التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 464-487

إن كان ذلك في طريق، فيه عادة في الركوب والنزول؛ بأن كان يركب أحدهما يوماً، ثم ينزل، ويركب الآخر، أو يركب أحدهما ميلاً؛ ثم ينزل: فيحمل إطلاق العقد على العادة، ولا ينظر إلى اختلافهما في أنهما كيف يركبان، وإن لم يكن فيه عادة: لم يصح حتى يبين مقدار ما يركب كل واحد منهما، وإن اختلف في البادئ بالركوب: يقرع بينهما.
وإذا استأجر رجلاً ليعمل مدة: يكون زمان الطهارة والصلوات بفرائضها وسننها- مستثنى من العمل، ولا ينقص من الأجر شيء، وإن كان ذلك من عمل النهار: يترك بالليل للاستراحة، وإن كان من عمل الليل؛ كالحراسة ونحوها: تُرك بالنهار، وإن استأجره للقيام على ضيعة، لينظرها: قام عليها ليلاً ونهاراً على ما وسعه.
وإن استأجر عبداً؛ للخدمة: ذكر وقت الخدمة من الليل والنهار؛ فإن لم يذكر: جاز، ولزمه على ما جرت به العادة من نخدمة العبيد لساداتهم؛ كما ذكرنا في ذكر العقد: يحمل على العادة.
فصلٌ إذا أجر عبداً، أو أكرى دابة: تكون نفقة العبد وعلف الدابة على المكري؛ فإذا اكترى جملاً، فهرب الجمال- لا يخلو: إما إن ذهب بالجمل، أو ترك الجمل: فإن ذهب بالجمل- نظر: إن كانت الإجارة في الذمة: يكتري عليه الحاكم من ماله جملاً يركبه المستأجر، وإن كان قد اكترى عين الجمل: فللمكتري فسخ العقد؛ كما ذكرنا في هرب الدابة.
وإن هرب، وترك الجمل: فإن تبرع المكتري بالإنفاق عليه؛ وإلا رفع الأمر إلى الحاكم حتى ينفق عليه من مال المكري، إن وجد له مالاً، وإن لم يجد: يستدين عليه من إنسان أو من بيت المال، أو من المكتري، ثم إن ائتمن المكتري: سلم إليه حتى ينفق عليه، وإن لم يأتمنه: دفع إلى أمين ينفق عليه، وإن أدى اجتهاده إلى أن يبيع جزءاً من الجمل: باع منه بقدر الحاجة، ولا يبنى على قولي بيع المؤاجر؛ لأنه موضع ضرورة، ويبقى في يد المستأجر إلى انقضاء مدته، ومع وجود مال آخر للجمال: لا يبيع لحق المستأجر.
وإن أنفق المكتري من مال نفسه؛ ليرجع- نُظر: إن فعل بأمر الحاكم: هل يرجع؟ فيه قولان:

أحدهما: يرجع؛ لأنه أنفق بأمر الحاكم؛ كما لو استقرض الحاكم من المكتري مالاً، ثم دفعه إليه؛ لينفق عليه.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه متهم في حق نفسه.
وإذا ادعى أنه أنفق قدر ما يحتاج: يُقبل قوله في استحقاق حق له على غيره، فإذا جوزنا، واختلفا في قدر ما أنفق: فالقول قوله.
وإن كان ما يدعيه قصداً؛ كما لو أمر غيره بالإنفاق، فادعى قدراً: قُبل قوله، إن كان ما يقوله قصداً.
وإن أنفق بغير أمر الحاكم، وهناك حاكم: لم يرجع، وهو متبرع.
وإن لم يكن هناك حاكم- نظر: إن أشهد: رجع؛ هذا هو المذهب؛ لأنه موضع ضرورة، وإن لم يُشهد: فلا يرجع إن أمكنه الإشهاد، وإن لم يمكنه الإشهاد: ففيه وجهان.
ولو أجر عبداً أو أكرى دابة من إنسان بأجرة معلومة، وأذن له أن ينفق الأجرة عليه، أو أكرى داراً، وأذن للمكتري أن يصرف الأجرة إلى عمارتها: يجوز، ثم لو اختلفا؛ فقال المستأجر: أنفقت، وقال الآجر: لم تنفق: ففيه قولان: أحدهما: القولان قول الآجر؛ لأن الأصل عدم الإنفاق.
والثاني: القول قول المستأجر؛ لأنه المباشر؛ فهو أعلم بفعله.
ولو أكرى دابة بعلفها، أو عبداً بنفقته: لا يصح؛ لأنه مجهول.
ولو اكترى دابة من مرو إلى نيسابور بعشرة دنانير مطلقاً: يجب عليه من نقد مرو، سواء كان حالاً أو مؤجلاً.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: من نقد نيسابور.
أما إذا اكترى كراء فاسداً، فاستهلك منفعتها عشرة أيام بمرو، وعشرة أيام بنيسابور: يجب عليه أجر مثل عشرة أيام بنقد مرو، وأجر مثل عشرة بنقد نيسابور: كما في الغصب؛ لأن في الإجارة الفاسدة: يجب الضمان بالاستهلاك؛ فينظر إلى موضع الاستهلاك، وفي الإجارة الصحيحة: يجب بالعقد؛ فيجب نقد بلد العقد، والله أعلم.

