وجدت قبل الدخول، نظر إن ارتدت المرأة سقط مهرها]؛ لأن الفسخ جاء من قبلها، وإن ارتد الزوج فعليه نصف المهر، [وإن كانت مفوضة فالمتعة كما لو طلقها، وإن ارتدا معاً فوجهان:
أحدهما: عليه نصف المهر]، كما لو خالعها قبل الدخول:
والثاني - وهو الأصح-: لا مهر لها؛ لأنها جانيةٌ بالردة؛ فلا يحال بالحكم على جنايته؛ كما لو قال: اقطع يدي، فقطع - لا ضمان على القاطع، وإن كان القاطع جانياً فوجود الإذن من جهة المستحق، بخلاف الخلع؛ لأن قطع النكاح فيه يحال على الزوج؛ لأنه ينفرد بالفرقة، وليس من جهتها إلا بذلُ المال، وذلك بمجرده لا يوجب الفرقة.
ولو ارتدا أو أحدهما بعد الدخول - لا يحل له وطؤها، فلو وطئها في العدة.
[لا حد عليه، وعليها الاعتداد بثلاثة أقراء من وقت الوطء.
ثم إن كان وطئها بعد] قُرءٍ، وبقي قُران بعده فلو جمعهما الإسلام، فهما على النكاح، ولا مهر للمرأة بسبب هذا الوطء، وإن لم يجمعهما الإسلام حتى مضى قُران بعد الوطء - بان أن الفرقة وقعت بينهما بنفس الردة، وعليه المهر بسبب ذلك الوطء.
وكذلك إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول، ثم وطئها في العدة، فإن جمعهما الإسلام في العدة، فلا مهر لها، وإلا فيجب، بخلاف ما لو وطيء الرجعية، ثم راجعها - يجب المهر في قولٍ؛ لأن ثم أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعة، وهو نقصان [العدة]، فنزل ما بعد المراجعة وقبلها بمنزلة عقدين، وهاهنا يرتفع أثر الردة بالإسلام، والوطء، يصادف العقد الأول، فلم يجب مهر آخر.
ولو ارتدا أو أحدهما بعد الدخول، ثم طلقها في العدة، أو ظاهر منها، أو لاعنها - فموقوف إن جمعهما الإسلام في العدة بان أنها كانت صحيحة؛ فيحكم بوقوع الطلاق، وصحة الظهار والإيلاء، وإلا فلا.
ولو عاد المرتد إلى الإسلام، ثم طلقها قبل الدخول- تعتد من وقت الطلاق؛ لأنه بان أنهما على النكاح.
والله أعلم.
باب طلاق المشرك
إذا نكح المشرك على اعتقاده، ثم طلقها - يقع، حتى لو طلقها ثلاثاً، ثم أسلما، لا تحل له إلا بعد زوج آخر، فلو نكحت في الشرك زوجاً آخر وأصابها، ثم طلقها - حلت للزوج الأول بعد الإسلام، ويحصل به الإحصان، وكذلك المسلم إذا طلق زوجته الكتابية ثلاثاً، فنكحت مشركاً كتابياً، أو وثنياً على اعتقادهم؛ فأصابها ثم طلقها - حلت للمسلم المطلق.
وإذا طلق الكافر زوجته بعد الدخول - يجب عليها العدة حربية كانت أو ذمية، حتى لو أسلمت في الحال عليها العدة.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله-: لا عدة على الحربية، فأما الذمية، فعليها العدة من المسلم، فأما من الذمي، فلا تجب عند أبي حنيفة، حتى لو طلقها يجوز أن تنكح في الحال.
وعند أبي يوسف، ومحمد: تجب.
وبالاتفاق لو نكحت في العدة في الشرك، ثم أسلما - والعدة منقضية - يُقران عليه.
ولو خرجت حربية إلينا مسلمة، ولها زوج في دار الحرب بعد الدخول - يجب عليها العدة؛ لأن العدة لحق الله - تعالى-، ولصيانة مائة حرمةٌ، وهذه مسلمة يجب عليها مراعاة الحقين.
وعند أبي حنيفة: لا عدة عليها.
وكذلك لو ارتدت المعتدة، فالتحقت بدار الحرب، ثم عادت مسلمة - لا عدة عليها؛ لأنها لما التحقت بدار الحرب - صارت كالحربية.
باب عقد نكاح أهل الذمة
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42].
الكفار إذا عقدوا عقداً على اعتقادهم، ثم أسلموا، والمبطل غير قائم - يُقرون عليه، ولا يتعرض لما مضى، سواء فيه أهل الذمة وأهل الحرب من أهل الكتاب وغيرهم، حتى لو نكح وثني نصرانية، أو نصراني وثنية أو مجوسية، ثم أسلما- يُقران عليه.
ويفترق الذمي والحربي الذي دخل إلينا بأمانٍ في شيءٍ، وهو أن الحربي لو قهر حربية على نفسها وغصبها - أقرهم الإمام على ذلك، ولم يتعرض لهم، وإن كانوا في دار الإسلام بالأمان.
والذمي لو قهر ذمية على نفسها - منعه الإمام من ذلك؛ لأن عليه أن يمنع أهل الذمة بعضهم عن بعض؛ كما يجب عليه أن يمنع عنهم من يقصدهم من غيرهم، وإنما يلزمه بحكم الأمان منع من تجري عليه أحكام الإسلام عنهم.
أما منعُ بعضهم عن بعضٍ فلا، وعلى هذا لو أن أهل الأمانِ قتل بعضهم بعضاً، أو أخذ بعضهم مال بعضٍ - لا يمنعهم الإمام عن ذلك.
