"فصل في تملك المشتري شراء فاسداً"
إذا اشترى شيئاً شراء فاسداً فقبضه، لا يملك.
وعند أبي حنيفة: إذا اشترى بخمر أو خنزير، أو شرط فاسد، فهو فاسد؛ غير أنه إذا قبضه يملك، وينفذ تصرفه فيه؛ غير أنه يجوز للبائع أن يسترده بجميع زوائده المتصلة والمنفصلة.
ولو تلف في يدهن أو باعه، أو كان عبداً، فأعتقه، قال: يجب عليه قيمته، إلا أن يشتري بشرط العتق، فإن العقد فاسد.
وإذا تلف في يده، قال: يجب عليه الثمن.
وقالوا: لو اشترى شئاً بميتة أو دم؛ فقبضه، لا يملك؛ لأنه باطل فنحن نقيس عليه؛ فنقول: مبيع مسترد بالزوائد المتصلة والمنفصلة؛ فلا يكون الملك فيه ثابتاً للمشتري؛ كما لو باع بميتة، أو دم.
إذا ثبت أنه لا يملك المقبوض بالعقد الفاسد، فعليه رده، وعليه مؤنة الرد كمغصوب.
ولا يجوز حبسه؛ لاسترداد الثمن؛ لأن المالك لم يرهنه، وعليه أجر مثل المدة التي بقيت في يده.
وإن تعيب في يده، يجب عليه أرش مثل النقصان.
وإن تلف عنده، يجب عليه قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم الهلاك.
وفيه وجه آخر: يعتبر قيمته يوم التلف؛ كما في العارية؛ لأن أخذه برضا المالك.
والأول هو المذهب؛ لأنه مخاطب بالشرع برده كل ساعة؛ بخلاف العارية.
وما حدث في يده من الولد والثمرة مضمون عليه.
وكذلك كل زيادة متصلةحدثت في يده من سمن، أو تعليم حرفة؛ فزالت - يضمن؛ كالمغصوب.
وإن كانت جارية وطئها المشتري؛ إن كانا جاهلين، فلا حد عليهما، ويجب المهر.
وإن كانا عالمين؛ [نظر]: إن كان قد اشتراها بميتة، أودم - يجب عليهما الحد.
وإن اشتراها بخمر، أو خنزير، أو شرط فاسد - فلا حد؛ لاختلاف العلماء في الإباحة.
كما لو وطيء في النكاح بلا ولي لا يجب الحد، ويجب المهر.
وإن كانت بكراً؛ فافتضها، يجب أرش الافتضاض.
ولو استولدها، فالولد حر، وعليه قيمته إذا خرج حياً باعتبار يوم السقوط؛ بخلاف ما لو اشترى جارية؛ فاستولدها؛ فخرجت مستحقة - يغرم - قيمة الولد، ويرجع على البائع؛ لوجود الغرور من جهته.
وهاهنا يستقر عليه قيمة الولد؛ لأنه لم يوجد غرور من البائع، والجارية لا تصير أم ولد له.
فإن ملكها بعد ذلك، ففيه قولان:
فإن خرج الولد ميتاً، لا يجب به شيء؛ لأنه لا يدري: هل نفخ فيه الروح، أم لا؟ وإن دخل الأم نقص، يجب عليه أرش النقصان.
وإن ماتت في الطلق، يجب عليه قيمتها، وكذلك لو وطيء جارية الغير بالشبهة، وأحبلها؛ فماتت في الطلق -يجب عليه قيمتها؛ لأنه مملوكة تضمن باليد، تلفت بفعل منسوب إليه غير مستحق له.
ولو زنا بامرأة حرة أو أمة؛ فأحبلها؛ فماتت في الطلق - نظر: إن كانت طائعة، لا يجب ضمانها؛ لان النسب هناك غير ثابت؛ فكان السبب مقطوعاً عنه.
وإن كانت مُكرهة، فعلى قولين:
أحدهما: يجب الضمان؛ لأنها تلفت بسببه.
والثاني: لا يجب؛ لأن السبب مقطوع عنه بنفي النسب.
وكذلك لو نكح حرة، أو أمة؛ فأولدها؛ فماتت في الطلق -لا يجب الضمان؛ لأن الوطء مستحق له.
ولو وطيء حرة بشبهة، أو بنكاح فاسد؛ فماتت في الطلق - هل تجب الدية؟ فيه قولان:
أحدهما: بلى؛ كما تجب القيمة في الأمة.
