قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يا أَيُهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وقرئ: "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ".
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - وَهِيَ حَائِضُ- فَسَأَلَ عُمَرُ- رَضِيَ الله عَنْهُ- رَسُولَ الله- صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ
تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعُدَهُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ".
وفي رواية: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً أَوْ حَامِلاً".
الطلاق على أربعة أوجه: واجب، ومحظور، ومستحب، ومكروه:
فالواجب: في حق الولي بعد مضي المدة يجب عليه الفيء أو الطلاق، فإن لم يفعل طلق عليه السلطان، وعند الشقاق بين الزوجين إذا رأى الحكمان التفريق.
والطلاق المحظور: هو طلاق البدعة، وهو: أن يطلقها في حالة الحيض، أو في طهر جامعها فيه.
والمستحب: هو أن يكون مقصراً في حقها، أو لا تكون المرأة عفيفة؛ يستحب أن يفارقها؛ قال رجل للنبي- صلى الله عليه وسلم-: "إن امرأتي لا ترد يد لامس؟ قال: "طلقها".
والمكروه: هو الطلاق عند سلامة الحال، يكره؛ لما فيه من قطع الوصلة؛ قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
والطلاق ينقسم إلى سني وبدعي:
فالسني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
والبدعي: أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه يعصي الرجل به، سواء طلقها بمسألتها أو غير مسألتها، ولكن يقع الطلاق؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- أمر ابن عمر- رضي الله عنه - بالمراجعة، ولولا وقوع الطلاق لكان لا يأمر بالمراجعة.
والمانع من الطلاق في الحيض: أن الحيضة التي يقع فيها الطلاق لا تحسب على العدة، فتطول العدة عليها، وفي الطهر الذي جامعها فيه: أن المرأة ربما حبلت من ذلك الجماع، فلحق الزوج ندم على الطلاق إذا ظهر الحمل.
أما إذا خالعها أو طلقها على مال في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه-: فلا يكون بدعياً؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- أطلق الإذن لثابت في مخالعة زوجته من غير أن يعرض لحالها؛ وذلك لأن الغالب أن الخلع إنما يكون في حال الشقاق والخصومة.
فالمرأة إذا كانت تبذل المال للخلاص من الزوج: فلا تبالي بطول العدة عليها، إذا كان الخلع في الحيض، والرجل إذا أخذ المال، فالغالب: أنه لا يلحقه الندم بظهور الحمل، إذا كان الخلع في طهر جامعها فيه.
ولو قال لامرأته: أنت طالق في آخر طهرك، أو في آخر جزء من أجزاء طهرك: يقع سنياً أو بدعياً؟ فيه وجهان [لابن سريج]:
أحدهما: يقع سنياً: ويحسب ذلك قرءاً: لأن القرء اسم الانتقال، ويوجد الانتقال من الطهر إلى الحيض بعده.
والثاني- وهو الأصح، ونص عليه في "الأم": يكون بدعياً، ولا يحسب ذلك قرءاً؛ لأنه لا يوجد عقيب الطلاق شيء من الطهر.
ولو قال: أنت طالق في آخر جزء من [أجزاء] حيضك.
قيل: هذا يبنى على المسألة الأولى: إن قلنا هناك: يقع سنياً؛ لأنه يصادف الطهر-: فههنا يقع بدعياً.
وإن قلنا هناك: يقع بدعياً؛ باعتبار ما بعده-: فههنا: يقع سنياً.
وقال ابن سريج في الموضعين: يقع بدعياً.
أما في المسألة الأخيرة؛ لأن الطلاق يصادف الحيض، وفي المسألة الأولى: فقد يجوز أن يصادف الطلاق الطهر، ويكون بدعياً؛ كما لو طلقها في طهر جامعها فيه، ولا بدعة في الجمع بين الطلقات، إنما البدعة في الوقت، فإن العجلاني لما لاعن زوجته، فقال: إن أمسكتها فقد طلقتها ثلاثاً، ولم ينكر عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- ولو كان حراماً لأنكر عليه، وإن لم
يقع الطلاق في تلك الحالة، لتقدم اللعان حتى لا يقدم مثله في الموضع الذي يقع، إلا أن المستحب أن يفرقها على الأقراء، أو على الأشهر، إن لم تكن المرأة من ذوات الأقراء، حتى يمكنه التدارك إذا لحقه الندم.
وعن أبي حنيفة ومالك- رضي الله عنهما-: الجمع بين الطلقات الثلاث في قرء واحد بدعة، والمستحب لمن طلق امرأته في حال حيض أو طهر جامعها فيه: أن يراجعها؛ لأمر النبي- صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن عمر بذلك، فإذا طهرت عن الحيض طلقها.
فالأولى ألا يطلقها في الطهر الأول الذي يعقب حيضة الطلاق، حتى تحيض حيضة أخرى، وتطهر حتى لا تكون مراجعته إياها لأجل الطلاق؛ كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم- "ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ".
ولا سنة ولا بدعة في طلاق غير المدخول بها، ولا في طلاق الصغيرة التي لم تحض قط، ولا في طلاق الآيسة والحامل، حتى لو طلق غير المدخول بها في حال الحيض، أو الصغيرة والآيسة والحامل بعد ما جامعها-: لا يكون بدعياً؛ لأن غير المدخول بها لا عدة عليها فتطول، والصغيرة والآيسة عدتها بالأشهر فلا تطول، والغالب: أنها إذا لم تحض لا تحيل فلا يلحقه الندم، والحامل عدتها بوضع الحمل فلا تطول، والحمل ظاهر؛ فلا يلحقه الندم بظهوره.
فأما إذا قال لواحدة من هؤلاء: أنت طالق للسنة، أو قال: للبدعة، أو قال: للسنة والبدعة، أو قال: لا للسنة ولا للبدعة: يقع في الوقت في أي حالة كانت؛ لأنه إذا لم يكن في طلاقها سنة ولا بدعة-: يلغو ذكر الوصف.
أما التي في طلاقها سنة وبدعة هي المعتدة بالأقراء، إذا طلقت بلا عوض-: فهذه المرأة إذا قال لها الزوج: أنت طالق مطلقاً، أو: أنت طالق للسنة والبدعة، أو قال: لا للسنة- ولا للبدعة-: يقع في وقت البدعة في أي حالة كانت؛ لأنه وصف الطلاق بصفتين متضادتين فلغتا، وبقي مطلق الطلاق.
ولو قال لها: أنت طالق للسنة: فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه-: يقع الطلاق في الحال، وإن كانت في طهر جامعها فيه-: فلا يقع حتى تحيض وتطهر، وإن كانت في حال الحيض والنفاس-: فحتى تطهر؛ فكما طهرت طلقت، وإن لم تغتسل.
وعند أبي حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض-: طلقت، وإن طهرت لدون ذلك-: لا تطلق؛ ما لم تغتسل.
وإن وطئها في آخر الحيض، واستدام حتى انقطع الدم، وجاء أول الطهر، وهو
مجامع-: لم يقع؛ لأنه لم يأت وقت السنة.
ولو قال لها: طالق للبدعة، فإن كانت في حال الحيض أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه-: يقع في الحال، وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه-: فكما حاضت طلقت، ولو جامع في ذلك الطهر-: فكما غيب الحشفة وقع الطلاق، ويجب عليه أن ينزع: فإن نزع فلا شيء عليه، وإن نزع وأولج ثانياً-: فعليه الحد، إن كان قد علق به الطلاق الثلاث، وإن كانت رجعية-: فلا حد، وعليه المهر كما لو وطئ الرجعية، وإن لم ينزع، ودام عليه-: فلا حد؛ لأن الابتداء كان مباحاً، فهل يجب المهر؟ حكمه حكم ما لو قال لامرأته: إن قربتك فأنت طالق ثلاثاً؛ ذكرناه في "كتاب الصوم".
ولو قال لها: أنت طالق للسنة، وهي حائض أو في طهر جامعها، فيه فنوى الوقوع في الحال-: يقع.
وكذلك إن قال: أنت طالق للبدعة، وهي في طهر لم يجامعها فيه، فنوى في الحال-: يقع.
ولو قال: أنت طالق، إن كنت في هذا الوقت ممن يقع عليك طلاق السنة: فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه-: يقع في الحال، وإن كانت في حال حيض أو طهر جامعها فيه: لا يقع لا في الحال ولا إذا صارت إلى تلك الحالة؛ لأنه جعل الشرط حالة اللفظ.
ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً للسنة، ثم قال: نويت تفريقها على الأقراء-: لا يقبل قوله في الظاهر؛ لأن ظاهره الوقوع في الحال، ويقبل فيما بينه وبين الله تعالى حتى يقع طلقة واحدة في الحال، إن كانت في حال سنة، وطلقتان في قرءين بعدها.
وكذلك لو قال للصغيرة: أنت طالق للسنة، ثم قال: عنيت إذا بلغت، وصارت إلى حال يكون لطلاقها سنة وبدعة: لا يقبل قوله في الظاهر، ويقبل في الباطن.
وكذلك لو قال لامرأته: أنت طالق، ثم قال: عنيت به إذا دخلت الدار، وإذا جاء رأس الشهر-: لا يقبل قوله في الظاهر، ويقبل في الباطن؛ كما لو قال لها: أنت طالق، ثم قال: عنيت من الوثاق-: يقبل في الباطن دون الظاهر.
وهكذا في اليمين بالله- عز وجل -: لو حلف لا يدخل الدار، ثم قال: عنيت شهرا-: يقبل في الباطن، ولا يقبل في الظاهر، وهذا مطرد، وهو: أن كل ما لو وصله باللفظ مطلقاً-: دين في الحكم، فإذا نواه بقلبه-: لا يدين في الحكم فيما له، ويدين في الباطن إلا في الاستثناء، فإنه لو قال: أنت طالق، ووصل به: "إن شاء الله" نطقاً-: لا يقع، ولو نوى الاستثناء بقلبه-: لا يدين في الباطن؛ لأنه في الاستثناء يرفع اللفظ.
فإذا نوى التعليق أو الوثاق-: لا يرفع اللفظ، بل يخصه، ويجعل له تأويلاً محتملاً فقبل في الباطن، هذا كما أن النسخ لما كان يرفع الحكم ويسقطه-: لم يصح إلا باللفظ دون القياس، والتخصيص لما لم يكن يرفع اللفظ، بل يخصصه-: صح لفظاً أو قياساً.
أما إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: عنيت الوقوع في الحال، أو قال: أنت طالق من الوثاق، ثم قال: عنيت به وثاق النكاح-: يقبل قوله ظاهراً وباطناً؛ لأنه يقر بأمر عليه؛ كما لو قال: أنت طالق، ثم قال: عنيت به ثلاث طلقات-: يحكم بوقوع الثلاث.
ولو قال: أنت طالق لفلان، أو لرضا فلان-: يقع في الحال، ولا يقف على رضا فلان؛ لأنه تعليل، وليس تعليقاً معناه: حتى يرضى فلان؛ كما لو قال لعبد: أنت حر لوجه الله، أو لرضا الله-: يعتق في الحال، فإن قال: عنيت التعليق، يعني: إن رضي فلان-: لا يقبل في الظاهر، ويقبل في الباطن.
أما إذا قال: أنت طالق برضا فلان-: فهو تعليق؛ فلا يقع إلا بوجوده؛ كما لو قال: إن رضي فلان، ولو قال: لقدم فلان-: فهو تعليق؛ فلا يقع ما لم يقدم.
ولو قال لها: أنت طالق في كل قرء واحدة، أو قال: أنت طالق ثلاثاً، في كل قرء واحدة-: نظر: إن كانت المرأة صغيرة لم تحض قط أو آيسة تقع عليها في الحال طلقة، ثم لا تقع أخرى حتى تحيض وتطهر، حتى لو لم تحض، وإن لم يراجعها الزوجن حتى مضت لها ثلاثة أشهر-: فقد بانت منه، فإذا نكحها بعده، ثم رأت الدم، وطهرت-: فعلى قولي عود اليمين.
وكذلك: إن كانت حاملاً-: تقع في الحال طلقة، سواء كانت ترى الدم على الحبل أو لا ترى، وسواء جعلنا ذلك الدم حيضاً أو لم نجعله حيضاً.
ثم لا تقع أخرى ما لم تضع الحمل، وتطهر من النفاس، لأن زمان الحمل بمنزلة قرء واحد، ثم إن راجعها الزوج قبل وضع الحمل: فإذا وضعت الحمل، وطهرت من النفاس-: وقعت طلقة أخرى، وتستأنف أخرى.
وإن لم يراجعها، حتى وضعت الحمل، وقد انقضت عدتها بوضع الحمل-: فلا يقع بعد ذلك شيء إلا أن ينكحها قبل مضي تمام الأقراء، فيكون على قولي عود اليمين.
وقيل: إن كانت المرأة ممن لم تحض قط-: فلا يقع عليها الطلاق، حتى تحيض وتطهر؛ على القول الذي يقول: إن ذلك الطهر لا يحسب قرءاً في العدة.
وإن كانت المرأة من ذوات الأقراء: فإن كانت في تلك الحالة طاهرة-: تقع عليها
طلقة، ثم إن كانت قبل الدخول-: بانت منه.
فإذا لم ينكحها حتى مضت الأقراء، ثم نكحها-: فقد ارتفع اليمين، وإن نكحها قبلم ضي الأقراء الثلاث-: فعلى قولي عود اليمين.
فإن كان بعد الدخول: فإن طهرت من الحيضة الثانية-: تقع طلقة أخرى، فإذا طهرت من الثانية-: تقع الثالثة.
ولو قال: أنت طالق في كل طهر واحدة: فإن كانت صغيرة أو آيسة تقع في الحال طلقة، وإن كانت حاملاً فإن كانت لا ترى الدم، أو كانت ترى الدم، وقلنا: لا يكون حيضاً-: تقع في الحال طلقة، سواء كانت في حال رؤية الدم أو لم تكن، ولا تتكرر بتكرر الأطهار على الحمل.
وإن قلنا: الحامل تحيض-: فإن كانت في حالة الدم-: لا يقع حتى تطهر، فإن كانت في حالة الطهر-: يقع ويتكرر بتكرر الأطهار على الحمل.
ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً؛ بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة- نظر: إن أراد ارتفاع طلقتين في الحال التي هي فيها من سنة أو بدعة، وطلقت إذا صارت إلى الحالة الأخرى-: تقع في الحال طلقتان، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الثانية.
وكذلك: إذا أراد التنصيف-: تقع في الحال طلقتان؛ لأن الصداق لا يتنصف، فلو أراد إيقاع طلقة في الحال، وطلقتين في الأخرى-: يقبل قوله ظاهراً وباطناً، ويقع كما لو نرى؛ لأن البعض يقع على جزء من أجزاء الجملة.
ولو أراد وقوع البعض من كل طلقة في الحال-: تقع في الحال ثلاث طلقات.
وإن أطلق-: يحمل على التنصيف؛ فتقع في الحال طلقتان، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الأخرى.
ولو قال: أنت طالق خمساً؛ بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، ولم ينو شيئاً: فمن جعل الخمس عبارة عن الثلاث-: قال: تقع في الحال طلقتان، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الثانية، ومن جعل الحكم للفظ-: قال: تقع في الحال ثلاث طلقات؛ حملاً على التنصيف.
ولو قال لها: أنت طالق طلقة للسنة وطلقة للبدعة، أو قال: أنت طالق طلقتين: طلقة للسنة، وطلقة للبدعة: فإن لم يكن لها سنة ولا بدعة-: تقع في الحال طلقتان.
وإن كان لطلاقها سنة وبدعة-: تقع في الحال طلقة، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الأخرى؛ بخلاف ما لو قال: أنت طالق طلقة للسنة والبدعة-: تقع في الحال طلقة، ولا
تقع بعده أخرى؛ لأنه لم يوقع إلا واحدة موصوفة بصفتين متضادتين، فلغت الصفتان، ووقعت طلقة.
ولو قال: أنت طالق طلقتين للسنة والبدعة-: فيه وجهان:
أحدهما: تقع طلقة في الحال، وطلقة إذا صارت إلى الحالة الأخرى؛ [كالمسألة قبلها الأولى].
والثاني: قال الشيخ- وهو الأصح- تقع في الحال طلقتان؛ لأن الظاهر عود الصفتين إلى كل طلقة؛ فقد أوقع طلقتين وصفهما بصفتين-: متضادتين؛ فتلغو الصفتان؛ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً، للسنة والبدعة-: تقع الثلاث في الحال.
ولو قال: أنت طالق أحسن الطلاق، أو أعدل الطلاق، أو أكمل، أو أتم، أو أجمل أو أفضل-: فهو كما لو قال: للسنة؛ فلا يقع في حال البدعة، حتى تصير إلى حال السنة، إلا أن يريد: أن أحسن أحوالي: [إن طلقتك] فيقع في الحال.
ولو قال: أنت طالق أقبح الطلاق، أو أشنع الطلاق، أو أفظع، أو أسمج، أو أفحش، أو أنتن، أو أردأ-: فهو كما لو قال: للبدعة، إلا أن يريد قبح الحال، أي: أقبح أحوالك أن تبيني مني؛ فيقع في الحال.
ولو قال: أنت طالق طلاق الحرج: فهو كما لو قال: للبدعة.
ولو قال: أنت طالق طلقة حسنة قبيحة، أو جميلة فاحشة-: يقع في الحال؛ كما لو قال: أنت طالق للسنة والبدعة.
ولو علق طلاقها بصفة، ووجدت [الصفة] في حال السنة-: يقع سنياً، إن وجدت في حال البدعة-: يقع بدعياً، إلا أنه لا يأثم؛ لأنه لم يقصد إليه.
ولو قال: أنت طالق إذا قدم فلان للسنة، أو إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق للسنة: فإن قدم فلان، أو جاء [رأس] الشهر في حال السنة-: طلقت، وإن كانت في حال البدعة-: لا تطلق في الحال، وإذا صارت بعده إلى تلك الحالة-: طلقت.
وكذلك لو قال: إذا قدم فلان-: فأنت طالق للبدعة، فإذا قدم، وهي في حال البدعة-: طلقت، وإن كانت ف حال السنة-: لا تطلق حتى تصير إلى حال البدعة.
وهذا بخلاف ما لو قال: إن كنت في هذا الوقت ممن يقع عليك طلاق السنة فأنت طالق، فلم تكن في حال السنة-: لم يقع، وإذا صارت بعده إليها-: لم يقع؛ لأنه جعل الشرط حالة التلفظ.
ولو قال لغير المدخول بها أو للحامل-: أو للصغيرة: إذا قدم فلان- فأنت طالق للسن-: فقد طلقت في أي حالة كانت، فإن دخل بها الزوج، أو وضعت [الحمل، أو حاضت الصغيرة بعد التعليق، قبل قدوم فلان، ثم قدم فلان-: يراعى حالها:
فإن كانت] في حال السنة-: طلقت؛ وإلا فلا، حتى تصير إليها؛ كما لو كان التعليق بعد الدخول ووضع الحمل؛ لأن الاعتبار بحال وجود الصفة، والله أعلم.
فصل فيما لو قال لامرأته إن كنت حائلاً
ولو قال لامرأته: إن كنت حائلاً، أو لم تكوني حاملاً-: فأنت طالق- نظر: إن كانت في سن لا يحتمل فيها الحمل الصغير-: يقع الطلاق في الحال، وإن كانت في سن يحتمل فيها الحمل-: فلا يجوز للزوج أن يطأها حتى يستبرئها بحيضة؛ لأنه علق طلاقها بالحيال: وهو الأصل في النساء، وإن كانت ممن لا تحيض-: قال القفال- رحمه الله-: فحتى تمضي ثلاثة أشهر، حرة كانت أو أمة؛ لأن الحمل لا يظهر في أقل من هذه المدة، وإن كان قد استبرأها قبل اليمين-: هل يكتفي به؟ فيه وجهان:
أحدهما- وبه قال ابن أبي هريرة، وهو الأصح عندي-: يكتفى به؛ لأن المقصود منه معرفة براءة الرحم، وقد حصلت، ويحكم بوقوع الطلاق في الحال.
وقال أبو إسحاق: لا يكتفى به؛ لأنه استبراء قبل وجود السبب؛ فعلى هذا: إذا كان هذا القول في خلال الحيض-: فحتى تطهر وتحيض وتطهر.
فإذا حكمنا بوقوع الطلاق بعد مضي زمان الاستبراء، فأتت بعده بولد- نظر: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت اليمين-: تبين أنها كانت حاملاً، ولم يقع الطلاق، وإن أتت به لأكثر من أربع سنين-: تحقق الوقوع، وإن أتت به لستة أشهر فصاعداً، ولدون أربع سنين- نظر: إن لم يطأها الزوج بعد اليمين، أو وطئها ولكن أتت به لدون ستة أشهر من وقت الوطء-: بان أنها حاملاً، ولم يقع الطلاق.
وإن أتت به لستة أشهر فصاعداً من وقت الوطء-: فالطلاق واقع؛ لأن الظاهر حدوث
الحمل من الوطء الحادث.
وقيل: لا يقع: لاحتمال العلوق قبل اليمين، والأصل بقاء النكاح.
أما إذا علق الطلاق بالحمل، فقال: إن كنت حاملاً فأنت طالق- نظر: إن كان الحمل ظاهراً في الحال-: يقع الطلاق، وإن لم يكن ظاهراً-: فيمنع من وطئها حتى يستبرئها وهذا المنع مستحب أم واجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: واجب؛ كما في المسألة الأولى؛ لوجود التردد بين الحظر والإباحة.
والثاني: مستحب، وهو الأصح؛ بخلاف المسألة الأولى؛ لأن- هناك- علق الطلاق بالحيال، وهو الأصل في النساء، وههنا: علق بالحمل، وهو عارض لا يتحقق، [ثم] بعد [مضي] مدة الاستبراء: إن لم يظهر حمل-: يجوز له وطؤها، فلو أتت بعده بولد لأقل من ستة أشهر من وقت اليمين-: تبين أنها كانت حاملاً؛ فقد وقع الطلاق، فلو اتت به لأكثر من أربع سنين-: تحقق عدم الوقوع.
وإن أتت به لستة أشهر فصاعداً، أو لدون أربع سنين- نظر: إن لم يطأها الزوج بعد اليمين، أو وطئها وأتت بولد لدون ستة أشهر من وقت الوطء-: بان أنها كانت حاملاً؛ وقد وقع الطلاق.
وإن أتت به لستة أشهر فصاعداً من وقت الوطء-: لا يحكم بالوقوع؛ لأن الظاهر حدوث الحمل من الوطء الحادث، والأصل بقاء النكاح.
ولو قال لها: إن أحبلتك فأنت طالق: فإن كانت حاملاً في الحال-: لا تطلق؛ لأنه يقتضي حملاً حادثاً، ولا يمنع من وطئها، فإذا وطئها مرة-: يمنع بعده من وطئها، حتى تحيض حيضة؛ لاحتمال العلوق من ذلك الوطء ووقوع الطلاق، فإذا حاضت وطهرت-: حينئذ: جاز له وطؤها مرة، ثم يمنع حتى تحيض.
فصل فيما لو قال نسائي طوالق.
إذا قال الرجل: نسائي طوالق، أو كل امرأة لي طالق-: يقع على كل من كانت في نكاحه، وعلى مطلقته الرجعية.
ولو قال: مماليكي أحرار، أو: أرقائي أحرار-: يعتق جميع عبيده وإمائه، ويدخل
فيه: المدبر، وأم الولد، والحمل في البطن، وأشقاص العبيد، وكل عبد نذر إعتاقه، ويعتق عن نذره، وهل يعتق المكاتب؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يعتق؛ لأنه لا يعده من مماليكه، إلا أن ينويه، فإن لم يكن له إلا مكاتبون-: عتقوا.
ولو كان له أربع نسوة، فقال: كلكن طوالق، أو: نسائي طوالق إلا فلانة: وقع الطلاق على الكل، إلا على من استثناها.
فلو عزل واحدة بقلبه، ولم يتلفظ- نظر: إن كان في حال خصومة؛ كأن واحدة تقول: قد تزوجت علي، وهو ينكر، فذكر هذا اللفظ، واستثنى المخاصمة-: يقبل قوله ظاهراً وباطناً؛ لأن دعواه موافق لظاهر الحال.
وإن لم يكن في حال خصومة، أو كان في حال الخصومة لكنه عزل بقلبه غير المخاصمة-: لا يقبل قوله في الظاهر، ويقبل في الباطن.
ولو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، ثم قال: نويت إلا واحدة-: لا يقبل في الظاهر، وهل يدين في الباطن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يدين، كما لو قال: نويت إن شاء الله- لا يدين في الباطن.
والثاني: يدين؛ لأنه يرفع كل اللفظ، كما لو استثنى واحدة من نسائه.
قال الشيخ: نظير هذه المسألة لو قال: أربعكن طوالق إلا فلانة-: يصح الاستثناءز
ولو نوى بقلبه: إلا فلانة-: هل يدين في الباطن؟ فيه وجهان.
ولو كانت له امرأتان: زينب وعمرة، فنادى: يا زينب فأجابته عمرة، فقال: أنت طالق-: سئل فإن قال: علمت أن المجيبة عمرة، وأردت به طلاق زينب-: طلقت زينب ظاهراً وباطناً؛ لأنه ناداها [ونواها]، وطلقت عمرة ظاهرا؛ لأنه خاطبها، ولم تطلق في الباطن؛ لأنه لم يقصدها.
ولو قال: علمت أن المجيبة عمرة، وقصدتها بالطلاق-: طلقت عمرة ظاهراً وباطناً، ولم تطلق زينب.
وكذلك لو قال: قصدت التي أجابتين، وظننتها زينب-: طلقت عمرة ظاهراً وباطناً؛ لأنه قصد المجيبة، ولم تطلق زينب.
ولو قال لامرأته: يا زينب، أنت طالق، واسمها عمرة-: طلقت للإشارة، ولو لم يشر
إلى أحد، فقال: عمرة طالق-: طلقت امرأته، ولا يقبل قوله: عنيت عمرة أخرى.
ولو كانت امرأته مع أجنبية، فقال: إحداكما طالق، ثم قال: عنيت الأجنبية: يقبل قوله مع يمينه.
ولو كانت مع رجل أو دابة، فقال: عنيت الرجل أو الدابة-: لم يقبل قوله؛ لأن الرجل والدابة [ليسا] محلاً للطلاق.
ولو كانت [زوجته] مع أمته، واسم كل واحدة: زينب، فقال: زينب طالق، ثم قال: عنيت [الأمة]: يقبل؛ بخلاف ما لو قال: إحداكما طالق، ثم قال: عنيت الأمة-: فلا يقبل؛ لأن قوله: "إحداكما" صريح فيهما؛ لوجود المخاطبة، وإنما يحمل على الزوجة؛ لما أنه لم يطلق إلا زوجته، وقد صرف إلى ما يقتضيه صريحه فلم يقبل.
وإن قال: زينب طالق، فهو ليس بصريح في الأمة، وإنما يتناولها الاشتراك في الاسم؛ كما يتناول سائر من يشاركها في الاسم؛ فلم يصرفها إلى ما يقتضيه الاسم.
ولو كانت زوجته مع أجنبية بين يديه، فقالت زوجته: طلقني، فقال: طلقتك، ثم قال: عنيت الأجنبية-: لا يقبل، والله أعلم.
باب ما يقع به الطلاق من الكلام
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وقال عز وجل: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 49]، وقال تعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 1].
ألفاظ الطلاق تنقسم إلى صريح، وكناية:
فالصريح: ما يقع به الطلاق من غير نية، وهي ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والفراق،
والسراح، ففي لفظ "الطلاق" عرف الشرع واللغة، وفي الأخريين عرف الشرع؛ لأنه ورد القرآن مكرراً به.
أما إذا قال لامرأته: طلقتك، أو فارقتك، أو سرحتك، أو أنت طالق أو مطلقة، أو مفارقة، أو مسرحة، أو ناداها: يا مطلقة، يا مفارقة، يا مسرحة، يا طالق-: وقع الطلاق، نوى أو لم ينو؛ لأن معاني هذه الألفاظ صريح في جميع اللغات.
فإن قال: عنيت به الطلاق من الوثاق، والمفارقة في المنزل، والتسريح في المنزل، أو قال: أردت غيرها، فسبق لساني إليها-: لا يقبل في الظاهرن ويقبل في الباطن.
ولا يجوز للمرأة طاعته في الظاهر: فإن علمت صدقه-: لها أن تقيم معه في الباطن، وعلى الحاكم التفريق بينهما.
ولو صرح، وقال: أنت طالق من الوثاق، أو: فارقتك في المنزل-: فلا يقع به الطلاق، إلا أن يقول: أردت من وثاق النكاح؛ فيقع.
ولو قال لها: أطلقتك أو أنت مطلقة من الإطلاق-: فهو كناية، وكذلك لو قال: أنت الطلاق، أو أنت طلقة؛ لأنه اسم لنفس الطلاق، فإن نوى به تطليقها-: يقع.
وكذلك لو قال: أنت وطلقة، أو أنت والطلاق-: فهو كناية، أي قرنت بينك وبين الطلاق، ولو قال لها: أنت نصف طالق-: فهو صريح، وهو كقوله: نصفك طالق.
ولو قال: أنت نصف طلقة-: فهو كناية؛ كقوله: أنت طلقة، ولو قال: لك طلقة-: فهو صريح.
والكناية: كل لفظ ينبئ عن الفرقة وإن دق، فإذا نوى به الطلاق-: يقع، وهي قسمان: ظاهرة وخفية.
فالظاهرة: كقوله: أنت خلية، برية، بائن، بتة، بتلة، حرام، حرة.
والخفية كقوله: أنت واحدة، ألحقي بأهلك، خليت سبيلك، حبلك على غاربك، لا حاجة لي فيك، اعتدي، استبرئي رحمك، اغربي، اسربي، اذهبي، سافري، اخرجي، قومي، تزوجي، تقنعي، تستري: فإذا نوى بشيء منها الطلاق يقع، وإن لم ينو لم يقع.
وكذلك لو قال لها: ذوقي، كلي، اشربي، فنوى يقع، أي: اشربي كأس الفراق، ذوقي مرارة الفراق.
ويشترط أن تكون النية مقترنة باللفظ: فإن نوى قبله، ثم تلفظ بلا نية، أو نوى بعد الفراغ من اللفظ-: لا يقع الطلاق، وإن قرن النية ببعض اللفظ فيه وجهان، سواء قرن بأوله أو بآخره.
وكل لفظ يفهم منه الطلاق بغلبة الاستعمال-: فهو ملحق بالصريح، فهو كقوله: حلال الله علي حرام ونحوه، وكل لفظ لا ينبئ عن الفرقة؛ كقوله: بارك الله فيك، وما أحسن وجهك، أو أطعميني، أو اقعدي، أو اقربي-: لا يقع به الطلاق، وإن نوى؛ كما لا يقع بمجرد النية.
ولو قال: أغناك الله، ونوى الطلاق-: قال صاحب "التلخيص": هو كناية.
ومن أصحابنا من قال: لا يقع به الطلاق؛ لأنه دعاء لا ينبئ عن الفراق، كقوله: بارك الله فيك.
ومنهم من قال: يقع؛ لأنه يحتمل أنه عنى به الغنى الذي وعد الله على الفراق؛ بقوله سبحانه تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 13.] فهو كقوله: اعتدي.
ولو خاطبها بالكناية، فادعت المرأة: أنه أراد به الطلاق، وأنكر الزوج-: فالقول قول الزوج مع يمينه.
ولو قال لامرأته: أنا منك طالق، ونوى وقوع الطلاق عليها-: يقع، وإن لم ينو، ونوى تطليق نفسه-: لا يقع، فلفظ "الطلاق" ههنا صرحي غير محتاج إلى النية، إنما يحتاج إلى الوقوع عليها.
ولو قال: أنا منك بائن: يحتاج إلى نية الطلاق، والوقوع عليها؛ حتى يقع، وكذلك: جميع الكنايات، وعند أبي حنيفة: إذا قال: أنا منك طالق، ونوى: لا يقع، وإذا قال: أنا منك بائن ونوى-: يقع؛ لأن البينونة تشمل الجانبين؛ لأن كل واحد منهما يبين من صاحبه.
قلنا: وقوع الطلاق في لفظ البينونة بنية لفظ الطلاق، فلو كان الطلاق لا يقع بإضافة الزوج الطلاق إلى نفسه منك لكان لا يقع بإضافة البينونة إلى نفسه.
ولو قال: اعتد منك أو أستبرئ رحمي منك، ونوى تطليقها-: ففيه وجهان.
أحدهما: لا يقع؛ لأنه ليس محلاً للاستبراء والاعتداد.
والثاني: وهو الأصح-: أنه يقع؛ لأنه يكون بمعنى: أعتد عدتك، استبرئ رحمك التي كانت ملكاً لي.
ولو قال لعبده: أنا منك حر، أو أعتقت نفسي منك، ونوى-: عتق العبد.
وقال ابن أبي هريرة: يقع لطلاق: أي: أعتقت نفسي من تعهدك بعتقك.
والأصح: أنه لا يقع بخلاف الطلاق؛ لأن الطلاق يحل النكاح، والزوجية شملت الجانبين؛ فصار أحد الزوجين كناية عن الآخر، والرق لا يشمل الجانبين حتى يصير السيد كناية عن العبد.
وإن قال لامرأته: أعتقتك، ونوى الطلاق-: يقع الطلاق، وكذلك لو قال لعبده: طلقتك، ونوى العتق-: عتق.
وكذلك جميع صرائح العتق وكناياته: كنايات في الطلاق، وصرائح ألفاظ الطلاق وكناياته: كنايات في العتق.
وعند أبي حنيفة: لفظ العتق كناية في الطلاق، وأما الطلاق ليس بكناية في العتق؛ لأن العتق موضوع لإزالة أقوى الملكين، وهو ملك اليمين، فجاز استعماله في إزالة الأضعف، والطلاق موضوع لإزالة أضعف الملكين فلا يستعمل في إزالة الأقوى.
قلنا: الطلاق في الكناية-: لا يقع؛ بمجرد اللفظ، إنما يقع بالنية، فلما جاز أن يقع بلفظ غير موضوع لإزالة الملك، إذا نوى به العتق، وهو قوله: لا ملك ولا سلطان لي عليك-: فباللفظ الموضوع لإزالة أحد الملكين أولى.
ولو قال لعبده: اعتد أو استبرئ رحمك، ونوى العتق-: لا يعتق، لأنه ليس محل الاستبراء.
وإذا قال ذلك لأمته، ونوى العتق-: تعتق.
ولو قال لأمته: أنت علي كظهر أمي، [ونوى العتق-: تعتق، ولو قاله لزوجته، ونوى الطلاق-: لا تطلق، ويكون ظهاراً؛ لأن ما كان] صريحاً في حكم مختص بالنكاح-: لا يصير كناية في حكم آخر مختص بالنكاح، كما أن الطلاق لا يصير كناية عن الظهار، وكنايات الطلاق لا تصير صرائح بمسالة المرأة الطلاق ولا بالغضب.
وعند مالك: تصير صرائح بهما.
وعند أبي حنيفة: ثلاثة ألفاظ تصير صرائح بالمسألة والغضب، وهي قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأمرك بيدك، وبعضها يصير صريحاً بالمسألة على الخصوص، وهي قوله: أنت خلية، برية، بتة، بتلة، حرام، سرحتك، ألحقي بأهلك.
ولو قال رجل لآخر: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم-: فهو إقرار منه بالطلاق.
ولو قال له: طلقت امرأتك؛ على جهة استدعاء الطلاق لا على سبيل الاستفهام-: فقال: نعم، طلقت-: يقع.
ولو قال: نعم أو بلى، ولم يقل: طلقت-: ففيه قولان.
أحدهما: يقع؛ وهو صريح.
والثاني: كناية؛ لا يقع إلا بالنية.
وهذا بناء على ما لو قال رجل لآخر: زوجتك ابنتي، فقال: قبلت، ولم يقل: نكاحها-: هل يصح أم لا؟ فيه قولان.
ولو قيل لرجل: ألك زوجة؟ فقال: لا-: لا يلزمه به الطلاق، وللمرأة تحليفه أنه لم يرد به أنه طلقها، ولو قال لزوجته: لست بزوجة لي-: فهو كناية.
وقيل: لا يقع به شيء، وإن نوى؛ لأنه كذب محض.
ولو كان اسم امرأته [طالق]، فقال لها: يا طالق-: لا يقع إلا أن ينويه، ولو كان اسمها "طاهرة" فأراد أن يقول: "يا طاهرة" فسبق لسانه: "يا طالقة"-: لا يقع؛ لأنه مغلوب؛ كالمكره.
ولو قال الأعجمي لامرأته: أنت طالق، وهو لا يعرف معناه وموجبه-: لا يقع إلا التلفظ به؛ [كالأعجمي إذا لقن كلمة الكفر، فتلفظ به، وهو لا يعرف-: لا يحكم بكفره].
وإن قال: أردت موجبه [بالعربية]؟ فيه وجهان؛ أصحهما: لا يقع.
ولو قالت المرأة لزوجها: يا سفيه، فقال الزوج: إن كنت سفيهاً فأنت طالق: فإن أراد به مكافأتها بما قالت-: طلقت، وإن أراد به الشرط: فإن كان سفيهاً طلقت؛ وإلا فلا.
فصل في طلاق الثلاث
روي أن ركانة بن عبد يزيد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال: "إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي سُهَيْمَةَ أَلْبَتَةَ، وَالله مَا أَرَدتُ إلاَّ وَاحِدَةً، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم-: "مَا أَرَدتَّ إِلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ؟ وَالله، مَا أَرَدتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم".
إذا قال لامرأته: أنت طالق، أو خاطبها بكناية، ونوى الطلاق-: لا تقع إلا واحدة، إذا لم ينو عدداً، فإن نوى بشيء منها طلقتين أو ثلاثاً-: يقع ما نوى.
قال الثوري وأبو حنيفة: إذا قال لها: أنت طالق، ونوى اثنتين أو ثلاثاً-: لا تقع إلا واحدة، وقال أبو حنيفة: يجوز إرادة الثلاث بالكناية، ولا يجوز إرادة الثنتين، فنقيس الصريح على الكناية في إرادة الثلاث.
ولو قال لها: أنت واحدة.
[ونوى الطلاق تقع، ومعناه: أن تتوحدي مني، فلو نوى
ثنتين أو ثلاثاً، أو قال: أنت طالق واحدة]، ونوى ثنتين أو ثلاثاً-: ففيه وجهان:
أحدهما: لا تقع إلا واحدة؛ لأن منويه يخالف ملفوظه، والطلاق يقع باللفظ؛ فمراعاة اللفظ أولى.
والثاني- وهو الأصح-: يقع ما نوى، ومعنى "واحدة": أي تتوحدين مني بهذا العدد.
ولو قال: أنت بثلاث أو باثنتين، ونوى الطلاق-: يقع، ثم إن نوى بقوله: بثلاث- ثلاثاً، أو بقوله: باثنتين- طلقتين-: يقع ما نوى، وإن نوى واحدة-: فوجهان:
أحدهما: يقع ما تلفظ به؛ لأنه صريح بالعدد.
والثاني: يقع ما نوى؛ لأنه قد يريد بثلاثة: أثلاث طلقة.
وإن أطلق-: تقع الثلاث، [إذا قال بثلاث]، ونوى أصل الطلاق؛ لأنه صريح في العدد، كناية في الطلاق.
ولو قال [لزوجته]: أنت طالق ثلاثاً، فماتت قبل فراغه من قاف "طالق"، أو ارتدت قبل الدخول-: لا يقع الطلاق.
وإن ماتت أو ارتدت قبل الدخول بعد قوله: "طالق" وقبل قوله: "ثلاثاً" [كم يقع]-: اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال- وهو اختيار المزني، وهو الأصح-: يقع الثلاث؛ لأن الطلاق يقع بقوله: أنت طالق، والثلاث تفسير له، ونيته تكون مقترنة بلفظ الطلاق؛ كما لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثاً-: يقع الثلاث، [ولا يقال: لم يقع إلا واحدة]؛ لأن لفظ الثلاث يوجد بعد البينونة.
ومنهم من قال: لا يقع شيء، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن آخر كلامه منوط بأوله؛ فلا يفصل بعضه عن بعض، وتمامه كان بعد الموت.
وقيل: تقع واحدة بقوله: أنت طالق؛ فلا تقع الثلاث؛ لأنه وجد بعد الموت، كما لو جن الزوج بعد قوله: "طالق" قبل قوله: "ثلاثاً" لا تقع إلا واحدة.
ولو قال لامرأته: أنت طالق ملء اليد، أو ملء البيت، أو ملء الدنيا، أو ملء السماء، أو ملء الأرض-: تقع طلقة واحدة رجعية؛ كما لو قال: كبيرة أو عظيمة.
وعند أبي حنيفة: تقع طلقة بائنة.
وكذلك: لو قال: أنت طالق أكبر الطلاق، أو أعظم الطلاق، أو أشد الطلاق، أو أعرض الطلاق، أو أطول الطلاق-: فهي طلقة واحدة رجعية.
وعند أبي حنيفة: إذا قال: أكبر، أو أعظم، أو أشد-: فهي بائنة.
ولو قال: أنت طالق كل الطلاق، أو أكثر الطلاق-: تقع الثلاث.
ولو قال: أنت طالق عدد التراب-: قيل: تقع واحدة؛ لأن التراب شيء واحد.
وقيل- وهو الأصح عندي-: تقع الثلاث؛ كما لو قال: عدد ذرات التراب، أو عدد أنواع التراب.
ولو قال لامرأته: يا مائة طالق، أو: أنت يا مائة طالق-: تقع الثلاث: لأنه في العرف كقوله: أنت طالق مائة.
ولو قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلاقاً رجعياً-: قيل: لا يقع؛ لأنه لا يتصور في حقها.
قال الشيخ: عندي يقع الطلاق، وتلغو صفة الرجعة؛ كما لو قال للمدخول بها: أنت طالق طلاقاً بائنا-: تلغو صفة البينونة، ويقع الطلاق؛ كما لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلاقاً بدعياً يلغو الوصف، ويقع الطلاق في الحال.
والكنايات عندنا: لا تقطع الرجعة، وعند أبي حنيفة: تقطعها إلا ثلاثة ألفاظ: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة؛ فنقيس على هذه الألفاظ، فنقول: معتدة عن طلاق لم يستوف الزوج عدد طلاقها، ولا شرط في طلاقها عوضاً؛ فتملك رجعتها؛ كما لو طلقها بصريح لفظ الطلاق، [أو بهذه الألفاظ الثلاث، وكذلك عنده: لو شرط قطع الرجعة في صريح لفظ الطلاق]-: تسقط الرجعة، وعندنا: لا تسقط؛ كما لا يسقط الولاء في العتق بالشرط، ولا بالكناية.
ولو قال: أنت طالق هكذا، وأشار بثلاث أصابع-: تقع ثلاث طلقات، ولو قال: أردت اثنتين: قُبِلَ قوله مع يمينه، وتقع طلقتان، ولو قال: أردت واحدة-: فلا يقبل، لأن الإشارة صريح في العدد.
وقال صاحب كتاب "التقريب": كناية تقبل.
ولو قال: أنت طالق، وأشار بثلاث أصابع، ولم يقل: هكذا-: لا تقع إلا واحدة.
ولو طلق امرأته طلقة رجعية، ثم قال: جعلتها اثنتين، أو طلقتين-: فهو كناية، فإن
كانت له نية-: تقع طلقة أخرى، وإن لم يكن له نية-: لا تقع أخرى.
وكذلك: لو طلق إحدى امرأتيه، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، أو: أنت شريكتها، أو: أنت كهي: فإن نوى به طلاق الأخرى-: يقع، وإن لم ينو-: لا يقع.
وكذلك لو قال رجل لامرأته: أشركتك معها، وأراد الطلاق، تطلق امرأة الآخر.
ولو قال لإحدى امرأتيه: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال للأخرى: أشركتك معها-: فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يريد به الأشراك في الطلاق، يعني: أنها إذا دخلت الدار، وطلقت: فأنت أيضاً تطلقين معها، يصح، فإذا دخلت الدار التي قال لها: [إن دخلت الدار]-: طلقتا جميعاً.
وإن أراد أنك شريكتها على معنى أنها لا تطلق إلا بدخولك معها الدار-: فلا يصح.
وإذا دخلت الأولى-: طلقت دون الأخرى؛ لأن الطلاق إذا علق بصفة-: لا يجوز ضم صفة أخرى إليها.
وإذا أراد التشريك في التعليق، يعني: أنك أيضاً إذا دخلت الدار- تطلقين-: ففيه وجهان:
أحدهما: يصير حالفاً في حق الثانية، حتى إذا دخلت الدار [طلقت] لأن التشريك في تنجيز الطلاق جائز فكذلك، في التعليق.
والثاني: لا يصح في حق الثانية؛ لأنه يمين، واليمين لا يقبل التشريك.
ولو قال رجل لآخر: يميني يمينك؛ على معنى أنك إذا حلفت بالطلاق أو بالله-: صرت أنا حالفاً بالله فلا يصح، وإذا حلف هذا الرجل: لا يصير هذا القائل حالفاً.
وإن كان ذلك الرجل قد طلق امرأته، أو حلف بالطلاق؛ فإن أراد هذا الرجل؛ أن امرأتي طالق كذلك طلقت، وإن أراد متى طلقت امرأتك وقع الطلاق: على امرأتي: فإذا طلق ذلك الرجل امرأته-: طلقت امرأة هذا.
ولو قال لامرأته: أنت طالق عشراً، فقالت: يكفيني ثلاثة، فقال: الباقي لضرتك: لا يقع على ضرتها؛ لأن الزيادة على الثلاثة لغو.
ولو قالت: يكفيني منها واحدة، فقال: الباقي لضرتك-: يقع عليها ثلاث، وعلى ضرتها طلقتان؛ قال الشيخ: إذا نوى.
ولو قال لها: أنت طالق طلاقاً-: لا يقع إلا [طلقة] واحدة؛ كما لو قال: طلاقاً حسناً؛ لأن الوصف لا يوجب تكرار الموصوف.
ولو قال لها: أنت طالق أو لا، أو قال: أنت طالق، أو لست بطالق-: لا يقع؛ لأنه شك، وبالشك: لا يقع الطلاق.
ولو قال: أنت طالق بل-: لا يقع؛ لأن حرف "بل" للرجوع عن الكلام الأول، ولا يصح الرجوع عن [كلام] الطلاق بعد ما أوقعه.
وقال ابن الحداد: لو قال لامرأته المدخول بها: أنت طالق واحدة بل ثلاثاً، إن دخلت الدار-: يقع في الحال واحدة، وتتم الثلاث بدخول الدار.
وقيل: يرجع الشرط إلى الكل؛ فلا يقع شيء حتى تدخل الدار؛ فإذا دخلت وقع الثلاث.
قال الشيخ: والأول أصح.
ولو كانت له امرأتان، فقال لإحداهما: أنت طالق طلقة، بل هذه ثلاثة تقع على الأولى طلقة، وعلى الأخرى ثلاث.
ولو قال: أنت طالق طلاقاً لا يقع، أو: أنت طالق لا تطلقين، أو: أنت طالق لست بطالق-: يقع؛ لأنه بعد ما أوقعه: يريد أن يرفعه؛ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً-: يقع الثلاث.
فصل فيما لو كتب الأخرس بطلاق امرأته
إذا كتب الأخرس بطلاق امرأته، أو أشار به إشارة مفهومة-: يقع، سواء نوى أو لم ينو؛ لأن الكتبة والإشارة منه بمنزلة نطق الناطق.
فأما الناطق: إذا أشار بالطلاق بأن قالت له زوجته: طلقني، فأشار بيده، أن اذهبي-: لا يقع الطلاق، نوى أو لم ينو.
قال صاحب "التلخيص": الإشارة بالطلاق كناية في حق الناطق؛ وبه قال أبو زيد.
والأول أصح؛ لأنها لا تعمل في حق الناطق.
فأما إذا كتب الناطق بطلاق امرأته: فإن تلفظ به يقع، وإن لم ينو ولم يقل-: لا يقع.
وإن نوى حالة الكتبة، ولم يتلفظ- نظر: إن كانت المرأة غائبة عن المجلس، سواء كانت في تلك البلدة أو لم تكن-: يقع عليها الطلاق.
وقيل: لا يقع؛ لأنه فعل من الأفعال؛ كالضرب ونحوه.
والأول المذهب؛ لأن الكتبة بين الغائبين؛ كالكلام بين الحاضرين.
وإن كانت المرأة حاضرة، فاختلف أصحابنا:
منهم من قال: لا يقع؛ لأن بالكتبة يخاطب الغائب لا الحاضر.
ومنهم من قال- وعليه الأكثرون-: يقع؛ لأن الكتبة كناية، والطلاق يقع بنية؛ فيستوي فيه الحاضر والغائب.
فحيث قلنا: يقع-: فلا فرق بين أن يكتب على القرطاس، أو على اللوح، أو على الأرض بالإصبع.
وعند أبي حنيفة: لا يقع إلا أن يكتب على القرطاس، وهو صريح عنده في حق الغائب، فإن قلنا: يقع-: ينظر في المكتوب: فإن كتب: أما بعد، فأنت طالق-: يقع الطلاق في الحال، وإن ضاع الكتاب.
وإن كتب: إذا أتاك كتابي فأنت طالق-: فلا يقع حتى يأتيها الكتاب، فلو ضاع الكتاب قبل الوصول إليها-: لا يقع.
وإن تخرق وضاع بعضه- نظر: إن تخرق الحواشي، ولم يفت شيء من المكتوب، فأتاها-: وقع لأن الكتاب اسم للمكتوب لا للبياض، وقد أتاها [المكتوب].
وكذلك لو امحي وبقي أثر يمكن قراءة كله-: يقع، وإن امحي كله بحيث لا يمكن قراءة شيء منه، [فأتاها القرطاس]-: لا يقع؛ لأن الكتاب لم يأتها، فإن فات بعض المكتوب، أو امحي بعضه- نظر: إن فات أو امحي موضع الطلاق، فأتاها [الباقي-:] لم يقع، وإن بقي موضع الطلاق، فأتاها- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقع؛ لأن الطلاق معلق بإتيان الكتاب، ولم يأتها كله.
والثاني: يقع؛ لأن المقصود قد أتاها.
أما إذا كتب: إذا أتاك طلاقي، ففات الكل إلا موضع الطلاق، فأتاها-: وقع، وإن فات محل الطلاق-: لم يقع.
ولو قال: إن وصل إليك طلاقي فأنت طالق، ثم كتب: إن أتاك كتابي فأنت طالق، فنوى، فإذا أتاها-: يقع طلقتان؛ لوجود الصفتين جميعاً، وهو وصول الطلاق ومجيء الكتاب.
ولو كتب: إذا قرأت كتابي فأنت طالق: فإن كانت تحسن القراءة-: يتعلق بقراءتها، ولا يقع بقراءة غيرها عليها، فإن قرأت إلا موضع الطلاق-: لا يقع، وإن قرأت موضع الطلاق لا غير-: فعلى الوجهين.
وإن كانت لا تحسن القراءة-: فيقع بقراءة غيرها عليها، ولو أتاها الكتاب، فأنكر الزوج الكتبة، أو أقر بالكتبة وأنكر النية-: يقبل قوله مع يمينه.
ولو شهد الشهود على أن هذا خطه-: لا يثبت به الطلاق، ما لم يشهدوا على قراءته أو إقراره بأنه قد نوى.
ولو كتب: أنا منك بائن-: فهو كناية من وجهين: من حيث اللفظ، ومن حيث الكتبة.
ولو قال الزوج [لأجنبي]: اكتب بطلاق امرأتي، فكتب [الأجنبي]، ونوى الزوج-: لا يقع؛ لأن النية وجدت من غير من وجدت منه الكتابة؛ كما لو قال لأجنبي: قل لامرأتي: أنت بائن، فقال لها: ونوى الزوج-: لا يقع.
والكتبة بالعتق والظهار والإيلاء كالكتبة ابالطلاق، وفي الكتبة بالتزويج: لا تصح؛ لأن الكتبة كناية، والنكاح لا ينعقد بالكناية؛ لأن الشهادة فيه شرط، والشهود لا يطلعون على ما في الضمير.
فصل
إذا فوض الطلاق إلى امرأته؛ فقال: طلقي نفسك، فقالت: طلقت، أو سرحت-: يقع الطلاق، واتفاقهما باللفظ ليس بشرط، والنية ليست بشرط من واحد منهما في الصريح، ويشترط التعليق في المجلس؛ على أصح القولين؛ لأنه في معنى التمليك.
ولو فوض بلفظ الصريح، فقالت: أبنت نفسي، ونوت-: يقع؛ وكذلك: ولو فوض
إليها بلفظ الكناية، فقال: أمرك بيدك، أو فوضت أمرك إليك، أو ملكتك أمرك، فنوى تفويض الطلاق إليها، فطلقت نفسها بصريح اللفظ أو بالكناية، ونوت، أو قالت للزوج: طلقتك، فنوت تطليق نفسها-: يقع.
ولو قال لها: اختاري نفسك، ونوى تفويض الطلاق إليها فقالت: اخترت، ونوت يقع طلقة رجعية، وإن لم تقل: نفسي، فأما إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت-: لا يقع حتى تقول: اخترت نفسي، فإذا اختارت نفسها-: تقع طلقة [رجعية] وإذا اختارت زوجها-: لا يقع؛ وهو قول عمر، [وابن عمر] وابن عباس، وابن مسعود، رضي الله عنهم.
ولو قالت: اخترت الأزواج-: يقع؛ لأنها لا تصل إلى الأزواج إلا بفراقه؛ كما لو قال لها: تزوجي، ونوى-: يقع.
وقال أبو إسحاق: لا يقع؛ لأن الزوج من الأزواج؛ كما لو قالت: اخترتك، ولو قالت: اخترت أبوي-: فعلى وجهين:
أحدهما: يقع؛ لأنه يتضمن الرجوع إليهما؛ كما لو قال الزوج: ألحقي بأهلك، ونوى-: يقع الطلاق.
والثاني: لا يقع؛ لأن اختيار الأبوين لا يقتضي فراق الزوج.
وعند أبي حنيفة: إذا اختارت نفسها-: يقع طلقة بائنة.
وعند مالك، يقع ثلاث طلقات.
ولو قال لها: طلقي نفسك بلفظ الصريح، فطلقت بالكناية-: لا يقع.
وكذلك: لو قال: طلقي بلفظ الكناية، فطلقت بالصريح؛ بخلاف ما لو أطلق: فلا يشترط اتفاق اللفظين.
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فطلقت واحدة-: تقع تلك الواحدة.
ولو قال: طلقي نفسك واحدة، فطلقت ثلاثاً-: تقع الواحدة.
وعندنا، وعند أبي حنيفة: لا تقع؛ لأنه لم يفوض إليها ثلاثة.
قلنا: في إيقاع الثلاث إيقاع الواحدة، كما لو فوض إليها ثلاثاً، فطلقت واحدة-: تقع؛ لأن في تفويض الثلاث تفويض الواحدة؛ وكذلك في التوكيل بالطلاق.
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت-: يقع الثلاث.
ولو قال لها: اختاري من عدد الطلاق ما شئت، فاختارت واحدة، أو اثنتين-: وقعتا، وإن اختارت الثلاث-: لم تقع؛ لأن "من" للتبعيض، فتقتضي اختيار البعض.
ولو قال: طلقي نفسك؛ ونوى الثلاث، فقالت: طلقت، فإن نوت الثلاث-: يقع الثلاث؛ وإلا فتقع واحدة.
ولو نوى كل واحدة منهما عدداً: فإن اتفقت نيتهما-: وقع ما نويا، وإن اختلفت نيتهما-: يقع الأقل.
ولو اختلفا في التخيير، فقالت المرأة: خيرتني، وأنكر الزوج-: فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
وكذلك لو قال: خيرتك، ولكنك لم تختاري، فقالت: اخترت: فالقول قوله [مع يمينه].
ولو اتفقا على اختيارها، فقالت: نويت، وأنكر الزوج نيتها-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها أعرف بضميرها.
ولو قال لها: علقي طلاقك بدخول الدار، فعلقت-: لم يصح؛ لأن التعليق يمين لا تجري فيه النيابة؛ وكذلك: لو وكل أجنبياً بتعليق الطلاق أو العتق لا يصح، وإذا قال لها: طلقي نفسك، إن شئت ثلاثاً، فطلقت واحدة، أو قال: [طلقي نفسك، إن شئت] واحدة، فطلقت ثلاثاً-:
قال صاحب "التلخيص": لا يقع شيء فيهما، ووافقه الأصحاب، بخلاف ما لو قدم العدد على المشئية، فقال: طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت، فطلقت واحدة-: يقع واحدة.
ولو قال: طلقي نفسك واحدة إن شئت، فطلقت ثلاثا-: يقع واحدة؛ لأنه إذا قدم المشيئة، فكأنه جعل العدد شرطاً في المشيئة، فجعل إليها أن تعلق نفسها ذلك العدد، إن شاءت لا غير، معناه: إن اخترت أن تطلقي نفسك ثلاثاً-: جعلتها إليك؛ فإذا أوقعت غيرها-: لم يجز ذلك؛ فلم يقع.
وإذا أخر المشيئة، ولم يجعلها صفة، ولكن ملكها الطلاق، فقوله: "إن شئت"-: راجع إلى أصل الأمر، أيك إن شئت فافعلي، فوقع ما فوض إليها، كما لو لم يقيد بالمشيئة.
فصل
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ.....﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2.1].
إذا قال لامرأته: أنت علي حرام، أو محرمة، أو حرمتك: فإن نوى به الطلاق، أو صار معهوداً بغلبة الاستعمال-: فهو طلاق، وإن نوى الظهار-: فهو ظهار، وإن نواهما؛ فلا يقعان، وهو طلاق؛ لأنه أقوى من الظهار؛ وإنما يزيل الملك.
وقيل: هو ظهار؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
ولو نوى تحريم عينها-: لم تحرم عليه، وعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ، وليس بيمين، بل موجبه موجب اليمين، حتى يجوز له وطؤها قبل التكفير؛ وهو قول ابن مسعود؛ بخلاف الظهار: لا يلزمه فيه الكفارة بنفس اللفظ، ما لم يصير عائداً؛ لأن: هناك لا يمكنه تحقيق التحريم بلفظ الظهار؛ إذ لا يجوز إرادة الطلاق به، فشرطنا مضي إمكان الطلاق بعد؛ حتى يصير مخالفاً لقوله، وههنا: أمكنه تحقيق التحريم بإرادة الطلاق بنفس اللفظ؛ فلما لم يفعل؛ كان مخالفاً؛ فلزمته الكفارة.
ولو أطلق لفظ التحريم-: ففيه قولان.
أصحهما: تجب كفارة اليمين، لأن كل كفارة تجب بالكناية مع النية؛ فيكون لوجوبها صريح؛ قياساً على كفارة الظهار.
والثاني: لا تجب الكفارة إلا بالنية؛ لأنه من باب الكنايات، فإنه كناية في الطلاق والظهار.
ولو قال: أنت حرام، ولم يقل: علي-: فهو كناية قولاً واحداً.
ولو خاطب به أمته: فإن نوى به العتق-: فهو عتق، وإن نوى تحريم ذاتها-: لم تحرم، وعليه كفارة اليمين.
وكذلك: إذا أطلق، ولم ينو شيئاً على أصح القولين، ولو خاطب به عبده، أو زوجته الرجعية، أو أمته التي هي أخته، ونوى تحريم الذات، وأطلق-: لا يجب شيء؛ لأنهن محرمات عليه؛ كما لو خاطب به أجنبية.
ولو خاطب به زوجته المعتدة عن الشبهة، أو أمته المعتدة، أو الذمية، أو المجوسية، أو الوثنية، أو المرتدة-: فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب الكفارة؛ لأنهن محرمات؛ [كالأجنبية].
والثاني: تجب؛ لأنهن يحللن بزوال العارض في هذا الملك؛ كما لو خاطب به أمته المحرمة والصائمة أو الحائض، أو قال: كل ما أملكه علي حرام، أو قال: حلال الله علي حرام- نظر: إن لم يكن له زوجة ولا جارية لا تلزمه الكفارة، وإن كانت له نساء وإماء تلزمه، وكم يلزمه؟ فيه قولان:
أصحهما: لا تجب إلا كفارة واحدة؛ لاتحاد اللفظ؛ كما لو حلف: لا يكلم زيداً وعمراً وبكراً أو خالداً، فكلمهم-: لا تجب إلا كفارة واحدة.
والثاني: تجب عن كل واحد كفارة؛ لتعدد المحل.
وعند أبي حنيفة: لفظ التحريم يمين، وإذا استعمله في زوجة أو أمة-: فهو كما لو حلف ألا يطأها، وإذا استعمل في طعام؛ كأنه حلف ألا يأكله، فإذا وطئ أو أكل، تلزمه الكفارة، ويروى ذلك عن أبي بكر وعائشة رضي الله عنهما.
ولو قال لزوجته أو أمته: أنت علي كالميتة، أو كالدم، أو [كالحمر، أو كالخنزير] فهو كقوله: علي حرام إذا نوى، ويكون كناية، والله أعلم.
فصل
إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً-: يقع الثلاث، سواء كان مدخولاً بها أو لم يكن.
ولو قال لها: أنت طالق طالق، أو أنت طالق أنت طالق، إن لم يكن مدخولاً بها-: لا يقع إلا واحدة؛ لأنها تبين بالأولى، وكذلك إذا قال لها: أنت طالق وطالق، أو أنت طالق بل طالق، أو أنت طالق طلقة طلقة، أو طلقة وطلقة.
ولو قال لغير المدخول بها: [أنت طالق إحدى عشرة طلقة-: تقع الثلاث؛ كما لو قال: ثلاثاً.
ولو قال: واحدة ومائة-: لا يقع إلا واحدة]، ولو قال: إحدى وعشرين-: فوجهان:
أحدهما: وهو [قول ابن عمر]-: لا يقع إلا واحدة؛ لأنه عطف العشرين على واحدة؛ كما لو قال واحدة ومائة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة، وصاحباه-: تقع الثلاث؛ لأنها بمنزلة كلمة واحدة؛ كما لو قال: إحدى عشرة.
ولو قال لها: أنت طالق واحدة ونصفاً-: لا يقع إلا واحدة، ولو قال: اثنتين إلا نصفاً-: تقع طلقتان.
فأما المدخول بها إذا قال لها الزوج: أنت طالق أنت طالق-: نظر: إن قالهما في مجلسين، أو سكت بينهما زماناً-: يقع طلقتان، وإن قالهما من غير فصل: أنت طالق أنت طالق، أو قال: أنت طالق طالق- نظر: إن قصد بالثانية تكرار الأولى، أو إفهام الكلام الأول-: فلا يقع إلا واحدة، وإن قصد الإيقاع-: يقع طلقتان، وإن أطلق-: فقولان:
أصحهما: تقع طلقتان؛ لأن ظاهره الإيقاع، وإنما تجعل الثانية تأكيداً إذا نواه.
والثاني: تقع واحدة؛ لأنها اليقين.
ولو ذكر هذه اللفظة ثلاثاً ولاءً: فإن أراد بالأخريين التكرار-: فلا تقع إلا واحدة، وإن أراد الإيقاع-: تقع الثلاث طلقات، وإن أطلق-: فعلى القولين:
أصحهما: يقع الثلاث.
وإن أراد باللفظة الثانية التكرار، وبالثالثة الإيقاع، أو أراد بالثانية الإيقاع، وبالثالثة تكرار الثانية-: تقع طلقتان، وأن أراد بالثالثة تكرار الأولى-: فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل، ويقع الثلاث؛ لأن بينهما فصلاً.
والثاني: يقبل، ويقع طلقتان؛ لأنه يسير.
ولو قال لها: أنت طالق وطالق، أو: أنت طالق وأنت طالق، أو قال: أنت طالق بل طالق، أو أنت طالق ثم طالق-: يقع طلقتان، وإن قال: أردت التكرار-: لم يقبل في الظاهر، لوجود المغايرة بين اللفظين.
ولو قال: أنت طالق وطالق، أو أنت طالق طلقة وطلقة فالمنصوص عليه وهو المذهب-: أنه تقع طلقتان، ولو قال: أنت طالق وطالق وطالق، أو قال: أنت طالق بل طالق بل طالق، أو قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، [أو أنت طالق فطالق فطالق] تقع طلقتان، ويسأل عن الثالثة، فإن أراد بها تكرار الثانية-: لا يقع، وإن أراد الاستئناف-: تقع الثلاث، وإن أطلق-: فقولان، وإن أراد بالثانية تكرار الأولى-: لا يقبل، ويقع الثلاث؛ لأنه لو أراد بالثانية تكرار الأولى-: لا يقبل.
ولو قال: أنت طالق طلقة وطلقتين، أو قال: طلقة فطلقتين يقع الثلاث، فإن قال: أردت إعادة الأولى في الأخريين فطلقتين: لا يقبل.
ولو قال: أنت طالق وطالق ثم طالق، أو أنت طالق ثم طالق بل طالق-: يقع الثلاث، وإن قال أردت التكرار-: لا يقبل؛ لوجود المغايرة بين الألفاظ.
ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق، أو قال: أنت طالق وطالق إن دخلت الدار، فدخلت- نظر: إن كانت مدخولاً بها-: يقع طلقتان، فإن لم يكن مدخولاً- نظر: إن قدم الجزاء، فقال: أنت طالق وطالق، إن دخلت الدار، أو: أنت طالق واحدة وواحدة، إن دخلت الدار، فدخلت-: تقع طلقتان.
وإن قدم الشرط، فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق-: فيه وجهان.
أحدهما- وبه قال أبو حنيفة: يقع طلقة واحدة؛ كما في التنجيز، إذا قال لها: أنت طالق وطالق-: لا يقع إلا واحدة.
والثاني: يقع طلقتان؛ لأنهما يقعان معاً بدخول الدار؛ كما لو قدم الجزاء.
ولو قال لها: إن دخلت الدار، فأنت طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق، إن دخلت الدار، فأنت طالق، فدخلت الدار-: كم يقع؟ إن قصد به التكرار-: فواحدة، وإن قال لها في مجالس، أو قصد الاستئناف فثلاث، وإن اتحد المجلس.
وإن أطلق-: فقولان؛ بناء على ما لو وجب بفعل واحد في أيمان-: يلزمه كفارة واحدة أم كفارات؟ وفيه قولان:
قال الشيخ: ولا فرق بين المدخول بها وبين غير المدخول بها؛ لأنا إذا قلنا: يتعدد بدخول واحد يقع الكل دفعة واحدة.
ولو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق، وإن دخلت الدار، فأنت طالق طلقتين، فدخلت-: طلقت ثلاثاً، سواء كانت مدخولاً أو غير مدخول بها.
قال الشيخ: لأنها كما دخلت مرة-: يقع الكل دفعة واحدة؛ لأنه لم يعطف البعض على البعض؛ بخلاف ما لو قال: إن دخلت فأنت طالق وطالق، والله أعلم بالصواب.
باب الطلاق بالوقت
يجوز تعليق الطلاق بالأوقات وبالصفات، وكذلك: العتق، ولا يقع قبل مجيء ذلك الوقت، ولا قبل وجود تلك الصفة، فإذا قال: أنت طالق في شهر كذا، أو في أول شهر كذا، أو في غرة شهر كذا، أو إذا أهل هلال شهر كذا، أو إذا جاء شهر كذا.
فإذا أهل هلال ذلك الشهر-: يقع الطلاق، ولو رأى الهلال قبل غروب الشمس-: لا يقع؛ لأنه ليس من الشهر الثاني.
ولو قال: في شهر كذا، ثم قال: عنيت في أوسطه، أو قال: في غير شهر كذا، ث 3 م قال: عنيت اليوم الثاني، أو الثالث-: لا يقبل في الظاهر؛ لأنه يتعلق بأول وجوده، ويقبل في الباطن؛ لأن الغرة اسم لثلاثة أيام من أول الشهر.
ولو قال: أنت طالق في رمضان، وهو في رمضان: يقع في الحال، فإن قال: إذا جاء رمضان، أو في أول رمضان-: فلا يقع ما لم يأت رمضان العام القابل.
ولو قال: في يوم كذا-: يقع بطلوع فجر ذلك اليوم.
ولو قال: في آخر شهر كذا-: يقع بطلوق الفجر من اليوم الأخير.
وقيل: عند غروب الشمس من اليوم الأخير.
وقيل: بدخول ليلة السادس عشر لأنه أول جزء من آخر الشهر.
ولو قال: في سلخ شهر كذا-: يقع بطلوع فجر من اليوم الأخير.
ولو قال: عند انقضاء شهر كذا، أو انسلاخ شهر كذا-: يقع في آخر جزء من اليوم الأخير، ولو قال: في أول آخر شهر كذا-: يقع بدخول ليلة السادس عشر.
وقيل: بطلوع الفجر من اليوم الأخير.
ولو قال: في آخر أول الشهر-: يقع قبل غروب الشمس من اليوم الخامس عشر.
وقيل: عند الغروب من اليوم الأول.
ولو قال: أنت طالق أمس غد، أو غد أمس على الإضافة-: يقع في الحال؛ لأن اليوم الذي هو فيه أمس غد وغد أمس.
ولو قال: غداً أمس أو أمس غداً، لا على الإضافة-: طلقت إذا طلع الفجر من الغد، ولغا ذكر الأمس.
ولو قال: أنت طالق اليوم غداً، أو غداً اليوم-: طلقت في الحال؛ لأنه يقين، ولا تطلق غداً؛ لأنه يريد طلاقاً تكون طالقاً به غداً.
فإن قال: أردت طلقة في اليوم، وطلقة في الغد-: تقع طلقتان: واحدة اليوم، والأخرى إذا جاء الغد.
وكذلك لو قال: أردت نصف طلقة اليوم، ونصف طلقة غداً-: تقع طلقتان.
ولو قال: أردت طلقة اليوم، والنصف الثاني غداً-: ففيه وجهان:
أحدهما: هكذا تقع طلقتان: طلقة اليوم، وأخرى إذا جاء الغد.
والثاني: يقع في الحال طلقة، ولا يقع في غد شيء؛ لأن النصف الثاني من هذه الطلقة قد وقع اليوم، فلم يبق ما يقع غداً.
ولو قال: أنت طالق اليوم أو غداً-: تطلق غداً؛ لأنه يقين، وفي اليوم شك.
[وقيل: يقع] اليوم؛ لأنه جعل كل واحد محلاً للطلاق، فيطلق بأولهما.
قال الشيخ: والأول أصح.
ولو قال: أنت طالق اليوم، أو قال: أنت طالق الشهر أو السنة-: يقع في الحال.
ولو قال: إذا مضى اليوم فأنت طالق-: فإذا غربت شمس ذلك اليوم طلقت، وإن لم يبق منه إلا ساعة؛ لأنه عرف اليوم بالألف واللام؛ فانصرف إلى اليوم الذي هو فيه، حتى لو قاله بالليل-: يكون لغواً لا يقع به شيء.
ولو قال: إذا مضى يوم فأنت طالق-: لا يقع، حتى يأتي ذلك الوقت من اليوم الثاني؛ لأنه نكر اليوم فيقضي يوماً كاملاً.
ولو قاله بالليل-: فحتى تغرب الشمس من اليوم الذي يعقب تلك الليلة.
وكذلك لو قال: إذا مضى الشهر، فإذا غربت الشمس من اليوم الأخير-: يقع، وإن لم يبق من الشهر إلا ساعة.
ولو قال: إذا مضى شهر-: فلا يقع، حتى يمضي ثلاثون يوماً، فإذا قاله بالنهار-: يكمل يوم اليمين باليوم الحادي والثلاثين، وإذا قاله بالليل-: فحتى يمضي ثلاثون يوماً، ومن الليلة التي تعقب الثلاثين بقدر ما مضى من ليلة اليمين.
ولو قال: إذا مضت السنة-: تنصرف إلى السنة العربية، وإذا غربت الشمس من آخر يوم ذي الحجة-: طلقت، وإن لم يبق منه إلا ساعة.
ولو قال: إذا مضت سنة-: فحتى تمضي اثنا عشر شهراً كوامل، وتكون أحد عشراً [شهراً] بالأهلة، سواء كانت كاملة أو ناقصة، [ويكمل شهر اليمين ثلاثين يوماً بالشهر الثالث عشر، سواء كانت كاملاً أو ناقصاً].
ولو قال: أردت سنة رومية أو فارسية-: يقبل في الباطن، ولا يقبل في الظاهر؛ لأن سنة الروم والفرس أطول؛ فهو يريد تأخير الطلاق.
ولو علق طلاقها بوقت أو صفة، ثم قال: عجلت تلك الطلقة-: لا تتعجل، فإن عنى به إيقاع طلاق في الحال-: يقع في الحال طلقة، وعند وجود الصفة أخرى.
ولو قال: أنت طالق الشهر الماضي، أو في الشهر الماضي، أو قال: أنت طالق أمس- نظر: إن لم يكن له نية، أو تعذر الرجوع إليه بموت، أو جنون، أو غباوة-: يحكم بوقوع الطلاق في الحال.
ولو قال: أردت به طلاقاً-: يقع في الحال، ولا يستند [إلى الشهر الماضي].
وإن قال: أردت به وقوع الطلاق في الشهر الماضي، ولم أرد إيقاعاً في الحال.
وقال الربيع: فيه قول آخر: إنه لا يقع للاستحالة؛ كما لو قال: إن طرت أو صعدت السماء- فأنت طالق-: لا يقع.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على قولين:
أحدهما: لا يقع الطلاق؛ لأنه علق بمستحيل وجوده.
والثاني: يقع؛ لأنه أوقع الطلاق، ويريد أن يرفعه بمستحيل؛ فيلغو المستحيل.
ومنهم من فرق بينهما- وهو المذهب- وقال في الإضافة إلى "أمس" يقع؛ لأنه أوقع الطلاق، ثم يريد رفعه بالإضافة إلى أمر؛ كما لو قال: أنت طالق طلاقاً لا يقع في الحال، وفي الصعود والطيران: لم يوقع الطلاق، بل علقه على أمر سيوجد، ولم يوجد فلم يقع.
ولو قال: أردت بها أنها كانت مطلقة من زوج آخر في الشهر الماضي، أو مني في نكاح آخر [قبل منه] إن عرف ذلك أو قامت عليه بينة، وإن لم يعرف-: لا يقبل، ويقع في الحال، فإن أراد الإقرار أني كنت طلقتها في الشهر الماضي-: قبل قوله مع يمينه، وعدة المرأة من ذلك الوقت، إن صدقته، وإن كذبته فمن الآن.
ولو قال: إذا قدم فلان فأنت طالق ثلاثاً قبله بشهر فإن قدم قبل مضي شهر من وقت اليمين-: لا يقع الطلاق، وتنحل اليمين.
وإن قدم بعد مضي شهر-: تبينا وقوع الطلاق قبله بشهر، فإن كان قد خالعها بعد اليمين قبل قدوم فلان، أو كان قد علق العتق بقدوم فلان على هذه الصفة، فباعه قبل قدوم
فلان-: يحسب شهر قبل قدومه، فإن وقع الخلع أو البيع في الشهر-: كان الخلع والبيع باطلين؛ لتقدم الطلقات الثلاث والعتق.
وإن وقع الخلع والبيع قبل الشهر-: فهما صحيحان، ولم يقع الطلاق المعلق والعتق بهما.
ولو قال لها: أنت طالق يوم يقدم فلان، أو قال لعبده: أنت حر يوم يقدم فلان، أو قال: إذا قدم زيد غداً فأنت طالق، فخالع المرأة في أول النهار، أو باع العبد، ثم قدم زيد في ذلك اليوم-: ما حكمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: صح الخلع والبيع، ولم يقع الطلاق والعتق؛ لأنهما معلقان بالقدوم، ووجد القدوم من بعد.
والثاني: يتبين وقوع الطلاق والعتق بطلوع الفجر من ذلك اليوم؛ كأنه قال: أنت طالق، أو أنت حر في اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان-: فلم يصح الخلع ولا البيع.
وكذلك: لو ماتت المرأة بكرة ثم قدم فلان وقت الظهر-: هل يتبين أنها ماتت مطلعة؟ فعلى وجهين، وأصل هذا: أنه إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم في خلال النهار-: هل يلزمه صوم يوم بعده؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن الصوم معلق بالقدوم، وكان قدومه في أثناء النهار، وصوم النهار-: لا يتصور.
والثاني: يلزمه؛ لأنا تبينا بالقدوم أن الصوم لزمه من أول النهار، كأنه نذر صوم اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان.
وإذا قال: إذا رأيت الهلال فأنت طالق-: ينصرف إلى العلم، فإذا تحقق دخول الشهر-: طلقت، وإن لم تر الهلال؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتِهِ" وأراد - صلى الله عليه وسلم- به العلم بدخول الشهر.
فإن قال: أردت به الرؤية بعيني-: يقبل قوله ظاهراً وباطناً، وقيل: لا يقبل قوله في الحكم، والأول أصح؛ لأن حقيقة الرؤية تكون بالبصر، إلا أن يكون أعمى: فلا يقبل قوله في الحكم، ويقبل في الباطن.
وإذا قال: إذا رأيت بعيني-: فلا يقع ما لم ير بعينه.
إذا قال بالفارسية-: يحمل على رؤيته بنفسه، بصيراً كان أو أعمى.
وقيل في الأعمى: يحمل على العلم، ويشترط أن يراه بعد غروب الشمس على السماء.
فلو رآه قبل غروب الشمس، أو رآه في ماء أو في مرآة-: لا يقع.
ولو رآه في الليلة الثانية والثالثة-: يقع، ولو لم يره إلا في الليلة الرابعة-: لا يقع؛ لأنه لا يسمى هلالاً بعد ثلاث ليال.
فإذا أطلق الهلال-: يتناول هلال أول شهر يستقبله، وإذا لم يره في الشهر الأول-: ارتفع اليمين حتى لو رآه في الشهر الثاني-: لا يقع، والله أعلم.
فصل في تعليق الطلاق بالتطليق والحلف به.
إذا قال لامرأته: إذا طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها- نظر؛ إن كان غير مدخول بها-: يقع عليها طلقة بالإيقاع، وانحلت اليمين، ولا [يقع] المعلق؛ لأنها بانت منه بالأولى.
وإن كانت مدخولاً بها-: يقع عليها طلقتان: واحدة بالإيقاع، وأخرى بالحنث.
فإن ادعى بأني لم أرد به التعليق، بل اردت أني منها طلقتها؛ فهي طالقة تلك الطلقة-: لا يقبل قوله في الحكم ويقبل في الباطن.
ولو وكل وكيلاً بالتطليق، فطلقها الوكيل-: يقع ما أوقعه الوكيل، ولا يقع المعلق؛ لأن الشرط أن يطلقها بنفسه.
ولو خالعها-: لا يقع المعلق؛ لأنها تبين بالخلع ثم إن جعلنا الخلع طلاقاً-: تنحل اليمين، وإن جعلناه فسخاً لا تنحل.
ولو علق طلاقها بصفة، ووجدت الصفة-: يقع طلقتان؛ لأن التعليق مع وجود الصفة تطليق، أما إذا علق طلاقها بصفة قبل التعليق بالتطليق؛ بأن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال لها: إن طلقتك فأنت طالق، ثم دخلت الدار-: لا يقع إلا طلقة واحدة، ولا يقع المعلق بالتطليق؛ لأن التعليق سبق اليمين، ووقوع الطلاق بمجرد وجود الصفة لا يكون تطليقاً.
أما إذا قال لها: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم طلقها بنفسه أو بوكيله، أو كان
قد سبق منه تعليق بالدخول، فدخلت بعد اليمين بالطلاق-: يقع طلقتان لوجود الوقوع، وتنحل اليمين.
[ولو قال لها]: أوقعت عليك الطلاق فأنت طالق، ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار:
قال بعض أصحابنا: لا يقع إلا طلقة واحدة، ولا يقع المعلق بالإيقاع؛ لأنه يقتضي طلاقاً يباشر إيقاعه.
ومن أصحابنا من قال- وهو الأصح عندي-: إنه يقع طلقتان: إحداهما بدخول الدار، والثانية بالصفة الأولى؛ كما في قوله: إذا طلقتك فأنت طالق.
ولو قال: كلما طلقتك فأنت طالق، فإذا طلقها-: يقع طلقتان، ولا تنحل اليمين، لأن كلمة "كلما" للتكرار، ولا يظهر له فائدة ههنا، لأنه إذا طلقها مرة أخرى يتم الثلاث، ولا وجود لليمين بعد الثلاث؛ على ظاهر المذهب.
ولو قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فإذا طلقها مرة: يقع عليها ثلاث طلقات؛ لأنه للتكرار؛ فوقوع الأولى يوجب وقوع الثانية، ووقوع الثانية [يوجب وقوع الثالثة].
ولو قال لنسائه الأربع: كلما طلقت واحدة منكن، فصواحباتها طوالق، فإذا طلق واحدة-: يقع عليها طلقة، وعلى كل واحدة من صواحباتها طلقة، فإذا طلق الثانية-: وقع على كل واحدة طلقتان، فإذا طلق الثالثة-: وقع على كل واحدة ثلاث طلقات.
ولو قال: كلما طلقت واحدة منكن فأنتن طوالق: فإذا طلق واحدة-: يقع عليها طلقتان؛ لأنه علق طلاقها بتطليقها، ويقع على كل واحدة من صواحباتها طلقة، فإذا طلق الثانية-: تم عليها وعلى الأولى ثلاث طلقات، وعلى الثالثة والرابعة طلقتان، فإذا طلق الثالثة-: تم على الكل ثلاث طلقات.
ولو قال: كلما وقع طلاقي على واحدة منكن، فأنتن طوالق، أو صواحباتها طوالق: فإذا طلق واحدة منهن طلقة-: وقع على الكل ثلاث طلقات.
ولو قال لها: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو قال: إن كلمت فلاناً، أو إن ضربتك فأنت طالق-: يقع في الحال طلقة؛ لأنه
علق الطلاق والحلف، وقد وجد الحلف، ثم إذا وجد الدخول أو الكلام أو الضرب-: يقع طلقة أخرى.
ولو قال لها: إن جاء رأس الشهر، أو إذا طلعت الشمس، أو شئت، أو حضت-، فأنت طالق-: فليس هذا بيمين؛ فلا يقع به الطلاق المعلق بالحلف؛ لأن اليمين ما يتضمن تحقيقه أمراً ومنعاً عن شيء، أو إقداماً على شيء، وليس في هذه التعليقات شيء من ذلك.
ولو قال: إن قدم فلان فأنت طالق- نظر: إن كان قصده منع فلان عن القدوم، وهو ممن يمتنع يمينه-: فهو يمين يقع به الطلاق المعلق بالحلف.
وإن كان قصده التأقيت، أو علق بقدوم الحجيج، أو بقدوم السلطان-: فلا يكون يميناً؛ فلا يقع به الطلاق المعلق بالحنث.
ولو قال لامرأته المدخول بها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، قالها أربع مرات-: فكل واحدة من هذه الألفاظ يمين بالطلاق، فبالثانية: تنحل الأولى، وتقع طلقة، وبالثالثة: تنحل الثانية، وتقع أخرى، وبالرابعة: تنحل الثالثة، وتتم الثلاث.
والرابعة منعقدة؛ لأن من ضرورة انحلال الثالثة انعقاد الرابعة، غير أنه لا عود لليمين بعد الثلاث؛ على ظاهر المذهب.
وإن قال ذلك لغير المدخول بها، فبالثانية-: تنحل الأولى، ويقع طلقة، وتبين منه، والثانية منعقدة لا تنحل بالثالثة؛ لأنها غير منعقدة، وفائدته عوده في النكاح الثاني، على أحد القولين، والثالثة والرابعة لغو.
أما إذا قال لغير المدخول بها: إن كلمتك فأنت طالق، قالها ثلاثاً-: فبالثانية تنحل الأولى، ويقع طلقة، وتبين منه، وبالثالثة: تنحل الثانية، حتى لا يعود في النكاح الثاني؛ لأن الطلاق ههنا معلق بالكلام، واللفظة الثالثة كلام معها بعد البينونة؛ فتنحل به اليمين، وفي المسألة الأولى: الطلاق معلق باليمين، واللفظة الثالثة وجدت بعد البينونة، واليمين بالطلاق لا ينعقد بعد البينونة.
وقال أبو حنيفة في التعليق بالكلام: لا تنعقد الثانية، وهو اختيار الشيخ أبي سهل؛ لأن بقوله: "إن كلمتك" تبين منه، فقوله: أنت طالق يوجد بعد البينونة.
[وعند مالك]: تنعقد الثانية؛ لأن قوله: "إن كلمتك، فأنت طالق" كله كلام واحد لا يفصل بعضه عن بعض، وفائدته: العود في النكاح الثاني.