عليكم بالتنوين ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه نقص الألف واللام، وإن تعمد بطلت صلاته.
والثاني: يجوز، والتنوين يقوم مقام الألف واللام، ولو قال: عليكم السلام يجوز؛ لأنه يعرف تسليماً.
وقال ابن سريج: لا يجوز، ولو قال: سلامي عليكم، أو سلام عليكم لم يجز؛ لأنه خصّ ولم يعم، وتبطل صلاته إن تعمد.
ولو قال: السلام عليهم لا يحصل به التحليل، ولا تبطل صلاته؛ لأنه لم يخاطبهم، بل دعا لهم، والصلاة محل الدعاء للمؤمنين، وتمام السلام أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله مرتين.
والسُّنَّة أن يبتدئ السلام مستقبل القِبلة، ويتمه ملتفتاً، فحيث يكون انقضاء سلامه مع تمام الالتفات، ففي التسليمة الأولى يلتفت عن يمينه حتى يرى من على يمينه خدَّه الأيمن، وفي التسليمة الثانية يلتفت عن يساره حتى يرى من على يساره خدَّه الأيسر، ولو بدأ باليسار يُكره، ويجوز، هذا هو المذهب أنه يسلم تسليمتين.
وقال في القديم: تسليمة واحدة تلقاء وجهه.
وفيه قول: آخر: أنه إن كان إماماً، وفي القوم كثرة يسلم تسليمتين، حتى يصل إلى آخرهم، وإن كان في القوم قلة سلم تسليمة واحدة.
وهل تجب نية الخروج عن الصلاة؟ فيه وجهان.
أظهرهما: لا يجب، كسائر العبادات لا يجب فيها نيَّة الخروج.
وقال صاحب "التلخيص": يجب؛ لأنه أحد طرفي الصلاة، فيفتقر إلى النية كالتحريم.
فإن قلنا: يجب أن ينوي مع التَّسليمة الأولى، فلو نوى قبلها بطلت صلاته ولو سلم ولم ينو بطلت صلاته، ولا يجب تعيين النية عند الخروج؛ لأن الخروج متعيّنٌ عما شرع فيه، بخلاف الشروع يحتاج فيه إلى تعيين النية؛ لأنه متردد، فلو عين وأخطأ إن قلنا: لا يجب نية الخروج عن الصلاة لا يضر؛ لأن ما لا يجب نيَّته فالخطأ فيه لا يضر، كتعيُّن اليوم في الصلاة لا يجب، فلو عين يوماً وأخطأ تصح صلاته.
وإن قلنا: يجب نيَّة الخروج، وإن تعمَّد بطلت صلاته، وإن سها سجد للسهو، ويعيد
السلام مع النية، وكذلك لو سلم وترك النية، وقلنا: هي واجبة، فإن تعمَّد بطلت صلاته، وإن سها سجد للسهو، وسلم ثانياً مع النية.
ويستحب أن ينوي بالتسليمة الأولى الخروج عن الصلاة، والسلام على من على يمينه من الملائكة، وإن كان إماماً، فعلى من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس، وبالتسليمة الثانية السلام على من على يساره من الملائكة، ومسلمي الجنِّ والإنس، والمأموم ينوي هكذا، ثم إن كان على يمين الإمام ينوي معها بالتسليمة الثانية الرد على الإمام، وإن كان على يساره، فبالتسليمة الأولى ينوي الرد، فإن كان في محاذاته، فبأي التسليمتين شاء، ولو نوى بعض المأمومين الرد على البعض يجوز، وهذا كله مستحبٌ، فلو لم ينو فمطلق سلامه يقع هكذا، إلا بنية الخروج، فإنها واجبة في وجه.
وروي عن سمرةَ قال: أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن نسلِّمَ على أنفسنا، وأن يسلِّم بعضنا على بعض.
ويستحب أن يذكر الله بعد الفراغ من الصلاة.
وروي عن المغيرة بن شعبة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دُبُر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ".
وعن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا سلّم من صلاته قال بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاه، له النعمة وله الفضل، وله الثَّناء الحسنُ، لا إله إلا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون".
وعن ثوبان قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا انصرف عن صلاته استغفر ثلاثاً وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" وعن سعد أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، ويقول: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يتعوذ بهن دبُر الصَّلاة "اللهم إني
أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذُ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر".
والسُّنة للإمام إذا سلَّم عن صلاته ألا يمكُثَ في موضع صلاته ليعلم الدَّاخلُ فراغَهُ؛ ولأن المستحبَّ للمأموم أن يقوم ما لم يقُم الإمام، وربما يكون له شُغل شقَّ عليهم انتظاره.
روي عن عائشة قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا سلَّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللَّهم أنت السَّلام ومنك السَّلامُ تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام".
فإن كان خلف الإمام نساءٌ فيمكث قدرَ ما ينصرف النساء، ولا يختلطن بالرجال.
روي عن أم سلمة أن النساء في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كنَّ إذا سلَّمن من المكتوبة قُمن، وثبت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن صلَّى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قام الرجال، ثم إن كانت الصلاة مما يتنفل بعدها، فالمستحبُّ أن يرجع إلى بيته لأداء السُّنة، فإن لم يفعل يُستحب أن يتأخر عن موضع فرضِهِ قليلاً ليكثر مواضع السجود، فلو صلَّى في مكانه جازَ.
وعند أبي حنيفة يُكرَهُ للإمام أن يتطوع في مكانِهِ ولا يكره للمأموم.
وإن كانت الصلاة مما لا يتنفل بعدها نظر إن أراد الانصراف انصرف إلى جانب بيته، أو مداسِهِ أو حاجته، فإن استوى الجانِبان، فاليمين أحبّ إلينا، وإن أراد المُكْثَ في المسجد ينصرف، ويستندُ إلى المِحرابِ، ويستحب أن ينصرف عن يمينه؛ لما روي عن أنس أن
النبي- صلى الله عليه وسلم- كان ينصرف عن يمينه، وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة يدخل يمينه في المِحراب، ويساره إلى الناس، ويجلس عن يمين المِحراب.
والثاني وهو الأصح: يدخل يساره في المِحراب، ويمينه إلى القوم، ويجلس على يسار المحراب؛ لما روي عن البراء قال: كنا إذا صلَّينا خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحببنا أن نكون على يمينه، يقبل علينا بوجهه، ولأنه ربَّما يكون معه مأموم واحد واقف على يمينه، فإذا فعل هكذا يكون مُقبلاً عليه بوجهه.
ويستحبُّ للمأموم ألا يبتدئ السَّلام حتى يفرغ الإمام من التسليمتين، وكذلك المسبوق لا يقوم إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين، فلو سلم المأموم، أو قام المسبوق بعد فراغه من قوله: السَّلام عليم جاز ولو سلَّم أو قام المسبوقُ قبل أن يبتدئ الإمام السلام بطلتْ صلاتهما، ولو ابتدئ المأموم السَّلام مع الإمام، أو قبل فراغه من قوله: عليكم هل يجوز؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز، كما لو ابتدأ التكبير معه لا يصح.
والثاني: يجوز، كما لو أتى بسائر الأركان معه، ولو قام المسبوق قبل فراغه من قوله: عليكم بطلت صلاته، ولو مكث المسبوق ساعة بعد فراغ الإمام من التسليمتين، نظر إن كان ذلك موضع تشهده جاز، وإن لم يكن بطلت إن تعمَّد، وإن سها فعليه سجود السهو.
فصلٌ
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1، 2].
ينبغي للمصلِّي أن يكون في صلاته خاشعاً مقبلاً بقلبه عليها، حافظاً بصره، لا يلتفت يميناً وشمالاً، فيكون بصره على موضع سجوده في القيام، وفي الركوع على ظهر قدميه، وفي السجود على أنفه، وفي القعود في حجره.
روي عن أبي ذرِّ قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه".
وعن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "يا أنس اجعل بصرك حيث تسجد" فلو كان ينظر إلى جانب لحاجةٍ لم يُكره؛ لما روي عن ابن عباس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلو عنقه خلف ظهره.
ويكره أن يرفع بصره إلى السماء؛ لما روي عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلواتهم" فاشتد قوله في ذلك حتى قال: "لينتهيَّن عن ذلك أو ليتخطَّفنَّ أبصارهم".
ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه عن الصلاة؛ لما روي عن عائشة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلى في خميصة لها أعلام ينظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي".
ويكره مسح الحصى؛ لما روي عن أبي ذرِّ عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإنَّ الرحمة تواجهه".
روي عن معيقيب أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد، قال: "إن كان قاعداً فواحدة".
ويُكره التثاؤب، لما روي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "التثاؤب في الصَّلاة من الشيطان، فإذا تثاؤب أحدكم فليكظم ما استطاع".
وفي رواية: "فليضع يده على فيه".
ويكره أن يشبِّك بين أصابعه، أو يفرقع أصابعه..
روي عن كعب بن عُجرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج عامداً إلى المسجد، فلا يشبِّكنَّ بين أصابعه، فإنه في الصلاة" ويكره أن يصلِّي الرجل متلثِّماً، ويكره للمرأة أن تنتقب في الصلاة؛ لأن وجهها ليس بعورةٍ.
روي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى عن السَّدلِ في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه، وأراد بالسَّدْلِ إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، كرهه الثَّوري والشافعي، ورخَّص فيه مالكٌ في الصلاة؛ لأن المصلي ثابت، وغير المصلي يمشي فيه فيكون من الخُيلاء.
فصلٌ: في الجهر بالقراءة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110].
السُّنَّة أن يُسِرَّ بالقراءة.
في صلاة الظهر والعصر، وفي الركعة الثالثة من صلاة المغرب، وفي الأخريين من صلاة العشاء، ويجهر بالقراءة في صلاة الصُّبح، وفي الأوليين من صلاة المغرب والعشاء إن كان إماماً أو منفرداً.
أما المأموم فيُسرُّ بالقراءة.
وعند أبي حنيفة: المنفرد يُسِرُّ، وعندنا يجهر؛ لأنه لا ينازع غيره، ولا هو مأمور بالإنصات إلى غيره كالإمام، والجهرُ مخصوص بالقراءة وتابعها، وهو التَّأمين، أما سائر الأذكار يسر بها إلا أن يكون إماماً، فيجهر بالتكبيرات إعلاماً للقوم.
وجملته أن صلاة الليل يجهر فيها بالقراءة، أما صلاة النهار إن كان لها نظير بالليل
كالظهر والعصر يُسِرّ فيها بالقراءة، وإن لم يكن لها نظير بالليل كالصبح والجمعة والعيدين والاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، ويسر في صلاة كسوف الشمس، ويجهر في صلاة خسوف القمر، ولو فاتته صلاةٌ بالليل، فقضاها بالليل يجهر فيها، ولو فاتته بالنهار وقضى بالنهار يسر، ولو فاتته بالليل وقضى بالنهار، أو فاتته بالنهار قضى بالليل، فيعتبر وقت القضاء أو وقت الفوات؟ فيه وجهان:
قال الشيخ- رحمه الله-: الأصح أن يعتبر وقت القضاء، وإذا تطوَّع بالليل، فالسُّنة ألا يرفع صوته بليغاً، ولا يخفض جداً لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 10].
روي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله، وقال لعمر: "مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك" قال: أوقظ الوسْنَانَ وأطرُدُ الشيطان، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر- رضي الله عنه-: "ارفع من صوتك شيئاً" وقال لعمر- رضي الله عنه-: "اخفض من صوتك شيئاً".
فصلٌ: في القُنُوت
قال ابن عباس: قنَتَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب
والعشاء وصلاة الصبح، إذا قال: سمع اللهُ لمن حمده من الرَّكعة الأخيرة يدعو على أحياء من سليم على رعْل وذكوان وعصية، ويؤمِّن من خلفه.
وعن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قنت شهراً، ثم تركه.
وذهب الشافعي إلى أنه يقنت في صلاة الصبح بعد ما رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وفرغ من قوله: ربَّنا لك الحمد إلى آخره، وقال: تركه النبي- صلى الله عليه وسلم- في الصلوات غير الصبح، وهو قول عليٍّ.
وقال عروة: يقنت في الصبح قبل الركوع.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وابن المبارك، وأكثر أهل العلم: لا يقنت في الصبح.
واتفقوا على القنوت في الوِتر، غير أن الشافعي يقول: يقنت في النِّصف الأخير من رمضان، وهو قول ابن عمر وأبي بن كعب، وبه قال الزهري وأحمد.
وقال مالك: يقنت في جميع شهر رمضان.
وقال النَّخعي، والثوري وابن المبارك، وأبو حنيفة: يقنت في جميع السَّنَة، ويقنت عندهم قبل الرُّكوع، وبعد الفراغ من القراءة يرفع يديه فيُكبر، ثم يقنت.
والذِّكر في القنوت ما روي عن الحسن بن علي- رضي الله عنه- قال: علَّمني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كلمات أقولهن في الوتْر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك
تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يزلُّ من واليت، تباركت ربَّنا وتعاليْتَ".
وإن كان إماماً لا يخص نفسه، ويذكر بلفظ الجمع، فيقول: اللهم اهدنا، وعافنا، وتولنا، وبارك لنا، وقنا، ويجوز إبدال هذه الكلمات بغيرها من الدَّعوات، بخلاف التشهد، فإنه فرضٌ، أو من جنس الفرض، ثم إن كان الرجل منفرداً يُسِرُّ بالقنوت، وإن كان إماماً فيه وجهان:
أحدهما: يُسِرُّ كما يسر بسائر الدعوات في الصلاة، فعلى هذا يقرأ من خلفه.
والثاني وهو الأصح: يجهر؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يدعو على واحدٍ، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدُد وطأتَك على مُضَر، واجعلها سنين كسني يوسف، يجهر بذلك فعلى هذا يؤمن القوم خلفه في الكلمات الخمس التي هي دعاء، ويذكرون معه الكلمات الثلاث التي هي ثناءٌ سرّاً.
وهل يجهر بالتأمين؟ فيه وجهان، كما في تأمين القراءة، فعلى هذا إن كان المأموم لا يسمع قنوت الإمام لبعد أو صمم، هل يقنت؟ فيه وجهان، كما في قراءة السورة.
وعند أبي حنيفة إذا قنت الإمام في الوتر سكت المأموم.
وقال محمد بن الحسن: يقرأ معه، وهل يرفع يديه في القنوت؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يرفع كسائر الأدعية في الصلاة لا يُسَنّ فيها رفع اليدين.
والثاني: يرفع، كما لو دعا خارج الصلاة.
ويروى رفع اليدين في القُنوت عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، فعلى هذا هل يمسح بهما وجهه؟ وجهان:
الأصح: لا يمسح، ويستحبُّ أن يصلِّي على النبي- صلى الله عليه وسلم- في القنوت.
قال عمر بن الخطاب: إن الدُّعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد فيها شيء حتى تصلي على نبيك.
وقيل: لا يصلي فإن فعل، فهو كما لو قرأ الفاتحة في التشهد؛ لأنها ذكر مفروض نقله إلى غير محلّه، ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول.
ولو قنَتَ قبل الركوع، فهو كما لو قرأ التشهد في القيام، وكذلك لا يقرأ القرآن في
القنوت، فإن قرأ قال الشافعي في "الأم": كرهته إلا أنه لا تبطل صلاته، ويسجد للسهو.
قلت: وكذلك لو قرأ في الركوع.
ولو حدث له أمر أو خاف عائقة يجوز أن يزيد في دعاء القُنوت، ولو نزلت بالمسلمين نازلةٌ يجوز أن يقنت في جميع الصلوات، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- على قَتَلة أهل بئر معونة، وعند عدم نزول النازلة هل له أن يقنت في جميع الصلوات؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يقنت.
وقال في "الإملاء": إن شاء قنَتَ، وإن شاء لم يقنت بعد الركوع في.
فإن قلنا: لا يقنت، فلو دعا بعد الركوع في غير محل القنوت، فإن دعا مطلقاً لا ينوي به القنوت، لم يسجد للسهو وإن نوى القنوت سجد للسهو.
والفرق أن الدعاء لغير القنوت غير مقصود فإذا أتى به لم يسجد للسهو ودعاء القنوت مقصود فإذا أتى به في غير موضعه سجد للسهو.
فصلٌ: في بيان أقل ما يجزئ من عمل الصلاة
روي عن عائشة قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهي عن عقبة الشيطان، ونهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُع، وكان يختم الصلاة بالتسليم.
الصلاة تشتمل على أركان، وأبعاض، وهيئات، فالأركان هي الفرائض إذا ترك شيئاً منها لا تصح صلاته، والأبعاض من جملة السُّنن لو ترك شيئاً منها تصح صلاته، ولكن يلزمه
سجود السهو، والهيئات هي السنن التي لو تركها فات حظه من ثوابها، وتصح صلاته، ولا يلزمه سجود السهو بتركها.
أما الأركان فثلاثة عشر: النية، وتكبيرة الافتتاح، والقيام، وقراءة الفاتحة، والركوع حتى يطمئن فيه، والرفع من الركوع حتى يعتدل ويطمئن، والسجود حتى يطمئن فيه، والجلوس بين السجدتين حتى يطمئن فيه، والجلوس للتشهد في آخر الصلاة، وقراءة التشهد، والصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم-، والتسليمة الأولى، وترتيب أفعالها.
وإذا أوجبنا نية الخروج، فتكون أربعة عشر، وإذا أفردت السجود الثاني يكون خمسة عشر، وبعضنا يفرد الطمأنينة في الركن عن الركن، فيقول: الركوع والطمأنينة فيه، والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود والطمأنينة فيه، والقعود بين السجدتين والطمأنينة فيه، فيكون في الركعة الأولى خمسة عشر ركناً مع الترتيب، وفي كل ركعة بعدها ثلاثة عشر، وفي التشهد الأخير أربعة سوى نية الخروج، فكل صلاة هي ذات ركعتين يكون فيها اثنان وثلاثون ركناً.
وأما الأبعاض فأربعة: القعود للتشهد الأول، وقراءة التشهد فيه، والقيام في محل القنوت، وقراءة القنوت في صلاة الصبح وفي الوتر، والصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول على أحد القولين، فيكون خمساً، وما سواها هيئات ذكرنا تفصيلها.
وعند أبي حنيفة فرائض الصلاة سبعة: الدخول فيها بذكر الله، والقيام، وقراءة القرآن، والركوع، والسجود، والقعود، ومقدار التشهد الأخير، والخروج منه وعنده النية من أسباب الدخول.
أما شرائط الصلاة قبل الشروع فيها خمسة: الطهارة عن الحدث والخبث، وسترُ العورة، واستقبال القِبلة، والعلم بدخول الوقت يقيناً أو اجتهاداً بغلبة الظن، والعلم بفرضية الصلاة ومعرفة أعمالها، فإن جهل الرجل فرضية أصل الصلاة، أو علم أن بعض الصلوات فريضة، ولكن لا يعلم فرضية الصلاة التي يشرع فيها لا تصح صلاته، وكذلك إذا كان لا يعرف فرضية الوضوء.
أما إذا علم أن الصلاة التي شرع فيها فرض، لكن لا يعرف أركانها، نظر إن كان يعلم أن بعض أفعالها فرض، والبعض سُنة، لكنه لا يعرف الفرض من السُّنة، لا تصح صلاته، وإن كان يعتقد أن جميع أفعالها، فرض، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تصح صلاته؛ لأن معرفتها فرض عليه، فإذا لم يعرف، فكأنه ترك ركناً من الصلاة.
والثاني: يصح؛ لأنه ليس فيها أكثر من أنه أدى سُنَّة باعتقاده الفرض، وذلك لا يؤثر في أداء الفرض، فإذا لم تصح صلاته، فهل يصح وضوءه في هذه الصورة؟ فيه وجهان.
فصلٌ: في ستر العورة
قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
وروي عن أبي هريرة أن سائلاً سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: "أولكلكم ثوبان؟ ".
المستحبُّ للرجل أن يلبس أحسن ما يجد في الصلاة، يتعمم، ويتقمص، ويرتدي، فلو صلى في إزار وسراويل وستر عورته، جاز.
وعورةُ الرجل ما بين السُّرة والرُّكبة، فإن ظهر شيء منه في الصلاة مع وجود الساتر لا تصح صلاته، والسرة والركبة ليسا بعورةٍ.
والصلاة في القميص أحبُّ إلينا من الإزار، والإزار أحب إلينا من السراويل، لأن الإزار يتجافى عن العورة، فلا يصفها، فإن الإزار واسعاً التحَفَ به، وخالف بين طرفيه على عاتقيه؛ لما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا صلَّى أحدُكُم في
ثوبٍ واحد فليخالف بطرفيه على عاتقيه.
وعن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يصلِّينَّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيءٌ".
ولو صلى في قميص واسع الجيب يرى عورته من الأعلى، لا تصح حتى يزره؛ لما روي عن سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله إني رجل أصيد أفأصلي في القميص الواحد قال: "نعم وأزرِرْهُ ولو بشوكةٍ" وهذا بخلاف ما لو صلى في إزار على طرف سطح يرى عورته من تحته، تصح صلاته؛ لأنه مأمور بالسَّتر من الأعلى، وإن كان واسع الجيب، غير أن لحيته وتمنع نفوذ الأبصار إليها ففيه وجهان:
أصحهما: يجوز، كما لو كان على إزاره ثقبة، فجمع عليها الثوب بيده يجوز، ولو وضع يده على الثقبة فكاللحية، ولو صلَّى في ثوب رقيق لا يستر لون عورته لا تصح صلاته، وكذلك لو ستر عورته بزجاج يرى من تحته لون عورته، ولو طَلَى الطين على عورته، أو كان يصلِّي قاعداً، فجمع التراب على عورته، أو وقف في ماء كدرٍ تصح صلاته على الأصح، فإن كان الماء صافياً لا يستر لون عورته لم تصح، ومن لم يجد ثوباً يستر به عورته يصلي عارياً، وكيف يصلي؟ فيه قولان:
أصحهما: يصلي قائماً بين الركوع والسجود؛ لأن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه، ولا إعادة عليه.
والثاني: يصلي قاعداً، وهو اختيار المُزنيّ ليكون أستر، وهل يتم السجود على الأرض أم يدني جبهته من الأرض؟ فيه قولان.
فعلى هذا يجب الإعادة، ولو وجد من الثوب ما يستر به بعض عورته، يجب أني ستر بذلك القدر، ويبدأ بالسَّوءتين، فإن وجد ما يستر به أحد الفرْجين يستر القُبُل رجلاً كان أو امرأة؛ لأنه لا حائل دون القُبُل، ودون الدُّبُر حائل من الأليتين، ولأنه يستقبل بالقُبُل القِبلة، وإن كان العُريان خُنثى ستر قُبُله، فإن كان الثوب يكفي لأحد قُبُليه يستر أيهما شاء، والأولى أن يستر آلة النساء إن كان هناك رجل، وإن كانت امرأة فآلة الرجال، وإن كان رجل وامرأة عاريان والثوب واحد، فالمرأة أولى به، فإن لبسه الرجل، فقد أساء، وتصحُّ صلاة المرأة عارية، وإن كان خُنثى ورجل فالخُنثى أولى به، وإن كان خنثى وامرة، فالمرأة أولى به، وإن وجد العريان ثوباً نجساً عليه ستر العورة به، وهل يُصلِّي فيه أم يصلي عارياً؟ فيه قولان:
أحدهما: يُصلِّي فيه كما يلبسه لمنع أبصار الناس، ثم يعيد الصلاة.
والثاني: وهو الأصح يصلي عارياً ثم [هل يصلي قائماً؟ الأصح أنه] يُصلّي قائماً، ولا تلزمه الإعادة.
وقال أبو حنيفة: يتخير العُريان بين أن يصلي عارياً، أو في الثوب النجس، ولو كان طرف من الثوب نجساً ولا يجد ما يغسله هل يجب قطعه أم لا؟
نظر إن كان النقصان الذي يدخله أكثر من أجر مثل الثوب لا يجب أن يقطعه، وإلا فيجب ولو وجد العُريان ثوباً للغير لا يجوز أن يلبسه، غير أنه لو لبسه وصلَّى فيه صحت صلاته، كما لو صلى في ثوب مغضوبٍ صحت صلاته، وإن كان عاصياً بالغصب، وكما لو غصب ماء فتوضأ به صحت صلاته، ولو وجد الرجل ثوباً من ديباج، المذهب أنه يلبسه، ويصلي فيه.
قال الشيخ- رحمه الله-: ويجب لُبْسُهُ لستر العورة عن الأبصار.
فصلٌ: [فيما تفترق المرأة عن الرجل في الصلاة]
روي عن عائشة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تُقبل صلاة حائض إلا بخمار" وأراد بالحائض البالغة لا فرق بين الرجال والنساء في أركان الصلاة، إلا أنهما يفترقان فيما يؤول إلى الستر.
صلاة المرأة في البيت أفضل منها في المسجد، وداخل البيت أفضل من الصّحن، والصّفة، ولا أذان للنساء، ولا تجهر المرأة في الصلاة كجهر الرجال، بل تسمع نفسها ومن حولها من النساء، ولا تجهر في موضع فيه رجال أجانب، وتضم مرفقيها إلى جنبيها في الركوع والسجود، وتلصق بطنها بفخذيها في السجود، وتضم رجليها، ويستحب أن تتخذ جلباباً غليظاً تلبسه فوق ثيابها ليكون متجافياً عنها، فلا يحكي ثيابُها بدنها، وإذا نابها شيء
في الصلاة، فأرادت الإعلام، فإنها تصفِّقُ، والرجل يسبِّح؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "التَّسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".
ولا نعني بالتصفيق ضرب الكف على الكف؛ لأنه يشبه اللهو، بل تكون آخذة كوعها اليسرى بكفها الأيمن، فتضرب ظهر اليسرى ببطن اليمنى.
ويجب عليها ستر العورة، كما يجب على الرجل، غير أنهما يفترقان في العورة، فعورة الرجل ما بين السُّرَّة والركبة، والمرأة إن كانت حرَّة فجميع بدنها عورة إلا الوجه
والكفَّين، ونعني بالكفَّين بطن الكفين وظهرهما إلى الكُوعين، وفي أخمص قدميها قولان.
الأصح: أنه عورة، كظهر القدم، فلو ظهر شيء من بدنها ولو شعرة من رأسها سوى الوجه والكفين لا تصح صلاتها.
وعند أبي حنيفة: إذا ظهر من السَّوْءة قدر درهم أو من سائر البدن أقل من ربع العضو صحت صلاتها.
قلنا: صلت مكشوفة بعض العورة مع القدرة على الستر، فوجب ألا تصح، كما لو زاد على قدر الربع، أما الأمة ففي عورتها وجهان:
أصحهما: ما بين السُّرة والركبة كالرجل.
والثاني: عورتها ما لا يبدو في الفضلة والمهنة.
ولو انكشف من عورة المصلي في خلال الصلاة بريح أو غيرها، إن ستر في الحال صحت صلاته؛ لأنه معذور، وإن لم يستر في الحال علم به أو لم يعلم بطلت صلاته.
ولو صلّت الأمة مكشوفة الرأس تصح صلاتها؛ لأن رأسها ليس بعورة، فلو عتقت في خلال الصلاة يجب عليها ستر الرأس، ثم إن علمت بالعتق في الحال والثوب قريب منها سترت رأسها، وبنت على صلاتها، وإن لم تستر في الحال إما لجهل بالعتق أو لبُعد الثوب عنها بطلت صلاتها.
وخرج قول ممن صلى وعلى ثوبه نجاسة لم يعلمها أنَّ ها هنا إذا لم تعلم بعتقها لا تعيد، والمذهب وجوب الإعادة في الموضعين.
وخرج قول من سبق الحدث عن القديم أن الثوب إذا كان بعيداً عنها مشت إليه، وسترت رأسها، وبنت على صلاتها، وكذلك العُريان إذا وجد الثوب في خلال الصلاة، وهو قريب منه لبسه، وبنى على صلاته، وإن كان بعيداً بطلت صلاته.
فصلُ: فيما يفسد الصلاة
روي عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسلم على النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو في الصلاة قبل أن يأتي أرض "الحبشة" فيرد علينا فلما رجعنا أتيته لأسلم عليه، فوجدته يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد عليّ فأخذني ما قرُب وما بعد، فجلست حتى إذا قضى صلاته، قال: إن الله يحدث من أمره ما شاء وإنَّ ما أحدث ألا تَكَلَّموا في الصلاة".
إذا تكلم في صلاته، أو سلَّم في غير موضعه عمداً بطلت صلاته، وإن كان ناسياً لا تبطل صلاته، وعليه سجود السهو، وإن تكلم جاهلاً بأن الكلام يبطل الصلاة، نظر إن كان قريب العهد بالإسلام لا تبطل صلاته، كالناسي، وإن كان بعيد العهد بطلت صلاته؛ لأنه كان عليه أن يتعلَّم، ولو أكره حتى تكلم، أو أكره حتى فعل فعلاً لا يلائم الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه نادر، بخلاف النسيان، فإنه عام هذا كما لو قيل له: إن تطهَّرت بالماء قتلناك، والماء موجود، أو قيل له: إن قمت في الصلاة قتلناك، فصلى بلا وضوء، أو قاعداً تجب عليه الإعادة.
وكذلك لو حوَّل رجل وجه المصلي عن القِبلة، فصلى مستدير القِبلة يجب الإعادة، وإن كثر كلام الناسي تبطل صلاته على ظاهر المذهب؛ لأنه يقطع الموالاة، ولأن الاحتراز عن الكثير ممكن، فإن وقع يكون نادراً.
وقال النَّخَعِيُّ، وأبو حنيفة: كلام الناسي يبطل الصلاة.
لنا ما روي عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إحدى صلاتي العشاء، فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعاً في قِبلة المسجد، فاستند إليه مغضباً، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يتكلما، وخرج سرعان الناس يقولون: قصرت الصلاة، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله قصرت الصلاة، أو نسيت؟ فنظر النبي- صلى الله عليه وسلم- يميناً وشمالاً فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " فقالوا: صدق لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، فرفع ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع.
وفي رواية "وسلم".
وقال الأوزاعي: كلام العَمْدِ إذا كان من مصلحة لا تبطل الصلاة مثل أن يقوم الإمام
في محل القعود، فقال له: اقعُد أو يقعد في محل القيام، فقال: قم، واحتج بهذا الحديث.
قلنا: النبي- صلى الله عليه وسلم- كان ناسياً، وذو اليدين كان جاهلاً بكونه في الصلاة؛ لأنه كان يقدر
قصر الصلاة، والقوم كانوا يجيبون النبي- صلى الله عليه وسلم- وإجابة النبي- صلى الله عليه وسلم- فرضٌ على من دعاه، وإن كان في الصلاة لا تبطل الصلاة بإجابته لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] وبدليل أنك تخاطبه في الصلاة فتقول: سلام عليك أيها النبي، ومثل هذا الخطاب مع غيره يبطل الصلاة.
ولو تكلم بكلام موافق نظمه نظم القرآن مثل إن دق رجل الباب فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]، أو أراد دفع كتاب إلى رجل فقال: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ﴾ [مريم: 12] نظر إن لم يكن قصده به قراءة القرآن بطلت صلاته، وإن قصد قراءة القرآن وإعلامه لا تبطل صلاته كما يرفع صوته بالتكبير إعلاماً.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته، وكذلك لو عطس أو بشَّر بشيء في الصلاة، فحمد الله.
وإن فتح القراءة على إمامه، أو على غير إمامه، أو نبَّه إمامه، أو غير إمامه بذكر من أذكار الله- تعالى- أو رفع صوته بالقراءة إعلاماً لا تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: إن فتح على غير إمامه بطلت.
ولو قرأ القرآن من المصحف، أو من مكتوب لا تبطل صلاته، سواء كان يحسن عن ظهر القلب، أو لا يحسن.
وعند أبي حنيفة تبطل صلاته.
ولو وقع بصره على شيء فتفكر فيه أو تفكر في مسألة، أو استمع لكلام متكلم لا تبطل صلاته، ولو أنَّ في صلاته أو بكى أو تنحنح، أو نفخ فظهر منه حرفان بطلت صلاته، وإن لم يظهر منه حرفان لا تبطل صلاته، سواء كان بكاؤه لمصيبة الدنيا أو الآخرة.
وعند أبي حنيفة إن بكى لمصيبة الدنيا تبطل صلاته، والتبسُّمُ لا يبطل الصلاة، والقهقهة تبطلها، فإن سبق الكلام إلى لسانه من غير قصد أو غلب عليه الضحك، أو غلب عليه السُّعال لا تبطل صلاته.
ولو تنحنح الإمام، فظهر منه حرفان هل يدوم المأموم على متابعته؟ ذكر القاضي- رحمه الله- وجهين:
أحدهما: يدوم، ويحمل على أنه مغلوب؛ لأن الأصل بقاء العبادة.
والثاني: لا يتابعه؛ لأن الأصل صحته وإن كان مختاراً.
ولو سلم ناسياً في غير محله، نظر إن تذكر والفصل قريب يبني على صلاته، وإن عمل أعمالاً أو فارق مُصلَّاه بنى حيث هو، ولا يعود إلى مُصلاه، وإن طال الفضل استأنف.
وكذلك لو نسي ركناً من الصلاة فتذكَّر بعد ما سلم وطال الفصل استأنف الصلاة والمرجعُ في الطول والقرب إلى العادة؛ لأنه ليس له حدّ في الشرع، وقدر الشافعي الطول بقدر ركعة لا طويلة ولا قصيرة، وما دونها قصير، وإن كان قد شرع في صلاة أخرى، ثم تذكر فالثانية غير منعقدة، لأنه في حكم الأولى، ثم إن ذكر والفصل قريب بنى، وما أتى به من الأعمال بعد ما أحرم بالثانية لا يحسب عن الأولى، وإن ذكر بعد طول الفصل، فهما باطلان.
فصلٌ
روي عن علي بن طَلْقٍ قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليُعِدِ الصلاة".
إذا أحدث متعمّداً في صلاته بطلت صلاته، وإن سبقه الحدثُ قال في الجديد، وهو المذهب: تبطل صلاته؛ لأن الطَّهَارة شرط صحة الصلاة، وقد بطلت الطهارة.
وقال في القديم، وبه قال أبو حنيفة: لا تبطل صلاته، بل يتوضأ، ويبنِي على صلاته.
وفرّع على قوله القديم قال: لو سبقه الحدثُ فخرج وبالَ لا تبطل صلاته؛ لأن الطَّهارة
قد انقضت بالحدث الأول، فهذا البول لا تأثير له في بطلان الطهارة، وهو عمل قليل لا يبطل الصلاة وعند أبي حنيفة شيء من الأحداث لا تبطل الصلاة إذا غلب على المُصَلّي إلا شيئان:
أحدهما: القهقَهَةُ.
والثاني: إذا غلب عليه النَّوم فاحتلم قالوا: تبطل صلاته، وعلى قولنا القديم إذا نام في الصلاة فاحتلم فاغتسل وبنى، كما لو سبقه الحدث.
والعمل القليل في الصلاة لا يبطلها، وإن كان عمداً لما روي عن أبي قتادة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصلّي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "اقتلوا الأسوَدَيْن في الصَّلاة: الحيَّة والعقرب".
وهذا بخلاف الكلام القليل عمداً يبطل الصلاة؛ لأن الاحتراز عنه ممكن، ولا يمكن
الاحتراز عن العمل القليل من تحرُّك أو حكة أو نحوها.
والعمل الكثير يبطل الصلاة، وإن كان سهواً، والمرجع فيه إلى العادة مما يعدّه الناس قليلاً مثل: إشارة بردِّ السلام، أو حملِ صبي، أو وضعه، أو لبس ثوب خفيف، أو نزعِهِ، أو قتل حيَّة بضربة أو ضربتين لا تبطل الصلاة، وكذلك مشيُ خطوتين، أو دفع مارٍّ بين يديه دفعتين لا تبطل صلاته، فإن من ضرب ثلاثاً، أو خطا ثلاث خطوات، أو دفع ثلاث مرات على التَّوَالي بطلت صلاته، وكذلك لو حكَّ ثلاثاً نفسه على التوالي بطلت صلاته، ولو فرق الضَّربات، أو الخطوات بأن ضرب ضربتين ثم بعد زمان ضرب ضربتين لا تبطل صلاته.
قال الشيخ: وحدُّ التفريق عندي أن يكون بين الأوليين والأخريين قدرُ ركعةٍ؛ لحديث أمامة، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يضعها ويحملها في كل ركعة وإن أكل في الصلاة شيئاً عمداً وإن قلَّ بطلت صلاته، كما يبطل به الصوم حتى لو كان بين أسنانه شيء، أو نزلت نُخامة من رأسه، فابتلعها عمداً بطلت صلاته، فإن وصل إلى حلقه، ولم يمكنه إمساكها لم تبطل صلاته وإن أكل ناسياً لا تبطل صلاته فإن كثر بطلت، ولو مضغ علكاً بطلت صلاته، فإن أمسكه في فمه ولم يمضغ، نظر إن كان جديداً يذوب ويتصل إلى جوفه بطلت صلاته، كما لو أمسك في فمه سكرة وإن كان مستعملاً لا تبطل صلاته كما لو أمسك في فمه حصاة أو إجَّاصَة.
أما إذا عمل في الصلاة عملاً ليس منها، ولكنها من جنس أعمالها، مثل أن زاد رُكوعاً أو سجوداً عمداً بطلت صلاته، وإن فعل ناسياً لا تبطل صلاته، وإن زاد على ركعة؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلّى الظهر خمساً، فسجد للسهو، ولم يُعِدِ الصلاة، ولو كرر قراءة الفاتحة، أو قراءة التشهد لا تبطل صلاته، وعند أبي حنيفة إذا زاد ركوعاً أو سجوداً عمداً لا تبطل صلاته ما لم يكملها ركعةً وإن سكت في الصلاة طويلاً نظر إن كان لغرض بأن نسي شيئاً ليتذكر لا تبطل صلاته وإن كان لغير غرض ففيه وجهان.
فصلٌ: في سُترة المُصلِّي
روي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا صلَّى أحدُكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، وإن لم يجد فلينصب عصاةً، فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطاً ثمَّ لا يضره ما مر بين يديه".
ويستحب للمصلي أن يكون بين يديه سترٌ، من جدار أو أسطوانة، ويدنو منها بحيث لا يكون بينه وبينها إلا قدر مكان السجود، وهو ثلاثة أذرع، وكذلك بين الصفين في صلاة الجماعة.
روي عن سهل بن سعدٍ قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يصلي وبينه وبين القِبْلة قدرُ ممرِّ الشاة.
فإن كان في صحراء يغرز بين يديه عصا، أو يضع شيئاً قدر مؤخِّرة الرحل، ويجعل السُّترة على جانبه الأيمن، أو الأيسر؛ لما روي عن المقداد بن الأسود قال: ما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي إلى عودٍ ولا عمودٍ ولا شجرة، إلا جعله على جانبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً.
وعن موسى بن طلحة عن أبيه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا وضع بين يديه مثل مؤخرة الرِّحل فليُصلِّ ولا يبال من وراء ذلك؛ فإن لم يجد المُصلِّي شيئاً يضعه بين يديه يخُطُّ خطّاً.
وإن فرش مصلى فكالخط، فإذا صلَّى إلى سُترةٍ لا يجوز لأحد أن يمرَّ بينه وبين السترة، فإن أراد إنسان أن يمر بين يديه له أن يدفعه.
روي عن أبي جهم قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين يوماً خيرٌ له من أن يمرَّ بين يديه قال أبو نصرٍ: وهو الراوي
للحديث: لا أدري قال: "يوماً أو شهراً أو سنةً".
وروي عن أبي سعيد الخُدري قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا صلى أحدكُم إلى شيءٍ يستره من الناس فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان".
فإن لم يجعل بين يديه سُترة أو وقف بعيداً من السترة فلا حرج على من مرَّ بين يديه، وليس له دفعه؛ لأنه الذي ضيَّع حظَّ نفسه، ولو مرَّ بين يدي المصلي مارّ لا تبطل صلاته أي شيء كان.
قالت عائشة: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي بالليل، وأنا معترضة بينه وبين القِبْلَةِ كاعتراض الجنازة.
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم فإنما هو شيطان".
وعن عائشة أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، وهو قول أحمد، وإسحاق، ويكره أن يصلي وبين يديه إنسان يستقبله بوجهه، روي أن عمر ضرب على مثله بالضرة.
فصلٌ: في المسبوق ببعض الصلاة
روي عن عليٍّ ومعاذ قالا: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام".
إذا أدرك رجل بعض صلاة الإمام يصلي معه ما أدرك، وما أدركه أول صلاته، وإن كان آخر صلاة الإمام، فإذا سلم الإمام قام، وأتمَّ صلاته، وما يأتي به بعد الإمام آخر صلاته، وهو قول عليّ وأبي الدرداء، وقول أكثر أهل العلم.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: ما أدركه آخر صلاة المسبوق، كما هو آخر صلاة الإمام، والدليل على أن ما أدرك أول صلاته اتفاقنا على أنه لو أدرك ركعة من المغرب، فإذا سلم الإمام، وقام فصلى ركعة يقعد في الثانية، ولو كان ما يقضي آخر صلاته لكان لا يقعد، وكذلك لو أدرك الركعة الثالثة من الوتر، وقنت مع الإمام، فإذا أتم صلاته يقنت في الثالثة، وكذلك عندنا لو أدرك الركعة الثانية من الصبح وقنت مع الإمام فإذا قام الإتمام صلاته يقنت ثانياً في الركعة الثانية، ولو أدرك ركعة من صلاة المغرب، فإذا قام لإتمام الباقي يجهر في الركعة الثانية، ويسر في الثالثة، ولو أدرك ركعتين من صلاة ذات أربع، فإذا قام لإتمام صلاته نص على أنه يقرأ الفاتحة مع السورة في الأخريين.
قيل: هذا جواب على القول الذي قال: إنه يقرأ السورة في الركعات كلها.
وقيل: أراد به إذا لم يكن قراءة السورة في الأوليين مع الإمام يقرأ في الأخريين، كما لو ترك التعوذ في الركعة الأولى قضى في الثانية، وكما قال: لو ترك قراءة سورة "الجمعة" في الركعة الأولى من صلاة الجمعة قرأها مع سورة "المنافقين" في الركعة الثانية، وإذا قام المسبوق لقضاء ما فاته يقوم مكبراً، نظر إن كان ذلك في محل تكبيرة بأن أدرك معه ركعتين يقوم مكبراً، وإن لم يكن محل تكبيره بأن أدرك معه ركعة أو ثلاث ركعات فيه وجهان.
قال القفال: يقوم غير مكبر، لأنه ليس محل تكبيره.
وقال أبو حامد: يقوم مكبراً.
أما إذا كان يقوم مع الإمام يكبر معه، ولو أدرك الإمام في الركوع يكبر للافتتاح، ثم لا يجوز أن يشتغل بقراءة الفاتحة، بل يكبر، ويهوي إلى الركوع، وكذلك لو أدركه قائماً، فلما كبر ركع الإمام يركع معه، وتحسب له تلك الركعة، وتسقط عنه القراءة وقيامها؛ لأنه أدرك معظم الركعة، فجعل مدركاً لها ترغيباً في الجماعة، فلو أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، نظر إن نوى تكبيرة الافتتاح صحت صلاته؛ لأن تكبيرة الركوع سُنة لا يمنع تركها صحة الصلاة، ولو نوى تكبيرة الركوع لم يصح، وكذلك لو نواهما؛ لأنه لم يخلص النية للفرض.
وقيل: ينعقد نفلاً كمن أخرج خمسة دراهم، ونوى الزكاة والتطوع يكون تطوعاً، ولو أدرك الإمام في الركوع، فكبر وهوى، وكان هو في الهوى، والإمام في الارتفاع، نظر إن بلغ حدّاً يمكنه وضع الراحتين على الركبتين، والإمام لم يرتفع عن هذا الحد صار مدركاً للركعة، وإن بلغ هذا الحد بعدما ارتفع عنه الإمام لم يصر مدركاً لها.
ولو أدركه في الركوع فكبر، ولم يركع حتى رفع الإمام رأسه بطلت صلاته، كما لو
تخلف عن الإمام بغير عذر حتى سبقه بركن كامل، ولو أدرك الإمام بعد ما اعتدل عن الركوع، أو أدركه في السجود، فكبر يجب عليه أن يتابعه بعد ما كبر في الركن الذي هو فيه حتى لو لم يفعل بطلت صلاته، وإن تابعه لا تحسب له تلك الركعة، وهل يكبر للانتقال إلى الركن الذي فيه الإمام؟ نظر إن أدركه حالة الاعتدال ينتقل معه إلى السجود مكبراً، وكذلك في سائر الانتقالات الذي ينتقل مع الإمام يكبر مع الإمام، وإن لم يكن محسوباً له، وإن أدركه بعد ما سجد، أو في السجود الثاني، أو في التشهد هل يكبر للانتقال إليه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكبر، كما لو أدرك في الركوع ينتقل إليه مكبراً.
والثاني: لا يكبر؛ لأنه لم يدرك محل التكبير.
ولو أدركه في التشهد فكبر وجلس هل يقرأ التشهد، أو أدركه في السجود هل يسبح؟ فيه وجهان:
أصحهما: يتابع الإمام في الذكر، كما يتابعه في الفعل، كما في سجود السهو، لم تابعه في السجود تابعه في تسبيحه.
والثاني: لا؛ لأنه ليس في ترك الذِّكر مخالفة ظاهرة، فأمرناه به، ولو أدركه في السجود فقبل أن يسجد رفع الإمام رأسه لا يسجد؛ لأنه لزمه المتابعة، وقد ارتفعت المتابعة.
وإذا أدرك الإمام في القيام، وخاف ركوعه لا يقرأ دعاء الاستفتاح، ويشتغل بقراءة الفاتحة؛ لأنها فرضٌ، فلو ركع الإمام، وهو في خلال الفاتحة هل يتمها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يركع معه، ويسقط عنه ما بقي من الفاتحة.
والثاني: يتم الفاتحة؛ لأنه أدرك محلها، ثم يتبع الإمام.
والثالث: وهو الأصح إن لم يكن قرأ شيئاً من دعاء الاستفتاح يقطع القراءة، ويركع معه، وهو مدرك للركعة؛ لأنه لم يدرك من القيام إلا قدر قراءة بعض الفاتحة، فيسقط عنه الباقي، كما لو لم يدرك شيئاً من القيام يسقط عنه جميعها، وإن كان قد قرأ شيئاً من دعاء الاستفتاح يقرأ بقدره من الفاتحة؛ لأنه أدرك من القيام بذلك القدر، ثم هو كالمتخلف عن الإمام بالعذر، وسواء كان عالماً بأن ليس له الاشتعال بدعاء الاستفتاح، أو جاهلاً؛ لأنا لما أمرناه بقراءة الفاتحة كان معذوراً.
أما المأموم الموافق إذا قرأ دعاء الاستفتاح، فركع الإمام أو كان بطيء القراءة، فركع الإمام قبل فراغه من الفاتحة، فإنه يتم الفاتحة، وهو كالمتخلف بالعُذر.
ولو نسي المأموم الفاتحة فتذكر بعد ما ركع مع الإمام، أو شك في قراءتها بعدما ركع مع الإمام لا يجوز أن يعود؛ لأنه فات محل القراءة، فإذا سلم الإمام يقوم ويصلي ركعة، كما لو قام إلى الركعة الثانية مع الإمام، ثم تذكر أنه نسي سجدةً من الأولى لا يعود، بل يتابع الإمام، ثم يقضي ركعة، ولو ركع الإمام، فقبل أن يركع المأموم معه تذكَّر أنه لم يقرأ الفاتحة، أو شكَّ في قراءتها، أو تذكّر قبل أن يركع الإمام فركع الإمام قبل كمالها لا تسقط عنه القراءة، لأنه لا يعذر بالنسيان، ثم فيه وجهان:
أحدهما: يركع معه ثم يقضي ركعة، كما لو تذكَّر بعد ما ركع معه.
والثاني: يقرأ الفاتحة، ويتمها؛ لأنه في محل القراءة.
ولو قام الإمام إلى الركعة الخامسة ساهياً، فأدركه مسبوق في هذه الركعة، فاقتدى به، نظر إن كان عالماً أنها خامسة لا تنعقد صلاته على الصحيح من المذهب، كما لو اقتدى بجنبُ عالماً بجنابته.
وقال الشيخ القفال: تنعقد صلاته جماعة؛ لأن الإمام في الصلاة، ولكن لا يتابعه في أفعاله، بل كما كبَّر يقعد للتشهد، ينتظر الإمام؛ لأن التشهد محسوب للإمام، وكذلك لو نسي الإمام سجدة من الركعة الأولى، فأدركه رجل في الركعة الثانية في القيام، واقتدى به وهو عالم هل تنعقد صلاته؟ فعلى هذين الوجهين إن قلنا: تنعقد يسجد وينتظر الإمام ساجداً، وإن كان جاهلاً بحال الإمام تنعقد صلاته، فإذا صلى مع الإمام تلك الركعة تحسب له ما أتى به مع الإمام، فلو أدركه في الركوع في هذه الركعة لا تحسب له تلك الركعة؛ لأن القراءة إنما تسقط عنه بإدراك ركوع هو محسوب للإمام، وهذا الركوع غير محسوب للإمام، فهو كما لو نسي الإمام الفاتحة.
فركع فأدركه مسبوق فيه، أو كان الإمام محدثاً أو ترك تسبيحات الرُّكوع واعتدل لا يجوز أن يعود إلى الركوع فعاد فأدركه مسبوق لا يكون مدركاً للركعة.
أما إذا أدرك الإمام في الركوع فركع معه، ثم في السجود سبق الإمام الحدث كان مدركاً لتلك الركعة؛ لأنه أدرك ركوعاً محسوباً للإمام.
فصلٌ: في صلاة المريض
روي عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبٍ".
لا يجوز أداء صلاة الفرض قاعداً مع القدرة على القيام، ولا نائماً مع القدرة على القعود، فإن عجز عن القيام يصلِّي قاعداً، ولا ينتقص ثوابه، والعجز ألا يكون له آلة القيام أو لا يمكنه القيام إلا بمشقة شديدة، وكيف يقعد في محل القيام؟ فيه قولان:
أصحهما: يقعد مفترشاً؛ لأنه قعود لا يعقبه السلام كالقعود للتشهد الأول.
والثاني: يقعد متربعاً.
يروى عن ابن عمر وأنس؛ لأنه قعود بدل عن القيام، فيكون مغايراً لسائر القعدات، فإذا عجز عن القعود يصلِّي نائماً، وكيف ينام؟ فيه قولان:
أصحهما: ينام على جنبه الأيمن مستقبل القِبلة، كما يضجع الميت في اللحد؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "فإن لم يستطع فعلى جَنبٍ".
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: ينام مستلقياً ورجلاه إلى القبلة، يوضع الميت على المغتسل فإن قلنا بالأول فلو نام على جنبه الأيسر مستقبل القِبلة جاز، ويكون تاركاً لسُنَّة التَّيامُنِ، فإن عجز عن الاضطجاع على الجنب صلى مستلقياً ورجلاه إلى القِبلة، وإذا صلى نائماً، ولم يمكنه وضع الجبهة على الأرض في السجود يومئُ بالركوع والسجود برأسه،