باب تضمين الأجراء من استأجر شيئاً؛ لينتفع به: فهو أمانة في يده لا يضمن إلا بالتعدي.
أما إذا استأجر رجلاً؛ ليعمل له عملاً في عين: فالمال في يد الأجير، هل يكون مضموناً عليه؟ نُظر: إن لم ينفرد الأجير باليد؛ بأن قعد المستأجر عنده، حتى عمل أو حمل الأجير إلى بيته ليخبز له في تنور، أو ليختن غلامه، أو يحجمه أو يبزغ دابته، أو يقصر، أو يخيط له ثوباً، أو ليرعى غنمه في ملكه، أو ليتعلم عنده القرآن، أو حرفة عنده: فلا يكون مضموناً عليه؛ وكذلك: لو حمل تلميذاً إلى حانوته ليتلمذ له في بيع أو غيره: فلا تكون يده يد ضمان.
وإن انفرد الأجير باليد؛ بأن سلم المال إليه؛ ليعمل فيه عمله نُظر: إن كان الأجير مشتركاً، وهو الذي يعمل له ولغيره؛ كالقصار الذي يقصر لكل أحد، والملاح الذي يحمل لكل أحد: قال الشافعي- رضي الله عنه-: فيه واحد من قولين: اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: المسألة على قولين: أحدهما: يكون مضموناً عليه، وهو قول مالك وابي يوسف موحمد- رحمة الله عليهم-: لأنه أخذه لحظ نفسه؛ وهو تفريغ ذمته عن العمل؛ كالمستعير والمستأجر.
والثاني- وهو الأصح، واختاره المزني- رحمة الله عليه-: لا يكون مضموناً عليه؛ لأنه أخذه لمنفعته ومنفعة المالك؛ فلا يلزمه الضمان؛ كالمضارب.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الضمان قولاً واحداً، قال الربيع: كان الشافعي- رضي الله عنه- يرى أن الأجراء لا يضمنون غير أنه كره أن يبوح به؛ مخافة صناع السوء، وكان يرى أن القاضي يقضي بعلم نفسه غير أنه كره أن يبوح به مخافة قضاة السوء.
قول الشافعي- رضي الله عنه-: "فيه واحد من قولين" أراد به: الرد على أبي حنيفة؛ فإنه يقول: إذا تلف في يده بآفة سماوية أو سرق: لا ضمان عليه، وإن تلف بفعل مأذون فيه؛ بأن دق دق مثله، فتحرق: يضمن، فقال: لا يجوز فيه إلا واحد من قولين.
أما ما قلت- وهو: أنه لا يضمن، أو ما قال أبو يوسف: أنه يضمن بكل حال: فإما

أن يفصل بين أن يكون التلف بآفة سماوية أو بفعل مأذون فيه فلا.
وإن كان الأجير منفرداً، وهو الذي يعمل له، ولا يعمل لغيره؛ بأن يستأجره مدة معلومة لقصارة، أو رعي: فلا يمكنه قبول ذلك العمل لغيره في تلك المدة: فهل يلزمه الضمان؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان؛ كالأجير المشترك، وهو ظاهر النص.
ومنهم من قال: لا يضمن قولاً واحداً.
والفرق بين المنفرد والمشترك: أن المنفرد ملك المستأجر منافعه في تلك المدة على الاختصاص؛ فصار يده يد المستأجر؛ كالوكيل؛ بخلاف المشترك والمنفرد: يستحق الأجرة بتسليم النفس، ومضي إمكان الفعل، وإن لم يعمل، والمشترك: لا يستحق إلا بالعمل، فإن قلنا: يضمن: فأي ضمان يلزهم؟ فيه وجهان: أحدهما: أكثر ما كانت قيمته من يوم [قبض إلى أن] هلك؛ كالمغصوب.
والثاني: باعتبار يوم التلف.
وإن قلنا: لا يجب الضمان: فإن تعدى: يجب الضمان مثل: إن استأجر أجيراً؛ ليخبز له في تنور، فخبز في وقت لا يخبز فيه لشدة حموه، أو ترك فيه فوق العادة، فاحترق: يجب الضمان.
ولو عمل عملاً، فتلف، واختلفا، فقال الأجير: لم أخرج عن العادة، وقال المستأجر: بل تعديت: يسأل عدلان من أهل [تلك] الصناعة: فإن قالا: لم يخرج عن العادة: لم يضمن، وإلا ضمن؛ فإن لم يوجد من يرجع إليه: فالقول قول الأجير مع يمينه؛ لأن الأصل براءته عن الضمان.
ولو اكترى دابة، فضربها، أو لجمها باللجام، فهلكت: لا ضمان عليه، إن لم يخرج عن العادة، وإن خرج- ضمن، وكذلك: الرائض إذا ضرب الدابة.
وضرب الرواض يكون أشد من ضرب المكاري: فإن خرج عن عادة الرواض في الضرب: ضمن، وإن لم يخرج: لا يضمن على قولنا: إن الأجير لا يضمن.

وكذلك: الراعي في ضرب الغنم، إن لم يخرج عن عادة الرعاة: لا يضمن؛ بخلاف المعلم: يباح له ضرب الصبي.
وكذلك: الزوج يباح له ضرب زوجته للتأديب، فإذا هلكت من ضربه: ضمن، وإن لم يخرج عن العادة؛ لأن الآدمي يؤدب بالكلام والقول العنيف، وإذا صار إلى الضرب: كان بشرط السلامة، والدابة تأديبها يكون بالضرب، فإذا لم يخرج ضمانه عن العادة: لم يضمن.
ولا فرق بين أن يكون الصبي حراً أو عبداً في وجوب ضمانه إلا أن الحر يجب ضمانه.
وإن ضربه بإذن الولي والعبد إذا ضربه بإذن المولى: لا يجب ضمانه؛ لأن ضمان العبد لمولاه.
ومن قتل عبد الغير بإذن مولاه: لا يضمنه، والرعاة الذين يخرجون الدواب إلى الصحراء؛ ليرعوها ويردوها بالليل بشيء تعطيهم أربابها: فالدواب في أيديهم كالمال في يد الأجير المشترك؛ لأن الفاسد في أصل الضمان كالصحيح.
واختلف أصحابنا فيما يأخذ الحمامي ممن يدخل الحمام: فمنهم من قال: هو ثمن الماء وأجرة الحمام والسطل وحفظ الثياب؛ فعلى هذا: لا يضمن الداخل السطل، إذا هلك؛ لأنه مستأجر، وهل يضمن الحمامي الثياب؟ فعلى قولين؛ لأنه أجير مشترك.
ومنهم من قال: هو ثمن الماء، والحمامي متطوع بحفظ الثياب معير للسطل؛ فعلى هذا: لا يضمن الحمامي الثوب إذا هلك، وعلى الداخل ضمان السطل إذا هلك؛ لأنه مستعير.
وإذا تلف المال في يد الأجير بعد التعدي: يلزمه الضمان، وأي قيمة تلزمه؟ وإن قلنا: يده يد أمانة: فعليه قيمته أكثر ما كانت من وقت التعدي إلى وقت الهلاك، وإن قلنا: يده يد ضمان: فأكثر ما كانت [من حين قبض إلى أن هلك].
وإذا عمل الأجير عمله، ثم تلفت العين: فإن كان العمل في ملك صاحبها، أو بحضرته: تجب له الأجرة، وإن كان في يد الأجير؛ بأن دفع ثوباً إلى قصار فقصره، ثم

هلك في يده: يبنى على أن القصارة عين أم أثر؟ إن قلنا: عين: سقطت أجرته، ثم إن قلنا: يده يد أمانة: لا شيء عليه، وإن قلنا: يد ضمان، أو تعدى فيه: يجب عليه قيمة ثوب غير مقصور.
وإن قلنا: إن القصارة أثر: لا تسقط أجرته؛ لأنه لما فرغ من العمل: صار مسلماً إلى المستأجر.
ثم إن قلنا: يده يد أمانة: لا شيء عليه.
وإن قلنا: يد ضمان، أو تعدى فيه- يجب عليه قيمة ثوب مقصور، وهل يجوز للقصار حبس الثوب بعد لاقصارة لاستيفاء الأجرة أم لا؟ إن قلنا: فعله عين: يجوز كما يحبس المبيع لاستيفاء الثمن.
وإن قلنا: أثر لا يجوز؛ كما لو استأجر أجيراً يحمل له متاعاً إلى موضع، فحمله: لم يكن له حبس المتاع على الأجرة.
ولو دفع ثوباً إلى صباغ، فصبغه بصبغ من جهة صاحب الثوب: فهو كالقصارة، وإن كان الصبغ من جهة الصباغ: فله حبسه بعد الصبغ؛ لاستيفاء الأجرة، لأن الصبغ عين مال، وإن هلك بعدما صبغ: تسقط قيمة الصبغ، وهل تسقط أجرة العمل؟ فكالقصارة.
ولو دفع ثوباً إلى قصار؛ ليقصر مجاناً، أو ليخيط: فلا يستحق الأجرة.
ولو هلك في يده: لا ضمان عليه.
ولو قال: أرضيك: يستحق أجر المثل.
ولو قال: اغسله، أو خطه، ولم يذكر له أجرة، فغسله: هل يستحق الأجرة؟ فيه أربعة أوجه.
أصحها- وهو المذهب-: لا يستحق؛ لأنه لم يذكر له عوضاً؛ كما لو بذل طعامه لمن أكله.
والثاني- وهو قول المزني: يستحق الأجرة؛ لأنه استهلك عمله.
والثالث- وهو قول أبي إسحاق: إن قال صاحب الثوب: اغسله أو خطه: لزمه الأجرة، وإن بدأ العامل، فقال: أعطني لأغسل أو لأخيط: لم يلزمه.
والرابع- وهو قول ابن سريج: إن لم يكن العامل معروفاً بذلك الأمر: لا يستحق

الأجرة، وإن كان معروفاً بذلك الأمر، وأخذ الأجرة عليه: يستحق، وكذلك: لو قعد بين يدي حلاق، فحلق شعره.
قال الشيخ- رحمه الله-: إن قلنا: يستحق الأجرة: فهل يلزمه الضمان إن هلك في يده؟ فكالأجير المشترك، وإن قلنا: لا يستحق: فلا يلزمه الضمان.
ولو نزل رجل سفينة ملاح من غير إذنه، فحمله فيها إلى بلد: لزمه الأجرة؛ لأنه استهلك منفعة موضعه من غير إذنه؛ كما لو سكن دار الغير، وإن نزل بإذنه، ولم يذكر الأجرة: فعلى الأوجه الأربعة.
ولو دفع ثوباً إلى قصار، فجحده، ثم جاء به مقصوراً: هل يستحق الأجرة؟ نُظر: إن كان قصره، ثم جحد: يستحق، وإن جحد، ثم قصر: فيه وجهان: أحدهما: يستحق؛ كالأول.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه: لا يستحق؛ لأنه عمل لنفسه؛ وهذا بناءً على أن الأجير في الحج، إذا صرف الإحرام على نفسه: هل يستحق الأجرة؟ فيه قولان.
ولو ادعى الأجير رد العين: إن قلنا: يده يد ضمان: لا يُقبل قوله، وإن قلنا: يده يد أمانة: هل يُقبل قوله؟ فيه وجهان؛ كالوكيل بالجعل؛ فإن قلنا: يُقبل- يُقبل قوله مع يمينه في ألا يلزمه ضمان العين، أما في استحقاق الأجرة: فلا يُقبل قوله.
فصل في الاختلاف وإذا اختلف المتكاريان: إما في الأجرة، فقال الآجر: أجرتك بعشرة، وقال المستأجر: بل بخمسة، أو في المدة، فقال الآجر: أجرتك شهراً، فقال: بل شهرين، أو قال: أكريتك إلى فرسخ، فقال: بل [إلى] فرسخين: يتحالفان، فإذا تحالفا: انفسخ العقد بينهما، ثم إن كان قبل استيفاء المنفعة: لا شيء لأحدهما على الآخر، وإن كان بعد الانتفاع: فعلى المكتري أجر مثل مدة الانتفاع.
وكذلك: لو قال المكري: أكريتك هذا البيت الواحد من الدار، وقال المكتري: بل جميع الدار: تخالفا، وعلى المكتري أجر مثل ما سكن.

وإن اختلفا في التعدي في العين المستأجرة، فقال الآجر: تعديت؛ فعليك الضمان، وقال المستأجر: ما تعديت: فالقول قول المستأجر مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التعدي.
ولو دفع ثوباً إلى خياط، فقال له: إن كان يكفيني للقميص- فاقطعه، فقطعه؛ فلم يكفه: لزمه الضمان؛ لأنه أذن له بشرط، ولم يوجد.
وإن قال: هل يكفيني للقميص، فقال: نعم، فقال: اقطعه، فقطعه، فلم يكفه: لم يضمن؛ لأنه قطع بإذن مطلق، ولو دفع ثوباً إلى خياط ليقطعه، فقطعه قباء، ثم اختلفا، فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصاً، فقال: لا، بل أمرتني أن أقطعه قباء: فحكى الشافعي- رضي الله عنه- في "اختلاف العراقيين"- قول ابن أبي ليلى: أن القول قول الخياط مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على الإذن في القطع.
وحكى قول أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: أن القول قول رب الثوب مع يمينه؛ لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن في القطع: كان القول قوله؛ كذلك في صفة القطع.
ثم قال: وهذا أشبه القولين، وكلاهما مدخول.
وقال في "الإملاء": يتحالفان، وذكر فيما لو دفع ثوباً إلى صباغ ليصبغه، فصبغه أخضر، ثم اختلفا، فقال رب الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، وقال الصباغ: بل أمرتني أن أصبغه أخضر: يتخالفان.
ووجهه: أن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه: فالخياط يدعي الأجرة، وصاحب الثوب ينكرها، وصاحب الثوب يدعي أرش النقصان، والخياط ينكره.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على ثلاثة أقوال.
ومنهم من قال: هي على قول واحد؛ أنهما يتحالفان، والقولان الآخران حكاية مذهب الغير، وقد زيفهما بقوله: "كلاهما مدخول".
واختار المزني: أن القول قول رب الثوب؛ كما لو استأجره على حمل متاع، فقال: قد حملت، وأنكر رب المال أو قال: الدافع: دفعته إليك وديعة، فقال: بل رهناً: كان القول قول الدافع: فإن قلنا: القول قول الخياط: فإذا حلف: لا يلزمه ضمان القطع، وهل يستحق الأجرة؟ فيه وجهان:

أحدهما -وهو قول ابن أبي هريرة: يستحق؛ لأنه حلف على أنه كان مأذوناً في القطع.
والثاني- وهو قول أبي إسحاق: لا يستحق؛ لأنه في الغرم كان مدعى عليه؛ فقبل قوله، وفي الأجرة: مدع؛ فالقول قول رب الثوب مع يمينه؛ لأنه منكر.
فإن قلنا: يستحق الأجرة: فيجب المسمى أم أجر المثل؟ وجهان: أحدهما: المسمى؛ لأنه حلف على الإذن.
والثاني: أجر المثل؛ لأنا لو جعلنا له ما يدعيه: لم نأمن من أن يدعي أضعاف أجر مثله.
وإن قلنا: القول قول رب الثوب: فإذا حلف: لا يلزمه الأجرة؛ لأن الخياط فعل ما لم يكن له فعله.
ويجب على الخياط أرش نقصان القطع، وماذا يلزمه؟ فيه وجهان: أحدهما: ما بين قيمته صحيحاً ومقطوعاً؛ لأنا حكمنا أنه لم يأذن له في القطع.
الثاني: يلزمه نقصان قطع دخل بسبب القباء.
وأما القطع الذي يحتاج إليه في القميص: فلا يضمنه؛ لأن رب الثوب أذن فيه.
وإن قلنا: يتحالفان: فإذا تحالفا: لا شيء لأحدهما على الآخر، فرب الثوب يستفيد بيمينه سقوط الأجرة عنه، والخياط يستفيد بيمينه سقوط الغرم عنه.
فإذا أراد الخياط نزع الخيط: هل له ذلك؟ إن قلنا: يستحق الأجرة: فليس له ذلك؛ لأنه أخذ العوض في مقابلته.
وإن قلنا: لا يستحق: فله ذلك: كالصبغ.
فإذا قلنا له ذلك، فقال رب الثوب: أنا أشد خيطانه حتى تدخل الدروز عند نزعك: لم يكن له ذلك إلا برضا الخياط؛ لأنه يتصرف في ملك الخياط.
قال- رضي الله عنه: إذا قلنا: القول قول رب الثوب، فحلف، وقلنا: لا يضمن الخياط إلا نقصاناً دخل بسبب القباء: يجب على رب الثوب الأجرة للقطع الذي لم يوجب ضمانه، والله أعلم.

باب المزارعة روي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأساً، حتى

أخبرنا رافع بن خديج أن النبي- صلى الله عليه وسلم- "نهى عنها؛ فتركناها؛ لقول رافع".

وعن جابر: "أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى عن المخابرة".
والمخابرة: اكتراء الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من المكتري والمزارعة: اكتراء العامل ببعض ما يخرج من الأرض، ويكون البذر من رب الأرض.
أو يكتري رجلاً ليزرع أرضه بذر له يعطيه على أن يكون للعامل حق معلوم منه كلاهما فاسدان.
والنهي مشهور في المخابرة، فقيست المزارعة عليها؛ بخلاف المساقاة؛ جوزناها لورود الحديث بها، ولأن عقد الإجارة على النخيل: لا يتصور، فجوزت المساقاة ضرورة لمساس الحاجة إليها، وعقد الإجارة على الأرض ممكن؛ فلم تجز المزارعة.
وذهب إلى إبطال المزارعة ابن عمر، وابن عباس وأبو هريرة؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة- رضي الله عنهم- وأحل جماعة من الصحابة المزارعة؛ وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ كالمساقاة، وإذا عقد المزارعة؛ فما يحصل: يكون لمالك البذر، وللعامل عليه أجر مثل عمله، وإن كان الآلات والفدان من جهة العامل: فيستحق أجر مثلها، وإن كان من كل

واحد نصف البذر: فما يحصل يكون بينهما، ثم إن كان الأرض من واحد، والآلات والعمل من الآخر: فلمالك الأرض نصف أجرة مثل الأرض على العامل، وللعامل نصف أجر مثل عمله، والآلات على مالك الأرض، فإن استويا تقاصا، وإن كان لأحدهما فضل: رجع بالفضل.
ولو كان البذر والأرض من واحد، والعمل والآلة من الآخر، فأقرض صاحب البذر نصف البذر من الآخر، وأجر منه نصف أرضه بنصف عمله، ونصف آلته: يجوز، وما يحصل يكون بينهما، ولا شيء لأحدهما على الآخر إلا المستقرض: عليه رد ما استقرض من البذر.
ويجوز اكتراء الأرض للزراعة بالذهب والفضة والعروض، وبكل ما ينبت من الأرض، إذا كان معيناً أو موصوفاً.
وعند مالك- رحمة الله عليه-: لا يجوز بما ينبت من الأرض، كالمخابرة.
قلنا: المخابرة: اكتراء الأرض بماي نبت منها بعد العقد؛ إما بجنس موصوف أو معين من الحبوب؛ فلا بأس به؛ كما يجوز بأحد النقدين.
ولا يجوز اكتراء الأرض للزراعة إلا أن يكون لها ماء معتاد لا ينقطع شتاء ولا صيفاً من نهر صغير أو كبير أو بئر، أو عين.
ويدخل ذلك في مطلق عقد الإجارة للزراعة؛ بخلاف ما لو باع الأرض: لا يدخل في البيع بشربها؛ وكذلك: أراضي الجبال التي تشرب من ماء المطر، قل أو كثر أو من نداوة الأرض بالثلج وغيره: يجوز إجارتها للزراعة؛ لأنها قلما تختلف.
فإن اكترى أرضاً للزراعة سنة، ولها ماء معتاد، فزرع أحد الغلتين، ثم انقطع الماء- نُظر: إن أمكن سقيها من موضع آخر، وضمنه المكتري: فلا فسخ للمكتري، وإن لم يمكن، أو لم يفعله المكري: نص على أن للمكتري فسخ العقد: وقال في الدار المستأجرة: إذا انهدمت: إن العقد ينفسخ.
ومن أصحابنا من قال: فيهما قولان:

أحدهما: ينفسخ العقد فيهما؛ لفوات المنفعة المقصودة، وهي السكنى والزراعة؛ كما لو مات العبد المستأجر: ينفسخ العقد.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأن الأرض باقية، والانتفاع بها ممكن من وجه آخر، إلا أنه يعطل بعض منافعها؛ فيثبت له الفسخ؛ كما لو تعيب العبد المستأجر.
ومن أصحابنا من قال: هي على حالين حيث قال: "ينفسخ العقد" أراد به: إذا صارت الدار تلا لا يمكن الانتفاع به، فإن أمكن الانتفاع به بوجه: لا ينفسخ.
وحيث قال في انقطاع الماء: "له الفسخ"، ولم يحكم بالانفساخ؛ لأن الانتفاع بالأرض ممكن بغير وجه الزراعة بأن ينزلها، أو يمسك فيها دوابه ونحو ذلك، فإن لم يمكن بأن غرقها ماء، أو كبسها رمل: فينفسخ فإن قلنا: ينفسخ: فالمذهب: أنه لا ينفسخ في المدة الماضية، وعليه من المسمى بقدر ما يقابلها.
فإن قلنا: لا ينفسخ: فله الفسخ في المدة الباقية، والصحيح: أن لا فسخ له في المدة الماضية، وعليه بقدر ما مضى من المسمى، وإن أجاز العقد: فعليه جميع المسمى.
وقيل: يلزمه ما يخص الأرض المنقطع ماؤه، فلو أجاز، ثم بدا له أن يفسخ- نظر: إن كان الانقطاع بحيث لا يرجى عود الماء: فلا فسخ له؛ لأنه عيب واحد، وقد رضي به.
وإن كان يرجى عود الماء: فله الفسخ، إذا لم يعد؛ لأنه يقدر كل يوم عود الماء، فإن لم يعد: يتجدد له ضرر، فإن عاد: فلا فسخ له.
وإن اكترى أرضاً على جبل لا ماء لها إلا أن يصيبها نطف من السماء، أو سيل إن جاء- نُظر: إن اكتراه للزراعة: لا يصح؛ لأنه أكرى منفعة لا يمكن تسليمها، وإن اكتراها لينزلها أو يحفظ فيها دوابه: صح، وإن اكتراها مطلقاً- نُظر: إن قال: أكريتك أرضاً بيضاء لا ماء لها: جاز؛ لأنه إذا ذكر ذلك: علم أن المستأجر لا يكتريها للزراعة، إنما يكتريها لينتفع بها من وجه آخر، ثم المكتري: إن شاء تركها، وإن شاء حفظ فيها دوابه، وإن حمل ماء من موضع فزرعها: جاز.
ولا يجوز البناء والغراس، وإن لم يقل: أرضاً بيضاء لا ماء لها: هل يصح أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن الأرض تكتري في العادة للزراعة؛ فصار كما لو شرط ذلك في العقد.

والثاني- قاله أبو إسحاق: إن كانت الأرض عالية لا يطمع في سوق الماء إليها: صح العقد؛ لأنه يعلم أنه لا يكتريها للزراعة، وإن كانت مستقلة يطمع في سوق الماء إليها: لم يصح؛ لأنه يكتريها، لتوهم الزراعة مع تعذرها.
ولو اكترى أرضاً بجنب واد أو النيل يعلو عليها الماء كل سنة، ثم ينحسر فيكفي ذلك الماء لزراعة تلك السنة- نُظر: إن اكتراها بعد انحسار الماء: جاز، وإن اكتراها قبل أن يعلوها الماء: لا يجوز؛ لأنه لا يدري هل يعلوها الماء أم لا؟ إلا المد بالبصرة؛ فإنه يختلف؛ فيجوز إجارة تلك الأراضي قبل المد؛ وكذلك أراضي الجبل التي تشرب بالمطر والثلج، وإن كان بعدما علاها الماء، ولم ينحسر، ويرجى انحساره وقت الزراعة: يجوز إجارتها، إن كان الماء صافياً يرى وجه الأرض.
وإن كان كدراً لا يرى وجه الأرض: قيل: فيه قولان؛ كشراء الغائب.
وقيل: يجوز قولاً واحداً؛ لأن الماء الذي عليها من مصلحة الزراعة، وإن كانت الأرض بجنب نهر: إن زاد الماء غرقت: فلا يجوز إجارتها في وقت زيادة الماء، وبعد النقصان: يجوز، وإن كان الماء قائماً عليها: فإن كان لا يُرجى انحسار الماء: لا يجوز إجارتها، وكذلك: إن كان قد ينحسر، ولا ينحسر؛ لأن العجز يقين، والقدرة موهومة.
ولو اكترى أرضاً كراء صحيحاً، فغرقها سيل أو ما نبع منها- نظر: إن كان لا يرجى انحساره مدة الإجارة: ينفسخ العقد في المدة الباقية؛ كما لو انهدمت الدار، وإن كان يرجى انحساره فالمكتري بالخيار بين أن يفسخ الإجارة أو يجيز؛ كما ذكرنا فيما لو غصبت العين المستأجرة: فإن أجاز سقط عنه من الأجرة بقدر ما كان الماء قائماً عليها، وإن أجاز، ثم بدا له أن يفسخ: فإن كان بعد انحسار الماء: لم يكن له ذلك، وإن كان قبله: فله ذلك؛ لأنه يتضرر به كل ساعة؛ كما لو اشترى عبداً، فأبق قبل القبض، وأجاز، ثم بدا له أن يفسخ قبل عوده: له ذلك.
ولو غرق الماء نصف الأرض بعد مضي نصف المدة: انفسخ العقد فيما غرقه الماء.
والمذهب: أنه لا ينفسخ في الباقي، وهل له الفسخ في النصف الباقي فيما بقي من المدة؟ فإن أجاز، وكانت المدة لا تتفاوت في الأجرة: فعليه ثلاثة أرباع المسمى النصف لما مضى من المدة، والربع للباقي، وإن فسخ: فعليه نصف المسمى لما مضى من المدة.

ولو زرع الأرض، فمر بها سيل أفسد زرعه، ولم يغرق الأرض: لا يثبت للمكتري فسخ العقد؛ لأن الهلاك ورد على مال العاقد، لا على المعقود عليه، وكما لو أصاب الزرع صاعقة، فأحرقته، أو برد فأفسده، أو أكله الجراد، أو استأجر حانوتاً لبيع البر، فاحترق البر: لا خيار له في فسخ العقد.
فصلٌ إذا اكترى أرضاً مدة للزراعة- لا يخلو؛ إما أن يعين الزرع أو لم يعين: فإن عين، فقال: لنزرع فيها الحنطة: فله أن يزرع فيها زرعاً ضرره مثل ضرر الحنطة أو أقل، ولا يجوز أن يزرع فيها ما ضرره أكثر، ويجوز أن يزرع فيها الشعير، ولا يجوز أن يزرع فيها الذرة؛ لأن ضررها أكثر؛ فإن عروقها تبقى في الأرض، وتذهب بقوة الأرض.
ولو استأجر؛ ليزرع الشعير: لم يكن له أن يزرع الحنطة ولا الذرة.
ولو اكترى ليزرع الذرة: يجوز أن يزرع الحنطة والشعير؛ لأن ضررهما أقل.
وإن زرع شيئاً ضرره أكثر: يجوز للآخر قلعه، وإن تعطل منفعة المكتري، وعليه تمام المسمى؛ لأنه هو الذي أبطل حقه، فلو لم يعلم الآجر، أو علم ولم يقلع حتى حصد المكتري الزرع: ماذا يجب عليه؟ نقل المزني: أن رب الأرض بالخيار: إن شاء أخذ المسمى مع أرش النقصان الذي يزيد على زراعة المشروط، وإن شاء ترك المسمى، وأخذ كراء المثل: اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال- وإليه ذهب المزني، -رحمة الله- وأبو إسحاق-: في المسألة قولان، وإن نقل المزني الخيار؛ بدليل أنه اختار الأول منهما، وهو أول وجهي الخيار: أحد القولين: يأخذ المسمى وأرش النقصان؛ لأنه استوفى المنفعة التي استحقها مع زيادة؛ كما لو اكترى حماراً ليحمل عليه عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر قفيزاً: يجب عليه المسمى وكراء المثل للزيادة، وكما لو اكترى دابة إلى موضع، فجاوزه.
والقول الثاني: يأخذ كراء المثل للجميع؛ [لأنه] تعدى بالعدول عن المعقود عليه إلى غيره؛ كما لو اكترى أرضاً بعينها، فزرع أرضاً أخرى.

ومن أصحابنا من قال: فيه قولان من وجه آخر: أحدهما: يتخير؛ كما نص.
والثاني: يأخذ كراء المثل للجميع.
ومنهم من قال: المسألة على قول واحد: أنه يتخير بين أن يأخذ المسمى وأرش النقصان وبين أن يأخذ كراء المثل للجميع؛ بخلاف ما لو اكترى دابة؛ ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر، أو يركبها إلى موضع، فجاوزه؛ حيث قلنا: يأخذ المسمى وكراء المثل للزيادة؛ لأن الزيادة هناك متميزة عن الأصل، وههنا: غير متميزة.
وجملته: أن كل موضع وجد التعدي في جنس ما اكترى: فإنه يضمن المسمى وأرش النقصان؛ مثل: إن اكترى دابة؛ ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أكثر، أو اكترى علو بيت ليصب عليه ماءه، فصب أكثر فانتقض، أو اكترى إلى موضع، فجاوزه، وإن عدل إلى غير الجنس: ففيه هذه الطرق؛ كما في هذه المسألة، وكذلك: لو اكترى داراً؛ ليسكنها، فأسكنها الحدادين، أو اكترى دابة، ليحمل عليها قطناً، فحمل الحديد، أو ليخرج إلى بلد، فخرج إلى بلد ىخر طريقة أوعر.
ولو اكترى أرضاً؛ ليزرع فيها الحنطة، ولا يزرع غيرها: ففيه أوجه: أحدها: لا يصح العقد؛ لأنه شرط خلاف قضية العقد؛ كما لو عين حنطة، وقال: ازرع هذه دون غيرها: لا يصح.
وقيل: يصح، ويلغو الشرط.
وقيل: يصح، ويلزم الشرط: فلا يجوز أن يزرع غير الحنطة.
ولو اكترى أرضاً ليزرع فيها زرعاً معيناً مدة يستحصد الزرع فيها، فانقضت المدة والزرع لم يبلغ أوان الحصاد- نُظر: إن تأخر لآفة سماوية من حر أو برد، أو أكله الجراد، فنبتت ثانياً: لا يُجبر على قلعه، ويترك إلى أوان الحصاد بأجر المثل.
ولو أعار المالك الأرض منه مجاناً: جاز، وإن تأخر بتفريط من جهته بأن أخر الزراعة إلى وقت لا يدرك، أو أبدله بما يكون إدراكه أبعد، أو أكله الجراد، فزرع ثانياً: للمالك إجباره على قلعه، وعلى الزارع تسوية الأرض؛ كالغاصب.
أما إذا أجره مدة؛ ليزرع فيها زرعاً لا يستحصد في تلك المدة- نُظر: إن شرط

التبقية إلى الحصاد بعد مضي المدة: فالإجارة فاسدة؛ لجهالة المدة، ولمالك الأرض منعه من الزراعة غير أنه إذا بادر وزرع: لم يكن للمالك قلعه؛ لأنه زرع بإذنه، بل يبقى إلى أوان الحصاد بأجر المثل لجميع المدة.
ولو شرط قلعه عند مضي المدة: صحت الإجارة بالمسمى، ويؤمر بقلعه عند انتهاء المدة، فإن تراضيا على تركه بإجارة أو إعارة: جاز، وإن أطلق العقد، ولم يشرط قلعاً ولا تركاً عند انتهاء المدة: تصح الإجارة بالمسمى، وهل يجبر على قلعه بعد مضي المدة؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: يُجبر؛ لأنه عقد إلى مدة، [و] قد انقضت، إلا أن يتراضيا على تركه بإجارة أو إعارة.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه دخل فيه على علم؛ فكأنه رضي بتركه بعد المدة؛ فعلى هذا: هل له أجر المثل للزيادة؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأنه لم يرض بزرعها مجاناً.
والثاني: ليس له ذلك، لأنه لما أجر مدة لا يستحصد فيها الزرع: فكأنه أعار منه الزيادة على المدة.
ولو اكترى أرضاً مدة للزراعة مطلقاً: يجوز، وله أن يزرع أضر أنواع الزروع؛ كما لو قال: ازرع ما شئت، ولكن يجب أن يزرع زرعاً يدرك في تلك المدة، ثم إن تأخر لتفريط من جهته: يقلع بعد مضي المدة، وإن تأخر لا لتفريط من جهته: يبقى إلى أوان الحصاد بأجر المثل؛ كما ذكرنا في الزرع المعين، وهل لصاحب الأرض منعه من زراعة ما لا يدرك في تلك المدة؟ فيه وجهان.
فإن زرع زرعاً لا يدرك في تلك المدة: لم يكن له قلعه قبل مضي المدة؛ لأن المدة مستحقة له، أما بعد مضي المدة: فله قلعه؛ لأنه مفرط بزرع ما لا يدرك، بخلاف ما لو سمى زرعاً لا يدرك في تلك المدة: لم يقلع في وجه؛ لأنه رضي بزرعه.
ولو اكترى أرضاً ليغرس فيها، أو ليبني مدة: يجوز، ثم إن شرط القلع بعد مضي المدة: يؤمر بقلعه مجاناً؛ لأن قضية العقد أن تسلم العين إلى الآجر فارغة، وإن لم يشرط

القلع: فلا يقلع بعد مضي المدة مجاناً، لكن يتخير مالك الأرض بين أحد الأشياء الثلاثة: إن شاء أقرها بالأجرة، وإن شاء تملكها بالقيمة، وإن شاء قلعها وضمن أرش النقصان.
وإن كان على الأشجار ثمرة: يغرم نقصانها.
وعند أبي حنيفة والمزني- رحمة الله عليهما- يقلع مجاناً، وإذا اختار الآخر أحد هذه الأشياء: أجير المستأجر عليه، وإن اكتراه بشرط التبقية بعد المدة: لا يصح العقد؛ للجهالة، وعلى المكتري كراء المثل في المدة، وبعد المدة: يتخير بين الأشياء الثلاثة.
وقيل: يصح العقد؛ لأن إطلاق العقد يقتضيه؛ فلا يبطل بالشرط.
ولو اكترى أرضاً للغراس كراء فاسداً، وغرس: فهو كالصحيح في أنه لا يقلع مجاناً، ويتخير المالك بين الأشياء الثلاثة.
فلو قلع المكتري الغراس، هل عليه تسوية الأرض؟ - نُظر: إن اكترى بشرط القلع: لا يجب؛ لأن المالك رضي بالحفر، لما شرط القلع، وإن لم يشرط: فإن قلع المكتري بعد المدة: عليه تسوية الأرض؛ لأنه قلع الغراس من أرض غيره بغير إذنه، ولا له عليها يد، وإن قلع في خلال المدة: فوجهان: أحدهما: يجب؛ لأنه قلع من غير إذن مالك الأرض؛ كما بعد المدة.
والثاني: لا يجب؛ لأن له يداً على الأرض في خلال المدة؛ بخلاف ما بعد المدة.
ولو اكترى أرضاً؛ ليزرع ما يشاء مدة: يصح؛ وله أن يزرع ما شاء، قل ضرره أو كثر، ولكن لا يجوز أن يغرس، ولا أن يبني.
ولو اكتراه؛ ليصنع ما يشاء: فيه وجهان: أحدهما: يصح، وله أن يزرع ويغرس ويبني.
والثاني: لا يصح؛ لكثرة الجهالة.
ولو اكترى للغراس أو البناء: له أن يزرع؛ لأن ضرره أقل.
ولو اكترى للغراس هل له أن يبني، أو للبناء هل له أن يغرس؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن كل واحد للتأبيد.

والأصح: أنه لا يجوز؛ لأن ضررهما مختلف: ضرر الغراس في باطن الأرض، وضرر البناء على ظاهرها.
ولو قال: ازرعها، أو اغرسها ما شئت: نص على أن الكراء جائز.
قال المزني- رحمه الله-: لا يجوز؛ لأنه لم يبين، كم يغرس وكم يزرع؟ قلنا: صورة مسألة الشافعي- رضي الله عنه- أن يقول: ازرع إن شئت، واغرس إن شئت، فوض إليه زرع جميعها، أو غرس جميعها؛ فيصح.
ثم إذا غرس، فبعد مضي المدة: يتخير المالك بين الأشياء الثلاثة.
أما إذا قال: ازرع واغرس: فيه وجهان: أحدهما: يصح، ويغرس النصف، ويزرع النصف.
والثاني- وهو الأصح: لا يصح؛ لأنه لم يبين، كم يغرس؟ وكم يزرع؟ حتى قال الشيخ القفال: لو صرح، فقال: ازرع النصف، واغرس النصف: لا يصح أيضاً؛ لأنه لم يبين أي النصفين يغرس؛ كما لو قال: بعتك هذين العبدين: أحدهما بألف، والآخر: بخمسمائة ولم يبين: لا يصح.
ولو اكترى أرضاً، فزرعها: يجب على المكتري الكراء، أو عشر الزرع.
وعند أبي حنيفة: لا يجب على المكتري الكراء، أما العشر فعلى الآجر.
قلنا: العشر حق الزرع، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وزكاة المال: تكون على مالك المال، لا على غيره، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل