قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ...﴾ الآية [البينة: 5] وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43].
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى "اليمن": "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم: فادعهم [إلى] أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرضعليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.
فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم.
فإن من أطاعوا لك بذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم.
واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب".
الزكاة أحد أركان الإسلام، فمن منعها عصى الله - عز وجل -ثم إن كان في قبضة الإمام، أخذ منه الزكاة كرهاً، وإن لم يكن في قبضته، أو امتنع بجماعة، قاتلهم الإمام على
منعها وأخذها منهم كرهاً.
قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها.
وإن منعها منع جحود، كان كافراً، وقتل بسبب الردة.
وروي عن أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسي بيده، ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه؛ تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها، ردت عليه أولاها؛ حتى يقضي بين الناس".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم،
فتكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد".
زكاة العين تجب في ثلاث أشياء: في الحيوان، والجواهر، والمستنبتات؛ فلا تجب في الحيوان إلا في النعم، ولاتجب في الجواهر إلا في الذهب والفضة، ولاتجب في المستنبتات إلا فيما هو قوت من الزروع والثمار في النخيل والكروم، وأما سائر الأموال: فلا زكاة فيها، إلا أن يتجر فيها؛ فيجب عليه زكاة التجارة.
"باب زكاة الإبل"
روي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
لا زكاة في الإبل حتى تبلغ خمساً، فإذا بلغت خمساً، ففيها شاة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز، ثم لا يزاد حتى تبلغ عشراً ففيها شاتان، ثم لا يزاد حتى تبلغ خمس عشرة ففيها ثلاث شياة، ولا يزاد حتى تبلغ عشرين، فإذا بلغت ففيها أربع شياة، حتى تبلغ خمساً وعشرين، فإذا بلغت سقطت الشياه، وفيها بنت مخاض؛ وهي التي استوفت سنة، وطعنت
في الثانية؛ لأن أمها تمخض في تلك المدة؛ فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، وهي التي استوفت سنتين؛ لأن أمها ترضع ولداً آخر.
فإذا بلغت ستاً وأربعين، ففيها حقه؛ وهي التي استوفت ثالث سنين؛ لأنها تستحق الحمل والإنزاء.
فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة؛ وهي التي استوفت أربع سنين؛ لأنها تجذع السن؛ أي: تسقطها.
ووراء الجذعة أسنان للإبل الثنية والسديس وغيرهما، ولكنها لا تجب في الزكاة إلا أن يتبرع رب المال به.
فإذا بلغت ستاً وسبعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زاد على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون.
ثم بعدها تستقر
الفريضة على نصابين وسنين؛ فيجب فيكل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولا تتغير الفريضة إلا بعقد كامل؛ وهو عشرة.
فإذا اجتمع عدد من بنات لبون، وزاد عقد؛ فأبدل بنت لبون بحقة، ثم إذا زاد عقد آخر أبدل بنت لبون أخرى بحقة؛ هكذا حتى يصير الكل حِقاقاً، ثم إذا زاد عقد آخر بعدها أبدل ثلاث حقائق بأربع بنات لبون.
بيانه: في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، فإذا صار مائة وثلاثين ففيها بنتاً لبون وحقة، فإذا بلغت مائة وأربعين ففيها ابنة لبون وحقتان، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حِقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث بنات لبون وحقة، وفي مائة وثمانين ابنتا لبون وحقتان، وفي مائة وتسعين ثلاث حِقاق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، يجب عليه أحدهما؛ لأنها أربع خمسينات وخمس أربعينات.
إذا ثبت أن في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون فهل لهذا الواحد قسط من الواجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن المغير للفرض له قسط من الواجب كالمعاشر.
والثاني: لا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا زادت على مائة وعرين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
ولو جعلنا لتلك الواحدة قسطاً من الواجب، لكان في كل أربعين وشيء بنت لبون، وقد يتغير الفرض؛ فمن لا قسط له كمن مات عن أبوين وأخوين، فالأخوين لا ح لهما في الميراث، ويتغير بهما فرض الأم؛ فإنهما يردان الأم من الثلث إلى السدس.
ولو زاد على مائة وعشرين شقص بعير، وإن قل؛ هل تتغير به الفريضة؟ فيه وجهان.
قال الإصطخري: تتغير؛ فيجب فيها ثلاث بنات لبون؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"فإن زادت على عشرين ومائة" وقد حصلت الزيادة.
والثاني - وهو الأصح والمذهب -: لا يتغير؛ لأن مبنى الزكاة على إن الواجب يتغير فيها بالأشخاص لا بالأشقاص.
وقال أبو حنيفة: إلى مائة وعشرين؛ كما قلنا: إن فيها حقتين، ثم بعده قال: يستأنف الحساب؛ فيجب في كل خمس شاة مع الحقتين إلى مائة وخمس وأربعين قال: فيها ابنة مخاض مع الحقتين.
فإذا بلغت مائة وخمسين، ففيها ثلاث حقاق، ثم يستأنف الحساب بإيجاب الشياه مع الحقاق الثلاث إلى مائة وخمس وسبعين، ففيها ابنة مخاض وثلاث حقاق، وفي مائة وست وثمانين بنت لبون وثلاث حقاق، وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق إلى المائتين تكون عفواً، ثم بعد المائتين يستأنف الحساب، وعلى رأس كل خمسين أربعة تكون عفواً لا يتعلق بها الواجب.
دليلنا: ما روي عن ابن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب تاب الصدقة، فلما قبض عمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمر حتى قبض.
وعن أنس: أن أبا بكر تب له كتاب الصدقة لما وجهه إلى "البحرين" وفي كل واحد منهما: "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
وعند مالك: إنما تستقر الفريضة إذا زادت على مائة وعشرين [عشرة]، فصارت مائة وثلاثين؛ فحينئذ في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة؛ فتكون فيها ابنتا لبون وحقة.
فإذا زادت على مائة وعشرين أقل من عشرة لا يتغير الواجب.
فصل: [فيما إاوجبت عليه سن ولم توجد عنده]
روي عن أنس؛ أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم-: من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة؛ فإنها تقبل منه الحقة،
ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما من بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، إلى أن قال: ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين؛ فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون؛ فإنه يقبل منه، وليس معه شيء.
إذا وجبت عليه سِنٌّ وهي موجودة عنده، لايجوز أن يعطي سناً دونها، ويجوز أن يعطي سناً فوقها متبرعاً، ولا يأخذ شيئاً.
أما إذا لم تكن السن الواجبة موجودة عنده، أو كانت معيبة، يجوز أن يعطي سناً دونها، ويعطي معها شاتين، أو عشرين درهما، أو يعطي سناً فوقها، ويأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهماً.
بيانه: إذا وجبت عليه جذعة، وليست عنده وأعطي حقة مكانها مع شاتين أو عشرين درهماً - جاز، ولا يجوز تفريق الجبران؛ فيعطي شاة وعشرة دراهم؛ كما لا يجوز تفريق الكفارة الواجبة؛ فيطعم خمساً ويكسو خمساً من المساكين؛ سواء كانت الشاتان أو الدراهم مع الحقة تبلغ قيمة الجذعة، أو لا تبلغ؛ فلا ينظر إليه؛ لأنه الواجبة بالنص؛ وكذلك لو وجبت عليه حقة، وليست عنده؛ فأعطي بنت لبون مع الجبران، أو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده؛ فأعطي بنت مخاض مع شاتين، أو عشرين درهماً - يجوز ولو وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده؛ فأعطى بنت لبون، وأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهماً يجوز.
قال الشيخ: فلو أراد الساعي أن يعطي شاة وعشرة دراهم، ورضي به رب المال - يجوز؛ لأن ذلك حقه؛ فله أن يرضى بالتفريق؛ كما يجوز ألا يأخذ شيئاً، بخلاف الإعطاء؛ فإنه أداء عبادة؛ فيتبع فيها النص.
وكذل لو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده؛ فأعطي حقة، وأخذ الجبران، أو وجبت عليه حقة، وليست عنده؛ فأعطى جذعة، وأخذ الجبران- جاز.
ولو وجبت عليه جذعة، وليست عنده جذعة ولا حقة؛ فأعطي بنت لبون مع جبران أربع شياه، أو أربعين درهماً - يجوز، أو يجوز أن يعطي أحد الجبرانين غنماً، والآخر دراهم؛ بأن يعطي شاتين مع عشرين درهماً؛ كما لو لزمته كفارتان؛ يجوز أن يطعم عن أحدهما، ويكسو عن الأخرى.
وكذلك لو وجبت عليه حقة، وليست عنده حقة ولا بنت لبون؛ فأعطي بنت مخاض مع جبرانين يجوز.
[ولو وجبت عليه جذعة، وليست عنده جذعة ولا بنت لبون؛ فأعطي بنت مخاض مع جبرانين يجوز].
ولو وجبت عليه جذعة، وليست عنده جذعة ولا حقة ولا بنت لبون؛ فأعطي بنت مخاض مع ثلاث جبرانات: ست شياه أو ستين درهما - يجوز.
وكذل في الارتقاء؛ لو وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده بنت مخاض ولا بنت لبون؛ فأعطى حقة؛ وأخذ جبران ستين، أو لم يكن عنده حقة؛ فأعطي جذعة، وأخذ ثلاث جبرانات -يجوز.
وإذا احتاج الإمام إلى إعطاء الجبران، وليس في بيت المال دراهم -باع شيئاً من أموال المساكين، وصرف إلى الجبران.
ولو وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده - يؤخذ منه ابن لبون ذكر؛ سواء كانت قيمته أقل من قيمة بنت المخاض، أو أكثر، ولاجبران له.
ولا يجوز أخذ الذكر في الزكاة، إذا كان بعض ماشيته إناثاً إلا في هذا الموضع، وأخذ التبيع من زكاة البقر، وإنما لم يوجب الجبران؛ لأن فضل سن ابن اللبون بمقابلة فضل أنوثة بنت المخاض؛ فاستويا.
ولا يجوز أخذ ابن اللبون مع وجود بنت المخاض، ويجوز أخذه مع القدرة على تحصيل بنت المخاض؛ لأنه بدل كامل؛ فمن حيث إنه بدل لا يجوز أخذه مع وجود الأصل، ومن حيث إنه بدل كامل يجوز أخذه مع القدرة على تحصيل الأصل.
ولو لم يكن عنده بنت مخاض، ولا ابن لبون؛ فأيهما وجده اشتراه، وأعطي ولو وجدهما جميعاً هل يجوز أن يشتري ابن اللبون؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه عادم لبنت المخاض.
والثاني: وهو الأصح -: لا يشتري غلا بنت المخاض؛ لأنهما لو استويا في الوجود لم يجز إخراج ابن اللبون، كذلك عند عدمهما إذا أمكن تحصيلهما.
ولو وجبت عليه بنت مخاض - وهي موجودة- لكنها كريمة سمينة، وإبله مهازيل-
لا يجبر على إعطائها، بل يشتري بنت مخاض عَدلاً بين غذاء المال وخياره.
وهل يقبل منه ابن اللبون في هذه الحالة؟ قيل: لا يقبل؛ لأنه واجد لبنت مخاض تجزئ.
والمنصوص أنه يقبل؛ لأن بنت المخاض - لما لم يجب إخراجها - كانت المعدومة؛ كما لو كانت إبله سماناً، وعنده بنت مخاض مهزولة - جاز إخراج بنت اللبون.
ولو وجبت عليه بنت اللبون في ست وثلاثين، وليست عنده - لا يجوز إخراج حق ذكر؛ لأنه لم يرد به النص؛ ولأن بنت اللبون تساوي الحق في ورود الماء والشجر، والامتناع من صغار السباع، ويفضل بالنوثة؛ فلم تكن زيادة قوة الحق معتبرة.
ولا يجوز تكثير الجبران مع إمكان التقليل؛ مثل: أن وجبت عليه حقة، وليست عنده، وعنده بنت لبون وبنت مخاض - لا يجوز إخراج بنت المخاض مع جبرانين؛ لأنه يمكنه إعطاء بنت اللبون؛ ليقل الجبران.
وكذلك لو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده وعنده حقة وجذعة - لا يجوز أن يعطي الجذعة، [ويأخذ جبرانين، بل يعطي الحقة؛ ليقل الجبران.
فلو أعطي الجذعة] ورضي بجبران واحد، يجوز، وهو متبرع بالزيادة.
ولو وجبت عليه حقة، وليست عنده، وعنده جزعة وبنت لبون؛ فرب المال بالخيار؛ إن شاء نزل؛ فأعطي بنت اللبون مع جبران سن واحدة، وإن شاء ارتقى، فأعطي الجذعة، وأخذ جبران سن.
وكذل لو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض وحقه فله الخيار؛ إن شاء أعطي ابنة المخاض مع جبران سن، وإن شاء أعطي الحقة، وأخذ جبران سن.
والخيار بين الدراهم والشاة في الجبران إلى من يعطي؟ فإن أن المعطي هو الساعي، فعليه أن يختار ما هو الأنفع للمساكين، والخيار في النزول والارتقاء إلى رب المال؛ لأن له أن يدع النزول والارتقاء جميعاً، ويحصل السن التي وجبت عليه.
وفيه وجه آخر: أن الخيار فيه إلى الساعي؛ كما في المائتين؛ الخيار إلى الساعي في أخذ الحقاق، وبنات اللبون.
ولو وجبت عليه حقة، وليست عنده، وعنده جذعة وبنت مخاض؛ فهل له أن ينزل إلى بنت المخاض؛ فيعطي مع جبرانين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، بل يعطي الجذعة؛ ليقل الجُبران.
والثاني: هو بالخيار؛ إن شاء نزل فأعطي بنت المخاض مع جبرانين، وإن شاء ارتقى فأعطي الجذعة، وأخذ جبران سن؛ لأن الجهة مختلفة التقليل في الأخذ والتكثير في الإعطاء، وإنما لا يجوز تكثير الجبران مع إمكان تقليله إذا كانت الجهة واحدة في الأخذ والإعطاء.
وكذلك لو وجبت عليه بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض وجذعة؛ هل يجوز إعطاء الجذعة وأخذ جبرانين، أم يعطي ابنة مخاض مع جبران واحد؟ فعلى وجهين.
ولو وجبت عليه جذعة، وليست عنده، وعنده ثنية؛ فأخرجها متبرعاً - يجوز، وهل يجوز أن يخرجها، ويأخذ الجبران؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما لو أخرج الجذعة عن الحقة.
والثاني-وهو الأصح -: لا يجوز أخذ الجبران؛ لأن الثنية لا مدخل لها في الزكاة؛ فلا يقابل الزيادة التي فيها بالجبران؛ كما لو وجبت عليه بنت مخاض، وليس عنده إلا الفصيل- لا يجوز أن يعطي الفصيل مع البران.
ولو وجبت عليه سن؛ وهي حامل أو ذات در، أو أكرم إبله - ليس للساعي أخذها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"إياك وكرائم أموالهم".
فإن تبرع رب المال، وأعطاها، يجب أخذها؛ لأنها أقرب إلى النفع، بخلاف ما لو أسلم في سن؛ فأتى بها حاملاً، له ألا يقبل؛ لأنه ربما يريدها للعمل، وغير الحامل أقوى على العمل، فإن لم يتبرع رب المال بها، له أن ينزل إلى سن دونها؛ فيعطي مع الجبران، أو يرتقي إلى سن فوقها، ويأخذ الجبران.
فصل: [في الواجب في مائتين من الإبل]
يجب في مائتين من الإبل أربع حقاق، أو خمس بنات لبون؛ لأنها أربع خمسينات، وخمس أبعينات ثم لا يخلو عن ستة أحوال: إما أن يكون الصنفان موجودين أو مفقودين، أو أحد الصنفين موجوداً دون الآخر، أو أحدهما وبعض الآخر، أو بعض كل واحد منهما، أو بعض أحدهما، فإن كانا موجودين، فالخيار إلى الساعي؛ يأخذ الصنف الذي هو أنفع للمساكين، بخلاف الجبران، جعلنا الخيار فيه على رب المال في النزول والارتقاء؛ لأن هناك لرب المال ترك النزول والارتقاء، وتحصيل السن التي وجبت عليه؛ فكان الخيار إليه، وهاهنا ليس له ترك الصنفين والانتقال إلى غيرهما فلو أخذ الساعي أدنى الصنفين؛ نظر: إن
أخذه عالماً به، أو لم يجتهد - لا يقع عن الزكاة؛ سواء كان رب المال عالماً به، أو جاهلاً؛ فعلى رب المال إخراج الزكاة، ويسترد من الساعي ما أخذه إن كان قائماً، أو قيمته إن كان هالكاً.
وإن أخذ الساعي الأدنى بالاجتهاد، فوقع له أنه الأجود؛ نظر: إن كان رب المال عالماً، فالمذهب أن الفرض لا يسقط؛ كما لو كانا عالمين؛ وكما لو أخفى رب المال أجود الصنفين.
وقيل: حكمه حكم ما لو كانا جاهلين، وإن كانا جاهلين؛ نظر؛ إن كان ما أخذ قائماً في يد الساعي، رده وأخذ الأجود، وإن كان قد تلف في يده، فما أخذ الساعي محسوب عن الزكاة.
وهل يجب عليه إخراج الفضل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لايجب؛ لأن الإمام أخذه بالاجتهاد؛ وكما لو أخذ القيمة بالاجتهاد، تحسب عن الزكاة.
والثاني - وهو المذهب-: يجب عليه إخراج الفضل، لوقوع البخس في حق المساكين؛ بخلاف ما لو أخذ القيمة؛ لأن ثم لم يبخس حقهم؛ فعلى هذا إن كان النقصان شيئاً يسيراً، يجوز أن يعطي من الدراهم، ويعطي بنفسه إلى المساكين، وإن كان كثيراً؛ بحيث يؤخذ به جزء من البعير، هل يجوز أن يعطي من الدراهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يجب من الإبل؛ لأنها الواجب.
والثاني: يجوز؛ لأنه ليس بأصل الزكاة، ولكنه جبر نقص؛ كما في الجبران.
فإن قلنا: يجب جزء من البعير، لا يجوز أن يخرج من غير هذين الصنفين.
ومن أي صنف يخرج؟ فيه وجهان
أحدهما: من الصنف الأجود؛ لأنه الواجب.
والثاني: من الصنف الذي أخذه الساعي، حتى لا يؤدي إلى تفريق الفريضة.
فإن قلنا: يجب عليه جزء من البعير، يجب الدفع إلى الساعي على قولنا: إنه لا يجوز أن يفرق زكاة الأموال الظاهرة بنفسه.
وإن قلنا: يعطي من النقد، هل يجوز أن يفرق بنفسه فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه من جنس المال الباطن.
والثاني: يجب الدفع إلى الساعي؛ لأنه جبران المال الظاهر؛ كالدراهم في الجبران.
وإن كان الصنفان مفقودين، معيبين؛ فإن شاء نزل؛ فأخرج خمس بنات مخاض مكان خمس بنات لبون، مع خمس جبرانات عشر شياه أو مائة درهم، وإن شاء ارتقى؛ فأخرج أربع جذاع مكان أربع حقاق، واسترد أربع جبرانات، وليس له أن يعطي أربع بنات مخاض مكان أبع حقاق مع ثمان جبرانات، ولا أن يعطي خمس جذاع مكان خمس بنات لبون، ويسترد عشرة جبرانات؛ لإمكان تقليل الجبران؛ بأن يجعل الجذاع مكان الحقاق، ويجعل بنات المخاض مكان بنت اللبون.
وإن كان أحد الصنفين موجوداً أخذ الموجود، وليس له أن يكلفه تحصيل الصنف الآخر، وإن كان أنفع للمساكين، ولايجوز النزول، ولا الارتقاء مع الجبران.
وكذلك إذا كان أحد الصنفين موجوداً، وبعض الآخر؛ فيأخذ الصنف الموجود، والناقص كالمعدوم.
فإن كان بعض كل واحد موجودا؛ بأن وجد ثلاث حقاق، وأربع بنات لبون؛ فهو بالخيار بين أن يجعل الحقاق أصلاً؛ فيعطيها مع بنت اللبون مع جبران سن، وبين أن يجعل بنات اللبون أصلاً؛ فيعطيها مع حقة، ويسترد جبران سن.
ولو أعطى حقة وثلاث بنات لبون مع كل بنت لبون جبران-ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما يجوز أن يعطي ثلاث حقاق وبنت لبون.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يعطي ثلاث حقاق وبنت لبون؛ حتى يقبل البران؛ ولأنه إذا أعطى هكذا يبقى عنده بعض الفرائض، ويعدل إلى الجبران.
قال الشيخ: فلو جعل الحقاق أصلاً؛ فأعطاها مع جذعة، وأخذ جبران سن، أو جعل بنات اللبون أصلاً.
فأعطاها مع بنت مخاض وجبران سن -يجوز.
ولو وجد بعض أحد الصنفين؛ بأن لم يجد إلا حقتين -أخرج الحقتين مع جذعتين، وأخذ جبران سنين.
فلو ترك الحقتين، وجعل بنات اللبون أصلاً؛ فأخرج خمس بنات مخاض مع خمس جبرانات - جاز، وكذلك لو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون، أخرجها مع بنتي مخاض، وجبران سنين.
ولو ترك بنات اللبون؛ فجعل الحقاق أصلاً؛ فأخرج أربع جذاع مكانها، وأخذ أربع جبرانات - جاز.
وإذا كان الصنفان موجودين، فلا يجوز التفريق؛ فيأخذ حقتين وابنتي لبون ونصف.
قال الشيخ: فإن أعطي ثلاث بنات لبون مع حقتين متبرعاً -جاز؛ كما لو أعطي حقة مكان بنت لبون، ولو كانت له أربعمائة من الإبل؛ فيجب فيه عشر بنات لبون، أو ثمان حقاق.
فلو أراد أن يفرق؛ يخرج خمس بنات لبون، وأربع حقاق؛ هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: قال الإصطخري.
لا يجوز؛ كما في المائتين.
والثاني- وهو المذهب-: يجوز بخلاف المائتين؛ لأنها أول فريضة ثبت فيها الخيار، وهذا معادها؛ فصار كالجبران الواحد لا يجوز تفريقها؛ فيعطي شاة وعرة دراهم، ويجوز في الجبرانين أن يعطي في أحدهما الدراهم، وفي الآخر الشياه.
فصل: فيها إذا كانت إبله أو ماشيته مراضاً"
إذا كانت ماشيته كلها مراضاً، لم يجز للساعي أن يكلفه الصحيح في الزكاة، بل يأخذ وسطاً من المراض؛ لا يأخذ الأردأ ولا الأعلى.
فلو لم يجد الساعي فيها السن التي وجبت، فاشترى رب المال مريضة تليق بماله جاز، وإن أراد أن يعطي سناً دونه مع الجبران يجوز، ولا يجوز أن يعطي في الجبران شاة مريضة؛ لأنه يؤدي عما في الذمة، وما في الذمة لا يكون إلا صحيحاً.
ولو أراد الساعي أن يأخذ سناً فوقها، ويعطي الجبران لا يجوز؛ لأنه ربما يريد قيمة الجبران على ما أخذ في الصدقة، وفيه ترك النظر للمساكين.
ولو كان بعض إبله صحاحاً، والبعض مراضاً - لم يجز أن يأخذ مريضة حتى لو كانت جميع إبله إلا واحدة، لم ينك له أخذ مريضة، ولا يجب إخراج تلك الصحيحة بعينها، بل يأخذ صحيحة لائقة بماله.
مثل: أن ملك ثلاثين من الإبل: خمسة عشر منها صحاح، وخمسة عشر مراض، فعليه صحيحة بقيمة نصفه صحيحة ونصف مريضة؛ لأن نصف ماله مراض؛ بأن كانت قيمة كل صحيحة أربعة دنانير، وقيمة كل مريضة ديناران؛ فعليه صحيحة بقيمة ثلاث دنانير.
ولو وجبت عليه سنان، ونصف ماله مراض؛ مثل: أن ملك ستاً وسبعين من الإبل - يجب فيها ابنتا لبون.
[وإن كان] نصف إبله مراض؛ هل يجوز أن يأخذ صحيحة ومريضة؟ أو مل مائتين من الغنم: مائة صحاح، ومائة مراض هل يجوز إخراج صحيحة ومريضة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ وهو الأصح عند الشيخ الإمام؛ كما لو ملك مائة ضأن، ومائة معز، يجوز إخراج ضائنة وماعزة.
والثاني: يجب عليه إخراج صحيحتين من عين بماله؛ حتى لو لم يكن في ست وسبعين إلا صحيحة واحدة، يجب عليه إخراج صحيحتين.
ولو ملك خمساً من الإبل كلها مراض، يجب عليه شاة صحيحة، لأنها في الذمة.
فلو أخرج منها بعيراً يجوز، وإن كانت قيمته أقل من قيمة شاة، وكذلك لو ملك خمساً صحاحاً من الإبل؛ فأخرج منها بعيراً قيمته أقل من قيمة شاة يجوز.
ومن أصحابنا من قال: يجوز في المراض إذا كانت قيمته أقل؛ لأنه لا يعتقد التبرع، ولا يجوز في الصحاح؛ لأنه يعتقد أن يعطي أكثر مما عليه متطوعاً، وأقل ما في التطوع ألا ينقص عن الأصل.
والمذهب جوازه في الموضعين؛ لأنه لو أخرج هذا البعير عن خمس وعشرين يجوز، ولا ينظر إلى قيمته، فإذا أخرجه عن خمس من الإبل أولى أن يجوز، وإذا أخرج بعيراً عن خمس من الإبل؛ هل يون كله فرضاً، أم يكون خمسة فرضاً؟ فيه وجهان ينبنيان على أصل؛ وهو أن الواجب في خمس من الإبل شاة، أو خمس بعير؟ وفيه جوابان:
أحدهما: الواجب فيها شاة، وهي الأصل؛ لأن الشرع أوجب فيها شاة، والبعير بدل عنها.
والثاني: فيها خمس بعير؛ لأنه لما أوجب في خمس وعشرين بعيراً - علمنا أن في كل خمس منها خمس بعير؛ غير أنه أوجب الشاة ترفيهاً؛ لأنه يشق على أرباب الأموال إخراج الشقص.
فإن قلنا: الأصل هو الشاة، فإذا أخرج بعيراً يكون كله فرضاً كالشاة.
وإن قلنا: الأصل هو البعير؛ فيكون خمسة فرضاً، وأربعة أخماسه تطوعاً.
ولو أخرج بعيراً من عشر من الإبل، أو من خمسة عشر، أو من عشرين - هل يجوز أم لا؟ إن قلنا: الأصل هو الشاة، فلا يجوز حتى يخرج من عشر بعيرين، ومن خمسة عشر ثلاثة أبعرة، ومن عشرين أربعة أبعرة.
وإن قلنا: البعير هو الأصل؛ فيجوز، وإن أخرجه من عشر يكون تبرعاً بثلاثة أخماسه، وإن أخرجه من خمسة عشر يكون متبرعاً بخمسيه، وإن أخرج من عشرين يكون متبرعاً بخمسة.
وإن كانت إبله كلها كراماً، لا يؤخذ نوع دونها؛ كما لا يؤخذ من اللئام كريمة وإن كانت كلها كباراً من جهة السن؛ بأن كانت فوق الجذاع والثنايا -ليس له أن يأخذ منها - واحدة، إلا أن يتبرع رب المال.
فإن لم يتبرع يجب عليه أن يحصل السن التي وجبت عليه.
وإذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثاً - لا يجوز أخذ الذكر في الزكاة، إلا في موضع وردت السنة به.
وهو أخذ التبيع من ثلاثين من البقر، وأخذ ابن اللبون بدل بنت المخاض من خمسة وعشرين من الإبل؛ لما روي عن أنس؛ أن أبا بكر - رضي الله عنه -كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم -: "ولا يخرج من الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيساً إلا ما شاء المصدق".
والواجب فيما دون خمس وعشرين من الإبل الشاة، وهل يجوز إخراج شاة ذكر؛ سواء كانت إبله ذكوراً، أو إناثاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كالشاة في أربعين من الغنم، وكسائر أسنان الإبل كلها إناث.
والثاني: يجوز؛ لأن الشرع أوجب شاة، ولم يفصل بين الذكر والأنثى؛ كالشاة في الأضحية، كذاك في الجبران إذا كان المعطي رب المال هل يجوز أن يعطي شاة ذكراً؟ فيه وهان.
ويجب من الضأن الجذعة، ومن المعز الثنية، ولا تجوز الجذعة من المعز، ولا تجب الثنية من الضأن، إلا أن يتبرع رب المال، ولا يختص بشاة بلدة حتى لو كانت غنمه معزاً، له أن يشتري جذعة من الضأن، أو ضاناً له، يشتري ثنية من المعز للزكاة.
وإن كانت ماشيته كلها ذكوراً يأخذ منه الذكر، إذا كان لا يؤدي إلى التسوية بين
نصابين؛ كما في زكاة الغنم؛ فإن أسنان الواجب فيها لا تختلف باختلاف النصب، وكذلك زكاة الإبل.
إذا ملك خمساً وعشرين ذكوراً يؤخذ منه ابن مخاض ذكراً، أو ملك ستاً وأربعين ذكوراً يؤخذ منه حق ذكر، أو إحدى وستين يؤخذ منه جذع ذكر، فإن كان يؤدي إلى التسوية بين نصابين؛ مثل: أن ملك ستاً وثلاثين بعيراً ذكراً، هل يؤخذ منه ابن لبون ذكر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل عليه بنت لبون؛ لأن في خمس وعشرين ابن لبون عند عدم [بنت مخاض]، فلو أخذنا من ست وثلاثين ابن لبون أدى إلى التسوية بين النصابين.
والثاني - وهو الأصح -: يؤخذ؛ فيخرج منها ابن لبون فوق ما يخرج من خمس وعشرين.
فصل: [في حلول الحول في الزكاة]
روي عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
ومثله عن ابن عمر.
حلول الحول على المال شرط لوجوب الزكاة، كما أن النصاب شرط؛ لأن الزكاة للمواساة مع الفقراء؛ فشرطنا النصاب حتى يبلغ المال مبلغاً يحتمل المواساة؛ لأن القليل لا يحتمل المواساة، وشرطنا الحول حتى ينمو فيه المال، فلا يشق على رب المال المواساة.
أما الثمار تجب الزكاة فيها ببدو الصلاح، وفي الزروع بالإدراك، وإن لم يتم الحول؛ لأن إدراكه نماء، ويشترط حلول الحول على جميع النصاب، حتى لو تلف بعض ماله قبل الحول، أو باعه؛ حتى انتقص النصاب انقطع الحول، ولا زكاة عليه.
ويشترط إمكان الأداء وهو ألا يشتغل بشيء يهمه من أمر دينه أو دنياه، ووجد من يجوز الدفع إليه، ثم إمكان الأداء شرط الوجوب، أم شرط الضمان والاستقرار؟ فيه قولان:
أصحهما -وبه قال أبو حنيفة-: شرط الضمان والاستقرار.
كما أن الصلاة تجب
بدخول الوقت، وتستقر بمضي إمكان الأداء.
والثاني- وهو قول مالك -: هو شرط الوجوب؛ كما هو شرط وجوب الداء بالاتفاق؛ بدليل أنه لو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء لا زكاة عليه، بخلاف الصلاة؛ لأن بعد دخول وقت الصلاة يمكنه أداء الصلاة، والاشتغال بأسبابها.
وها هنا لا يمكنه الأداء.
إلا بعد وجود المستحق.
والأول أصح؛ بدليل أنه لو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء سقطت الزكاة، ولو تلفت بعد الحول، وقبل الأداء لا تسقط عنه الزكاة وعلى القولين يكون ابتداء الحول الثاني من تمام الحول الأول، لا من وقت إمكان الأداء.
ولو حصل النتاج بعد الحول قبل إمكان الأداء، يضم إلى الأصل في الحول الثاني.
وعند مالك: يضم إليه في الحول الأول، وابتداء الحول الثاني من وقت إمكان الأداء.
وفائدة القولين فيما لو تلف بعض ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء؛ نظر: إن كان الباقي نصاباً يجب عليه زكاته، وإن كان أقل من نصاب لا تجب عليه زكاة ما تلف وهل تجب عليه زكاة ما بقي؛ مثل: أن ملك خمساً من الإبل؛ فتلف منها واحدة بعد الحول قبل إمكان الأداء: إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، فلا زكاة عليه؛ كما لو تلف قبل الحول.
وإن قلنا: شرط الضمان، فعليه أربعة أخماس شاة، لأنه وجبت عليه شاة بحلول الحول، ولم يستقر عليه بالإمكان إلا أربعة أخماسها.
وكذلك لو ملك ثلاثين من البقر؛ فتلفت منها عشرة بعد الحول قبل إمكان الداء.
إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، فلا زكاة عليه.
وإن قلنا: شرط الضمان، فعليه ثلثاً تبيع.
"فصل: في الوقص"
الوقص وهو ما بين النصابين، هل يتعلق به شيء من واجب النصاب الأول، أو يكون عفواً؟ فيه قولان.
قال في الجديد- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة - يكون عفواً، وهو يتبع النصاب
الذي بعده؛ كالوقص وهو ما دون النصاب.
وقال في رواية البويطي: ليس بعفو؛ فذا ملك تسعاً من الإبل، فعلى القول الأول: يجب في خمس منها لا بعينها شاة، والباقي عفو.
وعلى القول الثاني: يجب عليه شاة في الكل؛ لحديث أنس:"في أربع وعشرين فما دونها من الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض".
فجعل الفرض في النصاب وفيما زاد؛ ولأنه حق لله - تعالى - تعلق بنصاب من المال؛ فيتعلق به وبما زاد؛ كقطع السرقة، فإنه إذا سرق أكثر من نصاب يتعلق القطع بالكل.
وكذلك لو أوضح رأسه موضحة كبيرة، يجب فيها خمس من الإبل، ويتعلق بالكل.
وفائدته: تتبين فيما لو هلت الزيادة بعد الحول، وقبل إمكان الأداء مثل: أن ملك تسعاً من الإبل؛ فهلك منها أربعة بعد الحول، وقبل إمكان الأداء ماذا يجب عليه؟ إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، يجب عليه شاة؛ كما لو تلفت الزيادة قبل الحول.
وإن قلنا: شرط الضمان إن قلنا: الوقص عفو، فعيه شاة وإن قلنا: ليس بعفو، يجب عليه خمسة أتساع شاة؛ لأن الشاة وجبت في جميع التسع؛ وقد تلفت منها أربعة ولو تلفت منها خمسة بعد الحول قبل مكان الأداء إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب؛ فلا زكاة عليه؛ لأن النصاب قد انتقص قبل الوجوب.
وإن قلنا: شرط الضمان إن قلنا: الوقص عفو فعليه أربعة أخماس شاة؛ لأن الشاة وجبت في خمس، وقد تلفت منها واحدة.
وإن قلنا: ليس بعفو، فيجب أربعة أتساع شاة؛ لأن الشاة وجبت في التسع، وقد هلكت منها خمسة.
ولو ملك ثلاثين من الإبل، فهلك منها عشر بعد الحول قبل إمكان الأداء.
إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، يجب عليه أربع شياه.
وإن قلنا: شرط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو؛ فعليه أربع أخماس بنت مخاض؛
لأنها وجبت في خمس وعشرين، وقد تلف خمسها.
وإن قلنا: ليس بعفو، فعليه ثلثا بنت مخاض؛ لأنها وجبت في ثلاثين، وقد تلف منها ثلثها.
ولو تلف ماله بعد الحول قبل إمكان الأداء، فلا زكاة عليه.
وإن أتلفه لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنه مفرط بالإتلاف.
وإن أتلفه غيره.
إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، لا زكاة عليه، كما لو أتلفه قبل الحول.
وإن قلنا: شرط الضمان ينبني على أن الزكاة تتعلق [بالعين]، أم بالذمة؟ وفيه قولان.
إن قلنا: تتعلق بالذمة تسقط، وإن قلنا: تتعلق بالعين، ينتقل حق المساكين إلى قيمته؛ كالمرهون إذا أتلفه إنسان، أو العبد الجاني إذا قتل -يتعلق حق المرتهن والمجني عليه بقيمته.
وإذا هلك ماله بعد الحول، وإمكان الأداء؛ بأن وجد الإمام أو الساعي في الأموال الظاهرة، أو وجد المساكين في الأموال الباطنة؛ فلم يدفع إليهم حتى هلك - لا تسقط عنه الزكاة؛ سواء طالبوه أولم يطالبوه.
وعند أبي حنيفة: تسقط عنه الزكاة بتلف المال بعد الإمكان.
فنقول: عبادة يتكرر وجوبها، فإذا أخرها بغير عذر لا يسقط؛ كالصلاة والصوم.
ولو وجد المساكين في الأموال الظاهرة؛ فلم يدفع إليهم حتى يدفع إلى الساعي، فتلف: إن قلنا: لا يجوز تفريقها بنفسه، لا يضمن، وتسقط عنه الزكاة.
وإن قلنا: يجوز، فعلى وجهين:
أحدهما: يضمن؛ لأنه منعه عمن لو دفعه إليه جاز.
والثاني: لا يضمن: لأنه منعه ليدفع إلى الأفضل.
وكذل لو ظفر بالساعي في الأموال الباطنة؛ فلم يدفع إليه ليدفع بنفسه، أو ظفر بالمستحقين من الأجانب؛ فلم يدفع إليهم ليدفع إلى أقاربه أو جيرانه، فتلف -هل يضمن؟ فيه وجهان.
وجملته: أنه إذا منعه من الأفضل حتى هلك - ضمن، وإن منع؛ ليدفع إلى الأفضل - فعلى وجهين؛ فكل موضع أوجبنا الضمان، فلا فرق بين أن يكون أفرز قدر الصدقة من ماله، أو لم يفرز، وإن كان قد دفع إلى وكيله، تلف عنده؛ فيكون من ضمان الموكل.
أما إذا دفع إلى الإمام أو إلى الساعي سقط الفرض عنه؛ لأنه دفعه إلى نائب المستحقين، وإن تلف في يد الإمام، أو الساعي من غير تفريط؛ بأن لم يجد المستحقين، أو كان مشتغلاً بتعرف أحوالهم، أو كان الإمام ينتظر اجتماع المال، إذ لا يجب عليه قسمة كل قليل بين المساكين؛ لأنه يشق عليه - فلا ضمان عليه.
وإن أخر القسمة بغير عذر، فهو كما لو أتلفه؛ فعليه الضمان من مال نفسه، ولا تبعة على رب المال؛ سواء طالبه المساكين، أو لم يطالبوه، وإنما ضمن الإمام؛ لأنه كما يجب على رب المال الإخراج بعد الإمكان، يجب على الإمام التفريق بعد الإمكان، والساعي إنما يضمن بتأخير القسمة إذا كان الإمام فوضه إليه، فإن لم يفوض إليه، فلا يضمن.
"باب صدقة البقر السائمة"
روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمر معاذاً حين بعثه إلى "اليمن" أن يأخذ من ثلاثين تيعاً، ومن أربعين مسنة.
لا زكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع؛ وهو ما استوفى سنة، وطعن في الثانية سمي تبيعاً؛ لأنه يتبع الأم في المسرح.
فلو أعطى تبيعة جاز، وهو متبرع بالزيادة، ثم لا يزاد حتى يبلغ أربعين، ففيها مسنة، وهي التي استوفت سنتين، وطعنت في الثالثة، ثم لا يزاد حتى تبلغ ستين، ففيها تبيعان، ثم تستقر الفريضة؛ فيجب في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، ولا تتغير الفريضة إلا بعقد كامل.
فإذا اجتمع عدد من الأتبعة، فإذا زاد عقد أبدل تبيعاً بمسنة حتى يصير الكل مسنات، ثم ذا زاد عقد، فأبدل مسنتين بثلاثة أتبعة؛ ففي سبعين تبيع ومسنة، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائة مسنة وتبيعان، وفي مائة وعشرة مسنتان وتبيع، وفي مائة وعرين ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة؛ يختار الساعي ما هو الأنفع للمساكين - كما قلنا في الإبل - ولا مدخل للجبران في زكاة البقر.
فإن وجبت عليه مسنة، ولم يجد، لم يكن له أن يعطي التبيع مع الجبران؛ لأن السنة لم ترد به، ويقوم المسن الذكر مقام التبيع، وهو بالزيادة متبرع.
وعند أبي حنيفة: في خمسين بقرة مسنة وربع، وعنه رواية أخرى كمذهبنا.
وقال سعيد بن المسيب والزهري: يجب في كل خمس من البقر شاة إلى ثلاثين، ثم فيها تبيع ولو وجبت عليه مسنة في أربعين أو خمسين؛ فأخرج تبيعين - يجوز؛ لأنه أخرج أعلى من المنصوص عليه؛ لأن التبيعين لما جاز عن ستين، فأولى أن يجوز عن أربعين؛ كما لو أخرج بنت اللبون بدل بنت المخاض.
قال الشيخ: وعندي لا يجوز أن يخرج تبيعين بدل مسنة؛ لأن الشرع أوجب في أربعين سناً زائدة؛ فلا يجبر نقصان السن بزيادة العدد؛ كما لو أخرج عن ست وثلاثين ابنتي مخاض، لا يجوز.
والله أعلم.
"باب صدقة الغنم السائمة"
روي عن أنس؛ أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم-:"وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، وإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة".
