"فصلٌ: فيمن يلزمه التشبه بالصائمين"
إذا أفطر يوماً من رمضان عمداً، عصى الله - تعالى - وعليه الإمساك، والتشبه بالصائمين.
وكذلك لو نسى النية من الليل، فيلزمه التشبه؛ حتى لو أكل شيئاً عصى الله عز وجل.
وكذلك لو أصبح يوم الثلاثين من شعبان مُفطراً للشك، ثم ثبت أنه من رمضان - يجب عليه الإمساك والتشبه.
ولو طهرت الحائض والنفساء في خلال النهار لا يلزمها التشبه.
ولو أصبح غر صائم بعذر سفر، أو مرضن ثم أقام وبريء في خلال النهار - نظر: إن كان أكل شيئاً، لا يلزمه التشبه بالصائمين، وله أن يأكل، لكنه يُخفي الأكل عن الناس؛ حتى لا يتهم.
وإن كانت امرأته قد طهرت من الحيض، جاز له وطؤها.
وإن لم يكن أكل شيئاً.
قيل: إن أقام أو بريء، هل يلزمه التشبه؟ فيه وهان:
أصحهما: لا يلزمه.
وقال أبو حنيفة: يلزمهما التشبه؛ سواء أكلا أو لم يأكلا؛ كالأكل عامداً.
قلنا: هناك ما أبيح له الأكل، وهاهنا المسافر والمريض أبيح لهما الأكل، وليس كيوم الشك إذا ثبت كونه من رمضان يجب عليه التشبه، مع أن الأكل مباحاً له؛ لأن هناك أبيح له الكل لأن الشهر لم يتحقق؛ فإذا تحقق لزمه التشبه.
والمسافر والمريض أبيح لهما الأكل مع تحقق الشهر، فلم يلزمهما.
ولو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم كافر في خلال النهار - هل يلزمهم التشبه إن قلنا: يجب عليهم قضاء صوم ذلك اليوم، يلزمهم التشبه، وإلا فلا يلزم.
والتشبه يختص برمضان، فمن نذر صوم يوم بعينه، ثم أفسده، أو لم ينو من الليل - يجب عليه القضاء، ولا يلزمه التشبه بالصائمين في ذلك اليوم.
"فصلٌ: في تعجيل القضاء"
من أفطر يوماً من رمضان بغير عذر، عصى الله - تعالى - وإذا خرج رمضان يلزمه تعجيل قضائه، ويعصي بالتأخير.
وإن كان في السفر، وإن أفطر بعذر، يستحب له أن يعجل القضاء، فلو أخر يجوز، بشرط أن يقضي قبل دخول رمضان الثاني.
رُوي عن عائشة قالت: إن كان ليكون على صيام من رمضان، فما أقضي منه؛ حتى يأتي شعبان تعني: بالشغل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولو فاتته أيام، يُستحب أن يقضيها متتابعة، فلوقضاها متفرقة جاز، فإن كان عليه صوم اليوم الأول، فقضى ونوى اليوم الثاني - فيه وجهان:
أحدهما: يجزئه؛ لأن تعيين اليوم ليس بواجب عليه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه يقضي غير ما عليه؛ كما لو كان عليه عتق عن كفارة اليمين؛ فنوى عن الظهار -لم يجز.
فإذا أخر القضاء؛ حتى دخل رمضان الثاني؛ نر: إن لم ينقطع عذره إن دام مرضه، أو سفره، حتى مات - فلا شيء عليه؛ كما لو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء، لا زكاة عليه؛ بخلاف الشيخ الهِمِّ إذا مات يطعم عنه؛ لأن الإطعام كان واجباً عليه في الحياة.
وإذا أخر القضاء بلا عذر إلى رمضان الثاني، يجب عليه أن يقضي، ويطعم عن كل يوم مسكيناً مداً من غالب قوت البلد.
وعن أبي حنيفة - رحمه الله - لا يجب الفدية بسبب التأخير.
وإن كان عليه قضاء أيام، يجوز أن يصرف الأمداد كلها إلى مسكين واحد؛ لأن فدية ل يوم بمنزلة كفارة أخرى.
فإن فدى، ولم يقض؛ حتى مضى رمضان آخر، عليه القضاء، والفدية ثانياً.
فن لم يقض، ولم يفد؛ حتى مضى رمضانان، هل تتداخل الفديتان؟ فيه وجهان:
أحدهما: تتداخل؛ كالحدود تتداخل.
والثاني: لا تتداخل؛ لأنه من الحقوق المالية، وزاد بالتأخير عن كل رمضان فدية.
فإن كان قد أفطر متعمداً وقلنا يلزمه الفدية، فلا تدخل فدية الإفطار في فدية التأخير؛ لأن موجبهما مختلف.
وكذلك لو أفطر بالجماع، فكان من أهل الإطعام؛ فأخر القضاء، لا تدخل فدية التأخير في الكفارة؛ كما لو كفر - بالصيام لايدخل القضاء في صوم الكفارة.
ولو جعل فدية التأخير قبل دخول رمضان الثاني؛ ليؤخر القضاء مع الإمكان - هل يجوز؟ فيه وجهان؛ بناء على جواز تعجيل الكفارة في الجنب المحظور.
ومن مات وعليه صوم عن قضاء رمضان، أو عن نذر وكفارة - هل يجوز لوارثه أن يصوم عنه؟ فيه قولان:
قال في القديم: يصوم عنه؛ لما روي عن عائشة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من
مات وعليه صوم صام عنه وليه" وبه قال أحمد وإسحاق ولأنه عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فجاز أن يقضي عنه بعد الموت؛ كالحج.
وقال في الجديد: يطعم عنه؛ لما روي عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً" والصحيح أنه موقوف على ابن عمر؛ وهذا قول مال، وسفيان، وأبي حنيفة.
ولأنه عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة، فلا تدخل بعد الموت؛ كالصلاة.
فإن قلنا: يجوز أن يصوم وليه، لا يجب عليه ذلك، إلا أن يتبرع.
ولو صام عنه أجنبي، فيه وجهان
ولو أمر الولي أجنبياً؛ حتى صام بأجرة أو غيرها، يجوز؛ الحج.
فإن قلنا: يطعم عنه، فإن كان قد أخر القضاء عن رمضان الثاني؛ فمات، لا تدخل فدية التأخير في فدية القضاء؛ حتى لو قام عشرة أيام من رمضان؛ فأخر فمات أول رمضان الثاني - يجب عليه عشرون مدا: عشرة عن أصل الصوم، وعشرة بسبب التأخير.
ولو أخر القضاة؛ حتى بقي من شعبان عشرة أيام؛ فمات - لا يجب عليه إلا فدية أصل الصوم، ولا يجب عليه فدية التأخير؛ لأنه لم يكن مفرطاً بالتأخير إلى هذا الوقت.
ولو مات يوم الخامس والعشرين من شعبان، يجب عليه خمسة عشر مداً عشرة عن أصل الصوم وخمسة عن التأخير؛ لأنه مفرط بتأخير خمسة؛ فنه لو عاش لم يمكنه قبل رمضان إلا قضاء خمسة أيام.
ولو مات وعليه صلاة لاتقضي عنه، ولا تسقط عنه بالفدية، وكذلك الاعتكاف.
وقال أبو حنيفة: يُطعم عنه عن كل صلاة نصف صاع حنطة، أو صاعاً من غيرها.
وحكى البويطي عن الشافعي: من مات وعليه اعتكاف، اعتكف عنه وليه.
وفي رواية: يطعم عنه أولياؤه.
قال الشيخ: لا يبعد تخريج هذا في الصلاة؛ فيطعم عن كل صلاة حداً.
ولو نذر أن يعتكف يوماً صائماً؛ فتعر عليه، فلم يعتكف ومات - فإن قلنا: يجوز إفراد الصوم عن الاعتكاف، فلا يعتكف عنه الولي.
وهل يصوم؟ فعلى قولين.
فإن قلنا: لا يجوز إفراد الصوم، فإن قلنا: لا يصوم عنه الولي، فهاهنا لا يصوم، ويطعم.
وإن قلنا: يصوم عنه الولي، فهاهنا يعتكف عنه الولي صائماً؛ وإن كانت النيابة لا تجزيء في الاعتكاف، فهاهنا تجوز تبعاً للصوم؛ كما لا تجوز النيابة في الصلاة، وتجوز في ركعتي الطواف؛ تبعاً للحج.
ولو شرع في قضاء رمضان، أو فيصوم الكفارة فأفطر بعذر، أو بغير عذر بالجماع أوغيره - لا كفارة، إنما تجب الكفارة بالجماع في أداء رمضان؛ لحرمة الوقت.
ثم ينظر إن كان قد أفطر بغير عذر، فالقضاء عليه مضيق، وإذا أفطر في القضاء يعصي.
وكذلك إذا كانت الكفارة لزمت بسبب غير مباح؛ كالقتل بغير حق، فلا يجوز له الفطر؛ لأن التكفير مضيق عليه.
وإن كان أفطر رمضان بعذر؛ كالمرض والسفر، أو في صوم كفارة - لزمته بسبب لم يكن عاصياً فيه؛ فلا يعصي في القضاء.
والله أعلم.
"فصلٌ: فيمايلزم الصائم من السنن والآداب"
روي عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
السنة للصائم تعجيل الفطر بعد ما تيقن غروب الشمس، ويستجب له أن يتسحر بالليل؛ فيكون أقوى على الصوم.
روي عن أنس؛ أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وزيد بن ثابت تسحرا فلما فرعا من سحورهما، قام نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة قيل لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
ويستحب أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى الماء؛ لما رُوي عن سليمان بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد التمر فليفطر على الماء؛ فإنه طهور".
ويستحب أن يقول عند الفطر ما روي عن معاذ: قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أفطر قال: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" ويجب على الصائم أن يصون جوارحه بصون بصره عن النظر إلى مالا يحل، ولسانه عن الغيبة والمشاتمة.
روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فلي سلله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
وعن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصوم جنة؛ فإذا كان أحدكم صائماً؛ فلا يرفث ولا يجهل؛ فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم".
والسنة أن يكثر الصدقة في شهر رمضان، والجود والسماحة أمر مندوب إليه في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر استحباباً؛ اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليكن في أهل الحاجة من الصائمين والقائمين بعض مؤناتهم؛ ليتفرغوا للعبادة.
روي عن ابن عباس، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان.
وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان؛ فيعرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
باب صيام التطوع، وما يستحب منه، وما نهي عنه
رُوي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إنا خبئنا لك حيساً.
قال: "أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قريبه".
من شرع في صوم تطوع، أو في صلاة تطوع، يستحب له أنيتمه، ولا يخرج منه من غير عذر، فإن خرج جاز، ولا قضاء عليه؛ غير أنه يكره إذا لم يكن له عذر.
وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء؛ سواء خرج بعذر، أو بغير عذر، ويعصي إن خرج بغير عذر.
وقال مالك: إن خرج عن صوم التطوع بغير عذر عليه القضاء.
وبالاتفاق: لو شرع في صلاة ظنها عليه، أو في صوم ظنه عليه؛ فبان أنه لم يكن عليه -جاز له الخروج منه، ولا قضاء عليه.
أما حج التطوع والمظنون إذا شرع فيه، لا يجوز الخروج منه؛ لأن مبناه على اللزوم.
والوصال في الصوم من خصائص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أن يصوم يومين فأكثر، ولا يطعم بالليل شيئاً؛ فمن واصل، عصى الله تعالى.
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إياكم والوصال إياكم والوصال إياكم والوصال" قالوا: فإنك تواصل، يا رسول الله.
قال: "إني لست كهيئتكم إني أبيت فيطعمني ربي ويسقيني" وهذا العصيان لقصده إلى الوصال، وألا فالفطر قد حصل بدخول الليل؛ كالحائض إذا صلت عصت، وإن لم ين لها صلاة؛ فإن طعم بالليل شيئاً وإن قل، خرج عن النهي.
وصوم الدهر مكروه؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنك لتصوم الدهر" قلت: نعم.
قال "إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين وتفهت له النفس لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر له قلت: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "فصم صوم داود؛ كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى".
روي عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة، أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم شهراً كله؟ قالت: ما علمته صام شهراً كله إلا رمضان، ولا أفطر كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله - صلى الله عليه وسلم -.
وروي أن عائشة كانت تصوم الدهر.
فقيل لها: أتصومين الدهر وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيام الدهر؟ قالت: من أفطر يوم النحر والفطر فلم يصم الدهر.
ولو نذر رجل صوم الدهر، يلزم، ويكون يوم العيدين والتشريق مستثنى لا يصومها؛ وكذلك يصوم رمضان عن الفرض، لا عن نذر.
وإن فاته صوم رمضان بعذر، أو بغير عذر، جب قضاؤه، ويكون ذلك مستثنى عن نذر صوم الدهر؛ كأداء رمضان، ولا فدية عليه.
ولو أفطر يوماً من الدهر لا يمكنه القضاء؛ لأن جميع الأيام مستحق للصوم.
وهل عليه الفدية لما أفطر؟ نظر: إن أفطر بعذر، لا فدية عليه، وإن أفطر بغير عذر، يجب عليه الفدية.
ولو نذر صوم الدهر، ثم نذر صوماً آخر، لا ينعقد الثاني؛ لأن جميع أيامه مستحقة لنذر صوم الدهر.
وإن لزمه صوم عن كفارة، يصوم عن الكفارة، ويفدي عن النذر.
ولو نذرت المرأة صوم الدهر، للزوج منعها، ولا قضاء، ولا فدية عليها.
فإن أذن لها الزوج، فمل تصم، أو بعد موت الزوج، لا يمكن القضاء، ويجب الفدية.
وصوم يوم "عرفة" مستحب لغير الحاج؛ وهو أفضل أيام السنة.
روي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "صيام يوم عرفة كفارة سنتين: السنة التي قبلها، والسنة التي بعدها.
وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة".
أما الحاج فيستحب له ألا يصوم يوم "عرفة"؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصمه؛ وأن الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه والصوم يضعفه عن الدعاء.
وصوم عاشوراء كفارة سنة.
روي عن ابن عباس قال: ما علمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صام يوماً يتحرى صيامه على الأيام إلا هذا اليوم يعني: يوم عاشوراء.
واختلف العلماء في يوم عاشوراء: قال بعضهم: هو اليوم العاشر من المحرم.
وقال بعضهم: هو اليوم التاسع.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود" وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق.
ويستحب صوم الإثنين والخميس؛ لما روي عن عائشة قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرى صوم الإثنين والخميس.
وعن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس
وأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم".
ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده".
وإفراد يوم السبت بالصوم مكروه؛ لأنه يوم اليهود.
روي عن عبد الله بن بسر عن أخته (الصماء) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا
تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه".
ويستحب صيام أيام البيض؛ وهي اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من الشهر.
روي عن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام،
فضُم ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر".
ويستحب أن يصوم ستة أيام من شوال؛ لما روي عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صام من رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، ان كصيام الدهر".
والأفضل أن يصوم الست متتابعاً من أول شوال بعد يوم العيد؛ لأن تعجيل العبادة أفضل.
وعند أبي حنيفة: يفرقها في الشهر.
ولا يجوز صوم يومي العيد، وأيام التشريق؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى ن صوم يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر.
وعن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "أيام التشريق أيام أكل وشرب.
ولو صام يوم العيد لا يصح، ولو نذر صومه لا ينعقد.
وقال أبو حنيفة: ينعقد نذره، ويصوم يوماً آخر، وكذلك أيام التشريق، ولو صام فيها لا يصح.
وقال في القديم: يجوز للمتمتع إذا لم يجد الهدي، ولم يصم ثلاثة أيام في الحج - أن يصوم أيام التشريق؛ وهو قول ابن عمر، وعائشة.
ثم رجع عنه الشافعي في الجديد.
أما صوم آخر، لا يجوز فيها بالاتفاق.
وإذا انتصف شعبان، يكره الصوم استقبالاً للشهر، إلا أن يوافق صوماً كان يصومه من قبل.
رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا".
ولا يجوز للمرأة أن تصوم التطوع وزوجها حاضر، إلا بإذنه.
روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير رمضان إلا بإذنه".
"باب الاعتكاف"
قال الله تعالى لإبراهيم: ﴿طَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26].
روي عن عائشة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده.
الاعتكاف سُنة مستحبة، وهو من الشرائع القديمة، ويجوز في جميع الأزمنة؛ ليلاً ونهاراً؛ غير أن في شهر رمضان في العشر الأواخر أفضل؛ اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطلباً لليلة القدر.
وليلة القدر أفضل ليالي السنة، خص الله بها هذه الأمة.
قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] وهي باقية في الأمة إلى يوم القيامة، وعامة العلماء على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر.
روي عن عبد الله بن مسعود؛ أنه قال: من يقم الحول يصب ليلة القدر.
قال زر بن حبيش: سألت أبي بن كعب؛ فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول من يقم الحول يصب ليلة القدر.
فقال- رحمه الله -: أراد لا ينكل الناس، أما أنه علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة تسع وعشرين.
فقلت: بأي شيء يقول ذلك، يا أبا المنذر؟ قال: قال بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطلع الشمس يومئذ لا شعاع لها.
ومال الشافعي إلى أنها ليلة إحدى وعشرين؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، واعتكف عاماً؛ حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين؛ وهي التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها؛ فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر" فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش؛ فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.
وقد مال أيضاً إلى ثالثة وعشرين؛ لما روي أيضاً عن عبد الله بن أنيس؛ أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني أكون بباديتي، وني أصلي لهم فمر بي ثلاثة من هذا الشهر أنزلها إلى المسجد فأصلي فيه.
فقال: انزل ليلة ثلاث وعشرين.
ويستحب أن يطلبها في العشر في لوتر منها؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تحزروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" وإنما أخفى الله - عز وجل - هذه الليلة؛ حتى لا يتكل الناس عليها؛ فيدعوا إحياء سائر الليالي، بل يحبوا جميع ليالي العشر؛ فيكثر ثوابهم؛ كما أخفي ساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة؛ فيشغل الإنسان أكثر ساعاته بالدعاء؛ فيكثر ثوابه.
والاعتكاف يختص بالمسجد، ويجوز في جميع المساجد، والمسجد الجامع أفضل؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة؛ أما العبد والمسافر والمرأة، فلهم أن يعتكفوا في أي مسجد شاءوا لأنه لا جمعة عليهم.
ولو اعتكفت المرأة في مسجد بيتها، ففيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد -: لا يصح؛ لأن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكفن في المسجد ولأن مكان صلاتها في البيت ليس له حكم المسجد، بدليل أنه يجوز تغيره، ويجوز للجنب الجلوس فيه.
وقال في القديم: يجوز؛ لأن مكان صلاتها؛ كالمسجد في حق الرجل.
ولو نذر أن يعتكف في مسجد عينه؛ نظر: إن عين مسجداً غير المساجد الثلاثة؛ وهي المسجد الحرام، ومسجد المدينة والأقصى - فلا يتعين، وله أن يعتكف في أي مسد شاء؛ لأنه لا مزية لبعضها على بعض في الحرمة والفضيلة.
وكذلك لو نذر أن يصلي في مسجد عينه غير هذه الثلاث، جاز له أن يصلي في أي مسجد شاء.
ومن أصحابنا من قال: إن عين مسجداً.
للاعتكاف، تعين؛ بخلاف الصلاة؛ لأن الاعتكاف اختصاص بالمسجد؛ حتى لا يجوز في غيره، والصلاة يجوز أداؤها في غير المسجد.
فإذا عين لها مسجداً لا يتعين، أما إذا عين للاعتكاف والصلاة مسجداً من المساجد الثلاثة؛ نظر: إن عين المسجد الحرام يتعين، ولا يخرج عنه للاعتكاف، والصلاة إلى غيره؛ لما روي أن عمر قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد
الحرام".
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "أوف بنذرك".
ولو عين مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو المسجد الأقصى - هل يتعين، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: يتعين؛ كما لو نظر أن يصلي، أو يعتكف في المسجد الحرام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خص هذه المساجد بشد الرحال إليها.
ورُوي عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
والثاني: لا يتعين؛ لأنه لا يجب قصدهما بالنسك، وله أن يصلي ويعتكف في أي مسجد شاء؛ كما لو عين مسجداً آخر.
فإن قلنا: يتعين، ويلزم: فإن عين المسجد الحرام، فلا يخرج عن نذره بالاعتكاف والصلاة في غيره؛ لأنه أفضل المساجد.
روي عن عبد الله بن الزبير؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي".
وإن عين مسجد المدينة، يخرج إذا أتى به فيه، أو في المسجد الحرام، ولا يخرج إذا أتى به في مسجد آخر.
روي عن جابر؛ أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك "مكة" أن أصلي في بيت المقدس ركعتين.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صل هاهنا" ثم أعاد عليه.
فقال "صل هاهنا" فأعاد عليه فقال: "فشأنك إذاً".
وإن عين المسجد الأقصى، فيخرج عن نذره إذا أتى به فيه، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد الرسول- صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أفضل، ولا يخرج به إذا أتى في مسجد آخر.
"فصلٌ: فيمن يصح منه الاعتكاف"
ولا يصح الاعتكاف إلا من مسلم عاقل؛ فلو اعتكف كافر أو مجنون، لا يصح؛ كما لا يصح صلاته وصومه.
ولا يجوز للمرأة أن تعتكف بغير إذن زوجها؛ لأن الزوج يستحق الاستمتاع بها، ولا للعبد أن يعتكف بغير إذن سيده؛ لأن منفعته مستحقة للسيد، فإن اعتكفت المرأة بإذن الزوج، أو العبد بإذن السيد - يجوز له أن يخرجه؛ لأنه تطوع لا يلزم بالدخول فيه.
ولو نذر أحدهما اعتكافاً ينعقد، ويعتكف العبد بعد العتق، والمرأة بعد الفراق، فإن أذن لهما الزوج والسيد؛ فدخلا وإن كانا عيناً زماناً للنذر لم يجز لهما إخراجهما؛ لأن الخروج منه لا يجوز؛ فلا يجوز لهما الإخراج؛ كما لو كان الزمان متعيناً.
وإن لم يكن متتابعاً، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز إخراجهما؛ لوجود الإذن منهما.
والثاني: يجوز؛ لأن الإذن غير متعين له.
وإن نذرت المرأة بإذن الزوج، أو العبد بإذن السيد، فإن لم يكن متعلقاً بزمان، لم يجز له أن يدخل بغير إذن الزوج، أو المولى؛ لأنه ليس على الفور.
وإن كان متعلقاً بزمان بعينه، جاز لهما أن يدخلا بغير الإذن.
ولو اعتكف المكاتب بغير إذن المولى، هل له إخراجه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه لا حق له في منفعته.
والثاني: له ذلك؛ لأنه يتضرر بقعوده عن تحصيل المال.
أما من نصفه حر ونصفه رقيق، فإن لم يكن بينه وبين المال مهايأة فهو كالعبد، وإن كنا بينهما مهايأة ففي اليوم الذي هو للمولى؛ كالعبد في يوم نفسه كالحر.
"فصل: في الاعتكاف بصوم وبغير صوم"
والأفضل أن يعتكف صائماً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف في رمضان، فإن اعتكف بغير صوم جاز؛ حتى لو اعتكف بالليل، أو في يوم العيد وأيام التشريق، يجوز؛ لما
روي عن ابن عمر أن عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال "أوف بنذرك".
ولو كان الصوم شرطاً في الاعتكاف، لم يجز بالليل وحده.
وعند أبي حنيفة: الصوم شرط لصحة الاعتكاف؛ حتى لا يصح الاعتكاف في يوم العيد، وأيام التشريق.
وبالاتفاق: لو اعتكف أياماً يكون بالليالي معتكفاً، وإن لم يكن صائماً، ولو كان الصوم شرطاً لخرج عنه باللي؛ كما يخرج عن الصوم.
ولو نذر أن يعتكف يوماً صائماً، يجب أن يعتكف صائماً؛ حتى لو أفطر يلزمه أن يستأنف اعتكاف يوم صائماً، ولا يجوز إفراد الصوم عن الاعتكاف.
وكذلك إذا قال: أعتكف يوماً بصوم أو قال: أصوم معتكفاً، لا يجوز إفراد أحدهما عن الآخر.
هذا هو المذهب.
ولو اعتكف عن نذره في رمضان، لا يخرج عن نذره.
وفيه وجه: أنه يجوز إفراد أحدهما عن الآخر فإن اعتكف صائماً فأفطر، يتم الاعتكاف، ويستأنف صوم يوم بلا اعتكاف.
ولو صام يوماً عن النذر، ثم اعتكف يوماً آخر يجوز.
ولو اعتكف رمضان خرج عن نذر الاعتكاف، وعليه صوم يوم؛ لأنهما عبادتان مختلفتان؛ فلا يلزم الجمع بينهما بالنذر، كما لو نذر أن يصلي ويصوم، ولا يلزم الجمع بينهما بالنذر.
والمذهب الأول؛ لأن الصوم صفة مقصودة في الاعتكاف؛ فيلزمه بالنذر؛ كالتتابع.
ولو قال: لله علي أن أعتكف يوماً، وأنا فيه صائم؛ لا يجوز الإفراد وجهاً واحداً.
ولو اعتكف في رمضان يجوز؛ لأنه لم يلتزم الصوم بالنذر، إنما وصف نفسه في الاعتكاف بصفة، وقد وجد؛ كما لو قال: أعتكف في رمضان.
ولو نذر أن يصلي معتكفاً، يلزمه الاعتكاف والصلاة [و] هل يجوز إفراد أحدهما عن الآخر؟ ترتب على الصوم: إن جوزنا هناك، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أن بين الاعتكاف والصوم مجانسة من حيث إن كل واحد كف وإمساك، والصلاة أفعال تباشر، ولذلك جعل بعض العلماء الصوم شرطاً في الاعتكاف.
ولاخلاف أنه لا يلزمه الصلاة إلا ركعتين، وإن كان نذر اعتكاف أيام مُصلياً، لا يلزمه كل يوم إلا ركعتان.
"فصلٌ: في النية في الاعتكاف"
النية شرط في الاعتكاف؛ حتى لو مكث أياماً في المسجد بلا نية، فلا يكون معتكفاً.
فإن دخل ونوى، كان معتكفاً؛ وإن لم يمكث إلا ساعة.
وإن كان الاعتكاف فرضاً، يجب أن ينوي فرض الاعتكاف؛ ليتميز عن التطوع.
فلو دخل في الاعتكاف، ثم نوى الخروج، هل يخرج؟ فيه وجهان؛ كالصوم.
ولا تقدير لزمان الاعتكاف؛ فلو نذر اعتكاف ساعة تنعقد، ولو نذر أن يعتكف مطلقاً، يخرج عن نذره باعتكاف ساعة؛ كما لو نذر أن يتصدق؛ فتصدق بما شاء من قليل وكثير.
وقد قال الشافعي: يجب أن يعتكف يوماً.
وإنما قال ذلك؛ للخروج فإن أبا حنيفة لا يجوز اعتكاف أقل من يوم.
وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان، يستحب أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس من بعد العشرين؛ حتى لا يفوت شيء من ليلة الحادي والعشرين؛ لاحتمال أن تكون ليلة القدر، ويخرج بعد غروب الشمس من ليلة العيد، والمستحب أن يمكث فيه ليلة العيد، ويخرج منه إلى المُصلى [و] يرجع من المصلى إلى بيته.
ولو نذر اعتكاف العشر الأواخر، يدخل قبل غروب الشمس من يوم العشرين، ليستوفي العشر، ويخرج إذا دخل ليلة العيد؛ سواء خرج الشهر ناقصاً أو كاملاً؛ لأن العشر عبارة عن ما بعد العشرين إلى آخر الشهر.
وكذلك لو قال: هذه العشر.
فإن قال: عشرة أيام من أخر شهر رمضان، فخرج الشهر ناقصاً، عليه أن يضم غليها يوماً بليلته، فإن دخل المعتكف يوم التاسع عشر، خرج بانقضاء الشهر، فإذا دخل المسجد بنية الاعتكاف؛ فلم ينو مدة، فإذا خرج لقضاء حاجة، أو أكل، أو لأداء شغل كان خرج من الاعتكاف.
فإذا عاد يحتاج إلى تجديد النية، وإذا دخل بنية أن يعتكف عشرة أيام، وكان نذر اعتكاف عشرة أيام مطلقاً؛ فدخل المعتكف بنية العشرة - له الخروج لقضاء حاجة، والعبادة، وأداء الشهادة، ولما شاء؛ لأن التتابع لا يلزمه؛ فإذا خرج وعاد، هل يحتاج على تجديد النية نظر: إن خرج لأمر لا يقطع التتابع نظر: إن كان أمراً لابد له منه؛ كالبول والغائط ولاغتسال والآذان - فلا يحتاج على تجديد، وإن كان لأمر له منه بُد، وطال الزمان، ففيه وجهان.
ويمكن بناء الوجهين على الوجهين في أنه إذا فرق الوضوء، وطال الفصل فبعد النية هل يحتاج إلى تجديد النية؟ فيه وجهان.
"فصل: في تتابع الاعتكاف وتفريقه"
إذا نذر اعتكاف عشرة أيام مطلقاً، يستحب أن يعتكف متتابعاً، ولو فرق يجوز.
ولو نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعاً، يلزمه التتابع.
ولو نوى بقلبه التتابع، هل يلزمه التتابع؟ فيه وجهان:
الأصح: أنه لا يلزم؛ كما لو نذر الاعتكاف بقلبه لا يلزم.
ولو نذر أن يعتكف عشرة متفرقة، يجوز متفرقاً ومتتابعاً، لأن التتابع أفضل؛ فجاز أن يسقط الأدنى بالأفضل؛ كما لو نذر أن يعتكف في غير المسجد الحرام، كان له أن يعتكف في المسجد الحرام.
كان له أن يعتكف في المسجد الحرام.
وإذا نذر عشرة أيام متتابعاً، أو شهراً بعينه متتابعاً؛ فخرج بغير عذر - يلزمه استئناف العشر، أو الشهر متتابعاً.
ولو نذر أن يعتكف من هذه العشرة، أو عشرة من الآن، أو قال شهراً عينه؛ مثل: أن كان شهر رجب، أو عشرة أيام من أول رجب - يلزمه أن يعتكف متتابعاً؛ لأن الوقت متعين فإن خرج بغير عذر، لا يلزمه الاستئناف وإن فاته ولم يعتكف تلك العشر، أو ذلك الشهر، يجب عليه قضاؤه، ولا يلزمه التتابع في القضاء؛ لأن التتابع في أدائه كان لحق الوقت، فذا فات سقط التتابع؛ كالتتابع في صوم رمضان لازم، فإذا صار قضاء لا يلزمه فيه التتابع.
ولو نذر اعتكاف عشرة أيام بعينها متتابعاً، أو قال: اعتكف شهر رجب متتابعاً، فإذا خرج بال عذر هل يلزمه الاستئناف؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الأصح عندي -: يجب؛ ما لو نذر أياماً بعينها متتابعة.
والثاني: لا يجب؛ لأن التعيين يغني عن التقييد بالتتابع في وجوب التتابع فيلغو ذكر التتابع.
قال الشيخ: وكذلك إذا صار قضاء، هل يلزمه التتابع في القضاء؟ فعلى هذين الوجهين.
ولو نذر اعتكاف يوم، يلزمه أن يدخل المعتكف قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد غروب الشمس، ولا يلزمه الليل.
وإن دخل نصف النهار، ومكث إلى ذلك الوقت من اليوم الثاني- جاز، ولو خرج بالليل، أو فرق اعتكاف يوم على ساعات الأيام - هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما لو نذر أن يعتكف شهراً يجوز تفريق الشهر على أيام الشهر.
والثاني: لا يجوز؛ لأن اليوم يعرف منه اليوم المتصل دون الساعات.
ولو نذر اعتكاف يوم من الآن، يلزمه دخول المعتكف في الوقت إلى ذلك الوقت من اليوم الثاني، ولا يجوز أن يخرج بالليل؛ لأنه يقتضي يوماً متتابعاً.
ولو نذر اعتكاف يومين، هل يلزمه اعتكاف الليلة المتخللة بينهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزم، إلا أن يريد بياض النهار؛ كما لو نذر اعتكاف عشرة أيام، يلزمه مع الليالي، إلا أن يريد الأيام دون الليالي؛ فلا يلزمه الليالي.
والثاني: لا يلزمه، إلا أن ينوي، أو يقيد بالتتابع.
وقيل: له إذا نذر اعتكاف عشرة أيام، هل تلزمه الليالي؟ فيه وجهان:
وإن نذر اعتكاف ليلتين، هل يلزمه النهار المتخلل بينهما فعلى هذين الوجهين.
أما إذا نذر اعتكاف شهر، تلزمه الليالي والأيام؛ لأن الشهر اسم يتناول الكل ولو نذر اعتكاف شهر، ونوى الأيام، فيه وجهان:
قال الشيخ القفال: لا تلزمه الليالي؛ كما لو نذر عشرة أيام، أو ثلاثين يوماً، وأراد الأيام.
والثاني- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة-: تلزمه الليالي؛ لأن اسم الشهر يتناول الكل.
ولو استثنى بقلبه الليالي يصح الاستثناء بالقلب
ولو نذر اعتكاف شهر غير متعين، فدخل المعتكف، فالشهر يكون بالهلال، وإن خرج ناقصاً، وإن دخل في خلال الشهر، فيعتكف ثلاثين يوماً.
ولو نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم ليلاً، لا يلزمه شيء، وإن قدم
نهاراً يلزمه أن يعتكف بقية النهار.
وهل يلزمه أن يقضي من يوم آخر بقدر ما مضى من النهار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا، لأن وقت الوجوب من حين قدم فلان.
والثاني: يجب؛ كأنه قال: لله علي أن أعتكف اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان، فإذا قدم تبينا أن الاعتكاف لزمه من أول النهار، ولا يلزمه الليلة المتخللة؛ وهذا بناء على ما لو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم نهاراً - هل يلزمه شيء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزم، لأن صوم بعض النهار لا يتصور؛ فعلى هذا: هاهنا لا يلزمه الاعتكاف بقية النهار.
والثاني: يلزمه صوم يوم كامل، وكأنه نذر أنيصوم اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان؛ فعلى هذا: يجب أن يتم الاعتكاف يوم.
اختار المزني: أنه يستأنف اعتكاف يوم؛ حتى يون اعتكافه موصولاً، ونحن نقول: الأولى أن يعتكف بقية النهار، ومن الغد بقدر ما مضى؛ لأن الإتيان بالعبادة في وقتها أولى؛ فإن قدم فلان، وهو مريض أو محبوس؛ فإذا زال العذر، يقضي يوماً كاملاً على أحد القولين.
وعلى القول الثاني: يقدر ما كان باقياً من النهار حالة قدوم فلان؛ لأنه فرض وُجد شرطه في المرض؛ فثبت في الذمة؛ كصوم رمضان.
وقال القاضي أبو حامد: لايلزمه؛ لأن ما لا يقدر عليه لا يدخل في النذر؛ كما لو نذرت المرأة صوم يوم بعينه؛ فحاضت فيه.
فصلٌ: فيما يقطع التتابع ويبطل الاعتكاف
رُوي عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف أدنى إلى رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.
إذا نذر اعتكافه متتابعاً؛ فخرج من المسجد بغير عذر، أو انتقل إلى مسجد آخر بغير عذر - بطل اعتكافه، وانقطع التتابع؛ فعليه الاستئناف، وإذا أخرج رأسه بغير عذر من المسجد، لا يبطل اعتكافه.
ون أخرج رجليه معتمداً عليهما، كان خارجاً.
فإن مد رجليه قاعداً؛ فأخرجهما، لم يكن خارجاً.
وكذلك لو حلف ألا يدخل دار فلان، فأدخل فيها رأسه أو رجليه غير مُعتمد عليهما - لم يحنث.
وإذا خرج لقضاء الحاجة من البول أو الغائط؛ سواء كانت داره قريبة أو بعيدة، إذا لم يكن متفاحشاً لا يبطل اعتكافه، فإن كان بعيداً متفاحشاً؛ بحيث تذهب أكثر أوقاته في التردد - نر: إن لم يجد في الطريق موضعاً يقضي فيه حاجته، أو كان دخول دار صديق له لا يبطل اعتكافه، وإن وجد ولم يكن تمنعه المروءة ففيه وجهان.
وإن كانت له داران: أحدهما أقرب؛ فذهب إلى الأبعد، بطل اعتكافه؛ لأنه لا حاجة إليه.
وقال ابن أبي هريرة: لا يبطل اعتكافه، ولا يجوز أن يخرج لتجديد الوضوء، ولا للوضوء عن النوم مع إمكان أن يتوضأ في المسجد في طست أو إناء.
ولو احتلم؛ فخرج للاغتسال، لا يبطل اعتكافه.
ولا يجوز أن يخرج من المسجد للأكل؛ فإن خرج بطل اعتكافه؛ لأنه يمكنه الأكل في المسجد.
وقال أبو إسحاق: يجوز، ولا يبطل اعتكافه؛ لأنه يستحي من ذلك.
ولا يجوز أن يخرج لعيادة مريض، ولا لصلاة جنازة، فإن فعل بطل اعتكافه.
ولو خرج لقضاء الحاجة؛ فعاد في الدار، أو في الطريق مريضاً ماراً، أو قعد قعدة خفيفة- لم يبطل اعتكافه.
وإن مكث عنده ساعة، أو احتاج إلى العدول عن الطريق، أو الوقوف للاستئذان - بطل اعتكافه وكذل إذا خرج لقضاء الحاجة؛ فأكل شيئاً في الطريق ماراً، أو جلس فحسا حسوة أو حسوتين، أو أكل لقمة أو لقمتين.
ولو صلى في الطريق على جنازة، بطل اعتكافه عن لم تتعين، وإن تعين فوجهان.
وإن حاد عن الطريق لأجله بطل، وإن دُعي لأداء شهادة إن تعين عليه يجب الإجابة، وألا فعلى وجهين:
فإن قلنا: لا يجب الإجابة، فإذا أجاب وخرج، بطل اعتكافه، وانقطع التتابع.
وإن قلنا: يجب الإجابة، هل يبطل اعتكافه؟ وفيه وجهان:
الأصح: يبطل؛ وهو المنصوص.
وإن خرج للأذان والمنارة في رحبة المسجد لا يبطل اعتكافه.
وإن كانت خارجة عن رحبة المسجد، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يجوز، ولا يبطل اعتكافه؛ لأنها بنيت للمسجد؛ كما لو كانت في رحبة المسجد.
والثاني: لا يجوز، ويبطل اعتكافه؛ لأن الأذان في المسجد جائز.
والثالث - وهو الأصح -: يجوز للمؤذن الراتب، ووقع زمان الأذان مستثنى، ولا يجوز لغيره، ويبطل اعتكافه.
ولو خرج إلى والٍ أو غيره ليعلمه الصلاة، بطل اعتكافه.
ويُكره الأذان للولاة، ويجب الخروج لصلاة الجمعة، ولا يجوز تركها للاعتكاف.
وإذا خرج لهان هل يبطل اعتكافه فيه قولان:
أحدهما: لا يبطل اعتكافه، لأنه خرج لما لابد منه؛ كما خرج لقضاء حاجة.
والثاني -وهو الأصح-:يبطل؛ لأنه يمكنه الاحتراز عنه؛ بأن يعتكف في الجامع؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج؛ كما لو شرع في صوم الشهرين المتتابعين في شعبان لا يكون محسوباً؛ لأنه يخرج منه بصوم رمضان.
فإن قلنا: يبطل اعتكافه؛ فإن كان اعتكافه أقل من أسبوع، ابتدأ حيث شاء من أول الأسبوع؛ وإن كان أكثر من الأسبوع، يجب أن يبتدئه في الجامع؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج للجمعة، وإن كان قد عين مسجداً للاعتكاف سوى الجامع، وقلنا: يتعين؛ يجب الخروج للجمعة، ويعصي لو تركها، ثم هل يبطل تتابعه؟ فيه وجهان.
وإن قلنا: يبطل، فلا يخرج عن نذره، إلا أن يمرض؛ فتسقط عنه الجمعة، أو يتركها عاصياً، ويمضي في اعتكافه.
ولو حاضت المرأة المعتكفة، يجب عليها الخروج، ثم إن كانت مدة نرها لا تخلو عن الحيض غالباً؛ بأن نذرت أكثر من خمسة عشر - لا يبطل السابع؛ لأن طهرها قد لا يزيد على خمسة عشر، فإذا طهرت بنت على اعتكافها.
وإن كان خمسة عشر، أو أقل، فعلى جوابين؛ بناء على أنه هل يقطع تتابع صوم اليمين؟ فيه قولان.
وكذلك لو نفست؛ فإن لزمتها عدة طلاق أو وفاة، عليها أن تخرج للاعتداد، فلو مكثت عصت، ولكن تخرج عن نذر الاعتكاف.
وإن خرجت فهل تبنى بعد انقضاء العدة، أم تستأنف؟ فيه قولان:
الأصح: تبني؛ بخلاف ما لو خرج لأداء الشهادة الواجبة عليه، قلنا: يستأنف؛ على الأصح؛ لأن الشهادة تتحمل للأداء، وإذا اختار التحمل فقد جلب إلى نفسه الأذى، والنكاح لا ينعقد للفراق، والعدة لزمتها بلا اختيار منها.
وإن كان اعتكافها بإذن الزوج، وأذن الزوج في الاعتكاف لها عشرة أيام - هل لها إكمال تلك العشرة بعد طلاق الزوج، أو وفاته؟ فيه قولان:
فإن جوزنا إكمالها؛ فخرجت، بطل اعتكافها، وإذا خرجت من العدة استأنفت.
فإن أحرم المعتكف، فإن أمكنه أن يتم الاعتكاف، ثم يخرج فيحج لا يجوز أن يخرج؛ لأنه غير محتاج إليه.
فإن خاف فوت الحج، خرج للحج، وبطل اعتكافه؛ فإذا فرغ استأنف.
ولو مرض مرضاً لا يؤمن معه تلويث المسجد؛ كانطلاق البطن، وسلس البول، والجُرح السائل؛ فخرج - لا يبطل اعتكافه؛ كما لو خرج لقضاء الحاجة.
وإن كان مرضاً يسيراً يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة؛ فخرج - بطل اعتكافه؛ وإن كان مرضاً يحتاج فيه إلى الفراش، ويشق معه المقام في المسجد - فله الخروج.
وهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان: