صول الفحل
رُوي عن سعيد بن زيد؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: "من قاتل دون أهله وماله [فقتل] فهو شهيد".
إذا قصد رجل نفس رجل أو ماله أو أهله - فله أن يدفعه، ولغيره أن يدفع عنه.
ويجب أن يدفع بالأحسن فالأحسن؛ فإن أمكنه دفعه بالصياح والاستغاثة - لا يدفعه باليد، فإن كان في موضع لا يلحقه الغوث بالصياح - دفعه باليد، فإن لم يندفع باليد - دفعه بالضرب بالعصا، فإن لم يندفع - دفعه بالسلاح، فإن لم يندفع إلا بإتلاف عضو منه - دفعه بإتلاف العضو.
فإن أمكن دفعه بالعصا؛ فقطع عضواً منه، أو أمكنه دفعه بقطع عضو؛ فقتله - يجب القصاص، وإن لم يندفع إلا بالقتل- دفعه بالقتل، ولا شيء عليه؛ لأن الصائل ظالمٌ؛ بدليل أن المصول عليه: لو صار قتيلاً - كان شهيداً، ولا يكون المقتول شهيداً إلا أن يكون القاتل ظالماً.
وهل يجب الدفع أم له أن يستسلم؟ نظر: إن قصد أخذ ماله أو إتلافه، ولم يكن ذا روح - لا يجب الدفع؛ لأن إباحة المال جائز، ولو دفع - يجوز، ولو قصد أهله وحريمه
وولده أو حريم غيره - يجب الدفع؛ إذا لم يخف على نفسه؛ لأنه لا يجوز إباحته.
وإن قصد نفسه - نظر: إن كان الصائل كافراً أو دابة - يجب الدفع، ولا يجوز أن يستسلم، وإن كان مسلماً - ففيه وجهان:
أحدهما: يجب الدفع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] وكما لو كان في ماء أمكنه السباحة، أو تحت حائط مائل - لا يجوز تسليم نفسه للهلاك؛ إذا أمكنه تخليص نفسه.
والثاني: لا يجب الدفع، وله أن يستسلم؛ لما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الفتن: "كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل" وقال عثمان - (رضي الله عنه) - لعبيده يوم الدار: "من ألقى سلاحه -فهو حر"، ولم يشتغل بالدفع.
وكان شيخي - رحمه الله -يقول: إن أمكنه دفعه من غير أن يقتله - يجب دفعه، ولا يجوز أن يستسلم للقتل.
وإن أمكنه الهرب بأن كان فارساً أو أمكنه أن يتحصن بحصن أو يلتجيء إلى فئة - هل له أن يثبت ويقاتل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه الهرب، وله أن يقاتل؛ فعلى هذا: إن قتله - فلا شيء عليه.
والثاني: عليه أن يهرب؛ لأنه يندفع به قصده؛ كما لو أمكنه دفعه بصيحة - ليس له ضربه، فعلى هذا: إن ثبت، وقاتل، وقتله - تجب [عليه] ديته.
وإذا دفع الرجل عن حريم غيره أو مال غيره - فهو كالدفع عن حريم نفسه ومال نفسه؛ سواءٌ كان الغير مسلماً أو ذمياً.
فحيث قلنا: يجب الدفع في حق نفسه - يجب في حق غيره، ولو قصد رجلٌ إتلاف ذي روح من مال الغير، أو من مال نفسه، أو رآه يشدخ رأس حماره - يجب دفعه إذا لم يخف على نفسه؛ لحرمة ذي الروح، ولو دفعه، فصار في الدفع قتيلاً -لا شيء عليه، وإن كان قصده إتلاف غير ذي الروح، أو رآه يحرق كدسه أو قصد [شعير حمار] غيره - لا يجب الدفع، ولو دفعه جاز.
ولو صال مسلم على ذمي، أو الأب على ابنه، أو السيد على عبده - فله دفعه، وإن أتى على نفسه؛ كالأجنبي، وكذلك لو كان مراهقاً.
ولو صالت بهيمة على إنسان، فلم يمكنه دفعها إلا بالقتل، فقتلها - لا ضمان عليه، وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: يجب الضمان.
قلنا: ما صار مباح القتل لصيال - فلا يجب ضمانه؛ كالآدمي، ولو سقط متاع من
سطح، فخاف أن يقع عليه، فدفعه، فهلك - هل يجب ضمانه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لو قصدته دابة، فقتلها دفعاً.
والثاني: يجب؛ لأن القصد من المتاع لا يتحقق؛ بخلاف البهيمة، ولو عض إنسان يده أو عضواً من أعضائه ففك لحييه بيده: فإن لم يرسل - ضرب في شدقه حتى يرسل، فإن نزع يده من فيه، فسقطت ثنيته -لا شيء عليه؛ لما روي عن يعلي بن أمية قال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيش العسرة؛ وكان لي أجير، فقاتل إنساناً، فعض أحدهما يد الآخر، فانتزع المعضوض يده من في العاض، فذهبت إحدى ثنيتيه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأهدر ثنيته، وقال: أيدع يده في فيك تقضمها كأنها في في فحل" ولو عض قفاه - له نتر رأسه من فيه، فإن لم يقدر - تحامل عليه من ورائه؛ مصعداً أو منحدراً، فإن غلبه بفيه - ضرب في فيه، فإن نفخ بطنه، أو فقأ عينه - نظر: إن أمكنه التخلص منه بالضرب في فيه - يجب عليه القود، وإن لم يمكنه بدونه- فلا شيء عليه.
ولو تبع رجل امرأة، فراودها عن نفسها، أو قصد أخذ شيء منها، فرمته بحجر، فقتلته - فلا شيء عليها؛ ورُوي أنه رفع إلى عمر جارية، كانت تحتطب، فاتبعها رجلٌ، فراودها عن نفسها؛ فرمته [بفهر] فقتلته.
فقال عمر: هذا
-[والله]-
قتيل الله، والله لا يودي أبداً".
فلو قتلته، وادعت أنه قصدني - لا يسمع منها إلا ببينة.
ولو وجد رجلاً يزني بامرأته أو بامرأة أخرى - عليه دفعه ومنعه، [فإن لم يمكنه المنع إلا بقتله، فقتله -لا شيء عليه.
فإن ادعى أنه قتله لذلك، وأنكر الولي - فعلى القاتل البينة]، فإن لم تكن بينة - حلف الولي، وله القود؛ روي أن سعد بن عبادة - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله، لو وجدت مع امرأتي رجلاً، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم.
وكذلك: لو قطع يد رجل، ثم ادعى؛ أنه صال علي، فقطعته في الدفع - لا يقبل إلا ببينة، كما لو قطع يد رجل ابتداءً، ثم قال: إنه كان سارقاً، أو قتله، ثم ادعى أنه كان ذاتياً-
لا يسمع إلا ببينة تقوم على السرقة، وأربعة من الشهود على الزنى مع الإحصان.
فصلٌ: في من نظر في بيت إنسان فرماه فأصاب عينه
رُوي عن أبي هريرة؛ أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول "لو اطلع في بيتك أحد، ولم تأذن له فخذفته بحصاة، ففقأت عينه - ما كان عليك من جناح" لو أن رجلاً نر في صير باب إنسان، أو نظر من كوة في داره - ينهاه صاحب الدار، فإن لم ينته، فرماه بحصاة، فأصاب عينه، فذهب بصره، أو أصاب قريباً من عينه، فجرحه - فلا ضمان عليه وعند أبي حنيفة: يجب الضمان، والخبر حجة عليه.
ورُوي عن سهل بن سعد؛ أن رجلاً اطلع في ستر في باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدري يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو أعلم أنك تنظرني - لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر".
ولو رماه قبل أن ينهاه بالكلام - هل يضمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن؛ لظاهر الخبر.
والثاني: يضمن؛ لأنه قد يكون له عذر في النظر؛ حتى يُصر بعد النهي.
هذا إذا رماه بشيء خفيفٍ من حصاة أو مدري أو نحوه، فإن رماه بشيء ثقيل، أو سكين، فأصابه - يجب القود، ولو رماه بشيء خفيف، فأصابه، فمات منه - لا يضمن؛ لأنه سراية من مباح، ولو رماه، فأصاب موضعاً بعيداً من عينه لا قصداً - هل يضمن؟ فيه وجهان، أصحهما: لا يضمن، وكذلك لو لم يمكنه إصابة عينه، [فرمى] موضعاً آخر -[فيه وجهان.
أما إذا أمكنه إصابة عينه، فأصاب موضعاً آخر] قصداً - ضمنه، وإن كان الناظر
محرماً لأهله، أو كان للناظر في تلك الدار محرمٌ- لا يجوز رميه، فإن فعل - ضمن، فإن كانت زوجته متجردة، فقصد المحرم بالنظر - جاز رميه؛ لأنه - يحرم على المحرم النظر إلى ما بين السرة والركبة، كما يحرم على الأجنبي، ولو لم يكن لصاحب الدار فيها محرم - نظر: إن كان صاحب الدار مكشوف العورة، فرمى - لم يضمن، وإن لم يكن فعلى وجهين:
أحدهما: ليس له أن يرمي، ولو رمى ضمن؛ لأنه لا يتضرر بنظر الناظر؛ إذا لم يكن له في الدار محرم.
والثاني: له أن يرمي، ولا يضمن؛ لأن الإنسان قد يستتر عن أبصار الناس؛ حسب ما يستر حرمه، وكذلك لو كان له فيها محرمٌ، ولكنهن مستترات بالثياب - ففيه وجهان:
أحدهما: يضمن.
والثاني: له أن يرمي، ولا يضمن؛ لأن الإنسان قد يستتر عن أبصار الناس؛ حسب ما يستر حرمه المستورة عن أبصار الناس.
وإن كان الناظر امرأة، أو مراهقاً- هل يجوز أن يرمي؟ فيه وجهان:
ولو كان باب الدار مفتوحاً، أو كانت لها كوة، واسعةٌ: فإن نظر فيها مختاراً - لم يجز رميه، فإن فعل - ضمن، وإن وقف في الطريق طويلاً ينظر - فيه وجهان:
أحدهما: يجوز رميه؛ لأنه مفرط بالنظر [كما لو نظر] من صير الباب.
والثاني - وهو الأصح-: ليس له رميه، ولو رمى ضمن؛ لأنه مفرط بفتح الباب، وتوسيع الكوة، وكذلك: لو نر من سطح نسه، أو المؤذن من المئذنة - فيه وجهان.
ولو كان الذي وضع عينه على صير بابه أعمى، فرماه - ضمن؛ سواء كان عالماً بكونه أعمى أو جاهلاً، ولو وضع أذنه على صير بابه، يستمع - لا يجوز أن يرميه؛ لأنه لا يطلع على حرمه، ولو دخل رجلٌ دار إنسان بغير إذنه - يأمره بالخروج، فإن لم يخرج - دفعه بما قبل النهي، فإن أمره بالخروج، فلم يخرج - ضرب على رجله، فإن هلك فيه - لم يضمن، فإن ضرب على عضو آخر، فهلك - هل يضمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يضمن؛ كما في الناظر، إذا رمى على غير عينه قصداً.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه حصل في الدار بجميع بدنه، والناظر جنايته من عينه خاصة.
فإن قتل الداخل ثم ادعى أنه قصدني، فقتلته في الدفع - لا يقبل إلا ببينة، [فلو أقام بينة] على أنه دخل داره مقبلاً عليه بسيف شاهر - يقبل قوله، ولاضمان عليه، وإن شهد أنه دخل داره بسلاح غير شاهر - لا يقبل [قوله]، وعليه الضمان، ولو دخل داره، وأخذ ماله - له أن يتبعه [ويقاتله؛ حتى يطرح ماله، وإن أتى [على نفسه]، فإذا طرح ماله - فليس له أن يتبعه] فيضربه فإن تبعه، وقطع يده، وعلم أن قطع اليد قد وجب عليه بإخراج نصاب من الحرز - لا ضمان عليه؛ لأن يده مستحقة القطع، ولكنه يعزر، لتقويته على الإمام.
ولو علم بخمر في داره يشربها أهل الدار، وطنبور [يضربونه] فله أن يهجم [عليهم] فيريق الخمر، ويفصل الطنبور، ويمنعهم من الشرب والضرب، فإن لم ينتهوا - قاتلهم عليه، وإن أتى القتل عليهم، وهو مثاب عليه، والله أعلم.
باب الضمان على البهائم
رُوي عن حرام بن سعد بن محيصة؛ أن ناقة للبراء دخلت حائطاً، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامنٌ على أهلها".
إذا أفسدت دابة إنسان زرعاً أو مالاً لآخر - لا يخلو: إما إن كان مالك الدابة معها، أو لم يكن: فإن كان مالكها معها - فيجب عليه ضمان ما أتلفت: من مال أو نفس؛ ليلاً كان أو نهاراً؛ سواء كان المالك راكبها أو سائقها أو قائدها؛ وسواء أتلفته بيدها أو فمها أو برجلها أو ذنبها، وإن كانت الدواب عدداً فسواء كانت مرسلة أو مقطرة، وإن كانت مقطرة - فعليه ضمان ما أتلف الأخيرة، كما يجب ضمان ما أتلفت السابقة؛ لأن الكل يجب ضمانه.
وقال أبو حنيفة: إن كان المالك راكبها أو قائدها - فما أتلفت بيدها أو فمها - يضمن، وما أتلفت برجلها أو ذنبها - لا يضمن، وإن كان سائقها - ضمن الكل، وإن كان يسوق بوقر حطب، أو حمل على ظهره، أو على عجلة، فاحتك ببناء، فأسقط - يجب الضمان، وكذلك إذا كان في وقت الزحام فما أتلفت من نفس أو مال يضمن وإن لم يكن في وقت الزحام، تعلقت منه خشبة بثوب إنسان، فمزقته - نظر: إن كان المتلف عليه متوجهاً إلى الدابة - لا يضن؛ لأن عليه الاحتراز إلا أن يكون أعمى؛ فيضمن إذا لم يعلمه، [وإن كان يمشي بين يدي الدابة - فيضمن إذا لم يعلمه] هذا إذا لم يكن من صاحب الثوب جذبه بأن كان واقفاً، أو كان ماشياً، فكما استقبله الحطب - وقف، أما إذا استقبله رجلٌ، فأراد الاجتياز، فتعلق بالخشبة، فذبه، وجذب الحمار، فتمزق - يجب نصف الضمان.
أما إذا لم يكن المالك مع الدابة، فأتلفت زرعاً، أو مالاً لإنسان - نظر: إن كان بالنهار - لا ضمان على صاحب الدابة، وإن كان بالليل - يجب؛ لأن عادة الناس أنهم
يرسلون مواشيهم بالنهار للرعي، ويردونها بالليل إلى بيوتهم، وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان في الحالين، والحديث حجة عليه.
ثم هذا عندنا، إن كان الزرع في الصحراء، أو كان في بلدٍ، ليس لبساتينها حيطان - قال الشافعي - رضي الله عنه - وحيطان المدينة لا جُدُرَ لها، فإن كان في بلد لبساتينها [جُدُر] أو كان زرع رجل في حائط له باب مغلق، فلم يغلق رب الزرع الباب اختلف أصابنا فيه، منهم من قال - وهو الأصح؛ وبه قال صاحب "التلخيص": لا ضمان على صاحب البهيمة؛ ليلاً كان أو نهاراً؛ لأن التفريط من صاحب الحائط حيث لم يُغلق الباب؛ إلا أن يسد الباب، ويغلقه، فاقتحمت الدابة الجدار، أو خرقت البرجين، وهو: جدار من خشب يُجعل للبستان - فحينئذ: يضمن؛ لأن صاحب الزرع لم يضيعه.
ومنهم من قال: يجب الضمان بالليل، بكل حالٍ؛ لأن الدواب تحفظ بالليل في البيوت؛ فمن لم يحفظ.
فقد فرط.
ولو حبس صاحب الدابة دابته بالليل في البيت، فانهدم الجدار، أو ربطها، فحلت الرباط، وأتلفت مالاً - فلا ضمان، وإن كانت القرية صغيرة تتقارب أراضيها، وتكون مراعي الدواب في تضاعيف المزارع، وجرت العادة بأن الدواب تسيب فيما بينها، ويحفظها مالها، حتى لا يفسد الزرع، فإذا خلاها بين المزارع - يضمن بالنهار أيضاً، وكذلك: إن كانت لأهل بلد مرج يخرجون إليها المواشي أياماً؛ ليلاً أو نهاراً، يرعاها حافظ - يجب ضمان ما أتلفت، ليلاً كان أو نهاراً، ولو كانت عادة بلد أنهم يحفظون الدواب بالنهار، ويسيبونها بالليل - هل تعتبر عادتهم؛ حتى يجب ضمان [ما أتلفت بالنهار، ولا يجب ضمان] ما أتلفت بالليل؟ فيه وجهان.
ولو كانت له هرة مفسدة؛ تأخذ الطيور، وتفتح القدور، أو لكب عقور، أو دابة معروفة بالتعدي - يجب على صاحبها ربطها، ليلاً كان أو نهاراً، فإن لم يفعل: فما أتلفت - يجب عليه ضمانه؛ لأنه مفرط بترك حفظها، وقيل: لا يضمن ما أتلفت الهرة والكلب؛ ليلاً أو نهاراً؛ لأن العادة ما جرت بربطها.
ولو رمى رجلٌ إلى الهرة حالة قصدها إلى الحمام والطير دفعاً، فقتلها - لا يجب الضمان، وفي غير تلك الحالة: لو قتلها - يجب الضمان، وإن أخذت الحمامة، وهي حية في فمها- ذلك أذنها، والضرب في فيها حتى تُرسل، وإن كان في داره دابةٌ رموحٌ أو كلبٌ
عقورٌ، فدخلها إنسانٌ، فرمحته الدابة، أو عضه الكلب؛ نُظر إن كان دخل بغير إذن المالك - فلا ضمان عليه، وإن دخل بإذنه - نظر: إن أعلمه أن هذه الدابة ترمح، أو هذا الكلب يعض - لا ضمان عليه وإن لم يعلمه أنها رموح أو عضوض - ففيه قولان؛ كما لو جعل السم في طعام، [ووضعه] بين يدي إنسان، فأكله - هل يجب الضمان [عليه]؟ فيه قولان.
ولو مرت بهيمة بجوهرة، فابتلعتها - نُظر: إن كان المالك معها - ضمن الجوهرة، وإن لم يكن معها - ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة: إن كان نهاراً - لم يضمن، وإن كان ليلاً ضمن، كالزرع.
والثاني: يضمن؛ ليلاً كان أو نهاراً بخلاف الزرع؛ فإنه مألوفٌ يلزم صاحبه حفظه.
وابتلاع الجوهرة غير مألوف، [فلم يلزم] صاحبه حفظها.
فإن قلنا: يجب الضمان، أو وجد من صاحب الدابة تعد؛ بأن ألقى لؤلؤة الغير بين يدي دجاجته، حتى ابتلعت - يجب الضمان، بالاتفاق.
فإن طلب صاحب الجوهرة ذبح الدابة - نُظر: إن لم تكن مأكولة - لا تُذبح؛ بل يغرم مالكها قيمة الجوهرة للحيلولة؛ فإن ماتت الدابة، وأخرجت الجوهرة [من جوفها]- رُدت إلى مالكها، وتُسترد القيمة.
وإن نقصت قيمة الجوهرة -ي ضمن صاحب الدابة ما انتقص من قيمتها.
وإن كانت الدابة مأكولة فهل تُذرع؟ فيه قولان؛ بناء على ما لو غصب خيطاً، وخاط به جُرح حيوان مأكولٍ - هل يذبح الحيوان أم يغرم قيمة الخيط؟ فيه قولان
ولو سقط دينار في محبرة الغير، فلم يخرج - نظر: إن أسقطه مالك المحبرة - كُسرت المحبرة، ورد الدينار، وإن أسقطه مالك الدينار - لا تكسر، ولا يمنع المالك من الانتفاع بالمحبرة، ولا يغرم، وإن سقط من غير قصد - لا تكسر، ولا يُمنع المالك من الانتفاع بها، غر أن لمالك الدينار أن يجعلها على يدي عدل ينتفع بها المالك.
وقيل: إن وقع فيها من غير تفريط من صاحب المحبرة - كسرت، وعلى صاحب
الدينار قيمة المحبرة؛ لأنه كسرها لتخليص ماله.
ولو أدخلت دابة رأسها في قدر، فلم تخرج أو دخل فصيل خوخة، فبقي فيها - تُكسر القدر، وتهدم الخوخة؛ لتخليص الحيوان، ثم إن وجد من [جهة] صاحب القدر تعد؛ بأن وضعها على الطريق، أو وُجد من صاحب الخوخة تعد، بأن أدخل الفصيل فيه-لا يجب لهما ضمان القدر والخوخة، وإن لم يوجد منه تعد - يجب ضمان القدر والخوخة على صاحب الدابة، وإن لم يكن منه تعد؛ لأن كسر القدر وهدم الخوخة -[لتخليص ملكه]، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم