أو شهد أحدهما أنه قذفه ببكرة، وشهد الآخر أنه قذفه بعشية، أو شهد أحدهما أنه قذفه بالعربية، والآخر أنه قذفه بالفارسية-: لا يثبت.
وكذلك: لو شهد أحدهما أنه قذفه، والآخر أنه أقر بقذفه-: لا يجمع بينهما.
أما إذا كانت شهادتهما على الإقرار؛ مثل: أن شهد أحدهما أنه أقر في البيت أنه قذفه، وشهد آخر: أنه أقر في السوق؛ أنه قذفه، أو شهد أحدهما أنه أقر يوم السبت بقذفه، والآخر أقر يوم الأحد، أو شهد أحدهما أنه أقر بالعربية أنه قذفه، وشهد الآخر أنه قذفه بالفارسية-: يجمع بينهما، ويثبت الحد؛ لأن الإقرار إخبار يتكرر؛ فيجوز أن يكون أقر [مرتين].
أما إذا شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفه في البيت، وشهد الآخر أنه أقر أنه قذفه في السوق، أو شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفه يوم السبت، وشهد الآخر أنه أقر أنه قذفه يوم الأحد، أو شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفه بالعربية، والآخر أنه أقر أنه قذفه بالفارسية-: هل يجمع بينهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجمع؛ لأنه شهادة على الإقرار.
والثاني: لا يجمع؛ لأن الخلاف فيه راجع إلى الإنشاء، والله أعلم.
بَابُ الوَقْتِ فِي نَفْيِ الوَلَدِ
إذا أراد الرجل نفي الولد باللعان-: فهو على الفور؛ لأنه خيار غير مؤبد؛ لدفع الضرر؛ كالرد بالعيب.
هذا هو المذهب، وفي القديم قولان:
أصحهما: هذا.
والثاني: يمهل ثلاثاً، حتى يتفكر فيه: فإن قلنا: على الفور-: فإذا أخر بلا عذر-: لزمه، ولا نفى له بعده، وإن كان له عذر بأن لم يظفر بالحاكم، أو حضرت الصلاة، فبدأ بها، أو كان جائعاً-: بدأ بالأكل، أو كان ماله غير محرز، فاشتغل بإحرازه، أو عادته الركوب، فاشتغل بإسراج المركوب، أو سمعه في خلال أكل، أو طهارة، أو في جوف الليل فأخر هـ إلى الفراغ، أو طلوع النهار-: لا يبطل حقه، ولكنه يشهد إن أمكنه الإشهاد، فإن لم يشهد-: بطل حقه.
وهل يشترط أن يقول بلسانه: نفيت؟ فيه وجهان:
وإن كان مريضاً أو محبوساً، أو قائماً على مريض، أو كان غائباً لا يقدر على المسير، فأشهد على نفيه-: فهو على حقه، وإن لم يشهد مع القدرة على الإشهاد-: بطل حقه.
وإن كان غائباً نفاه عند قاضي البلد، فإن أخر ليرجع إلى بلده نظر: إن أشهد، وأخذ في المسير على الإمكان-: لم يبطل حقه، ولو أخر في المسير مع الإمكان-: بطل حقه، وإن أشهد.
وإن أخذ في المسير في الحال ولم يشهد-: هل يبطل حقه؟
فيه وجهان:
أصحهما: يبطل.
وإن أخر النفي، وادعى أني لم أعلم بالولادة-: قبل قوله مع يمينه، إن كان غائباً، وإن كان حاضراً في الدار-: لا يقبل قوله إلا على ساعتين أو نصف يوم؛ لأن خبر الدار قد يخفى عليه هذا القدر.
ولو قال: علمت بالولادة، ولم أعلم أن حق النفي ثابت لي-: لا يقبل ذلك من العالم.
وهل يقبل من العامي؟ فيه وجهان؛ كما في خيار العتق.
ولو قال: سمعت ولم أصدق الخبر- نظر: إن سمع من عدلين-: بطل حقه، وإن سمعه من الفساق أو الصبيان-: قبل قوله، وإن سمع من عدل واحد-: فوجهان:
أصحهما: أنه يقبل، ويجوز له تأخير نفي الحمل إلى أن تضع.
وإن قلنا: الحمل يعرف؛ لأنه قد يتبين ريحاً، فلو أخر حتى خرج، وقال: أخرته؛ لأني لم أتحققه ولداً-: فله نفيه.
وإن قال: علمته ولداً، لكني أخرته؛ رجاء أن يموت فأستر عليها، ولا أحتاج إلى اللعان-: لزمه، ولا نفى له، ولو هنئ بمولود، فقيل: هنئت فارساً، وجعله الله لك ولداً صالحاً، أو متعك بالولد الذي رزقك، فقال: آمين، أو نعم، أو استجاب الله دعاءك-: فهو إقرار به لا نفي له بعده، وإن أجاب بما لا يتضمن إقراراً، فقال: جزاك الله خيراً، أو بارك عليك، أو رزقك مثله-: فلا يكون إقراراً، وله النفي؛ لأنه قابل الدعاء بالدعاء.
فَصْلُ
رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ تَنَازَعَا عَامَ الفَتْح فِي وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ
سَعْدُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَقَالَ رَسُولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ؛ الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ".
وقال عمر- رضي الله عنه-: لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فأرسلوهن بعد، أو أمسكوهن إذا أتت أمة رجل بولد-: لا يلحقه ما لم يقر بوطئها، فإذا أقر بوطئها، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء-: فهو ينفي عنه، فإن أتت به لستة أشهر فأكثر من وقت الوطء، ولدون أربع سنين-: فهو يلحق به، إذا لم يدع الاستبراء، فإن ادعى الاستبراء بعد الوطء-: نظر: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الاستبراء-: فهو يلحق به، ولا حكم للاستبراء.
وإن أتت به لستة أشهر فأكثر من وقت الاستبراء-: فهو ينفي عنه.
فإذا ألحقنا به ولداً، فأتت بعده بولد آخر- نظر: إن كان بينهما أقل من ستة أشهر-: فالثاني يلحق به؛ لأنهما حمل واحد، وإن كان بينهما ستة أشهر فصاعداً-: فالثاني هل يلحقه فيه وجهان:
أحدهما: يلحقه، لأنها صارت فراشاً بالوطء؛ فيلحقه أولادها عند الإمكان؛ كما في فراش النكاح.
والثاني: لا يلحقه إلا بإقراره جديد بالوطء؛ لأن الفراش قد ارتفع بولادة الأول؛ كما يرتفع بالاستبراء.
وأصل هذا أنه إذا زوج أم ولده، فطلقها زوجها قبل الدخول، أو بعد الدخول، أو انقضت عدتها-: هل يعود فراشاً للسيد قبل الوطء؟ فيه قولان:
أحدهما: يعود فراشاً، حتى لو أتت بولد بعد الطلاق، وانقضاء العدة لستة أشهر فأكثر يكون للسيد.
ولو مات السيد، أو أعتقها قبل أن يمسها-: يلزمها الاستبراء؛ نص عليه في "الأم".
والثاني: لا يعود فراشاً له، ما لم يطأها، حتى لو أتت بولد لدون أربع سنين-: فمن وقت الطلاق يلحق الزوج؛ كما لو أتت به لدون ستة أشهر، وإن أتت به لأربع سنين فأكثر-: فمنفي عنه.
ولو مات السيد أو أعتقها-: لا استبراء عليها.
وعلى هذا لو أراد السيد أن يطأها بعد انقضاء عدة الزوج-: هل يحتاج إلى الاستبراء؟ فيه وجهان.
إن قلنا: عادت فراشاً له-: لا يحتاج إلى الاستبراء، وإلا فيحتاج إليه بحدوث الحمل، وعلى هذا: لو أقر بوطء أمته، فأتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الوطء، ولم يدع الاستبراء-: هل يلحقه؟ فيه وجهان:
قال [الشيخ]: إذا كان الفراش ينقطع بالاستبراء-: فبمضي أربع سنين، وبالولادة، إذا أتت بولدين بينهما أكثر من ستة أشهر؛ وبالتزويج: أولى أن ينقطع حتى لا يعود إلا بوطء جديد.
وعند أبي حنيفة: ولد الأمة لا يلحقه، وإن أقر بالوطء ما لم يقر بالولد، فإذا أقر بولد واحد-: لحقه الثاني والثالث.
ولو ادعت الأمة على سيدها أنه وطئها، وأنكر السيد-: فالقول قوله بلا يمين.
ولو أقر بالوطء، وادعى الاستبراء، وأنكرت الأمة الاستبراء-: فالقول قوله مع يمينه أنه لم يطأها بعد الاستبراء.
ولو أقر بالوطء، وقال: كنت أعزل-: لحقه الولد؛ لأن الماء قد سبق، وهو لا يحس به.
ولو قال كنت أصبتها فيما دون الفرج-: هل يلحقه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يلحقه؛ لأن العلوق منه نادر، وكل موضع ألحقنا به نسب ولد الأمة-: لم يكن له نفيه باللعان؛ لأن له طريقاً إلى نفيه، سوى اللعان، وهو دعوى الاستبراء.
ولو اشترى زوجته الأمة، فأتت بعده بولد- نظر: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء-: لحقه بحكم النكاح، وله نفيه باللعان.
وإن أتت بولد لأكثر من ستة أشهر- نظر: إن لم يكن السيد وطئها بعد الشراء، أو وطئها، ولكن أتت به لدون ستة أشهر من وقت الوطء: فإن كان لدون أربع سنين من وقت الشراء-: لحقه بملك النكاح، وله نفيه باللعان.
وإن أتت به لأكثر من أربع سنين-: فهو منفي عنه باللعان، وإن وطئها في تلك اليمين، فأتت به لستة أشهر فصاعداً من وقت الوطء-: فهو يلحق به بملك اليمين، ولا يمكن نفيه باللعان.
وإذا أتت المرأة بولد عند عدم إمكان الوطء-: لا يلحق الزوج؛ مثل: أن نكح امرأة، فطلقها في المجلس، أو غاب عنها غيبة لا يحتمل وصوله إليها، فأتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الغيبة-: لا يلحقه.
وقال أبو حنيفة إمكان الوطء ليس بشرط، حتى لو نكح امرأة، فطلقها في المجلس، أو كان علق طلاقها بالنكاح-: فكما نكحها طلقت، فإذا أتت بولد لستة أشهر-: لحقه، ولأكثر: لا يلحقه، ولو غاب عن زوجته سنين، حيث لا يحتمل وصوله إليها، فأتت بأولاد في غيبته-: لحقوه فألحقوا به النسب في النكاح مع عدم الإمكان، ونفوا عنه في ملك اليمين مع حقيقة الوطء، وهذا خلاف المعقول، والله أعلم.