ولو تحاكم غلينا ملمٌ وذمي، أو مسلمٌ ومستأمنٌ - يجب على حاكمنا أن يحكم بينهما؛ لأن عليه استيفاء حق المسلم، وأن يمنعه من الظلم.
ولو تحاكم إلينا ذميان، نظر إن كانا مختلفي الملة؛ كاليهودي مع النصراني - يجب أن يحكم بينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يرضى بحكم حاكم صاحبه.
وقيل: فيه قولان؛ كما لو كانا متفقي الملة، والأول أصح.
وإن كانا متفقي الملة، ففيه قولان:
أصحهما: يجب أن يحكم بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وقال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، والصغار جريان حكم الإسلام عليهم؛ ولأنه يجب على الإمام أن يمنع عنهم من يقصدهم؛ فيجب أن يحكم بينهم كالمسلمين.
والثاني: لا يجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] فالله - تعالى- خيره بين أن يحكم بينهم، أو يعرض عنهم، فعلى هذا هو بالخيار بين أن يحكم، وبين أن يردهما على حاكمهما، ولا يدعهما يتخاصمان.
واختلفوا في محل القولين.
قيل: لا فرق فيه بين حقوق الله - تعالى- وبين حقوق العباد.
وقيل: القولان في حقوق العباد فأما في حقوق الله - تعالى- يجب أن يحكم؛ لأنه لا مُطالب له فيضيع.
وقيل: القولان في حقوق الله تعالى، فأما في حقوق العباد يجب؛ لأن مبناه على الضيق؛ لأن صاحبه يستضر بسقوطه.
ولو جاء واحدٌ منهم، واستعدى على خصمه منهم، إن قلنا: يجب الحكم يجب الإعداء، ويجب على المعدي عليه الحضور.
وإن قلنا: لا يجب الحكم، لا يجب على الحاكم الإعداء، بل إن شاء أعدى، وإن شاء لم يعد.
فإذا أعدى [فالمعدي] بالخيار، عن شاء حضر، وإن شاء لم يحضر، وليس له إحضاره جبراً.
ولو تحاكم إلينا مستأمنان لا يجب أن يحكم بينهما، بل هو بالخيار بين أن يحكم، وبين ألا يحكم، سواء كانا مختلفي الملة، أو متفقي الملة؛ لأنهم لم يلتزموا أحكام الإسلام.
وقيل: كالذميين، [وقيل: يجب قولاً واحدا]، والأول أصح.
ولو تحاكم إلينا ذمي ومستأمنٌ، هل يجب الحكم؟ فيه قولان كالذميين.
وقيل: يجب قولاً واحداً؛ كما لو كانا مختلفي الملة.
فإن قلنا: يجب أن يحكم بينهم، أو اختار الحكم، يجب أن يحكم باعتقاد الإسلام، فن تحاكم إلينا زوجان، والزوجة كتابية- يقرهما عليه، وإن كانت مجوسية أو وثنية-، فالمذهب أنهما يُقران عليه كما لو أسلما؛ لأن كل نكاح جاز التقرير عليه بعد الإسلام - جاز قبله، كنكاح الكتابية.
وقال الإصطخري: لا يُقران عليه؛ لأن نكاحهما في الإسلام لا يجوز، وإن كان قد نكح في عدة الغير، فترافعا إلينا - والعدة باقية - يُحكم ببطلانه، وإن كانت متقضية؛ فلا يحكم ببطلانه.
ولو ادعت المرأة على زوجها الذمي؛ أنه طلقها، أو آلى عنها، أو ظاهر منها وقلنا: يجبُ الحكم، أو اختار الحكم -تُسمع دعواها، ونحلفه إن أنكر.
وإن أقر ففي الإيلاء بعد مُضي أربعة أشهر - نفقة حتى يفيء أو يُطلق.
وفي الظهار: نمنعه من قربانها حتى يكفر بإعتاق رقبة مؤمنة، فإن امتنع في الإيلاء من الفيء أو الطلاق - يُطلق الحاكم عليه جبراً.
إن قلنا: يجب عليه الحكم.
وإن قلنا: لا، فلا يطلق عليه إلا برضاه.
وإذا جاءونا لعقد نكاحٍ - فتزوج إن كانت المراة كتابية ولم يكن لها ولي كافرٌ، وتزوج بشهود مسلمين.
ولو أقر ذمي على نفسه بالزنا، أقام عليه الحد جبراً، إن قلنا: يجب الحكم.
وإن قلنا لا يجب، فلا نقيم، إلا أن يرضى المقر.
وحم الترافع إلينا حكم الإسلام، في أنه لا يتعرض لما مضى، إذا لم يكُن المبطل قائماً، حتى لو نكح في الشرك على خمر أو خنزير، أو خالع على خمر أو خنزير، ثم ترافعوا إلينا، وأسلموا بعد قبض الفاسد -فلا يوجب شيئاً آخر.
وإن كان قبل القبض يوجب مهر المثل عليه في النكاح، وعليها في الخلع، بخلاف ما لو نكحها، أو خالعها على حر مسلم استرقوه نفسخه ونوجب مهر المثل، سواء كان قبل القبض أو بعده؛ لأن المبطل قائمٌ، فإنا لا نقرهم على استرقاق المسلم، وقبض الفاسد بعد الإسلام - لا يسقط عنه مهر المثل، وإن كان الإسلام والترافع بعد قبض بعض الفاسد - يجب بسقطهما ما لم يقبض فيمهر المثل؛ مثل: أن نكح على زفي خمرٍ، ثم أسلما بعد قبض أحدهما- نوجب نصف مهر المثل، بخلاف ما لو كاتب الذمي عبده على زفي خمر، فقبض أحدهما، ثم أسلما، وأدى الثاني بعد الإسلام - عتق، ويجب عليه مال قيمته، ولا يحط عنه بقدر المقبوض في الشرك؛ لأن العتق هناك يحصل بأداء آخر النجوم؛ لأنه يتوزع على النجوم.
وإذا أخر النجوم -: وجد في الإسلام والنكاح والخلع معاوضة تُوجب التقسيط، فما أدى في الشرك وقع موقعه، وعليه بقدر ما بقي من مهر المثل.
[ثم كيفية التقسيط إن كان قد
نكحها على زقي خمر فأدى أحدهما، ثم أسلما عليه نصف المهر] إن استوى الزفَّان، وإن اختلفا فمن أصحابنا من قال: يعتبر مقدارهما من الكيل.
وقال أبو إسحاق: يعتبر العدد، فعليه نصف مهر المثل، وإن اختلف الزفان.
وإن كان أصدقها عشر زقاقٍ، وقبضت واحداً-، فعليه تسعة أعشار المهر.
وإن كان أصدقها ثلاثة كلابٍ أو ثلاث خنازير، فقبضت واحداً، ثم أسلما، أو ترافعا إلينا- فعليه بقدر ما بقي من مهر المثل، وكيف يعتبر؟ فيه ثلاثة أوجه:
قال أبو إسحاق: يعتبرُ العدد، فعليه ثُلثا مهر المثل؛ لأنه أدى ثلث العدد.
الثاني: تقدر الكلاب شياهاً، والخنازير بقراً وتعتبر قيمتها؛ وبه قال ابن سريج، وقيل: تعتبر المنفعة في الكلاب.
ولو أصدقها ستة كلابٍ وثلاثة خنازير وزق خمر، وقبضت بعضها، ثم أسلما - ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يعتبر الجنس، فأي جنس أداه بتمامه، فقد أدى الثلث.
والثاني: يعتبر العددُ، فإن أدى الخمر، فقد أدى العشر، وإن أدى الكلاب، فقد أدى ثلاثة الأخماس، وإن أدى الخنازير، فقد أدى ثلاثة الأعشار.
وقيل: تعتبر القيمة فنقدر الكلاب شياهاً، والخنازير بقراً والخمر خلاً.
ولو تبايعا ألفاً بألفين، أو تقارضا ألفاً بألفين، ثم أسلما، أو ترافعا إلينا بعد القبض - لا نعترض له ولا نرده.
وإن كان قبل القبض نبطله، وإن كان بعد قبض أحد الألفين سُئل المؤدي، فإن أدى عن الربح عليه رأس المال، وإن أدى عن رأس المال - فلا شيء عليه من الربح، وإن أدى عنهما سقط عنه نصف رأس المال، وعليه نصفه، ولا ربح عليه، وإن أدى مطلقاً فوجهان:
أصحهما: وقع عنهما.
والثاني: له أن يصرفه إلى أيهما شاء فإن صرفه إلى الربح، يجب عليه رأس المال، وإن صرفه إلى رأس المال فلا ربح عليه.
ولو أتلف مي خمراً على ذمي، فأجبره حاكمهم على أداء القيمة، أو اشترى خمراً أو خنزيراً، فأجبره حاكمهم على دفع الثمن، أو ترابيا، فأجبرهما على الأداء، ثم أسلما - لا يكلفا الرد؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله.
وإن ترافعا إلينا في حال الكفر - ففيه قولان:
أصحهما: لا يكلفا الرد؛ كما لو أسلما وكما لو تقابضا من غير حكم، ثم ترافعا إلينا.
والثاني: يبطلُ ويكلفا الرد؛ لأن الترافع لا يجب ما قبله، إلا أنا نعرض عما تراضيا عليه، وهاهنا لم يوجد الرضا فيرد، والترافع كالإسلام، إلا فيما أجبر عليه على هذا الوجه.
وكذلك لو نكح على مهر فاسدٍ، وسلم إليها بحكم حاكمهم، ثم ترافعا إلينا - هل يجعل كما لو أسلم من غير حكم [حاكم] أم يجب مهر المثل؟ فعلى قولين.
والكافر في قبول النكاح لابنه الصغير الكافر، وفي تزويج ابنته؛ كالمسلم حتى لا يُزوج البنت إلا بإذنها، ويُجبر البكر على النكاح، فإن عقدوا على خلاف ذلك وهُم يعتقدونه، ثم أسلموا - لا يتعرضُ لهم.
والله أعلم بالصواب.
باب إتيانا الحائض، [وإتيان النساء في أدبارهن]
قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222].
لا يجوز وطء المرأة في خلال الحيض والنفاس ما لم تطهر وتغتسل، ولو كان له إماءٌ، فلا بأس أن يطأهن في ليلةٍ واحدةٍ؛ لأنه لا قسم لهن.
والمستحب إذا وطيء امرأة، وأراد العود، أو أراد وطء امرأة أخرى - أن يتوضأ بينهما، فإن لم يفعل يغسل فرجه؛ فإن لم يفعل جاز.
ولا يجوز في حق الحرائر أن يجمع بين وطء اثنتين بغُسلٍ واحدٍ؛ لأن القسم واجب عليه، فلا يجوز أن يأتي في نوبةٍ واحدةٍ امرأة أخرى إلا بإذنها؛ لما روي عن أنس؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف على نسائه بغسل واحدٍ؛ وذلك لأنهن حللنه، وكان القسم غير واجبٍ عليه.
ويكره أن يطأ زوجته، وأخرى تنظر إليه؛ لأنه دناءةٌ، وليس من حسن العشرة.
ولا يجوز إتيان النساء في أدبارهن.
رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن ذلك، فقال: "في أي الخربتين أمِنْ دُبرها في قُبُلِهَا
فنعم، أم من دُبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحي من الحق؛ فلا تأتوا النساء في أدبارهن".
أما التلذذ بالإيلاج فيما بين الأليتين، والإيلاج في القُبل من جانب الدبر - فجائز.
ولو أتى رجلٌ امرأته أو أمته في دبرها يعصي الله - تعالى- فن علم الإمام نهاه عن ذلك، فإن عاد عزره، ولا يجب الحد لشبهة الملك، ولايحصل له الإحصان، والتحليل للزوج الأول، ولا يخرج به عن الإيلاء، والعنة، ويستقر به المسمى، وتبطل به العبادة، وتجب به الكفارة في الصوم والحج، وتجب به العدة، وهل تثبت به الرجعة؟ وهل يثبت به النسب والصهرية؟ فيه وجهان:
أصحهما: يثبت.
وقيل: في استقرار المهر: وجهان.
ويبطل باللواط إحصان الفاعل، ولا يبطل إحصان المفعول له، رجلاً كان أو امرأة؛ لأن حصول الإحصان بالتمكين في القُبُلِ، والبطلان يكون به أيضاً.
وقيل: إن كانت امرأة يبطل إحصانها، قال الشيخ: يحتمل أن يبطل إحصانها، فقد قال بعض أصحابنا.
إذا قال رجل: لاطك فلان يجب عليه الحد، فلولا بطلان افحصان به لكان لا يحد حد القذف على نسبته إليه.
فصل
رُوي عن جابر؛ أنه قال: "كُنا نعزل والقُرآن ينزل" ويروي: فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - "فلم ينهنا".
العزلُ: هو أن يُولج في الفرج، فإذا [قارب] الإنزال، نزع فأنزل دون الفرج؛ فهذا جائز في مملوكته، حتى لا يذهب ماله، وفي زوجته الأمة حتى لا يكون ولده رقيقاً.
أما في زوجته الحرة يجوز بإذنها، وهل يجوز بغير إذنها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن لها حقاً في الوطء:
والثاني: يجوز؛ لأن حقها في الوطء دون الإنزال.
وهل يجوز في أم ولده؟ ترتب على الحرة، إن جوزان ثَمَّ فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق انه لا حق لها في الوطء.
قال الشافعي - رحمه الله - في "الإملاء": الاستمناء حرامٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: 5، 6] فأوجب حف الفروج إلا في الزوجة، أو ملك اليمين، والاستمناء ليس بواحدٍ منهما.
باب الشغار
رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشغار.
والشغار: أن يُزوج الرجل ابنته الرجل على أن يزوج الآخر ابنته، وليس بينهما صداق.
نكاح الشغار غير جائز؛ وهو أن يقول الرجل لغيره: زوجت ابنتي، وتزوجت ابنتك أو أختك، على أن يكون بُضع كل واحدةٍ منهما صداق الأخرى، وقال الآخر مثله؛ فهو باطلٌ.
وكذلك لو قال: زوجت ابنتي على أن تُزوجني ابنتك، على أن يكون بُضعُ كل واحدة صداقاً للأخرى، وقبل الآخر.
ولأي معنى فسد نكاح الشغار؟ فيه معنيان:
أصحهما: للتشريك؛ فنه جعل بعض البُضع منكوحاً، والبضع صداقاً للأخرى؛ كما وزوج امرأة من رجين - لا يصح:
والثاني: للتوقيت؛ أنه قال: لا ينعقد لك نكاح ابنتي، حتى ينعقد لي نكاح ابنتك؛ كما لو قال: زوجتك ابنتي على أنك إذا قبلت لا ينعقد حتى يأتي الغد.
فلو قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، فقبل، ولم يقل: بضع كل واحدةٍ صداقٌ للأخرى، وقال الآخر مثله - صح النكاحان جميعاً؛ لأنه لا تشريك فيه، ويجب لكل واحدٍ مهر المثل؛ كما لو قال: زوجتك ابنتي على أن تبيعني دارك، فقبل - صح النكاح؛ ويجبُ مهر المثلِ.
وقيل: إن قصد التوقيت، بطل، ويجيء على قياس هذا، لو قال: زوجتك ابنتي على أن تُزوجني ابنتك ويون بضعُ ابنتك صداقاً لابنتي فقبل - صح الأول؛ لأنه لا تشريك فيه، ولم يصح الثاني للتشريك.
ولو قال: زوجت ابنتي على أن تُزوجني ابنتك، أو قال: زوجتك ابنتي وتزوجت ابنتك، ويكون بضع ابنتي صداقاً لابنتك، فقبل - صح الثاني، وبطل الأول.
ولو سمى لهما أو لأحديهما صداقاً، فقال: زوجت ابنتي بألفٍ على أن تُزوجني ابنتك، على أن يكون بضع كل واحدةٍ صداقاً للأخرى، أو قال: زوجت ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع كل واحدة صداقاً للأخرى، أو قال: ويكون بضع كل واحدة ومائة درهم صداقاً لصاحبتها - فالمنصوص أنه يصح.
ومن أصحابنا من قال: يصح؛ لأنه ليس على صورة الشغار المنهي عنه.
ومنهم من قال: لا يصح؛ لأجل التشريك، والمراد من النص إذا سمى الصداق، ولم يقل: على أن بُضع كل واحدةٍ صداقاً للأخرى؛ بأن قال: زوجتك ابنتي بألفٍ على أن تزوجني ابنتك، أو قال: زوجتُك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ومهرُ كل واحدة مائة درهم، فقبل عليه - صح النكاحان، ووجب مهر المثل لأجل الشرط، وهذا أصح؛ نص عليه في "الإملاء".
وعند مالك: نكاح الشغار فاسدٌ؛ لفساد الصداق، وعنده فساد الصداق يوجب فساد النكاح.
وعند أبي حنيفة: نكاح الشغار صحيح، ويجب مهر المثل للمرأةن والحديث حجة عليه؛ لأن النهي أوجب الفساد؛ كما في نكاح المتعة.
ولو قال: زوجتك ابنتي بمتعة ابنتك - صح النكاح، وفسد الصداق، ولها مهر المثل.
باب نكاح المتعة والمحلل
رُوي عن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عام خيبر عن نكاح المتعة.
صورة نكاح المتعة: أن يتزوج امرأة إلى مدة معلومة، فإذا مضت بانت منه، بأن قال:
زوجتك ابنتي سنة، أو تزوجت ابنتك شهراً فقبل - فهو باطلٌ، وكان ذلك جائزاً في ابتداء الإسلام، ثم نُسخ.
وحُكي عن ابن عباس: أنه كان يجوزه.
وقيل: إنه رجع.
فلو نكح نكاح متعةٍ، ووُطيء جاهلاً- لا حد عليه، وعليه المهر، وإن كان عالماً بفساده، هل يجب عليه الحد؟
إن صح رجوع ابن عباس وجب؛ لأنه محرم بالإجماع.
وإن لم يصح رجوعه فيبنى على أن أهل عصر لو اختلفوا في حكم حادثة، ثم اتفق أهل عصر بعدهم على أحد القولين،- هل يصير إجماعاً وجهان إن قلنا: يصير إجماعاً يجب الحد.
وإن قلنا: لا يصير إجماعاً - وهو الأصح-، فلا يجب الحد؛ كما لو نكح بلا ولي.
ووطء الشبهة من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون في الفاعل، بأن يجد على فراشه امرأة ظنها زوجته، أو أمته، أو زُفت إليه غير امرأتهن فوطئها على ظن أنها امرأته - لا حد ولا إثم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم -: "يُرفع عن أمتي الخطأ والنسيان".
ويجب عليه مهر المثل؛ كما لو دخل داراً فوجد طعاماً ظنه طعام نفسه، فأكله، لم يأثم، وعليه الضمان.
والوجه الآخر: أن تكون الشبهة في الموطوءة، بأن يكون له فيها ملكٌ، أو شبهة ملك؛ كالجارية المشتركة يطؤها أحد الشركيين، أو وطيء جارية ابنه، أو مكاتبته، أو أمة مكاتبه - لاحد عليه؛ لأن الملك يثبت الإباحة، فوجوده في بعضها يُورثُ الشبهة، ووجود شبهة يسقط الحد.
والوجه الثالث: أن تكون الشبهة فيا لطريق بأن يكون حلالاً عند بعض أهل الاجتهاد ممن يقول: اعتبار مثل النكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح المتعة، والشغار، ونكاح المحرم قبيحاً-: تعاطاه من يعتقد إباحته، أو يعتقد تحريمه - فلا حد عليه؛ لأنه لو اتفقوا على الإباحة كان حلالاً، وإذا قال بعضهم بالإباحة، واحتمل ما قال، - صار شبهة في سقوط الحد كوجود بعض المِلك.
فأما من لا يعد خلافه خلافاً مثل الرافضة يقولون: الطلاق الثلاث لا يقع، أو يقع واحدة، وله مراجعتها [بالوطء]- فمثل هذا لا يوجب سقوط الحد.
قال أبو بكر الصيرفي -رضي الله عنه -: الوطء في النكاح المختلف فيه يوجب الحد على من يعتقد تحريمه.
ولو زنا رجل بامرأة، أو نكح الأم، فوطئها، أو نكح امرأة في عدة الغير، فوطئها- وهو عالم بكونها معتدة -يجب عليه الحد، ولا عدة عليها.
ولو ادعى الجهل بالتحريم لا يعزرن إلا بأن يكون قريب العهد بالإسلام، أو نشأ بموضع بعيد عن دار الإسلام، أو كان مجنوناً فأفاق، وزنا قبل أن يعلم الحكام - نقبل قوله، ولا حد.
وإذا قبلنا قوله، وأسقطنا الحد، فهل يثبت النسب؟ وهل يجب المهر؟ وهل يكون لولد حراً إن [كان] فعل ذلك بأمه؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى، كما يسقط الحد.
والثاني: لا تتعلق به هذه الأحكام، ويسقط الحد لأجل الشبهة، وكذا المجنون إذا زنا هل يثبت النسب؟ فيه وجهان:
الأصح: ثبوته.
قال الشيخ: هل تجب العدة؟ يبنى على ثبوت النسب، وإن أثبتنا يجب، وإلا فلا تجب.
فصل
في نكاح المُحَلِّلِ
رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
صورة نكاح المحلل: أن يطلق [رجلٌ] امرأته ثلاثاً، فنكحت زوجاً آخر، حتى تحل للأول، فيه ثلاث مسائل:
إحداها: إذا نكحها على أنه وطئها بانت منه؛ فهذا باطلٌ؛ لأنه نكاح متعةٍ، وإذا وطيء في هذا العقد لا يحصل به التحليل.
الثانية: إذا نكحها بشرط أنه إذا وطئها طلقها - ففي صحة النكاح قولان: في الجديد باطلٌ؛ لأنه أخو نكاح المتعة.
والثاني: صحيح؛ قاله في القديم، و"الإملاء"؛ لأنه شرط فاسدٌ، فيفسد به الصداق، ويصح النكاحُ؛ كما لو شرط ألا يسافر بها.
فإن قلنا: لا يصح، فإذا وطئها لا يحصل به التحليل.
[وإن قلنا: يصح، فيحصل،
وإذا واطأ عليه قبل العقد، ولم يشترطا في العقد - فالمذهب أن النكاح صحيح، وإذا وطيء فيه يحصل به التحليل].
الثالثة: إذا نكحها مطلقاً في عزمه أن يطلقها بعدما وطئها-، يصح النكاح، غير أنه يكره، إلا أن ينكح نكاح رغبةٍ، إذا وطيء يحصل به التحليل.
باب نكاح المحرم
رُوي عن عثمان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ".
لا يصح النكاح في حال الإحرام، سواء كان الولي محرماً، أو الخاطب، أو وكيل واحدٍ منهما، أو المرأة، وسواء كان الإحرام بالحج، أم بالعمرة، صحيحاً كان أم فاسداً.
فإن كان الشاهد محرماً يصح، ويكره.
وقال الإصطخري: لا يصح، وهذا لا يصح؛ لأن الشاهد ليس بعاقد، ولا معقود له، ولا عليه، فلا يمنع إحرامه العقد.
وقال أبو حنيفة: يصح النكاح في حال الإحرام.
وقال مالك: ينعقد، ويفرق بينهما، والخبر حجة على رده.
فإذا حصل التحلل جاز النكاح، وللعمرة تحلل واحد، وللحج تحللان، فبعد التحللين يجوز، وبين التحللين قولان:
أصحهما: لا يجوز، ويكره الخطبة في حال الإحرام، ولا يحرم، بخلاف العدة، لايجوز فيها الخطبة؛ لأن انقضاء العدة أمر خفي لا يعرف إلا بقولها، فربما تكذب بانقضاء عدتها؛ حرصاً على النكاح، والخروج عن الإحرام أمر ظاهر.
ولو وكل حلالٌ محرماً ليوكل حلالاً بالتزويج - فيه وجهان:
أصحهما: جوازه؛ لأن المحرم سفير، وليس بعاقد، وتجوز المراجعة في حال الإحرام؛ لأنها استدامة النكاح، فلا يمنعها الإحرام؛ كالإمساك على دوام النكاح.
قال أحمد، وإسحاق: لا يراجع.
ولو وكل بالتزويج، أو بالقبول في حال إحرام الموكل، أو الوكيل، أو المرأة، أو إذا أذنت المرأة للولي بالتزويج في حال الإحرام مطلقاً؛ حيث شرطنا إذنها -؛ صح، ويزوج بعد التحلل؛ كما لو قيد، وقال: زوج بعد التحلل؛ لأن الإحرام لا ينافي الإذن، إنما ينافي العقد؛ كما لو وكل المحرم حلالاً بشراء صيدٍ، فاشترى بعد ما حل - صحت الوكالة.
[ولو وكل أو أذنت المرأة ليعقد في حال الإحرام - لا يصح، ولو قال: إذا حللت فقد وكلتك، فهو تعليق الوكالة].
وفي صحته قولان:
ولو وكل حلالاٌ حلالاً بالتزويج، ثم أحرم واحدٌ منهما، أو أحرمت المرأة قبل التزويج - لا ينعزل الوكيل، وله التزويج بعد التحلل بالوكالة السابقة، وقبل الإحرام كالجنون ينعزل به الوكيل.
وعلى قياس قول هذا القائل: لا يجوز التوكيل والإذن في حال الإحرام.
وهل يجوز للإمام والحاكم بولاية الحكم، التزويج في حال إحرامه -: [فيه] وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كما لا يجوز بالولاية الخاصة.
والثاني: يجوز؛ كما يُزوج الكافرة بالولاية العامة، وليزوج المسلم الكافرة بالولاية الخاصة.
والله أعلم.
باب العيب في المنكوحة
رُوي عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج امرأة، فلما أدخلت عليه رأى بكشحها [بياضاً]، فردها إلى أهلها، وقال: "دلستم عليَّ".
يثبت فسخُ النكاح بسبعة من العيوب: ثلاثةٍ توجدُ [منهما جميعاً وهي: الجنون مطبقاً كان أو غير مطبق، والجُذام، والبرص، فأي الزوجين وجد بصاحبه] شيئاً من ذلك - فله فسخ النكاح.
واثنان في الزوج، وهما: الجب والعنة يثبت للمرأة بهما فسخ النكاح.
واثنان في المرأة، وهما: القرن والرتق يثبت للزوج بهما الفسخ.
والقرن: عظم في الفرج يمنع الجماع.
والرتق: التصاق محل الجماع باللحم.
ولو كان بأحدهما قرحةٌ يدعي الآخر أنها جذامٌ، وينكر صاحبها - فعلى من يدعي أنها جذام إثباته بالبينة، ولا يُقبل إلا من رجلين مسلمين عالمين بالطب عدلين، فإن لم تقم بينة، فالقول قول من به ذلك مع يمينه.
وكذلك إذا كان بأحدهما بياضٌ، ويقول الآخر: إنه برصٌ - فالقول قول من هو به، وعلى الآخر البينة.
ولا فرق بين القليل من هذه العيوب والكثير، فإن كان به مرضٌ يغمى عليه، ويغلب على عقله - فلا خيار؛ لأن الحيوان لا يخلو عن المرض، فإن زال المرض، وبي زوال العقل؛ فللآخر الخيار.
والرتق والقرن يثبتان الخيار إذا منعا الجماع، فإن لم يمنع فلا خيار، فإن كن يمنع فأراد الزوج إجبارها على شق ذلك الموضع - لم يكن له ذلك، وإن أرادت هي ذلك لم يمنع؛ لأنه تداوٍ، فن فعلت فأمكنه الوطء؛ فلا خيار.
ولو وجدت المرأة زوجها خصياً، بأن كان موجوء الخصيتين، أو مقطوعهما، فهل لها الخيار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا خيار لها؛ لأنه قادر على الجماع؛ ما لو كان مقطوع بعض الذكر، وقد بقي منه قدر الحشفة - لا خيار لها:
والثاني: لها الخيار؛ لأنه ناقصٌ من الرجال يلحقها العار بالمقام تحته.
ولو وجدها الزوج مفضاة وهي التي دُفِع منه ما بين مخرج البول ومخرج الحيض - فلا خيار له، وكذلك لو وجدها عقيماً.
ولو وجد أحدهما صاحبه خُنثى، ففيه قولان:
أحدهما: يثبت الخيار للآخر؛ لوجود النقص في آلة الجماع، ولأنه يُعير بالمقام معه:
والثاني: لا خيار له؛ لأنه قادرٌ على الجماع، ومحل الجماع من المرأة سليم.
واختلفوا في محل القولين: منهم من قال - وهو الأصح: القولان فيما إذا كان مشكلاً، فاختار الرجولية فنكح، أو اختارت الأنوثية فنكحت؛ لأنه يتبين بخلافه، وإقدامه على النكاح اختيار تلك الجهة فإن كان واضحاً تبين ذلك بالعلامات فلا خيار؛ كما إذا كان على الرجل عضو زائدٌ، وعلى المرأة شق زائدٌ، أو جراحةٌ - لا يثبت به الخيار.
وقيل: في الكل قولان.
وقال أبو حنيفة
-[رحمه الله]-
: لا ينفسخ النكاح بشيء من العيوب، إلا أن
المرأة إذا وجدت زوجها مجبوباً أو عنيناً، ترفع الأمر إلى الحاكم حتى يُفرق بينهما بطلقةٍ.
فنقول: معاوضة تقبل الفسخ، فجاز أن يفسخ بالعيب كالبيع، إلا أن المقصود من البيع المالية، وكل عيبٍ ينقص المالية يثبت حق الفسخ، والمقصود من النكاح الاستمتاع والوصلة، فما يؤثر فيه يثبت الفسخ.
والقرن، والرتق، والجب، والعنة [لا يتنافى] معها الاستمتاع، وكذلك مع الجنون؛ لأنه يخاف على نفسه من صحبةِ [المجنون، وطبعه] ينفر من صحبة المجذوم والأبرص، وقد يعدو إلى النسل.
ونسألُ الله العافية.
فلما أثرت هذه العيوب في مقصود العقد، فيثبت بها الفسخ.
أما البخر والصنان والعمى، ونحوها؛ لا يثبت [بها] الخيارُ؛ لأنها لا تخل بالمقصود من الاستمتاع عاجلاً والنسل آجلاًن وتزول بالمعالجة.
فإذا اجتمعت أنواع من هذه العيوب، بحيث تخل بالمقصود، أو كانت بأحدهما قروح سيالة، أو كانت المرأة مستحاضة - فقد أثبت بعض المتأخرين من أصحابنا بها الفسخ، والصحيح أنه لا يثبت إلا بما ذكرنا.
ولو كان بكل واحدٍ من الزوجين عببٌ - نظر إن كان به جب أو عُنة، وبها رتقٌ أو قرنٌ؛ فلا فسخ لواحدٍ منهما؛ لأنه لا يصل إلى مقصوده من الغير.
أما العيوب الثلاثة إن كانا مختلفين؛ بأن كان بأحدهما جُذام، وبالآخر برص أو جنونٌ؛ فيثبت لكل واحدٍ منهما الفسخ، فإن رضي احدهما بعيب صاحبهن فلا يلزم في حق الآخر، وله أن يفسخ.
وإن اتفق العيبان، ففيه وجهان:
أصحهما: يثبت لكل واحدٍ منهما الخيار؛ لأن الإنسان لا يعافُ من عيب نفسه، ويعافُ من عيب غيره؛ كالمتبايعين يجد كل واحد منهما بما اشترى عيباً يثبت لكل واحدٍ منهما حق الفسخ.
وقيل: إذا كان به جب، وبها رتقٌ - فيه وجهان أيضاً.
والخيار بسبب العيب على الفور إلا في عب العنة، فإنه يضرب لها مدة سنةٍ.
ونعني بقولنا: "على الفور"؛ أن المطالبة بعد العلم تكون على الفور حسب الإمكان، وفي الحقيقة: لا فرق بين العُنة وسائر العيوب؛ أنه بعدما تحقق يكون على الفور، لأن العنة لاتتحقق إلا بعد مُضي سنةٍ، وسائر العيوب تُعرف على الفور.
وهل ينفرد كل واحدٍ من الزوجين بالفسخ من غير مرافعة الحاكم؟ - فيه وجهان:
أحدهما: ينفردُ؛ كفسخ البيع بالعيب ينفرد به كل واحدٍ من المتبايعين.
والثاني: لا بل يرفعُ إلى الحاكم حتى يفسخ بينهما؛ لأنه مجتهدٌ فيه كالفسخ بعيب العنة، بخلاف فسخ البيع بالعيب؛ لأنه مجمعٌ عليه، نظيره فسخ النكاح بسبب الإعسار بالنفقة.
ثم فسخ البيع بسبب الإفلاس لا يجوز حتى يرفع إلى الحاكم ليفسخ، وعلى الوجهين لو أخر بعد العلم قدر ما يأتي إلى الحاكم، فيفسخ بحضرته - يجوز.
وإذا ادعى أحدهما العيب، وأنكر صاحبه - فالقول قول المنكر مع يمينه، إلا أن يقيم المدعي البينة.
ولو أقر بالعيب، وادعى على صاحبه أنه قد رضي به، وأنكر صاحبه الرضا - فالقول قوله مع يمينه.
ولو كان العيب بها، فوطئها الزوج، وقالت: وطئت مع العلم، قال: لم أعلم، أو كان العيب به، فقال: مُكنت مع العلم، فقالت: لم أعلم، فالقول قول من يقول: لم أعلم مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العلم.
فإذا فسخ النكاح بعيبٍ كان موجوداً يوم العقد - نظر، إن فسخ قبل الدخول لا شيء للمرأة إلا نصف المهر، ولا متعة، سواء كان العيب به أو بها؛ لأنه إن كان به، فهي الفاسخة للعقد، وإن كان بها، فالفسخ لمعنى فيها، وفسخ النكاح قبل الدخول إذا كان بسببها يوجب سقوط المهر.
وإن كان بعد الدخول، فلها مهر المثل على ظاهر المذهب.
وخرج قولٌ آخر أن لها المسمى -كما ذكرنا في الغرور - ولا سُكنى لها في العدة، ولا نفقة إذا كانت حائلاً، وإن كانت حاملاً فقولان - كما ذكرنا في الغرور.
ثم إن كان العيب بالمرأة، فغرم الزوج المهر، هل يرجع به على الغار؟ إن أجاز العقد فلا يرجع، وإن فسخ فقولان:
أصحهما: لا يرجع؛ لأن المهر لزمه مقابلة ما استوفى من منفعة البُضع، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم- فيمن نُكحت بغير إذن الولي: "فإن مسها فلها المهر".
وقضى عمر -رضي الله عنه - للتي نُكحت في عدتها بالمهر.
والثاني: يرجع؛ لما رُوي عن عمر [-رضي الله عنه]- أنه قال: أيما رجلٌ تزوج بامرأة، وبها جنونٌ، أو جُذامٌ، أو برصٌن فمسها - فلها صداقها؛ وذلك لزوجها غرمٌ على وليها.
فإن قلنا: يرجعُ، [فإن كان الغرور من جهة المرأة، فال مهر لهان وهل يجب أقل ما يستباح به البضعُ؟ - فيه وجهان].
وإن كان الغرور من الولي، نظر؛ إن كان عالماً به، فكتمن يرجعُ عليه الزوج بعد ما غرم للمرأة جميع ما دفع إليها.
وإن كان الولي جاهلاً به، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع عليه؛ لأنه لا غرر من جهته.
والثاني: يرجعُ؛ لأن ضمان المال لا يسقط بالجهل.
فإن قلنا: لا يرجع على الولي عند الجهل، فذلك إذا كان الولي ممن يخفى عليه كالحاكم والأباعد من العصبات، ويكون الرجوع على المرأة.
وإن كان الولي ممن لا يخفى عليه في الغالب؛ بأن كان محرماً لها؛ فيرجع عليه، ولا يقبل قوله: إني لا أعلم.
وقيل: لا فرق بين المحرم وغيره في أنه لا يرجع عليه عند الجهل.
وإن كانت المرأة غرت الولي، فالزوج يرجع على الولي، ويرجع الولي عليها.
وإن غره جماعة من الأولياء، رجع على جميعهم.
فإن جهل بعضهم وقلنا لا غرم على الجاهل، فالرجوع على العالمين منهم.
ولو طلقها الزوج قبل الدخول، ثم علم بالعيب - يجب عليه نصف المهر، ولا يرجع به على أحد؛ لأنه التزمه حيث طلق.
فأما إذا حدث العيب بعد عقد النكاح- لا يخلو إما أن حدث بالزوج، أو بالمرأة.
فإن حدث بالزوج، نظر إن حدث به جنون، أو جُذامٌ، أو برص - ثبت لها حق الفسخ، سواء حدث بعد الدخول أو قبله.
وإن حدث به جب أو عُنة، نظر إن كان قبل الدخول - فلها الفسخ، وإن حدث بعد الدخول، نظر إن حدثت العُنة فلا فسخ لها؛ لأنها تحققت قدرته، ووصل إليها حظها من الجماع.
وإن جُبَّ ذكره بعد الدخول، ففيه وجهان:
أحدهما: لا فسخ لها؛ كما لو حدثت العنة.
والثاني - وهو الأصح: لها حق الفسخ؛ لوقوع اليأس عن الجماع، بخلاف العُنة، فإن