التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 92-131

بالحجارة، وهذا مُطرد إلا في ثلاث مواضع: أحدها: إذا قتله بسحرٍ - يُقتل بالسيف؛ لأنه لا يمكن أن يقتله بمثله؛ لأنه محرمٌ في نفسه.
الثاني: إذا تلوط بصبي، فمات.
الثالث: إذا أوجره خمراً، فمات - يستوفي بالسيف؛ لأنه فعل كبيرة لا يباح ارتكابها.
وقال أبو إسحاق في اللواط: يدخل فيه خشبة مثل آلته، وفي الخمر يوجر شيئاً من خل أو ماء؛ حتى يموت.
قال رحمه الله: ولو أوجره ماءً نجساً، فقتله - يوجر ماءً طاهراً، ولو قتله بسكينٍ كالٍّ - هل يقتل بمثله؟ [فيه] وجهان.
وكل موضع أثبتنا القصاص بطريقة: فإن كان ألقاه في ماء أو نار يلقى في نار مثلها، أو ماء مثله، ويترك قدر ما [تركه] [فيه] وإن حبسه [بلا طعام]- حبس بقدره، وإن ألقاه من شاهق - يلقى من مثله في مهواة وصلابة الأرض، أو ضربه بمثقلٍ - يُضرب بمثله، أو ضربه عدداً من السياط - يضرب مثلها، فإن لم يمت - ففيه قولان: أحدهما تُجز رقبته؛ لأنه فعل به مثل فعله، وبقي إزهاق الروح؛ فيكون بالسيف.
والثاني: [يُحرق بالنار] حتى يموتن ويوالي عليه بمثل فعله؛ حتى يموت؛ كما لو حز رقبته بضربةٍ، ولم يحصل ذلك من الولي بضربةٍ واحدةٍ - يزيد عليه حتى يقتله.
أما غير الموحي من [القتل؛ مثلُ] أن يجرحه، فيموت بسرايته - نظر: إن كانت تلك الجراحةُ: لو وقفت - يجب فيها القصاص؛ مثل: أن أوضحه أو قطع يده، أو عضواً منه، فمات - فله أن ستوفي بذلك الطريق، وإن شاء - حز رقبته، وإن شاء أوضحه، أو قطع يده، ثم حز رقبته في الحال أو أمهله بعد القطع، فإن لم يمت بحز رقبته.

وعند أبي حنيفة: ليس له قطع يده، بل تحز رقبته.
وبالاتفاق: لو قطع يد إنسانٍ، ثم حز رقبته - فللولي أن يقطع يده، ثم يجز رقبته.
وعند أبي يوسف ومحمد؛ ليس له قطع يده، بل يجز رقبته؛ كما في السراية.
وإن كانت تلك الجراحةُ: لو وقفت - لا قصاص [عليها]؛ مثل: أن أخافه أو هشمه؛ فمات، أو قطع يده من نصف الساعد؛ فهلك [فيه- فهل] له أن يستوفي بذلك الطريق؟ فيه قولان: أصحهما: لا، بل يجز رقبته؛ كما لو وقفت تلك الجراحة - لم يكن له أن يقتص منها.
والثاني: له ذلك؛ لأن إفاتة النفس ثابتةٌ له؛ فله إفاتتها بالطريق الذي فعله الجاني؛ كما لو حرقه بالنار فله تحريقه؛ بخلاف ما لو وقفت الجنايةُ؛ لأن - ثم- إفاتة النفس غير جائزةٍ، والجرح إذا لم يكن له مفصلق - لايؤمن فيه من الهلاك؛ وكل: لو قطع يداً شلاء؛ فمات منه، ويد القاطع صحيحةٌ، أو قطع ساعداً لا كف عليه؛ فمات، ويد القاطع صحيحةٌ فهل له استيفاء القصاص بطريق قطع اليد والساعد، أم يجز رقبته؟ فعلى هذين القولين: فإن قلنا: له أن يستوفي بطريق الجائفة: فإن أجافه، فلم يمت ليس له أن يوالي عليه بالجوائف، بل يجز رقبته.
وخُرج قول آخر من الإلقاء في النار، والرمي من الشاهق إلى ههنا له أن يوالي عليه بالجوائف حتى يموت ولا يصح هذا التخريج؛ لأن الجائفة الثانية جنايةٌ أخرى لم يفعلها الجاني كما لو قطع يده، فمات، فقطع الولي يده، ولم يمت - لم يكن له أن يقطع يده الأخرى ورجله.

وخُرج قولٌ من الجائفة على التحريق والتغريق والرمي من الشاهق: أنه لا يستوفي بذلك الطريق، بل يحز رقبته.
والصحيح: الفرق بينهما؛ لأن الإلقاء في النار، ومن الشاهق موج؛ فلا يطول عليه التعذيب؛ ما لو لم يحصل حز الرقبة بضربة واحدة - يُزاد: وأما الجائفة - فغير موجبة؛ فربما لا يموت منها، ويدع الولي قتله؛ فيكون قد عذبه بما لا قصاص في مثله: فإن قلنا: له أن يستوفي بطريق الجائفة: فلو قال: أنا أجيفه؛ فإن لم يمتن أعفوا عنه، [أو قال: أرميه من الشاهق؛ فإن لم يمت، أعفو عنه]- لم يكن له ذلك.
ولو أجافه، ثم عفا، وترك [قتله]، وقال: لم أرد قتله عُزرُ عليه، ولم يجبر على قتله.
فإن سرى بان أن العفو باطلٌ، ولو جنى على طرفه جناية يستوفي بطريقة إن أمكن كما في النفس: [فإن فقأ عينه] بإصبعه - يقتص بالإصبع، فإن استوفاه بحديدةٌ - جاز، ولو جنى على رأسه جناية، هب ضوء عينه - يُنظر: إن كانت تلك الجناية مما يجب بها القصاص؛ كالموضحة - يفعل به مثل فعله، فإن ذهب ضوء عينه - فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب- يعالج بما يزيل ضوء البصر، وإن كانت تلك الجناية مما لا يجب بها القصاص؛ كالهاشمة -[لا تهشم رأسه، بل يؤخذ أرش الهاشمة]، ويعالج بما يزيل ضوء البصر: من كافور يُجعل في عينه أو يُكحل بدواءِ، أو يقرب من عينه حديدةٌ محماةٌ؛ حتى يذهب [ضوء] بصره، ولا تخرج حدقته: فإن لم يمكن إلا بخروج الحدقةِ - لا يقتص، بل يصارُ إلى

الدية؛ كما لو ضرب يده، فشلت -لا يقتص؛ بل تؤخذ الدية، ولو لطمه، فذهب ضوء عينه - فقد قيل: يلطم؛ فإن ذهب ضوء عينه - وإلا يعالج بما ذكرنا، وقيل - وهو الأصح-: لا يلطم؛ بل يعالج بما ذكرنا؛ كما في الهاشمة؛ لأنه لا يمكن اعتبارُ المماثلة في اللطم؛ وكذلك لا يقتص منه عند الانفراد.
ولو أوضح رأسه بالسيف - لا يقتص بالسيف؛ لأنه لا يؤمن منه الهاشمة، بل يستوفي بحديدةٍ خفيفةٍ حادة.
باب القصاص في الشجاج والجراح قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].
والقصاص يجري فيما دون النفس من الجراح وقطع الأطراف؛ كما يجري في النفوس غير أنهما يفترقان في شيئين: أحدهما: أن محل القطع لا يراعى في النفس؛ حتى لو قطع طرف إنسان [فمات للولي] أن يحز رقبتهن وفي الطرف يراعى المحل.
الثاني: أن القصاص يجب في النفس بالسراية، ولا يجب في الطرف؛ لأن القصاص في النفس يجري في الروح، والروح ليس في محل معلوم يمكن قصد إتلافه مشاهدة؛ فيكون إتلافه [بالجناية عند] الأطراف، وأما الطرف يمكن إتلافه بالجناية عليه قصداً، فإذا تلف بطريق السراية - لا يجب القصاص؛ لأنه لم يقصد إتلافه، إلا البصر: فإنه إذا ضرب على رأسه فذهب [ضوء] بصره - يجب القصاص؛ لأن البصر حاسة لطيفةٌ يقصد إفاتتها بالجناية على غير محلها.
ثم الجناية على ما دون النفس نوعان: جرح يُشق وطرفٌ يقطع، فكل جرح ينتهي إلى عظم يجري فيه القصاص، وما لا ينتهي إلى عظم - لا قصاص فيه، وكذلك كسر العظم، لا قصاص فيه؛ لأنه لا يمكن مراعاةُ المماثلة فيها.
أما الأطراف - فقطعها يجري فيها القصاص عند السلامة

وتفصيله: أن الشجاج في الرأس والوجه عشرةٌ.
الحارصة، وهي: التي تحرص الجلد، وتخدشه.
والدامية وهي: التي تشق الجلد وتدمي.
والباضعة، وهي: التي تبضع اللحم وتقطعه.
والمتلاحمة، وهي: التي تغور في اللحم.
والسمحاق، وتسمى الملطاة، وهي: التي تصل إلى جلدة رقيقةٍ بين اللحم والعظم سميت سمحاقاً [به]؛ لرقة تلك الجلدة، ويقال لكل شيء رقيقٍ: سمحاقٌ.
والموضحة، وهي: التي توضح العظم وتظهره.
والهاشمة، وهي: التي تهشم العظم، وتكسره.
والمنقلة، وهي: التي تنقل العظم من موضع إلى موضع، أو يحتاج إلى النقل لتلتئم.
والمأمومة، وتسمى الأمة وهي: التي تبلغ خريطة الدماغ، وتسمى تلك الخريطة أم الرأس.
والدامغةُ: هي: التي تخرق الخريطة، وتصل إلى الدماغ، فلا تتصور الحياة بعدها، ولا قصاص في شيء من هذه الشجاج إلا في الموضحة، وما دون الموضحة من الشجاج ليس لها أرش مقدر، إنما يجب فيها الحكومة، فإن كان تحت هذه الجراحة على رأس المشجوج موضحةٌ، يُعرف بها قدر عمق هذه الشجة من الموضحة؛ نصفٌ أو ثلثٌ - يجب بقدره من أرش الموضحة، وإن لم يعرف، فيوجب بقدر ما يتيقن.
وفيه قول آخر - وهو ظاهر نقل المزني-: أنه يجب القصاص فيما دون الموضحة، إذا عُرف بأن يكون على رأس كل واحد موضحةٌ تشج [من جنبها] شجة عمقها قدر نصف عمق الموضحة، أو ثلثه، فيشج من رأس الجاني بقدر نصف موضحة الجاني أو ثلثه، ولا ينظر إلى أن يكون غلظ جلد أحدهما ولحمه أكثر من الآخر.
والأول المذهب أن لا قصاص، وهو رواية الربيع.
وفي الموضحة: القصاص أو خمسٌ من الإبل.

وفي الهاشمة عشرٌ من الإبل، فإن كان قد أوضح وهشم - فله أن يقتص من الموضحة، ويأخذ ما بين الموضحة والهاشمة من الدية وهو خمسٌ من الإبل.
وعند أبي حنيفة: ليس له ذلك؛ بل له الأرش وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، فإذا أراد أن يوضح ويأخذ عشراً من الإبل - يجوز.
وفي المأمومة: ثلث الدية، وله أن يوضح، ويأخذ ما بين الموضحة والمأمومة، هو ثمانية وعشرون من الإبل؛ وثلث.
وفي الدامغة: القصاص في النفس، أو كمال الدية، وإذا شجه، فشك؛ هل أوضح أم لا؟ يُقرع بالمرود؛ حتى يعرف، ولا يقتص بالشك؛ حتى يقر الجاني أو يشهد شاهدان.
وإذا أراد الاقتصاص عن الموضحة يذرع موضحة المشجوج بمقياس، ويحلق ذلك الموضح من رأس الشاجِّ، ثم يخيط عليه، خيطاً أسود أو أحمر بقدره، فإن لم يحلق - فقد أساء، ثم يضبط الشاج [كما يضبط الصبي عن الختان] حتى لا يضطرب؛ فتزداد الموضحة، ويوضح رأسه بحديدة حادة، ولا ينظر إلى أن يكون علظ جلدٍ أحدهما ولحمه أكثر [من الآخر]؛ يقطع اليد السمينة بالهزيلة، فلو زاد في الإيضاح باضطراب الجاني - لا شيء على المقتص وإن لم يكن باضطرابه [ينظر: فإن] تعمد يقتص منه، ولا يقتص إلا بعد اندمال الموضحة الأولى، وإن أخطأ، فعليه دية موضحةٍ كاملةٍ، ولو اختلف فقال المقتص: أخطأت، وقال المقتص منه: تعمدت فالقول قول المقتص مع يمينه؛ لأنه أعرف بنيته، وإن قال المقتص: حصلت الزيادة باضطراب، وأنكر المقتص منه - فوجهان: أحدهما: القول قول المقتص مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
والثاني: القول قولُ المقتص منه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الاضطراب.
ولو أوضح موضعاً من رأسه ليس له أن يقتص من موضع آخر، بل يستوفي قدرها من موضعها، فإن كان قدرها قد يزيد على مثل موضعها من رأس الشاج؛ لصغر رأسه - يستوفي بقدرها، وإن جاوز الموضع الذي نتجه مثل إن أوضح هامته، وهامةٌ الشاج أصغر - فيكمل من

الشاج قدر هامة المشجوج، ولا ينزل إلى الوجه والقفا؛ لأن ليس برأس.
وإن أوضح جميع رأس إنسان واختلف الرأسان - نظر: إذا كان رأس الشاج، أكبر - فليس له أن يوضح جميع رأسه، بل يقدر ما أوضح مساحةً في أي موضع شاء من رأس الشاجِّ، فإن أراد أن يستوفي بعض حقه من مقدم رأسه.
والبعض من مؤخره - هل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه يستوفي موضحتين؛ فكان موضحةً واحدة.
والثاني: يجوز؛ لأن جميع رأسه محل جنايته، وإن كان رأس الشاج أصغر، فله أن يوضح جميع رأسه، ولا ينزل عن حد الرأس إلى الجبهة والقفا، ثم يوزع أرش الموضحة على جميعها؛ فبقدر ما بقي - يأخذ؛ بخلاف ما لو أوضح رأسه قدر أنملتين، فاستوفى قدر أنملةٍ، وأراد: أن يأخذ الأرش للباقي - ليس له ذلك؛ لأن - ثمة - محل القصاص باقٍ أمكنه استيفاءُ الكل، وقد استوفى ما يقابله تمام أرش الموضحة، فلم يكن له أخذ شيء آخر، بخلاف ما لو أوضح رأسه في موضعين - له أن يقتص من أحدهما، ويأخذ دية موضحةٍ كاملةٍ عن الأخرى؛ لأنهما جنايتان منفصلتان؛ ما لو قطع أصبعين - له أن يقتص عن أحدهما، ويأخذ دية الأخرى.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله - إذا كان رأس الشاج أصغر - فالمشجوج بالخيار: بين أن يقتص؛ ولا شيء له من الدية - وبين أن يترك القصاص؛ ويأخذ الدية؛ كما لو كان يدُ القاطع أصغر - لا شيء له إذا اقتص.
قلنا: بينهما فرقٌ؛ من حيث عن في اليد يُراعى [الاسم وفي الموضحة: تعتبر المساحةُ؛ بدليل أن يد القاطع: لو كانت أكبر يقتص منه، وإن كان رأس الشاج أكبر - لا يوضح جميع رأسه [هـ] وتتصور في الجبهة الجراحات العشرُ التي ذكرنا [ها مع] الرأس.
فلو أوضح جميع جبهته، وجبهة الشاج أضيق - يوضح جميع جبهته، ولا يرتقي على هامته، بل يأخذ الأرش بالباقي؛ كما لو أوضح برأسه، ورأشُ الشاج أصغرُ - لا ينزل إلى الجبهة.

ويتصور في الوجنة واللحي الأسفلِ - ما دون المأمومة من الجرحات؛ فإذا أوضح وجنته أو لحييه، أو ضرب من لهاته من باطن فمه؛ أعلى أو أسفل، أو موضع العظم من أنفه؛ فأوصل إلى العظم - يجب فيه القصاص أو خمسٌ من الإبل.
ولو هشم أو نقل - يجب أرشهما، أما ما عدا الرأس والوجه: إذا جرحه، فأوصله إلى العظم؛ بأن ضرب على صدره أو عنقه أو ساقه وساعده؛ فأوصله إلى العظم - تجب فيه الحكومةُ، وهل يجب القصاص؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب؛ كما لا يجب له بدلٌ مقدر: بخلاف الرأس والوجه؛ فإنهما محل الجمال ومجمع المحاسن؛ فالشين والقبح فيهما يكون أكثر، والخطر أعظم.
والثاني: وهو الأصح-: يجبُ القصاص؛ لأنه ينتهي إلى عظم؛ فيمكن الاقتصاص منه.
ولو لم يكن له بدل مقدر؛ كالإصبع الزائدة، واليد الشلاء، والعين القائمة - يجب فيها القصاصُ.
وإن لم يكن لها أرشٌ مقدر: فإن قلنا: يجب القصاص-: فإن كانت الجناية على الساعد، وزاد] قدرهُ على ساعد الجاني؛ لصغر ساعد الجاني - فليس له أن ينزل إلى الكف، ولا أن يصعد إلى العضد.
وإن كان على الساق - فلا ينزل إلى القدم، ولا يصعد إلى الفخذ؛ ما ذكرنا في موضحة الرأس.
فصل في قطع الأطراف قال الله تعالى: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ [البقرة: 178] الآية: كل طرف له مفصلٌ معلومٌ - ثبت فيه القصاص.
فإن فقأ عينه - يقتص منه، وإن ضرب على رأسه؛ فذهب ضوء بصره - يقتص إن أمكن

الاقتصاص من غير جرح الحدقة، ولا تؤخذ العين الصحيحة بالعين القائمة [وإن رضي به الجاني؛ لأنه يستوفي أكثر من حقه، وتؤخذ العين القائمة بالعين] [القائمة والصحيحة] بالصحيحة إذا رضي به المجنيُّ عليه [لأنه يقتص] عن حقه.
ويقطع جفن العين بالجفن، ولا يؤخذ الأعلى بالأسفل، ولا الأسفلُ بالأعلى؛ كما لا تقطع اليمنى بالشمال، ويقطع جفن البصير بجفن الأعمى؛ لأن البصر لا يحل الجفن؛ فليس في الجفن نقصٌ.
ولو قطع مارن أنفه - ففيه القود أو كمال الدية.
ولو قطع بعض أنفه من المنجز - يقتص منه بذلك القدر، أو يؤخذ بقدره من الدية.
ولو قطع الحاجز من المنخرين - ففيه القصاص [أو الحكومة.
ولو قطع أنفه مع القصبة - فله القصاص] من المارن، أو كمال الدية، وتفرد القصبة بالحكومة، لأنها ليست من جنس المارن، ولا قصاص فيها؛ لأنه ليس لها مفصلٌ ينتهي إليه، وتقطع الأنف الأقنى بالأنف الأفطس، وأنفُ الصحيح بأنفِ الأخشم؛ لأن الشم لا يحل حِرْمَ الأنف؛ فليس من الأنف نقصٌ؛ بخلاف ما لو قلع حدقة أعمى - لا يقتص به البصير، ولا يقطع لسان الناطق بلسان الأخرس؛ لأن البصر يحل ذات الحدقة، والنطق يحل حرم اللسان؛ فالأعمى والأخرس ناقصُ العضو؛ [فلا يقطع] به الكاملُ، وتقطعُ أنفُ

الصحيح بأنف الأجذم؛ إذا كانت في حالة الاحمرار، فإذا كان الجذام أثر في أنفه حتى اسودت - فلا قصاص لأنها دخلت في حد البلى، وفيها الحكومةُ.
وتقطع الأذن بالأذن، وإن قطع بعض أذنه - يقتص منه، [بذلك] القدر، أو يؤخذ بقدره من الدية، ويعتبر التقدير بالجريمة بالنصف والثلث، لا بالمساحة، حتى لو قطع نصف أذنه - تقطع نصفه؛ سواء كان أكبر أو أصغر؛ كما يقطع كله بكله.
وإنما لم نعتبر المساحة؛ لأنه قد يكون أذن الجاني أصغر، فتؤدي إلى قطع جميع أذنه ببعض أذن المجني عليه؛ وكذلك في الأنف واللسان والشفة، وتقطع أذن السميع بأذن الأصم؛ لما ذكرنا أن السمع لا يحل جرم الأذن.
وتقطع الأذن الصحيحة بالمثقوبة، والمثقوبة بالصحيحة؛ لأن الثقب فيها ليس بنقص، بل هو للزينة.
فإن كانت مخرومة - لا تقطع بها الصحيحة، بل تقطع من الصحيحة بقدر ما صح من المخرومة، أو يأخذ بقدره من الدية، وتقطع المخرومة بالصحيحة، ويأخذ من الدية بقدر ما سقط منها، وكذلك في الأنف، ولو قطع أذن إنسانٍ، ثم المجني عليه ألصقها بالدم الحار، فالتصقت - لا يسقط القصاص عن الجاني ولا الدية، ويقطع ما ألصقه المجني عليه؛ لحق الله تعالى؛ لأنها ميتةٌ لا تصح الصلاة معها، وكل لو أن المجني عليه [اقتص من الجاني، ثم الجاني ألصقه - لم يكن للمجني عليه قطعه] بل هو مستحق القطع شرعاً؛ وذلك إلى السلطان.
ولو قطع بعض أذنه، ولم يُبنه - فله أن يقتص منه لذلك القدر، أو يأخذ بقدره من الدية، ولو ألصقه المجني عليه - لم يقطع، وإن بقي متعلقاً بجلدة؛ لأنه لم يصر ميتةً بالإبانة، وتسقط الدية والقصاص عن الجاني بالإلصاق، وعليه حكومةٌ كالإقصاء؛ إذا اندمل - تسقط الدية، وإذا جاء آخر، وقطعها بعد أن التصقت - فعليه القصاص أو كمال الدية: فقيل: لا يسقط القصاص والدية عن الأول بالإلصاق؛ كالموضحة إذا اتصلت واندملت - لا يسقط القصاص والأرش عن الجاني ولو [جاء] آخر فأوضعها ثانياً - فعلى

الثاني القصاص وأرش الموضحة.
ولو قطع أذنه، (فأبانها) فقطع المجني عليه بعض أن الجاني، وألصقه [الجاني] فالتصق - فللمجني عليه أن يعود فيقطعه؛ لأنه [استحق إبانته]، ولم يوجد ذلك، وتقطع الشفة بالشفة، وهو ما يستر اللثة من أعلى وأسفل مستديراً بالفم؛ سواء استويا في الغلظ والدقة أو اختلفا.
ولو قطع بعضه -يقطع بقدره، ولا يقع الأعلى بالأسفل، ولا الأسفلُ بالأعلى.
وكذلك يقطعُ اللسان باللسان، ولو قطع بعض لسانه - يقطع بقدره، ولا يقطع لسان الناطق بالأخرس؛ وإن رضي به الجاني، ويقطع لسان الأخرس بالناطق إذا رضي به المجني عليه، ويقطع لسان البالغ الناطق بلسان الرضيع، إذا كان يحرك لسانه عند بكاء أو غيره، فإذا كان لا يحركه - فلا يقطع.
وإذا كان يحركه؛ لكنه لا يتكلم، وقد بلغ [أو إن] الكلام - لم يقطع به الناطقُ، وفيه الحكومةُ، وبلوغ أوان الكلام يختلفُ.
وعند أبي حنيفة: لا يقطع لسان المتكلم بالرضيع.
ولو قلع سنة - يقتص منه، ولو كسره - فلا يقتص منه؛ لأنه لا يمكن حفظ المماثلة فيه، ويجب بقدر ما كسر من دية السن، ولا تؤخذ السن الصحيحة بالمكسورة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة، ويؤخذ بقدرِ ما انكسر من الدية فإن قلع سن مثغور - يقلع سنهُ في الحال، وإن قلع سن غير مثغورٍ - فلا يؤخذ القصاص، ولا الدية في الحال؛ لأن الغالب أنها تثبت؛ بخلاف المثغور.
ثم إن نبت، ولم يبق أثرٌ - فلا شيء على الجاني، وقيل: تجب حكومةٌ باعتبار حالة الألم.
وإن نبت سوداءُ أو خضراءُ أو عوجاء أو خارجةٌ عن سمت الإنسان، أو بقي بعد النبات

أثرٌ أو شينٌ - فعليه الحكومة وإن نبتت أطول، أو معها سنٌّ شاغيةٌ - قال بعض أصحابنا: لا يجب عليه شيءٌ، وإن حصل بها شينٌ؛ لأن الزيادة لا تكون من الجناية، وقيل: إذا نبت أطول - ففيه حكومةٌ المشين الحاصل بالطول؛ كما في الشين الحاصل بالنقص.
قال الشيخ - رضي الله عنه-: وكذلك إذا نبتت معها سن شاغية.
وإن نبتت أقصر - فعليه بقدر النقصان من دية السن، وإن بلغ أوان النبات، فلم تنبت - يرى أهل البصر: فإن قالوا نبتت إلى مدة كذا - ينتظر إلى تلك المدة، وإن قالوا: لا تنبت - ففيه القصاص أو كمال دية السن غير أن القصاص لا يستوفي؛ حتى يبلغ، فإن مات قبل البلوغ - فلوارثه أن يقتص، وإن مات الصبي قبل بلوغه أوان النبات - فلا يجب [القصاص؛ لأنه يسقط بالشبهة، [فلا يجب] مع الشك، وهل تجب الدية؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب؛ لتحقق الجناية، ووقوع اليأس من نباتها.
والثاني:

-[وهو الأصح]-

: لا يجب؛ لأن الغالب نباتُها لو عاش، فم يتحقق الإتلافُ؛ كما لو نتف شعره، فمات قبل أن ينبت.
فأما إذا قلع سن مثغورٍ، فنبت - هل يسقط القصاص عن الجاني؟ فيه قولان: أحدهما:- وبه قال أبو حنيفة-: يسقط القصاص والدية؛ كسن غير المثغور؛ إذا نبتت - فلا يجب إلا الحكومة إن بقي له أثر؛ لأن العادة لم تجر بنبات سن المثغور، فإذا ثبتت فهي نعمة، أفادها الله تعالى، فلا يسقط.
والثاني: وهو اختيار المزني - لا يسقط به حقه عن الجاني؛ كما لو قطع لسانه؛ فنبتت؛ فإذا نبت - فهي نعمة أفاده الله تعالى؛ فلا يسقط به حقه عن الجاني؛ كما لو قطع لسانه، فنبت - لا يسقط حقه في القصاص، والدية؛ [لأن نباته بعيدٌ في العادة] وقيل: في نبات اللسان - أيضاً - قولان:

والمذهب الفرق، وهو: أن - في اللسان - لا يسقط القصاص، والدية؛ لأن نباته بعيدٌ في العادة.
فإذا اتفق - فهو نعمةٌ وكراهةٌ أكرمه الله تعالى بها، ولا يسقط حقه عن القصاص فإن قلنا: لا يسقط - يقتص في الحال، أو تؤخذ الدية، وإن قلنا: تسقط الدية بنبات السن - فيرجع إلى أهل البصر؛ فإن قالوا: لا يرجى نباته - يقتص في الحال، وإن قالوا: يُرجى نباته إلى وقت كذا - ينظر إلى تلك المدة: فإن مضت، ولم ينبت - يقتص، وإن مات قبل انقضاء تلك المدة - لا يقتص، وهل تجب الدية؟ فيه وجهان: وإن نبتت سن المجني عليه بعد استيفاء القصاص أو الدية - لم يكن للجاني قلعها، وهل تجب على المجني عليه [رد] الدية؟ فعلى القولين: [وإن نبتت] سن المجني عليه، فقلعها الجاني ثانياً: إن قلنا: حقه لا يسقط بالنبات - فعلى الجاني ديتان أو قصاص ودية، وإن قلنا: يسقط - فلا يجب إلا دية واحدة، وإن كان قد استوفى قصاصاً عن الأول [أو دية] فقد استوفى حقه، أما إذا نبت سن الجاني بعدما اقتص منه - فعلى القولين: إن قلنا: نعمةٌ أفاده الله تعالى - فلاشيء للمجني عليه؛ لأنه قد استوفى حقه.
وعلى القول الآخر يأخذ منه الدية، وهل له قلع سنِّهِ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه قد اقتص حرةً؛ فلا تثنى العقوبة عليه.
والثاني: له قلعها، وإن نبتت مراراً؛ لأن الجاني أعدم سنةُ؛ فله القلع ثانيا وثالثاً حتى يعدم سنه.
وإن نبتت سنهما جميعاً - فلا شيء لأحدهما على الآخر على القولين جميعاً.
ولو قلع سن رجلٍ، ولا سن للجاني في محلها - يجب عليه دية سنٍّ.
فلو نبت بعده سنة -لا قصاص لأنها لم تكن موجودة يوم الجناية؛ بخلاف الحامل إذا

وجب عليها القصاص - لا يستوفي في الحال، فذا وضعت - يستوفي؛ لأنها كانت موجودة يوم الجناية، والله أعلم.
صل وتقطع اليد باليد، والرجل بالرجل، والإصبع بالإصبع، والأنملة بالأنملة؛ إذا قطعها من مفاصلها؛ سواء استوى الطرفان في الصغر والكبر، والطول والقصر، أو اختلف.
كما لا تعتبر هذه المعاني في النفوس؛ لأنه لو اعتبر هذه المعاني - لم يتصور ثبوت القصاص؛ لأنه قل ما تتفق استواء النفوس والأطراف في هذه المعان.
فإن قطع اليد من الكوع، أو من المرفق، أو قطع الرجل من الكعب، أو من الركبة- يقطع [من] ذلك الموضع.
ولو قطع اليد من المنكب، أو الرجل من الفخذ: فإن أمكن أن يقتص من غير جائفة - يقتص منه، وإن خيف من الجائفة - لا يقتص من ذلك الموضع، بل يقتص من مفصل [دونه]، وتؤخذ الحكومة للباقي.
ولو قطع بعض يده من الكوع - فلا قصاص على ظاهر المذهب؛ لأنها ليست جنساً واحداً؛ فلا يمكن اعتبار المماثلة فيه؛ بخلاف الأنف والأذن.
ولو قطعها، وبقيت متدلية بجلده - يجب القصاص أو كمال الدية، ولو قطع يده من الكوع - فله أن يقتص؛ فإن عفا - فعليه ديةٌ [يدٍ]، ويدخل في حكومة الكف.
وكذلك: لو قطع رجله من الكعب - فعفا عليه دية رجل، ويدخل فيها حكومة القدم.
فلو قال المجني عليه: أنا أقطع أصابعه - لم يكن له ذلك؛ لأنه يمكنه قطع محل جنايته، فإن فعل - عذرِّ؛ كما لو حز رقبة إنسانٍ - لم يكن للولي قطع طرفه، فإن فعل - عُزر فإذا التقط أصابعه - لا حكومة له في الكف، وهل له أن يعود؛ [فيقطع كفه؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ كما في النفس: لو قطع يده - له أن يعود] فيحز رقبته، وكذلك كل مفصلٍ قطعه وأمكنه استيفاء القصاص من ذلك المفصل - لم يكن له أن يقطع من مفصلٍ دونه

مثل إن قطع يده من المرفق فيقتص منها، فإن عفا يأخذ دية يدٍ، وحكومة [للساعد ولا تدخل حكومة] الساعد في دية الأصابع؛ بخلاف حومة الكفِّ - تدخل في دية الأصابع؛ لأن الكف مثبت الأصابع.
وكذلك: لو قطع رجله من الركبة، فعفا - يأخذ دية رجلٍ، وحكومة للساقٍ.
ولو أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ [حكومة الساعد، أو في الرجل؛ أراد أن يقطع من الكعب، ويأخذ] حكومة الساق لم يكن له ذلك؛ لأنه يمكنه استيفاء جميع حقه في محل جنايته.
فإن قطع يده من الكوع - فلا حكومة.
(قال رحمه الله: عندي: تثبت له حكومة الساعد؛ لأن الساعد - يُفرد بالحكومة عند أخذ دية اليد؛ فعند قطع اليد أولى، وهل له أن يعود، فيقطع مرفقه؟ فعلى الوجهين.
وعلى الوجهين: إذا لم تقطع، [له عندي] حكومة الساعد [ولو قطع يده من نصف الساعد - لم يكن له قطعه من ذلك الموضع؛ لأنه لا مفصل له؛ فلا يمكن اعتبار المماثلة فيه.
ولو قطع يده من الكوع، [وأخذ] حكومة لنصف الساعد.
وإن عفا - يأخذ دية يد وحكومة.
قال الشيخ: ولو قطع أصابعه، وترك قطع الكوع - لم يكن له أن يعود، فيقطع من الكوع؛ لأنه لا يمكنه وضع السكين على محل جنايته، وأثبتنا له قطع ما دونه، وقد قطع.
قال الشيخ: ولا يجب حكومةُ الكفِّ؛ لأن حكومتها تدخل في بدل الأصابع، وقد استوفى الأصابع، وله حكومة نصف الساعد].
قال الشيخ - رحمه الله-: وجملةُ هذا التفصيل: أنه إذا قطع يده من الكوع - لم يكن له التقاط أصابعه، فلو فعل - عُزر، ولو أراد أن يعود، فيقطع كفه - يجوز، فلو ترك - فلا حكومة له للكفِّ؛ لأنه ليس له إلا دية الأصابع، وقد استوفاها؛ كما لو قتل رجلاً - لم يكن للوي قطع يده، فلو قطع يديه عُزر، وله أن يعود، فيحز رقبته، ولو عفا عن حز الرقبة

  • لا دية لهم؛ لأنه قد استوفى بقطع اليدين ما تقابله الدية [ولو قطع يده من نصف الساعد - عليه دية وحكومة الساعد] ولو قطع يده من الكُوعِ، ويأخذ حكومة الساعد.
    ولو التقط أصابعه - لم يكن له أن يعود، فيقطع كوعه؛ بخلاف ما لو قطع من المرفق، ولا حكومة [له] للكفِّ، وله حكومةُ نصف الساعد.
    ولو قطع يده من المرفق - فعليه دية يدٍ وحكومة، وإذا أراد القصاص - قطع مرفقه، ولم يكن له قطع كوعه، فإن قطع كوعه - عُزر، وله أن يعود، فيقطع مرفقه، وإن لم يقطع مرفقه - فله حكومة المرفق؛ لأنه يفرد مع الدية؛ فمع القصاص أولى.
    ولو قطع يده من نصف العضد - فعليه دية يدٍ وحكومتان.
    وإن أراد القصاص قطع يده من المرفق، فلو قطع من الكوع - له ذلك؛ لأن الكل مفصل دخل في الجناية، ويأخذ حكومة الساعد والعضد، ولا يجوز أن يعود، فيقطع مرفقه؛ لأنه ليس محل جنايته.
    [ولو قطع يده من نصف الساعد - لم يكن له قطعه من ذلك الموضع؛ لأنه لا مفصل له؛ فلا يمكن اعتبار المماثلة فيه.
    ولو قطع يده من الكوع، فيأخذ حكومة] لنصف الساعد، وإن عفا - يأخذ دية يدٍ وحكومة.
    قال الشيخ - رحمه الله -[ولو قطع أصابعه، وترك قطع الكوع - لم يكن له أن يعود، فيقطع من الكوع؛ لأنه لا يمكنه وضع السكين على محل جنايته، وأثبتنا له قطع ما دونه، وقد قطع.
    قال الشيخ رحمه الله: ولا يجب له حكومة للكف؛ لأن حكومتها تدخلُ في بدل الأصابع، وقد استوفى الأصابع؛ فله حومة نصف الساعد].
    ولو قطع يده من نصف العضد - فله أن يقتص من المرفق، ويأخذ حكومة الباقي، وإن عفا أخذ دية يدٍ وحكومتين: حكومة الذراع وحكومة لنصف العضُدِ.
    فلو قال: أنا أقتص من الكوع، وآخذُ حكومةَ الساعد - فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يستوفي من موضعٍ أقرب إلى محل الجناية وهو المرفقُ؛ كما لو قطع يده من المرفق - لم يكن له أن يقطع كوعه.

والثاني: وهو الأصح -: يجوز- لأن جميعه مفصلٌ واحدٌ في [محل] الجناية؛ فهو يترك بعض حقه؛ بخلاف ما لو قطع يده من المرفقين لأن هناك يمكنه أن يستوفي جميع حقه في محل جنايته، وههنا: لا يمكنه، فإن قلنا: لا يجوز - فله قطع كوعه.
قال [الشيخ] رحمه الله: فلو فعل، ثم أراد أن يعود، فيقطع مرفقه - لم يكن له ذلك؛ بخلاف ما لو قطع يده من المرفق، فاستوفى من الكوع، ثم أراد قطع مرفقه- جاز على أصح الوجهين؛ لأن - ثَمَّ - أمكنه وضع السكين على محل جنايته، وههنا: لا يمكنه وضع السكين على محل جنايته، وجوزنا له قطع ما دونه للضرورة، وقد قطع] ما دونه؛ فلا قطع له بعده، ولا حكومة للساعد.
وتجب حكومةُ نصف العضد.
[قال رحمه الله]: وعندي تجب حكومة الساعد أيضاً: كما ذكرتُ في قطع المرفق؛ لأن حكومة الساعد، إذا لم تدخل في دية ما دونه - فأولى أن ألا تدخل في قطع ما دونه، ولو قطع يده من نصف الكف - لم يكن له أن يقتص من ذلك الموضع؛ لأنه لا مفصل له، وله أن يقطع أصابعه، فإن عفا - أخذ دية الأصابع، وتدخل فيها حكومةُ نصف الكف، وإن قطع أصابعه - هل له أن يأخذ حكومة نصف الكفِّ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو أخذ الدية - لا حكومة له.
والثاني: [- وهو الأصح-] له ذلك؛ بخلاف الدية - لأنه أخذ الدية استيفاءٌ حكمي؛ فيمكن أن يجعل في مقابلة الكل، [والقصاص استيفاءٌ حسيّق؛ فلا يمكن أن يجعل في مقابلة الكف] ونصف الكف باقٍ، ولو قطع يداً شلاء، ويد القاطع صحيحةٌ - لا تقطع يده الصحيحة بها، وإن رضي به: فلو قطع المجني عليه يده - يجب عليه نصف الدية، وعلى الجاني الحكومة.
ولو سرى يد الجاني إلى النفس - يجب عليه القصاص؛ لأنه قطع ما لم يكن له قطعه.
ولو قال [الجاني]: اقطع يدي [مطلقاً، ففعل - فقد استوفى حقه، ولا شيء عليه.

ولو قال: أقطع يدي] عوضاً عن يدك، أو قصاصاً، ففعل - يجبُ عليه نصف الدية؛ لأنه لم يبذل يده مجاناً، وعلى الجاني حكومةُ اليد الشلاء.
وإذا سرى يدُ الجاني إلى النفس - فلا قصاص على المجني عليه؛ لأنه قطع بإذن الجاني.
ولو شلت يدُ القاطع بعدما قطع يداً شلاء - نقتص منه.
وكذلك: لو قطع يداً ناقصة بإصبع، ويدُ القاطع صحيحةٌ، ثم سقطت تلك الإصبع من يد القاطع - للمجني عليه قطع يده.
قال الشيخ رحمه الله: بخلاف ما لو قطع حر ذمي يد عبدٍ، ثم نقض العهد، فاسترق - لا تقطع؛ لكونه حراً حالة القطع.
قال الشيخ رحمه الله: الفرق: أن امتناع القصاص - هناك- لعدم التكافؤ، وفي اعتبار التكافؤ: تعتبر حالة الجناية؛ بدليل أنهما لو كانا متكافئين حالة الجناية بأن كانا عبدين أو ذميين، ثم عتق الجاني، أو أسلم الجاني - يقتص منه، وههنا: امتناع القصاص لزيادة محسوسة في يد القاطع؛ فإذا زالت - قطعت؛ [اعتباراً بحالة] الاستيفاء؛ ألا ترى أن الأشل: إذا قطع يداً شلاء، ثم صحت يد القاطع - لا يقتص لحدوث الزيادة فيه، وإن كانتا متساويتين] حالة القطع، وكذلك: لو قطع يداً لا أظافير عليها - لا تقطع يدُ القاطع الصحيحة.
فإن سقطت أظافيره قُطعت، ولو لم يكن لواحدٍ منهما أظافير حالة القطع - يقتص منه.
فلو ثبت للقاطع أظافير قبل أن يقتص منه - لا يقتص لحدوث الزيادة، ولو قطع يداً صحيحة، ويدُ القاطع شلاءُ - نظر: إن قال أهل البصر: إن قطعت يده [الشلاء - لا ينسد فم العروق ولا يرقأ الدم - فليس للمجني عليه قطع يده]، بل يأخذ الدية، وإن قالوا: يرقأ الدم - فالمجني عليه بالخيار؛ إن شاء - قطع يده، ولا شيء له سواه، وإن شاء- أخذ الدية.

وإن كانت اليدان شلاوين - نظر: إن كان الشلل في المقطوع أكثر - فلا قصاص، وإن استويا، أو كان الشلل في يد القاطع أكثر - فله أن يقتص إذا قال أهل البصر: يرقأ الدم، ولو قطع يداً ناقصة بإصبع- لم يكن له قطع يده الصحيحة، وله أن يقطع أربعة من أصابعه، أو يأخذ ديتها، فإن عفا، وأخذ دية الأصابع الأربع فحومةُ منابتها تتبعها، وهل تجب حكومة خُمسِ الكف؟ فيه وجهان: أصحهما: تجب؛ لأنه لم تجب دية إصبعها؛ حتى تسقط [حكومة المنبت.
والثاني: لا تجب؛ لأن الكف تبعٌ لكل إصبع من الأصابع الخمس، [فكما تسقط] حكومتها تبعاً للأصابع كلها تسقط] تبعاً لإصبع واحدةٍ.
وإن قطع أصابعه الأربع - له أخذُ حكومة خُمس الكفِّ، وهل له حكومةُ الأربعة الأخماس؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو أخذ دية الأصابع - لا تجب [حكومة] منابتها.
والثاني: وهو الأصج-: له ذلك؛ لأن الحكومة من جنس الدية؛ فتدخل فيها، وليست من جنس القصاص.
وإن كان في يد المجني عليه إصبعٌ شلاء، ويدُ القاطع صحيحةٌ - لم يكن له قطع يده، وله أن يقطع أربعةً من أصابعه، ويأخذ حكومة الإصبع الشلاء مع حكومة منبتها؛ لأن الحكومة ناقصة لا تستتبع الناقص، وقيل: تدخل [حكومة] المنبت في حكومة الإصبع الشلاء؛ كما تدخل في ديتها، وهل تجب حكومة أربعة أخماس الكف - فعلى [الوجهين]: أصحهما: تجب.
وإذا عفا على المال - أخذ دية أربع أصابع، ولا تجب حكومة منابتها، وأخذ حكومة الإصبع الشلاء؛ وهل يجب حكومة منبتها؟ فعلى الوجهين: فلو كانت يدُ المقطوع ناقصة بإصبع، أو فيها إصبعٌ شلاءُ، فقطع المجني عليه يد القاطع الصحيحة؛ فمات منه يجب عليه القصاص في النفس؛ كما ذكرنا فيما لو قطع الصحيحة بالشلاء.

فأما إذا قطع يداً صحيحة، ويدُ القاطع ناقصةٌ بإصبع له - قطع يده، ويأخذ دية الإصبع، وإن كانت في يد القاطع إصبعٌ شلاء - فللمجني عليه قطع يده، ولا شيء له سواه.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: إذا اختار القصاص -لا شيء له معه في الصورتين جميعاً.
قلنا: بينهما فرقق من حيث إن نقصان الشلل نقصانٌ وصفٍ، ونقصان الإصبع [نقصان] جزء، والدية تتوزع على الأجزاء لا على الأوصاف؛ كما لو أتلف على إنسان صاعيْ حنطةٍ، وللمتلف صاعٌ واحدٌ.
أخذه المتلف عليه مع بدل الصاع الآخر.
ولو أتلف عليه صاعاً جيداً، وعنده صاعٌ رديء، ورضي به المتلف عليه - أخذه، ولا شيء له في مقابلة نقصان الوصف، ولو قطع كفاً - لا إصبع عليها، فلا قصاص؛ إلا أن يكون للقاطع مثلها؛ فيقتص بل عليه الحكومة، ويجوز أن تزاد حكومة الكف على أرش أنملتين.
ولا تبلغُ دية الأصابع الخمس، وهل يجوز أن تبلغ دية إصبعٍ، أو يزادُ عليها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الكف تبعٌ لكل إصبع.
والثاني: يجوز- وهو الأصح - لأنها تبع لجميع الأصابع؛ لأنها منبتُ جميعها، وإن كان المقطوع أصابع شلاواتٍ، وكفه حيةٌ - عليه حكوماتٌ، ويجوز أن [يزاد حكومة] الكف على حكومات الأصابع؛ لأن الحي لا يتبع الميت، وتقطع اليد البيضاء بالسوداء، والسليمة بالبرصاء، ويد الصانع بيد الأخرق [وتقطع الصحيحة بين الأخرق] ولا تقطع [الصحيحة الأظافير] بيدٍ لا أظافير عليها، بل فيها ديةٌ ناقصةق بشيء، وتقطع التي لا أظافير عليها بالصحيحة، وإن كانت أظافيره خُضراً أو سُوداً [يقتص بها البيض، إن] لم يكن ذلك

لعيبٍ أو شللٍ، وتقطع يدُ غير الأعسم بيد الأعسم، ورجلُ غير العرج برجلِ الأعرج، وفيها كمالُ الدية؛ لأن العسم والعرج ليس في الكف والعدم، إنما هو [تشنج أو تكسُّ] في المرفق والركبة.
فإن كانت أصابع إحدى يديه وكفها أقصر من الأخرى، فقطع القصرى لا قصاص فيها؛ لأنها ناقصةٌ، وفيها دية ناقصة بحكومة، ولا تقطع اليد اليمنى ولا الرجل اليمنى، باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، وكذلك: في الأذن والعين؛ كما لا تُقطع في الأصابع السبابة بالوسطى، ولا إصبعُ بأخرى، وكما لو وجب القصاص على رجلٍ - لا يُقتل مكانه آخر.
فصلٌ إذا قطع يد إنسانٍ، وللمقطوع ست أصابع - تُقطع يده، وتؤخذ حكومةٌ للإصبع الزائدة؛ سواء كانت الإصبع الزائدة متميزة، أو كانت الزيادة متفرقة في الكلُ.
وإن كان لكل واحدٍ إصبع زائدة - يقتص منه، إذا استوت الزائدتان في المحل والحلقة.
وإن كان للقاطع ست أصابع دون المقطوع - لم يكن له [قطع] كفه بل ينظر: إن كانت الإصبع الزائدة زائلة عن سنن الأصابع الأصلية - فله أن يقطع أصابعه الخمس، وهل يأخذ حكومة الكف؟ فيه وجهان؛ أصحهما: يأخذ.
وإن كانت الإصبع الزائدة وبجنب إصبع، لو قُطعت التي بجنبها، سقطت الزائدة - لم تُقطع التي بجنبها، بل تقطع أربع من أصابعه، ويأخذ دية إصبع، ويدخل فيها حكومة منبتها.
وإن كانت الزائدة على سنن الأصابع - نظر: إن علمت (الزائدة - فله) قطع الأصليات؛ كما ذكرنا، وإن لم تعلم الزائدة -لم يكن له قطع شيء منها، بل يأخذ الدية؛ لأنه لا يدري أن التي يقطعها كلها أصلياتٌ أم الزائدة [فيها]- فلو بادر وقطع خمساً منها - عُزر، ولا شيء عليه؛ لأنه يحتمل أنه قطع الأصليات.
ولو قطع الكل- عليه رد حكومة الزائدة.

وإن قال أهل البصر كلها أصلياتٌ [تفرقت ستاً]- فله قطع خمسٍ منها، ويأخذ سدس دية يد الأشل، وليس له قطع الكل، لأنها زائدة في العدد.
قال الشيخ رحمه الله: ولو قطع الكل - عزر، ولا شيء، عليه.
لو قال أهل البصر: لا ندري أن الكل أصلياتٌ تفرقت ستاً، أواحدة منها بعينها زائدة - لم يكن له قطع شيء منها، فلو قطع - عُزر، ولا شيء له، ولا عليه؛ [لأنه إن] قطع الكل - يحتمل أن لكل أصلياتٌ، ولا شيء عيه، وإن قطع خمساً منها- يحتمل أن الباقية زائدةٌ، وقد قطع الأصليات.
ولو قطع من له ست أصابع، - وقال أهل البصر: كلها أصلياتٌ تفرقت ستاً - إصبعاً ممن له خمس أصابع-: تُقطع إصبع من أصابعه، ويؤخذ منه ما بين سدس دية يد وخمسها، وهو بعيرٌ وثلثاً بعيرٍ.
فلو قطع من له خمس أصابع إصبعاً من الست - فلا قصاص، ويأخذ منه سدس دية يدٍ، وتقطع الزائدة بالأصلية؛ إذا كانت في محلها بأن قطع من له أربع أصابع أصلية وإصبعٌ زائدةٌ -كف من له خمس أصابع أصلية- فللمجني عليه أن يقطع كفه؛ لأنه دون حقه، ولا شيء له لنقصان الأصابع الزائدة؛ لأنها في محل الأصلية، غير أنها ناقصة، وقد رضي بها؛ كما لو رضي بالشلاء عن الصحيحة.
ولو قطع إصبعاً لها أربع أنامل وقال أهل البصر: لم يخرج عن أصل الخلقة، وكلها أصلياتٌ، وللقاطع ثلاث أنامل - يقطع إصبع القاطع، ولو قطع أنملة منها - لا تقطع أنملته، وعليه ربع دية إصبع، وهو بعيران ونصفٌ، ولو قطع أنملتين منها - له أن يقطع أنملة من أنامله، ويأخذ ما بين نصف دية إصبع وثلثها، وهو سدس دية إصبع: [بعيرٌ وثلثان.
ولو قطع ثلاث أنامل منها - له قطع أنملتين منه، ويأخذ ما بين ثلاثة أرباع دية إصبع، وثلثيها، وهو نصف سدس دية إصبع:] خمسةٌ أسداس بعيرٍ، ولو قطع من له أربعةُ أنامل هكذا أنملةً [فمن له ثلاث أنامل - يقطع أنملة] من أنامله، ويؤخذ ما بين ربع دية إصبع وثلثها، وهو خمسةُ أسداس بعيرٍ.

ولو قطع أنملتين - تقطع منه أنملتان، ويؤخذ ما بين نصف دية إصبع [وثلثها] وهو بعيرٌ وثلثا بعيرٍ.
ولو قطع إصبع من له ثلاث أنامل - هل تقطع إصبعه؟ فيه وجهان: أصحهما: لا تقطع؛ لأنها زائدةٌ في عدد الأنامل؛ كما لو كان لقاطع اليد ست أصابع، كلها أصليات، لا تقطع يده بيد من له خمس أصابع، بل تقطع بثلاث أنامل منها، ويؤخذ ما بين ثلاثة أرباع دية إصبع وبين جميعها، وهو بعيران ونصفٌ قال [الشيد] رحمه الله: فعلى هذا: لو بادر، وقطع إصبعه عُزر، ولا شيء عليه من الدية.
والثاني: له قطع إصبعه؛ بخلاف اليد التي لها ست أصابع؛ لأن تلك الزيادة ظاهرة في منفصلات؛ كاليدين.
ولو كان لإصبعه أربع] أنامل خارجة عن أصل الخلقة - فالعليا منها زائدة، فلو قطع رجلٌ تلك الإصبع - تقطع إصبعه، ويؤخذ منه حكومةٌ، ولو قطع أنملة منها - فلا قود عليه، وعليه حكومةٌ.
ولو قطع أنملتين - قطعت أنملة منه، وتؤخذ حكومةٌ، ولو قطع ثلاث أنامل - تقطع منه أنملتان، وتؤخذ حكومةٌ للزائدة.
ولو قطع من له أربع أنامل هكذا - إصبع إنسانٍ -: لا تقطع إصبعه؛ لأنها زائدة، بل عليه الدية.
ولو قطع أنملة إنسان، ولها طرفان - تقطع أنملة القاطع، ويؤخذ منه حكومةٌ، فإن كان للقاطع مثلها - قطعت، ولا حكومة عليه، وإن كان لأنملة القاطع طرفان: فإن عُرفت الأصلية منها، وأمكن قطعها - قطعت، وإلا فلا قصاص عليه، وعليه ثلث دية إصبع.
وإذا قطع الأنملة العليا من إصبع إنسان، وقطع الأنملة الوسطى من تلك الإصبع من الآخر - فلصاحب العليا القصاص أولاً، وإن كان قطع الوسطى سابقاً؛ لأن صاحب

الوسطى لا يمكنه استيفاء حقه، مع بقاء الأنملة العليا، ثم بعدما قطع صاحب العليا أنملته - يقطع صاحب الوسطى وُسطاه، فلو عفا صاحب العليا -فلا قصاص لصاحب الوسطى؛ ما دامت العليا باقية، فإن سقطت العليا - له قطع الوسطى، فلو جاء صاحب الوسطى أولاً، وقال لا أعفو، ولكن أعطوني شيئاً على تأخير حقي [لا يُعطى]، لأن القود باقٍ؛ فلا يعطى المال مع بقاء القود.
وكذلك: الحامل إذا وجب عليها القصاص، فقال الولي: أعطوني شيئاً إلى أن تضع [الحامل]، فاقتص - لا يعطى، وقيل: يعطى الدية، ثم هل يسقط القصاص أم إذا زالت العليا أو وضعت الحمل - له أن يرد الدية، ويستوفي القصاص؟ فيه وجهان: ولو قطع النملة العليا من إصبع، وقطع العليا والوسطى من تلك الإصبع من آخر - نظر: إن سبق قطعُ العليا - فلصاحبها القصاص، ثم صاحب الأنملتين، إن شاء قطع الوسطى، وأخذ دية العليا، وإن شاء عفا، وأخذ دية الأنملتين؛ فلو بادر صاحب الأنملتين، وقطعهما - فقد استوفى حقه، ويأخذ صاحب العليا دية أنملته من الجاني، وإن سبق قطع الأنملتين - فلصاحبها قطع الأنملتين، ويأخذ صاحب العليا دية أنملته، ولو خلقت له يدان: إما كفان على ذراع واحدٍ، أو ذراعان وكفان على عضدٍ واحدٍ، أو عضُدان وذراعان وكفان على منكب واحدٍ، أو خُلقت له رجلان: إما قدمان على ساقٍ واحد، أو ساقان وقدمان على ركبة واحدة - ينظر.
إن كان يبطش بإحدى اليدين، ويمشي بإحدى الرجلين - فهي أصلية؛ يجب فيها القصاص أو الدية، وفي الأخرى: الحكومةُ، وإن كانت الباطشة منحرفةً عن سنن الذراع، وغير الباطشة على مستوى الذراع؛ لأن اليد خلقت للبطش - فهو أدل على كونها أصلية [من كونها] على مستوى الذراع، فإن كانتا باطشتين، وإحداهما أكثر بطشاً - فهي الأصلية، وإن كانت منحرفةً عن مستوى الذراع.
وإن استوت في البطش، وإحداهما على مستوى الذراع -: فهي الأصلية؛ ففيها القصاص

أو كمال الدية لليد، وفي الأخرى: الحكومةُ، وإن استويا فيه، وإحداهما ثابتة الأصابع، والأخرى ناقصة الأصابع- فالتي هي تامة الأصابع - أصليةٌ؛ ففيها القصاص أو كمالُ دية اليد، وفي الأخرى الحكومة.
وإن استويا في تمام الأصابع إلا أن في إحداهما إصبعاً زائدةً - لا يقع به الترجيح؛ لأن الإصبع الزائدة قد تكون في الأصلية، فإن استويا في الدلائل - فهما كيدٍ واحدةٍ، وإن قطعهما قاطعٌ - يجب عليه القود أو كمال دية يدٍ وحكومةٌ للزائدة، وإن قطع أحداهما - فلا قصاص، وفيها نصف دية يدٍ، وزيادة حكومةٍ.
وإن قطع إصبعاً من أحدهما - فعليه نصف دية إصبعٍ وزيادة حكومةٍ؛ لأنها نصفُ إصبع زائدةٍ.
وإن قطع أنملة إصبع من أحدهما - فعليه نصف دية [إصبعٍ] وزيادة حكومةٍ.
فلو قطع من له يدان هكذا يد آخر - لم تُقطع [به] يداه لوجود الزيادة قال الشيخ رحمه الله: [و] لا تقطع [أحداهما]؛ لأنا لا نعلم الأصلية، وقيل: تقطع [أحداهما]، ويؤخذ نصف دية يد الأشل، فلو كانت أحداهما باطشةً، فقطعها قاطعٌ، واستوفينا القصاص أو الدية، ثم صارت الأخرى باطشةً، أو كانت ناقصة البطش؛ فصارت تامة البطش، [فقطعها] قاطعٌ - يجب فيها القصاص أو كمال دية اليد، ولا يجب رد شيءٍ من الدية إلى الأول؛ بخلاف السن ينبت؛ لأن نبات السن - هنا - في محل القلع.
ولو قطع من له يدان باطشتان أو رجلان ماشيتان - يد رجلٍ أو رجله - لم يكن له قطع يديه؛ لأنه يستوفي أكثر من حقه، وله قطع إحدى يديه، ويأخذ نصف دية يد الأشل؛ فإن بادر، وقطعها - عُزر، وعليه حكومة للزيادة، ولو قلع سناً زائدةً أو قطع إصبعاً زائدةً، وللجاني مثلها في محلها - يقتص منه، وإن اخُتلف في المحل - فلا يقتصن بل تؤخذ الحكومة، وهل تعتبر المساواة في الصغر والكبر؟ فيه وجهان:

أحدهما: قاله صاحب التقريب-: لا تعتبر، كما في الأصلية.
والثاني: تعتبر؛ قاله أبو إسحاق؛ لأنه ليس لها اسمٌ مخصوصٌ حتى يعتبر الاتفاق في الاسم؛ بدليل أنهما لا يستويان في الحكومة، فعلى هذان كان سن الجاني أطول أو أعرض، أو [إصبعه] أطول أو أغلظ - لا يقتص، وإن كان من الجاني أصغر - يقتص، وتؤخذ حكومةٌ بقدر النقصان، ويقطع الذكر بالذكر، ويُقطع ذكر الفحل الشاب بذكر الشيخ، والخصي والصبي والعنين، لأن العُنة ليست لنقصٍ في العضو؛ سواء كان ينتشر ذكرُ المجني عليه ولا ينتشر؛ إلا أن يكون به شللٌ، فإن كان منقبضاً لا ينبسط أو منبسطاً لا ينقبض - فلا قود فيه إلا إن يكون القاطع مثله، وفيه الحكومة.
وعند أبي حنيفة: لا يقطع ذكرُ الفحل بذكر العنين والخصين وبالاتفاق: يقطع أنثى الفحل بأنثى المجبوب، ويُقطع ذكر الأقلف بذكر المختون؛ لأن الجلدة الزائدة في ذكر الأقلف مستحقة القطع.
ولو قطع بعض ذكره - يُقطع منه بذلك القدر باعتبار الجريمة؛ كما ذكرنا في الأنف والأذن.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يقطع بعضه ببعض، وكذلك نقول في اللسان والشفة والأذن والأنف.
والمذهب الأول؛ لأنه يمكن اعتبار المماثلة فيه، وكمال الدية في الذكر يجب لقطع الحشفة، وفي قطع الباقي الحكومة، ولو قطع رجلٌ جميع ذكره فيدخل حكومة الأسفل في دية الحشفة.
ولو قطع نصف حشفته - عليه نصف الدية.
ولو شق ذكره - ففيه الحكومةُ؛ فإن أول إلى مجرى البول - فعليه حكومةٌ زائدةٌ، ولا تجب دية الجائفة، فإن أوصل إلى المثانة - فديةُ الجائفة تجب.
قال الشيخ رحمه الله: وحكومةٌ لشق الذكر، ولو قطع أنثييه أو لهما يقتص منه، فإن عفا ففيهما كمال الدية، ولو قطع أو سل إحدى أنثييه، وقال أهل البصر يمكن أن يقتص من غير إتلاف الأخرى - يقتص منه، وإن لم يمكن - فلا يقتص، وتجب نصف الدية.
ولو دق خصيتيه - يقتص بمثله، إن أمكن، وألا فتؤخذ الدية.

ولو قطع ذكره وأنثييه - فله القصاص فيهما؛ سواءٌ قطعهما معاً [قطع] أو أحدهما قبل الآخر.
وإذا عفا - ففيهما ديتان.
وقال أبو حنيفة: إن قطعهما معاً، أو قطع الذكر أولاً - ففيهما القود أو ديتان، وإن قطع الأنثيين أولاً، ثم الذكر - له القود في الأنثيين دون الذكر، وعليه دية الأنثيين، وحكومة للذكر، وتقطع الأليتان بالأليتين، وهما: ما أشرف على الظهر الناتئان إلى استواء الفخذين؛ لأن فيهما منفعة تامة، فإن الصبر على الجلوس - لا يمكن إلا بهما، وعند العفو: يجب فيهما كمالُ الدية، ولا يشترط الإيصال إلى العظم، وفي إحداهما القصاص أو نصف الدية، ويقتص البعض بالبعض، أو تؤخذُ بقدره من الدية؛ سواءٌ استويا في السمن والهُزال، أو اختلفا، وفي شفري المرأة - القصاصُ أو كمالُ ديتهما، وهو أن يُرفع اللحمُ المشرفُ المحيطُ بالفرج من الجانبين؛ سواءٌ استويا في السمن والهُزال، أو اختلفا، وفي إحداهما - القصاصُ أو نصفُ الدية، ويقطع البعضُ بالبعضِ، أو يأخذ بقدره من الدية.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب القصاص في الأليتين، ولا في الشرفين؛ لأنهما لا مفصل لهما ينتهي إليه.
والأول المذهب، والمنصوص؛ لأن لهما حداً ينتهي إليه والله أعلم.
فصلٌ لا يجب القصاصُ في الطرف بالسراية؛ حتى لو قطع أصبع إنسان، فسرى] إلى الكفِّ - لم يكن له قطعُ كفه، ولا قطعُ إصبعه، ويأخذ أربعة أخماس دية [يدٍ] مغلظة من ماله؛ لأن وجوبها بسراية جنايةٍ موجبةٍ للقود، ولا تجب حكومة منابت الأصابع الأربع التي أخذ ديتها، وهل تجب حكومة فنتب الإصبع التي قطعها؟ فعلى الوجهين: وعند أبي حنيفة: لا قصاص له في الإصبع.

فنقول: هذا قطعٌ لو وقف - وجب به القود، [فإذا سرى - لا] يسقط؛ كما لو قطع يد امرأة حاملٍ - لا سقط القطع عنه بإلقاء الجنين، فإذا قطع إصبع الجاني قصاصاً، فسرى إلى الكفِّ - نص على أن السراية لا تصيرُ قصاصاً بالسراية؛ حتى يجب على المقتص منه أربعةٌ أخماسِ ديةِ [يدٍ] ونص فيما لو شجة موضحةً، فذهب ضوءُ عينه وشعرُ رأسه - توضح رأسُ الجاني، فإن ذهب ضوء عينه، وشعرُ رأسه - صار قصاصاً، وإلا فعلى الجاني ديةُ البصر وحكومةُ الشعر؛ فهذا النص يدل على أن السراية بالسراية - لا تصير قصاصاً في الطرف: اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: تصير السرايةُ بالسراية قصاصاً؛ كما في النفس: [فإنه إذا قطع يد إنسانٍ؛ فسرى إلى النفس؛ فقطع الولي يد الجاني؛ فسرى إلى النفس] يصير قصاصاً.
والثاني: لايصيرُ قصاصاً؛ بخلاف النفس، لأن القصاص يجبُ في النفس بالسراية؛ فتصير السراية بالسراية قصاصاً، [وفي الطرف: لا يجب القصاص بالسراية، ولا تصير السراية بالسراية قصاصاً [وفي الطرف: يجب القصاص بالسراية]] ومنه من فرق على ظاهر النص، وهو المذهب، وقال: إذا سرى إصبع الجاني إلى الكف - لا تصيرُ قصاصاً.
وفي الموضحة: إذا ذهب بصرُ الجاني - يصير البصر بالبصر قصاصاً؛ لأن البصر إذا ذهب بالموضحة - يجب فيه القصاصُ؛ فصار مستوفياً.
وقال الشافعي - رضي الله عنه-: اقتص من الموضحة؛ بأن ذهبت عيناه، ولم ينبت شعره، فقد استوفى حقه، أراد به شعر موضع الموضحة، أما إذا ذهب شعر [ما حوالي] الموضحة من المجني عليه - يجب على الجاني حكومته، وإن ذهب من الجاني ذلك في الاقتصاص؛ كما في السراية إلى الكف.
فصلٌ إذا قطع طرف إنسانٍ - نص على أنه يجوز أن يقتص في الحال، ونص على أنه لا يأخذ الأرش قبل الاندمال:

اختلف أصحابنا فيه؛ فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين: أحدهما: له استيفاؤهما في الحال؛ لوجود الجناية.
والثاني: لا يستوفي حتى تندمل؛ لأن الدية ربما تنقص بالسراية، والقود ربما يزيد.
والمذهب: الفرق، وهو أن له استيفاء القصاص في الحال؛ لأن قطع [ذلك] الطرف ثابت للمجني عليه، وإن سرت الجراحة أو شاركه في القتل غيره، وأما الدية - فلا تؤخذ؛ لأنا لو أخذنا منه ديتين بقطع يديه ورجليه - فربما يسري فيعود إلى دية واحدةٍ، [ولو أخذنا ديةً واحدةً بقطع يديه] فربما شاركه في الجرح [جماعة] فيموت من الكل؛ فنعود إلى أقل مما أخذنا منه.
فصلٌ في الاختلاف إذا قطع طرفاً من إنسان، ثم اختلفا في سلامته - نظر: إن كان من الأعضاء الظاهرة؛ كاليد والرجل واللسان والبصر.
فن قال الجاني: كانت اليدُ أو الرجل شلاء، أو [كان] اللسان أخرس، والحدقة عمياء، وادعى المجني عليه سلامته - نظر: إن أنكر الجاني أصل السلامة، وقال: خلقت كذلك - فالقول قوله مع يمينه؛ لأن المجني عليه يمكنه إثباته السلامة بالبينة.
ولو اتفقا على أنه خلق سيماً، وادعى الجاني حدوث النقص - فعلى قولين: أحدهما: القول قول الجاني مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته.
والثاني: قول المجني عليه، مع يمينه، وهوا لأصح؛ لأن الأصل بقاء سلامته.
وقال في "كتاب الديات": على المجني عليه البنية، قيل: هو جواب على قولنا: إن القول قول الجاني، وقيل: على القولين: يسمع بينة المجني عليه؛ كالمودع إذا ادعى تلف

الوديعة - يقبل قوله وتُسمع بينته، وإن كان من الأعضاء الباطنة؛ كالذكر والأنثيين - ففيه قولان: أصحهما: أن القول قول المجني عليه مع يمينه؛ سواءٌ أنكر أصل السلامة أو ادعى حدوث الشلل بعد السلامة؛ لأنها تكون مستورة يتعذر إثبات سلامتها بالبينة.
وعلى هذا: لو هدم بيتاً على قوم، ثم ادعى أنهم كانوا موتى، وقال الأولياء: بل كانوا أحياء، أو قَدَّ ملفوفاً بثوب، ثم ادعى أنه كان ميتاً، فقال الولي: بل كان حياً، أو قتل شخصاً ثم ادعى أنه كان عبداً - فليس عليَّ إلا القيمةُ، وقال الولي: بل كان حراً - فالقول قول من يكون؟ فيه قولان: فإن قال: القول قول الولي: فإذا حلف - تثبت له الدية، ولا يجب القود؛ لأنه يسقط بالشبهة.
وكل موضع جعلنا القول قول الجاني - فتسمع بينةُ الولي، ويسمح للشهود - أن يشهدوا على أنه كان حياً إذا كانوا [رأوه تلفف بالثوب]، أو رأوا الجماعة دخلوا البيت، وإن لم يعرفوا حياتهم حالة القد والهدم.
ولو شهدوا هكذا؛ أنا رأيناه تلفف بالثوب، أو دخل البيت حياً - لا يحكم به، ولكن هذه الرؤية تثبت لهم إطلاق الشهادة على حياتهم حالة القد والهدم.
وكذلك: لو شهدوا على سلامة العين - يسمح لهم أن يشهدوا؛ لأنه كان بصيراً؛ إذا كانوا رأوه يتبع بصره شيئاً، [ويتوفاه زماناً طويلاً] ولو رأوه يتبع بصره شيئاً زماناً يسيراً - لم يكن لهم أن يشهدوا على بصارته؛ لأنه قد يتفق ذلك من الأعمى.
وكذلك: المعرفةُ بانبساط اليد والذكر وانقباضهما، هذا: كما أن من رأى ضيعةً في يد إنسان مدة طويلة يتصرف فيها تصرف الملاك من غير منازع - جاز له أن يشهد له بالملك مطلقاً، ولو قطع يدي إنسان ورجليه، فمات قبل الاندمال؛ فاختلفا؛ فقال الجاني: مات بالسراية، أو أنا قتلته فليس عليَّ إلا ديةٌ واحدةٌ، وقال الولي: بل قتله آخر، أو قتل نفسه، أو

تردى من جبل، فعليك ديتان - فالقول قولُ الولي مع يمينه؛ لأن الأصل وجوبُ الديتين عليه.
ولو اختلفا في الاندمال، فقال الجاني: مات قبل الاندمال بالسراية، وقال الولي: بل بعد الاندمال: فإن كان الزمانُ لا يحتمل الاندمال - فالقول قول الجاني بلا يمين، وإن كان يحتملُ - فالقول قولُ الولي مع يمينه.
[ولو اختلفا في مضي مدة الاندمال - فالقول قول الجاني مع يمينه] لأن الأصل عدم مضي المدة، ولو اتفق على أن الجاني قتله، فقال: قتلته قبل الاندمال - فليس عليَّ إلا ديةٌ واحدةٌ، وقال الولي: بعد الاندمال - فعليك ثلاث ديات، والزمان يحتمل الاندمال - ففي الديتين: القول قول الولي مع يمينه، وفي [القول] الثالث: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته عنها.
وكذلك: لو أوضح رأسه موضحتين، وارتفع الحاجزُ بينهما قبل الاندمال، فاختلفا، فقال الجاني: ارتفع الحاجز بالسراية، أو أنا دفعته - فليس عليَّ إلا الأرش موضحةً واحدةً، [وقال] المجني عليه: بل دفعه آخر؛ فعليك ديتان - فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل وجوب الديتين عليه، ولو اتفقا على دفع الجاني الحاجز بينهما، واختلفا: فقال الجاني: رفعت قبل الاندمال؛ فليس عليَّ غلا أرش موضحةٍ واحدةٍ، وقال المجني عليه: بل بعد الاندمال؛ فعليك أرش ثلاث موضحات، والزمان يحتمل الاندمال - ففي أرش الموضحتين القول قول المجني عليه، وفي الثالث القول قول الجاني مع يمينه.
ولو قال الجاني: أوضحت موضحةً واحدةً، وقال المجني عليه: بل موضحتين، وأنا رفعتُ الحاجز - فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
ولو قطع إحدى يديه، أو جرحه؛ فمات قبل الاندمال؛ فاختلفا: فقال الجاني: قتل نفسه أو قتله آخر أو شرب سُماً موحياً - فليس عليَّ إلا نصف الدية أو أرش الجراحة، وقال الولي: بل مات بسراية جنايتك؛ فعليك ديةٌ كاملةٌ - ففيه وجهان: أصحهما: القول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم سببٍ آخر.
ولو اختلفا في الاندمال، فقال الوليٌّ، [مات] قبل الاندمال [بسراية جنايتك، وقال

الجاني: بل بعد الاندمال، والزمان يحتمل الاندمال]- فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الظاهر معه، والأصل براءة ذمته.
ولو اختلفا في مضي مدة الاندمال - فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم مضيه.
ولو عاد الجاني، فقتله، واختلفا: فقال الجاني: [كان] قبل الاندمال؛ فعلى ديةٌ واحدةٌ، وقال الولي [بل] بعده؛ فعليك ديةٌ ونصفٌ - فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
فصلٌ إذا وجب القصاص على رجلٍ في يمينه، فقال من له الحق: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها - ففيه [ثلاثة] أحوال للمقتص منه، يترتب على كل حالةٍ منها أحوالٌ للمقتص.
إحدى أحوال المقتص منه: أن يقول: علمتُ أن اليسار لا تقوم مقام اليمين؛ فبدلتها عمداً - فلا قصاص، ولا دية على المقتص في اليسار؛ لأن الباذل بذلها مجاناً، ثم يُنظر في المقتص فإن قال: علمت أنها يسارٌ، وأنها لا تقوم مقام اليمين، فقطعتها عمداً - فعليه التعزير، وإن قال: كنت جاهلاً، ولم أرد أنها يساره، أو قطعت لا على بصرة فلا تعزير.
وفي الحالتين: قصاصه من اليمين باقٍ، وإن قال المقتص: علمت أنها يساره، ولكن ظننت أنها يمين- يسأل المقتص: فإن قال: كنتُ عالماً أنها يساره، وأنها لا تقوم مقام اليمين فقطعتها عمداً - يجب عليه القصاص في اليسار، وقصاصه باقٍ في يمين المقتص منه.

ولو قال: ظننت أنه بذل اليسار مجاناً - قال الشيخ رحمه الله: بهذا لا يسقط القصاص عنه؛ كمن قتل إنساناً، ثم قال: ظننت أنه أذن لي، ولو قال: ظننت أنها يمينه، أو قال: دُهشت - فلا قصاص عليه؛ بل عليه نصف الدية لليسار، وقصاصه باقٍ من يمين المقتص منه.
ولو قال المقتص: علمتُ أنها يساره، وظننت أنها تقع موقع اليمين - لا قصاص عليه في اليسار، ويسقط قصاصه عن يمينه، وعلى كل واحد منهما لصاحبه نصف الدية.
الحالة الثالثة من أحوال المقتص منه: أن يقول: علمت أنها اليسار، وظننت أن اليسار تقوم مقام اليمين - يسأل المقتص: فإن قال: علمت ظنه، وعمدت قطع يساره - فهل عليه القصاص في اليسار؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجب؛ لأن المقتص منه بذلها؛ بل عليه نصف الدية؛ لأنه لم يبذلها مجاناً.
والثاني: يجب لها القصاص؛ لأنه قطعها عمداً.
وعلى الوجهين: قصاصه في يمينه باقٍ.
ولو قال: ظننت أنها يمينه - فلا قصاص عليه في اليسار؛ بل عليه نصف الدية، وقصاصه باقٍ في [يمين المقتص منه] ولو قال: علمت أنها يساره، وظننت أن اليسار تقع موقع اليمين - لا قصاص عليه، ويسقط قصاصه عن يمين المقتص منه، ولكل واحدٍ على الآخر نصف الدية؛ كما في الحالة الثانية، وفي الحالتين الأخريين؛ إذا قال المقتص: ظننت أنه يمينه - وجه آخر؛ أنه يجب عليه القصاص في اليسار؛ كما لو قتل شخصاً، ثم قال: [ظننت أنه قاتل أبي]؛ فلم يكن يجب عليه القود.
ولو اختلفا، فقال المقتص: أبحتُ يسارك، فبذلتها مجاناً، وقال المقتص منه: لم أبح، بل أخرجت لتقطع مكان اليمنى - فالقول قول المقتص منه مع يمينه، وعلى المقتص الدية.
ولو كان المقتص منه مجنوناً، فأخرج يساره - فهو كما لو كان مدهوشاً.
أما في السرقة: إذا قال الجلاد: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها - قيل: هو كالقصاص، والمذهب: أنه يسقط عنه قطع اليمين في الأحوال كلها؛ لأن قطع اليسار له مدخل في السرقة؛ إذا كان [فقد اليمين]؛ وذلك لأن المقصود من قطع السرقة: التنكيل

بتنقيص البطش، وقد حصل بقطع اليسار؛ بخلاف القصاص؛ فإن المساواة فيه شرطٌ، وكان شيخي رحمه الله يقول: هذا صحيحٌ في الحالتين الأخريين، أما الحالة الأولى؛ إذا بذل السارق يساره عمداً، فقطعت - وجب ألا يسقط عنه قطع اليمين؛ كما لو وجب عليه قطع اليمين في السرقة [فقطعت] يساره، أو قطع يسارُ نفسه، أو قطع رجلُ يساره ظلماً - لا يسقط عنه قطع اليمين.
وكذلك: لو قطع بعد السرقة يسار إنسان - تقطع يساره قصاصاً، ولا يسقط عنه قطع اليمين بسبب السرقة، فكل موضع قلنا: القصاص باقٍ في يمين المقتص منه - لا تقطع يمينه ما لم يبرأ يساره؛ حتى لا يتعاون القطعان على زهوق الروح؛ كما لو قطع يمين رجلٍ ويسارَ آخر معاً، أو على الترتيب، فاقتص لأحدهما - لا يقتص للثاني، ما لم يندمل الأول؛ بخلاف ما لو قطع يمين رجلٍ ويساره دفعةً واحدةً - له قطعها منه دفعةً واحدةً.
ولو وجب له القصاص في اليمين، فصالحه على قطع اليسار - لم يصح الصلح؛ لأن الدماء لا تستباح بالعوض.
وإذا قطع يساره - لا قصاص عليه؛ لأن صاحبها بذلها، وهل يسقط القصاص عن اليمين بهذا الصلح؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط؛ لأن عدوله إلى العوض رضاً منه بسقوط القصاص.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه لم يسلم له البدل؛ فلا يسقط حقه عن البدل.
فإن قلنا: يسقط [حقه عن البدل]- فله دية اليمين، وعليه دية اليسار - فيتقاصان.
وإن قلنا: لا يسقط - فله القصاص في اليمين، وعليه دية اليسار؛ لأن الباذل لم يبذله مجاناً، والله أعلم.
باب عفو المجني عليه قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: 178]: من وجب له حق على آخر - فالعفو عنه مندوبٌ إليه مستحبٌّ؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]: ومن ثبت له القصاص في نفس أو طرف، فعفا عنه - يسقطُ.

ولو ثبت قصاص واحد لجماعة، فعفا واحد منهم - يسقط كله، لأنه لا يتجزأ، ولو ثبت له القصاص في النفس، فعفا عن عضو من أعضاء الجاني أو عن شعره يسقط كله؛ كما لو طلق بعض امرأته - تطلق كلها، ولو قطع يد إنسان، ثم حز رقبته قبل الاندمال: فإذا عفا الولي عن قطع الطرف - لا يسقط حر الرقبة، ولو عفا عن النفس - له قطع طرفه؛ لأنهما جنايتان؛ فالعفو عن إحداهما [لا يسقط] الأخرى.
ولو قطع يد إنسان، فسرى إلى النفس، ثم عفا الولي عن النفس - لم يكن له قطع الطرف؛ لأن القطع الساري قتلٌ، وقد عفا عن القتل.
ولو عفا عن قطع الطرف - هل له حز الرقبة؟: فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ كما لو قطع يده، ثم حز رقبته، فكأنه عفا عن الإيلام بقطع الطرف.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن الجرح الساري على النفس قتلٌ، وقد عفا عن بعض القتل.
ولو جنى على رجل جناية، فعفا المجني عليه عن القصاص، ثم سرت الجناية إلى النفس - نظر: إن كانت الجناية مما يجب فيها القصاص، مثل قطع اليد والرجل - فلا يجب القصاص في النفس؛ لأنه عفا عن بعضه.
وإن كانت الجناية مما لا [قصاص فيها] كالجائفة ونحوها - يجب القصاص في النفس؛ لأنه عفا عن القصاص فيما لا قصاص فيه؛ فلم يعمل عفوه، ولو قطع رجلٌ إصبع إنسان، فعفا المجنيُّ عليه عن القود والعقل قبل الاندمال - فلا شيء على الجاني وإن وقعت الجنايةُ.
وإن سرى بالقطع نظر: إن سرى إلى الكف يجب على الجاني أربعةُ أخماس دية يدٍ، وديةُ الإصبع سقطت بالعفو، وإن سرى إلى النفس - فلا قصاص في النفس؛ لأنه عفا عن الإصبع؛ فيصير شبهةً في سقوط القود عن النفس [وتجب دية النفس]، وهل تحط دية الإصبع - فعلى قولين؛ إن قلنا: الوصيةُ للقاتل، تصح: تحط إن خرج من الثلث- فعليه

تسعة أعشار دية النفس، وإن قلنا: لا تصح - فلا تحط، ويجب عليه دية النفس كاملة؛ وكذلك: لو عفا المجني عليه عن قطع الإصبع، وعن سرايته قوداً وعقلاً.
فإن سرى إلى الكف - يجبُ عليه أربعةُ أخماس دية يدٍ، وإن سرى إلى النفس - فهل تسقط دية الإصبع-: فعلى قولي جواز الوصية للقاتل، ولا تسقط تسعة أعشار دية النفس؛ لأنه عفا عنها قبل الوجوب، والعفو عما لا يجب - لا يصح، هذا إذا عفا بلفظ العفو أو بلفظ الإبراء، أما إذا قال بلفظ الوصية: أوصيتُ لك بضمان هذه الجناية، وما يحدث منها براءٌ عن ضمان السراية على قولنا: إن الوصية للقاتل تصح؛ إذا خرج من الثلث، لأن الوصية تكونُ بعد الموت، وذلك يقبل من الغرر ما لا يقبله العفو والإبراء في الحياة؛ ألا ترى أنها تصح بالمعدوم وللمعدوم، وقيل: إن قال بلفظ الإبراء والعفو-: فهو - أيضاً - وصيةٌ، بدليل أنه يعتبر من الثلث؛ فيبرأ عن ضمان السراية، إذا خرج عن الثلث، على قول جواز الوصية للقاتل، والأول أصح؛ وكل موضع جوزنا العفو عن الدية عند السراية إلى النفس - فيكون معتبراً من الثلث، فإن خرج كله من الثلث- سقط كله؛ وإلا فبقدر ما خرج من الثلث.
[إذا تقابل رجلان، فقتل كل واحد منهما صاحبه - قال رحمه الله: يجب على كل واحد منهما ديةٌ صاحبه؛ فيتقاصان، وإن مات أحدهما - والآخر حيٌّ، وبه جرحات - فلورثة القتيل القودُ، وفي تركة القتيل أروشُ جراحات الحي، فإن عفوا عن القتل: فإن كانت أروش الجرحات لاتزيد على الدية - تقاصا، وإن كانت الدية أكثر - أخذت الزيادة من مال الحي، وإن زادت أروش الجراحات - أخذت الزيادة من تركة القتيل، وإن تجارحا، وقال كل واحد: إن صاحبي كان قاصداً، وأنا كنت دافعاً - حلف كل واحد منهما؛ أنه ما قصد صاحبه؛ فإذا حلف - وجب على كل واحدٍ منهما أنه ما قصد صاحبه، فإذا حلف - وجب على كل واحد منهما ضمان جرحه؛ لأن الجرح موجودٌ، ولم يثبت كونه دافعاً].
ولو جنى عبد على حرَّ خطأ أو جناية موجبة للمال، فعفا المجني عليه عن أرش الجراحة، ثم مات بالسراية، أو كان العفو في مرض آخر، مات منه - فهل يصح العفو؟ هذا يبنى على أن أرش جناية العبد يتعلق برقبة العبد أم يتعلق بذمته، ورقبته مرتهنةٌ؛ حتى يتبع بالفضل، إذا عتق فيه قولان:

أصحهما: يتعلق برقبته - فعلى هذا يصح العفو من الثلث؛ لأنه وصيةٌ لغير القاتل، وهو السيد.
وإن قلنا: يتعلق بذمته - فيبنى على الوصية للقاتل إن قلنا: تصح - صح العفو من الثلث؛ وإلا - فلا يصح.
هذا إذا عفا مطلقاً أمَّا إذا أضاف العفو نظر: إن أضاف إلى السيد، فقال: عفوت عنك؛ إن قلنا: يتعلق الأرش بالرقبة - صح العفو، وإن قلنا: بذمة العبد - فلا يصح؛ لأنه عفا عن غير من وجب عليه، وإن قال للعبد: عفوت عنك: فإن قلنا: يتعلق برقبته - لا يصح العفو، وإن قلنا: بذمته - فعلى قولي الوصية للقاتل.
ولو جنى حُرٌّ على حرِّ خطأ، فعفا المجني عليه، ثم مات بالسراية - صح العفو من الثلث؛ لأن الدية على العاقلة؛ فهو عفوٌ عن غير القاتل؛ سواءٌ قلنا: تجب الدية على العاقلة ابتداء، أو تجب على القاتل، ثم تنتقل؛ لأنها كما وجبت - انتقلت.
ولو أضاف العفو - نظر: إن عفا عن العاقلة، أو أطلق ونوى العاقلة - صح العفو.
وإن عفا عن الجاني - لم يصح؛ لأنه عفو عن غير من عليه؛ لأن الوجوب لم يلاقه وإن لاقاه - فقد انتقل في الحال.
هذا إذا ثبتت الجناية بالبينة، فإن ثبتت بإقرار الجاني، ولم تصدقه العاقلة - فالأرش يجب في ماله، إذا عفا المجني عليه - فهو وصيةٌ للقاتل، وفيه قولان: أما إذا عفا وارثه بعد موته عن جميع الدية مطلقاً، أو عن العاقلة - صح؛ لأنه عفوٌ لا من جهة المجني عليه.
وإن عفا عن الجاني - لا يصح؛ لأنه عفو عن غير من عليه؛ إلا أن يكون ثبت بإقراره؛ فيصح؛ لأن الدية عليه لا على العاقلة.
ولو جنى ذمي على إنسان خطأ، وعاقلته أهل حربٍ - فالدية من ماله؛ فلو عفا المجني عليه - فهو وصيته للقاتل؛ ففي صحته قولان.
إذا تقاتل رجلان؛ فقتل كل واحد منهما صاحبه - قال الشيخ: تجبُ على كل واحد منهما

دية صاحبه؛ فيتقاصان، وإن مات أحدهما، والآخر حيٌّ وبه جراحات - فلورثة القتيل القود، وفي تركة القتيل أروش جراحات الحرِّ.
وإن عفوا عن القتل: فإن كانت أروش الجراحات لاتزيد على الدية، تقاصا، فإن كانت الدية أكثر- أخذت الزيادة من مال الحر وإن زادت أروش الجراحات - أخذت الزيادة من تركة القتيل.
وإن تجارحا، وقال كل واحد: إن صاحبي كان قاصداً، وأنا كنتُ دافعاً - حلف كلُّ واحد منهما؛ أنه ما قصد صاحبه: فإذا حلف - وجب على كل واحد منهما ضمان جرحه؛ لأن الجرح موجودٌ، ولم يثبت كونه دافعاً.
فصلٌ إذا جنى حرٌّ على حرٍّ جنايةً موجبة للقود، فصالح عن القود على عين [أو] ثوبٍ أو عبدٍ - جاز، وإن لم تكن الدية معلومة.
ثم إذا تلفت تلك العين قبل القبض، أو خرجت مستحقة، أو جد بها عيباً، فردها - فلا رجوع له في القصاص؛ لأنه سقط بالصلح، وبماذا يرجع؟ فيه قولان: كالصداق إذا تلف قبل التسليم: إن قلنا: ضمانه في يد المعطي ضمانُ -: عقدٍ؛ وهو الأصح - يرجع بأرش الجناية وإن قلنا: ضمان يد - فيرجع بقيمة العين؛ إن كانت متقومة، وبمثلها إن كانت مثلية.
وإن كانت الجناية موجبة للمال، فصالح عن الدية على عين، أو اشترى منه بها شيئاً: إما من العاقلة إن كانت خطأ أو من الجاني إن كانت عمداً، فعفا - نظر: إن جهلا أو أحدهما عدد الإبل وأسنانها - لا يصح الصلح [وإن علم عددها وأسنانها - ففيه قولان: أحدهما: لا يصح]؛ لأنها مجهولة الأوصاف؛ كما لو أسلم في شيء، ولم [يذكر الأوصاف] لا يصح.
والثاني: يصح؛ لأن أسنانها معلومةٌ؛ كما لو اشترى عيناً، ولم يعرف صفاتها - يصح.

فإن قلنا: يصحُّ: فلو تلفت تلك العين قبل القبض، أو خرجت مستحقة عنه، أو وجد بها عيباً، وردها - يرجع بأرش الجناية قولاً واحداً؛ بخلاف ما لو صالح عن القود حيث قلنا: يرجع في قولٍ بقيمة العين؛ لأن - هناك - لا يمكنه الرجوعُ بما صالح، وهو القود، وههنا: يمكنه؛ فهو كالمبيع إذا رد بالعيب - يرجع بالثمن.
وإن كانت الجانية امرأة، فتزوجها المجنيُّ عليه على القصاص، أو كانت قتلت رجلاً، فتزوجها وارثه على القصاص الثابت له - جاز، وسقط القصاص؛ لأن ما جاز الصلح عنه جاز أن يجعل صداقاً.
فإن طلقها قبل الدخول- فماذا يرجع عليها؟ فيه قولان: أصحهما: بنصف أرش الجناية.
والثاني: بنصف مهر المثل إذا كانت الجناية موجبة للمال، فتزوجها على الأرش - صح النكاح، ثم إن كان الأرش مجهولاً عند أحدهما؛ فيجبُ لها مهرُ المثل.
وإن كان معلوماً عندهما - فعلى قولي جواز الاعتياض عن إبلِ الدية؛ إن جوزنا - صح، وإلا - فيجبُ لها مهر المثل.
فحيث جوزنا الصلح: فإن كان الصلح عن الدية - فيجوزُ بلفظ"البيع""الصلح" جميعاً، وإن كان الصلح عن القود - يجوز بلفظ "الصلح" ولا يجوز بلف "البيع"؛] لأنه إسقاط حق على عوض؛ كما لو صالح أهل الحرب على مال - جاز بلفظ الصلح"، ولا يجوز بلفظ "البيع".
ولو جنى عبدٌ على حر جناية موجبة للقود، فصالح المجني عليه عن القود على عين - جاز؛ كما ذكرنا في جناية الحر على الحر.
فإذا تلفت العين قبل القبض، أو استحقت، أوردها بعيب- فالقصاص ساقط، وبماذا يرجع: بقيمة العين، أو بأرش الجناية - فعلى القولين، ويكون على السيد؛ لأنه صار مختاراً للفداء: فإن قلنا بأرش الجناية [فعلى القولين، ويكون على السيد]- فض القديم: عليه أرش الجناية، وفي الجديد: الأقل من قيمة العبد أو أرش الجناية.

ولو صالح على رقبة العبد الجاني - جاز.
فإن رده بعيبٍ - فالقصاص ساقطٌ، والأرشُ على رقبة العبد، ولا يصير السيد مختاراً للفداء؛ لأنه لم يقصد إبقاءه لنفسه؛ كما لو بيع العبدُ في الجناية لأجنبي.
ورد بالعيب - كان الأرش على رقبته.
وقال الشيخ رحمه الله: فإن مات العبد بعد الرد، أو مات بعد الصلح قبل التسليم - بطل الصلح، وسقط حق المجني عليه؛ لأن السيد لم يصر بهذا الصلح مختاراً للفداء.
وإن كانت الجنايةُ موجبةً للمال، أو عفا على مال، فصالح عن الإبل على مال - هل يصح؟ فعلى ما ذكرنا من القولين.
فإن قلنا: يصح الصلح: فإذا رد المال المصالح عليه بعيب، أو خرج مستحقاً، أو هلك قبل القبض - يرجع بالأرش قولاً واحداً؛ لأن الصلح وقع عن المال، ويكون السيد مختاراً للفداء، ثم يفدى بمال الأرش أوالأقل؟ قولان: وإن كانت الجناية موجبة للقصاص، فاشترى المجني عليه العبد بأرش الجناية - يسقط القصاص؛ لأن عدوله إلى الشراء بالأرش - اختيارٌ للمال، وهل يصح الشراء؟ فهو كما لو صالح عن الإبل عن جهل أحدهما عدد الإبل، أو سنها - لم يصح؛ وإن علما ذلك- فعلى قولين.
أما إذا اشترى المجني عليه العبد الجاني بمالٍ آخر - جاز، ولا يسقط القود.
ولو جنى عبدٌ على عبدٍ جنايةً موجبة للقود، فصالح مولى المجني عليه مولى الجاني عن القود على عين - جاز كما في جناية الحر [على الحر]؛ إذا ردها بعيب أو استحقت؛ بماذا يرجع؟ فعلى القولين وكان السيد مختاراً له؛ فإن قلنا: يرجع بالأرش - فيفدى السيد بالأقل من قيمة العبد الجاني أو أرش الجناية في الجديد، وفي القديم: بقيمة العبد الجاني ما بلغتْ.
وإذا صالح عن القود على رقبة الحاني - جاز، وسقط القود، فإذا وجد به عيباً، ورده

جارٍ التحميل