واختلفوا في هذا الاستثناء، فمنهم من قال: لا فرق بين "مكة" وغيرها، والاستثناء لأجل ركعتي الطَّواف، وذكر أنه يجوز أن يطوف بالبيت أيَّ وقت شاء، وإذا طاف يصلي ركعتي الطواف؛ لأنها صلاة لها سبب ومنهم من قال: الاستثناء لشرف البقعة، وذلك أن الناس يتناوبونها من البلاد البعيدة، والصلاة فيها أفضل من الصلاة في سائر البقاع فمن حضرها له أن يصلي في أي وقت شاء استكثاراً للفضيلة؛ لأنه لا يمكنه أن يأتيها في كل وقت لبعد الشُّقة، وكثرة المشقة.
وكره قوم الصلاة في هذه الأوقات بـ "مكة كما في البلاد، وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، والحديث حُجَّة لمن رخص، والله أعلم.
باب صلاة التطوع
روي عن ثوبان أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".
والصلاة أفضل عبادات البدن، وهي منقسمة إلى فرائض ونوافل.
فالفرائض خمسة بالشَّرع لا يزيد عليها إلا أن ينذر صلاة، فيلزمه بالنذر، والنَّوافل على ثلاثة سُنن ومستحبات، وتطوعات.
فالسُّنن ما واظب عليه الرسول- صلى الله عليه وسلم- والمستحب ما فعل مرة أو مرتين والتطوع ما ينشئه الإنسان باختياره، واسم التطوع والنافلة يطلق على ما عدا الفرائض.
ثم جملة السُّنن قسمان: قسم تُسَنُّ له الجماعة، وقسم لا تُسنُّ له الجماعة.
وآكد هذه السُّنن ركعتا الفجر والوتر، فمن ترك واحداً منهما كان أسوأ حالاً ممن ترك جميع النوافل، وفي الوتر وركعتي الفجر أيهما آكد؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد الوتر آكد؛ لما روي عن خارجة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: "إن الله أمدَّكم بصلاة هي خيرٌ لكم من حُمُرِ النّعَم الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر".
والثاني: ركعتا الفجر آكد؛ لما روي عن عائشة قالت: لم يكن النبي- صلى الله عليه وسلم- على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها".
ثم بعدهما سائر السنن الرواتب سواء في الوكادة، وما يفعل من هذه السُّنن قبل الفرائض يدخل [وقتها] بدخول وقت الفريضة، ويبقى إلى أن يذهب وقت الفريضة، وما كان بعد الفريضة يدخل وقتها بالفراغ من الفريضة، ويبقى وقتها إلى أن يذهب وقت الفريضة؛ لأنها تابعة للفريضة، والسُّنن بعد صلاة الجمعة كهي بعد صلاة الظهر.
وقال أبو حنيفة وإسحاق: يصلي بعدها أربعاً، لما أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربعاً".
ثم بعد السُّنن الرواتب: صلاة الليل ثم صلاة الضُّحى، ثم السنن التي تتعلق بفعل مثل: ركعتي الإحرام، وتحية المسجد، وركعتي الطواف إذا قلنا: إنها سُنَّ'، ثم بعده ما لا يتعلق بسبب، وهو تطوع يبتدئ به الإنسان من عند نفسه.
فصلٌ: في الوتْرِ وصلاة الليل
روي عن عبد الله بن عُمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي
أحدهم الصبح صلى ركعة واحدة توتِرُ له ما قد صلّى".
الأفضل في تطوعات الليل والنهار أن يصليها مثنى مثنى، يسلِّم من كل ركعتين، وبه قال مالك وأحمد.
وإذا صلى قبل الظهر، أو قبل العصر أربعاً يفصل بين كل ركعتين بالتسليم؛ لما روي عن عليّ قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقرَّبين، ومن تبعهم من المسلمين المؤمنين.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: تطوعات الليل أربعاً أربعاً أفضل، ويصلي قبل الظهر والعصر أربعاً بتسليمة واحدة؛ لما روي عن أبي أيوب قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح له أبواب السماء".
ولو شرع في نافلة، نظر إن لم ينو عدداً سلم من أي عدد شاء من واحدة إلى عشرة أو أكثر.
يروى أن عمر مر بالمسجد، فصلى ركعة، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، قال: إنما هي تطوُّع من شاء زاد، ومن شاء نقص، غير أن الأولى أن يسلم على شفعٍ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "صلاة الليل مثنى مثنى".
وإن نوى عدداً لا يجوز أن يزيد عليه، ولا أن ينقص عنه إلا بعد تغيير النية [فلو] فعل عمداً من غير تغيير النية بطلت صلاته.
بيانه: شرع فيها بنيَّة أن يصلي أربعاً، فسلم عن ركعتين، نظر إن نوى قبل السلام الاقتصار على ركعتين جاز، وإن سلم قبل تغيُّر النية عمداً بطلت صلاته، وإن سلم ساهياً أتم أربعاً، وسجد للسهو، ولو بدا له بعد ما سلم ساهياً أن يقتصر على ركعتين يسجد للسهو ويسلم ثانياً؛ لأن التسليم الأول لم يكن محسوباً.
ولو شرع فيها بنيَّة ركعتين، فقام إلى الثالثة، نظر إن نوى الزيادة، ثم قام صحَّت صلاته، وإن قام قبل تغير النِّية عمداً بطلت صلاته، وإن قام ساهياً يعود ويسجد للسهو، ويسلم، فلو بدا له بعد ما قام ساهياً أن يتم أربعاً يعود إلى القعود ثم يقوم؛ لأن هذا القيام لم يقع محسوباً.
وقيل: يمضي قائماً، ويسجد للسهو في آخره حتى لو أتم أربعاً ساهياً، ثم نوى إكمال أربع يصلّي ركعتين أخرتين، وإذا شرع فيها بنيَّة أربع، فهو بالخيار إن شاء صلاها بتشهد واحد، وإن شاء بتشُّهدين يقعد في الثانية والرابعة.
فإن صلى بتشهد واحد يقرأ السورة في الركعات كُلّها، وإن صلى بتشهدين هل يقرأ في الأخريين؟
فعلى القولين كالفرائض وإن نوى ستَّ ركعات، فإن شاء صلى بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين يقعد في الرابعة والسادسة، وكذلك إن نوى أكثر ولا يزيد على تشهدين، ولا يجعل بين التشهد الأول والآخر أكثر من ركعتين.
وقيل: له أن يتشهد في كل اثنتين، ولا يسلم.
أما صلاة الوِتْرِ فسُنَّةٌ مؤكدة.
وعند أبي حنيفة: الوتر واجب، والواجب عنده أحطُّ رتبة من الفرض، وأعلى من السُّنة، واختلفوا في عدده، فعندنا- وعليه تدل الأخبار- أنه يجوز أن يوتر بواحدة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع، وبإحدى عشرة، وثلاث عشرة.
روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الوتر ركعة من آخر الليل".
وعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الوتْرُ حقٌّ على كل مسلم، فمن أحب أن يوتِر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتِر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتِر بواحدة فليفعل".
وعن ابن عباس أنه رقد عند النبي- صلى الله عليه وسلم- فاستيقظ فتسوَّك وتوضأ، وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ...﴾ [آل عمران: 190] حتى ختم السُّورة، ثم قام يصلي ركعتين أطال فيها القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث.
وعن عائشة قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر منها
بخمس لا يجلس إلا في آخرها.
وعن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: يا أمَّ المؤمنين أنبئيني عن وترِ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت: كنا نعدُّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله إلى ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوَّك ويتوضّأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض فلا يسلم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسنّ وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول، فتلك تسع يا بُنيّ.
وكان نبي الله- صلى الله عليه وسلم- إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبيّ الله- صلى الله عليه وسلم- قرأ القرآن كلَّه في ليلة، ولا صلّى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان.
فإن أوتر بثلاث فإن شاء صلّى بتشهد واحد، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- في خمس، وإن شاء بتشهدين، كما فعل في سبع وتسع.
وإن أوتر بخمس، فإن شاء صلّى بتشهد واحد، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- وإن شاء بتشهدين يقعد في الرابعة والخامسة، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- في سبع وتسع.
وإن أوتر بسبع، فإن شاء صلى بتشهدين، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- يقعد في السادسة والسابعة، وإن شاء بتشهد واحد، كما فعل في الخمس، وإن أوتر بتسع، فكذلك إن شاء صلى بتشهدين كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- يقعد في الثامنة والتاسعة، وإن شاء بتشهد واحد كما في الخمس، وإن شاء أوتر بإحدى عشرة، فإن شاء صلّى بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين، ويقعد في العاشرة والحادية عشرة.
وإن أوتر بثلاث عشرة ركعة، فإن شاء قعد بتشهد واحد، وإن شاء بتشهدين يقعد في الثانية عشرة والثالثة عشرة، ولا يزيد على تشهدين، ولا يجعل بين التشهد الأول والآخر إلا ركعة واحدة.
وقيل: إن شاء فعل هكذا، وإن شاء جلس في كل ثنتين، ويتشهد ولم يسلم، وهل يجوز أن يزيد الوتر على ثلاث عشرة ركعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما يجوز أن يوتر بأقل.
والثاني: لا يجوز، لما روي عن عائشة أنها سئلت بكم كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: لم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة.
وعند أبي حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتشهدين وتسليمة كالمغرب، إلا أنه يجهر في الركعات كلها.
[ويقنت] وعند مالك: ثلاث [ركعات] بتشهدين وتسلمتين، ولا يتكلم بعد التسليمة الأولى.
وذهب جماعة إلى أنه يوتر بواحدة، وروي ذلك عن عثمان، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء وغيرهم.
واختلف أصحابنا في أن الوِتر بواحدة أفضل أو بثلاث موصولة أفضل.
منهم من قال: بثلاث موصولة أفضل؛ لأنه فعل أهل "المدينة"، ولأن العلماء اتفقوا على جواز الثلاث.
واختلفوا في إفراد الوتر، وهو اختيار الشيخ أبي زيد قال؛ ثلاث بتشهدين وتسليمة.
ومنهم من قال: الإتيان بواحدة أفضل؛ لأنه اجتمع فيه قول النبي- صلى الله عليه وسلم- وفعله، فالقول ما روينا عن ابن عمر: الوتر ركعة من آخر الليل، والفعل ما روي عن عائشة قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم في كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن بالإقامة، فإن فعل هكذا فحسن، وإن لم يفعل يصلي قبل الوتر ركعتين بنيَّة التهجد ويسلم، ثم يوتر بواحدة ليحوز فضيلة الثلاث، وليس المراد من قولنا: الوتر بواحدة أفضل أن يقتصر على ركعة واحدة، بل المراد منه أن إفرادها عما قبلها أفضل من وصلها بما قبلها.
فصلٌ: في قيام رمضان
روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
فتوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر.
وروي عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، وإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهط فقال عمر: إني أراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، وروي أنه وظّف عليهم عشرين ركعة.
ومن السُّنن الرواتب صلاة التراويح في شهر رمضان عشرون ركعة بعشر تسليمات، والأفضل أن يصليها جماعة أو منفرداً، نظر إن كان الرَّجُلُ لا يحسن القرآن، أو تختل الجماعة بتخلفه، أو يخاف النوم والكسل ففعلها جماعة أفضل، وإن لم يكن شيء من ذلك ففيه وجهان:
أحدهما: الجماعة أفضل؛ لأن عمر بن الخطاب جمعهم على أبي بن كعب.
والثاني: منفرداً أفضل؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلى ليالي في المسجد، ثم لم يخرج باقي الشهر، وقال: "صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
والأول أصح، وإنما لم يخرج النبي- صلى الله عليه وسلم- خشية أن تفرض عليهم.
والقنوت في الوتر سُنَّة، وعندنا يقنُتُ في النصف الأخير من شهر رمضان بعد الركوع.
وعند أبي حنيفة يقنت في جميع السَّنة قبل الركوع.
وقيام الليل من سُنن المرسلين، ودأب الصالحين.
روي عن أبي أُمامة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: عليكم بقيام الليل فإنَّه دأب الصالحين قبلكم وهو قُربة إلى ربَّكُم ومكفرة للسيئات ومنهاةٌ عن الإثم".
وإذا أراد قيام بعض الليل، فآخر الليل أفضل لقوله تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18] وإذا جزأ الليل أثلاثاً، فالجزء الأوسط أفضل؛ لأنه وقت غفلة الناس.
روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "أحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يوماً، ويفطر يوماً".
ويكره أن يقوم الليل كله؛ لما روي عن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ومن صلى بالليل جعل آخر صلاته بالليل الوتر؛ لما روي عن عبد الله بن عمر عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً".
والاحتياط ألا ينام إلا بعد الوتر؛ لما روي عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي- صلى الله عليه وسلم- بثلاث لأدعُهُنَّ حتى أموت: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.
فإذا كان الرجل قد اعتاد قيام الليل فيؤخر الوتر.
روي عن جابر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل".
وعن عائشة قالت: من كل الليل أوتر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أوَّل الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر.
وإذا أوتر ونام، ثم قام للصلاة لا يعيد الوتر وقيل: يصلي ركعة حتى يصير ما مضى شفعاً يسمى ذلك نقض الوتر، ثم يصلي ما شاء، ثم يوتر ثانياً، يروي ذلك عن ابن عمر، وبه قال إسحاق.
ولا يحسب التراويح، ولا الوتر قبل صلاة العشاء، فلو صلَّى فرض العشاء على أنه متطهر، ثم أحدث فتوضأ، ثم أوتر، ثم ظهر أنه كان محدثاً في فرض العشاء يجب عليه إعادة صلاة العشاء، ويعيد الوتر بعدها، كما لو طاف وسعى، ثم بان أنه كان محدثاً في الطواف يجب عليه إعادة الطَّواف، والسَّعي جميعاً، ويستحب أن يقرأ في الوتر ما روي عن عائشة أنها سئلت بأي شيء كان يوتر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قالت: كان يقرأ في الأول ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.
وعن أُبيِّ بن كعب قال كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا سلَّم في الوتر قال: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات يرفع في الثالثة صوته".
وصلاة الضُّحى سُنَّة أفضلها ثمان ركعات؛ لما روي عن أم هانئ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دخل بيتها يوم فتح "مكة"، فاغتسل وصلى ثمان ركعات لم أرَ صلاة قط أخف منها، غير أنه
يُتم الركوع والسجود، وذلك ضحى.
وقالت معاذة: سألت عائشة كم كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء، وأقلُّها ركعتان؛ لحديث أبي هريرة "ركعتي الضُّحى".
وعن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
ووقت صلاة الضحى من حين ترتفع الشمس إلى وقت الاستواء.
روي عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أهل "قباء" وهم يصلُّون الضحى فقال: "صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال من الضحى".
ويستحبُّ لمن دخل المسجد ألا يجلس حتى يُصلّي ركعتين تحيَّة المسجد، لما روى أبو قتادة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال إذا دخل أحدكم فلا يجلس حتى يصلي ركعتين فإذا دخل
رجل وحضرت الجماعة لا يشتغل بالتحية، بل يصلي الفرض معهم، وتحصل به التحية، ولا يقعد وإن كان المؤذن في الإقامة، ولو دخل المسجد، فصلى فريضة أو سُنَّة، أو قضى ورداً حصلت تحيَّة المسجد، سواء نواها أو لم ينوها، ولو نوى التحية مع الفرض لا يضرُّ، كما لو كبَّر وقصد به إعلام الناس، ولو صلَّى على جنازة أو سجد لتلاوة أو شُكر لا يحصل به تحية المسجد.
فصلٌ
إذا فاتته سُنَّة من هذه السنن الرواتب، هل تقضي؟ فيه قولان، وكذلك صلاة العيد، وصلاة الضحى إذا فاتت هل تقضي؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تقضي؛ لأنها صلاة نفل كصلاة الخسوف والاستسقاء لا تقضى بعد الانجلاء.
والثاني: وهو المذهب أنها تقضى؛ لأنها صلاة راتبة في وقت كالفرائض، وليس كالخسوف والاستسقاء؛ لأنها غير راتبة، وإنما تفعل لعارض، وقد زال العارض.
وعند أبي حنيفة: لا تقضى إلا ركعتا الفجر إذا فاتتا مع الفرض، فإن قلنا: تقضى، فالمذهب أنه يجوز قضاؤها أبداً في أي وقت كان، ونقل المُزنيّ أنه لا تقضى الوتر بعد ما صلّى صلاة الصُّبح، ولا ركعتي الفجر بعد أن يقام الظهر.
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: هذا قول الشافعي أنه لا يقضى الوتر بعد صلاة الصبح؛ لأنه تبعٌ للعشاء، فلا تجعل تبعاً للصبح، ولا يقضي ركعتي الفجر بعد صلاة الظُّهر؛ لأنها تبع للصبح، فعلى هذا الاعتبار بدخول وقت الصبح والظهر أم بفعل الصلاة؟ فيه وجهان.
ومن أصحابنا من قال وهو المذهب: يجوز قضاؤها في جميع الأوقات، والشافعي لم يقل: ولو فاتته ركعتا الفجر حتى صلّى الظهر، بل قال: حتى أقام الظهر، وكذلك قال: لو فاته الوتر حتى يقام الصبح لم يقض، وأراد بهذا إذا أقيم لصلاة الوقت لا يشتغل بقضاء ما فات من ركعتي الفجر والوتر، بل يصلي صلاة الوقت، ثم يقضي ما فاته، وكذلك جميع الصلوات إذا أقيم لها لا يشتغل بسنّتها، بل يصلِّي الفرض، ثم بعده يصلّي السُّنَّة وهو قول أكثر أهل العلم؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة
إلا المكتوبة" وعند أبي حنيفة يشتغل بالسُّنة إذا علم أنه مُدرك مع الإمام ركعة، ومن قال: يشتغل بالسُّنة مجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، والحديث حُجَّة عليهم.
بابُ صلاة الجماعة
روي عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسبع
وعشرين درجة".
الجماعة في صلاة الجمعة فرض عين، وفي سائر الصلوات ليست بفرض عين، وهل هي فرض على الكفاية؟ فيه وجهان: أظهرهما: أن سُنَّة مؤكدة شرعت لاكتساب الفضيلة.
والثاني: وهو قول ابن سُريج فرض على الكفاية إذا قعد أهل قرية أو محلَّة عن إقامتها عصوْا وقوتلوا عليه؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لقد هممت أن آمُر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمُر رجلاً فيؤمَّ الناس ثم أخالف على رجال لا يشهدون الصلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو حسنتين لشهد العشاء".
وروي عن أبي الدرداء أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
وقال عطاء، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق: الجماعة فرض عين لا يجوز تركها من غير عذر، وأقل الجماعة اثنان.
روي عن أبي موسى الأشعري أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "الاثنان فما فوقها جماعة".
ويجوز إقامة الجماعة في البيت، وفي المسجد الكبير الذي يكثر فيه أفضل من المسجد الصغير.
روي عن أُبيِّ بن كعب أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاة الرَّجُل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرَّجلين أزكى من صلاته مع الرَّجل وما كَثُرَ فهو أحبُّ إلى الله تعالى".
فإن كان المسجد الصغير أقرب إليه، نظر إن كان لا تختلُّ الجماعة فيه بغيبته، فالأولى أن يخرج إلى المسجد الأعظم، وإن كان يختلُّ، فالأفضل أن يُصلّي في المسجد الأقرب، حتى لو لم يكن فيه أحد يُؤذِّن ويقيم، ويصلّي فيه منفرداً ويخفف، ثم يخرج إلى المسجد الأعظم فيصلّي معهم ليحوز فضيلة الجماعة.
وقيل: إن كان لا تختل الجماعة في المسجد الأصغر بغيبته، فالأولى أن يصلي فيه، ثم يخرج إلى المسجد الأعظم، ويجوز تركُ إتيان الجماعة بالعذر بأن يكون مريضاً، أو عارياً لا لباس له، أو يخاف على نفسه أو ماله في الطريق، أو كان هارباً من سلطان، أو كان عليه قصاص يرجو عفوه، أو يطلب ضالَّة له، أو كان مخفياً من غريم يطالبه ولا وفاء له، أو وجب عليه حدّ، أو يخاف ضياع متاعه.
روي عن ابن عباس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من سمع النِّداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر قالوا: يا رسول الله وما العذر قال: خوف أو مرضٌ".
أما إذا كان خوفه من حق هو في منعه ظالم، أو وجب عليه حدّ لا يقبل العفو، فلا يكون عذراً.
والمطرُ عذرٌ، والبرد الشديد عذر.
روي عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرِّحال.
والوحلُ عذرٌ على أصح الوجهين، والرياح العاصفة عذر بالليل دون النهار، وما جاز له ترك الجماعة جاز ترك الجمعة به، وإن كان به جوع أو عطش غالب يبدأ بالأكل والرب، ولا يأكل للشبع، بل يأكل لقماً يسكن فورةَ جوعه؛ لما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا وُضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء".
وكذلك إذا كان يدافع أحد أخبثيه ببول أو غائط أو ريح يكره له معه حضور الجماعة، بل يفرغ نفسه، وإن فاتته الجماعة لما روي عن عبد الله بن الأرقم قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط".
وعن عائشة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان".
هذا إذا كان في الوقت سعة، فإن كان يخاف فوت الوقت لو اشتغل بالأكل أو الشرب، أو قضاء الحاجة يبدأ بالصلاة.
وقيل: يشتغل بقضاء الحاجة، وإن فات الوقت، ثم يقضي، كما لو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالوضوء، يجب عليه أن يتوضأ.
ويستحب للرجل إذا أتى الصلاة أن يأتيها ماشياً من غير إسراع؛ لما روي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَوْن، وأتوها تمشُون، وعليكم السَّكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا.
وصلاة الجماعة مستحبة للنساء، لكنها في حق الرجال آكد، وجماعتهن في البيت أفضل؛ لما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خيرٌ لهن".
وإذا أرادت المرأة حضور المسجد بجماعة الرجال، جاز إذا كان لا يخشى منها الفتنة، وإذا خرجت لا تمس طيباً؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وإذا خرجن فليخرجن تفلات، وإذا صلين جماعة يقوم إمامهن وسطهن ليكون أستر.
روي عن عائشة أنها صلَّت بنسوة العصر، فقامت وسطهن.
وإمامة الرجال لهن أولى من إمامة النساء، حرّاً كان أو عبداً، لكن لا يجوز أن يخلو الرجل بهن من غير محرمٍ، وإذا أمَّهُنَّ رجل يقوم أمامهُنَّ، ولا يقوم وسطهن، ومن صلّى منفرداً.
ثم أدرك جماعة يصلون يستحب له أن يصلِّي معهم ثانياً أي صلاة كانت ليحوز فضيلة الجماعة، وينوي الفرض كالأولى، وهو قول الحسن، والزُّهري، وأحمد، وإسحاق.
وقال النَّخعي، والأوزاعي يصليها ثانياً إلا الصبح والمغرب.
وقال أبو حنيفة: إلا الصبح والعصر والمغرب؛ لأن الصبح والعصر لا يتنفَّل بعدها، والمغرب وتر النهار، فيصير شفعاً.
والدليل على أنه يصليها ثانياً ما روي عن يزيد بن الأسود قال: شهدت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حجَّته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد "الخيف"، فلما قضى صلاته وانحرف، فإذا هو برجلين في آخر القوم، ولم يصليا معه، قال: "عليَّ بهما" فجيء بهما ترتعد فرائصُهما قال: "ما منعكما أن تصليا معنا" فقالا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا قال: "فلا تفعلا إذا صليتُما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة".
وإذا صلى ثانياً أيهما تكون فرضاً؟ فيه قولان.
قال في الجديد، وهو المذهب: الأولى فرضه للخبر ولأن الفرض قد يسقط عنه بالأولى، والثانية لحيازة الفضيلة.
وقال في القديم: يحتسب الله بالفريضة أكملها وهو قول ابن عمر.
ولو صلى صلاة جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى هل يعيدها معهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعيد؛ لأنه حاز الفضيلة.
والثاني: وهو الأصح يستحب أن يعيد، كما لو صلى منفرداً، ثم أدرك جماعة.
وقيل: يعيد الظهر والمغرب والعشاء، ولا يعيد الصبح والعصر.
وقيل: إن كان في الجماعة الثانية فضيلة زائدة بأن كان الإمام أعلم أو أورع، أو الجمع أكثر، أو المكان أفضل يعيد، وإلا فلا.
وإذا أخَّر الإمام الخروج للصلاة يستحب أن يبعث إليه ليحضر، وإن خيف فوت أول الوقت يستحب أن يتقدم غيره؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فقدَّم الناس أبا بكر حتى صلى بهم.
وإن لم يكن أحد يتقدم صلى منفرداً، ثم إن جاء الإمام صلى معه ثانياً، ولو شرع في الصلاة منفرداً، ثم أقيمت الجماعة قال: أحببت أن يكمل ركعتين يكونا له نافلة، ويبتدئ الصلاة مع الإمام، وإن أراد أن يترك نية الفرض، فيبقى نفلاً، ويسلم عن ركعتين، ويكره أن يقطع صلاته فيبطلها.
قال الشيخ: وإن كانت الصلاة ذات ركعتين، أو ذات أربع، ولكنه قد قام إلى الثالثة يتمها ثم يشرع مع الإمام، فلو لم يسلم، بل نوى الاقتداء بالإمام، ووصل صلاته بصلاته، هل يجوز؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله الجديد يجوز؛ لأن أبا بكر كان يصلي بالناس في مرض
رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فوصل أبو بكر صلاته بصلاته.
والإمام يكون في حكم المنفرد، ولأنه لما جاز أن يصلي بعض الصلاة منفرداً، ثم يصير إماماً بأن يقتدي به جماعة جاز أن يصلي بعضها منفرداً، ثم يصير مأموماً.
وقال في "الإملاء": لا يجوز، وهو الأصح في طريقة القاضي وتبطل صلاته؛ لأنه خالف الإمام في التحريمة، كما لو حضر معه، وأحرم قبله.
فمن أصحابنا من قال: القولان فيما إذا اتفقا في الركعة، فإن اختلفا بأن كان الإمام في ركعة، والمأموم في أخرى متقدماً عليه، أو متأخراً عنه لا يجوز.
والصحيح: أن لا فرق بين الحالتين، ثم إن اختلفا في الركعة بأن يقعد المأموم في موضع قعود الإمام، ويقوم في موضع قيامه، فإذا تمت صلاة الإمام، ولم تتم صلاة المأموم، فإذا سلم الإمام يقوم المأموم، ويتم صلاته كالمسبوق، وإذا تمت صلاة المأموم، ولم تتم صلاة الإمام لا يتابعه في الزيادة، بل إن شاء خرج عن متابعته، وسلم وإن شاء انتظر في التشهد حتى تتم صلاته، فيسلم معه.
فإن سها الإمام بعد أن اقتدى به أو قبله، فإذا أتم صلاته منفرداً سجد في آخر صلاته على أصح القولين كالمسبوق، وإن سها الإمام، نظر إن سها بعد أن وصل صلاته بصلاة الإمام يحمل عنه الإمام، وإن سها قبل أن وصل صلاته بصلاته، فلا يتحمل عنه الإمام، فإذا سلم الإمام يسجد هو في آخر صلاته.
وسئل القاضي عمن شرع في فائتة، ثم افتتح جماعة صلاة الوقت، قال: أستحب أن يقتصر على ركعتين ليصلي تلك الصلاة معهم؛ لأن الفائتة لا تشرع لها الجماعة، وبمثله لو شرع في فائتة وقت العصر في يوم فانكشف الغيم، وخاف فوت الوقت يسلم الفائتة عن ركعتين؛ لأن مراعاة حق الوقت أولى من مراعاة الجماعة، ألا ترى أن أداء جميع الصلاة في الوقت أولى من انتظار جماعة يصلي معهم بعض الصلاة في الوقت، والمسبوق إذا أدرك
الإمام في التشهد الأخير يكبّر ويقعد للتشهد معه، ويصير مدركاً لفضيلة الجماعة، وقد ورد أخبار في فضل التكبيرة الأولى.
روي عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من صلى أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق".
اختلفوا فيما يصير مدركاً للتكبيرة الأولى؛ منهم من قال: يدرك الركوع مع الإمام ومنهم من قال: لا يكون مدركاً حتى يدرك شيئاً من القيام.
ومن حضر بعد فراغ الإمام من الصلاة يستحب لبعض من صلى مع الإمام أن يقوم، فيصلي معه ليحصل له الجماعة؛ لما روي عن أبي سعيد الخُدري أن رجلاً جاء وقد صلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" فقام رجل وصلى معه.
والأولى للإمام ألا ينتظر أحداً في الصلاة حتى تكون صلاته خالصة لله- تعالى- فلو أحسَّ بداخل فانتظره، نظر إن انتظره في قيام أو سجود لا يجوز؛ لأنه لا فائدة له في ذلك الانتظار.
وإن انتظره في الركوع قال في موضع: لا ينتظر، وقال في موضع: لا بأس أن ينتظره، فحصل قولان، وكذلك إذا انتظره في التشهد الأخير فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز أن ينتظره حتى تكون خالصة لله- عز وجل- لا يدخلها تشريك.
والثاني: يجوز؛ لأن الجماعة لحصول الفضيلة، فيجوز الانتظار فيها لفضيلة تحصل للمأموم، ففي الركوع ينتظر ليحصل للمأموم إدراك الركعة، وفي التشهد الأخير ينتظر
لتحصل له فضيلة الجماعة، كما ينتظر فراغ قوم، ومجيء قوم في صلاة الخوف، وكما يرفع الصوت بالتكبير لإعلام القوم، ولا يكون تشريكاً.
فإن قلنا: لا يجوز، فلو فعل هذا هل تبطل صلاته؟.
قيل: فيه قولان، بناءً على أنه لو زاد على انتظارين في صلاة الخوف، هل تبطل صلاته أم لا؟ وفيه قولان.
وقيل وهو المذهب: لا تبطل صلاته قولاً واحداً.
أما إذا كان يصلي في مسجد محلَّةٍ أو سوق، ويطول القراءة ليجتمع الناس، أو يؤم مسجداً وثَمَّ رجل شريفٌ يصلّي فيه، فيطول القراءة لأجله، فهذا مكروه.
والسُّنَّة للإمام أن يخفِّف الصلاة، ولا يطولها، فينفّر القوم عن الجماعة، وفي التخفيف لا يترك من أبعاضها وهيئاتها شيئاً.
روي عن أنس قال: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتمّ من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإن كان يسمع بكاء الصبي، فيخفف مخافة أن تفتتن أمه.
وروي عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفِّف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء".
وعن أبي مسعود أن رجلاً قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل
فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في موعظة أشد غضباً منه يومئذٍ، ثم قال: "إنَّ منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوَّز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".
وإذا رضي القوم بالتطويل يجوز أن يطوّل، وإن رضي بعضهم دون بعض فليخفِّف؛ مراعاةً لحق الضعيف.
باب صلاة الإمام قاعداً بقيام
روي عن عائشة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فوجد النبي- صلى الله عليه وسلم- خفَّة فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر فأمَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- أبا بكر وهو قاعد وأَمَّ أبو بكر الناس وهو قائمٌ.
إذا مرض الإمام الرَّاتب، أو حدث به عذر يستحب أن يستخلف في الإمامة قادراً، كما استخلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبا بكر في مرضه، فلو صلى بهم قاعداً يجوز، وهم يصلون خلفه قياماً عندنا، وعند أكثر [الفقهاء].
وقال مالك: لا يجوز اقتداء القائم بالقاعد.
وقال أحمد، وإسحاق: إذا صلى الإمام قاعداً، فالقوم يقعدون خلفه؛ لما روي عن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبر فكبِّروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون.
وهذا منسوخ بحديث عائشة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلى قاعداً، وأبو بكر والناس خلفه قياماً وهذا متأخر، فإنه كان في مرض موته.
وكذلك يجوز اقتداء القائم والقاعد بالنائم إذا وقف على أفعاله، ويجوز اقتداء القاعد بالقائم، واقتداء النائم بهما ووافقنا أبو حنيفة في القائم والقاعد.
أما النائم فلا يجوز اقتداؤه بهما، ولا اقتداؤهما بالنائم، ولو كان يصلِّي الفرض قاعداً فقدر على القيام فلم يقم بطلت صلاته على ظاهر المذهب.
وفيه قول آخر: تنقلب صلاته نفلاً.
فإن قلنا: بأنه تبطل صلاته، فكل من عرف حاله من المأمومين، ووقف على متابعته بطلت صلاته، ولمن لم يعرف حاله لا تبطل صلاته.
والله أعلم.
فصلٌ: في الاستخلاف
الإمام إذا سبقه في خلال الصلاة الحدث أو رَعَفَ وانصرف هل يجوز له الاستخلاف؟ فيه قولان:
في الجديد وهو الأصح: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنه ليس فيه أكثر من أنه صلى بعض صلاته خلف من لم يكن إماماً له في ابتداء الصلاة، وذلك لا يمنع صحَّة الصلاة، فإن أبا بكر كان يصلّي بالناس في مرض النبي- صلى الله عليه وسلم- فلما دخل النبي- صلى الله عليه وسلم- وجلس إلى جنب أبي بكر، واقتدى به أبو بكر- رضي الله عنه- والقوم.
وقال في القديم: لا يجوز؛ لأن هذه صلاة واحدة، فلا تجوز خلف إمامين، كما لو اقتدى بهما في حالة واحدة.
وإن قلنا: يجوز فلا فرق بين أن يحدث الإمام عمداً، أو سبقه الحدث، أو ينصرف عمداً من غير سبب، ولو لم يستخلف الإمام أحداً، فتقدَّم رجل بغير إذنه جاز، وشرطه أن
يكون الخليفة قد اقتدى بالإمام قبل حدثه، فإن لم يدرك شيئاً من صلاة الإمام لا يجوز أن يتقدم خليفة.
وعند أبي حنيفة: يجوز الاستخلاف إذا سبقه الحدث، ولا يجوز أن يتقدم أحد دون إذنه، فإن خرج عن المسجد، ولم يستخلف بطلت صلاتهم، وإذا تقدم الخليفة، فمن شاء من القوم ثبت على متابعته، ومن شاء أتمَّ صلاته منفرداً.
ولا يجب على من ثبت على متابعته نيَّة الاقتداء بالخليفة؛ لأنه نوى الجماعة في الابتداء.
وقيل: تجب نيَّة الاقتداء بالخليفة؛ لأنه بعد ذهاب الإمام في حكم الانفراد، ولذلك يلزمه سجود السهو إذ سها، وإن كان الخليفة مسبوقاً يجب عليه مراعاة نظم صلاة الإمام، يقعد في موضع قعوده، ويقوم في موضع قيامه، فإن كان في صلاة الصبح، وأدركه مسبوق في الركعة الثانية، فإذا أحدث الإمام وتقدم هذا المسبوق يقنُتُ في هذه الركعة؛ لأنه موضع قنوت الإمام، ويقعد للتشهد في هذه الركعة ثم يقوم، ويتم صلاته، ويقنت في الركعة الثانية لنفسه، فإذا تمَّت صلاة الإمام، فقام الخليفة لإتمام صلاته لا يجوز لمن تمَّت صلاته من القوم متابعته، بل إن شاءوا خرجوا عن متابعته وسلموا، وإن شاءوا ثبتوا جالسين حتى يتم الخليفة صلاة نفسه، فيسلم بهم.
وإذا كان الإمام قد سها قبل اقتداء هذا المسبوق به، أو بعده سجد المسبوق للسهو في آخر صلاة الإمام ومتابعة القوم، ثم إذا قضى بقية صلاته سجد ثانياً على القول الأصح أن المسبوق يسجد في آخر صلاته لسهو الإمام، وإن كان المسبوق لا يعرف نظم صلاة الإمام هل يجوز أن يتقدم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا يمكنه مُرَاعاة نظم صلاة الإمام.
والثاني: يجوز، فإذا أتمَّ ركعة يرقب للقوم، فإن همُّوا للقيام قام، وإلا قعد، ولا يمنعه قبول قول غيره من أن يكون خليفة كالإمام إذا أخبره أن الباقي من الصلاة كذا له أن يقبل قوله ويتقدم.
ولو سها الخليفة قبل حدث الإمام، فقد تحمل عنه الإمام سهوه، لو سها بعد حدثه عليه سجود السهو، وعلى من دام على متابعته، كمن كان يصلّي منفرداً فسها، ثم اقتدى به رجل، يلزمه أن يسجد معه للسهو.
ولو سها بعض القوم، نظر إن سها قبل حدث الإمام، أو بعد تقدُّم الخليفة، فلا سجود عليه؛ لأن الإمام قد تحمَّل عنه، وكذلك الخليفة، وإن سها بعد حدث الإمام قبل تقدُّم الخليفة، فعليه أن يسجد للسهو بعد تسليم الخليفة؛ لأنه كان وقت السهو في حكم الانفراد، وإن كان يصلي الظهر خلف من يصلي الصبح، فأحدث الإمام وتقدم هذا الذي يصلي الظهر يقنت في الركعة الثانية؛ لأنه محل قنوت الإمام، ولا يقنت في آخر صلاة نفسه، وإن كان يصلي الصبح خلف مني صلي الظهر، فأحدث الإمام وتقدم هو لا يقنت في آخر صلاته.
قال الشيخ إمام الأئمة وهو صاحب الكتاب: يحتمل أن يقال: يقنت في المسألة الأخيرة، ولا يقنت في الأولى، وإنما يؤخذ عليه مراعاة نظم صلاة الإمام إذا اتفقت الصلاتان، وإن اختلفتا يراعي نظم صلاة نفسه بعد مفارقة الإمام، كما في عدد الركعات.
ولو تقدم الخليفة، وسبقه الحدث يجوز للثالث أن يتقدم، فإذا سبقه الحدث يجوز لرابع أن يتقدم، وعلى الكل مراعاة نظم صلاة الإمام الأول، ويشترط أن يكون كل من تقدم قد أدرك شيئاً من صلاة الإمام الأول، واقتدى به قبل حدثه، ولو ذهب الإمام وتوضأ، ثم عاد، واقتدى بخليفة ثم أحدث الخليفة، فتقدم الإمام الأول جاز، ولو أحدث الإمام، فتقدم رجلان، وتابع كل واحد منهما بعض القوم جاز إلا في الجمعة؛ لأنه لا يجوز إقامة جمعتين في موضع واحد.
باب اختلاف الإمام والمأموم
روي عن جابر قال: كان معاذٌ يصلي مع النبي- صلى الله عليه وسلم- العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها لهم هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة العشاء.
اختلاف نيَّة الإمام والمأموم لا تمنع الاقتداء، حتى يجوز أداء الفرض خلف من يصلي النفل، وأداء النفل خلف مني صلي الفرض، ويجوز أداء فريضية خلف من يصلي أخرى سواء كان الإمام قاضياً أو المأموم، وسواء اتفقت الصلاتان في عدد الركعات مثل أن كان أحدهما يصلي الظهر، والآخر يصلي العصر، أو اختلفا مثل أن كان أحدهما يصلي الظهر، والآخر يصلي الصبح أو المغرب، وهو قول الأوزاعي، وأحمد.
وقال الزهري، وربيعة، ومالك: اختلاف النيَّة يمنع الاقتداء.
وقال أبو حنيفة: يمنع إلا النَّفل خلف مَن يصلي الفرض يجوز، والحديث حجة عليه ولمن جوَّز، ولأن الاقتداء يقع في الأفعال الظاهرة، وذلك ممكن مع اختلاف النية، ثم إن كان صلاة الإمام أقل عدداً بأن كان يصلي الظهر خلف من يصلي الصبح أو المغرب، فإذا تمَّت صلاة الإمام وسلَّم قام المأموم، وأتم صلاته كالمسبوق، وإذا قنَتَ الإمام تابعه، كما يقعد في المغرب في الجلسة الأخيرة معه، كالمسبوق يقعد في موضع بقعود الإمام، ويقنت
في موضع قنوته، وإن كان صلاة الإمام أقل عدداً بأن كان يصلي الصبح أو المغرب خلف من يصلي الظهر، فإذا تمَّت صلاة المأموم لا يجوز إن يتابع الإمام في الزيادة، بل إذا قام هو بالخيار إن شاء خرج عن متابعته وسلّم، وإنشاء انتظره في التشهد حتى يسلم معه، فإن وقف الإمام في محل القنوت يسيراً قنت المأموم، وإن لم يقف يتابعه ولا يشتغل بالقنوت.
وقيل: إن كان صلاة المأموم أقل عدداً فيه قولان؛ لأنه يحتاج إلى الخروج عن صلاة الإمام قبل فراغه، والأوّل أصحّ، وإن كانت الصلاتان مختلفتين في الأركان، مثل أن اقتدى في فريضة بمن يصلي صلاة الخسوف، أو صلاة الجنازة، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه متابعته مع اختلاف الأفعال.
والثاني: وبه قال الشيخ القفال يجوز؛ لأن المقصود من الاقتداء اكتساب الفضيلة، كما لو أدرك الإمام في التشهد الأخير اقتدى به جاز، فعلى هذا في صلاة الخسوف يتابعه في الركوع الأول، فإذا رفع رأسه خرج عن متابعته، وإذا أدركه في القيام الثاني تابعه في الركوع، وصلى معه تلك الركعة، ويركع معه في الثانية، ثم يخرج عن متابعته، وإذا أدركه في الركوع الثاني من إحدى الركعتين كان مدركاً للركعة، وفي صلاة الجنازة إذا كبَّر الإمام الثانية خرج عن متابعته حتى قال القفال: إذا اقتدى بمن يسجد شكراً أو تلاوة جاز، وكما كبَّر كبَّر لا يهوي إلى السجود معه، بل يخرج عن متابعته.
وتجوز إمامة الأعمى؛ لما روي عن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- استخلف ابن أم مكتوم يؤمّ الناس، وهو أعمى، والأعمى والبصير سواء في الإمامة.
وقال أبو حنيفة: البصير أولى؛ لأنه أحفظ لثوبه عن النجاسات.
قلنا: الأعمى أحفظ لقلبه عن التفرُّقات.
وتجوز الصلاة خلف الصبي الذي يعقل، والبالغ أولى منه، وكره عطاء، والشعبي، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة إمامة الصبي.
وتجوز إمامة العبد، والحرُّ أولى منه؛ لأنه أكمل حالاً، ويجوز اقتداء المقيم
بالمسافر، واقتداء من غسل الرجلين بمن مسح على الخُف، واقتداء المتوضئ بالتيمِّم، والمتوضئ وغاسل الرجل أولى بالإمامة.
وقيل: المقيم أولى من المسافر.
ولو اجتمع جماعة من العراة فصلّوا جماعة يجوز، ويقف إمامهم وسطهم ليكون أستر قال في القديم: الأولى أن يُصلُّوا فرادى، ولو كان فيهم لابس، فهو أولى بالإمامة، ويقف قدامهم، فلو تقدم عارٍ، واقتدى به اللابس يجوز.
وعند أبي حنيفة لا يجوز.
ولو اقتدى طاهر بِسَلِسِ البول، أو اقتدت طاهرت بمستحاضةٍ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز، كما لو اقتدى رجل على ثوبه نجاسة عفوة، أو اقتدى بمن استنجى بالحجر.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن صلاة الإمام صلاة ضرورة، ولو اقتدى بمربوط على خشبة يصلي بالإيماء إن قلنا: عليه الإعادة لا يصحّ الاقتداء به.
وإن قلنا: لا يجب عليه فيصح كالمريض بالإيماء، ولو صلّى خلف جُنُب أو مُحدث أو خلف مَن على ثوبه نجاسة غير معفوة، وهو عالم بحال الإمام لا تصحّ صلاته، وإن اقتدى به، وهو غير عالم بحاله، فلما فرغ علم، لا تجب عليه الإعادة، سواء كان الإمام عالماً بحالة يتعمَّد الإمامة، أو كان جاهلاً، هذا قول أكثر أهل العلم؛ لما روي عن عمر بن الخطَّاب- رضي الله عنه- أنه صلَّى بالناس، ثم رأى على ثوبه أثر احتلام، فاغتسل وأعاد الصَّلاة، ولم يأمر القوم بالإعادة.
وقال حمَّاد، وأبو حنيفة: تجب الإعادة، وروي ذلك عن عليٍّ- رضي الله عنه-.
وقال مالك: إن كان الإمام عالماً بحدِثِهِ، فتعمَّد الإمامة لا تصح صلاة القوم خلفه.
وتكره إمامة من يلحن في القراءة، ثم ينظر إن كان لحناً لا يحيل المعنى بأن نصب الدَّال من "الحمد" ورفع الهاء من "لله" صحّـ صلاته، وصلاة من اقتدى به.
وإن كان لحناً يحيل المعنى، أو يعطّله، نظر إن كان يطاوعه لسانه، ويمكنه التعلم لا تصح صلاته، ولا صلاة من خَلفه، كما لو تكلم في صلاته، وإن كان في الفاتحة، فصلاة من هو في مثل حاله خلفه صحيحة، ومن لم يكن في مثل حاله وإن كان لا يطاوعه لسانه فصلاته صحيحة، ثم كان ذلك في غير الفاتحة فصلاة القوم خلفه صحيحة فاقتداؤه به كاقتداء