لا زكاة في الغنم السائمة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز ثم لا يزاد الواجب حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، ففيها شاتان، ثم لا يزاد حتى تبلغ [مائتين وواحدة، ففيها ثلاث شياه.
ثم لا يزاد حتى] تبلغ أربعمائة، ففيها أربع شياه، ثم بعده في كل مائة شاة، والشاة الواجبة الجذعة من الضأن، أو الثنية من المعز.
والجذعة: ما استوفت سنة، سميت جذعة؛ لأنها تجذع السن، والثنية: مااستوفت سنتين.
وقيل: الجذعة ما استوفت ثمانية أشهر إلى سنة.
وقيل: إن كانت ربيعية فإنها تجذع
بعد ثمانية أشهر، وإن كان خريفية، فبعد سنة.
فإن أجذعت الضائنة، أو استكملت سنة فلم تجذع- جازت، وكذلك في الأضحية.
ولا تقبل الجذعة من المعز.
وقال مالك: تجوز الجذعة منهما.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز منهما دون الثنية.
وفي الأضحية اتفاق.
ولا تقبل العوراء والعرجاء والمعيبة في الزكاة؛ كما لاتجوز في الأضحية.
وقد يجوز في الزكاة ما لا يجوز في الأضحية؛ وهو ما لا ينقص القيمة والمنفعة؛ كقطع بعض الأذن والشرقاء والخرقاء؛ لأن المقصود من الأضحية اللحم، وفيه نقصانه، ومن الزكاة النفع بالدر والنسل؛ ولك لا يؤثر فيه.
ويجوز في الضحايا الذكر، ولا يجوز في الزكاة إذا كان بعض ماشيته إناثاً، وإن كانت أغنامه فوق الثنايا، لا يؤخذ شيء منها، إلا أن يتبرع رب المال.
فإن لم يتبرع، يجب عليه تحصيل جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز، ولا مدخل للجبران في زكاة الغنم.
فإن كان بعض أغنامه كراماً، والبعض لثاماً، أخذ من الوسط، وتعد السخال والعجاجيل والفصلان على رب المال مع الأمهات في النصاب، ولايؤخذ شيء منها؛ كما لا يؤخذ الخيار؛ مثل: الأكولة؛ وهي السمينة التي تعد للأكل، ولا الربى وهي التي معها ولدها، ولا الماخض، ولا فحل الغنم؛ وهو الذي يعد للضراب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: "إياك وكرائم أموالهم".
وإنما تؤخذ الوسط؛ وهي الجذعة والثنية؛ فإن أعطي شيئاً من هذه الخيار متبرعاً - يقبل منه.
"فصل: في ضم النتاج إلى الأمهات في الحول"
النتاج يضم إلى الأمهات في الحول؛ حتى لو حدثت - وقد بقي من حول الأمهات يوم- فإذا تم حول الأمهات بعد النتاج مع الأمهات، وتؤخذ الزكاة من الكل، وإن حدث النتاج بعد تمام الحول يضم إلى الأمهات في الحول الثاني.
وفائدة الضم: إنما تتبين إذا كانت الأمهات نصاباً، وتم بالنتاج نصاب آخر، فإن لم يكن الأمهات نصاباً وتم بالنتاج؛ فيبتدأ الحول من اليوم الذي تم فيه النصاب بالنتاج.
وإن كانت الأمهات نصاباً ولم يتم بالنتاج نصاب آخر، فلا تظهر فائدة الضم.
مثل: أن ملك مائة شاة، فنتجت عشرين سخلة، فلا فائدة في الضم؛ لأن الواجب في جميعها شاة واحدة.
ولو نتجت إحدى وعشين سخلة، أو ملك مائة وعشرين؛ فنتت واحدة في آخر الحول، فإذا تم الحول، عليه شاتان.
ولو ملك مائة وعشرين؛ فخرج بعض الحمل من بطن واحدة، وتم الحول قبل الانفصال، فلا حكم له ما لم ينفصل الجميع قبل الحول.
أما إذا استفاد من جنس ماشيته شيئاً بشراء، أو قبول هبة أو إرث، أو قبول وصية؛ فلا يضم إلى ماشيته في الحول.
وعند أبي حنيفة: لا يضم إلى المزكي بدله؛ وهو أن يكون له دراهم؛ فأخرج زكاتها، ثم اشترى بها ماشية.
قال: لا يضم إلى ما عنده في الحول، بل يستأنف للمستفاد بالشراء حول آخر.
فنحن نقيس عليه؛ فنقول: مستفاد أصل بنفسه تجب الزكاة في عينه، فيقتضي في الزكاة حولاً بنفسه؛ كالمستفاد من غير جنسه، وكالمزكي بدله.
فلو اختلف الساعي، ورب المال: فقال رب المال: حصل هذا النتاج بعد الحول، وقال الساعي بل حصل قبله.
أو قال رب المال: هذا مستفاد من موضع آخر.
وقال الساعي: بل نتاج ماشيتك؛ فالقول قول رب المال.
فإن اتهمه، حلفه.
إذا ثبت أن المستفاد لا يضم ما عنده في الحول، يضم إليه في النصاب؛ مثل: أن ملك عشرين من الإبل فبعد ستة أشهر ملك عشراً، فإذا مضت ستة أشهر، تم حول العشرين عليه أربع شياه؛ لأنها كانت منفردة في بعض الحول.
ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى، تم حول المستفاد؛ فيجب عليه ثلاث بنات مخاض؛ لأنها كانت في جميع حولها مع عشرين.
ثم بعد ستة أشهر عليه ثلثا ابنة مخاض، ثم بعد ستة أشهر أخرى، عليه ثلث بنت مخاض؛ هكذا يزكي أبداً.
وقال ابن سريج: لا يضم المستفاد إلى الأصل في النصاب؛ كما لا يضم في الحول؛ فعليه في العشرين، كما تم حولها أربع شياه، وفي المستفاد إذا تم حولها شاتان.
وعلى هذا لو ملك ثلاثين من البقر ستة أشهر، ثم اشترى عشراً فإذا تم حول الأصل عليه تبيع، ثم إذا تم حول المستفاد عليه ربع مسنة.
ثم إذا تم حول الأصل ثانياً عليه ثلاثة أرباع مسنة؛ هكذا يزكي أبداً.
وعند ابن سريج: لا ينعقد الحول على العشرة؛ حتى يتم حول الأصل؛ فيخرج التبيع؛ ثم يستأنف الحول على الكل، وعلى هذا لو ملك أربعين شاة أربعة أشهر، ثم ملك
أربعين أخرى، ثم بعد مضي أربعة أشهر ملك أربعين أخرى، فإذا مضت أربعة أشهر من وقت الشراء الأخير - تم حول الأربعين الأولى؛ فعليه فيها شاة؛ لأنها كانت منفردة في بعض حولها، فإذا مضت أربعة أشهر أخرى، تم حول المستفاد الأول؛ فعليه فيها نصف شاة؛ لأنها كانت في بعض حولها مع أربعين، وفي بعضه مع ثمانين؛ فيغلب حكم الأقل؛ فإذا مضت أربعة أشهر أخرى تم حول المستفاد الثاني؛ فعليه فيها ثلاث شياه، ثم بعده عند انقضاء كل أربعة أشهر ثلاث شياه.
وعند ابن سريج: يجب عليه في كل أربعين إذا تم حولها شاة.
"فصل: في صغار الماشية"
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لساعيه: سفيان بن عبد الله الثقفي اعتد عليهم بالسخلة، يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربى والماخض، ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية؛ فذلك عدلبين غذاء الغنم وخياره.
إذا كانت ماشيته صغاراً وكباراً، لا تؤخذ منه صغيرة؛ حتى لو كانت فيها كبيرة واحدة، لا يؤخذ منه صغيرة، بل عليه كبيرة لائقة بماله؛ مثل: أن ملك أربعين من الغنم، وعشرون منها صغار - يجب عليه كبيرة بنصف قيمة كبيرة، ونصف قيمة صغيرة.
أما إذا كان الكل صغاراً سخالاً أو فصلانا أو عجاجيل، وإنما يتصور أن يتم الحول وهي صغار؛ بأن يضمها إلى الأمهات في آخر الحول، ثم ماتت الأمهات قبل الحول، وبقيت الصعار نصاباً، فإذا تم حول الأمهات تجب الزكاة في الصغار.
وقال أبو القاسم الأنماطي: إذا ماتت الأمهات، أو انتقص نصابها، انقطع الحول عن الصغار.
والمذهب الأول؛ لأنها جملة حادثة في الحول؛ فهلاك بعضها إذا لم ينقص النصاب، لا ينقطع الحول؛ ما لو بقي من الأمهات نصاب.
إذا ثبت أن الزكاة تجب في الصغار، فكيف تؤخذ [فيه] قولان: قال في الجديد- وهو الأصح -: عليه صغيرة لائقة بماله، ثم تؤخذ أنثى إن كان بعضها أنثى، إلا من ثلاثين عجلاً يؤخذ عجل ذكر.
وقال في القديم: يجب عليه كبيرة لائقة بماله؛ وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز في الصغار، إلا أن يكون فيها كبيرة واحدة: ذكر أو أنثى، ثم في الجديد إنما تؤخذ صغيره إذا كان لا يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير؛ مثل زكاة الغنم.
وكذلك يخرج من خمس وعشرين فصيلاً فصيلٌ، ومن ثلاثين عجلاً عجل، فإن كان يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير؛ ففيه وجهان؛ مثل: أن ملك ستاً وثلاثين، أو ستاً وأربعين فصيلاً، هل يؤخذ منه فصيل أو ملك أربعين عجلاً، هل يؤخذ منه عجل؟
أحدهما: لا يؤخذ، بل عليه الفرض المنصوص بالقسط؛ فيقوم النصاب من الكبار، ثم تقوم فريضته، ثم يقوم النصاب من الصغار؛ فتؤخذ كبيرة بالقسط؛ فعليه بنت لبون في ست وثلاثين، وحقه في ست وأربعين، ومسنة في أربعين عجلاً على هذا التقدير؛ لأنا لو أخذنا الفصيل أدى إلى التسوية بين النصاب الأول والثاني.
والوجه الثاني - وهو الأصح-: يؤخذ؛ لأن المأخوذ يكون من جنس المأخوذ منه، ويجتهد حتى يأخذ من ست وثلاثين فصيلاً فوق ما يأخذه من خمس وعشرين، ومن ست وأربعين فوق ما يأخذه من ست وثلاثين.
ولو ملك ستاً وثلاثين بنى مخاض، هل يؤخذ ابن مخاض؟ فعلى هذين الوجهين:
أحدهما: لا، لأنه لا يؤخذ من خمس وعشرين، بل عليه ابن لبون.
والثاني: يؤخذ فوق ما يأخذ من خمس وعشرين.
ولو ملك خمساً من الإبل؛ فنتجت خمس فصال، ثم ماتت الأمهات قبل الحول، فإذا تم حول الأمهات على الفصال، لا يؤخذ منه سخلة، بل عليه شاة كاملة؛ فلو أعطي فصيلاً، يؤخذ على القول الجديد.
فصلٌ: فيما يضم من المال
المال الزكاتي يضم بعضه إلى بعض في النصاب عند اتفاق الجنس، وإن اختلفت الأنواع؛ وذلك في الإبل مثل: المهرية والأرحبية والمجيدية، وفي البقر: العراب والجواميس، وفي الغنم: الضأن والمعز، ثم كيف تؤخذ الزكاة؟ فيه قولان:
أحدهما: تؤخذ من الأغلب، فإن استوى النوعان، أخذ الساعي ما هو أنفع للمساكين.
والقول الثاني: يؤخذ باعتبار القيمة من كل نوع بحصته.
مثل: أن ملك ثلاثين ضأناً، وعشراً معزاً.
فعلى القول الأول يخرج جذعة من الضأن، وعلى الثاني يخرج جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز بقيمة ثلاثة أرباع ضائنة، وربع ماعزة فيقال: لو كان الكل ضأنا، كان أقل ضائنة تجزئ قيمتها عشرون، ولو كان الكل ماعزاً كان أقل ماعزة تجزيء قيمتها اثنا عشر فيخرج جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز قيمتها ثمانية عشر.
وإن كان النصف ضأناً، والنصف معزاً - يخرج واحدة بقيمة نصف ضائنة، ونصف ماعزة.
ولو ملك خمساً وعشرين من الإبل: عشر مهرية، وعشر أرحبية، وخمس مجيدية - فعلى القول الأول: عليه بنت مخاض؛ بقيمة نصف مهرية، ونصف أرحبية؛ لأن هذين النوعين أغلب، وعلى القول الثاني عليه بنت مخاض بقيمة خمسي مهرية، وخمس أرحبية، وخمس مجيدية.
بيانه: أقل مهرية تجزيء قيمتها عشرة فخمساها أربعة، وأقل أرحبية تجزيء قيمتها سبعة ونصف فخمساها ثلاثة، وأقل مجيدية تجزيء قيمتها خمسة فخمسها دينار؛ فعليه بنت مخاض من أي الأنواع شاء، قيمتها ثمانية دنانير، وهذا بخلاف الثمار لا يأخذ من الأغلب، ولا باعتبار القيمة، بل يأخذ من الوسط؛ لأنه شق عليه التمييز بين أنواع الثمار.
ولو مل أربعين ضأنا؛ فأعطي منها ثنية من المعز؛ باعتبار القيمة، أو ملك أربعين معزاً؛ فأعطي جذعة من الضأن - هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ ما لا يجوز البقر من الغنم، والأصح جوازه، لاتفاق الجنس كالمهرية عن الأرحبية.
قال القاضي - رحمه الله-: ويحتمل ألا يؤخذ المعز من الضأن؛ لأن المعز دون الضأن، ويؤخذ الضأن من المعز؛ كما تؤخذ المهرية من المجيدية، ولاتؤخذ المجيدية من المهرية.
فصلُ: فيما لو مل أربعين من الغنم
إذا ملك أربعين من الغنم ثلاثة أحوال، لم يؤد زكاتها؛ نظر: إن حصل عند انقضاء كل حولٍ: إما مع تمام الحول، أو قبله نتاج واحد عيه ثلاث شياة؛ لأن النصاب لا ينتقص بإخراج زكاة الحول [الأول]؛ كما لو ملك ثلاثاً وأربعين ثلاث سنين.
وإن لم يحصل نتاج فكم يجب عليه؟ فيه قولان؛ بناء على أن الزكاة تتعلق بالعين، أو بالذمة؟ وفيه قولان.
قال في القديم: تتعلق بالذمة، والعين مرتهنة بها؛ لأن العبادات تعلقها بالذمم؛ كالصلاة والصوم والكفارة وصدقة الفطر.
والدليل عليه: أنه يجوز أن يعطي حق الفقراء من غيرها، ولو كانت متعلقة بالعين، لكان لا يجوز؛ كما أن حق الشريك لايجوز للشريك الآخر أداؤه.
وقال في الجديد- وهو الأصح؛ وبه قال أبو حنيفة -: تتعلق بالعين؛ كتعلق حق الشريك بمال الشركة؛ بدليل أنها تسقط بهلاك المال بعد الحول قبل إمكان الأداء؛ كحق المضارب والشريك يسقط بهلاك المال.
فإن قلنا: تتعلق بالذمة، يجب عليه ثلاث شياه لثلاث سنين؛ على ظاهر المذهب الذي يقول: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
فإن قلنا: يمنع، لا يجب إلا شاة واحدة للسنة الأولى؛ لأن تلك الشاة دين في ذمته، فيمنع وجوب الزكاة للسنة الثانية.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، فلا يجب إلا شاة واحدة للسنة الأولى؛ لأن المساكين ملكوا واحدة منها في الحول الأول؛ فانتقص النصاب.
ولو ملك خمساً من الإبل ثلاث سنين لم يؤد زكاتها.
إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، يجب عليه ثلاث شياه، على ظاهر المذهب الذي يقول: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، فقد قيل: هو كالقول الأول الذي يقول: إن الزكاة تتعلق بالذمة؛ لأن الواجب ليس من جنس ماله.
فإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة، عليه ثلاث شياه، وإلا فشاة واحدة.
والصحيح: أن حكمه حكم ما لو كان الواجب من جنسه، وحق المساكين يتعلق بعينه؛ بدليل أنه إن لم تحصل الشاة، فللإمام أن يبيع جزءاً من الإبل في الشاة ولو أدى منها بعيراً، يجوز بالاتفاق؛ فلا يجب عليه إلا شاة واحدة للسنة الأولى.
ولو ملك خمسة وعشرين بعيراً ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، فعليه ثلاثة بنات مخاض وإن قلنا: بالعين، فعليه بنت مخاض للسنة الأولى، وأربع شياه للسنة الثانية، وأربع للسنة الثالثة.
فصلٌ: [هل تجب الزكاة في المال المغصوب ونحوه؟]
المال المغصوب والمجحود والضال ايجب على المالك إخراج زكاته ما لم يرجع
إليه، فإذا رجع إليه بعد سنين؛ هل يلزمه إخراج زكاته لما مضى؟ نصَّ في المواشي: أنه يزكيها لأحوالها، وقال في الدراهم والدنانير: لا يجوز فيها إلا واحد من قولين: إما أن لا زكاة فيها؛ لأنه يحول دونها.
وإما أن يزكي للأحوال كلها؛ لأن ملكه عليها باق اختلف أصحابنا فيه: منهم من جعل فيها قولين:
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة-: لا يجب عليه زكاتها؛ لأن نماء الملك كان منقطعاً عنه؛ كما لو باعه سنين، ثم اشتراه.
والثاني - وهو الأصح-: يجب أن يزكيها لأحوالها؛ لأن مِلكه كان باقياً عليها؛ كالمرهون.
ومنهم من قال: يجب أن يزكيها لأحوالها قولاً واحداً وحيث قال: لا يجوز فيها إلا واحد من قولين، أراد به: ملكاً؛ فإنه يقول: يجب عليه زكاة العام الأول دون ما بعده؛ فقال لا يجوز إلا واحد من قولين.
أما ما قلت: وهو أن يزكيها لأحوالها، أو ما قال أبو حنيفة: إنه لا زكاة عليه فيها- فإما أن يفصل بين عام وعام فليس ذلك بقياس.
ومنهم من فرق بينهما على ظاهر النص: فقال في الماشية: يجب أن يزكيها لأحوالها؛ لأنها تعود إليه بنمائها، وفي الدراهم والدنانير قولان؛ لأنها لا تعود إليه بربحها؛ لأن الربح الذي حصل عليه يكون للغاصب؛ حتى لو كانت الماشية غصبها أهل الحرب، أو عبيده أبقوا: فذهبوا بها، وأتلفوا الدر والنسل -فهي كالدراهم والدنانير.
خرج منه: أنها إذا عادت إليه من غير نماء، ففي وجوب زكاتها لما مضى قولان.
فإذا عادت إليه مع النماء، ففيه طريقان:
أحدهما- وهو قول ابن سريج -: يلزمه زكاتها قولاً واحداً.
والثاني- وهو الصحيح-: أنه على قولين.
أما إذا أسر رب المال، وحيل بينه وبين المال؛ حتى مضت أحوال فهل تلزمه زكاتها؟ فيه طريقان:
أحدهما: فيه قولان؛ كما لو غصب المال.
والثاني: يجب قولاً واحداً؛ لأنه كان في الأسر يملك بيعها ممن شاء؛ فكان كالمودع، بخلاف المغصوب.
فإن قلنا: يجب أن يزكيها لأحوالها، فلو كان نصاباً واحداً، وعاد إليه بعد ثلاثة
أحوالٍ، فهو كما لو كانت في يده، ولم يخرج زكاتها ثلاثة أحوال؛ على ما ذكرنا.
ولو كانت له أربعون شاة، فضلت منها واحدة ثم وجدها - إن قلنا: لا زكاة في الضالة حتى يجدها، ستأنف الحول؛ سواء وجدها بعد ما تم الحول أو قله؛ لأنه إذا ضل انقطع الحول.
وإن قلنا: فيها زكاة، فإن وجدها قبل الحول بنى على الحول وإن وجدها بعد الحول، أخرج الزكاة عن الكل.
وإن كان ماله مدفوناً، فنسي، ثم تذكر بعد سنين - فكالمغصوب؛ سواء كان في داره أو خارجاً.
وقيل هاهنا: يجب قولاً واحداً، وهو بالنسيان غير معذور.
وقال أبو حنيفة: إن دفنه في حرزه، فإذا وجد زكى لما مضى، وإن دفنه في غير حرزه، فلا زكاة عليه؛ لأنه خارج عن يده.
"فصلٌ: فيما إذا تنازع الساعي ورب المال"
إذا طالب الساعي رب المال بالزكاة؛ فقال رب المال: هذه وديعة عندي، أو لم يحل عليها الحول، أو هي معلوفة، أو بعتها في خلال الحول ثم اشتريتها، أو أديت الزكاة إلى ساع آخر، أو دفعت بنفسي - حيث جوزنا، فالقول قول رب المال.
فإن اتهمه الساعي أحلفه، فإن لم يحلف، اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: لا شيء عليه؛ لأنه ليس هاهنا من يرد اليمين عليه، ولا يجوز القضاء بالنكول؛ حتى لو كان مساكين البلد محصورين.
وقلنا: نقل الصدقة لا يجوز؛ فهم يحلفون، ويستحقون.
ومنهم من قال: تؤخذ منه الزكاة؛ لأن الظاهر أن ما في يده ملكه، وأنه لم يبعه؛ فهو في الحقيقة يقر بوجوب الزكاة، ثم يدعي سقوطها، إلا أنا قبلنا قوله؛ لأنه أمين.
فإذا لم يحلف صار كأنه لم يدع أداء ولا بيعاً، والأصل وجوبها عليه، ولا يكون قضاء بالنكول وحده، وإن كان لو حلف لا يأخذ منه شيئاً؛ كالمرأة إذا نكلت عن اللعان يحدها لا بنكولها وحدها، بل بلعان الزوج؛ لأن لها إسقاطه عن نفسها باللعان، فإذا لم تفعل استوفى.
ومنهم من قال - وهو الأصح، وبه قال ابن سريج -: إن تصور بصورة المدعي عليه؛ بأن قال: هي وديعة عندي، أو لم يحل عليه الحول، أو ها النتاج حدث بعد الحول - فلا نحكم عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
وإن تصور بصورة المدعين؛ بأن قال: أديتُ إلى ساع آخر، أو فرقتها بنفسي؛ فهو يقر بالوجوب، ويدعي سقوطه وكذلك لو ادعى: أنه باع، ثم اشترى، فهو مقر بوجود النصاب، وتمام الحول في يده، ويدعي حدوث سنة السقوط، لا يقبل قوله، وعليه الزكاة.
وذكر صاحب "التلخيص" وجهاً آخر: أنه يحبس حتى يقر؛ فيؤخذ منه، أو يحلف؛ فيبرأ؛ لأن القضاء بالنكول لايجوز، وترك الزكاة لا يجوز؛ فلا وجه إلا هذا.
ولو نقل رب المال فأخفي بعض ماله؛ لتقليل الصدقة - عُزر عليه.
فإن ادعى الجهالة لم يعزر وأخذت الصدقة منه.
وإن قال: أخفيت لأؤدي بنفسي؛ فإن الساعي جائرٌ: فإن كان كما يقول، لم يعزر، وإلا عزر.
والله أعلم.
باب صدقة الخلطاء
روي عن أنس؛ أن أبا بكر تب له [فريضة الصدقة] التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يُجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية".
الخلطة في المواشي بين الشركاء تجعل أموالهم مال الواحد في حق الزكاة، إذا كان الشريكان جميعاً من أهل وجوب الزكاة عليهم؛ فتارة تؤثر الخلطة في [إيجاب الزكاة] وتكثيرها، وتنفع المساكين، وتارة تؤثر في تقليلها ويضر المساكين ففي النصاب الأول ينفع المساكين إذا كان بين رجلين أربعون من الغنم مختلطة، عليها فيها شاة إذا تم الحول.
ولو انفرد كل واحد منهما بنصيبه، لا زكاة عليهما، ويضر المساكين فيما إذا كان بينهما ثمانون شاة، أو كان بين ثلاثة مائة وعشرون شاة مختلطة.
لايجب عليهم إلا شاة واحدة.
ولو انفرد كل واحد بنصيبه، كان على كل واحد شاة، ولا يشترط أن يكون نصب كل واحد نصاباً في ثبوت حكم الخلطة؛ حتى لو كانت أربعون شاة مشتركة بين أربعين رجلاً، يجب عليهم فيها شاة، بل الشرط أن يكون مجموع المختلط نصاباً.
وعند مالك: لا حكم للخلطة؛ حتى يكون نصيب كل واحد نصاباً.
وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة، وعلى كل واحد أن يزكي زكاة الانفراد إذا كان نصيبه نصاباً، والحديث حجة عليه؛ فإن فيه:"لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة.
فهذا نهي يتناول الساعي، ورب المال جميعاً من جهة صاحب الشرع، نهاهما عن الجمع والتفرق؛ لتقليل الصدقة، ونهى الساعي عنهما؛ لتكثير الصدقة، فجمع رب المال أن يكون لرجلين لكل واحد أربعون من الغنم متفرقة؛ فأراد الجمع؛ لتقل الصدقة، وتعود إلى شاة واحدة وتفريقه: أن يكون بينهما أربعون مختلطة، فأراد التفريق؛ لتسقط الصدقة.
وجمع الساعي -: أن يكون لرجلين لكل واحد عشرون من الغنم متميزة، فأراد الجمع؛ ليأخذ منهما شاة، وتفريقه: أن يكون بينهما ثمانون مختلطة، فأراد أن يفرق؛ ليأخذ شاتين؛ فليس لهما ذلك.
ثم هذا النهي لمن يقصد به تغيير حكم الزكاة، فن لم يقصد فهو تصرف في ملكه لا يمنع منه.
والجمع في خلال الأول لا يغير حكم الزكاة في ذلك الحول، والتمييز يغير إن كان قبل الحول؛ لأن المال إذا كان منفرداً في بعض الحول يغلب حكم الانفراد.
وإنما يثبت حكم الخلطة، إذا كان الخليطان من أهل وجوب الزكاة عليهما، وإن كان أحدهما ذميا أو مكاتباً؛ فلاحكم للخلطة.
فإن كن نصيب المسلم الحر نصاباً، عليه زكاة الانفراد، وألا فلا شيء عليه.
والخلطة نوعان: خلطة مشاركة، وخلطة مجاورة: فخلطة المشاركة ألا يتميز نصيب أحدهما عن الآخر؛ بأن ورثا ماشية أو ابتاعاها معاً؛ فما من جزء منها إلا وهو مشترك بينهما.
وخلطة المجاورة: أن يكون لكل واحد منهما ماشية متميزة، فخلطاها؛ يعرف كل واحد منهما عين ماله وكلا الخليطين سواء في حكم الزكاة، ويشترط مضي الحول على المالين.
والسوم: أن يكون مجموعهما نصاباً، ويشترط في خلطة المجاورة شرائط؛ وهي أن يجتمعا في: المراح، والمسرح، والمشرب، وموضع الحلاب الراعي والفحولة.
روي عن سعد بن أبي وقاص؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال: "والخليطان ما اجتمعا على الفحل الراعي والحوض" فنص على هذه الثلاثة، ونبه على ما سواها - ونعني بالاجتماع
على الفحل: أن يكون الفحل مرسلاً، لا يميز أحدهما ماشيته عند الإنزاء، ولا يكون لكل واحد راع على الانفراد، بل من يرعى وسقي هذه يرعى ويسقي تلك، ولا يشترط أن يكون الفحل مشتركاً بينهما.
وقيل يشترط.
فإن تميزا في مُراح، أو مسرح ومشرب، أو موضع حلبٍ، أو راعٍ، أو في الإنزاء - فلا يكونا خليطين، ولا يشترط أن يحلب أحدهما فوق لبن الآخر، ثم يقتسما، ولا أن تكون الغلة مشتركة بينهما؛ ولا يضر تعدد الرعاء والمرعى والحالب والفحل والحوض والبئر التي يسقي منها، إذا لم يتميز غنم أحدهما عن غنم الآخر في شيء منها.
وإن ميز أحدهما ماشيته في شيء منها قصداً، وإن كان يسيراً - انقطع حكم الخُلطة.
ثم من كان نصيبه نصاباً، عليه زكاة الانفراد، إذا تم الحول من يوم ملكها، لا من يوم ميزها.
وإن تفرقتا من غير قصد؛ بأن يكون لماشية كل واحد منهما هادٍ، وتعودت كل واحدة اتباع هاديها؛ فتفرقتا - لا يرن كان يسيراً، إلا أن يراها المالكان فيقراها عليه، أو جاء أحد الخليطين، وأخذ هادي غنم صاحبه؛ حتى لا يتبعه غنمه - فترتفع الخلطة لو تفرقتا من غير قصدٍ، ولم يعلم المالكان؛ حتى طال الزمان؛ هل ترتفع الخلطة؟ فيه وجهان، وكذلك لو فرقهما الراعي في شيء منها؛ هل ترتفع الخلطة؟ فيه وجهان.
وكذلك هل يشترط القصد إلى الخلطة لثبوت حكمها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط؛ لأنه يتعين بها الفرض.
والثاني: لا يشترط؛ لأن الخلطة إنما أثرت في حكم الزكاة؛ لتأثيرها في خفة المؤنة؛ باتحاد الراعي والمُراح والمسرح، ولخفة المؤنة تأثير في أمر الزكاة؛ ولذلك لا تجب الزكاة في المعلوفة، وإنما تجب في السائمة، وخفة المؤنة حاصلة بالاختلاط من غير القصد، ونظير هذين الوجهين القصد إلى السوم؛ هل هو شرط لوجوب الزكاة؟ فيه وجهان.
واتفاق الحول ليس بشرط لثبوت حكم الخلطة.
وقال ابن سريج: اتفاق الحولين شرط.
والأول المذهب.
أما مُضيُّ الحولِ على الاختلاط شرط؛ فإن كان في شيء من الحول منفرداً وإن قل كان الحكم للانفراد.
وتفصيله: إذا كان بين رجلين نصاب من الماشية مختلطة؛ لا يخلو: إما أن كان نصيب كل واحد منهما نصاباً، أو لم يكن.
فإن لم يكن؛ لا يخلو: إما أن اتفقا في الحول، أو اختلفا.
فإن اتفقا، بأن كان لكل واحد عشرون من الغنم؛ فخلطاها - ينعقد الحول من يوم الخلط، فعند انقضائه عليهما شاة، فإن اختلفا في الحول بأن كان لرجل أربعون من الغنم، باع نصفها مُشاعاً بعد ستة أشهر، أو باع معيباً، ولم يميز، بل سلم الكل إلى المشتري؛ ليحصل تسليم النصف - ينعقد حول المشتري من يوم الشراء؛ فإذا مضت ستة أشهر من يوم الشراء تم حول البائع، فعليه نصف شاة، ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى، تم حول المشتري فعليه نصف شاة، هكذا يزكيان أبداً؛ كلما مضت ستة أشهر، يجب على كل واحد نصف شاة، إذا أديا الزكاة من موضع آخر؛ حتى لم ينتقص النصاب.
وقيل: لا زكاة على المشتري إذا تم حوله على قولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين، لأن حول الأول إذا تم زال ملكه عن قدر الزكاة؛ فانتقص النصاب.
أما إذا قلنا: تتعلق بالذمة، فعليه نصف شاة.
وقيل على القولين: عليه الزكاة؛ لأن الأول إذا أدى الزكاة من غيرها لم يزل مله عن العين؛ فلم ينتقص النصاب.
ولو باع نصفها معيباً، وأقرن التسليم، ثم خلطا في الحال - فهل يبطل حكم الخلطة بهذا التفريق اليسير؟ فيه وجهان.
إن قلنا: يبطل، يستأنف الحول من وقت الخلط.
وإن قلنا: لا تبطل؛ فهو كما لو لم يتفرقا.
ولو لم يسلم إلى المشتري؛ حتى تم الحول، فالمذهب: أن المبيع قبل القبض إذا تم عليه الحول - يجب فيه الزكاة.
وقيل: فيه قولان؛ كالمغصوب.
فإن قلنا: يجب فيه الزكاة، فهو كما لو سلم.
وإن قلنا لا يجب، فها هنا يجب على البائع عند تمام حوله نصف شاة، ثم إذا تم حول المشتري من يوم قبض، يخر نصف شاة.
ولو كان بينهما أربعون مختلطة؛ فجاء رجل بعشرين وخالطهما، ثم أخذ الخليطين الأولين ميز ماله فلا شيء على المميز عند تمام الحول، وعلى الذي بقي في الخلطة
نصف شاة عند تمام حوله، وعلى الثالث نصف شاة إذا تم حوله من يوم الخلط.
أما إذا كان نصيب كل واحد منهما نصاباً؛ لا يخلو: إما إن اتفقا في الحول، أو اختلفا: فإن اتفقا؛ نظر: إن انعقد الحول على الاختلاط؛ بأن ملكا ثمانين شاة مختلطة أو ملكا متفرقين؛ فكلما ملكا خلطا، فإذا تم الحول من يوم ملكا يزكيان زكاة الأخلاط عليهما شاة واحدة.
وإن انعقد الحول على الانفراد؛ بأن ملك كل واحد أربعين شاة أول المحرم، وخلطا أول صفر؛ فإذا جاء المحرم تم حولهما يزكيان زكاة الانفراد؛ فيجب على كل واحد منهما شاة، لأن مال كل واحد منفرداً في بعض الحول؛ فيغلب حكم الانفراد.
ثم في السنة الثانية يزكيان زكاة الاختلاط؛ فيجب عليهما شاة واحدة؛ على كل واحد نصفها.
هذا هو المذهب.
وقال في القديم: في السنة الأولى أيضاً يزكيان زكاة الاختلاط، فعليهما شاة؛ لأن الاعتبار في قدر الزكاة بآخر الحول؛ بدليل أنه لو ملك مائة وإحدى وعرين شاة؛ فتلفت منها واحدة قبل الحول بيوم- لا يجب عليه إلا شاة واحدة والأول المذهب؛ كما لو كان لكل واحد أقل من نصاب؛ فخلطا قبل الحول بيوم - لا يزكيان زكاة الاختلاط وإن اختلفا في الحول بأن ملك أحدهما أول المحرم أربعين، وملك الآخر أول صفر أربعين، ثم خلطا أول رجب؛ فإذا جاء المحرم، ثم حول الأول؛ فعليه شاة، ثم إذا جاء صفر، تم حول الثاني؛ فعليه شاة، ثم بعده يزكيان زكاة الاختلاط فعلى الأول عند أول كل محرم نصف شاة، وعلى الثاني عند أول كل صفر نصفها.
وعند ابن سريج: يزكيان أبداً زكاة الانفراد؛ لاختلاف الحول، وإن كان الاختلاط مقترناً بملك الثاني؛ مثل: أن ملك رجل أربعين أول المحرم، وملك آخر أربعين أول صفر - فكما ملك خلطا؛ فإذا جاء المحرم، يجب على الأول شاة، وإذا جاء صفر، ثم حول الثاني؛ فعليه نصف شاة، ثم بعده على كل واحد نصف شاة عند تمام حوله.
ولو ملك رجل ثمانين من الغنم، فباع نصفها مشاعاً من رجل أول صفر، فإذا جاء المحرم، ماذا يجب على الأول؟
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: يجب عليه شاة؛ لأنه ملك نصاباً إلى آخر الحول، وكان منفرداً في بعض الحول؛ فيغلب حكم الانفراد.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب عليه إلا نصف شاة.
قال الشيخ: وهو الأصح عندي؛ لأن الحول انعقد على ثمانين، وبقي له نصفها، وكان ذلك النصف مختلطاً بأربعين في جميع الحول فإذا جاء صفر، ثم حول المشتري؛ فعليه نصف شاة بالاتفاق، ثم بعده على كل واحد عند تمام حوله نصف شاة.
قال الشيخ: وهذا لو كان بين رجلين ثمانون من الغنم؛ فباع أحد الخليطين نصيبه في خلال الحول مشاعاً - فعلى الذي بقي في الخلطة إذا تم حوله نصف شاة، ثم إذا تم حول المشترين عليه نصف شاة.
هكذا يزكيان أبداً ولو كان لرجل ثمانون من الغنم ببلدين؛ في كل بلد أربعون؛ فباع بعد ستة أشهر نصف أحد الأربعين مشاعاً، فإذا تم حول البائع، نص: أن عليه شاة؛ تغليباً لحكم الانفراد؛ ويخرج الوجه الآخر.
قال الشيخ: وهو الأقيس؛ أن عليه ثلاثة أرباع شاة، على قولنا: إن الخلطة خلطة ملك، ويحتمل أن يكون النص جواباً على قولنا: إن الخلطة خلطة عين.
أما المشتري إذا تم حوله، فعليه ربع شاة، إذا قلنا: الخلطة خلطة ملك.
وإن قلنا: خلطة عين، فنصف شاة.
نص عليه.
أما إذا كان ثمانون شاة بين مسلم وذمي من أول المحرم؛ فأسلم الذمي أول صفر، فإذا جاء المحرم يجب على الأول شاة بالاتفاق؛ لأن حكم الخلطة لا يثبت بين المسلم والذمي؛ فكأنه انفرد بالأربعين جميع الحول، ثم إذا جاء صفر يجب على صاحبه نصف شاة، ثم بعده يجب على كل واحد عند تمام حوله نصف شاة.
وإن كنا نصيب أحدهما نصاباً؛ بأن ملك أربعين من الغنم ستة أشهر، ثم جاء رجل وخلط بها عشرين، فإذا مضت ستة أشهر من يوم الخلط، تم حول صاحب الأربعين؛ فعليه شاة.
وإذا مضت ستة أشهر أخرى، تم حول صاحب العشرين؛ فعليه ثلث شاة؛ لأن ماله كان مع أربعين في جميع الحول، ثم بعد ستة أشهر أخرى يجب على صاحب الأربعين ثلثا شاة.
ولو كان لرجلين لكل واحد أربعون شاة غير مختلطة، فبعد مُضي ستة أشهر باع أحدهما نصف أغنامه بنصف أغنام صاحبه مشاعاً وتقابضا، فإذا مضت ستة أشهر من يوم البيع، يجب على كل واحد نصف شاة من العشرين الباقية في ملكه؛ لأنها كانت مختلطة في جميع الحول بعشرين، ثم بعده حكم الخلطة ثابت، والحول مختلف، وإحدى الأربعينين متميزة عن الأخرى؛ فكل ستة أشهر يجب على كل واحد ربع شاة؛ لأن الكل ثمانون؛ فيجب في كل عشرين منها ربع شاة.
ولو كان بينهما ثمانون مشتركة؛ فاقتسما بعد ستة أشهر: إن قلنا: القسمة إفراز حق، فإذا مضت ستة أشهر من يوم القسمة - يجب على كل واحد منهما شاة؛ كما في خلطة المجاورة إذا ميز وإن قلنا: بيع فيما بقين ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى، تم الحول من وقت القسمة؛ فعلى كل واحد نصف شاة فيما تجدد ملكه عليه، ثم هكذا في كل ستة أشهر؛ كما لو كان بينهما أربعون شاة، فبعد مُضي ستة أشهر اشترى أحد الشريكين نصيب صاحبه- يجب عليه عند مضي كل ستة أشهر نصف شاة.
فصلٌ: في التراجع
رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية الحديث في خلطة المجاورة؛ لأن في خلطة المشاركة إذا أخذ الساعي واحداً منهما يكون المأخوذ من ماليهما جميعاً، فلا يثبت فيه التراجع، إلا أن يكون المأخوذ من جنس المال؛ بأن يكون بينهما خمس من الإبل وجدها الساعي في يد أحدهما؛ فأخذ منه شاة، رجع هو على صاحبه بنصف قيمتها، ويكثر التراجع في خلطة المجاورة.
فإن كان بينهما أربعون شاة يجوز للساعي أن يأخذ الشاة من نصيب أيهما شاء، فإذا أخذ الشاة من نصيب أحدهما، رجع المأخوذ منه بنصف قيمتها على خليطه، ولا يرجع بنصف قيمة شاة؛ لأن الشاة ليست بمثلية، فإن اختلفا في قيمته، فالقول قول المروع عليه؛ لأنه غارم.
فلو أخذ الساعي من أحدهما شاة رُبي أو ماخضاً أو ذات در - فلا يرجع هو على خليطه بنصف قيمة المأخوذ، إنما يرجع بنصف قيمة الواجب؛ لأنه مظلوم بأخذ الزيادة من جهة الساعي؛ فليس له أن يرجع على غير من ظلمه.
فإن كان المأخوذ قائماً في يد الساعي، يسترده رب المال، وإن كان تالفاً استرد منه الفضل، والفرض ساقط عن رب المال، وإن أخذ الساعي أكثر من الحق بتأويل؛ بأن أخذ كبيرة من السخال على قول مالك رحمه الله، فإنه يرجع على خليطه بنصف ما أخذ منه؛ لأنه والٍ أخذه بالاجتهاد، فلا ينقض عليه اجتهاده، وإن أخذ منه القيمة؛ هل يرجع على خليطه بشيء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لايرجع؛ لأن القيمة لا تجزئ في الزكاة.
والثاني- وهو الأصح-: يرجع؛ لأن الوالي أخذه بالاجتهاد؛ كما لو أخذ الكبيرة عن السخال.