وعلى الإمام أن ينصب ف كل بلدة قاسماً؛ فإن لم تقع الكفاية بواحد، فأكثر قدر ما تقع بهم الكفاية ويرزقهم من بيت المال.
[وكذلك ينصب كاتباً؛ لكتبة الصكوك وغيرها، ويرزقه من بيت المال].
فإن لم يكن في بيت المال مال، أو [لم] يعط- فلا يعين قاسماً ولا كاتباً؛ لأنه إذا تعين غالى في الأجرة، بل يترك الناس يستأجرون الكتاب والقسام كيف شاءوا.
فإذا نصب قاسماً، يشترط أن يكون عالماً بالحساب عدلاً، نزهاً من الطمع.
ثم إن لم يكن في القسمة تقويم، جاز قاسم واحد، وإن كان فيها تقويم ثم لم يجز أقل من اثنين.
وإن كان فيها خرص، هل يكتفي بخارص واحد؟ فيه قولان.
ثم إن كان القاسم قد نصبه الحاكم، فرزقه وأجرته من بيت المال سهم المصالح، وإن لم يكن في بيت المال شيء، فيكون على الشركاء.
ثم ينظر: إن استأجر جماعة قاسماً وسمى كل واحد شيئاً واحداً جاز، وعلى كل واحد ما سمى.
وإن سموا أجرة واحدة.
[فإن قالوا: اقسم بيننا هذا المال على عشرة دراهم، فيوزع العشرة عليهم على قدر أملاكهم؛ فمن كان نصيبه أكثر، كان عليه من الأجرة أكثر؛ بخلاف الشفعة توزع على عدد رءوس الشركاء؛ سواء مع تفاوت- أنصبائهما على أحد القولين؛ لأن الشفعة لا تستحق بسبب الشركة وهم في أصل الشركة سواء، وهاهنا يستحق الأجرة للعمل وعمله لصاحب الكبير أكثر منه لصاحب القليل؛ كما ل كان بين رجلين حمل ثقيل؛ لأحدهما ثلثه، وللآخر ثلثاه؛ فاستأجرا رجلاً بعشرة ليحمله إلى موضع معلوم، فحمله- تكون العشرة بينهما أثلاثاً: الثلثان على صاحب الثلثين؛ والثلث على الآخر، فإن كان القاسم من جهة الشركاء يجوز أن يكون فاسقاً وعبداً؛ لأنه وكيل لهم؛ بخلاف منصوب الإمام يشترط أن يكون حراً عدلاً لأنه منصوب لإلزام الحكم؛ كالحاكم.
إذا كان بين رجلين مال من نوع واحد وطلب أحدهما القسمة، وامتنعا لآخر- هل يجبر الممتنع؟
نظر: إن لم يكن على واحد منهما ضرر؛ كالقسمة في الدراهم والدنانير والحنطة
والشعير وسائر الحبوب والأدهان والثوب الغليظ الذي لا تنتقص قيمته بالقطع، والأرض والدار المستوية أجزاؤها- يجبر الممتنع على القسمة.
وإن كان عليهما ضرر؛ كالجواهر والثوب المرتفع الذي تنتقص قيمته بالقطع والكسر، والرحاء الواحدة، والبئر والحمام الصغير الذي لا يمكن أن يتخذ منه حمامان- فلا يجبر الممتنع على القسمة؛ لأن في قسمته إضاعة للمال؛ ونهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن إضاعة المال؛ وفيه ضرر عليهما؛ وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم- "لا ضرر ولا إضرار".
وإن كان على أحدهما ضرر؛ بأن كانت أرضاً تسعة أعشارها لواحد، وعشرها لآخر، ينتفع صاحب التسعة أعشار [بالقسمة]، ويتضرر بها صاحب العشر؛ إذ لا يمكنه الانتفاع بنصيبه إذا انفرد، أو كانا سواء في قلة النصيب، ولكن لأحدهما بجنبه ملك خالص إذا انضم إليه نصيبه ينتفع به؛ فإن طلب القسمة من لا ضرر عليه، يجبر صاحبه على القسمة.
وقال أبو ثور: لا يجبر؛ لأنه يتضرر به الناس قلنا: من ينتفع بالقسمة لا يجب عليه ترك حقه لضرر الغير؛ كما لو كان له دين على رجل لا يملك إلا ما يقضي دينه- يجبر على أداء الدين؛ وإن تضرر به.
وإن طلب القسمة من يتضرر بالقسمة، فلا يجبر الآخر عليه؛ لأنه يطلب ما لا يقع له فيه، بل عليه فيه ضرر، فإن تراضيا جاز.
وإن كانت بينهما أرض مختلفة الأجزاء في بعضها أشجار أو بناء، وبعضها خال، أو بعضها يسقى بالنهر وبعضها لا يصيبه الماء؛ فيسقى بالنضح، أو بينهما دار بعضها مبني بالآجر، وبعضها بالخشب أو الطين- فإن أمكن أن يقسم الجيد بينهما على الانفراد والردئ على الانفراد، وأيهما امتنع أجبر الآخر عليه.
وإن لم يمكن، إلا بأن نجعل الجيد لواحد، والرديء لآخر، ويرد من يأخذ الجيد شيئاً؛ فلا يجبر عليه، إلا أن يتراضيا.
وكذلك لو كان بينهما دار لها علو وسفل؛ فإن أمكن أن يجعل لكل واحد منهما نصفها علواً وسفلاً- أجبر عليه.
وإن اقتسما على أن يكون السفل لواحد، والعلو لآخر- فلا يجوز إلا بالتراضي.
وإن أمكن قسمة الأرض المختلفة بالتعديل؛ بأن تكون الأرض ثلاثين جريناً: عشرة أجرنة من جيدها بقيمة عشرين جريناً من رديئها؛ فدعا ذلك إلى أحدهما- هل يجبر عليه؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو الأصح: لا يجبر إلا أن يتراضيا عليه؛ لتعذر التساوي في الزرع؛ كما لو كانت بينهما دور وبساتين في مواضع مختلفة؛ فطلب بعضهم قسمتها أعياناً بالقيمة- لا يجاب إليه، إلا أن يتراضيا، بل يقسم كل واحدة على الانفراد.
والثاني: يجبر؛ لوجود التساوي في المشترك بالتعديل؛ فعلى هذا: في أجرة القسام وجهان:
أحدهما: على كل واحد نصفها؛ لاستوائهما في أصل الملك.
والثاني: على صاحب العشرة ثلثها، وعلى صاحب العشرين ثلثاها؛ لتفاضلهما في المأخوذ بالقسمة.
وإن كان بين ملكي رجلين عرصة جدار مشتركة بينهما؛ فأرادا قسمتها نظر: إن أرادا قسمتها طولاً في جميع العرض؛ بأن كان طولها عشرة أذرع وعرضها ثلاثة أشبار؛ فأرادا قسمتها طولاً؛ فتصير لكل واحد خمسة أذرع في جميع العرض- جاز، وأيهما طلب ذلك أجبر الآخر عليه.
وإن أرادا قسمتها عرضاً في جميع الطول، فيكون لكل واحد شبر ونصف في جميع الطول.
فإن تراضيا عليه جاز، وإن امتنع أحدهما لم يجبر الآخر عليه؛ لأن الجبر يكون بالقرعة.
وإذا أقرع بينهما، ربما يخرج لكل واحد منهما ما يلي ملك صاحبه؛ فلا ينتفع به.
أما إذا كان بين ملكيهما جدار مشترك بينهما، فأرادا قسمته: إن أرادا قسمته عرضاً في جميع الطول، يجوز بالتراضي إذا كان الجدار عريضاً، وأمكن شقه إلى آخره.
وإذا امتنع أحدهما لا يجبر الآخر عليه؛ للمعنى الذي أشرنا إليه في موضع الجدار.
وإن أرادا قسمته عرضاً في جميع الطول، يجوز بالتراضي طولاً في جميع العرض.
فهل يجبر عليه إذا امتنع منه أحدهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر؛ كما في عرصة الجدار.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه لا يمكن إلا بقطع الجدار، وفيه إتلاف بعض الجدار؛ فلا يصار إليه إلا بالتراضي.
وإن كان بينهما أصناف مختلفة من المال مشتركة؛ كالكرم والنخل والحنطة، مع الشعير والأشجار المختلفة والعبيد مع الدواب؛ فأرادا قسمتها أصنافاً؛ فيجعل لكل واحد صنف على الانفراد- يجوز ذلك بالتراضي، وإذا امتنع أحدهما لا يجبر عليه، بل يقسم كل صنف على الانفراد.
وكذلك إذا كان المالان من صنف واحد، والنوع مختلف- لا يجعل [على كل] واحد نوع على الانفراد إلا بالتراضي، ب يقسم كل نوع على الانفراد بينهما.
فإن كانت الأنواع مختلطة؛ كالتمر الجيد مع الرديء، والجوز الهش مع الصلب ولا يمكن التمييز بينهما- فلا يجوز قسمتهما أجزاء إلا بالتراضي.
وإن كان بينهما أعيان متفقة النوع؛ كالعبيد والدواب، أو الأشجار أو الثياب، أو الخشب؛ فأرادا قسمتها- نظر: إن أمكن القسمة بينهما مع الاستواء في العدد والقيمة؛ بأن كان بينهما عبدان قيمتهما سواء، [أو حماران قيمتهما سواء، أو ثوبان أو شجرتان من نوع واحد قيمتهما سواء]- فالمذهب أنه يجبر على القسمة إذا طلب أحدهما؛ وهو قول أكثر الأصحاب.
وقال ابن أبي هريرة: لا يجبر الممتنع إلا أن يتراضيا عليه؛ لأنها أعيان مختلفة؛ كالدور المتفرقة لا تقسم أعياناً.
والأول المذهب، وليس كالدور المتفرقة؛ لأنها كالأصناف المختلفة؛ لاختلاف محالها.
ولو أمكن التسوية بينهما في القيمة مع تفاوت العدد؛ بأن كان بينهما ثلاثة أعبد قيمة واحد مائة وقيمة اثنين مائة- فهل يجبر على القسمة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجبر؛ للتفاوت في العدد، إلا أن يتراضيا عليه.
والثاني: يجبر؛ لوجود التساوي [بينهما] في القيمة، وإن لم يمكن التسوية بينهما في القيمة أيضاً؛ مثل: أن كان بينهما عبدان؛ قيمة أحدهما مائة، وقيمة الآخر مائتان، أو ثلاثة أعبد؛ قيمة اثنين مائة، وقيمة واحد مائتان- هل يجبر على القسمة؟ ترتب على الأول:
إن قلنا ثم: لا يجبر، فهاهنا أولى وإلا فوجهان.
والأصح: أنه لا يجبر؛ لأن الشركة هاهنا لا ترتفع بالقسمة.
فإن قلنا: يجبر أو تراضيا، يقرع بينهما؛ فمن خرجت له قرعة العبد الذي قيمته مائة أخذها، وربع الآخر.
فصل في إحصاء أهل السهمان
إذا أراد القاسم قسمة أرض أو دار أو غيرها، يجب أن يحصي عدد أهل السهمان؛ فيعدل السهام بالأجزاء أو بالقيمة، ثم إن استوى عددهم وسهامهم؛ بأن كانوا ثلاثة وبينهم أرض أثلاثاً، جزأها ثلاثة أجزاء، ثم قطع ثلاث رقاع صغار مستوية وكتب على كل رقعة اسم واحد منهم، وجعلها في بنادق من طين سوى بينهما في الوزن وجففها، وجعلها في حجر من لم يحضر الكتاب ولا إدخالها في الطين ثم قال: أخرج على السهم الأول فمن خرج اسمه أخذ ذلك السهم ثم يخرج على السهم الثاني فمن خرج اسمه أخذه، ويتعين السهم الآخر للثالث، وإن شاء كتب أسامي السهام على الرقاع، ثم قال: أخرج [على السهم الأول؛ فمن خرج اسمه أخذ ذلك، ثم يخرج على السهم الثاني؛ فمن خرج اسمه أخذه، ويتعين] باسم فلان؛ فأي سهم خرج، دفع إليه.
وإن اختلف سهامهم؛ بأن كان لواحد النصف، ولآخر الثلث، والثالث السدس- فيقسم على أقل السهام؛ وهو السدس؛ فيجعل أسداساً، ويكتب الأسامي في الرقاع، ويخرج على السهام؛ فيقول: أخرج على السهم الأول.
فإن خرج اسم صاحب النصف، دفع إليه ذلك السهم والسهمين اللذين يليانه، ثم يقول: أخرج على السهم الرابع؛ فإن خرج اسم صاحب الثلث، دفع إليه مع السهم الذي يليه ويتعين السهم الآخر لصاحب السدس؛ فإن خرج السهم الأول لصاحب السدس دفع إليه.
ثم أخرج على السهم الثاني؛ فإن خرج اسم صاحب النصف، دفع إليه ثلاثة أسهم، وتعين السهمان الآخران لصاحب الثلث.
ولا يكتب على الرقاع أسماء السهام عند اختلاف السهام؛ لأنه إذا كتب أسماء السهام، ثم خرج على الأسامي ربما تتفرق أملاكهم، فيتضررون.
وكل قسمة فيها رد، فهي بيع يشترط [فيه] لفظ البيع والتمليك.
فيقول من اختار الأجود؛ ليرد شيئاً: اشتريت منك مالك فيما صار لي بما لي فيما صار لك وبعشرة دنانير، فيقول الآخر: بعتك أو ملكتك.
وكذلك إذا كانت الأرض مختلفة الأجزاء، لا يمكن القسمة بينهما مع التساوي في الأجزاء؛ فاقتسما على التعديل، أو اقتسما الأموال على الأصناف.
وكل قسمة لا يجبر
عليها؛ فتراضيا عليها، فهو بيع يشترط فيها لفظ التمليك، وتثبت فيها أحكام البيع.
وإن لم يكن في القسمة رد؛ بأن كان بينهما حنطة أو شيء من الحبوب والأدهان، أو كانت بينهما أرض مستوية الأجزاء، أو دار مستوية الأبنية، أو كرم متفقة الأشجار، أمكن قسمتها من غير تفاوت؛ فاقتسما- فتلك القسمة بيع، أم إفراز حق؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه بيع؛ لأنه ما من جزء من ذلك المال إلا وهو مشترك بينهما، فإذا أخذ كل واحد نصفه، فكأنه باع ماله فيما أخذ لصاحبه بما لصاحبه فيما أخذه.
والثاني: أنه إفراز حق؛ بدليل أنه إذا امتنع أحدهما، يجبر الآخر عليه، ويدخله القرعة، والبيع لا يدخله القرعة والجبر، ولا يحتاج إلى لفظ التمليك.
والأول أصح؛ أنه بيع، والجبر والقرعة للحاجة إليه؛ كما أن الحاكم يبيع مال المديون جبراً؛ لأجل الحاجة، ولا يخرج عن أن يكون بيعاً.
أما لفظ البيع والتمليك: [فقد قيل] إذا قلنا: إنه بيع، يشترط لفظ البيع والتمليك.
وقيل: لا يشترط، بل إذا اقتسما، فله حكم البيع.
والصحيح: أنه لا فرق بين أن تكون قسمتهما بالتراضي، أو بالجبر أنه على القولين.
وقيل: [القولان] فيما إذا اقتسما جبراً؛ فإن كان بالتراضي، فهو بيع قولاً واحداً.
أما إذا اقتسما على التفاوت بالتراضي فلا خلاف أنه بيع.
وفائدة القولين: تتبين في أنهما لو اقتسما على التفاوت بينهما شيئاً من مال الربا؛ إن جعلناه بيعاً، يشترط القبض في المجلس، وإن جعلناه إفراز حق، فلا يشترط.
ولو اقتسم المكيل بالوزن، أو الموزون بالكيل؛ فإن كان من مال الربا، وجعلناه بيعاً- لا يجوز.
وإن جعلناه إفراز حق، يجوز؛ وإن لم يكن من مال الربا؛ كالجص والنورة ونحوهما يجوز قسمتها وزناً وكيلاً قولاً واحداً.
وإن كان بينهما أرض مزروعة، وطلب أحدهما القسمة- نظر: إن طلب قسمة الأرض دون الزرع، أجبر عليه؛ لأن الزرع في الأرض كالمتاع في البيت؛ لا يمنع المتاع قسمة البيت.
وإن طلب القسمة مع الزرع، لم يجبر عليه؛ لأن الزرع لا يمكن تعديله؛ فهو كالحشيش في الأرض؛ لا يجبر على قسمته.
وإن تراضيا عليه، هل يجوز أم لا؟ نظر: إن
كان الزرع بذراً لم ينبت، لم يجز؛ لأنه مجهول.
وإن كان قد نبت؛ نظر: إن كان فصيلاً لم يظهر فيه الحب جاز، وإن كان قد انعقد فيه الحب لم يجز؛ لأنا إن قلنا: القسمة بيع، فهو بيع أرض وطعام بأرض وطعام.
وإن قلنا: إفراز حق فهو قسمة مجهول ومعلوم.
وإذا اقتسما شيئاً، ثم تقايلا: إن قلنا: القسمة بيع، صحت الإقالة، وصار كأن القسمة لم تكن.
وإن قلنا إفراز حق، فلا معنى للإقالة والقسمة بحالها.
فإذا ترافع الشريكان إلى الحاكم، وسألاه أن ينصب قاسماً يقسم بينهما شيئاً ففعل فعدل القاسم السهام، وأقرع بينهما- لزم، ولا يعتبر بعده التراضي؛ لأن هذه القسمة إجبار وكما لم يعتبر التراضي في ابتداء هذه القسمة، لم يعتبر بعد خروج القرعة؛ كما في الابتداء.
وفيه قول آخر: أنه يعتبر بعد خروج القرعة.
أما إذا تراضى الشريكان بقاسم يقسم بينهما؛ فعدل السهام، وأقرع- فالمنصوص أنه يعتبر التراضي بعد خروج القرعة؛ كما في الابتداء.
وفيه قول آخر: أنه لا يعتبر بعد خروج القرعة؛ كما ذكرنا فيما لو حكما رجلاً ليحكم بينهما فحكم- فهل يلزم بنفس الحكم، أم يشترط تراضيهما بعد الحكم؟ فيه قولان.
أما إذا كان في القسمة رد، وخرجت القرعة، لا يلزم إلا بالتراضي.
وقال الإصطخري: يلزم بخروج القرعة من غير التراضي؛ كقسمة الإجبار، وليس بصحيح بل يعتبر التراضي بعد خروج القرعة؛ كما في الابتداء؛ بخلاف قسمة الإجبار؛ لأن ثم لا يعتبر التراضي في الابتداء؛ فلم يعتبر بعد خروج القرعة.
فإن كانت داراً أو أرضاً موقوفة على جماعة لا يجوز لهم قسمتها؛ لأن تغيير الوقف لا يجوز؛ كما لا يجوز أن تجعل الدار الموقوفة بستاناً ولا البستان داراً.
وإن كان نصفها موقوفاً، والنصف مملوكاً، فهل يجوز قسمتها أم لا؟
إن قلنا: القسمة إفراز حق جاز، وإن قلنا: بيع لا يجوز؛ لأن بيع الموقوف لا يجوز.
فصل في قسمة المهايأة
إذا كان بينهما شيء لا يقبل القسمة من بئر، أو طاحونة، أو دابة، أو عبد؛ فاقتسماها مهايأة؛ حتى ينتفع بها أحدهما مدة معلومة، ثم ينتفع الآخر مثلها- جاز؛ لأن الأعيان القابلة
للقسمة لما جازت قسمتها كذلك المنافع.
وإن طلب أحدهما المهايأة، وامتنع الآخر- هل يجبر الممتنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر كما يجبر على قسمة الأعيان.
والثاني- وهو الأصح، والمنصوص عليه: لا يجبر؛ لأن فيه تعجيل حق أحدهما، وتأخير الآخر؛ بخلاف الأعيان؛ فإنه لا يتأخر بالقسمة فيها حق أحدهما.
فإن قلنا: يجبر، أو تراضيا على المهايأة مياومة أو مشاهرة أو مشافهة- جاز وإن لم يتفقا على أن يبدأ أحدهما بالانتفاع، يقرع بينهما؛ فإذا انتفع أحدهما مدة، ثم انهدمت الدار، ومات العبد- فعلى الذي انتفع بها نصف أجرة المثل للمدة التي انتفع بها صاحبه.
ولو لم تتلف العين، ولكن امتنع الثاني من الانتفاع: فإن قلنا: يجبر على المهايأة فلا شيء للمتنع؛ لأنه ضيع حظ نفسه.
ولو رغب في الانتفاع قبل مضي مدته، ليس للآخر منعه.
وإن قلنا: لا يجبر على المهايأة، فللثاني ألا ينتفع بها، بل يطلب من الذي انتفع بها نصف أجر مثل المدة التي سكنها.
ولو أراد الثاني أن يسكنها؛ فقال الذي سكن: لا أدعك تسكنها، وأغرم لك نصف أجرة مثل ما سكنت- فله ذلك.
فإن قلنا: لا يجبر على المهايأة، ولم يتراضيا، هل للقاضي بيعها عليهما؛ قطعاً للمنازعة؟ فيه وجهان:
المذهب: أنه لا يبيع عليهما؛ لأنهما مكلفان مطلقان بل يؤاجر عليهمأ، ويصرف الأجرة إليهما.
ولو اتفقا في العبد المشترك على المهايأة، تدخل في المهايأة الأكساب العامة؛ كالاحتطاب، والاصطياد، والاحتشاش.
فما اكتسب في يوم أحدهما، يكون له، وكذلك المؤن العامة، كالنفقة تدخل في المهايأة؛ فيجب على كل واحد منهما نفقة اليوم الذي يعمل له.
أما الأكساب النادرة مثل: الركاز، واللقطة يجدها وقبول الهبة والوصية، وكذلك المؤن النادرة مثل: أجرة الطبيب، والفصاد والحجام وصدقة الفطر- هل تدخل في المهايأة؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو المذهب-: تدخل في المهايأة؛ كالعامة.
والثاني: لا تدخل في المهايأة، بل الكسب النادر يكون بينهما في أي يوم كان، والمؤنة النادرة تكون عليهما في أي يوم كان.
وكذلك من بعضه حر، وبعضه رقيق، فأكسابه تكون بينه وبين سيده، والمؤن عليهما.
وإن كان بينهما مهايأة، فتدخل المهايأة الأكساب، والمؤن العامة.
وفي النادرة وجهان:
المذهب: أنها تدخل في المهايأة.
وإن كان بينهما بقرة حلوب لا يجوز فيها المهايأة؛ لأن اللبن مجهول، وربما يكون في يوم أحدهما أكثر.
فصل في الغلط في القسم
إذا قسم القاسم مالاً بين رجلين، ثم ادعى أحدهما غلطاً في القسمة- لا يسمع، ولا يحلف القاسم؛ كما لو ادعى المحكوم عليه على الحاكم أنه ظلم، أو على الشاهد أنه كذب- لا يسمع.
فإن أقام البينة على الغلط يسمع، وترد القسمة، كما لو أقام البينة على ظلم القاضي، وكذب الشاهد.
ولو أقر القاسم؛ أني غلطت، أو تعمدت؛ نظر: إن صدقه الشركاء تنقض القسمة، وإن كذبوه لا تنقض، وعليه رد الأجرة، وكذلك القاضي إذا قال: غلطت في الحكم، أو تعمدت الجور؛ فإن صدقه المحكوم له، يجب عليه رد المال إلى المدعى عليه، وإن كذبه فلا يجب عليه رده، وعلى القاضي الغرم.
ولو استحق بعض المقسوم؛ لا يخلو: إما أن استحق شيء معين، أو جزء شائع: فإن استحق شيء معين؛ نظر: إن استحق من نصيب كل واحد مثل ما استحق من نصيب الآخر أمضيت القسمة، وإن استحق من نصيب أحدهما شيئاً دون الآخر فالقسمة باطلة، وإن استحق جزءاً شائعاً من الكل قال ابن أبي هريرة: بطلت القسمة في المستحق.
وهل تبطل في الباقي؟ فعلى قولين بناءً على تفريق الصفقة.
وقال أبو إسحاق: بطلت القسمة في الكل؛ لأن المقصود من القسمة تمييز الحقوق، ولم يحصل ذلك؛ لأن المستحق صار شريكاً لكل واحد منهما.
ولو قسمت التركة بين الورثة، ثم ظهر على الميت دين يحيط بالتركة- فهذا يبنى على أن الوارث إذا باع بعض التركة، وعلى الميت دين هل يصح البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن التركة كالمرهون في الدين، وبيع المرهون لا يصح.
والثاني: يصح؛ كالمريض يصح بيعه مع تعلق حق الورثة بماله، وليس كالمرهون؛
لأن المالك أغلق على نفسه باب التصرف فيه لعقده، والوارث لم يعقد عقداً يمنع نفسه من التصرف.
فإن قلنا: بيع الوارث صحيح، فالقسمة هاهنا صحيحة.
فإن أدى الوارث الدين، وإلا نقضت القسمة، وبيعت التركة في الدين.
وإن قلنا: بيع الوارث لا يصح، فإن جعلنا القسمة بيعاً فهي باطلة، وإن جعلناها إفرازاً للحق صحت القسمة؛ فإن لم يؤدوا الدين، نقضت القسمة، وبيعت في الدين.
ولو ظهرت وصية بعد قسمة التركة؛ نظر: إن كانت الوصية مرسلة فكالدين، وإن كانت بعين من الأعيان فكالاستحقاق، وإن كانت بالثلث لا تنقض القسمة، وأخذ الموصي له من كل واحد ثلث ما خصه.
ولو تنازع الشريكان بعد القسمة في بيت في الدار التي اقتسماها؛ فادعى كل واحد أن هذا البيت نصيبي ولم يكن بينة تحالفاً، ونقضت القسمة؛ كالمتبايعين إذا اختلفا، تحالفا، وفسخ البيع.
وإن وجد أحدهما بما صار له عيناً، فله الفسخ، كما يفسخ البيع بالعيب.
وإذا كانت دار في أيدي جماعة طلبوا الحاكم أن يقسمها بينهم- نظر: إن أقاموا بينة أنها ملكهم، عليه أن يقسمها بينهم.
وإن لم يقيموا بينة، فهل له أن يقسمها؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقسهما إلا ببينة تشهد أنها ملكهم؛ لاحتمال أنها في أيديهم بعارية أو إجارة.
فإذا قسمها بينهم، ثم جاء مالكها؛ فهم يدعون أنها ملكهم، ويقيمون البينة على أن فلاناً الحاكم قسمها بينهم؛ فيبطل به حق المدعي.
والثاني: يقسمها بينهم؛ لأن اليد دليل ملكهم، ويكتب في الذكر؛ أنه قسمها بينهم بقولهم، ويشهد عليه؛ حتى إذا ظهر لها مالك تكون على حجته.
ولو جاز ألا يقسم، وجب ألا تبقى في أيديهم؛ خوفاً من أن يأتي قاض بعده؛ فيرى إقراره في أيديهم حكماً لهم بها.
ولا فرق عندنا بين العقارات وغيرها.
وعند أبي حنيفة: لا يقسم العقار من غير بينة، ويقسم غير العقار؛ فنقيس أحدهما على اِلآخر.
والله أعلم بالصواب.
قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وهذا أمر على سبيل الإرشاد؛
حتى لو باع ولم يشهد، صح البيع؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ابتاع من أعرابي فرساً ولم يشهد فجحد الأعرابي؛ فشهد خزيمة بن ثابت، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: بم تشهد ولم تحضر؟ فقال: نصدقك على خبر السماء؛ أفلا نصدقك على خبر الأرض.
فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا الشهادتين.
ولو كان الإشهاد واجباً، لم يتركه النبي- صلى الله عليه وسلم- ولا يجب الإشهاد في شيء من العقود إلا في النكاح.
ولو وكل وكيلاً بالبيع، وقال: لا تبع إلا بمحضر شاهدين؛ فباع بغير محضر شاهدين- لم يصح البيع؛ لمخالفة الموكل.
ثم الشهادات على قسمين: على عقوبة، وعلى غير عقوبة.
أما العقوبة: إن كان حد الزنا فلا تثبت إلا بأربعة من الرجال العدول؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
أما الإقرار بالزنا: هل يثبت بشهادة رجلين؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة كنفس الزنا.
والثاني: يثبت برجلين؛ لأنه شهادة على حركات اللسان؛ كسائر الأقارير.
أما غير الزنا من الجنايات الموجبة للعقوبة: فلا يثبت إلا برجلين عدلين؛ سواء كانت العقوبة قتلاً أو قطعاً أو جلداً؛ وسواء كانت حقاً لله مثل قتل الردة، وقطع السرقة، وحد الشرب، أو حقاً للعباد مثل: قتل القصاص، وقطع القصاص، وحد القذف، وكذلك التعزير؛ وسواء كانت شهادتهم على نفس الجريمة، أو على الإقرار بها، ولا مدخل لشهادة النساء في العقوبات.
أما غير العقوبات فقسمان:
أحدهما: ما لا يكون المقصود منه المال.
والثاني: ما يكون المقصود منه المال.
أما ما لا يكون المقصود منه المال؛ فينظر: إن كان مما يطلع عليه الرجال غالباً؛ كالنكاح، والطلاق، والعتاق، والخلع، والإيلاء، والظهار والرجعة، وانقضاء العدة، والبلوغ، والموت، والكتابة، والولاء، والنسب، والإعسار والإسلام، والردة وجرح الشهود وتعديلهم، والإقرار بهذه الأشياء- فلا يثبت شيء منها إلا برجلين عدلين، وكذلك الوصاية، والوكالة، وإن كانت الوكالة في المال.
والشركة، والقراض كالوكالة؛ لأنها تفويض التصرف إلى الغير كالوصية؛ ولأن من ادعى أنه وكيل فلان في استيفاء حقه، يحتاج إلى إثبات فعل الغير.
وعند أبي حنيفة: يثبت النكاح، والطلاق، والعتاق- برجل وامرأتين.
وإن كان ذلك مما يطلع عليه النساء غالباً؛ كالولادة، والرضاع، والاستهلال، والثيوبة، والبكارة، والحيض، والرتق، والقرن والعيوب التي تحت إزار النساء؛ من: برص وغيره- تثبت برجلين، وبرجل وامرأتين، وأربع نسوة ولا تثبت بشاهد ويمين.
وفي الاستهلال قول آخر: أنه لا يثبت إلا [بشهادة برجلين.
وعند أبي حنيفة: تثبت الولادة] بشهادة القابلة وحدها، إذا كان الحمل ظاهراً، أو الفراش قائماً، ولا يثبت الرضاع عنده إلا برجلين أو رجل وامرأتين؛ فنقيس على الولادة؛
ولأنه مما يطلع عليه النساء غالباً.
والعيب الذي بوجه المرأة أو كفها لا بيثبت إلا برجلين، وإن كان ببدنها يثبت بأربع نسوة؛ لأن الوجه والكف ليسا بعورة منها.
وإن كان العيب بوجه الأمة، أو بموضع من بدنها يبدو في المهنة- يثبت برجل وامرأتين وبشاهد ويمين؛ لأن المقصود منه المال، وإن كان على عورتها يثبت بأربع نسوة.
وإن أصاب فرج المرأة جراحة في الحمام؛ فإن كانت موجبة للقصاص فلا تثبت إلا برجلين، وإن كانت موجبة للمال فتثبت برجل وامرأتين وبشاهد ويمين، ولا تثبت بأربع نسوة؛ لأن جنس الجراحة مما يطلع عليه الرجال غالباً.
أما ما يكون المقصود منه المال؛ كالبيع، والإقالة، والهبة، والرهن والإجارة، والوصية، والحوالة، والضمان، والقرض، والصلح، والإبراء، والشفعة، والإقرار- فهذه الأشياء تثبت كلها برجل وامرأتين وبشاهد ويمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282].
وكذلك ضمان المتلفات، والغصب، وأروش الجنايات التي لا قود فيها؛ كجناية الأب على الابن، والحر على العبد، والمسلم على الذمي، وقتل الصبي والمجنون، وجناية الخطأ، والجائفة، والسرقة التي لا قطع فيها، والصداق في النكاح، وفي وطء الشبهة، واستحقاق السلب، وعجز المكاتب- تثبت كلها برجلين، وبرجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، وكذلك لا تثبت بمجرد النساء.
ويثبت استيفاء الدين برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، ولا يثبت استيفاء القصاص والحدود والعفو عن القصاص إلا برجلين, ويثبت الخيار والأجل في الدين برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين؛ على الأصح.
ولو ادعى رجل نكاح امرأة وأنكرت، فالقول قولها مع يمينها، ولا يثبت إلا برجلين.
فإن اتفقا على النكاح، واختلفا في قدر [الصداق]، أو في صفته- يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين.
وكذلك إذا ادعت المرأة؛ أنها خالعها؛ [فأنكر]، فالقول قوله مع يمينه، ولا يثبت إلا برجلين.
وإن اتفقا على الخلع، واختلفا في قدر المال أو صفته- فيثبت برجلين، وبرجل
وامرأتين، وبشاهد ويمين.
وكذلك لو ادعى العبد على المولى؛ أنه كاتبه أو دبره، أو الجارية وأنه استولدها- فلا يثبت إلا برجلين.
فإن اتفقا على الكتابة، واختلفا في قدر المال، أو صفته- يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين.
ولو ادعى المكاتب أداء نجم من النجوم، يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين.
أي نجم كان.
وقيل: لا يقبل على أداء آخر النجوم إلا عدلان؛ لأنه يتعلق به العتق، والأول أصح؛ لأنه شهادة على أداء المال، وإن ترتب عليه العتق.
وكذلك لو اتفق الزوجان على الطلاق، أو أقر السيد بعتق العبد، واختلفا: فقال الزوج: طلقتك على ألف- فقالت: بل مجاناً، أو قال السيد: أعتقتك على ألف فقال: بل مجاناً- فالقول قول المرأة والعبد.
فإن أقام الزوج أو السيد رجلاً وامرأتين، أو شاهداً وحلف معه- يثبت؛ لأن المقصود منه ثبوت المال.
وكذلك لو مات سيد المدبر؛ فادعى الوارث أنه كان رجع عن التدبير- على قولنا: إن الرجوع جائز- وأنكر العبد- ففالقول قول العبد.
ولو أقام الوارث رجلاً وامرأتين، أو شاهداً وحلف معه على الرجوع- يقبل.
ولو ادعى على شخص أنه عبدي؛ وهو يقول: أنا حر، أو ادعى جارية في يد الغير أنها أم ولدي؛ وهو منكر؛ فأقام المدعي رجلاً وامرأتين، أو شاهداً وحلف معه- يثبت؛ لأنه يثبت لنفسه ملك الرقبة وهو مال، وكل ما يثبت بشاهد ويمين يثبت برجل وامرأتين، وقد يثبت برجل وامرأتين ما لا يثبت بشاهد ويمين، وهو كل ما يثبت بشهادة النساء على الانفراد، ولا يثبت بشهادة الخنثى المشكل إلا ما يثبت بشهادة النساء، ويقوم اثنان منهم مقام رجل واحد.
ولو ادعى مالاً وأقام امرأتين، وحلف معهما، لا يثبت.
وعند مالك: يثبت؛ لأن المرأتين بمنزلة رجل واحد.
قلنا: يمين المدعي إنما يثبت بها الحكم، إذا كان معها شهادة رجل كشهادة
المرأتين، إنما تكون حجة إذا كان معها شهادة رجل.
ولو شهد أربع نسوة على المال، لا يثبت، ولا تجعل المرأتان كالرجل كذلك هاهنا.
فصل في أن قضاء القاضي لا ينفذ إلا في الظاهر.
روي عن أم سلمة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له على نحو ما أسمع منه؛ فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا [يأخذه]، إنما أقطع له قطعة من النار".
قضاء القاضي لا ينفذ إلا ظاهراً؛ حتى لو شهد شاهدان على إنسان بشيء زوراً، فقضى القاضي به، ولم يعلم- لا يحل للمشهود له أخذ ما قضى له.
ولو شهدا بالطلاق كذباً، فقضى القاضي، لا يحرم على المشهود عليه وطؤها.
وعند أبي حنيفة: ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً في العقود والفسوخ؛ حتى قال: لو شهد شاهدان بالزور؛ أن فلاناً طلق زوجته ثلاثاً، ونكحها هذا، فقضى به القاضي- قال: يحرم على الأول، ويحل للثاني وطؤها؛ وبالاتفاق: لا ينفذ قضاؤه ففي الأملاك المطلقة إلا ظاهراً؛ والحديث حجة عليه.
فإن قيل: إذا كان الشهود صادقين، [أليس ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً؟
قلنا: قضاؤه لا ينفذ إلا ظاهراً؛ غير أن الشهود إذا كانوا صادقين] وقضاء القاضي وافق ما عند الله تعالى- فهذا بخلاف اللعان؛ حيث تقع به الفرقة ظاهراً وباطناً، وإن كان الزوج كاذباً؛ لأن اللعان سب الفرقة؛ كالطلاق.
وكذلك إذا اختلف المتبايعان تحالفا، وفسخ العقد [و] يرتفع العقد ظاهراً وباطناً؛ لأنه سبب الفسخ؛ كالرد بالعيب.
أما في المجتهدات؛ مثل: أن قضى حنفي بشفعة الجار، أو بانقطاع الرجعة في كنايات الطلاق، أو بوقوع الطلاق بتعليق سبق النكاح- فالصحيح أنه ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً؛ لأن نفوذه لاختلاف العلماء، ولا يتصور ارتفاعه، وظهور بطلانه يقيناً في الدنيا.
وقال أبو إسحاق الإسفراييني: لا ينفذ قضاؤه في المجتهدات إلا ظاهراً.
وقيل: إذا كان حكم الحاكم بخلاف رأي المحكوم له؛ بأن حكم له بالشفعة بسبب الجوار؛ وهو يعتقد خلافه- فيجوز ذلك.
قال: ولا يحل له أخذه.
والصحيح: أنه يحل له أخذه بحكم الحاكم؛ سواء قلنا: وافق رأيه أو خالفه، إلا أن يتبين بما لا يحتمل أنه حكم بخلاف الحق؛ فحينئذ يرد.
وهل
تقبل شهادة الشاهد فيما لا يعتقد؛ كمن يشهد بشفعة الجوار؛ وهو لا يعتقده، ونحو ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنه لا يعتقد؛ كالقاضي لا يقضي بخلاف عقيدته.
والثاني: يقبل؛ لأنه مجتهد فيه، والاجتهاد إلى القاضي لا إلى الشاهد.
والله أعلم.
باب التحفظ في الشهادة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وقال جل ذكره: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86].
لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بعد العلم [بما شهد] به؛ ثم هو على ثلاثة أقسام:
منها: ما يشترط فيه الرؤية؛ وهو الشهادة على فعل الزنا، والسرقة، وإتلاف المال، والغصب، والرضاع، والولادة؛ فلا يجوز أن يشهد عليها ما لم يشاهد بعينه، ومنها: ما يشترطفيه السماع والمشاهدة؛ كالبيع، وعقد النكاح، وسائر العقود، والطلاق، والأقارير، فلا يجوز أن يشهد عليها ما لم يشاهد القائل، ويسمع قوله؛ لأن العلم فيه لا يحصل إلا بهما.
ومنها: ما يكتفي فيه بالسماع والاستفاضة؛ وهي ثلاثة: النسب، والموت، والملك.
أما النسب: إذا سمع رجلاً ينتسب إلى فلان مرة، واستفاض في الناس؛ أن فلاناً ابن فلان، أو من قبيلة فلان، ولا يدافعه أحد- جاز أن يشهد أنه ابن فلان، أو من قبيلة فلان، وهل يجوز أن يشهد على إثبات النسب من المرأة بالسماع؛ أنه ابن فلانة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما يجوز من الرجل.
والثاني: لا يجوز؛ لأن إقامة البينة على أنها ولدته ممكن ولا يتصور من الرجل أنه مخلوق من مائه.
وكذلك يجوز الشهادة على إثبات نسب المرأة بالسماع بعد أن أثبتها وعرفها، وإن سمع رجلاً يقر بأن هذا ابني أو أبي؛ فإن صدقه المقر له، جاز له أن يشهد به؛ لأنه شهادة على إقراره.
وإن كذبه، لم يجز أن يشهد به؛ لأن النسب لا يثبت مع إنكاره.
وإن سكت، فله أن يشهد به؛ لأن السكوت رضا في النسب؛ بدليل أنه إذا بشر بمولود؛ فسكت عن نفيه، لحقه النسب.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يشهد مع السكوت؛ حتى يتكرر الإقرار من المقر.
ويثبت الموت بالاستفاضلة، وبظاهر الأخبار إذا استفاض أن فلاناً قد مات، جاز أن يشهد به.
[واختلفوا في عدد من يثبت بقولهم: منهم من قال: إذا سمع من عدلين]، جاز أن يشهد به؛ كما يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة عدلين ومنهم من قال: لا يجوز أن يشهد؛ حتى يسمع من عدد يقع العلم بخبرهم؛ بحيث لا يجوز عليهم التواطؤ؛ لأن ما دون ذلك من أخبار الآحاد لا يقع به العلم.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يشهد على الموت بقول عدل واحد.
أما الشهادة على الملك: إذا رأى داراً أو عبداً أو عيناً في يد إنسان مدة طويلة، يتصرف فيها تصرف الملاك، لا ينازعه فيها أحد- جاز أن يشهد له بالملك مطلقاً؛ لأن التصرف مع امتداد المدة دليل الملك.
ومن أصحابنا من قال؛ وهو قول أبي إسحاق: يجوز أن يشهد له باليد، ولا [يجوز أن] يشهد له بالملك؛ لأنه قد يكون في يده بإجارة، أو يكون وكيلاً للغير، يتصرف فيه باليد، والتصرف لا يدل على الملك.
والأول أصح.
فإذا قبلنا الشهادة، فلا يقول الشاهد في شهادته: إني رأيته يتصرف فيه تصرف الملاك من غير منازع، وإذا شهد هكذا لا يسمع، بل يده وتصرفه تطلق، إن شهد له بالملك مطلقاً.
ولو رآه في يده مدة طويلة؛ لكنه لا يتصرف فيه، أو رآه في يده زماناً [يسيراً، يتصرف فيه]- يجوز له أن يشهد له باليد، ولا يجوز أن يشهد بالملك.
وإن رآه في يده مدة طويلة يتصرف فيه، ولكن الناس لا ينسبونه إليه- فيجوز له أن يشهد له باليد.
وهل يجوز له أن يشهد له بالملك؟ فيه وجهان.
وليس لطول مدة التصرف حد بل هو إلى العادة.
وقيل: أقله سنة.
أما الزوجية والعتق والولاء والوقف، هل يجوز له أن يشهد عليها بالاستفاضة، وبظاهر [الأحوال] فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ كالبيع.
وقال الإصطخري: يجوز؛ لأن هذه الأمور للتأبيد؛ فبعد طول المدة، يتعذر إثباتها بالشهدة إلا بطريق التسامع.
وكل ما يثبت بالسماع والاستفاضة يقبل فيه شهادة الأعمى؛ لأنه كالبصير في السماع، مثل: أن كان الرجل معروفاً باسمه ونسبه الأدنى، لا يشاركه فيه غيره.
واختلفوا في نسبه الأعلى؛ بأن عرفوا أنه فلان ابن فلان، ووقع النزاع في كونه هاشمياً، تقبل [فيه] شهادة الأعمى له؛ أنه هاشمي، أو دار معروفة يشهد أنها لفلان، وفلان معروف لا يشتبه، فيقبل.
أما ما يشترط فيه المعاينة، أو يحتاج في أداء الشهادة إلى الإشارة إليه- فلا يثبت بشهادة الأعمى إلا في موضع واحد؛ وهو أن يكون الأعمى في مكان؛ فيضع رجل فمه على أذنه، ويد الأعمى على رأس الرجل؛ بحيث يتحقق أنه يسمع منه؛ فيقر لرجل معروف بشيء، أو يقر بطلاق أو عتاق، وتعلق به الأعمى؛ حتى حضر الحاكم؛ فيشهد عليه [بالسمع].
أما إذا لم يضع فمه على أذنه، واحتمل أن الأعمى يسمع من غيره- فلا تقبل شهادته عليه.
ولو تحمل شهادة وهو بصير، ثم عمي فأدى؛ نظر: إن تحمل على رجل معروف لرجل معروف بالاسم والنسب؛ بحيث لو كان بصيراً لم يحتج إلى الإشارة إليه، أو كان يد المقر في يده حين أقر فعمي، ويده في يده فشهد عليه- يقبل، وإن لم يكن بهذه الصفة لا يقبل.
وعند أبي حنيفة: شهادة الأعمى لا تقبل بحال.
قلنا: اتفقنا على أن شهادة الأعمى والبصير على الميت، والغائب مسموعة، مع أنه لا يشاهدهما؛ فكذلك الأعمى.
وعند مالك: شهادة الأعمى تقبل على الإطلاق؛ لأنه يميز بالصوت؛ كما تقبل منه رواية الحديث، وله أن يستمتع بزوجته؛ لأنه يميز بالصوت.
قلنا: الشهادة تعتمد العلم، ولا يحصل ذلك بالسماع؛ لأن الصوت يشبه الصوت، ورواية الحديث، والاستمتاع بالزوجة تجوز بالظن؛ وهو خبر الواحد، وأيضاً جوزنا له الاستمتاع بزوجته؛ للضرورة، ولا ضرورة له في الشهادة؛ كالقضاء لا يجوز من الأعمى.
ولو تحمل الشهادة على امرأة في إقرار أو بيع، فلا يصح؛ حتى يرى وجهها ويكتب حليتها؛ حتى يعرفها إذا احتاج إليه؛ فلو لم تكشف وجهها وعرفها رجلان، لا يصح التحمل.
ولو قال الرجلان: نحن نشهد أن هذه فلانة بنت فلان تقر لفلان بكذا- فالمعروف كشاهد الأصل، والسامع كشاهد الفرع.
وكان الشيخ القفال يكتب في مثل هذا: ثبت عندي بشهادة فلان وفلان إقرار فلانة بكذا، ثم لا يقبل شهادته بمحضر المعرفين؛ كما لا تقبل شهادة شهود الفرع بمحضر شهود الأصل.
وكل علم تطلق له الشهادة تطلق له اليمين في الدعوى عليه.
ويجوز أن يحلف على ما لا يجوز أن يشهد على مثله؛ وذلك أن يجد في تذكرة أبيه: أن لي على فلان كذا؛ فادعى عليه، وأنكر المدعى عليه، ونكل عن اليمين- هل له أن يحلف؟
قال الشيخ القفال رحمه الله: إن المدعى يعتمد على كتبة أبيه؛ بحيث [أنه] لو وجد في تذكرته: أن لفلان على كذا، لا يجد من نفسه أن يحلف على نفيه، ويؤدي ذلك المال من تركته؛ فله أن يحلف في رد اليمين إليه إذا كان هو المدعى.
وبمثله لو وجد في تذكرة أبيه: أن لفلان على فلان كذا، لا يجوز أن يشهد عليه؛ سواء صدق أباه أو لم يصدقه.
ولا يقبل شهادة الأخرس بالإشارة؛ لأن إشارته محتملة، والشهادة أمرها على الاحتياط.
وقال ابن سريج: تقبل [منه]، كما يصح منه سائر التصرفات بالإشارة؛ والأول
أصح، وصح منه سائر العقود لأجل الضرورة؛ فإنه لا يحصل إلا من جهته، ولا ضرورة إلى شهادته؛ لأنها تصح من غيره؛ والله أعلم بالصواب.
باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283].
من تحمل شهادة؛ فدعي لأدائها- وهو عدل، ومعه شاهد آخر- يثبت بها الحكم- يجب عليه الإجابة، فإن أبى عصى الله تعالى.
وإن لم يكن إلا شاهد واحد هل تجب عليه الإجابة؟
نظر: إن كان شيئاً يثبت بشاهد ويمين تجب الإجابة، فإن أبى عصى الله تعالى، وإن كان لا يثبت فلا تجب الإجابة.
وإن كان سواهما شهود كثير، فهو فرض على الكفاية؛ إذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين؛ وإذا دعي واحد منهم، فهل عليه الإجابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ كما لو دعي لتحمل الشهادة وثم غيره، لا يتعين عليه الإجابة.
والثاني- وهو الأصح-: يجب؛ بخلاف التحمل؛ لأن ثم يدعي لتحمل أمانة، فلا يلزمه، وهاهنا يدعي لأداء أمانة تحملها فلزمه الإجابة.
وإن كان فاسقاً نظر: إن كان فسقاً مقطوعاً به، لا يجوز أن يشهد، وإن شهد عصى الله تعالى، وإن كان فسقه خفياً؛ لأنه يلبس الأمر على القاضي، وإن كان مجتهداً فيه؛ كشرب النبيذ يجب أن يشهد؛ وإن كان القاضي ممن يرى تحريم النبيذ، وقد رد شهادة مثله؛ لأنه ربما يتغير اجتهاده إلى القبول.
ولا يجوز أخذ الأجرة على أداء [الشهدة؛ وإن كان القاضي معه في البلد، لا يجوز أخذ الأجرة على] حضور مجلس القضاء.
وإن لم يكن القاضي معه في البلد؛ نظر: إن كان على مسافة القصر، لا يلزمه الحضور، ولكن يشهد على شهادته.
وإن كان على مسافة لو خرج بكرة يمكنه أن يأتي أهله ليلاً- يلزمه الإجابة؛ لأنه لا تقبل فيه الشهادة على الشهادة، ويجوز له طلب المركوب، ونفقة الطريق.
فإن دفع إليه شيئاً وقال: اصرفه إلى نفقة الطريق، أو اكتريه مركوباً- هل له صرفه إلى شيء آخر، أو إمساكه والمشي راجلاً؟
فيه وجهان، كما لو دفع إلى الفقير شيئاً، وقال: اشتر به لنفسك ثوباً، هل له صرفه إلى شيء آخر؟ فيه وجهان:
وإن كان على مسافة لو خرج بكرة لا يمكنه أن يأتي أهله ليلاً- هل يلزمه الإجابة؟ فيه وجهان:
فإن كان الشاهد مريضاً، لا يمكنه حضور مجلس الحكم إلا بمشقة- لا يلزمه الحضور، بل يشهد على شهادته، أو يبعث القاضي إليه من يسمع شهادته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282].
وعلى المرأة حضور مجلس الحكم؛ لأداء الشهادة؛ إن لم تكن مخدرة؛ فإن كانت مخدرة؛ وهي التي لا تخرج إلى السوق لحوائجها، ولا إلى الولائم، ولا تخرج إلا إلى الحمام بالنهار- لا يجب عليها الحضور، بل يشهد على شهادتها.
قال الشيخ القفال: لا معنى للتخدير، فعليها أن تخرج وتشهد.
أما إذا طلب من الرجل تحمل الشهادة؛ نظر: إن كان هناك غيره لا يلزمه الإجابة، وإن لم يكن فعلى وجهين:
أحدهما: يجب أن يتحمل الشهادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282].
والثاني: لا يجب؛ لأن أصل الشهادة غير واجبة، والمراد من الآية الأداء.
فإن قلنا: لا يجب، إنما يجب إذا حضر من عليه الحق ليشهده، فإن دعاه إلى نفسه لا يلزمه الإجابة، إلا أن يكون مريضاً، أو امرأة مخدرة: إن قلنا: التخدير أصل، فيجب أن يحضرها.
فإن قلنا: يجب وثم غيره واحد.
فإن كان الذي يشهد عليه مالاً لا تجب الإجابة؛ لأنه يثبت بشاهد ويمين، وفي غير المال يجب.
وهل يجب كِتْبَةُ الذكر إذا دعي إليه الكاتب؟ فكالتحمل إن كان ثم غيره لا يجب، وإلا فوجهان.
فإن قلنا: لا يجب، فإذا كتب له طلب الأجرة؛ وإن قلنا: يجب، فهل له طلب الأجرة؟ فيه وجهان؛ كما لو أسلم رجل، ولم يكن من يعلمه الفاتحة إلا واحد- يجب عليه تعليمه وهل له طلب الأجرة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه وإن افترض عليه، فإنما وجب عليه لفقد الغير، لا أنه فرض على العين؛ كما يجب عليه بذل الطعام للمضطر، وله طلب الثمن.
أما تلقين الكافر كلمة الشهادة ففرض على العين؛ فلا يجوز أخذ الأجرة عليه.
فصل في شهادة الحسبة
روي عن زيد بن خالد الجهني؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؛ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها".
وروي عن عمران بن حصين؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "ثم يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها"، وهذا ذكره على سبيل الذم لهم.
ووجه الجمع بين الحديثين: أن الأول فيما تقبل فيه شهادة الحسبة، والثاني فيما لا تقبل فيه شهادة الحسبة.
وجملته: أن ما كان من حقوق الله- تعالى- مثل: حد الزنا، والشرب، وقطع [السرقة]، وحد قاطع الطريق، والزكاة، والكفارات، والإسلام، والطلاق، والعتاق، والاستيلاد- تقبل فيها شهادة الحسبة؛ غير أن ما كان من حدود الله تعالى يستحب ألا يشهد به؛ لأنه مندوب إلى ستره، وكذلك النسب، والبلوغ، وبقاء العدة، وانقضاؤها- تقبل فيه شهادة الحسبة.
وما كان من حقوق العباد؛ كالقصاص، وحد القذف، والبيوع، والأقارير- فلا تقبل فيها شهادة الحسبة؛ حتى يدعيه صاحبه، ويسأله الشهادة، فحينئذ يشهد.
فإن لم يكن لصاحبه به علم أخبره؛ حتى يطلب، ثم يشهد هو بمسألته.
ولا تقبل على التدبير وتعليق العتق؛ لأنه لا يثبت العتق في الحال؛ وكان شيخي الإمام- رحمه الله- يقول: تقبل؛ كما في الاستيلاد، ولا تقبل على الخلع والكتابة.
وإذا أدى المكاتب آخر النجوم، أو وجدت الصفة في التعليق- فيجوز أن يشهد حسبة على العتق.
أما على أداء آخر النجوم فلا، وتقبل على الوصية للفقراء وعلى الوقف على عامة المسلمين، وعلى القناطر والرباطات.
وهل تقبل على الوقف على جماعة متعينين؟ فيه وجهان:
أحدهما: تقبل؛ كما لو وقف على غير المتعينين.
والثاني: لا تقبل؛ لأن أرباب الوقف يمكنهم القيام بالدعوى، وإقامة البينة، وهل تسمع دعوى الحسبة فيما تقبل فيه شهادة الحسبة؛ مثل: أن ادعى على رجل أنك طلقت زوجتك، أو أعتقت عبدك، أو وقفت دارك؟
قيل: لا تسمع؛ لأن ثبوته بالبينة، والشهود [يمكنهم] أن يشهدوا حسبة؛ فلا ضرورة إلى الدعوى.
وكان شيخي رحمه الله يقول: تسمع؛ لأنه يطلب بالدعوى إقرار المدعي عليه، وربما لا يكون له عليه بينة.
وعند أبي حنيفة: لا تقبل شهادة الحسبة على الطلاق، وعتق الأمة؛ لأنه يتضمن تحريم الفرج، ولا تقبل على عتق العبيد.
قلنا: تحريم الفرج ليس فيه إلا أنه لا يجري فيه البدل، فالرق كذلك، بل هذا أولى؛ لأن المرأة إذا أقرت بالنكاح يقبل، ومن عرف بالحرية إذا أقر على نفسه بالرق لا يقبل؛ فدل أن حكم الرق أعظم.
وكل موضع قلنا: لا تقبل فيه شهادة الحسبة؛ فلو شهد قبل الاستشهاد هل يخرج عن العدالة؟ فيه وجهان؛ والله أعلم.
باب: الأقضية واليمين مع الشاهد
روي عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قضى باليمين مع الشاهد.
قال عمرو: في الأموال.
من ادعى مالاً على إنسان، وأقام عليه شاهداً، وحلف معه- يقضي له به.
وكذلك كل ما كان المقصود منه المال من: البيع، والهبة، وإتلاف المال، والجنايات الموجبة للمال.
وعند أبي حنيفة: لا يقضي باليمين والشاهد؛ والحديث حجة عليه؛ وذلك لأن اليمين يكون حجة لمن يقوى جانبه.
فإذا لم يكن للمدعي شاهداً، يقوى جانب المدعى
عليه؛ من حيث إن الأصل براءة ذمته.
فإذا أقام المدعي شاهداً، يقوى جانبه؛ فقبلت يمينه، وإنما يحلف بعد تعديل الشاهد، فإن حلف قبله لم يحسب؛ لأن جانبه يتقوى بالشاهد؛ وينبغي أن يورد شهادة الشاهد في يمينه؛ فيقول: والله إن شاهدي لصادق فيما شهد، وإني مستحق لهذا المال.
ولا تثبت عدالة الشاهد بقوله: وإن شاهدي لصادق، بل هو لتأكيد اليمين.
ثم القضاء بماذا يقع؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون بهما جميعاً؛ بدليل أنه لا يقضي بأحدهما؛ كما لو أقام شاهدين، يكون القضاء بهما جميعاً.
والثاني: يكون باليمين؛ لأن الشاهد الواحد لا يكون حجة، واليمين نفسها تكون حجة؛ فإن المدعى عليه يسقط دعوى المدعي عن نفسه بمجرد اليمين.
وفائدته: تتبين في ما لو رجع الشاهد بعد الحكم، وقلنا: يجب الغرم على شهود المال إذا رجعوا- فهل يجب الغرم على الشاهد؟
إن قلنا: يقع القضاء بهما، يجب على الشاهد نصف الغرم، وإن قلنا: يقع باليمين، فلا غرم عليه.
ولو فسق الشاهد بعد القضاء، لا ينتقض القضاء؛ وإن فسق قبل القضاء، صار كأنه لم يقم الشاهد؛ فيحلف المدعى عليه؛ فإن نكل، حلف المدعي، ولا يحسب اليمين الأولى.
ولو أقام المدعي شاهداً، ولم يحلف معه، حلف المدعى عليه، وسقط دعوى المدعي فلو نكل المدعى عليه، هل للمدعي أن يحلف يمين الرد؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه أبطل حقه بالنكول الأول.
والثاني- وهو الأصح-: يحلف؛ لأن هذه اليمين غير تلك اليمين التي نكل عنها؛ بدليل أن بهذه اليمين يثبت الطلاق، والعتاق، والعقوبات؛ وهي يمين الرد؛ فلا يثبت شيء منها باليمين مع الشاهد.
وكذلك لو ادعى على رجل مالاً، فأنكر المدعى عليه، ونكل عن اليمين، ولم يحلف المدعي يمين الرد، ثم أقام شاهدين- يقبل.
ولو أقام شاهداً، وأراد أن يحلف معه، هل له ذلك أم لا؟ فيه قولان.
المنصوص، أنه يحلف.
فصل في الدعوى إذا حضر الغائب أو أفاق المجنون أو بلغ الصبي
إذا مات رجل عن اثنين: واحد منهما حاضر، والآخر غائب، أو واحد منهما عاقل
بالغ، والآخر صبي أو مجنون؛ فجاء الحاضر أو العاقل البالغ، وادعى على إنسان عيناً أنها كانت ملكاً لأبي؛ فصارت ميراثاً لي ولأخي، أو ادعى ديناًمن جهة الأب؛ أنه صار ميراثاً لنا، وأقام عليه شاهدين- أخذ حصته.
وإذا حضر الغائب، أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون- أخذ حصته، ولا يحتاج إلى إعادة الدعوى والحجة؛ وهل ينتزع في الحال نصيب الغائب والصبي من يده؟ نظر: إن كان عيناً تنتزع، وإن كان ديناً ففيه وجهان:
أحدهما: تؤخذ منه؛ كالعين.
والثاني: لا تؤخذ؛ لأن نظر الغائب والصبي في تركه عليه؛ فإن الدين في الذمة لا يخشى عليه الهلاك وإذا صار عيناً يخشى عليه الهلاك.
وهذا بخلاف ما لو ادعى لنفسه، ولأخيه الغائب مالاً، لا من جهة الميراث، بأن قال: أوصى لنا أبوك بكذا، أو أقرضنا كذا، أو اشترينا منك هذه العين، وأقام شاهدين- أخذ نصيبه، ولا ينزع من يده نصيب الغائب والصبي.
وإذا حضر الغائب، أو بلغ الصبي، يحتاج إلى إعادة الدعوى والشهادة؛ لأن هذه الدعوى عن أشخاص، ولا تصح إقامة البينة عن الغير بغير إذنه، بخلاف الميراث؛ فإن الدعوى هناك على شخص واحد؛ وهو الميت.
ولو ادعى الحاضر من جهة الميت عيناً أو ديناً [أو] ميراثاً له ولأخيه الغائب، أو الصبي أو المجنون، وأقام شاهداً واحداً، وحلف معه، وأخذ حصته- فلا تؤخذ حصة الآخرين؛ لأنهم لو كانوا حضوراً بالغين، ولم يحلفوا، لم يثبت لهم شيء؛ فإذا حضر الغائب، أو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، وحلف- أخذ حصته؛ فلا يحتاج إلى إعادة الشاهد؛ بخلاف ما لو كانت الدعوى من جهة الإرث، بل إذا ادعى أن أباه أوصى لنا بكذا، أو أقرضنيه أنا وأخي الغائب، وأقام شاهداً، وحلف معه، وأخذ حصته، فإن حضر الغائب وبلغ الصبي- يحتاج إلى إعادة الشاهد.
وفي الميراث: إذا حلف الحاضر البالغ وأخذ حصته، ثم مات الغائب أو الصبي، حلف وارثه، وأخذ حصته؛ وإن كان وارثه هذا الذي حلف، لا يحسب يمينه الأول، حتى لو كان الوارثان حاضرين وأقاما شاهداً، وحلف أحدهما على جميع الحق ومات الآخر قبل
أن يحلف والحالف وارثه- لا يأخذ حصته إلا بيمين جديدة.
فصل فيما إذا ادعى جارية مع ولد
إذا ادعى على رجل جارية ي يده مع ولد؛ أن هذه الجارية أم ولدي؛ استولدتها في ملكي، وهذا ولدي منها، وأقام عليه شاهدين- يثبت ما يدعيه؛ ولو أقام عليه شاهداً وحلف معه، أو أقام رجلاً وامرأتين- يحكم له بالجارية؛ لأنها شهادة على إثبات المال، ثم تكون أم ولد له بإقراره.
وهل يقضي له بالولد؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو اختيار المزني-: يقضي، وحرية الولد تترتب على ملك الجارية؛ كما لو كان في يد رجل عبد؛ فجاء رجل وادعى أن هذا الذي يستعبده كان ملكي، وقد أعتقته وأنت تسترقه ظلماً، وأقام عليه شاهداً وحلف معه- ينتزع من يده، ويحكم بحريته بإقراره، وكان مولى له فيثبت بالشاهد واليمين رق ترتب عليه حرية، وكذلك هاهنا.
والقول الثاني: لا يحكم له بالولد؛ بخلاف تلك المسألة؛ لأن هناك يثبت الحرية لمن يثبت عليه الرق؛ فأثبتنا الملك فيه؛ ثم رتبنا عليه الحرية.
وهاهنا نثبت الرق في شخص، والحرية في شخص آخر، لا يمكن إثبات الملك فيه؛ وهو الولد؛ فلا تثبت الحرية إلا بحجتها؛ وهي عدلان؛ نظير الحرية هناك أمومة الولد، وهاهنا تثبت في الأم.
فصل في ثبوت الوقف بالشهادة
هل يثبت الوقف برجل وامرأتين أو بشاهد ويمين؟ يبنى على أن الملك في رقبته لمن يكون؟
إن قلنا: للموقوف عليه أو للواقف، يثبت: وإن قلنا: زال إلى الله تعالى، ففيه قولان:
أحدهما- وهو اختيار المزني، وبه قال أبو إسحاق-: لا يثبت؛ كالعتق.
والثاني- وهو الأصح، والمنصوص عليه وبه قال ابن سريج-: يثبت؛ لأن الموقوف عليه يثبت لنفسه منفعة العين؛ كمن ادعى على حر أني استأجرتك شهراً يثبت برجل وامرأتين وبشاهد ويمين وليس كالعتق؛ لأنه لتكميل الأحكام، وإثبات الولايات.
أما إذا ادعى على رجل؛ بأنك غصبت هذه الدار؛ وهي وقف وقفها أبونا علينا- فهذه دعوى الغصب تثبت بشاهد ويمين، وبرجل وامرأتين، كما لو ادعى أن هذه الجارية أم ولدي، وأنت غصبتها فيفرع على قول من يثبت الوقف بالشاهد واليمين؛ فيقول: لو مات رجل عن خمسة بنين؛ ادعى ثلاثة منهم؛ أن هذه الدار وقفها أبونا علينا دونكم، وأنكر
اثنان؛ أو مات عن ثلاثة بنين وأبوين؛ فادعى البنون؛ أن أبانا وقف هذه الدار علينا، وأقاموا شاهداً- نظر: إن حلفوا معه فالدار وقف عليهم، وإن نكلوا فهي ميراث يقضى منها ديون الميت ووصاياه، ويقسم الباقي بينهم على فرائض الله عز وجل؛ فما خص المدعين يكون وقفاً عليهم بإقرارهم.
فإن حلف واحد، ونكل اثنان، فثلث الدار وقف على الحالف، والباقي ميراث يقضي منها ديون الميت ووصاياه، ثم ما بقي يقسم بين الناكلين والمنكرين من الورثة دون الحالف؛ فما خص الناكلين يكون وقفاً عليهما بإقرارهما.
ثم المدعون للوقف لا يخلو: إما إن قالوا: وقفها أبونا علينا، ثم على أولادنا أو قالوا: وقفها علينا وعلى أولادنا- فإن قالوا: ثم على أولادنا، وأقاموا شاهداً، وحلفوا معه، وأخذوا ثم ماتوا- هل ينتقل إلى أولادهم من غير يمين؟ فيه وجهان؛ بناء على أن البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف، أو من البطن الأول؟ وفيه قولان:
أصحهما: من الواقف.
فعلى هذا لا يأخذون إلا باليمين؛ كالبطن الأول.
والثاني: يتلقون من البطن الأول، فعلى هذا يأخذونه بلا يمين.
فإن قلنا: لا يأخذون إلا باليمين: فإن كان المدعون قالوا: وقف علينا، ثم على المساكين؛ فإن كان المساكين متعينين محصورين؛ بأن قال: مساكين هذه القرية، حلفوا وأخذوا.
وإن لم يكونوا متعينين، فلا يمكن تحليفهم.
ثم ما حكمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: بطل الوقف، ويرد إلى المدعى عليهم؛ لأنه وقف يستحق باليمين، ولا وصول إلى يمين المساكين.
والثاني: يصرف إليهم بلا يمين؛ لأن الوقف يثبت بيمين المدعين، فلا يمكن إبطاله.
ولو مات واحد من الحالفين، يصرف نصيبه إلى إخوته.
وإذا مات الثاني، يصرف إلى الثالث، ولا يصرف إلى ولد الولد؛ لأن شرط الانتقال إليهم انقراض البطن الأول، ولم يوجد [ذلك].
وهل يصرف إلى الحي من غير يمين؟
يبنى على أن البطن الثاني هل يحلفون؟ إن قلنا: لا يحلفون ويأخذون بلا يمين، فهاهنا أولى، وإلا فعلى وجهين:
أحدهما: يحلفون؛ لأن الوقف ينتقل إليهم من غيرهم؛ كالبطن الثاني.
والثاني: لا يحلفون؛ بخلاف البطن الثاني؛ فإنهم لم يصيروا من أهل الوقف باليمين، وهؤلاء صاروا من أهل الوقف باليمين، واستحقوا على شرط الواقف.
فأما إذا ادعى المدعون، وأقاموا شاهداً، ونكلوا عن اليمين وماتوا- فلا شيء لأولادهم من غير يمين؛ فهل لهم أن يحلفوا، ويأخذوه وقفاً؟ فيه قولان:
إن قلنا: البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف حلفوا، وكان وقفاً عليهم؛ وهذا أصح.
وإن قلنا: من البطن الأول فلا؛ لأن البطن الأول أبطلوا حقهم بالنكول.
أما إذا حلف واحد من المدعين في البطن الأول، ونكل اثنان- فنصيب الحالف وهو الثالث وقفه عليه، والباقي متروك في يد المدعى عليه.
فإن مات بعضهم؛ نظر: إن مات الناكلان كان نصيبهما الذي حكم بكونه وقفاً بإقرارهما للحالف؛ لأنه يثبت بإقرارهما؛ أنه وقف، وحلف عليه الحالف؛ فلا يمكن صرفه إلى ولد الولد؛ لأن انقراض البطن الألو لم يوجد وهل يحتاج الحالف إلى اليمين؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا.
وإن مات الحالف- والناكلان حيان- فنصيب الحالف إلى من يصرف؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: إلى الناكلين؛ لأن الحالف أقر أن لا حق للبطن الثاني إلا بعد انقراض البطن الأول، ثم هل يأخذان بلا يمين؟ فيه وجهان:
والوجه الثاني: يصرف إلى أقرب الناس بالمجلس، ما دام الناكلان حيين؛ لأن شرط الانتقال إلى البطن الثاني لم يوجد؛ وهو انقراض البطن الأول، والناكلان بطل حقهما بالنكول.
والوجه الثالث- وهو الأصح، وإليه أشار الشافعي- رحمه الله- في "الأم": أنه يصرف إلى ولد الولد؛ لأن الناكلين أبطلا حقهما بالنكول؛ فصارا كالمعدومين، وعند عدم البطن الأول يصرف إلى البطن الثاني.
وهل يحلفون؟ فيه قولان.
وإن مات الحالف والناكلان جميعاً: إن قلنا: البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف، حلف أولاد الحالف وأولاد الناكلين جميعاً، وأخذوا جميع الوقف.
وإن قلنا: البطن الثاني يتلقون من البطن الأول، فنصيب الحالف لولده بلا يمين ولا شيء لأولاده الناكلين، بل نصيبهما متروك في يد المدعى عليه.
وأما إذا قال المدعون: وقفها أبونا علينا وعلى أولادنا، وأقاموا شاهداً: فإن حلفوا أخذوا، وكان وقفاً عليهم؛ وإن حلف واحد منهم، أخذ نصيبه، والباقي متروك في يد المدعي.
وإذا لم يحلفوا، كان للبطن الثاني أن يحلفوا قولاً واحداً؛ بخلاف المسألة الأولى إذا قالوا: ثم على أولادنا؛ لأنهم يتلقون الوقف من الواقف هاهنا؛ بلا واسطة بينهم وبين الواقف.
فإذا حلف المدعون وأخذوا، ثم ولد لواحد من المدعين ولد- يوقف ربع غلة الوقف للمولود؛ حتى يبلغ فيحلف.
فإذا بلغ وحلف أخذ، وإن لم يحلف بطل حقه وجعل كأنه لم يكن، وصرف ما وقف من الغلة إلى الحالفين.
وإذا مات المولود بعد ما بلغ ونكل، لا يحلف وارثه؛ لأنه أبطل حقه بالنكول.
وإن مات بعد البلوغ قبل النكول، أو مات قبل البلوغ، حلف وارثه، وأخذ ما وقف له من الغلة؛ أي وارث كان.
ثم من بعد موته تقسم غلة الوقف بين الثلاثة الحالفين؛ كما قبل ولادته.
فلو وقفنا ربع الغلة للمولود، فبلغ المولود خمس سنين، ثم مات وأخذ من الحالفين- فيوقف من وقت موته ثلث الغلة للمولود؛ لأنهم عادوا إلى ثلاثة.
وإذا بلغ وحلف أخذ الثلث والربع، وإذا بلغ ونكل يسلم الربع الموقوف إلى الحيين، وإلى وارث الحالف الميت، ويصرف الثلث الذي وقف بعد موت الحالف إلى الحيين دون وارث الحالف.
ولو ولد لواحد من الثلاثة ولد؛ فبلغ مجنوناً، فربع الغلة موقوف له؛ حتى يفيق فيحلف.
ولو ولد للمجنون ولد، يوقف لذلك الولد الخمس، وللمجنون الخمس من يوم ولادته؛ لأنهم صاروا خمسة.
فإذا أفاق المجنون، وبلغ ولده وحلفا، أخذ المجنون ربع الموقوف من يوم ولادته إلى ولادة ولده، والخمس من يوم ولادة ولده وأخذ الخمس ولده من يوم ولادته.
ولو مات المجنون في حياة ولده، فيوقف الربع لولده من يوم موته، ويصرف الموقوف له إلى ورثته إذا حلفوا؛ كما لو مات المولود قبل البلوغ، كان الموقوف له لوارثه إذا حلف.
قال المزني: إذا جاء لواحد منهم ولد؛ فبلغ ولم يحلف، وجب ألا يرد نصيبه إلى الحالفين، بل يوقف؛ حتى يحلف، أو يحلف وارثه بعده؛ فيأخذ، لأن الحالفين أقروا أن هذا المولود شريكهم في الوقف؛ فلا يجوز لهم أخذ نصيبه بامتناعه عن اليمين.
قلنا: إنما صرفنا إليهم؛ لأن الحق يثبت لهم بيمينهم، والمولود دخل عليهم على
سبيل التعويل؛ كمن مات على ألف درهم، وجاء ثلاثة نفر ادعى كل واحد عليه ألفاً، وأقاموا شاهداً.
فإن حلفوا معه كان الألف بينهم، وإن حلف واحد منهم كان الألف له، وإن حلف اثنان كان لهما.
والله أعلم بالصواب.
باب موضع اليمين
قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 1.6].
قيل في التفسير: بعد صلاة العصر.
الأيمان تغلظ بثلاثة أشياء: باللفظ، والزمان، والمكان.
أما اللفظ: فقد يكون بتعديد الأيمان؛ وهو مختص بالقسامة واللعان؛ وذلك واجب لا يجوز تركه.
وقد يكون بذكر زيادة الصفات؛ مثل: أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية.
والتغليظ بالمكان، هو أنه إن كان بـ"مكة"، يحلف بين الركن والمقام، وإن كان بـ"المدينة" فتحت منبر النبي- صلى الله عليه وسلم- وإن كان في غيرها من البلاد، ففي المسجد الجامع تحت المنبر وهل يصعد المنبر؟ فيه قولان؛ كما ذكرنا في "اللعان".
والتغليظ بالزمان: هو أن يحلف بعد العصر أي يوم كان، والأولى أن يكون يوم الجمعة.
والأيمان تغلظ بهذه الأشياء فيما عظم خطره من دعوى دم، أو نكاح، أو رجعة، أو طلاق، أو عتاق، أو لعان، أو إيلاء، أو حد، وفي كل ما ليس بمال، ولا المقصود منه المال.
فإن كان في مال؛ نظر: إن كان يبلغ نصاباً عشرين ديناراً ذهباً خالصاً، أو مائتي درهم نقرة خالصة- فتغلظ، وتغلظ في الجناية إذا كانت موجبة للقود، وإن صغرت الجناية.
وتغلظ في جناية الخطأ إذا كان أرشها نصاباً، فإن كان أقل من نصاب فلا تغلظ.
وإذا كان المال نصاباً، وأقام المدعي شاهداً، وأراد أن يحلف معه تغلظ اليمين.
وإذا ادعى العبد على سيده عتقاً أو كتابة، وأنكر السيد- تغلظ اليمين على السيد إن
كانت قيمته نصاباً، وإن كان أقل من نصاب فلا تغلظ، وإن نكل السيد عن اليمين تغلظ اليمين على العبد وإن قلت قيمته؛ لأنه يثبت العتق.
ويغلظ في النسب، والولاء، والوصاية.
وكل ما لا يثبت بشاهد ويمين لا يغلظ، إلا أن يكون نصاباً، وإلا فيلظ، كالعتق.
أما الوقف في جانب المدعي؛ [إن قلنا: يثبت بشاهد ويمين] لا يغلظ، إلا أن تكون قيمته نصاباً؛ لما روي عن عبد الرحمن بن عوف؛ أنه رأى قوماً يحلفون بين المقام والبيت فقال: أعلى دم؟ قالوا: لا.
قال: أفعلى عظيم من المال؟ قالوا: لا؛ قال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام.
والتغليظ باللفظ مستحب؛ حتى لو اقتصر على قوله: بالله، جاز.
والتغليظ بالمكان والزمان واجب، أو مستحب؟ فيه قولان:
أحدهما: مستحب؛ كالتغليظ باللفظ بذكر الصفات.
والثاني: واجب؛ حتى لو ترك لا يحسب، ويعاد؛ بخلاف اللفظ؛ لأن التغليظ باللفظ تكرير ذكر الصفات؛ وكل ذلك يندرج تحت قوله: والله؛ بخلاف المكان والزمان.
فعلى هذا: لو رضي الخصم بترك التغليظ، لم يجز للحاكم تركه؛ لأنه حق الله تعالى.
ولا فرق في التغليظ بين أن يكون الحالف رجلاً أو امرأة أو عبداً، ويقرأ على الحالف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77] الآية.
ويحلف الذمي والمستأمن حيث يعظمه من بيعة أو كنيسة؛ فيقول لليهودي: بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني: بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، ويحلف المجوسي: بالله الذي خلق النار والنور.
ولا يحلف في بيت النار؛ لأنه لم يكن له أصل في شرع ما.
وقيل: نحلفهم فيه؛ لأنهم يعظمونه؛ فيكون أردع لهم، ولا نحلفهم بما لا يعرف في الإسلام؛ كالصليب ونحوه.
وإن كان وثنياً، لا يحلف بالصنم، بل نحلفه بالله؛ ولو لم يزد في التحليف على قوله: بالله، جاز.
وإذا توجه الحكم على اليهودي يوم السبت، يكسر عليه سبته، ويحضر مجلس الحكم، ويحضر المسلم الحكم يوم الجمعة قبل أن يصعد الخطيب المنبر، وبعده لا يحضر؛ حتى يفرغ من الصلاة.
ولو رأى الحاكم التغليظ باللفظ فيما دون النصاب من المال؛ فإن رأى الحالف مجترئاً، جاز ولا تحسب اليمين قبل تحليف الحاكم.
روي أن ركانة طلق امرأته ألبتة.
فقال: والله، ما أردت إلا واحدة.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "والله ما أردت إلا واحدة؟ " فقال: والله ما أردت إلا واحدة فأعاد اليمين عليه بعد ما كان حلف؛ لأن [اليمين الأول كانت قبل الاستحلاف.
ولو حلفه الحاكم فقال: قل: بالله، فقال: بالرحمن- لم يحسب؛ وكان نكولاً.
ولو قال: قل بالله فقال: والله، أو تالله، أو قال: قل: بالله الذي لا إله إلا هو، فقال: بالله ولم يزد عليه، أو قال: قل: بالله الذي لا إله إلا هو، فقال: بالله الرحمن الرحيم- هل يكون نكولاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه أتى بأصل اليمين بعد التحليف.
والثاني: يكون نكولاً؛ لأنه لم يأت به على الوجه الذي حلفه الحاكم؛ فصار كما لو قال: قل بالله فقال: بالرحمن.
ووضع المصحف في حجر الحالف عند التحليف استحسنه الشافعي؛ تغليظاً له.
ولو أراد الحاكم التغليظ به؛ فامتنع، هل يكون نكولاً؟ فيه وجهان، كما لو امتنع من التغليظ باللفظ.
ولو حلفه الحاكم، فاستثنى نظر: إن استثنى بقلبه، لا يعمل الاستثناء: لا ظاهراً ولا باطناً؛ فكان يمينه يميناً؛ لأن الاعتبار بنية الحاكم.
وإن استثنى بلسانه، أو وصل به شرطاً، لم ينعقد يمينه.
وإن سمعه الحاكم عزره، وأعاد عليه اليمين.
وإن وصله بكلام لم يفهمه الحاكم، أو رآه يحرك لسانه، منعه عنه، وأعاد عليه اليمين من أولها.
فإن قال: أذكر الله، فيقول: ليس هذا موضعه.
فلو كان الحالف أخرس؛ لا تفهم إشارته، يوقف إلى أن يفهم.
فإن قال المدعي: أنا
أحلف، لم يكن له ذلك؛ لأن يمينه تتعلق بنكول المدعى عليه، ولم يوجد نكوله.
وإن كان المدعى عليه حلف بالطلاق ألا يحلف يميناً مغلظة: فإن كان التغليظ مستحقاً، يجب عليه أن يحلف؛ وإن حنث في يمينه بالطلاق، فإن امتنع، كان ناكلاً، ورد اليمين على خصمه.
وإن كان التغليظ غير مستحق، لم يغلظ عليه، فإن امتنع من التغليظ، لا يجعل ناكلاً.
فصل في الحلف على البت على نفي العلم
من حلف على فعل نفسه يحلف على البت؛ نفياً كان أو إثباتاً؛ لأن علمه يحيط بحاله؛ فعل أو لم يفعل.
وإن حلف على فعل الغير: فإن كان في إثبا حق حلف على البت؛ لأن له طريقاً إلى العلم بما فعل غيره.
وإن كان على نفي، حلف على نفي العلم؛ لأنه لا طريق له إلى القطع فيه.
بيانه: إذا ادعى رد وديعة، يحلف على البت؛ لقد رددته.
ولو ادعى ديناً على إنسان؛ فأنكر حلف على البت؛ أنه لا يلزمه.
ولو قال المدعى عليه: قبضته، أو أبرأتني، يحلف المدعي على البت أنه لم يقبضه ولم يبرئه.
ولو ادعى على ميت ديناً فقال: لي في الذمة أبيك ألف درهم، لا يسمع، حتى يقول: وأنت تعلم، والتركة في يدك يلزمك أداؤها منها؛ فإذا أنكر الوارث، حلف على نفي العلم؛ فيقول: لا أعلم أن لك في ذمة أبي كذا فإن نكل، حلف المدعي على البت.
ولو قال الوارث: إنك قد أبرأت أبي، أو إن أبي قد قضاه- حلف المدعي على البت أنه لم يبرئه ولم يقضه.
ولو ادعى الوارث أن لأبي عليك ألف درهم؛ فقال: إن أباك أبرأني أو قبضه، حلف المدعي على نفي العلم؛ فيقول: لا أعلم أن أبي أبرأه، أو قبضه.
وكذلك لو ادعى أن الدار التي في يدك غصبها أبوك مني، أو غصبها بائعك مني
وباعك- لا تسمع الدعوى ما لم يقل: وأنت تعلم، ثم يحلف المدعى عليه؛ أنه لا يعلم أن أباه أو بائعه غصبها.
فكل موضع جوزنا له أن يحلف على العلم؛ فلو حلف على البت، جاز، والدعوى أبداً تكون على البت؛ وهذا مطرد إلا في مسألة؛ وهي أنه إذا اعى على رجل أن عبدك جنى، وأنكر السيد- ففيه وجهان:
أحدهما: يحلف على نفي العلم لا أعلم أن عبدي جنى عليك؛ لأنه يمين على نفي فعل الغير.
والثاني- وهو الأصح-: يحلف على البت؛ لأن عبده ماله؛ فهو في الحقيقة يمين في حق نفسه؛ كما لو ادعى أن دابتك أتلفت زرعي، يحلف [على] البت أنها لم تتلف.
ومن قال بالأول، أجاب بأن العبد له ذمة يتعلق بها الحق، بخلاف الدابة.
قال الشيخ: ويمكن بناء الوجهين على أرش جناية العبد يتعلق برق رقبته؛ حتى لا يبيع بالفضل إذا عتق أم يتعلق برقبته وذمته؟ فيه قولان:
إن قلنا- بالأول- وهو الأصح- يحلف على البت.
وإن قلنا- بالثاني يحلف على نفي العلم.
وكل دعوى يقبل فيها إقرار المدعى عليه، يقبل منه يمينه، إذا أنكر.
وعند أبي حنيفة: لا مدخل لليمين في النكاح، والخلع، والطلاق، والرجعة.
وحديث ركانة حجة عليه.
والله أعلم بالصواب.
باب الامتناع عن اليمين
إذا ادعى رجل على رجل آخر حقاً، يجب على الحاكم أن يصغي إلى دعواه ولا يقبل على خصمه؛ حتى يصحح المدعي دعواه، وتصحيحه أن يقول: لي على هذا ألف درهم؛ يصفها أنها من نوع كذا، وأنها صحاح أو مكسرة، يلزمه أداؤها إلى اليوم مره فليؤدها حتى لو لم يقل: يلزمه تسليمها أو أداؤها لا يطالب خصمه بالجواب؛ لاحتمال أن يكون الدين مؤجلاً، أو يكون المدعى عليه مفلساً وإذا لم يقل: مره فليؤدها لا يلزم الحاكم؛ لأنه إنما يلزمه طلب حقه عند مطالبته.
وإذا ادعى عيناً أنه غضبها مني، يجب أن يقول: يلزمه ردها مره فليردها؛ لاحتمال أنه أجرها منه بعد الغصب، ويأمره بإحضار العين مجلس الحكم إن أمكن إحضارها، ومؤنة الإحضار على المدعى عليه إن تثبت للمدعي، وإن لم تثبت فعلى المدعي مؤنة الإحضار والرد.
وإن لم يمكن إحضارها؛ لثقلها، أو كان عقاراً.
فإن أمكن وصف العين، أو كان العقار معروفاً، أو يصير معلوماً ببيان الحد- وصفها، وذكر حدود العقار.
وإن لم يمكن وصفها، بعث الحاكم إليهما من يسمع الدعوى على عينها.
فإذا صحح الدعوى، يقبل الحاكم على الخصم، ويسأله فإن أقر، لزمه الأداء بمطالبته.
فإذا قال: أنا مقر، لا يكون إقراراً؛ لأنه قد يريد: أنا مقر ببطلان ما تدعيه؛ فيسأله الحاكم بماذا تقر؟
وكذلك لو قال: لا أقر ولا أنكر، لا يكون إقراراً؛ فإن أنكر، وقال: لا أقر، أو سكت عن الجواب- يكون سكوته إنكاراً فيقول الحاكم للمدعي: هو منكر هل لك بينة؟ فإن كانت له بينة أقامها، وإن قال: بينتي غائبة، أو قال: لي بينة حاضرة، ولكن أريد تحليفه- له ذلك؛ لأنه قد يكون له في ذلك غرض وهو أن يتورع عن اليمين؛ فيقر، وإثبات الحق بالإقرار أسهل من إثباته بالبينة].
فإن سأل تحليف الخصم، حلفه الحاكم.
فلو حلفه الحاكم قبل مطالبته، لا تحسب؛ لأنها يمين قبل وقتها.
فإن لم يسأل تحليفه، ولا إقامة البينة خلى سبيله، حتى يأتي بالبينة.
ولو أمسك عن تحليفه، ثم أراد تحليفه بالدعوى السابق جاز؛ لأنه لم يسقط حقه عن اليمين؛ فإن قال: أبرأتك من اليمين، سقط حقه من اليمين في هذه الدعوى، وله أن يستأنف الدعوى، ويحلفه.
وإن أقام المدعي شاهدين عدلين، حكم به؛ فلو قال المدعى عليه بعد إقامة البينة: حلفه أيها الحاكم؛ أنه يأخذ هذا مني بحق- لم يكن له ذلك؛ لأنه يطعن في الشهود؛ ولأنه أقام حجة؛ فلا يكلف حجة أخرى؛ بخلاف ما لو ادعى على غائب أو ميت؛ فأقام بينة، يحلف مع البينة؛ لأن الخصم لو كان حاضراً ربما ادعى أداءً أو إبراءً.
ولو قال حلفه: أنه لا يعلم أن شهوده كذبة، أو فسقة، أو جرحى- هل يحلف؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يحلف؛ لأن الظاهر عدالتهم؛ ولأن أمر الشهود إلى المزكين؛ وقد عدلوهم.
والثاني: يحلف؛ لأنه لو أقر به بطلت شهادتهم.
ولو قال المدعى عليه بعد إقامة المدعي البينة: إنه أبرأني، أو أقبضته، أو كان عيناً، وادعى أنه باعها، أو وهبها مني- نظر: فإن قال: أبرأ، أو باع بعد إقامة البينة، فإن مضى زمان إمكانه، يحلف المدعي وإلا فلا يحلف.
وإن قال: أبرأني أو قضيت، أو باع قبل إقامة البينة- نظر: إن قاله قبل قضاء القاضي ببينة المدعي، يسمع ويحلف المدعي؛ أنه لم يبرئه، ولم يقبضه، ولم يبع، ولم يهب منه.
وإن قاله بعد قضاء القاضي، ففيه وجهان:
أصحهما: لا يسمع، ولا يحلف المدعي؛ لأن المال قد ثبت عليه بالقضاء.
والثاني: يسمع، ويحلف.
لأن ما يقوله محتمل، والشهود شهدوا على الظاهر.
وإن لم يكن للمدعي بينة، وطلب يمين المدعى عليه، يحلفه الحاكم بعد طلب المدعي، وإذا حلف خلى سبيله.
فإن أتى المدعي ببينة بعد ما حلف المدعى عليه، يقضي له ببينته، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين؛ وهو أن يعرض عليه الحاكم اليمين، وقال: قل بالله، فقال: لا أحلف.
أما إذا قال له الحاكم: احلف، فقال: لا أحلف أو قال: أتحلف؟ قال: لا.
لا يكون هذا نكولاً حتى يعرض عليه اليمين فإذا عرض عليه اليمين، فقال: لا أحلف أو سكت، يكون سكوته نكولاً؛ حتى لو سأله الجواب أول مرة فسكت، يكون سكوته إنكاراً.
فإذا عرض عليه اليمين؛ فسكت، يكون سكوته نكولاً.
ويستحب أن يعرض عليه اليمين ثلاثاً، والاستحباب فيما إذا سكت أكثر منه فيما لو نكل صريحاً.
وعند أبي حنيفة: يجب أن يعرض عليه اليمين ثلاثاً.
وإذا رأى الحاكم فيه سلامة صدر، أخبره أ، ك إذا نكلت حلف صاحبك، ولزمك المال؛ فإذا نكل المدعى عليه عن اليمين، لا يقضي عليه بالنكول، بل يرد اليمين إلى المدعي.
وإن لم يعلم المدعي أن اليمين صارت إليه، قال القاضي: أتحلف وتستحق؟ فإذا حلف، قضى له.
وعند أبي حنيفة: يقضي عليه بالنكول، إلا في القصاص في النفس.
وعندنا: لا يقضي؛ لأن نكوله يحتمل أن يكون للرفع عن اليمين البار'، ويحتمل أن