التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 300-348

باب حد الزنا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 32].

الزنا حرامٌ، وهو من الكبائر.

رُوي عن عبد الله، قال: "قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً، وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك؛ خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلةِ جارك" فأنزل الله تصديقها: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2].
وكان في صدر الإسلام: عقوبة الزاني - الحبس إلى الممات في حق الثيب، والأذى بالكلام في حق البكر؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: 15، 16]. ثم نسخ ذلك، فجعل حد الثيب على الزنا الرجم، وحد البكر الجلد، والتغريب، رُوي عن عبادة بن الصامت؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خذوا عني خذوا عنين قد عل الله لهن سبيلاً؛ البكر بالبكر جلدُ مائةٍ وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".

ثم الجلد صار منسوخاً في حق الثيب؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزاً والغامدية

واليهوديين اللذين زنيا، ولم يجلدهم.

وليس المراد من البكر في الحديث: التي لم تذهب عذرتها، ولا من الثيب: التي زالت عذرتها، بل المراد من الثيب: المحصن، ومن البكر: غير المحصن.
إذا ثبت وجوب الحد على الزاني، فإن كان الزاني محصناً-: فحده الرجم، رجلاً كان أو امرأة.
وشرائط الإحصان أربعة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإصابة بنكاح صحيح.
ولو زنى ذمي اجتمع فيه هذه الشرائط-: يرجم؛ لما رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا، وكان قد أحصنا.
وعند أبي حنيفة: لا يرجم الذمي.

ولا يحصل الإحصان بالإصابة.
بملك اليمين، ولو بوطء الشبهة، ولا بالنكاح الفاسد، وهل يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية والعقل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يشترط، حتى لو أصاب عبدٌ أمةً بنكاح صحي، أو في حال الجنون والصغر، ثم كمل حاله، فزنى يجبُ عليه الرجم؛ لأنه وطء يحصل به التحليل للزوج الأول؛ فيحصل به الإحصان؛ كالوطء في حال كمال الحال؛ ولأن عقد النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال، فكذلك الوطء.
والثاني - وهو الأصح، وهو ظاهر النص: يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ، والحرية، والعقل، حتى أن الصبي، أو المجنون، أو العبد إذا أصاب بنكاح صحيح، ثم بلغ أو أفاق أو عتق، فزنى-: لا يجب عليه الرجم؛ لأنه لما شرط أكمل الإصابات، وهو أن يكون نكاح صحيح-: شرط أن تكون تلك الإصابة في حال الكمال.
فعلى هذا: لو كان أحد الزوجين حُراً عاقلاً بالغاًن والآخر عبداً، أو مجنوناً، أو صغيراً، فوجدت الإصابة-: هل يصير الكامل محصناً بهذه الإصابة؟ فيه قولان: أصحهما: يصير محصناً، وإن لم يحصل الإحصان من حق الآخر؛ كما يجوز أن يجب الرجم على احد الواطئين دون الآخر.
والثاني: لا يصير محصناً؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه وطء لا يصير أحدهما محصناً؛ فلا يصير الآخر محصناً، كوطء الشبهة.
أما غير المحصن إذا زنى نُظر: إن كان صبياً أو مجنوناً-: لا حد عليه، وإن كان عاقلاً بالغاً حراً-: يجب عليه جلد مائة وتغريب عام، رجلاً كان أو امرأة.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: لا يغرب.
وعند مالك - رحمه الله- يغرب الرجل دون المرأة.

دليلنا: خبر عبادة بن الصامت؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "البكر بالبكر جلد مائةٍ وتغريب عام".
وإن كان الزاني عبداً أو أمة-: فعليه جلد خمسين؛ لقول الله تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ

بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، ولا فرق في الرقيق بين من تزوج ومن لم يتزوج، ومن بعضه رقيق وبعضه حر؛ فحده حد العبيد؛ وكذلك: المدبر والمكاتب وأم الولد، وهل يغرب العبد أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يغرب؛ قال: "إذا زنت امة أحدكم فليجلدها الحد" ولم يأمر بالتغريب؛ ولأن التغريب للمعرة، ولا معرة على العبد فيه؛ لأنه ينقل من يدٍ إلى يدٍ، ومن بلدٍ على بلدٍ؛ ولأن منافعه للسيد؛ ففي نفيه إضرارٌ بالسيد.

والثاني: وهو الأصح-: أنه يغرب؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25].
ثم الحُرُّ يعذب بالتغريب، كذلك العبد، ولا ينظر إلى ضرر المولى؛ كما يقتل العبدُ بسبب الردة، ويجلد في الزنى والقذف، وإن تضرر به المولى؛ فعلى هذا: كم يغرب؟ فيه قولان:

أصحهما: يغرب نصف سنةٍ؛ لأن التغريب يقبلُ التصنيف، كما يجلد نصف حد الأحرار.
والثاني: يغرب سنةً؛ لأن التغريب للإيحاش؛ وذلك معنى يرجع إلى الطبع، ويستوي فيه الحر والعبد، كمدة العنة والإيلاء.
وإذا زنى رجل بامرأة، وأحدهما محصن والآخر غير محصن: يرجم المحصن، ويجلد الآخر ويغرب، إن كان عاقلاً بالغاً؛ والدليل عليه: ما رُوي عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني؛ أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر - وكان أفقههما -: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي في أن أتكلم، فقال: تكلم، فقال: عن ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاةٍ وبجارية لي، ثم سألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائةٍ وتغريب سنةٍ، وأنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله: أما والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله؛ أما غنمُك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة وغربة عاماً، وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها".

وإن كان أحدهما ممن لا يجب عليه الحد-: يحد الآخر؛ مثل: إن زنى عاقلٌ بمجنونة، أو بالغ بصبية، أو زنى رجل بامرأة نائمة، أو أكرهها فزنى بها -: يجبُ الحد على الرجل، ولا يجب على المرأة، وكذلك: لو مكنت عاقلة بالغة من مجنون أو مراهق، أو استدخلت ذكر نائم-: يجب الحد على المرأة، ولا يجب على الرجل.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الحد على المرأة- أيضاً.
فنقول: سقوط الحد عن أحد الواطئين؛ بمعنى فيه-: لا يوجب سقوطه عن الآخر؛ كما لو كان الرجل عاقلاً بالغاً، والمرأة مجنونة أو مراهقة يجب عليه الحد، وإن لم يجب عليها.
ولو أكره رجل حتى زنى بامرأةٍ، هل يجب عليه الحد؟ فيه وجهان: أصحهما- وهو المذهب-: لا يجب كالمرأة إذا أكرهت على الزنا -: لا يجب عليها الحد.
والثاني: يجب؛ لأن فعل الرجل لا يكون إلا بانتشار يحدث عن الشهوة، وذلك يكون بالاختيار، ولا يدخل تحت الإكراه.
من لم يعلم تحريم الزنا: إن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين-: لا يجب عليه حد الزنا، وإن كان أحدهما بهذه الصفة، والآخر عالم-: يجب الحد على العالم منهما.
ولو نكح رجلٌ أمةً، أو امرأة من محارمه برضاع، أو نسب، أو صهرية، فوطئها-: يجب عليها حد الزنا.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الحد، وصورة العقد: تصير شبهة في سقوط الحد.
فنقول: لا يجوز أن تجعل الصورة شبهة؛ كما لو أن الوطء الحرام في صورة الوطء الحلال، والقتل الحرام في صورة القتل المباح-: لا يصير شبهة في سقوط الحد، والقصاص.
وكذلك: لو نكح المطلقة ثلاثاً أو الملاعنة، أو نكح أختاً على أختٍ، أو نكح خامسةً، وتحته أربع، أو نكح كافر مسلمة، أو نكح امرأة معتدة، أو ذات زوج، أو مرتدة، أو وثنية، أو مجوسية، فوطئها عالماً بالحال-: يجب الحد، ولو استأجر امراة للزنا، فوطئها-: يجب عليها الحد.
وعند أبي حنيفة: لا يجب.

فيقول: عقدٌ باطلٌ، ظاهراً وباطناً؛ فلا ينتصب شبهة في سقوط الحد؛ كما لو اشترى حرة فوطئها عالماً، أو اشترى خمراً، فشربها-: يجب عليه الحد.
وأيضاً: أجمعنا على أنه لو استأجر امرأة لعمل من طبخ أو غسلٍ، فوطئها-: يجب عليه الحد، مع أن العقد صحيحٌ، فههنا: مع ساد العقد أولى أن يجب؛ يؤيده: أنه لو صار شبهة لثبت النسب، وبالاتفاق: لا يثبت [النسب] ولو أباح رجلٌ جاريته لغيره، فوطئها-: يجب الحد؛ كالمرأة إذا أباحت بضعها لرجلٍ، حتى وطئها-: يجب عليهما الحد.
ولو ملك أخته من النسب، أو الرضاع، أو عمته، أو خالته، أو أمه، أو ابنته من الرضاع، أو موطوءة أبيه، أو موطوءة ابنه، فوطئها بملك اليمين-: هل يجب عليه الحد؟ فيه قولان: أصحهما: لا يجب؛ لشبهة الملك، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يجب؛ لأنه فرج لا يستباح بحال؛ كما لو نكح أخته ووطئها.
ولو وطيء أمته المجوسية أو الوثنية أو المرتدة أو المعتدة أو المزوجة، أو الذمي أسلمت أم ولده أو أمته، فوطئها قبل أن تباع [عليه]-: فمن أصحابنا من جعلها على قولين، ومنهم من قال- وهو المذهب-: لا يجب ههنا، لأن تحريمهن ليس على التأبيد، كما لو وطيء امرأته الحائض أو المحرمة.
فإن قلنا: يجب الحد لا يثبت النسب، ولا حرمة المصاهرة.
وإن قلنا: لا - يجب الحد- يثبت النسب، والمصاهرة.
وقيل: يثبت النسب، وتصير الجارية أم ولد له قولاً واحداً.
ولو وطيء امرأة ميتة-: هل يجب الحد أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لأنه إيلاج فرج في فرج محرم، لا شبهة له فيه؛ كما لو زنى بامرأة حية.
والثاني: لا يجب؛ لأن الطبع ينفر عنه، وما ينفر الطبع عنه لا يزجر عنه بالحد؛ كمن شرب البول -: لا يجب عليه الحد.
واللواط حرامٌ؛ لأنه فاحشة؛ قال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾

[الأعراف: 80]، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ....﴾ [الأعراف: 32].
ويجب به الحد، سواء فعل ذلك بامرأةٍ أجنبيةٍ، أو برجلٍ، أو صبي حر أو عبدٍ، أو فعل بعبد نفسه، ثم بماذا يحد الفاعلُ؟ فيه قولان: أصحهما: عله حد الزنا: إن كان محصناً يرجم، وإن لم يكن محصناً يجلد مائة ويغرب عاماً؛ لأنه حد يجب بالوطء؛ فتختلف فيه البكر والثيب؛ كالإتيان في القُبُلِ.
والقول الثاني: يُقتلُ الفاعل، سواء كان محصناً أو لم يكن؛ لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
فعلى هذا: في كيفيته ثلاثة أوجه: أحدها: تُحز رقبته؛ كالمرتد.
وقيل: يرجم بالحجارة؛ وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق - رحمه الله عليهم-.
وقيل: يهدم عليه جدار؛ يروى ذلك عن أبي بكر، - رضي الله عنه-.
وقيل: يرمي من شاهق، حتى يموت، يروى ذلك عن علي - رضي الله عنه-، وذهبوا إليه؛ لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك؛ وقال تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ [هود: 82].
وعند أبي حنيفة: لا يحد اللوطيُّ، بل يعزر.
أما المفعول به ماذا عليه؟ نظر.

إن كان مكرهاً، أو صغيراً، أو مجنوناً-: لا عقوبة عليه، ويجب المهر، إن كانت امرأة، وإن كان ذكراً- لا يجب؛ لأن منفعة بُضع الذكر غير متقومة.
وإن كان عاقلاً بالغاً طائعاً؛ فإن قلنا: على الفاعل القتل -: فيقتل المفعول به على صفة قتل الفاعل؛ للخبر.
وإن قلنا: على الفاعل حد الزنا-: فعلى المفعول به جلد مائة وتغريب عام، محصناً كان أو غير محصن.
وقيل: إن كانت امرأة محصنة -: فعليها الرجم، وليس بصحيح؛ لأنها لا تصير محصنة بالتمكين في الدبر؛ فلا يلزمها حد المحصنات به؛ كما لو كان المفعول به ذكراً.
وإن كان عبداً، فحده نصف حد الحر ولا مهر للمرأة: لأنها زانية.
وإتيان البهيمة حرامٌ، وفي عقوبته أقوالٌ: أحدها: يجب به حد الزنا؛ فيرجم المحصن، ويجلد غير المحصن ويغرب؛ لأنه حد يجب بالوطء.
والثاني: يقتل محصناً كان أو غير محصن؛ لما رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه"، فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟! قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عُمل بها ذلك العمل.

والقول الثالث - وهو الأصح، وهو قول أكثر أهل العلم-: أن عليه التعزير؛ لأن الحد شُرع للردع عما تميلُ النفس إليه، وهذا الفعل لا يميل الطبع إليه، وضعفوا حديث ابن عباس؛ لضعف إسناده.
فإن قلنا: يقتل-: ففي كيفية قتله ثلاثة أوجه؛ كما في قتل اللوطي؛ وعلى هذا: هل تقتل البهيمة؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لظاهر الحديث.
والثاني - وهو المذهب-: لا تقتل، والحديث ضعيف الإسناد، ولئن ثبت فقد عارضه نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح الحيوان إلا لمأكلةٍ.
فإن قلنا: تقتل البهيمة-: فلأي معنى تقتل؟ فيه معنيان: أحدهما: حتى لا يذكر بها.
والثاني: حتى لا تأتي بخلق مُشوه.
وإن كان أتاها في دبرها: فإن قلنا بالمعنى الأول-: تقتل، وإن قلنا بالثاني -: لا تقتل.
فإن قتلناها-: هل يحل أكلها إن كانت مأكولة؟ فيه وجهان: أحدهما: يحل؛ لأنه مذبوح مأكول.
والثاني: لاتحل؛ لأنها مقتولة لغير الأكل.
وإن كانت البهيمة للغير، وقتلناها-: يجب على الفاعل قيمتها للمالك، إن لم تكن مأكولة أو كانت مأكولة، وقلنا: لا يحل أكلها.
وإن قلنا: يحل أكلها-: يجب ما بين قيمتها حية ومذبوحة.
وقيل: يكون الضمان في بيت المال.
ولو أن امرأة مكنت من قردٍ-: فعقوبتها عقوبة من أتى من الرجال بهيمة.

وكل من تحرم مباشرته في الفرج بالزنا أو باللواط-: فتحرم مفاخذته ومسه بالشهوة، ولا يجب به الحد، ويعزر عليه، وكذلك: مباشرة المرأة المرأة-: لا تُوجب الحد وتعزران عليه.
ولو زنى [بكر] مراراً قبل إقامة الحد عليه-:لا يجب عليه إلا جلد مائة ويغرب عاماً، وتتداخل الحدود، أما إذا زنى فجلد وغرب، ثم زنى ثانياً-: يجلد ثانياً ويغرب، ولو جلد مائة، فقبل التغريب زنى-: يجلد بعده مائة، ويتداخل التغريب؛ فلا يغرب إلا سنة واحدة.
ولو [جلد] خمسين، ثم زنى-: لا يجلد بعده إلا مائة، ويغرب، ويقع التداخل في خمسين.
ولو زنى، وهو بكرٌ، ثم زنى وهو ثيب قبل إقامة الحد عليه-: هل يدخل الجلد في الرجم؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل، لتجانس الجريمتين، كما لو زنى مراراً، وهو بكر: لا يجب إلا حد واحدٌ.
والثاني- وهو الأصح-: لا يدخل؛ لأنهما حدان مختلفان؛ كما لا يدخل حد الشرب في قطع السرقة، بل يجلد مائة، ثم يُرجم ولا يغرب؛ لأن التغريب يحصل بالرجم.
وقيل: يجلد مائة، ويغرب عاماً، ثم يُرجم.
ولو زنى العبد، ثم عتق قبل أن يحد، ثم زنى، وهو بكر-: لا يجب عليه إلا جلد مائة ويغرب عاماً، ويدخل فيه حد الرق.
أما إذا زنى في حال الرق، ثم عتق، وصار محصناً، فزنى: يجلد خمسين، ثم يرجم.
ولو زنى ذمي، وهو محصنٌ، فنقض العهد، ثم استرق، ثم زنى: هل يدخل الجلد في الرجم؟ قال الشيخ - رحمه الله-: فيه وجهان: الأصح: لا يدخلُ؛ فيجلد أولاً خمسين لزنا الرق ثم يرجمه للزنا الأول، فإن قلنا: يغرب العبد-: يدخل التغريب في الرجم، ويحتمل أن يغرب نصف سنةٍ بعد الجلد، ثم يرجم؛ كما ذرنا فيمن زنى وهو بكر، ثم زنى، وهو ثيب.

فصلٌ: في إقامة الحد رُوي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رجلاً من أسلم يقال له: ماعز بن مالك، أتى رسول الله - صلى الله عليه ولم - فقال: إني أصبت فاحشة، فأقمه عليَّ، فرده النبي - صلى الله عليه وسلم - مراراً، قال: ثم سأل قومه؟ فقالوا: لا نعلم به بأساً، فأمرنا أن نرجمه فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظام والمدر والخزف، قال: فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عُرض الحرة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت".
إقامة الحد على الأحرار، تكون إلى الإمام، أو إلى من يفوض غليه الإمام، وإذا أمر بإقامته-: لا يشترط حضوره، سواءٌ ثبت الزنا عليه بالإقرار أو بالبينة، ولا يشترط حضور الشهود.
وعند أبي حنيفة: يشترط حضور الإمام، ويبدأ هو بالرجم وإن ثبت بالبينة، فيشترط حضور الشهود - أيضاً - ويبدءون بالرجم، ثم الإمام ثم الناس.
دليلنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر برجم ماعزٍ والغامدية، ولم يحضر رجمهما".
ويستحب أن تكون إقامة الحد بمحضر جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وأقلهم أربعة؛ لأن حد الزنا لا يثبت بأقل من أربعة.
وليس لأحجار الرجم تقديرٌ، لا عدداً ولا وزناً، بل يحيط به المسلمون، فيرمونه من الجوانب إلى أن يموت.
ويحفر للمرأة إلى صدرها، حتى لا تنكشف، ويُرمى إليها، ولا يحفر للرجل؛ لحديث أبي سعيد في أمر ماعز، قال: "فما أوثقناه، ولا حفرنا له"، ولأنه هرب، ولو كان في حفرة-: لم يمكنه الهرب.
وإذا هرب المرجوم-: لا يسقط عنه الحد، وهل يتبع؟ نظر: إن ثبت عليه الزنا بالبينة-: يتبع، ويرجم؛ لأنه لا سبيل إلى تركه.
وإن ثبت بالإقرار-: لايتبع؛ لأن ماعزاً لما مسته الحجارة، هرب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"هلا تركتموه" وإنما قال ذلك؛ لعله يرجع عن إقراره.
فإن وقف في هربه، أو قدر عليه بعده، وهو مقيمٌ على إقراره-: يُرجم، وإن رجع فلا يرجم.

وإذا مات في الحد-: يغسل ويكفن، ويصلي عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.
وغير المحصن: يجلد مع ثيابه ولا يجرد، ولا يمد، ولا تربط يداه، بل يترك حتى يتقي بهما.
ويضرب الرجل قائماً، والمرأة جالسةً، وتربط عليها ثيابها، حتى لاتنكشف، ويلي ذلك منها امرأة، وتُضرب بسوطٍ وسط؛ لا جديد يجرح، ولا خلق لا يؤلم، وتضرب ضرباً بين ضربين؛ لا شديد ولا واهٍ.
وإن كان لمحدود رقيق الجلد-: يدمي بضربٍ خفيفٍ: لا يبالي بذلك.
وتُفرق السياط على أعضائه، ولا نجمعها على موضعٍ واحدٍ، ويُتقى الوجه والمهالك؛ كالبطن، والجنب، والمذاكير.
ويُضرب على الظهر، والمنكبين، والرجلين، ويضرب على الرأس، وعند أبي حنيفة: لا يضرب على الرأس.
قلنا: قال أبو بكر - رضي الله عنه- اضرب على الرأس؛ فإن الشيطان فيه.
ولو فرق سياط الحد تفريقاً لا يحصل به التنكيل مثل: إن ضرب كل يوم سوطاً أو سوطين-: لا يحسب، وإن ضرب كل يوم عشرين فأكثر-: يحسب، والأولى: ألا يفرق.
وإذا أراد تغريب الزاني-: يغربه من بلده إلى مسافة القصر؛ لأن المقصود منه التعذيب بالإيحاش، ولا يحصل فيما دون مسافة القصر؛ لاتصال خبر الأهل والعشيرة به، ويغربه إلى بلد معين، ولا يرسله إرسالاً يذهب به أين يشاء، ولا يمكن من أن يحمل مع نفسه أهله وعشيرته؛ لأنه لا يستوحش معهم، ولايمنع من حمل جارية يتسرى بها، وشيء من المال للنفقة، وإن كان غريباً يغرب من بلد الزنا إلى بلد آخر، ولا يرد إلى البلد الذي هو بلده، ولا إلى بلد بينه وبين بلده أقل من مسافة القصر.
وإن خرج مسافراً، فزنى في الطريق غربه إلى غير مقصده.
وإن رأى الإمام أن يغربه إلى مسافةٍ أبعد من مسافة القصر-: له ذلك، فإن عمر - رضي الله عنه- غرب إلى الشام، وغرب عثمان - رضي الله عنه- إلى مصر؛ بخلاف مدة التغريب، لا تزاد على سنة، لأنه منصوصٌ عليها، والمسافة مجتهدٌ فيها، فإن رجع قبل مضي السنة يرد إلى ذلك الموضع، فإذا انقضت المدة-: فهو مخير؛ إن شاء أقام هناك، وإن شاء رجع إلى بلده.
ولا تغرب المرأة وحدها إلا مع محرم، فإن لم يتبرع المحرم بالخروج معها-: أعطوا

أجرته من بيت المال، وإن لم يكن في بيت المال فمن مالها، وإن لم يكن لها مال يستدان عليها.
وقيل: يستدان على بيت المال.
وقيل: في الابتداء: يكون من مالها، فإن لم يكن لها مال ففي بيت المال.
وإن لم يكن لها محرم-: تغرب مع امرأة ثقة لها محرمٌ، وهل تغرب مع النساء الثقات؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ كما يجب عليها الخروج على الحج معهن.
والثاني: لا؛ لأن العقوبات يحتاط لإسقاطها.
أما الرقيق إذا زنى أو شرب، عبداً كان أو أمة-: فللمولى إقامة الحد عليه، إن كان المولى حُراً مكلفاً عدلاً؛ وكذلك حد القذف إذا طلبه المقذوف، فإن شاء السيد أقام بنفسه، وإن شاء فوض إلى غيره.
وقال أبو حنيفة: ليس للمولى إقامة الحد على مملوكه، بل يقيمه الإمام كالحر.
دليلنا: ما رُوي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يُثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها، ولو بحبل من شعر".
وسواء كان الرقيق قنا، أو مدبراً، أو أم ولد، فإن كان مكاتباً أو بعضه رقيق -: فحده إلى الإمام.
وإذا جلد عبده في الزنى-: هل يغربه؟ فيه وجهان: أصحهما: بلى؛ كما يضربه، ورُوي عن ابن عمر؛ "أنه جلد أمة له [زنت]، ونفاها إلى فدك".
والثاني: لا، بل التغريب إلى الإمام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فليجلدها الحد، فمل يجعل إليه إلا الجلد.
وإن كان العبد مشتركاً بين رجلين فأكثر-: فكل واحد يقم من السياط بقدر ملكه.
فإن وقع كسر في سوط-: فوضوا ذلك السوط إلى واحدٍ منهم ليضربه.

وهل يجوز للمولى قطع يد عبده بسبب السرقة أو قطع الطريق؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ نص عليه في رواية البويطي؛ لما رُوي عن ابن عمر؛ "أنه قطع يد عبدٍ له سرق"، وكما يحده في الزنا والشرب.
والثاني: لا؛ بل القطع إلى الإمام؛ بخلاف الجلد؛ لأن المولى يملك لنفسه من جنس الجلد، وهو التعزير، ولا يملك من جنس القطع.
وكذلك: هل له قتل عبده بسبب الردة؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه له ذلك؛ لما روي عن حفصة: "أنها قتلت أمة لها سحرتها" والقتل بالسحر إنما يكون بسحر يكفر به.
أما قطع القصاص لا يستوفيه المولى؛ على الصحيح من المذهب، بل هو إلى الإمام، وكل واحدٍ يقيمه المولى على عبده، إنما يقيمه إذا ثبت باعتراف العبد، فإن كانت عليه بينة، فهل يسمع المولى الشهادة، ويقيمه؟ فيه وجهان: أصحهما: يسمع؛ لأنه ملك الإقامة بالاعتراف، فملك بالبينة كالإمام.
والثاني: لا يسمع؛ لأنه يحتاج إلى تزكية الشهود، وذلك إلى الحاكم، بل إذا ثبت عند الحاكم بالبينة-: يقيمه المولى من غير إذنه.
فإن قلنا: يسمع البينة-: فله النظر في التزكية والعدالة؛ كالحاكم.
وإذا قذف المملوك زوجته المملوكة-: فهل يلاعن المولى بينهما؟: قال الشيخ -رحمه الله-: يحتمل وجهين: أحدهما: يلاعن، كما يقيم الحد.
وإذا رآه السيد يعمل ما يوجب الحد، فهل له إقامة الحد عليه بعلمه؟ فيه وجهان؛ بناء على أن القاضي هل يقضي بعلم نفسه في الحدود؟ فيه قولان.
فإن لم يكن المولى كامل الحال - نُظر: إن كان صبياً أو مجنوناً-: فهل لوليه إقامة الحد على مملوكه؟ فقد قيل: إن كان الولي أباً أو جداً-: يقيمه وإن كان وصياً أو قيماً-: فيه وجهان.
وقيل: في الكل وجهان، بناء على أن الولي هل له تزويج أمة الطفل؟ وفيه وجهان.
وإن كان المولى فاسقاً-: فيه وجهان:

أصحهما: له أن يقيم الحد على مملوكه؛ لأنه ولاية تثبت بالملك، لا يمنعه الفسق، كتزويج الأمة.
وقال أبو إسحاق: لا يقيمه؛ لأنه ولاية في إقامة الحد؛ فيمنعها الفسق؛ كولاية الحكم، وكذلك: هل يقيم الكافر؟ فيه وجهان.
وهل يثبت للمرأة؟ فيه وجهان.
أصحهما: يثبت؛ لما رُوي؛ أن فاطمة عليها السلام- جلدت أمة لها زنت، وعن عائشة -رضي الله عنها-: "أنها قطعت أمة لها سرقت وعن حفصة: أنها قتلت أمة لها سحرتها".
وقال ابن أبي هريرة: لا يثبت؛ لأنها ولايةٌ على الغير؛ فلا يثبت للمرأة، كولاية التزويج؛ فعلى هذا من يقيمه؟ فيه وجهان: أحدهما: وليُّ المرأة؛ كما تزوج أمتها.
والثاني: يقيمه الإمام؛ لأنه يثبت للمولى بالملك، فإذا ذهبت ولاية المالك-: كان إلى الإمام.
ويجوز للمكاتب تعزير عبده، وهل يقيم الحد عليه؟ فيه وجهان: أصحهما- نص عليه في الكتابة-: لا يقيمه؛ لأنه ولايةٌ؛ فلا تثبت إلا للأحرار.
ولو أن ذمياً زنى، ثم نقض العهد، [واسترق]: لا يسقط عنه الحد، ويقيمه الإمام لا المولى؛ لأنه لم يكن مملوكاً حين زنى.
قال الشيخ - رحمه الله-: ولو زنى العبد، ثم باعه المولى-: فإقامة الحد إلى المشتري؛ اعتباراً بحالة الاستيفاء.
ولو قذف العبد سيده-: له إقامة الحد عليه.
ولو قذف السيد عبده-: فعليه التعزير، وللعبد أن يرفعه إلى القاضي، حتى يعزره.
فصلٌ: في متى يقيم حد الزنى رُوي عن عمران بن حصين؛ "أن امرأة من جهينة أتت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً فأقمه عليَّ، فدعا نبي الله - صلى الله عليه وسلم -وليها، فقال: أحسن

إليها، فإن وضعت فأتني بها، ففعل فأمر بها نبي الله - صلى الله عليه وسلم- فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها".
أهـ كل من وجب عليه حد -: يجب على الإمام إقامته، ولا يجوز تأخيره إلا من عذر، فإن وجب على امرأةٍ حبلى-: فلا يقام حتى تضع؛ ذكرناه في "كتاب القصاص".
وإن كان الذي وجب عليه الحد مريضاً - نظر: إن كان حده رجماً-: يقام عليه؛ لأن المقصود قتله؛ فلا يمتنع بالمرض.
وإن كان جلداً بسبب زنى أو شُرب خمرٍ - نظر: إن كان به مرضٌ يرجى زواله من صداع أو ضعف يؤخر حتى يبرا؛ كما لو أقيم عليه حد أو قطع-: لايقام عليه حد آخر، حتى يبرأ عن الأول.
وإن كان مرضاً لا يرجى زواله؛ كالسل والزمانة وكونه نضو الخلق لا يطيق الضرب-: فلا يؤخر، [ولا] يضرب بالسياط؛ لأن فيه حتفه.
وليس المقصود من ضربه قتله، سواء كان زناه في حال الصحة، ثم مرض، أو في حال المرض بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ، فيقوم ذلك مقام مائة جلدة، كما قال تعالى في قصة أيوب - عليه السلام-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: 44].
وعند أبي حنيفة: يضرب بالسياط.
دليلنا: ما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف؛ "أن رجلاً مقعداً أصاب امرأة، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم-[به] فجُلد بعثكال النخل" ورُوي: "أنه أمر أن يأخذوا مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة" لأن الصلاة إذا كانت تختلف باختلاف حاله، فالحد أولى [بذلك].
ثم إن علم أن الشماريخ [كلها] مسته بضربةٍ واحدةٍ-: سقط الحد عنه، وإن تراكم

البعض على البعض-: يسقط أيضاً، لأن ألم الكل وصل إليه، وإن لم يمس جلده؛ كم لم ضربه فوق الثياب بخلاف ما لو ضربه بعصاً كبيرةٍ ضربةً-: لا يكون إلا بجلدة واحدة؛ لأن العدد لم يوجد، وإن لم تمسه بعض الشماريخ، ولم تتراكم، أو شك فيه -: يعاد الضرب وإن جلدناه بالشماريخ، فبريء من مرضه-: لا يعاد الحد عليه؛ بخلاف المغضوب إذا حج عن نفسه، ثم بريء-: عليه أن يحج بنفسه في قولٍ؛ لأن العبادات يحتاط لها، والعقوبات يحتاط عليها.
ولو بريء قبل أن يضرب بالشماريخ-: يُقام عليه الحد بالسياط.
ويقام الحد في وقت اعتدال الهواء، فإن كان في حال شدة حر أو برد - نظر: إن كان الحد رجماً -: يقامُ عليه؛ [كما يقام] في المرض؛ لأن المقصود قتله.
وقيل: إن كان الرجم ثبت عليه بإقراره-: فيؤخر إلى اعتدال الهواء، وزوال المرض، إن كان مرضاً يرجى زواله؛ لأنه ربما يرجع عن إقراره في خلال الرجم، وقد أثر الرجم في جسمه، فتعين شدة الحر أو البرد أو المرض على إهلاكه؛ بخلاف ما لو ثبت بالبينة؛ لأنه لا يسقط.
وكذلك: إذا ثبت الرجم على المرأة بلعان الزوج-: لا يؤخر، وإن كان يسقط بلعانها؛ لأنه لا يجوز لها اللعان إلا إذا كانت محقة في الامتناع.
والرجوع عن الإقرار مستحب مع كونه صادقاً؛ هذا كما لو ثبت بالبينة-: لايؤخر، وإن كان يسقط الحد برجوع الشهود؛ لأن الرجوع غير مستحب لهم، وإن كانوا صادقين.
وإن كان الحد [جلداً]؛ بسبب الزنى، وشُرب الخمر-: لايقام في شدة الحر والبرد، كما لا يقام في المرض، بل يؤخر إلى اعتدال الهواء، وكذلك: قطع السرقة يؤخر إلى اعتدال الهواء، وزوال المرض، وأسباب التلف، فإن كان مرضاً لا يرجى زواله-: يقطع.
أما حقوق العباد؛ مثل: حد القذف، وقطع القصاص -: فيستوفي في الحر والبرد والمرض، وعلى هذا القياس: يجب أن يضرب في حد القذف بالسياط، سواءٌ كان المرض مما يرجى زواله أو لا يُرجى؛ لأن مبني حقوق العباد على الشدة والضيق، فلو أن الإمام أقام جلد الزنى أو الشرب في حر أو بردٍأو مرضٍ، فمات منه-: نص على أن لا ضمان عليه،

ونص فيما لو ختن الإمام رجلاً في شدة حر أو برد، فمات منه: أنه يجب الدية على عاقلته.
فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدٍ منهما إلى الآخر فجعلهما على قولين: أحدهما: لا يجب الضمان؛ لأنه مات في إقامة حد واجب؛ كما لو فعل في وقت اعتدال الهواء.
والثاني: يجب الضمان؛ لأنه مفرطٌ بالإقامة في هذا الوقت.
ومنهم من فرق بينهما، وقال في الحد: لا يجب الضمان؛ لأنه ثبت نصاً، وفي الختان يجب: لأنه ثبت اجتهاداً، ولأن استيفاء الحدود إلا الأئمة، والختان ليس إليه؛ لأنه يجوز لكل إنسان أن يختن نفسه، فإذا فعله الإمام-: يجب عليه مراعاة وقته، فإن لم يفعل-: ضمن.
فإن قلنا: يضمن، فكم يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن جميع الدية؛ لأنه مفرط.
والثاني: يضمن نصف الدية؛ لأنه مات من واجب محظور.
فصلٌ: في الإقرار بالزنا رُوي عن أبي هريرة قال: "جاء ماعز [بن مالك] إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الأيمن، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الأيسر، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه، فقال: إني قد زنيت، قال ذلك أربع مرات، فقال: أبك جنونٌ؟! قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنت؟ فقال: نعم، قال: فانطلقوا به، فارجموه، فانطلقوا به، فلما مسته الحجارة، أدبر يشتد فلقيه رجلٌ في يده لحى جمل، فضربه به، فصرعه فذكروا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فراره حين مسته الحجارة، قال: "فهلا تركتموه".
الزنا يثبت بالإقرار؛ كما يثبت بالشهادة، فمن أقر على نفسه بالزنى مرةً واحدة-: يقام عليه الحد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأنيس الأسلمي: "اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ولم يشترط التكرار.
وعند أبي حنيفة: لا يحد، ما لم يُقر أربع مرات في أربع مجالس.
واحتج بحديث ماعز، ولا ججة فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رده مرة بعد أخرى، لا لاشتراط التكرار، بل لشبهة

وقعت له في أمره، حتى سأل أبه جنونٌ، أشرب خمراً فلما زالت الريبة عن أمره-: أمر يرجمه.
أهـ. والمستحب لمن ارتكب جريمة توجب حد الله تعالى: أن يستر على نفسه؛ بخلاف ما لو فعل ما يوجب عقوبة للعباد؛ مثل؛ القصاص، وحد القذف-: يجب أن يقر بها؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق والشدة، ومبنى حقوق الله تعالى على المساهلة.
وهل يستحب للشهود أن يكتموا الشهادة على حدود الله تعالى؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ كما يستحب لمن عليه ألا يقر به؛ ستراً عليه.
والثاني-وهو الأصح-: لا؛ بل يستحب أن يشهدوا؛ لأن في كتمانهم الشهادة تعطيل حكم الله تعالى, وإذا ثبت الحد عند السلطات-: لا يجوز العفو عنه، ولا تجوز الشفاعة فيه؛ روي أن أسامة كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "أتشفع في حد من حدود الله تعالى، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمدٍ- صلى الله عليه وسلم- لسرقت، لقطعت يدها".

ولو أقر على نفسه بالزنى، أو شرب الخمر، ثم رجع عن إقراره-: يسقط عنه الحد؛ كمن أقر على نفسه بالردة، ثم رجع عن إقراره-: يسقط عنه القتل، ولو رجع بعد إقامة بعض الحد-: لا يتمم، وإن بي سوطٌ واحدٌ، وهل يستحب الرجوع؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، كما يستحب ألا يقر ابتداء.

والثاني: لا يستحب؛ لأن هتك الستر قد حصل؛ فلا ستحب له تكذيب نفسه.
والرجوع: أن يقول: ما زنيت، أو رجعت عما قلت، أو كذبت فيما قلت، حتى لو بقيت جلدةٌ واحدةٌ، أو في الرجم رجع قبل مفارقة الروح-: يجب تركه.
وكذلك: لو قال: كنت فاخذت أو لمست وننته زنى -: يقبل قوله، ولا يجد، ولو قال: لا تقيموا عليَّ الحد-: لا يسقط؛ كما لو هرب.
ولو شهد الشهود على إقراره بالزنى، فرجع عن إقراره-: سقط عنه الحد، أما إذا قال: ما أقررت: لا يسقط؛ لأنه يكذب الشهود.
وكذلك من أقر على نفسه بسرقة موجبة للقطع أو بقطع الطريق، ثم رجع عن إقراره-: يسقط عنه حد القطع، ولا يسقط ضمان المال؛ لأنه من حقوق العباد.
وقيل: لا يسقط القطع أيضاً؛ لأنه لصيانة حق الآدمي [كحد القذف والقصاص] لا يسقط بالرجوع عن الإقرار.
والأول المذهب، حتى لو رجع بعدما قطع بعض يده-: لا يجوز قطع الباقي، فإن بقيت جلدة لا تُبان إلا بإذنه، بأن كانت تؤذيه: فإن قال السارق: أبنه-: فالقاطع بالخيار بين أن يترك أو يبين.
ولو قال: زنيت بفلانة-: فهو مقر على نفسه بالزنى، قاذفٌ لفلانة: فإن أنكرت فلانة، أو قالت: كنت تزوجتني-: يجب على الرجل حد الزنا، وحد القذف، ولا يجب على المرأة شيء، فلو رجع-: يسقط عنه حد الزنا ولا يسقط حد القذف، ولو قال: أكرهت فلانة على الزنا-: يجب عليه حد الزنا والمهر، ولا يجب حد القذف، فلو رجع-: يسقط عنه حد الزنا، ولا يسقط المهر.
ولو تاب الزاني أو السارق أو شارب الخمر-: هل يسقط عنه الحد والقطع؟ فيه قولان؛ سواء ثبت عليه الحد بالبينة أو بالإقرار: أصحهما- وهو قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة-: لا يسقط؛ لأنه يصير ذريعة إلى إسقاط الحدود.
وقال في القديم: يسقط؛ لما روي؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لماعزٍ: "ارجع، فاستغفر الله، وتب إليه".

وفي الحديث "التائب من الذنب مكن لا ذنب له".
فصلٌ: في الشهادة على الزنا قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15]، لا يثبت الزنا إلا بأربعة من الشهود؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
وقال سعد بن عبادة: "يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً، أمهله حتى آتى بأربعة شهود؟! قال: نعم" وكذلك اللواط، وإتيان البهيمة-: لا يثبت إلا بأربعةٍ، سواءٌ قلنا: يجب الحد بإتيان البهيمة أو التعزير.
وقال أبو عليِّ بن خيران: إذا قلنا: يجب التعزير بإتيان البهيمة-: يثبت بشاهدين.
والأول أصح؛ لأنه شهادة على إيلاج فرج في فرج؛ كما إذا شهدوا على فعل الزنى، أما الإقرار بالزنى-: هل يثبت بشهادة رجلين أم لا؟ فيه قولان:

أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة؛ كفعل الزنا.
والثاني: يثبت بشهادة رجلين؛ بخلاف فعل الزنا؛ لأن الفعل أمر يغمض الاطلاع عليه، فاحتيط فيه باشتراط الأربع، والإقرار حركات اللسان؛ فلا يغمض الاطلاع عليه؛ فكان كسار الأقارير.
فإذا شهدوا على فعل الزنى-: يجب أن يذكروا الزاني، ومن زنى بها؛ لأنه قد يعد إتيان البهيمة زنى، وقد يراه على جارية ابنه، فيظنه زنى.
ويجب أن يشهدوا: إنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول المرود في المكحلة، فلو شهدوا مطلقاً، أنه زنى: لا يثبت؛ لأنهم ربما يرون المفاخذة والاستمناء زنى، بخلاف ما لو قذف نساناً، فقال: زنيت-: يجب الحد، ولا يستفسر.
ولو قال: أردت به زنى اليد والعين -: لا يقبل قوله؛ لأنه قصد هتك عرضه وشينه، وقد حصل؛ بخلاف ما لو ادعت امرأة على رجل وطء شبهة ولزوم المهر، فشهد الشهود على لزوم المهر بوطء الشبهة-: يلزم، ولا يشترط أن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها؛ لأن المقصود منه ثبوت المال، وحكم المال أخف من حكم الحد.
ولو أقر على نفسه بالزنى، هل يشترط أن يفسر؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط؛ كالشهود عليهم أن يفسروا.
والثاني: لا يجب؛ كما في القذف، سواء جاء الشهود متفرقين فشهدوا، أو مجتمعين.
وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: إذا شهدوا متفرقين لا يثبت، وعليهم حد القذف.
فنقول: كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين، فيثبت إذا جاءوا متفرقين [كسائر الأحكام، بل هذا أولى، لأنهم إذا جاءوا متفرقين]: كان ابعد من التهمة، ومن أن يتلقف بعضهم من بعض؛ وكذلك: قلنا إذا وقعت للقاضي ريبة في شهادة الشهود، فرقهم؛ ليظهر على عورة، إن كانت في شهادتهم.
ولو شهدوا على الزنى أقل من أربعة-: لا يثبت الزنى، وهل يجب حد القذف على الشهود؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب؛ لأنهم جاءوا مجيء، الشهود؛ ولأنا لو حددناهم لانسد باب

الشهادة على الزنى؛ لأن كل واحدٍ لا يأمن من ألا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد.
والقول الثاني- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة-: يجب عليهم الحد.
والدليل عليه: ما رُوي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنى عند عمر بن الخطاب: أبو بكرةً ونافع ونفيع، قال زياد: وكان رابعهم: رأيت أستاً تنبو ونفساً تعلو، أو رجلاها على عاتقه كأذني حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فجلد عمر الثلاثة، ولم يجلد المغيرة" وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكروه.
ولو شهد اثنان؛ أنه زنى بالبصرة، وآخران أنه زنى بالكوفة-: لا حد على [المشهود عليه، وهل يحد الشهود؟ فيه قولان.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: ههنا لا يُحد الشهود] مع قوله: إن شهود الزنى إذا انتقص عددهم-: حدوا.
ولو شهد على امرأةٍ بالزنى أربعةٌ، وأحدهم زوجها-: فالزوج قاذف عليه الحد؛ لأن شهادته بالزنى عليها-: لا تُقبلن وفي الثلاثة قولان.
ولو شهد على الزنى أربعة من العبيد أو المكاتبين أو النسوان أو الكفار-: فهم قذفة، يحدون، لأنهم ليسوا من أهل الشهادة على الزنى؛ فلم يكن قصدهم غلا شينه.
وقيل في وجوب الحد عليهم قولان؛ كنقصان العدد.
والأول أصح، حتى لو شهد عبدٌ أو امرأةٌ مع ثلاثة-: يحد العبد والمرأة، وفي الثلاثة قولان؛ وإذا حددنا العبيد، فعتقوا، وأعادوا الشهادة-: تُقبل.
ولو لم يتموا أربعة، فحددناهم، ثم أعادوا بعد تمام العدد-: لا تقبلُ؛ كالفاسق تُرد شهادته، ثم يعيد بعد التوبة-: لا يقبل.
ولو شهد أربعةٌ من الفُساق- نظر.
إن كان المفسق مجتهداً فيه؛ كشرب النبيذ-: لا يجب عليهم حد القذف، وإن لم يثبت الزنى بشهادتهم وإن كان واحدٍ منهم بهذه الصفة-: لا حد عليهم، وإن كان فسقاً مقطوعاً به، كالزنى وشُرب الخمر-: فهل عليهم حد القذف؟ فيه جوابان، بناء على أن القاضي إذا قضى بشهادتهم، ثم تبين له ذلك-: هل ينقض القضاء؟ فيه قولان:

فإن قلنا: ينقض-: علهم حد القذف؛ كما لو كانوا عبيداً؛ وإلا فلا حد عليهم.
ولو شهد، أربعةٌ على الزنى، ثم رجعوا-: عليهم حد القذف، لا يختلف القول فيه ولو رجع واحد منهم-: يجب عليه حد القذف، ولا يجب على الباقين، سواءٌ رجع بعد القضاء أو قبله؛ بخلاف ما لو لم يتموا أربعة يحدون في قوله، لأنهم فرطوا حيث عجلوا إلى هتك ستر أخيهم قبل تمام الأربع، ولاتفريط منهم حيث شهدوا بعد تمام العدد.
وقال أبو حنيفة: إن رجع واحدٌ قبل القضاء-: يُحد الكل، وإن رجع بعد القضاء-: يحد الرابع.
ولو شهد على الزنى أكثر من أربعة، ثم رجع الزائد على الأربع-: لا حد عليهم؛ لأنه بقي من يثبت الزنى بشهادتهم.
ولو شهد ثمانية، فرجع منهم خمسةٌ-: فعلى الراجعين حد القذف، ولو شهد شاهدان أن فلاناً أكره فلانة على الزنى-: لا يثبت به الزنى، وهل يثبت المهر للمرأة إن قلنا: يجب حد القذف على الشاهدين، لنقصان العدد-: لا يثبت المهر؛ وإلا فيثبت.
ولو شهد أربعةٌ على رجلٍ؛ أنه زنى بفلانة: اثنان منهم قالا: كانت المراة مكرهة، واثنان منهم قالا: كانت طائعة-: لا حد على المرأة؛ لأنه لم يتم شهود زناها أربعةً، ولا حد على شاهدي الإكراه، وهل يجب حد القذف على شاهدي الطواعية للمرأة؟ فعلى قولين: فإن قلنا: يجب عليهما الحد-: فلا يجب حد الزنى على الرجل؛ لأن شهادة شهود-: الطواعية خرجت عن أن تكون شهادة؛ فلم يتم على زناه أربعةٌ.
وإن قلنا: لا حد عليهما-: يجب حد الزنى على الرجل، ويجب عليه المهر.
فإن قلنا بالأول: أنه لا يحد الرجل-: فلا يجب حد القذف على الشهود في حق الرجل؛ لأن العدد قد تم في حقه، وترد شهادة الشهود الطواعية؛ لأنه مجتهد فيه؛ كرد شهادة الفاسق.
ولو شهد أربعةٌ نم العدول على امرأة بالزنى، وشهد أربع نسوة عدولٍ على أنها عذراء-: لا يجب عليها حد الزنى؛ لأن بقاء عذرتها شبهة يسقط به الحد عنها، ولا حد على قاذفها؛ لأن البينة قامت على زناها، ولعل عذرتها عادت بعد ذهابها؛ لعدم المبالغة في الافتضاض، ولا حد على الشهود لهذا المعنى، فلو أقامت امرأة أربعة من العدول على أن فلاناً أكرهها على الزنى، وشهد أربع نسوة عدولٍ على أنها عراء-: لا حد عليه؛ لأن

العذرة شبهة، ويجب عليه المهر؛ لأنه يثبت م الشبهة، ولا يجب عليها حد القذف؛ لشهادة العدول على صدقها.
وكذلك: لو شهد رجلان على وطئها بالشبهة، وشهد أربع نسوة على عذرتها-: يجب المهر.
فصلٌ: في الروع عن الشهادة روى الشعبي؛ أن رجلين شهدا عند عليٍّ -عليه السلام - على رجل أنه سرق، فقطعه، ثم أتياه برجلٍ آخر، فقالا: أخطأنا الأول، وهذا السارق، فأبطل شهادتهما على الآخر، وضمنهما دية الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما.
إذا شهد الشهود على رجل بحق، ثم رجعوا - نظر: إن رجعوا قبل القضاء-: لا يجوز للقاضي أن يحكم به؛ لأنا لا ندري أيهم صدقوا في الأول وفي الآخر، ولا يجوز الحكم ما لم يغلب على القلب صدق الشهود.
وإن رجعوا بعد القضاء قبل الاستيفاء: فإن كان عقوبة من حد أو قصاص-: لا يجوز أن يستوفي؛ لأنه يسقط بالشبهة، وإن كان مالاً أو عقداً- فوجهان.
المنصوص: أنه يستوفي؛ لأن الشبهة لا تؤثر فيه، وقد نفذ الحكم؛ فلا يرد.
وقيل في العقوبة التي هي حق للعباد- أيضاً - وجهان؛ مثلُ القصاص وحد القذف.
والمذهب الأول.
وإن رجعوا بعد [الاستيفاء: لا ينقض] الحكم، وعلى الشهود الغُرم على ما سيأتي في "كتاب الشهادات".
والمقصود من هذا الفصل بيان شهود العقوبة، إذا رجعوا فلو شهد أربعةٌ على رجل بالزنى، وهو محصن، فرجم، أو شهد شاهدان بقتل قصاص أو ردة، فقتل ثم رجعوا - نظر: إن قالوا: تعمدنا، وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا-: يجب عليهم القصاص أو دية مغلظة في أموالهم موزعة على عدد رءوسهم؛ لأنهم ملجئون إلى القتل؛ كالمكره.
وعند أبي حنيفة والثوري: لا يجب القصاص على الشهود؛ بل عليهم ديةٌ مغلظةٌ في أموالهم.
فنقول تسبب؛ لا تقطع المباشرةٌ حكمه؛ فجاز وجوب القصاص به؛ كالإكراه، وإن

كان هذا في زنى، [ولا] يحد الشهود حد القذف، ثم يقتلون قصاصاً.
وإن قالوا: تعمدنا، ولو نعلم أنه يقتلُ، وهم ممن يجوز أن يخفى عليهم مثله؛ لقرب عهدهم بالإسلام-: أو قالوا في الرجم: ظننا أنه بكرٌ-: حلفوا عليه، ثم هو شبه عمد-: لا يجب به القصاص، وعزروا، وتجب دية مغلة مؤجلة في أموالهم، لأنه ثبت بقولهم، إلا أن تصدقهم العاقلة؛ فيكون عليهم.
أما إذا قالوا: تعمدنا، ولم نعلم أنه يقتل بقولنا، وهم ممن لا يخفى عليهم ذلك-: فهو عمد محض: جب عليهم القود، كمن رمى سهماً إلى إنسانٍ، فأصابه، ثم قال: لم أعلم أنه يبلغه-: يجب عليهم القود.
وإن قالوا: أخطأنا إليه من غيره-: حلفوا، وتجب الدية مخففة في أموالهم، إلا أن تصدقهم العاقلة؛ فتكون عليهم، وإن كان هذا في زنى، فحد القذف، لا يسقط عنهم بقولهم:"أخطأنا"؛ لأن القذف يوجب الحد، وإن أخطأ.
وكذلك: لو شهدوا على غير محصن بالزنى؛ أو شهدوا بشرب الخمر، فجلد، فمات فيه، أو بسرقة، أو قطع قصاص، [فقطع] فمات فيه، ثم رجعوا-: يجب عليهم القصاص في النفس، إذا قالوا: تعمدنا، ولو قطع شهادتهم قصاصاً أو سرقة، ولم يمت، ثم رجعوا-: يجب عليهم القصاص في الطرف، وإن شهدوا بقذف، أو شرب خمر، أو بالزنى، وهو غير محصن، فجلد، ولم يحث، ثم رجعوا-: يعزرون في القذف والشرب، وفي الزنى يحدون حد القذف، ويدخل فيه التعزير.
ولو شهد أربعةٌ على الزنى، فرجم، ثم رجعوا، فقال واحدٌ: تعمدت، سواءٌ قال: لا أدري ما حال أصحابي، أولم يقل، وقال أصحابه: أخطأنا-: لا قصاص على واحدٍ منهم؛ لأن العامد شريك المخطئين، بل على العامد ربعُ الدية مغلظةً في ماله، والباقي على المخطئين مخففة.
ولو قال واحدٌ: تعمدت، ولا أدي ما حال أصحابي، وقال أصحابه: تعمدنا، ولاندري ما حاله-: فقد أقروا بالعمدية؛ عليهم القصاص.
وأما إذا قال واحدٌ: تعمدت، ولا أدري ما حال أصحابي، وأصحابه موتى، أو غيبٌ-: فلا قصاص عليه؛ لاحتمال أن أصحابه أخطئوا، بل عليه ربع الدية؛ كما لو صرح، وقال: تعمدت أنا، وأخطأ أصحابي، وهم غيبٌ، أما إذا قال: تعمدت أنا وأصحابي، وهم غيبٌ، أو موتى: عليه القود.

ولو قال واحدٌ: تعمدت أنا وأصحابي، وقال أصحابه: أخطأنا جميعاً، أو أخطأنا وتعمد هو-: فلا قود على أصحابه، ويجب عليه؛ لأنه أقر بعمدية الكل.
وقيل: لا قود عليه؛ لأن قول أصحابه في خطئهم مقبولٌ، وهو شريك اخاطيء.
والأول المذهب.
ولو قال واحدٌ: تعمدت، وتعمد أصحابي، وقال أصحابه: تعمدنا، وأخطأ هو-: يجب القود عليه، وهل يجب على أصحابه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لأنهم أقروا بالعمدية، وأضافوا الخطأ إلى من هو مقر بالعمدية.
والثاني

-[وهو الأصح]-

: لا قود عليهم؛ لأنهم أقروا بعمد شاركهم فيه مخطيء، بل تجب الدية مغلظة في أموالهم.
ولو قال واحدٌ: تعمدت، وأخطأ أصحابي، وقال أصحابه: تعمدنا وأخطأ هو-: فعلى هذين الوجهين: أحدهما: على جميعهم القود؛ لأن كل واحد [يقر] بعمديته، ويضيف الخطأ إلى من يقر بالعمدية.
والثاني- وهو الأصح-: للقود على واحدٍ منهم؛ لأن كل واحد يقر بعمدٍ شاركه فيه مخطيء، ولا خلاف أن الدية تكون على جميعهم مغلظة.
هذا إذا رجعوا جميعاً، فأما إذا رجع واحدٌ منهم-: فلا قود عليه، وإن قال: تعمدت؛ بل عليه ربع الدية، فإن قال الرابع: تعمدنا جميعاً - حينئذٍ: عليه القود؛ كما لو رجعوا جميعاً، وقال واحدٌ: تعمدنا، وقال الآخرون: أخطأنا-: يجب القود على من قال: تعمدنا، على الأصح، وإن رجع اثنان-: فعليهما نصف الدية، وإن كان هذا في قتل؛ شهد عليه شاهدان، ثم رجع واحد-: عليه نصف الدية، ولو شهد على أمر أكثر من عدد الشهادة، ثم رجع الزيادة؛ مثل: إن شهد على الزنى خمسةٌ، ثم رجع واحد منهم بعد الرجم، فهل يجب عليه الضمان؟ فيه وجهان: أصحهما- وهو قول ابن سريج-: لا ضمان عليه؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه قد بقى من يتعلق الحكم بشهادته.
والثاني- وهو اختيار المزني -: يجب عليه خمس الدية؛ لأن القتل كان بقولهم جميعاً

فإذا رجع واحدٌ-: عليه حصته من الدية؛ كما لو رجع من الأربعة- واحد-: يجب عليه ربع الدية، ولاخلاف أن القصاص لا يجب.
أما إذا رجع اثنان من الخمسة-: فعلى الوجه الأول -وهو الأصح-: عليهما ربع الدية؛ لأنه قد بقي في الشهادة من يثبت بشهادتهم ثلاثة أرباع الدية.
وعلى الوجه الثاني: يجب عليهما الخمسان.
وعلى الوجهين: إذا قال الراجعان: تعمدنا-: قلنا: يجب عليهم كلهم القود؛ كما لو رجعوا جميعاً.
ولو قال اثنان منهم: تعمدنا جميعاً، وقال الآخرون: أخطأنا-: يجب القود على من قال: تعمدنا جميعاً.
ولو رجع ثلاثةٌ-: فعلى الوجه الأول: عليهم نصف الدية، وعلى الثاني ثلاثة أخماسها، ولو رجع أربعة-: فعلى الوجه الأول: عليهم ثلاثة أرباع الدية، وعلى الوجه الثاني: عليهم أربعة أخماسها، ولو رجعوا جميعاً-: فعلى كل واحد خمس الدية، لا يختلف القول فيه، وإن كان هذا في القصاص-: شهد عليه ثلاثةٌ، فرجع واحد منهم-: فعلى الوجه الأول- وهو الأصح-: لا شيء عليه؛ لأنه قد بقي من يثبت القصاص بشهادتهم.
وعلى الوجه الثاني: عليه ثلث الدية.
وإذا رجع اثنان-: فعلى الوجه الأول عليهما نصف الدية.
وعلى الوجه الثاني: الثلثان.
وإذا رجعوا جميعاً-: فعلى كل واحد منهم ثلث الدية.
ولو شهد أربعةٌ على الزنى، واثنان آخران على الإحصان، فرجم المشهود عليه، ثم رجعوا-: هل يجب الضمان على شهود الإحصان؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحهما- وبه قال أبو حنيفة-: لا ضمان عليهم، لأنهم لم يشهدوا بما يوجب القتل، إنما أثبتوا صفة كمال فيه، لا تتعلق العقوبة بها؛ كما لو أثنوا عليه خيراً.
والثاني: عليهم الضمان، وإن قالوا: تعمدنا-: عليهم القود؛ كشهود الزنى؛ لأن الرجم لم يستوف إلا بقولهم.

والثالث: يُنظر: إن شهدا بالإحصان قبل ثبوت الزنا-: فلا ضمان عليهما، لأنهما لم يثبتا إلا صفةً، وإن شهد بعد ثبوت الزنى-: فعليهم الضمان؛ لأنه رجم بقولهم.
فإن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان فالدية على شهود الزنى أربعاً، وإن قلنا يجب الضمان على شهود الإحصان: فعلى هذا: توزع، وكيف توزع الدية عليهم؟ فيه وجهان: أصحهما: هم جميعاً بمنزلة الشهود؛ فيكون الثلث على شهود الأحصان، والثلثان على شهود الزنى فتوزع الدية على عدد رءوسهم، على كل واحدٍ سدسها، حتى لو شهد على الإحصان أربعة - أيضاً - لا يجب عليهم إلا الثلث؛ اعتباراً بأصل ما يثبت به الإحصان.
والوجه الثاني: الإحصان مع الزنى نوعان، فيجب النصف على شهود الزنى، والنصف على شاهدي الإحصان؛ ما لو رجع القاضي مع الشهود-: يجب النصف على القاضي، والنصف على الشهود.
ولو رجع واحدٌ من شهود الزنى، وواحدٌ من شاهدي الإحصان: إن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان-: فعلى الراجع من شهود الزنى الضمان.
وإن قلنا يجب الضمان على شهود الإحصان: فإن قلنا: يجب عليهم ثلث الضمان-: فههنا: [يجب] على كل واحد سدس الدية.
وإن قلنا: عليهم النصف -: فعلى الراجع من شهود الزنى ثمن الضمان، وعلى الراجع من شهود الإحصان الربع؛ لأن النصف موزع عليهما.
وكذلك: لو رجع واحدٌ من أحد الفريقين وحده-: ففيما عليه هذا الاختلاف.
وعلى هذا لو شهد أربعة على الزنى: اثنان منهم على الإحصان، ثم رجعوا: إن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان-: فالدية عليهم أرباعاً.
وإن قلنا: يجب الضمان على شهود الإحصان-: ففي هذه المسألة وجهان: أحدهما: توزع على عدد رءوسهم؛ فعلى شاهدي الإحصان نصفها، وعلى الآخرين نصفها؛ لأنا-: نجعل الرجوع عن الشهادة بمنزلة الجناية-: فهي كأربعة نفر جنوا على رجل؛ اثنان منهم جنيا كل واحد جنايتين، وآخران: جنى كل واحد جناية واحدة؛ فتكون الدية عليهم سواء.

والوجه الثاني: يفرد ضمان شاهدي الإحصان، فعلى هذا: يبنى على ما ذكرنا أن شاهدي الإحصان مع شهود الزنى، إذا رجعوا ماذا يجب على شاهدي الإحصان؟: إن قلنا: يجب الثلث على شاهدي الإحصان- فههنا: يجب الثلثان عليهما: ثلث عن الزنى، وثلث عن الإحصان؛ فيكون على كل واحد منهما ثلث الدية؛ سدس عن الدية، وسدس عن الإحصان، وعلى كل واحد من شاهدي الزنى من الدية ثمن الدية.
وإن قلنا: يجب النصف على شاهدي الإحصان-: فههنا: يجب عليهما ثلاثة أرباع الضمان؛ النصف بسبب الإحصان، والربع بسبب الزنى؛ فيكون على كل واحد من شاهدي الإحصان ثلاثة أثمان الضمان؛ ربعٌ عن الإحصان، وثمن عن الزنى، وعلى كل وحدٍ ممن شهد على الزنى الثمن.
وإن رجع واحدٌ منهم - نُظر: إن رجع ممن شهد على الزنى وحده: إن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان-: عليه ربع الدية.
وإن قلنا: يجب الضمان على شهود الإحصان: إن قلنا يجب الثلث -: فعليه سدس الدية.
وإن قلنا: يجب النصف-: فعليه الثمن.
وإن رجع ممن شهد عليهما: فإن قلنا: لا ضمان على شهود الإحصان-: يجب عيه ربع الدية، وإن قلنا: يجب الضمان على شهود الإحصان، إن قلنا: إذا رجعوا جميعاً، يجب على شهود الإحصان الثلث -: فههنا: على الراجع الثلث، سدس عن الزنى، وسدس عن الإحصان.
وإن قلنا: على شهود الإحصان النصف: فعليه ثلاثة أثمان الضمان؛ ربع عن الإحصان، وثمن عن الزنى.
ولو شهد أربعة على الزنى، والإحصان جميعاً، ثم رجع واحد منهم: إن قلنا: لا غُرم على شهود الإحصان-: يجب عليه ربع الدية.
وإن قلنا: يجب فههنا: قد بقي من شهود الإحصان من يثبت بشهادته الإحصان.
فإن قلنا: يجب الضمان على الراجع، مع بقاء من يثبت به الحجة-: فيجب على الراجع ربع الدية، وإن قلنا: لا ضمان على الراجع مع بقاء من يثبت به الحجة - وهو الأصح-: فلا يجب الضمان على الراجع بسبب الإحصان، وماذا يجب بسبب الزنى؟: إن

قلنا: على شهود الإحصان ثلث الغرم-: فعلى الراجع سدس الغرم.
وإن قلنا: نصف الغرم-: فعلى الراجع ثمن الغرم.
هذا كله في رجوع الشهود.
أما إذا رجع القاضي دون الشهود، فقال: تعمدت-: يجب عليه القود، وكمال الدية، ولا شيء على الشهود.
ولو رجع الولي في القصاص وحده-: عليه القصاص، أو كمال الدية.
ولو رجع القاضي والشهود-: فعليهم القود، فإذا عفوا، وقالوا أخطأنا -: فعليهم الدية نصفان، نصفها على القاضي، ونصفها على الشهود.
ولو رجع الولي معهم: فإن تعمدوا-: فعليهم القود، وإن أخطؤوا-: فالدية عليهم أثلاثاً، ثلث على القاضين وثلث على الشهود، وثلث على الولي.
وقد قيل: القصاص أو كمال الدية على الولي دون القاضي والشهود؛ لأنه الذي باشر القتل.
والأول أصح.
ولو رجع القاضي مع شهود الزنى، وشهود الإحصان.
فإن قلنا: لا غرم على شهود الإحصان-: يجب نصف الضمان على القاضي، والنصف على شهود الزنى.
وإن قلنا: يجب الغرم على شهود الإحصان-: فكون ثلث الغرم على القاضي، لا خلاف فيه، وفي الباقي وجهان: إن قلنا: شهود الزنى والإحصان يغرمون منا صفة-: فنصف الباقي على شهود الزنى، والنصف على شهود الإحصان؛ فيكون على كل طائفة ثلثها.
وإن قلنا: على شهود الإحصان ثلث الغرم، إذا كانوا مع شهود الزنى؛ فيجعل الباقي أثلاثاً ثلثه على شاهدي الإحصان، وثلثاه على شهود الزنى.
قال الإمام - رحمه الله-: عندي إذا قلنا: شهود الزنى والإحصان نوع واحد-: [يجب] نصف الغرم على القاضي، والنصف على شهود الزنى والإحصان جميعاً.
ولو رجع المزكي، هل عليه الضمان، وإن تعمد - فالقود فيه وجهان:

الأصح: لا غرم عليه؛ لأنه لم يتعرض للمشهود عليه، لأنه إنما أثبت صفة في الشاهد.
قال الشيخ القفال - رحمه الله-: الوجهان فيما إذا قال المزكيان: علمنا أن الشاهدين كانا كاذبين؛ بأن أقرا بالكب بين أيدينا، وأما إذا قالا: كانا فاسقين فزكيناهما-: فلا شيء على المزكي؛ لاحتمال أن الشاهدين كانا صادقين، مع كونهما فاسقين.
فإن قلنا: يجب الضمان على المزكي-: فالمزكيان مع شهود الزنى وشهود الإحصان نوعٌ واحدٌ، حتى إذا رجعوا توزع الدية على عدد رءوسهم أم توزع حتى يجب على كل طائفة ثلثها؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا في شهود الزنى، مع شهود الإحصان، والله أعلم.
باب حد القذف قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
من قذف محصناً أو محصنة بأن قال له: يا زاني، أو زنيت-: يجب عليه الحد ثمانون جلدة إلا الوالد يقذف ولده، أو أحداً من نوافله-: لا يجب عليه الحد؛ كما لا يجب عليه القصاص بقتله.
وشرائط إحصان القذف خمسة: الإسلام.
والعقل.

جارٍ التحميل