التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 388-1

فَصْلُ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
إذا أتت المرأة بولد في نكاح-: لا يجب على الأم إرضاع الولد إلا اللبأ؛ لأن الولد لا يعيش بدونه، ولا يغني من غيرها، بل على الأب أن يستأجر امرأة لإرضاع الولد، إلا ألا توجد مرضعة؛ فيجب عليها الإرضاع.
وقال أبو ثور: تجبر المرأة على إرضاع الولد.
وقال مالك- رحمة الله عليه-: إن كانت المرأة دنيئة-: يجب عليها الإرضاع، وإن كانت شريفة- لا يجب.
قلنا: أجمعنا على أنه إذا طلقها-: لم يملك إجبارها على إرضاع الولد، وكذلك: في حال بقاء النكاح؛ فإن رغبت المرأة في الإرضاع-: فعلى الزوج تمكينها من ذلك، ولم يكن له أن ينزع الولد منها إلى غيرها؛ لأن الولد يستمرئ لبن أمه، وينتفع به أكثر من انتفاعه بلبن غيرها.
وقيل: له منعها منه، وتسليمه إلى غيرها، كما يمنعها من أن تؤاجر نفسها؛ لإرضاع ولد الغير؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في جميع الأوقات، إلا في وقت العبادة؛ فلا يجوز لها تفويته عليه بالرضاع.
وإذا رضيا بإرضاعه، هل يزاد في نفقتها المقدرة بسبب الإرضاع والحضانة؟ فيه وجهان: أحدهما: قاله أبو إسحاق-: يزاد؛ لأنها تحتاج في حال الرضاع إلى أكثر مما تحتاج إليه في غيره.
والثاني: وهو الأصح، وعليه أكثر الأصحاب-: لا يزاد؛ لأن قدر النفقة يعتبر بحال الزوج لا بحالها؛ كما لا يزاد بسبب كونها أكولة.
وإذا رغبت المرأة في الإرضاع، وطلبت الأجرة عليه-: يجب على الزوج أجرتها، ويجوز للزوج استئجارها على إرضاع الولد؛ وكذلك: على مهن البيت من الكنس والطبخ ونحوهما.
وقال أبو حامد: لا يجوز لها أخذ الأجرة على الإرضاع في حال بقاء النكاح؛ لأن أوقات الرضاع مستحقة للزوج للاستمتاع، وقد استحقت في مقابلتها عوضاً، وهي النفقة؛ فلا تستحق عوضاً آخر.
والمذهب هو الأول؛ كما يجوز لها طلب الأجرة بعد البينونة.

ولو أرضعت بالأجرة في حال بقاء النكاح: فإن كان اشتغالها بالإرضاع يقطع استمتاعه، أو ينقصه-: فلا نفقة لها؛ وإلا فتجب مع الأجرة.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز استئجار المرأة على إرضاع الولد في حال بقاء النكاح، وكذلك على مهن البيت؛ لأنها مستحقة عليها عرفاً؛ فصار كالمستحق عليها شرعاً، والآية حجة عليه، ونقيس على إرضاع ولد الغير، وعلى حال المفارقة.
وإن كانت الأم تطلب أكثر من أجرة المثل، والزوج يجد من ترضع بأجرة المثل، أو تتبرع به-: فللزوج نقله إلى من تتبرع أو ترضع بأجرة المثل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6].
وإن كانت الأم تطلب أجرة المثل، والزوج يجد من تتبرع به، أو ترضع بأقل من أجر المثل-: فقولان: أحدهما: الأم أحق- وهو اختيار المزني- بأجر المثل؛ لأن الإرضاع لحق الولد، وإلا أشفق عليه، فإرضاعها أنفع له.
والثاني: الأب أحق به؛ لأن الإرضاع في حق الصغير كالنفقة في حق الكبير.
ثم لو وجد الابن الكبير من يتبرع عليه بالإنفاق-: سقطت نفقته عن الأب؛ فكذلك: إذا تبرعت أجنبية بإرضاع الصغيرة-: سقطت الأجرة عن الأب؛ فعلى هذا: لو اختلفا؛ فقال الأب: وجدت من تتبرع بالإرضاع، وأنكرت-: فالقول قوله مع يمين؛ لأنها تدعي استحقاق الأجرة، وهو ينكر، والله أعلم.
فَصْلُ لا يجب على العبد نفقة ولده، بل إن كانت الأم حرة-: فالولد حر، ونفقته عليها، وإن كانت أمة-: فالولد رقيق لمالك الأمة، ونفقته على مالكه، وكذلك: المكاتب إذا كان له ولد من حرة أو أمة.
فإن استولد المكاتب أمة نفسه-: يتكاتب الولد عليه، وعليه أن ينفق عليه من كسب نفسه، حتى يبلغ الولد محل الكسب، فينفق عليه من كسبه ويستعين بالفضل على أداء النجوم وإذا أتت المكاتبة بولد، فلا تجب نفقته على الأب، سواء كان حراً أو عبداً أو مكاتباً.
وفي الولد قولان: أحدهما: أنه رقيق لمولى الأم؛ فعلى هذا: تكون نفقته على مولى الأم.

والثاني: يتكاتب على الأم؛ وعلى هذا: إذا قتل-: فقيمته لمن تكون؟ فيه قولان: أحدهما: لمولى الأم؛ فعلى هذا النفقة عليه.
والثاني: القيمة للأم؛ تستعين بها على أداء النجوم، فعلى هذا: نفقته في كسب الأم.
وإن كان الولد حراً، والأبوان رقيقان-: فنفقته في بيت المال، والله أعلم.
بَابُ أَيُّ الوَالِدَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَوْلُودِ.
رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَبْدِ الله بْنِ عَمْروٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: "يَا رَسُولُ الله، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيَيِ لَهُ سِقَاءً، وَحَجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي".
إذا افترق الأبوان، ولهما ولد صغير دون سبع سنين أو مجنون-: فالأم أولى بحضانته من الأب؛ لأنها أشفق وأهدى إلى الحضانة؛ ولكن: لا يجب عليها، وإن رغبت لها طلب الأجرة، وإن امتنعت-: فعلى الأب حضانته؛ فلو جف لبن الأم، أو امتنعت من الإرضاع-: لا يبطل حقها من الحضانة، فعلى الأب: أن يستأجر امرأة ترضعه عند الأم.
وقيل: إن امتنعت من الإرضاع-: بطل حقها من الرضاعة.
والأول أصح، وإنما تكون الأم أولى، إذا كانت مسلمة حرة عاقلة مأمونة.
وإن كانت أمة أو مجنونة أو فاسقة، أو كانت كافرة، والأب مسلم-: فلا حق لها في الحضانة، والأب أولى به؛ لأن الأمة منفعتها للمولى؛ فلا تتفرغ للحضانة، والمجنونة لا

تهتدي إليها، والفاسقة والكافرة لا حظ للصبي في حضانتهما، لأنه ينشأ على طبعهما، فإن أسلمت الأم أو عتقت، وحسن حالها-: كان الحق لها.
وهذا إذا كان الأبوان في بلد واحد، أو في بلدين بينهما أقل من مسافة القصر، وإن كان بينهما مسافة القصر-: فالأب أولى بالولد، حتى لايضيع نسبه؛ لأن حفظ النسب، وتعهد الأب انظر للصبي من حسن حضانة الأم، وإنما تكون الأم أولى ما لم تنكح، فإذا نكحت-: سقط حقها، وكان الحق للأب؛ لأنها إذا اشتغلت بحق الزوج-: لا تتفرغ للحضانة؛ بخلاف الأب إذا نكح لا يسقط حقه؛ لأن شغله بالزوجة لا يمنعه من تعهد الولد.
ولو نكحت الأم عم الصبي-: لا يسقط حقها من الحضانة، وهي أولى من الأب؛ قاله صاحب "التلخيص"؛ تخريجاً، وإنما خرجه من نص الشافعي- رضي الله عنه- أن الجدة إذا نكحت جد الصبي-: لا يبطل حقها.
فمن أصحابنا من وافقه، وقال: إذا نكحت الأم عم الصبي-: لا يبطل حقها؛ لأن للعم له حقاً في الحضانة كالجدة، إذا نكحت جد الصبي.
ومنهم من قال: يبطل حق الأم؛ بخلاف الجدة إذا نكحت جد الصبي؛ لأن الجد أب، وله ولاية على الولد، والعم لا ولاية له على ابن الأخ.
فإذا سقط حق الأم بالنكاح، فطلقها زوجها-: عاد حقها، سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً.
وقال أبو حنيفة: إن طلقها رجعياً-: لا يعود حقها، وهو اختيار المزني.
قلنا: سقوط حقها بالنكاح كان اشتغالها بحق الزوج، وارتفع ذلك بالطلاق، رجعياً كان

أو بائناً؛ فعاد حقها في الحالين.
وإذا ماتت الأم، أو فسقت، أو كانت رقيقة أو كافرة، أو جنت أو نكحت-: فأم الأم، وإن علت، أولى من الأب.
قضى أبو بكر على عمر- رضي الله عنهما- بأن جدة ابنه أحق به منه.
ويقدم أقربهن، ما لم تنكح، وإن نكحت-: كان الحق للأب، إلا أن تنكح الجدة جد الصبي أبا أبيه، أو أبا أمه، إن أثبتنا له الحضانة أو عمه؛ على أحد الوجهين؛ فلا يسقط حقها.
ولو رضي الأب يكون الولد عند الأم بعد ما نكحت، ورضي به زوجها، فلا حق للجدة؛ على أصح الوجهين؛ بل يكون عند الأم.
وقيل: لا يسقط حق الجدة برضا الأب.
ولو غابت الأم، أو امتنعت من الحضانة-: فالحق ينتقل إلى الأب، أو إلى الجدة؟ فيه وجهان: أصحهما: إلى الجدة؛ كما لو جنت الأم، أو ماتت.
والثاني: ينتقل إلى الأب، بخلاف ما لو جنت، أو ماتت؛ لأنها بالجنون والموت سقط حقها من الحضانة، وبالغيبة والامتناع-: لم يسقط إلا أنها تركت حقها؛ كما في ولاية التزويج: إذا جن الولي الأقرب، أو مات-: يزوجها الأبعد، ولو غاب الأقرب، أو عضل-: لا يزوجها الأبعد، إنما يزوجها السلطان، أما الأب إذا غاب-: فالحق للجد؛ كما لو جن أو سق-: فلا ينتقل إلى السلطان؛ بخلاف التزويج؛ لأن الغائب يمكنه التزويج إلا أنه تعذر الوصول إليه؛ فناب عنه السلطان، والغائب لا يمكنه الحضانة، فكانت الغيبة كالموت والجنون.
وإذا بلغ المولود سبع سنين أو ثمان سنين، وعقل عقل مثله-: يخير بين الأبوين، فأيهما اختاره يكون عنده، سواء كان المولود ذكراً أو أنثى، وقولنا: سبع سنين، أو ثمان سنين - تنويع؛ فإن من الصبيان من يعقل لسبع، ومنهم من يعقل لثمان.
والدليل عليه: ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه-: "أن النبي- صلى الله عليه وسلم- خير غلاماً بين أبيه وأمه".

وعن عمارة الجرمي قال: "خيرني علي بين عمي وأمي، وكنت ابن سبع سنين، [أو ثمان سنين].
وعند أبي حنيفة: لا يخير، بل إن كان المولود ذكراً-: يكون مع الأب، وإن كان أنثى-: فمع الأم؛ والحديث حجة عليه.
فإن كان أحد الأبوين رقيقاً أو مجنوناً، أو كافراً أو فاسقاً-: فلا يخير الولد، بل يكون عند الثاني.
وإذا أفاق الآخر، أو عتق، أو أسلم أو حسن حاله-: يخير؛ وكذلك: إذا نكحت الأم، أو انتقل الأب إلى مسافة القصر-: فلا يخير، بل يكون الأب أولى به.
وإذا خيرناه، فاختارهما، أو لم يختر واحداً منهما-: يقرع بينهما، لأنه لا يمكن اجتماعهما على كفالته، ولا يمكن تركه، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
فإذا خيرناه، فاختار الأم-: يجب على الأم نفقته، ويلزمه أجرة الحضانة، إن طلبت الأم.
وإن اختار أحدهما، ثم رجع، فاختارالآخر-: يحول إلى الآخر.
وإن عاد، واختار الأول من غير إطالة-: أعيد إليه؛ لأن هذا الاختيار ليس بلازم؛ لأنه لو كان لازماً-: لما صح من الصبي، بل هو إلى شهوته، وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت، وعند الآخر في وقت.
فإن كان يكثر التردد-: يستدل به على نقصان عقله، فتكون الأم أولى به؛ كما لو بلغ سبع سنين، وهو مجنون-: كانت الأم أولى به، وكذلك: إذا بلغ ما لم تنكح يكون عند الأم.
وكل موضع أثبتنا حق الحضانة للأم: إما قبل سبع سنين أو بعده اختار الأم-: فليس لها منع الأب من تأديبه وإخراجه إلى الكتاب والصناعة، إن كان من أهلها، ويأوي بالليل إلى الأم.
وإن اختار الأب-: لم يكن له منعه من زيادة الأم في بعض الأيام، ولا منع الأم من

زيارته، إلا أن تكون أنثى-: فله منعها من الخروج إلى الأم، ولا يمنع الأم من زيارتها، فإن مرضت الأم-: أذن لها في عيادتها دون التمريض؛ لأنها لا تهتدي إليه، وإن مرض الولد-: لا تمنع الأم من تمريضه في بيت الأب أو في بيتها؛ لأنه بالمرض: صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره، وكانت الأم أحق بتمريضه.
وإذا مات لا يمنعها من حضور غسله وتجهيزه.
وإذا بلغ الصبي، وكان رشيداً-: يلي أمر نفسه، ولا يخير، إذا كان ذكراً: أن يكون عند واحد من الأبوين؛ غير أن المستحب له أن يبرهما، ولا يفارقهما إلا بإذنهما.
وإن لم يكن رشيداً-: فليس له أن يفارق الأبوين، وإن كانت جارية: فإن كانت متزوجة-: تكون عند الزوج.
وإن كانت خلية- نظر: إن كانت بكراً-: كانت مع أحد أبويها من شاءت منهما، والأب أو الجد عند عدمها أولى بضمها إلى نفسه؛ لأنه وليها إلى أن تتزوج، وتزف إليه.
وهل يثبت حق الضم للأخ والعم؟ فيه وجهان: وإن كانت ثيباً-: سكنت حيث شاءت، غير أن الاختيار ألا تفارق أحد الأبوين، [وإن كانت بريئة-: ضمها إلى نفسه أحد الأبوين أو أي الأولياء، كان جداً أو أخاً أو عماً، والله أعلم.
فَصْلُ فِيمَنْ تَثْبُتُ لَهُ الحَضَانَةُ وَتَرْتِيبِهِمْ تثبت الحضانة للمحارم من نساء القرابة، سواء كانت ممن ترث أو لا ترث؛ كالخالة والعمة وبنات الأخ والأخت، وتثبت لرجال العصبة؛ كالأب والجد أب الأب، وإن علا، والأخ وابن الأخ، والعم وابن العم.
وقيل: لا يثبت حق الحضانة لرجال العصبة إلا للأب أو الجد؛ لأن لهما ولاية وشفقة، وليست لسائر العصبات.
والأول المذهب؛ أنه يثبت للكل إلا أنهم إذا امتنعوا لا يجبرون عليه إلا الأب والجد [عند عدم الأب] فإنهما يجبران عليه؛ كما يجبران على الإنفاق، وكما لا تجبر الأم على الحضانة والنفقة مع الأب.
أما رجال العصبة الذين لا محرمية لهم؛ مثل: ابن العم ومن هو أبعد منه-: فلهم الحق إن طلبوا، إن كان المولود ذكراً، أو كانت صغيرة لا تشتهى.

وإن كانت أنثى ممن يشتهى مثلها-: فلا تسلم إليه، فإذا أراد تسليمها إلى امرأة ثقة، وهو يعطي الأجرة-: فله ذلك.
أما من لا يكون عصبة من رجال القرابة؛ مثل: أب الأم والأخ من الأم والأخوال وبنيهم وبني العمات وبني الخالات، وبني الإخوة للأم والأعمام للأم-: اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: لهم الحق؛ لأن لهم رحماً وقرابة؛ فهم أولى من الأجانب.
ومنهم من قال: لا حق إلا لمن تكون أنثى أو عصبة من الرجال.
وهذا هو المذهب: أن الأنثى لها معرفة بالحضانة، والعصبة لها قوة القرابة بالميراث.
وإن قلنا: لا يثبت لأب الأم-: فلا يثبت لكل أنثى تدلي به؛ مثل: أم أب الأم، بخلاف ما لو كانت الأم أمة أو مشركة-: لا حق لها في الحضانة، ويثبت لأمها؛ كما يثبت لها الميراث.
وإن قلنا: يثبت لهم الحق-: فلا حق لهم ما دام أحد من نساء القرابة أو رجال العصبة موجوداً، وإنما يثبت إذا كان محرماً، أو كان المولود ذكراً، وإن كان المولود أنثى-: فلا حق لابن الخال، وابن الخالة، وابن العمة، إلا أن يريد تسليمها إلى امرأة ثقة، ويعطي الأجرة.
وإذا اجتمع جماعة من أهل الحضانة، وتنازعوا- فلا يخلو: إما إن اجتمع النساء على الانفراد أو الرجال [على الانفراد، أو الرجال] مع النساء: فإن اجتمع النساء على الانفراد-: فأولاهن الأم، ثم أم الأم، وإن علت لمشاركتهن الأم في الولادة والميراث: يقدم الأقرب فالأقرب منهن، ثم أم الأب، ثم أمهاتها وإن علون، ثم أم الجد أب الأب وإن علت، ثم أم أب الجد، ولا حق لأم الأب، ما دامت واحدة من أمهات الأم موجودة، وإن بعدت.
وكذلك: لا حق لأم الجد ما دامت واحدة من أمهات الأب موجودة، وإن بعدت.
ثم بعد الجدات: الأخت للأب والأم، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة للأب، ثم الخالة للأم، ثم العمة، على هذا الترتيب.
وقال ابن سريج: تقدم الأخت للأم على الأخت للأب؛ لأن إحداهما تدلي بالأم، والأخرى تدلي بالأب؛ فيقدم من يدلي بالأم؛ كما تقدم الأم على الأب؛ وكذلك على قياس قوله: تقدم الخالة والعمة من الأم على الخالة والعمة من الأب.
والأول المذهب؛ لأن الأخت من الأب أقوى في الميراث من الأخت من الأم؛ فكانت

أولى بالحضانة، والخالة أولى من [بنت] الأخت؛ لأنها أشفق، وبنت الأخت أولى من العمة، والعمة أولى من بنت الخالة، وبنت الخالة أولى من بنت العمة.
هذا قوله الجديد، وهو الأصح.
وقال في القديم: تقدم الأخت الخالة على أمهات الأب، فبعد أمهات الأم، يكون الحق للأخت للأب والأم، ثم للأخت للأم، ثم للخالة، ثم أمهات الأب، ثم للأخت للأب، ثم للعمة.
وإنما قدمنا الخالة؛ لما روي عن البراء في قصة "عمرة القضاء" قال: "خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- فتبعته بنت حمزة، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر- رضي الله عنهم أجمعين- قال علي- رضي الله عنه-: هي ابنة عمي، وقال جعفر- رضي الله عنه-: هي ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد- رضي الله عنه-: هي ابنة أخي، فقضى بها النبي- صلى الله عليه وسلم- لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم".
ولأن الخالة تدلي بالأم، وأم الأب تدلي بالأب، والأم تقدم على الأب، وكذلك: من تدلي بالأم تقدم على من تدلي بالأب.
أما إذا اجتمع الرجال على الانفراد-: فأولاهم الأب، ثم الجد أب الأب، وإن علا: يقدم الأقرب فالأقرب، ثم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب، ثم العم للأب وللأم، ثم العم للأب، ثم ابن العم من الأب والأم، ثم ابن العم للأب؛ لأن الحضانة تثبت لهم لعصوبتهم، وقوة قرابتهم بالإرث، فيتقدم من يقدم في الإرث.
أما إذا اجتمع الرجال والنساء من أهل الحضانة-: فالأم أولى من الأب، وكذلك: أم الأم، وإن علت، [أولى من الأب].
قضى أبو بكر- عليه السلام -على عمر- رضي الله عنه- بأن جدة أبيه أحق به منه.
والأب أولى من أمه، فإن لم يكن له أب-: فأم الأب، ثم أم أم الأب، وإن علت أولى من الجد أب الأب وأمهاته، ثم بعد أمهات الأب-: فالجد أب الأب أولى من أم نفسه.
فإن لم يكن جد فأم الجد وأم أمه، وإن علت، ثم أب الجد، ثم أمهاته، ولا حضانة لأب الأم.

قال الإصطخري: الأخت من الأب والأم، أو من الأم، والخالة-: أولى من الأب، وليس بصحيح؛ للاتفاق على أن أم الأب أولى من الأخت والخالة، وهي تسقط بالأب، فالأخت والخالة أولى بالسقوط.
فإن قلنا بقوله القديم: إن الأخت الخالة أولى من أم الأب-: كانتا أولى من الأب.
والمذهب: أن الأب مقدم على الكل بعد أمهات الأم.
فإن لم يكن أحد من الأمهات والآباء-: ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: النساء أحق بالحضانة من العصبات؛ فتقدم الأخت والخالة والعمة، على الأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم؛ لأن النساء أهدى إلى الحضانة والتربية.
والثاني: العصبات أحق؛ لاختصاصهم بالنسب، والقيام بتأديب الولد.
والثالث: كل من من كان أقرب من الفريقين-: فهو أولى، فإن استويا في القرب-: تقدم النساء؛ لاختصاصهن بالتربية، وإذا استوى اثنان في القرابة والإدلاء؛ كالأخوين والأختين أو الخالتين أو العمتين-: يقرع بينهما.
فإن عدم أهل الحضانة من العصبات والنساء، وله أقارب من رجال ذوي الأرحام ومن يدلي بهم-: ففيه وجهان: أحدهما: أنهم أحق من السلطان؛ لأن لهم رحماً؛ كالعصبات.
والثاني: السلطان أحق؛ كما في الميراث؛ وهذا أصح.
وإذا بلغ اصبي سبع سنين أو ثمان سنين-: فقد ذكرنا أنه يخير بين الأبوين، فإن لم يكن له أب، وله جد وأم-: يخير بينهما؛ لأن الجد كالأب في الحضانة في حال الصغر.
فإن لم يكن محرماً؛ مثل: ابن العم: فإن كان الولد ذكراً-: يخير بينه وبين الأم، وإن كان أنثى-: فلا تخير، بل تكون عند الأم حتى تبلغ، والله أعلم.

فَصْلُ إذا أثبتنا حق الحضانة للأم، أو خيرناه بعد سبع سنين، فاختار الأم، ثم أراد الأب سفراً، وحمل الولد مع نفسه- نظر: إن ل م يكن سفر نقلة، بل خرج لغزو أو حج أو تجارة أو نزهة-: لا ينزع الولد من الأم.
وإن أراد سفر نقلة- نظر: إن أراد الخروج إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة-: فلا يبطل حق الأم؛ لأنهما كالمقيمين في محلتين من بلد واحد.
وإن أراد الخروج إلى مسافة القصر- نظر: إن كان الطريق مخوفاً أو البلد الذي ينتقل إليه مخوفاً-: فلا يبطل حق الأم، فإن كان الطريق والموضع آمناً-: فالأب أولى به يحمله مع نفسه، حتى لا يضيع نسبه، إلا أن تخرج الأم معه، فلا ينزع منها.
ولو قال الأب: أريد النقلة، وقالت: بل تسافر لحاجة-: فالقول قول الأب؛ لأنه أعلم بنيته، وهل يحلف؟ فيه وجهان: ولو أرادت الأم سفراً إلى مسافة القصر، والأب مقيم-: كان الأب أولى به.
وإن كان سفرها سفر حاجة؛ لأنه لا حظ للولد في حمله ورده.
وكذلك: يثبت حق النقلة لكل عصبة محرم؛ كالأخ وابن الأخ والعم؛ مراعاة للنسب.
وإن لم يكن محرماً؛ مثل: ابن العم: فإن كان المولود ذكراً-: يثبت له حق النقلة، وإن كان أنثى-: فلا يثبت، ويترك عند الأم، ولا يثبت للخال ولا للأخ للأم، ولا للعم للأم؛ لأنهم ليسوا من أهل نسبه.
ولا يثبت للمعتق ولا للمحرم بالرضاع حق الحضانة، ولا حق التخيير ولا النقلة.
ولا يثبت حق الحضانة والتخيير والنقلة ممن بعضه رقيق من الأبوين؛ كما لو كان كله رقيقاً.
وإن كان الآخر حراً-: فالحق له؛ وإلا فهو كما لو كانا رقيقين، فإن كان الولد حراً فحضانته في بيت المال؛ كالنفقة، فيستأجر الإمام امرأة لتحضنه.
وإن كان الولد رقيقاً لرق الأم-: فعلى السيد حضانته، ولا يثبت للأبوين.
وإن كانت الأم حرة، والولد رقيق-: فهل للسيد نزعه من الأم؟ فيه وجهان؛ بناء على جواز التفريق بين الأم والود فيه قولان:

وإن كان الولد بعضه حراً: إن كان الأب حراً-: فعلى الأب قدر حريته من الحضانة، والباقي على المولى.
بَابُ نَفَقَةِ المَمَالِيكِ روي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "المملوك له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق".
يجب على المولى نفقة مملوكه وكسوته، سواء فيه القن، وأم الولد، والمدبر، والمرهون، ومن كان في إجارة الغير، ولا تجب عليه نفقة مكاتبه؛ لأنه كالخارج عن الملك؛ بدليل أنه لو قال: مماليكي أحرار-: لا يعتق المكاتب.
ويجب على المكاتب نفقة مملوكه، ولو كان العبد مشتركاً بين رجلين-: فعليهما نفقة كل واحد بقدر ملكه، ولا تتقدر نفقة المملوك؛ بل تجب بقدر الشبع من معروف نفقة دقيق بلده: حنطة كانت، أو شعيراً، أو ذرة، أو تمراً، أو أقطاً.
وكذلك: تجب كسوتهم من معروف لباسهم: صوفاً، أو قطناً، أو كتاناً.
فإن كان المولى من المتنعمين بلبس الثياب المرتفعة، وبأكل الأطعمة الشهية فوق ما يأكله ويلبسه عامة أهل البلد-: فيستحب أن يطعم ويلبس رقيقه مثل ذلك.
ولكن: لا يجب فوق ما يأكل ويلبس عامة أهل البلد، وما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إخوانكم خولكم؛ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس" فذلك خطاب مع العرب، وكانت أطعمتهم ولباسهم متقاربة.
فإن كان الرجل يقتات دون قوت أمثاله: إما شحاً أو تزهداً-: فهل يلزمه أن يطعم رقيقه ويلبسه فوق ذلك من عامة طعام رقيق البلد ولباسهم؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ كزكاة الفطر: تكون من غالب قوت البلد، وإن كان هو يقتر على نفسه.

والثاني: لا يلزمه فوق ما يأكل ويلبس؛ لأنه ليس من المعروف أن يزاد طعام العبد على طعام المولى.
وإن كانت له جارية ذات جمال وفراهة: يزاد في حسن لباسها، وطيب طعامها، سواء كانت يتسرى بها أو لا يتسرى بها؛ لأنه المعروف بين الناس؛ بخلاف العبد يسوي فيه بين الحسن والقبيح؛ لأنه لا يراد منه ما يراد من الجارية، وإذا ولي واحد من عبيده إصلاح طعامه-: يستحب أن يجلسه ليأكل معه: فإن لم يفعل-: يعطيه منه لقمة أو لقمتين، ويخصه من بين سائر الأرقاء؛ لأنه إذا تولى إصلاحه ربما اشتهى منه، وأقل ما يرد به شهوته لقمة؛ والدليل عليه: ما روي عن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه حره وعمله-: فليقعده، فليأكل معه، وإلا فليناوله أكلة من طعام".
وإذا زمن رقيقه أو عمي-: يجب عليه نفقته وكسوته أو بيعه أو إعتاقه: فإن لم يفعل-: باعه السلطان عليه، وإذا أتت أمته أو أم ولده بولد-: لم يكن له إجبارها على إرضاع ولد الغير إلا أن يفضل عن ري ولدها، أو يغتذي ولدها بطعام آخر يقيم بدنه- فحينئذ: له إجبارها على إرضاع ولد الغير، ويجوز له إجبار أمته وأم ولده على فطام ولدها قبل الحولين، إذا كان الولد يغتذي بالطعام، وله إجبارها على الإرضاع بعد الحولين، وإن كان يغتذي بالطعام، إذا لم يضر بالأم؛ بخلاف الحرة: إذا أراد أحد الأبوين الفطام قبل الحولين-: فللآخر إكمال الحولين، أيهما أراد الفطام-: له ذلك إذا كان الولد يغتذي بالطعام، إلا أن يتفقا على أن يزيدا-: فيجوز.
ولا يجوز للمولى أن يكلف رقيقه من العمل ما لا يطيق؛ بل يضرب عليه عملاً يطيق الدوام عليه؛ فإن كان يطيقه يوماً أو يومين، ثم يعجز-: فهو تكليف ما لا يطيق، فإذا عمل بالنهار-: تركه للراحة بالليل، وإذا عمل بالليل-: تركه يستريح بالنهار؛ فإن كان في الشتاء-: عمل بالنهار، ومن أول الليل، وفي السحر.
وإن كان في الصيف-: تركه للقائلة؛ كما هو العادة.
وإن كان للعبد زوجة-: تركه للاستمتاع بالليل، ولا يجوز أن يخارج مملوكه إلا برضاه؛ كما لا يكاتبه إلا برضاه، وهو أن يضرب عليه خراجاً معلوماً يؤديه، وإن طلب العبد ذلك-: لا يجبر الولي عليه؛ كما لا يجبر على الكتابة؛ فإن اتفقا عليه-: جاز، إذا كان له كسب.

ويحصل ما ضرب عليه من الخراج من كسبه ويفضل عن نفقته وكسوته؛ فإن لم يفضل: كانت نفقته وكسوته على المولى، وإن ضرب عليه ما لا يحصل بكسبه-: لا يجوز، وإن حصل يوم أقل، ويوم أكثر-: يجبر النقصان بالزيادة؛ لما روي عن عثمان- رضي الله عنه- قال: "لا تكلفوا الصغير الكسب؛ فيسرق، ولا الأمة غير ذات الصنعة؛ فتكتسب بفرجها".
فَصْلُ فِي نَفَقَةِ الدَّوَابِّ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "عُذِّبَتِ امْرَأةُ فِي هِرَّةٍ؛ أَمْسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الجُوعِ؛ فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا، وَلاَ تُرْسِلُهَا فَتَاكُلَ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ".
من ملك دابة-: يجب عليه علفها وسقيها، فإن لم يفعل أجبره السلطان على علفها أو بيعها أو ذبحها، إن كان مأكول اللحم، فإن لم يفعل-: أنفق عليها السلطان من ماله، فإن لم يكن له مال-: باعها عليه أو جزءاً منها، أو أكراهاً، إن أمكن إكراؤها، وأنفق عليها من الكراء حتى لو زمن أو عمي حماره، فلم يشتر-: عليه أن يعلفه، فإن لم يفعل-: باع عليه السلطان ماله في علفه، فإن لم يكن له مال-: أنفق عليه من بيت المال، ولا يجوز تضييعه؛ كالرقيق.
ولا يجوز أن يحمل عليها ما لا يطيق، ولا يحلب لبن ذات الدر ما لم يفضل عن ري ولدها.
فإن كانت الدابة مما ترعى، والأرض مخصبة-: فعليه علفها أو إرسالها للرعي، وإن كانت الأرض مجدبة: فإن كانت الدابة مما ترعى في الأرض المجدبة؛ كالنعم، وفي الأرض متعلق-: عليه أن يرسلها أو يعلفها، وإن كانت الدابة مما لا ترعى في الأرض المجدبة؛ مثل: ذوات الحوافر، أو لم يكن في الأرض متعلق علف أو موقع ثلخ-: عليه أن يعلفها في البيت.
أما غير ذي الروح من الأموال؛ كالزروع والثمار-: فلا يجبر على سقيها، ويكره ترك سقيها عند الإمكان؛ لما فيه من إضاعة المال، ولا يجب الإنفاق على عمارة الذور والعقار، ولا يكره بقدر الحاجة, والزيادة على قدر الحاجة رغبة في الدنيا-: يكره.

روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تتخذوا الضيعة؛ فترغبوا في الدنيا".
تم الجزء السادس، ويليه الجزء السابع وأوله: "كتاب القصاص"

التهذيب في فقه الإمام الشافعي

تأليف الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي المتوفي سنة 516 هـ تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء السابع يحتوي على الكتب التالية القصاص- الديات- القسامة- قتال أهل البغي- الحدود صول الفحل- السير- الجزية

منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم وبه الاستعانةُ

جارٍ التحميل