التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 355-385

واقتدت بالإمام، والإمام يطيل القراءة إلى فراغ الطائفة الأولى، ومجيء الثانية.
ثم نقل المُزني- رحمه الله- أن الإمام يقرأ بعد مجيء الطائفة الثانية بأمِّ القرآن، وسورة.
ونقل الربيع أنه يقرأ بقدرِ أم القرآن، وسورة.
واختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: هل يقرأ الإمام في انتظاره مجيء [الطائفة] الثانية؟ فيه قولان: أحدهما: لا يقرأ حتى تأتي الطائفة الثانية؛ لأنه قرأ مع الطائفة الأولى قراءة تامَّة، كذلك يقرا مع الثانية قراءة تامَّة.
والثاني: وهو الأصح يقرأ؛ لأن أفعال الصلاة لا تخلو عن ذكر.
ومنهم من قال، وهو الأصح: يقرأ قولاً واحداً، وما نقله الربيع أولى؛ لأن السُّنة للإمام إذا قام أن يشتغل بقراءة الفاتحة، ولا يقدم غيرها عليها ولا يقف ساكتاً ثم بعد مجيئهم يقرأ بقدرِ أم القرآن، وسورة فيصلي بهم الركعة الثانية، فإذا قعد للتشهد لا يقعدون معه، بل يقومون ويتمُّون الصلاة لا يخرجون عن متابعته، والإمام ينتظرهم في التشهد، فإذا علم أنهم قضوا ركعتهم وتشهدوا سلَّم بهم هكذا روى صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم "ذات الرقاع" ورواه عن سهل بن أبي حثمة.

وإذا قعد للتشهد، وقامت الطائفة الثانية، فالإمام هل يتشهد في حال الانتظار أم لا يتشهد حتى يقعدوا؟.
قيل: فيه قولان، كما قلنا في القراءة، والمذهب أنه يتشهد قولاً واحداً، بخلاف القراءة، فإنه قد قرأ مع الطائفة الأولى، فلا نقرأ في الركعة الثانية حتى تأتي الطائفة الثانية، ولم يتشهد مع الأولى فلا معنى للتأخير.
وقال أبو حنيفة: إذا صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة، وقام فتلك الطائفة لا يتمون صلاتهم، بل يذهبون إلى وجاه العدو في خلال الصلاة، فيقفون سكوتاً، وتأتي الطائفة الثانية، فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ويسلم وهم لا يسلَّمون، بل يقومون في خلال الصلاة إلى وجاه العدو، وتعود الطائفة الأولى إلى مكانهم، فيتمون صلاتهم، ثم يذهبون إلى وجاه العدو، [وترجع الطائفة الثانية إلى مكانهم، فيتمون صلاتهم، ثم يذهبون إلى وجاه العدو] وهذا رواية ابن عمر أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلى بذات الرِّقاع كذلك.
وذهب الشافعي إلى رواية صالح بن خوات بن جبير لموافقة القرآن، فإن الله تعالى

قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: 102] أي: إذا صلوا، فهذا يدل على أنهم أتموا صلاتهم.
وقال: "ولتأت طائفة أخرى لم يصلُّوا فدل على أن الطائفة الأولى قد صلت، ولأنه ذكر ذهاب الطائفة مرة، ولم يذكر الرجوع لإتمام الصلاة، ولأنه أدعى لحقِّ الصلاة حتى

لا يكثر فيها العمل، وأحوط لأمر الحرب حتى لا يمنعهم اشتغال القلب بالصلاة عن محاربة العدو، ولو احتاجوا إليها، فلو صلوا مثل ما رواه ابن عمر هل يجوز أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز، وهو من الاختلاف المباح.
والثاني: لا يجوز، وخبر ابن عمر منسوخ بخبر سهل بن أبي حثمة.
ولو صلى كل واحد منهم منفرداً، أو صلى الإمام بطائفة تمام الصلاة، وأمر غيره حتى صلى بالطائفة الثانية جاز.
ولكن أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- كانوا يتنافسون في الاقتداء بالنبي- صلى الله عليه وسلم- فآسى الله بينهم، فحازت إحدى الطائفتين فضيلة التحريم، والأخرى فضيلة التسليم.
ولو صلى بالطائفة الأولى تمام الصلاة، ثم جاءت الطائفة الثانية، فصلى بهم تلك الصلاة ثانياً جاز، فتكون الثانية نفلاً للإمام، وفرضاً للقوم، هكذا صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ببطن نخل.
ولا يشترط استواء الطائفتين في العدد، غير أن المستحبَّ ألا تنتقص كل طائفة عن الثلاث، فإن جعل الأكثر في مقابلة العدو، وصلى بثلاث، وإن صلى بالأكثر حرسهم ثلاثة، فإن صلى بواحد أو اثنين حرسه رجلان، أو رجل بأن كان في مضيق يسده رجل واحد وصلى بالأكثرين جاز، هذا إذا صلى بهم الصبح، أو كانوا في سفر فصلى بهم ركعتين قصراً، فإن صلى بهم صلاة المغرب يجعلهم طائفتين، فيصلي بالأولى ركعتين، ويتشهد بهم، فإذا قام خرجوا عن متابعته، وأتموا صلاتهم ثم أتت الطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعة، فإذا قعد قاموا، وأتموا لأنفسهم، وسلَّم بهم الإمام.
وإنما قلنا: يصلي بالطائفة الأولى ركعتين؛ لأنهم سابقون، فهم أولى بالزيادة، ولأنه إذا صلى بهم ركعة وبالثانية ركعتين زاد في صلاة الطائفة الثانية تشهد، فلو صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم قام وخرجوا عن صلاته، وأتموها لأنفسهم، ثم صلى بالثانية ركعتين جاز وهكذا فعل عليٌّ- رضي الله عنه- ليلة "الهرير"، فإذا صلى بالطائفة الثانية ركعتين يقعدون

معه للتشهد؛ لأنه موضع قعودهم، ثم يقومون ويتمُّون صلاتهم، وينتظرهم الإمام حتى يسلم بهم.
والأول أولى، وهو أن يصلي بالأولى ركعتين، وإذا صلى بالأولى ركعتين.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: إن ثبت قائماً فحسن، وإن ثبت جالساً فجائز، وهو كما قال: إن الأولى أن ينتظر في القيام في الركعة الثانية فراغ الطائفة الأولى، ومجيء الثانية.
فلو قعد للتشهد الأول، وخرجت الطائفة الأولى من صلاته، وانتظرهم الإمام جالساً يجوز وإنما قلنا: انتظارهم في القيام أولى؛ لأن إطالة القيام بالقراءة أفضل من إطالة القعود، ولأنه إذا انتظر في التشهد لا يدري الطائفة الأولى متى يقومون؟ وإذا أتت الثانية يحتاجون إلى إحداث فعل غير محسوب لهم، وهو القعود.
وإن كان هذا في الحضر فصلى بهم صلاة ذات أربع ركعات يصلي بطائفة ركعتين، فإذا قام إلى الركعة الثالثة خرجوا عن متابعته، وأتموا لأنفسهم، ولو انتظرهم جالساً في التشهد الأول، فجائز، ثم تأتي الطائفة الثانية، فيصلي بهم ركعتين، فإذا أتموا سلم بهم، ولو فرَّقهم أربع فرقٍ فصلى بكل طائفة ركعة فهل يجوز؟ وهل تصح صلاة الإمام؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصح؛ لأن الأصل أن الانتظار في الصلاة لا يجوز، غير أنا جوزنا انتظارين لورود الشرع به، فلا يجوز أكثر.
والثاني: وهو الأصح يصح؛ لأنه لما جاز انتظاران للحاجة إليها، فقد يحتاج إلى أن يجعل ثلاثة أرباع الجيش في مقابلة العدو لكثرة العدو، فيحتاج إلى أربع انتظارات، فإن جوزنا فالطائفة الثانية هل يتابعون الإمام في التشهد الأول؟ فيه وجهان: أحدهما: لا كما لا تتابعه الطائفة الأخيرة في التشهد الأخير.
والثاني: يتابعونه، ثم إذا قام خرجوا عن متابعته؛ لأن الإمام لا يستبدُّ بشيء من صلاة الخوف دون القوم.
فإن قلنا: لا يجوز أن يفرِّقهم أربع فرق ففعل، فصلاة الطائفة الأولى والطائفة الثانية صحيحة؛ لأنهم فارقوا الإمام قبل بطلان صلاته، وصلاة الطائفة الثالثة والرابعة تبطل إن علموا بفساد صلاة الإمام وتابعوه، وإن جهلوا فلا تبطل؛ لأن صلاة الإمام تبطل بانتظار مجيء الطائفة الثالثة وكذلك في صلاة المغرب.

وإن فرَّقهم ثلاثاً وقلنا لا يجوز، فصلاة الطائفة الثالثة تبطل إذا علموا بفساد صلاة الإمام.
وقال ابن سريج: في صلاة المغرب صلاة الكل صحيحة، وفي ذات الأربع تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة، وتبطل صلاة الطائفة الرابعة لأن للإمام انتظارين: انتظار في الركعة الأولى، وانتظار في الثانية، وتبطل صلاة الإمام بالانتظار [في] الثالثة، والطائفة الثالثة فارقوه قبله، والأول المذهب.
والمنصوص أن للإمام أن ينتظر قدر ما انتظر النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو عليه السلام انتظر في الركعة الأولى فراغ الطائفة الأولى، ومجيء الثانية، وفي الركعة الثانية انتظر فراغ الطائفة الثانية فحسب.
فإذا زاد على ذلك، وانتظر مجيء الثالثة بطلت صلاته، فالطائفة الثالثة اقتدت به بعد بطلان صلاته.
فلو سها بعضهم في صلاة الخوف، لا يخلو إما أن سها الإمام أو بعض المأمومين، فإن سها الإمام، نظر إن سها في الركعة الأولى، فالطائفة الأولى إذا أتموا صلاتهم يسجدون للسهو، ويسجد الإمام مع الطائفة الثانية في آخر صلاته، وإن سها في الركعة الثانية، فلا سجود على الطائفة الأولى؛ لأنهم فارقوه قبل السهو، وسجدت الثانية مع الإمام في آخر الصلاة، وإن سها بعض المأمومين، نظر إن سها واحد من الطائفة الثانية، فالإمام يتحمل عنه، سواء سها في الركعة الأولى، أو في الثانية؛ لأنه في الركعتين في حكم متابعة الإمام، وإن فارقوه في الثانية فعلاً، وإن سها واحد من الطائفة الأولى [نظر إن سها في الركعة الأولى] يتحمل عنه الإمام، وإن سها في الثانية بعد ما فارق الإمام يسجد للسهو في آخر صلاته.
أما إذا كان العدو في ناحية القِبلة على رأس جبل وفي مستوى من الأرض، بحيث لو حملوا رآه المسلمون لا يسترهم شيء، فالإمام يصلي بهم جميعاً فإذا ركع ركعوا معه، وإذا سجد لا يسجد معه الصف الأول، أو بعض الصف الأول، بل يحرسونهم قائمين في السجدتين، فإذا قام الأول ومن سجد معه في الركعة الثانية سجدت الطائفة الحارسة، ثم قامت في الركعة الثانية يركعون معه جميعاً فإذا سجد سجد معه الذين حرسوا في الركعة الأولى وحرسهم الصف الثاني، وبعضهم قائمين، فإذا قعد للتشهد، ومن سجد معه سجدت

الحارسة، ولحقته فسلم بهم جميعاً، كذلك فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بـ "عسفان" عام "الحديبية" سنة ست من الهجرة، فلو تأخرت الطائفة التي حرست أولاً إلى الصف الثاني في الركعة الثانية، وتقدمت الطائفة الثانية للحراسة كان أحوط لأمر الحرب، وهو عمل قليل لا يبطل الصلاة، فلو حرس الصف الثاني في الركعة الأولى والصف الأول في الثانية جاز، ولو حرست طائفة واحدة في الركعتين جميعاً هل تصح صلاة تلك الطائفة؟.
قال الشافعي: رجوت أن يجزئهم، ولو أعادوا كان أحبَّ إلي، وهو على جوابين بناءً على القولين في الإمام إذا زاد على انتظارين.
وهل يجب حمل السلاح في صلاة الخوف؟ قال ها هنا: أحب أخذه.
وقال في موضع آخر: وأكره وضعه.
من أصحابنا من جعل في وجوب حمل السلاح قولين: أحدهما: لا يجب، بل يستحب احتياطاً.
والثاني: يجب؛ لأن الله- تعالى- قال: ﴿وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] أمر بالأخذ، والأمر للوجوب وأيضاً قال: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: 102] رفع الجناح في وضع السلاح عند العذر دل على أنه يعصي بوضعه عند عدم العُذر.
ومنهم من قال: يجب قولاً واحداً.
قوله: "وأكره الوضع"- أراد كراهية التحريم.
ومنهم من قال: لا يجب قولاً واحداً، لأن السلاح إنما يجب حمله للقتال، وهو في الصلاة غير مقاتل، فحيث قلنا: يأخذ إنما يأخذ إذا كان طاهراً، فإن كان نجساً لا يجوز

أخذه، وكذلك إذا كان كبيراً يشغله حركته وثقله كالتُّرس الكبير والجعبة، يؤذي جاره كالرُّمح، فإنه لا يؤخذ إلا أن يكون في حاشية القوم، فلا بأس بأخذ الرمح.
الحالة الثانية: من أحوال صلاة الخوف: أن يكون في حال المسابقة والتحام القتال، فإنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم، كما أمكنهم إلى القِبلة وغير القِبلة يومئون بالركوع والسجود، ويجعلون السجود أخفض من الرجوع، فلا يجب على الماشي استقبال القِبلة في الركوع والسجود، ولا الافتتاح، ولا يجب وضع الجبهة على الأرض.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي، بل يؤخر، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: 239]. قال ابن عمر: مستقبلي القِبلة، وغير مستقبليها.
قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويجوز أن يضرب في الصلاة ضربتين، أو يطعن طعنتين على التوالي من غير ضرورة، ولا يجوز أن يضرب ثلاثاً على التوالي فإن فعل بطلت صلاته إلا لضرورة بأن قصده عدو، فلم يندفع بضربتين، أو اندفع وقصده آخر، فاحتاج إلى أن يوالي بين الضربات لا تبطل صلاته بذلك.

وكذلك لا بأس أن يصلي ممسكاً عنان دابته، فإن نازعته فجذبها مرتين، ولم ينحرف عن القِبلة جازت صلاته، فإن كثرت بطلت صلاته، وإن جذبته عن القِبلة فرجع إلى مكانه بنى، وإن لم يمكنه حتى طال أعاد الصلاة، وذلك أن الانحراف عن القِبلة إنما يعفى عنه إذا كان بسبب العدو لا بسبب الدابة، ولو صاح على العدو بطلت صلاته، كما لو تكلم؛ لأنه لا ضرورة إليه، وإذا نجس سلاحه وضعه في الحال، فإن لم يجد بُداً من إمساكه صلى معه، ثم أعاد وإن أمسكه من غير حاجة إليه بطلت صلاته، ولو كان يصلي على الدابة في شدة الخوف، فأمن في خلال الصلاة.
قال الشافعي: نزل فبنى على صلاته، ولو كان يصلي حال الأمن إلى القِبلة، ثم حدث الخوف، قال: ركب واستأنف وعلل بأن عمل النزول أخف من عمل الركوب.
اعترض عليه المزني فقال: قد يكون الفارس أخف ركوباً، وأقل شغلاً لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس.
واختلف أصحابنا فيه، منهم من أجرى على الظاهر، وقال بالركوب تبطل الصلاة بكل حال، وبالنزول لا تبطل.
وأجاب المزني بأن نزول كل فارس يقابل بركوبه فمن ثقل نزوله كان ركوبه أثقل، ومن خف ركوبه كان نزوله أخف.
ومنهم من فصل وقال: إذا خف نزلوه بنى، فإن كثر عمله في النزول استأنف.
وإذا ركب بطلت صلاته إن أمكنه أن يقاتل راجلاً، وإن لم يمكنه واضطر إلى الركوب ركب وبنى، وإن كثر عمله؛ لأنه ليس بأكثر من الطعن والضرب.
وخرج منه أنه إن لم يضطر إلى الركوب فركب استأنف، وإن اضطر إليه فوجهان، وإن نزل وخف نزوله بنى، وإن ثقل فوجهان.
وإن نزل واستدبر القِبلة في النزول بطلت صلاته؛ لأنه ترك القبلة من غير خوف، ولو انهزم العدو لم يجز لهم أن يصلوا في طلبهم صلاة شدة الخوف؛ لأن الصلاة فرض وطلبهم تطوع، فإن خافوا منهم الكمين أو التحرُّف للقتال جاز ولا إعادة عليهم، ولو صلوا في حال الأمن صلاة شدة الخوف لا يصح، ولو صلوا صلاة "عسفان" تصح صلاة الإمام، ولا تصح صلاة القوم؛ لأنهم تخلَّفوا عن الإمام بركنين، ولو صلوا صلاة "ذات الرقاع" ففيه قولان، بناءً على أنه هل يجوز للإمام انتظار المأموم بغير عُذر؟ وهل يجوز للمأموم الخروج عن صلاة الإمام بغير عذر؟ وفيه قولان.

ولو رأوا سواداً أو تلّا فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف بالإيماء، ثم بان أن لم يكن عدواً ففيه أقوال: أصحها: وهو قوله الجديد: يجب عليهم الإعادة؛ لأن الفرض لا يسقط بالخطأ.
وقال في "الإملاء": لا إعادة عليهم؛ لأن العلة الخوف، وكانت موجودة وقال في القديم: إن كان في دار الإسلام يجب الإعادة، وإن كان في دار الحرب فلا يجب؛ لأن الغالب من أمر دار الحرب الخوف والعدو.
ولو رأوا العدو حقيقة، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم ظهر أنه كان بينهم وبين المسلمين حاجزٌ من ماء، أو خندق يمنع العدو عنهم، أو ظهر للمسلمين مددٌ يمنعهم، أو ظهر بقربهم حصنٌ أمكنهم التحصن به، أو ظنوا أن بإزاء كل مسلم مشركين فبان أقل- ففي وجوب الإعادة قولان: أصحهما: يجب الإعادة.
ولو صلى في هذه الأحوال صلاة "عسفان"؛ هل على القوم الإعادة؟ فيه قولان؛ كما لو صلوا صلاة شدة الخوف.
ولو صلوا صلاة "ذات الرقاع" إن قلنا: يجوز في حال الأمن، فها هنا يجوز، وإلا فعلى قولين؛ كما لو صلوا صلاة شدة الخوف.
ولو صلوا صلاة "بطن نخل" يجوز؛ لأنه يجوز في حالة الأمن.
والكمين إذا صلوا قعوداً خوفاً من أن يراهم العدو جاز، ويجب عليهم الإعادة؛ كالمحبوس في الحشِّ يصلي، ويعيد.
والله أعلم.
بابُ: من له أن يصلي صلاة الخوف كل قتال كان: مفروضاً أو مباحاً، جاز أن يصلي فيه صلاة شدة الخوف؛ فالمفروض هو: أن يكون بمقابلة كل مسلم مشركان فأقل، والمباح: أن يكون بمقابلة كل مسلم أكثر من مشركين.
فلو ولَّى ظهره هارباً: نظر إن كان بمقابلة كل مسلم أكثر من مشركين، جاز أن يصلي في الهرب صلاة الخوف متوجهاً إلى الجهة التي يهرب إليها.
وإن كان بمقابلة كل مسلم مشركان فأقل، لا يجوز أن يصلي صلاة شدة الخوف في الهرب؛ لأنه عاص، إلا أن يكون متحرِّفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة؛ فله أن يصلي صلاة الخوف في حالة التوالي.

وإن كان قتال معصية، لا يجوز أن يصلي صلاة الخوف.
وفي قتال أهل البغي يجوز لأهل العدل أن يصلوا صلاة الخوف، ولا يجوز لأهل البغي.
وكذلك لو قاتل أهل الرُّفقة مع قُطَّاع الطريق؛ فلأهل الرفقة أن يصلوا صلاة الخوف، ولا يجوز لقُطَّاع الطريق.
وكذلك لو قصد رجل نفسه، أو حريمه، أو حريم غيره، أو إتلاف ماله- وكان حيواناً- له أن يصلي صلاة الخوف في دفعه وإن قصد أخذ ماله، أو قصد إتلاف ماله- ولم يكن حيواناً فهل له أن يصلي صلاة شدة الخوف؟ فيه قولان: الأصح: أنه يجوز؛ لأن الدفع عن ماله مباحٌ له؛ كالدفع عن نفسه.
قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "من قُتل دون ماله، فهو شهيدٌ".

والثاني: لا يجوز؛ لأن حرمة الروح أعظم.
وهذا بناءً على أنه: هل يجوز أن يدفعه عن ماله بالقتل؟ فيه قولان: الأصح: جوازه.
ولو هرب من قصاص- وجب عليه يرجو عفوه- أو هرب من غريم- يطالبه وهو معسر- له أن يصلي صلاة الخوف.
ولو غشيهُ سيلٌ في بطن واد؛ ولم يجد نجدةً، فهرب أمامه؛ إبقاء لروحه أو دوابه، أو قصده سبعٌ أو خاف حريقاً فعدا- فله أن يصلي صلاة الخوف.
وإن وجد نجوةً- يمكنه أن يرتفع إليها- لم يجز أن يصلي صلاة الخوف [إن وجد نجوة].
فإن فعل أعاد فإن أمكنه تخليص نفسه بالارتفاع إليها، ولا يمكنه تخليص ماله إلا بالهرب فهرب؛ فإن كان المال حيواناً، جاز له أن يصلي صلاة الخوف.
وفي غير الحيوان قولان: الأصح: جوازه.

باب: ما له لُبسهُ روي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم".
لا يجوز للرجال لبس الحرير والديباج، ولا لبس خاتم الذهب، ولا لبس الدِّرع المسنوج بالذهب، ولا القباء بأزرار الذهب؛ إلا عند الضرورة؛ بأن يخاف على نفسه من حرٍّ أو برد، ولم يجد غيره؛ فيجوز له لُبسه.
وكذلك لو كان به جربٌ أو حِكَّةٌ أو قمل، له لبس الحرير.
روي عن أنس قال: رخَّص رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن عوف والزُّبير بن

العوام في قميص الحرير من حِكَّة كانت بهما.
ويروى أنهما شكوا القمل، فرخص لهما.
وكذلك لو فاجأه الحرب، ولم يجد إلا خفافاً من ديباج، أو درعاً منسوجاً بالذهب، أو بيضة مطلية بالذهب- جاز لبسها؛ لأجل الضرورة، وإن وجد غيرها لم يجز.
ولو لبس ثوباً عليه طراز أو علم من إبريسم بقدر أربع أصابع جاز، فإن زاد لم يجز، فإن كان من ذهب لم يجز بحال إذا حصل له منه شيء.
والفرق بين الذهب يحرم قليله، ولا يحرم قليل الإبريسم على الرجال: أن الشرف والخُيَلاء موجود في قليل الذهب؛ فإن نفاسته يعرفها الخاص والعام: بخلاف الإبريسم.
ولو خاط ثوباً بإبريسم جاز لبسه، ولو رقعه بقليل من ديباج جاز.
روي أنه كان للنبي- صلى الله عليه وسلم- جُبَّة مكفوفة الجيب والكُمَّيْنِ والفرجين بالديباج.
ولو لبس جبة محشوة بالقزِّ أو الإبريسم، جاز على الأصح؛ لأن الشرف فيه غير

ظاهر.
فإن كانت ظهارتها أو بطانتُها من إبريسم، لم يجز.
ولو نُسج ثوبٌ من قطن وإبريسم؛ كالعتابى: نظر إن كان الأكثر منه الإبريسم لا يجوز، وإلا فيجوز مع الكراهية؛ كالخز سُداؤه إبريسم، ولحمته صوف جاز؛ لأن اللُّحمة أكثر من السُّداء.
فإن كانت اللُّحمة من الإبريسم لا يجوز، وإن كانا نصفين فيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ لأن [التحريم] لغلبة المُحرَّم، والمحرم ليس بغالب.
وقال الشيخ القفال- رحمه الله-: إن كان ما يظهر للعين منه الإبريسم لم يجز، وإلا فيجوز، ولا ننظر إلى الكثرة.
ويجوز للنساء لُبس الحرير والديباج، وحليِّ الذهب.
أما الجلوس على الديباج حرامٌ على الرجال والنساء جميعاً؛ لأنه من الخيلاء؛ وهو حرام على الفريقين.. واللبس للزينة، والزينة مباحة للنساء.
وجوز أبو حنيفة للنساء افتراش الحرير والديباج.
أما إذا بسط فوق الديباج ثوباً من قطن، وجلس عليه، أو قعد على حشيَّة من قطن حُشيت بالإبريسم فجائز.
ويجوز للصبيان لبس الديباج؛ لأنه لا خطاب عليهم؛ غير أن الصبي إذا بلغ سنّاً يؤمر فيها بالصلاة يُنهى عن لُبس الديباج حتى لا يعتاد.
قال الشافعي: ولا أكره للرجل لُبس اللؤلؤ إلا للأدب، وإنه من زيِّ النساء لا للتحريم، ولا أكره لبس ياقُوتٍ ولا زبرجدٍ إلا من جهة الشرف والخُيلاء.
ويجوز أني لبس فرسه وأداته جلد ميتةٍ غير مدبوغ، سوى جلد الكلب والخنزير؛ لأنه لا تعبُّد على الفرس والأداة.
أما جلد الكلب والخنزير: فلا يجوز؛ لغلظ حرمتهما.

"كتابُ العيدين"

روي عن أنس قال: قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المدنية- ولهم يومان يلعبون فيهما- فقال: "ما هذان اليومان؟ " قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله

قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفِطر".
صلاة العيد سُنَّة مؤكدة.
وقال الإصطخري: فرض على الكفاية.
وقال أبو حنيفة: واجبة، وليست بفريضة.

فإن قلنا: هي سنة- وهو المذهب- فإذا اتفق أهل بلد على تركها؛ هل يجب قتالهم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقاتلون عليه؛ كسائر التطوعات إذا تركوها.
والثاني: يقاتلون عليه؛ لأنه من شعار الإسلام، ففي تركها تهاونٌ بالشرع، بخلاف سائر التطوعات؛ فإنها تؤدي فرادى، فلا يظهر تركها.
ولا يشترط في صلاة العيد ما يشترط في الجمعة من: عدد الأربعين، والجماعة، ودار الإقامة.
[هذا هو المذهب؛ كصلاة الخسوف.
وفيه قول آخر- وبه قال أبو حنيفة-: يشترط فيه ما يشترط في الجمعة من: العدد، والجماعة، ودار الإقامة].
ولا تؤدي في بلد إلا في موضع واحد.
ويستحب إظهار التكبير ليلتي العيد في: المنازل، والمساجد، والطرق، والأسواق؛ مسافرين كانوا أو حضوراً.
وفي يوم العيد في طريق المصلَّى، وبالمصلَّى حتى يفتتح الإمام الصلاة.
أما من كان حاجاً: فذكره التلبية ليلة الأضحى.
وقال أبو حنيفة: لا يسن التكبير ليلة الفطر.
والحجة عليه: قوله عز وجل: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]. وروي مثل قولنا عن ابن عمر، وعروة، وبه قال ابن المسيب، وأبو سلمة.
ويستحب أن يغتسل يوم العيد، ويتنظَّف، ويحلق الشعر، ويقلم الظفر، وما يقطع الرائحة، ويتطيب، ويلبس أحسن ما يجد ويتعمَّم.
والثياب البيض أحبُّ إلينا.
ومن لم يكن له إلا ثوب واحدي ستحب أن يغسله لعيده وجمعته، يستوي فيه من يريد حضور المصلَّى، ومن لا يريد؛ لأن المقصود منه إظهار الزينة والجمال؛ وذلك عام لجميع المسلمين.
ويستحب للقوم بعد ما صلوا الصبح يوم العيد: أن يغدوا إلى المصلى؛ لأخذ مجالسهم، ويختاروا قرب الإمام، ويكون خروج الإمام في وقت يمكنه افتتاح الصلاة.
وهو بعد ارتفاع الشمس قيد رُمح؛ حتى لا يحتاج إلى انتظار القوم.
ووقت صلاة العيد من حين ترتفع الشمس إلى وقت الزوال.
ويستحب في عيد الفطر بعد دخول وقت الصلاة: أن يؤخر الخروج قليلاً، ويعجل الخروج في عيد الأضحى؛ لما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل

الأضحى، وأخِّر الفطر، وذكِّر الناس.
والمعنى فيه: أن في عيد الفطر يخرج صدقة الفطر قبل الصلاة؛ فيؤخر الصلاة لأجلها.
والسُّنة في عيد الفطر: أن يطعم شيئاً قبل الخروج إلى الصلاة، ولا يطعم في عيد الأضحى حتى يرجع؛ لما روي عن أنس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهنَّ وتراً.
وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يخرج يوم الفطر، حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي.
والسنة للإمام والقوم: أن يمشوا إلى المصلى؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ما ركب في عيد، ولا جنازة قط.
فإن عجز عن المشي ركب.
أما في الرجوع: فله أن يركب مع القدرة؛ لأنه رجوع عن الطاعة، فلا يحتسب خطاه.

ويستحب أن يصلي صلاة العيد في الصحراء؛ فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يخرج إلى الصحراء؛ لأنه أرفق بالناس؛ فإنه يحضرها القاصي والداني، والنساء والصبيان.
فإن كان المسجد واسعاً يسعهم، ففي المسجد؛ خصوصاً إذا كان له شرف أفضل؛ لأن الأئمة لم يزالوا يصلون بـ "مكة" في المسجد صلاة العيد.
كذلك في "بيت المقدس".
فإن خرج إلى الصحراء يجوز.
وإن كان المسجد ضيقاً، فالصحراء أولى؛ حتى لا يقع الناس في الزِّحام؛ لضيق المكان.
فإن كان عذر من مطر وغيره، يصلي بهم في المسجد [الجامع].
فلو تفرقوا في المسجد، جاز.
وإذا خرج الإمام إلى المصلى، يستحب أن يأمر من يصلي بضعفة الناس الذين لا يمكنهم حضور المصلى في موضع من المصْرِ.
وليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة، فإذا بلغ الإمام المصلى ينادي: "الصلاة جامعة".
ويفتتح الصلاة بالتكبير، فإذا كبر للافتتاح يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يكبر سبع تكبيرات سوى تكبيرة الافتتاح، يرفع يديه حذو منكبيه في كل تكبيرة ويستحب أن يقول بين كل تكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
فإذا فرغ من التكبيرة السابعة تعوذ، وقرأ بأم القرآن، وسورة "ق".
فإذا قام إلى الركعة الثانية، كبر خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام، يرفع يديه حذو منكبيه في كل تكبيرة من هذه الخمس، ويسبح بين كل تكبيرتين؛ كما في الركعة الأولى، ثم يقرأ بأم القرآن، وسورة ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ﴾ ويجهر بالقراءة.
وقال مالك: يكبر في الأولى سبعاً مع تكبيرة الافتتاح؛ وهو قول ابن عباس.
وقال أبو حنيفة: يكبر في الأولى ثلاثاً قبل القراءة سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية ثلاثاً بعد القراءة، ولا يقرأ بين التكبيرتين شيئاً.

دليلنا: ما روي عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان يكبِّر في الفطر والأضحى: في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً.
وعن جعفر بن محمد: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر- كبروا في العيدين والاستسقاء سبعاً وخمساً، وصلوا قبل الخُطبة، وجهروا بالقراءة.
وعن علي مثله؛ وهذا قول أكثر أهل العلم.
روي عن [أبي واقدٍ] الليثي، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ يوم الفِطر والأضحى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.

وعن النعمان بن بشير قال كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
ولو نسي التكبيرات الزوائد، فتذكرها بعد ما ركع مضى، ولا يعود، ولو عاد بطلت صلاته.
ولا يسجد للسهو؛ كما لو ترك التعوذ، وقراءة السورة.
ولو تذكر قبل الركوع: نظر إن كان قبل أن يبتدئ القراءة كبر، وإن تذكر بعد ما ابتدأ القراءة، أو فرغ منها- في الجديد: لا يكبر؛ كما لو ترك دعاء الاستفتاح، فتذكر بعد ما اشتغل بالتكبيرات أو بالقراءة لا يعود إليه.
وفي القديم: يكبر، ثم يعيد القراءة؛ لأنه في محل التكبير؛ وهو القيام، بخلاف دعاء الاستفتاح؛ لأنه لافتتاح الصلاة، وقد فات الافتتاح.
ولو أدرك الإمام بعد ما فرغ من التكبيرات، لا يكبر؛ كما لو أدركه بعد الركوع

لا يقرأ.
وقال في القديم: يكبر؛ لأن محله القيام وقد أدركه.
ولو ترك الإمام بعض التكبيرات؛ هل يأتي به المأموم؛ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو ترك القنوت لا يأتي به المأموم؛ لأنه ليس فيه كثير مخالفة.
وقال الشيخ رحمه الله: ولا خلاف: أنه لو أتى به لا تبطل صلاته؛ بخلاف القنوت؛ لأن الإمام انتقل عن ركن القنوت، وها هنا لم ينتقل عن محلِّ التكبير.
وإذا أدركه مسبوق في الثانية يكبر معه خمساً، فإذا قام للثانية لا يكبر إلا خمساً؛ لأن في قضائه ترك سنة أخرى، بخلاف صلاة الجنازة؛ يقضي بعد تسليم الإمام ما فات؛ لأنها أركان؛ وقيل: إن أدرك الإمام في الثانية، كبر سبعاً.
ولو صلى العيد خلف من يكبر ثلاثاً أو ستاً؛ هل يتبع الإمام في رأيه؟ فيه قولان: أحدهما: يتبعه؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ فلا تختلفوا عليه".
وكما لو صلى الصبح خلف من لا يرى القنوت، لا يقنت، ويتابع الإمام.
والثاني: يكبر على اعتقاده؛ لأنه ليس فيه مخالفة ظاهرة، بخلاف القنوت.
ولو صلى على جنازة خلف من يكبر خمساً؛ هل يتبعه؟ فعلى قولين؛ كصلاة العيد.
وقيل: في صلاة الجنازة لا يتابعه في الخامسة؛ وبه قال أبو حنيفة؛ وعنده: يتابع في صلاة العيد في سبع تكبيرات؛ لأن السبع صحيح؛ وكثير من العلماء عليه اليوم، وليس على الخمس في صلاة الجنازة أحد اليوم، وإن كان في الصدر الأول فهو متروك في صلاة الجنازة وإذا لم يتبعه ماذا يفعل؟ فيه وجهان: أحدهما- وبه قال أبو حنيفة: يسلم.
والثاني: ينتظر الإمام حتى يسلم معه، فإذا فرغ الإمام من صلاة العيد، صعد المنبر، وأقبل بوجهه على الناس، وسلم.
وهل يجلس قبل الخطبة؟ فيه وجهان: أحدهما: نص عليه الشافعي في الأم-: يجلس بقدر أذان، ثم يقوم؛ كما في خطبة الجمعة.
والثاني: لا يجلس، بخلاف الجمعة؛ فإنه يجلس فيها؛ لفراغ المؤذنين، وليس في العيد أذان.
ويخطب خطبتين قائماً يجلس بينهما جلسة خفيفة- كما ذكرنا في خطبة الجمعة- ويستحب أن يفتتح الخُطبة الأولى بتسع تكبيرات تترى والثانية بسبع تكبيرات.

قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: هو من السنة.
وتجوز خطبة العيد قاعداً مع القدرة؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- خطب على راحلته يوم العيد؛ لأنها ليست بفرض؛ كصلاة العيد تجوز قاعداً.
وأركان الخطبة ما ذكرنا في خطبة الجمعة.
ثم بعد ما أمرهم في الخُطبة بطاعة الله، ونهاهم عن معصيته- علمهم في عيد الفطر كيفية إخراج صدقة الفطر، وكميتها.
وفي عيد الأضحى علَّمهم الأضحية، وما يجوز منها، وما لا يجوز، وإلى متى يجوز؟ وحضَّهم عليها، ودعا للمؤمنين.
ثم نزل، وانصرف.
ومن حضر- والإمام يخطب- جلس، واستمع الخطبة، ثم قضى الصلاة: إن شاء في الصحراء، وإن شاء في بيته إذا رجع.
وإن كان يصلي في المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، فإذا صلى صلاة العيد كان أولى؛ كما لو دخل المسجد وعليه مكتوبة فأداؤها أولى، ويحصل في ضمنه تحية المسجد؛ قاله أبو إسحاق.
وهو الأصح.
وقال ابن أبي هريرة: يصلي تحية المسجد، ولا يصلي صلاة العيد؛ لأن الإمام لم يفرغ من سنة العيد؛ فلا يشتغل هو بالقضاء.
ويستحب: أن يرجع إلى بيته من غير الطريق الذي جاء.
روي عن أبي هريرة قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا خرج يوم العيد من طريق، رجع في غيره.

واختلفوا في: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم كان يفعله؟ قيل: كان يفعله حذراً من كيد المنافقين؛ كما كان إذا أراد سفراً ورَّى بغيره والصحيح: أنه كان يسلك الطريق الأبعد في الذهاب؛ لأنه ذهاب إلى الطاعة فتحتسب خطاه، ويرجع من الأقصر.
ويجوز التنفُّل قبل صلاة العيد وبعدها؛ في البيت، وفي الطريق، وبالمصلى ولا يكره.
وقال أبو حنيفة: يكره بالمصلَّى قبل صلاة العيد، وبعدها: ويجوز للمنفرد، والعبد، والمسافر، والمرأة- أن يصلوا صلاة العيد في البلد، وفي الطريق وإذا فاتت يقضي، بخلاف صلاة الجمعة؛ فإنها معدولةٌ عن فرض بشرائط.
ويستحب للعجائز اللاتي لا يخاف منهن الفتنة حضور المصلى للعيد، ويتنظفن بالغسل، ولا يلبسن شهرة الثياب، ولا يتطيَّبن.
روي عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج الحيَّض يوم العيدين، وذوات الخدور؛ فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، وتعتزل الحُيَّض عن مصلاهم.
قالت امرأة: إحدانا

ليس لها جلبابٌ.
قال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها".
ويستحب تزيين الصبيان بالصبغ والحلي؛ لإظهار السرور؛ ذكوراً كانوا، أو إناثاً؛ لأنه عيد المسلمين، وليس على الصبيان تعبد؛ فلا يمنعون من لُبس الحلي.
فصلٌ: في التكبيرات التكبيرات المرسلة في ليلتي العيد سُنَّة، من حين تغرب الشمس إلى أن يفتتح الإمام صلاة العيد بالمصلى.
أما التكبيرات المقيَّدة بأدبار الصلوات: فمختصة بعيد الأضحى، ومتى يبتدئ بها؟ المشهور من المذهب: أنه يبتدؤها عقيب صلاة الظهر من يوم النَّحر، ويختم عقيب الصبح من آخر أيام التشريق: فيكون مكبراً خلف خمس عشرة صلاة؛ وهو قول ابن عباس، وابن عمر؛ لأن الناس فيه تبعٌ للحاج؛ وهم يبتدئون التكبير عقيب الظهر يوم النحر، وذكرهم قبل ذلك التلبية.

وقال في موضع: يبتدئ التبكير عقيب صلاة الصبح من يوم "عرفة"، ويختم عقيب العصر من آخر أيام التشريق؛ فيكون مكبراً خلف ثلاث وعشرين صلاة؛ يروى ذلك عن عمر وعلي، وهو مذهب مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ ليكون جامعاً في التكبير بين الأيام المعلومات والمعدودات.
وقال في موضع: يبتدئ التكبير عقيب صلاة المغرب ليلة النحر، ولم يبين متى

يقطع؟ قال أصحابنا على هذا: يقطع عقيب الصبح من آخر أيام التشريق؛ فيكون مكبراً خلف ثماني عشرة صلاة.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على ثلاثة أقوال، ومنهم من قال: مذهبه القول الأول.
وحيث قال: يبتدئ عقيب الصبح من يوم "عرفة"- حكاية مذهب الغير، وحيث قال: عقيب المغرب من ليلة النحر- أراد به: التكبيرات المرسلة.
وقال أبو حنيفة: يبتدئ عقيب الصبح من يوم "عرفة"، ويختم عقيب العصر من يوم النحر، فيكون مكبراً خلف ثماني صلوات؛ ويروى ذلك عن ابن مسعود.
ثم لا خلاف أن التكبير مشروع عقيب فرائض الأوقات في هذه الأيام لنقل الخلف عن السلف.
وفيه ثلاثة معاني.
أحدها: لأنها فريضة مؤداة في وقتها في أيام التكبير.
والثاني: لأنها صلاة مشروعة في أيام التكبير.
والثالث: لأنها صلاة مفعولة في أيام التكبير، وفائدتها تبين في السنن الرواتب.
وصلاة العيد هل يكبَّر خلفها؟ فيه قولان: إن قلنا: بالمعنى الأول لا يكبر.
وإن قلنا: بالمعنيين الآخرين يكبر.
فلو صلى في أيام التكبير نافلة؛ هل يكبر خلفها؟ إن قلنا: بالمعنيين الأولين لا يكبر، وإن قلنا بالمعنى الثالث يكبر.
وإن فاتته صلاة في أيام التكبير، فقضاها في غير أيام التكبير- لا يكبر خلفها؛ لأن التكبير مختص بهذه الأيام.
وإن فاتته في هذه الأيام، وقضاها فيها: فإن قلنا: بالمعنى الأول لا يكبر، وإن قلنا: بالمعنيين الآخرين يكبر.
ولو فاتته في غير أيام التكبير، وقضاها في أيام التكبير إن قلنا: بالمعنيين الأولين لا يكبر: وإن قلنا بالثالث يكبر.
وهذا التكبير مسنونٌ في حق الرجال والنساء، والمقيم والمسافر؛ سواء صلى في الجماعة أو منفرداً وقال أبو حنيفة: لا يكبر المنفرد، ولا المرأة، ولا المسافر.
ولو نسي التكبير خلف الصلاة، فتذكر- والفصل قريب- كبر، وإن فارق مصلاه كبَّر حيث كان، وإن كان بعد طول الفصل هل يكبر؟.
فيه وجهان؛ بناءً على أنه لو نسي سجود السهو، وتذكر بعد طول الفصل هل يسجد؟ فيه قولان.
المسبوق بركعة لا يكبر مع الإمام؛ لأن صلاته لم تتم، فإذا أتم صلاته كبر.
والتكبير: أن يقول: الله أكبر ثلاث مرات نسقاً.
وعند أبي حنيفة: يقول مرتين.

قال الشافعي: وما ذكر من ذكر الله فحسن.
وذكر الزيادة في "الأم" فقال: يكبر ثلاثاً، ويزيد: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعدهُ، ونصر عبدهُ، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله أكبر.
فصلٌ إذا شهد شاهدان يوم الثلاثين من رمضان: أنَّا رأينا الهلال البارحة: نظر إن صحت عدالتهما قبل الزوال، فالإمام يأمر الناس بالفطر، ويخرج فيصلي بهم صلاة العيد.
وإن صحت عدالتهما بعد الزوال قبل غروب الشمس؛ سواء شهدا قبل الزوال أو بعده، أو صحت عدالتهما قبيل الزوال بزمان يسير لا يمكنهم الصلاة يأمرهم الإمام بالفطر.
وهل يصلي بهم صلاة العيد من الغد؟ فيه قولان: أصحهما: يصلي؛ وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق؛ لما روي عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- أن ركباً جاءوا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلّاهم.
وقياساً على الفرائض إذا فاتت تقضى.

والثاني- وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، واختيار المزني-: لا يصلي من الغد، كصلاة الخسوف لا تقضى بعد الانجلاء.
واحتج المزني- رحمه الله- بفصلين: أحدهما: قال: لو جاز القضاء من الغد، لجاز اليوم بعد الزوال؛ لأنه أقرب إلى الوقت.
والآخر: أنه لو جاز من الغد، لجاز بعد شهر.
قلنا: أما اليوم بعد الزوال، ففيه وجهان: أحدهما: إن أمكنه جمع الناس، يصلي اليوم بعد الزوال.
والثاني: لا يقضى إلا في ضحوة الغد؛ كالوقوف بـ "عرفة" إذا فات لا تقضى من الغد، إنما يقضى في مثل وقته من العام المقبل.
وأما بعد الغد إذا جوزنا القضاء؛ فهل يجوز أم لا؟ فيه قولان: أصحهما: يجوز.
وقد نص الشافعي على أن الإمام لو كان مشتغلاً بالجهاد أيام العيد، فإذا فرغ قضى.
والثاني: لا يقضي بعد الغد؛ لأن الغد يتصور أن يكون وقت الصلاة العيد بأن يخرج الشهر كاملاً.
أما إذا شهد الشهود بعد غروب الشمس من يوم الثلاثين لا تقبل شهادتهم كما لو شهدوا في اليوم الثاني؛ لأن شوَّال قد دخل يقيناً، وليس في قبول شهادتهم إلا المنع من صلاة العيد، وإبطال صوم قد مضى.
وكذلك لو شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال، أو بعده، وصحت عدالتهما بعد غروب الشمس، ففيه قولان: أصحهما: حكمه حكم ما لو شهدوا بعد الغروب، فلا يحكم به.
والثاني: حكمه حكم ما لو صحَّت عدالتهما بعد الزوال قبل الغروب؛ فهل يعيد من الغد؟ فيه قولان.
والله أعلم.

جارٍ التحميل