والثاني: لا يجب؛ لأن ضمان الأمة أسرع ثبوتاً؛ بدليل أنها تضمن باليد، والحرة لا تضمن باليد.
ولو اشترى شيئاً شراء فاسداً، ثم باعه من آخر، فهو كالغاصب يبيع المغصوب، فإن
تلف في يد الثاني، وقيمته في يدهما سواء، أو زادت في يد الثاني - فالمالك يرجع بجميعها على أيهما شاء، وقرار الضمان يكون على الثاني.
وإن كانت قيمته بيد الأول أكثر؛ فانتقصت ثم باعه، فضمان ذلك النقصان على الأول لا يرجع به على الثاني، وبالباقي يرجع على أيهما شاء، والقرار على الثاني.
فكل نقص حدث في يد الأول لايون الثاني مطالباً به، وما حدث في يد الثاني يون الأول مطالباً به، ثم هو يرجع على الثاني.
وكذلك أجر المثل؛ لأن يد الأول كان سبباً في يد الثاني، ويد الثاني لم تكن سبباً في يد الأول.
"فصل في الشرط المخالف لقضية العقد"
إذا اشترى زرعاً؛ وشرط على البائع حصاده، أو ثمرة؛ وشرط عليه جُذاذها - فالبيع باطل؛ لأنه شرط مخالف قضية العقد.
وكذلك لو اشترى صرماً على أن يخبره على حقه بعشرة، أو نعلاً من حديد؛ على أن ينعل به دابته، أو كرباساً؛ على أن يخيط له قميصاً، أو لبناً؛ على أن يسلم إليه مطبوخاً، أو وقر حنطة؛ على أن يحمله إلى بيته، أو صبياً رضيعاً؛ على أن على البائع إتمام رضاعه، أو ثوباً؛ على خف نساج ينسج بعضه على أن يتم نسجه - فالبيع باطل.
وقيل في هذه المواضع: شرط العمل؛ وهو الإجارة باطل؛ لأنه شرط العمل على البائع في شيء لم يتم ملكه عليه.
وفي صحة البيع قولان؛ كما لو باع عبده، وعبد غيره.
والمذهب هو الأول.
وكذلك لو سمى لكل واحد شيئاً؛ وقال: اشتريت منك هذا الزرع بدينار؛ على أن تحصده بدرهم، وهذا الصرم بعشرة؛ على أن تحوزه على خفي بدرهم - لا يصح؛ لأنه جعل الإجارة شرطاً في البيع، فهو في معنى بيعتين في بيعة؛ وذلك منهي عنه.
ولو أفرد كل واحد منهما؛ فقال: اشتريت هذا الزرع بدينار، واستأجرتك بدرهم، حتى تحصده، أو قال: اشتريت هذا الصرم بعشرة، وأحرزه على خفي بدرهم.
فقال:
بعت، وقبلت الإجارة - صح الشراء؛ لأنه لا شرط فيه، ولا تصح الإجارة؛ لأنه استئجار على عمل فيما لم يتم مله فيه، فإن أحد شطري الإجارة وُجد قبل تمام البيع؛ كما لو قال: استأجرتك؛ لتخيط لي هذا الثوب، والثوب غير ملوك له- لا يصح.
فصل في تعيين جهة الزيادة والنقصان
إذا قال: اشتريت منك هذه الصبرة؛ كل صاع بدرهم؛ على أن تزيدني صاعاً، أو على أن أنقصك صاعاً؛ ولم يعين جهة الزيادة أو النقصان - لا يصح؛ لأجل الجهالة.
وإن عين جهة؛ نظر: إن عين جهة الزيادة؛ فقال: على أن تزيدني صاعاً؛ نظر: إن أراد أن يهب له صاعاً، أوي بيع من موضع آخر - فلا يصح - لأنه شرط عقد في عقد.
وإن أراد: أنها إن أخرجت عشرة أصوع، أعطيك تسعة دراهم - نظر: إن كانت الصيعان مجهولة لم يصح؛ لأنه لا يدري كم يخص كل صاع منها؛ ما لو قال: بعتك هذه الصبرةكل صاع بدرهم إلا شيئاً لا يصح، وإن كانت الصيعان معلومة يصح.
فإن كانت عشرة أصوع؛ كأنه باع كل صاع وتسعة بدرهم.
وإن عين جهة النقصان، فقال: اشتريت هذه الصّثبرة؛ كل صاع بدرهم؛ على أن أنقصك صاعاً - نظر: إن أراد بها: أنها عن خرجت عشرة أصوع، أعطيك عشرة دراهم، وأرد إليك صاعاً- لا يصح؛ لأنه كشرط هبة في البيع.
وإن أراد: أنها عن خرجت تسعة أصوع، أعطيك عشرة دراهم - نظر: إن كانت الصيعان مجهولة، لا يصح؛ لأنه لا يدري كم يخص كل صاع منها، وإن كانت معلومة يصح، كأنها كانت تسعة أصوع؛ فيكون كل صاع بدرهم وتُسع درهم.
قلت: وإن أراد: أنها إن خرجت عشرة أصوع أخذ تسعة بتسعة دراهم، وإن كانت الصيعان مجهولة لا يصح، وإن كانت الصيعان معلومة يصح؛ كما لو قال: بعتك هذه الصبرة إلا صاعاً.
"فصل في بيع السمن في الظرف والمسك في الفارة"
بيع السمن في الظرف يجوز إذا رأى اعلاه؛ سواء باعه مع الظرف، أو دون الظرف.
ما لو باع طعاماً آخر في الظرف.
ولو باع السمن وحده؛ كل من بدرهم يجوز، وإن كان لا يعرف في الحال وزنه؛ لأن الجملة معلومة، والثمن بالوزن يصير معلوماً.
ولو باع كل من بدرهم؛ على أن يزنه بظرفه - نظر: إن كان قال:
واطرح وزن الظرف، يجوز؛ سواء عَلِمَا وزن الظرف حالة العقد، أو لم يعلما.
وإن لم يذر طرح وزن الظرف، نظر: إن قال: والظرف لي، لم يجز؛ لأنه يلزمه الثمن ما لم يبع منه.
وإن قال: الظرف مبيع، أو بعتك هذا السمن مع الظرف؛ كل من بدرهم؛ فإن لم يكن للظرف قيمة لم يجز؛ لأنه يوجب عليه ثمن ما لا قيمة له.
وإن كانت له قيمة، ففيه وجهان:
أصحهما: يصح، وإن اختلفت قيمة السمن والظرف؛ كما لو باع الفواكه المختلطة، أو الحنطة المختلطة بالشعير.
والثاني: لا يصح؛ لأن المقصود هو السمن؛ وهو مجهول؛ بخلاف الفواكه المختلطة؛ فإن كلها مقصودة؛ فهو كبيع المسك المختلط بغيره - لا يجوز.
ومن قال بالأول أجاب: أن المسك هناك غير متميز عن الغش، وهاهنا المقصود متميز عن غير المقصود؛ فيجوز.
وقيل: إن عَلِمَا دون السمن والظرف يجوز، وإن لم يعلما لا يجوز؛ لأن الظرف قد يكون خفيفاً وثقيلاً؛ ففيه غرر.
ولو باع المسك في فارة قبل إخراجه منها، لا يجوز؛ لأن المقصود هو المسك؛ وهو مهول؛ سواء كان رأس الفار مفتوحاً، أو لم يكن؛ وسواء باع المسك دون الفار، أو مع الفار؛ كما لو باع شاة مذبوحة قبل السلخ؛ بخلاف الجوز، يجوز بيعه؛ لأن القشر عليه من صلاحه.
وقال ابن سريج: يجوز بيع فارة المسك مع المسك، كالجوز.
ولو أخرج المسك من الفارة وأراه، ثم رده إليها فباعه - يجوز.
ولو رأى الفارة دون المسك؛ فرد إليها، ثم باعه: إن كان رأس الفار مفتوحاً يرى أعلاه - يجوز.
وإن كان مسدوداً؛ فعلى قولي بيع الغائب.
قلت: وكذلك لو لم يروا واحداً منهما بعد الإخراج.
ولو باع المسك؛ كل مثقال بدينار، يجوز ولو باع كل مثقال بدينار مع الفار - فيه وجهان، كالسمن مع الوعاء.
ولا يجوز بيع المسك المختلط بغيره؛ لأن المقصود هو المسك؛ وهو مجهول.
وكذلك بيع اللبن المشوب بالماء.
باب النهي عن بيع الغرر
رُوي عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر".
بيع الغرر باطل.
والغرر: ما خفي علكي علمه؛ فكل بيع كان المبيع فيه مجهولاً، أو غير مقدور على تسليمه - فهو غرر باطل.
منها: ثمن عسب الفحل، حرام، لما رُوي عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن عسب الفحل".
والمراد منه: الكراء؛ وهو أن يستأجر فحلاً؛ ليطرقه على الإناث.
وقد رُوي صريحاً، أنه - عليه السلام - "نهى عن ثمن عسب الفحل".
وهذا؛ لأنه إن أخذ العوض على مائه، فماؤه لا قيمة له.
وإن أخذ على فعله، فلا يدخل ذلك تحت قدرته.
أما إعارة الفحل للإنزاء من غير شرط عوض - فجائز، مستحب؛ لما فيه من صلاح الخُلق.
ثم لو أثابه المستعير عليه شيئاً، فلا بأس.
وقال مالك: يجوز استئجار الفحل للإنزاء؛ كما يجوز لتأبير النخل.
قلنا: تأبير النخل عمل معلوم؛ فجاز الاستئجار عليه؛ بخلاف ضراب الفحل.
ومن جملة الغرر: أن يبيع ما ليس عنده، ثم يشتري، فيسلم إليه؛ فلا يجوز؛ لما روي عن حكيم بن حزام؛ أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنه يأتيني الرجل يسألني عن بيع ما ليس عندي.
قال: "لا تبع ما ليس عندك".
ومنها: بيع العبد الآبق، والجمل الشارد، والطير المنفلت، والحمل في البطن - لا يجوز؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، ولايدري وجود الحمل وحياته؛ فإن باع الآبق ممن يقدر على رده، والمغصوب من الغاصب، أو من يقدر على أخذه منه - يجوز.
ولو باع حاملاً، يدخل الحمل في البيع.
ولو قال: بعتك هذه الجارية وحملها، أو هذه الشاة ولبنها، وكانت لبوناً - لا يصح؛ على أصح الوجهين؛ لأن اللبن في الضرع، والحمل في البطن لا يقبل البيع على الانفراد، إنما يدخل في البيع تبعاً؛ فلا يجوز أن يجعله مقصوداً.
وقال الشيخ أبو زيد: يجوز؛ لأنه لما دخل في مُطلق البيع، وذكره لا يمنع الجواز؛ كما لو قال: بعتك هذه الدار بحقوقها، أو هذا الجدار وأساسه - يجوز.
ولو قال: بعتك هذه الجبة وحشوها.
قيل: فيه وجهان؛ كالحمل.
وقيل: يجوز وجهاً واحداً؛ لأن الجُبَّة اسم لها مع الحشو؛ فهو كأساس الجدار؛ بخلاف الحمل واللبن؛ فنه لا يتناولهما اسم الشاة.
فإذا سماها صارا مقصودين، وأخذا قسطاً من الثمن؛ وهما مجهولان؛ فلم يصح.
ولو قال: بعتك هذه الجارية، أو هذه الشاة، على أنها حامل، أو بشرط أنها حامل - ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لما شرط الحمل، كأنه عقد عليهما.
والثاني: يجوز خرَّجه صاحب "التلخيص"؛ كما لو اشترى شاة؛ على أنها لبون، يجوز.
ومن قال بالأول، أجاب عن اللبون؛ بأنه ليس ببيع اللبن في اللبون، بل هو شرط
صفة فيها؛ بدليل أنها لو لم يكن في ضرعها لبن وقت البيع، بأن كان قد حلبها - لا خيار للمشتري إذا كان لبوناً؛ كما لو اشترى على أنه كاتب أو خباز، جاز.
أما الحمل: فيشترط وجوده حالة العقد؛ وهو مجهول جعله مقصود؛ فلم يجز.
ولو كان الحمل لواحد، والأم لآخر، فلا يجوز لمال الحمل بيع الحمل؛ لا من مالك الأم، ولا من غيره.
وكذلك لا يجوز لمالك الأم بيعها؛ لا من مالك الحمل، ولا من غيره.
ولو كان الحمل حراً، لا يجوز بيع الأم.
هذا؛ كما لا يجوز استثناء الحمل في البيع.
ولو وكل أحد منهما صاحبه؛ فباعهما، لم يجز؛ لأن حصة الحمل من الثمن مجهول.
ولو باع السمك في الماء؛ نظر: إن كان في حوض صغير يقدر على أخذه باليد من غير كُلفةٍ - يجوز إن كان الماء صافياً يراه تحت الماء.
وإذا كان كدراً لا يراه، فعلى قولي بيع الغائب.
وإن كان في مصنعة كبيرة، ولا يقدر على أخذه بالشبكة، أو في أجمة، أو في بئر يلحقه كلفة في أخذه - لا يجوز؛ كالعبد الآبق.
وكذلك إذا باع الحمام في برج مغلق عليه الباب؛ فإن قدر على تناوله من غير تعب جاز، وإن ان في برج بير لا يقدر على أخذه إلا بتعب لم يجز.
ولو باع الحمام بعدما خرج عن البرج، أوالنحل بعد خروها عن الكوارة، لا يجوز، وإن كانت من عادتها العود؛ لأنه ليس لها عقل يحمله على الوفاء؛ بخلاف العبد الذي بعثه لشغل جاز بيعه.
فصل في بيع الفضولي وشرائه
ولا يجوز بيع مال المكلف المطلق دون إذنه.
فلو باع رجل ما له دون إذنه، لا يصح العقد؛ لأنه لا يقدر على تسليمه؛ كبيع الآبق.
وقال في القديم - وبه قال أبو حنيفة ومال -: يكون البيع موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجاز صح.
وكذلك لو زوج ابنة الغير، أو أمته، أو طلق زوجته، أو أعتق عبده- لا يصح.
وعندهما يتوقف على الإجازة.
وبالاتفاق لو طلق زوة صبي، أو أعتق عبده، لا يصح.
أما إذا اشترى شيئاً للغير بغير أمره؛ نظر:
إن اشترى بعين مال ذلك الرجل؛ فهو كالبيع، لا يصح.
وإن اشترى في الذمة؛ نظر:
إن لم يسم فلانا، صح العقد للعاقد.
وإن سمى فلاناً؛ نظر: إن أضاف الثمن إليه، فقال: اشتريته بكذا في ذمة فلان، فكالبيع - لا يصح.
وإن قال: اشتريته لفلان بكذا، ولم يضف الثمن إليه - ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح العقد.
والثاني: تُلغى التسمية، ويصح العقد للعاقد.
وإن اشترى بعين مال نفسه المعين شيئاً؛ نظر: إن لم يسم الغير، يقع للعاقد؛ سواء كان بإذن ذلك الغير؛ أو دون إذنه.
وإن سمى العين؛ فقال: اشتريت عبدك بثوبي لفلان - نظر:
إن كان فلان لم يأمره، فالتسمية لاغية.
وهل يقع للعاقد، أم يبطل؟ فيه وجهان:
فإن كان فلان أمره به، هل تلغى التسمية أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن أحد العوضين له؛ فلا يصير بدله لغيره.
فعلى هذا: حكمه حكم ما لو لم يأمر، يبطل، أم يقع للعاقد؟ فعلى وجهين:
والثاني: لا تُلغى التسمية؛ لأنه وكله به.
فعلى هذا: يقعُ العقد للآمر، ويكون ما وقع قرضاً عليه، أم هبة؟
فيه وجهان.
ومن الغَرَرِ، أن يبع جذعاً في بناء، أو نصفاً معيناً من إناء، أو سيفاً - لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه تسيمه إلا بهدم البناء، وكسر الإناء أو السيف؛ فيدخل عليه ضرر من غيره.
وكذلك لو باع نصفاً معيناً من ثوب، أو ذراعاً معيناً: فإن كان الثوب نفيساً ينتقص قيمته بالقطع لم يجز، وإلا يجوز.
وكذلك لو باع نصف خشبة معينة يجوز؛ لأنها لا تنتقص بالقطع.
ولو باع نصفاً معيناً من جدار؛ نظر: إن باع النصف الأسفل، لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم الأعلى.
فإن باع النصف الأعلى؛ فإن كان من لبن باعه إلى نصف معين - يجوز.
وإن كان من طين لا يجوز، ولو باع نتاج نتاجها لا يجوز؛ لأنه بيع المعدوم.
ولا يجوز بيع اللبن في الضرع؛ لأنه مجهول؛ ولأنه يزداد، وما يحدث لا يكون داخلاً في البيع.
ولو باع صاعاً من اللبن في الضرع بعدما عرف أن فيه لبناً؛ بأن حلب منه قليل - فقد قيل: يجوز؛ كما لو كان في إناء؛ ولما روي عن ابن عباس: أنه ان يكره بيع اللبن في الضرع، إلا بالكيل.
والأصح: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يدري وجود هذا القدر في الحال؛ لأنه يحدث شيئاً فشيئاً.
وقيل: إنه يخرج من العروق إذا أخذ في الحلاب.
وما روي عن ابن عباس إلا بالكيل أراد به: إذا أسلم في اللبن، يجوز.
ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم؛ لأنه إن لم يشترط القطع، فهو يزداد، وما يزداد لا يكون داخلاً في البيع.
وإن شرط القطع فلا يمكن استيفاؤه؛ لأنه يتألم به الحيوان.
وقال مالك: يجوز بيعه بشرط الجَزِّ؛ كالقث في الأرض.
قلنا: لأنه ثمر يمكن استيفاؤه من غير ضرر.
أما إذا باع الصوف على ظهرها بعد الذكاة يجوز؛ لأن استيفاءه ممكن.
ولو أوصى لإنسان بالصوف على ظهر الحيوان، أو باللبن في الضرع، وهو موجود في تلك الحال - يجوز؛ لأن الوصية تقبل من الغرر ما لا يقبله البيع؛ كما لا يجوز بيع الحمل في البطن، وتجوز الوصية به.
والله أعلم.
باب: بيع حبل الحبلة وغير ذلك من المناهي
رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع حبل الحبلة.
وكان يتبايعه أهل الجاهلية؛ وذلك: أن يبيع شيئاً إلى أن ينتج نتاج هذه الدابة؛ فلا يصح، لأنه بيع إلى أجل مجهول.
ولو باع نتاج نتاجها، لا يجوز؛ لأنه بيع المعدوم.
وروي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع الملامسة والمنابذة".
والمُلامسة: أن يأتي بثوب مطوي، أو في ظُلمة الليل؛ فيلمسه المشتري، فيقول صاحبه: بعتك هذا؛ بشرط أن لمسك يقوم مقام نرك إليه، ولا خيار لك إذا رأيته - فهذا باطل؛ لما فيه من الغرر.
والمنابذة: أن يقول: انبذ إليك ثوبي، وتنبذ إليَّ ثوب؛ على أن كل واحد بالآخر، أو قال: انبذ إليك ثوبي بعشرة؛ فيكون النبذ بيعاً.
فلا يصح؛ لعدم التواجب.
وقال ابن سريج المعاطاة بيع؛ وبه قال أبو حنيفة في الأشياء التافهة.
ومن جعل المعاطاة بيعاً، قال ببطلان المنابذة بالمعنى الذي بطل به الملامسة؛ وهو أن يبيع ثوباً بثوب مطويين؛ على أنه لا خيار لهما بعد النشر؛ فلا يصح.
وروي عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحصاة.
وله تأويلات:
أحدها: أن يقول: أرمي بهذه الحصاة؛ فعلى أي ثوب وقع يكون مبيعاً منك، أو إلى أي موضع بلغ من الأرض يكون مبيعاً منك - فلا يصح؛ لأن المبيع مجهول.
الثاني: أن يقول: أرمي بهذه الحصاة، فإذا وقع على الأرض كان الثوب مبيعاً منك بعشرة - فلا يصح؛ لعدم التواجب.
الثالث: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة، على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة، ويقع - فلا يصح؛ للخيار المجهول.
فصل: لا يصح من الأعمى شراء الأعيان ولا بيعها
وعند أبي حنيفة: يجوز؛ كما يجوز للبصير.
ونحن جوزنا شراء الغائب على أحد القولين؛ لأنه يراه بعد البيع؛ فتزول الجهالة.
والأعمى ليست له آلة المعرفة، فتمكن من بيعه جهالة لا تزول؛ فلم يجز.
فإذا أراد الأعمى أن يشتري شيئاً أو يبيع، يوكل من يتولاه؛ فيجوز لأجل الضرورة.
ولو رأى شيئاً في حال بصارته، ثم عمي، فاشتراه أو باعه.
إن كان ذلك الشيء مما يتغير في تلك المدة لا يجوز، وإلا فيجوز.
ولو اشترى شيئاً لم يره في حال بصارته، وجوزنا شراء الغائب؛ فعمي قبل الرؤية - هل ينفسخ البيع؟
فيه وجهان:
أحدهما: ينفسخ؛ كما لو اشترى في حال العمى.
والثاني: لا ينفسخ؛ لأن المانع لم يكن مقترناً بالعقد؛ فعلى هذا يوكل من يرى عنه، وله الخيار.
وكما لا يجوز بيع الأعمى، لا تجوز هبته.
ولو أسلم الأعمى في شيء، أو قبل السلم؛ نظر: إن عمي بعد بلوغه أوان التمييز، ومعرفة الألوان -يجوز، ثم يُوكل من يقبض عنه الوصف المشروط، وهل يصح قبضه بنفسه؟
فيه وجهان:
وإن عمي قبل بلوغه أوان التمييز أو كان أكمه - ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه يعرف الصفات بالسماع.
والثاني - وهو الأصح -: لا يصح؛ لأنه لا يعرف حقيقة الأوصاف.
فحيث جوزنا، إنما يجوز إذا كان رأس المال موصوفاً معيناً في المجلس؛ فإن كان معيناً، لم يجز؛ كبيع العين.
ويجوز للأعمى أن يؤاجر نفسه؛ لأنه يعرف نفسه.
ولا يجوز أن يؤاجر عبده، وكذلك لا يجوز أن يكاتب عبده.
ولو قبل العبد الأعمى على نفسه الكتابة يجوز.
"فصل في النهي عن بيعتين في بيعة"
روي عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين في بيعة".
وله تفسيران:
أحدهما: أن يقول: بعتك هذا بألف حالة، أو بألفين إلى شهر- لا يجوز؛ لأنه لا يدري أيهما الثمن.
وكذلك لو قال: بعتك هذا العبد، أو هذه الجارية - لا يصح؛ لأنه لا يدري أيهما المبيع.
أما إذا قال: بعتك هذا العبد بألف حالة، وبألفين؛ إلى شهر - يصح؛ لأن الثمن معلوم؛ وهو ثلاثة آلاف؛ بعضها حال وبعضها مؤجل.
وكذلك لو قال: بعتك هذا العبد بألف، وهذه الجارية بألفين؛ فقبل في أحدهما بعينه - جاز.
ولو قال: بعتك هذا العبد؛ نصفه بألف، ونصفه بألفين - جاز.
ولو قال: بعتك بألف؛ نصفه بستمائة لم يجز؛ لأن ابتداء كلامه يقتضي توزيع الثمن على المثمن بالسوية، فأخذه يناقضه.
التفسير الثاني: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف؛ على أن تبيعني دارك، أو تشتري مني داري - لا يصح؛ لأنه جعل الألف، ووفق البيع الثاني ثمناً؛ فإذا بطل الشرط، بطل بعض الثمن؛ فيبقى الباقي مجهولاً.
أما البيع الثاني، إن كانا عالمين ببطلان الأول - صح.
وإلا فلا يصح؛ لأنه يبيعه على حكم الشرط الفاسد.
"فصل في النهي عن النجش"
روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النجش.
والنجش: الخديعة؛ وهو: أن يتقدم رجل إلى سلعة تباع فيمن يزيد؛ فيزيد في ثمنها، ولا يريد شراءها؛ ترغيباً للناس فيها.
فهو عاص بهذا الفعل.
ثم إذا اغتر رجل فاشتراها، يصح العقد؛ لأنه لا فساد في العقد.
وهل يثبت له الخيار إذا علم؟
نظر: إن فعله الناجش بغير التماس البائع، لا خيار للمشتري، وإن فعل بالتماسه ففيه قولان:
أحدهما: له الخيار؛ للتدليس؛ كالتصرية.
والثاني: لا خيار له؛ لأن التفريط من جهته؛ حيث اغتر بقوله، ولم يستعن بغيره.
فصل في البيع على بيع الأخ والسوم على سوم الأخ
رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبع بعضكم على بيع بعض".
ويروى: لا يسوم الرجل على سوم أخيه.
صورة البيع على بيع أخيه: أن يشتري رجل شيئاً وهو مغتبط به؛ فجاء رجل في مجلس الخيار إلى المشتري، وقال: افسخ هذا البيع؛ حتى أبيع منك خيراً منه بأرخص.
أو جاء إلى البائع، وقال: افسخ؛ حتى أشتري منك بأكثر، فهذا حرام.
ثم إن كان قصد فسخ العقد بينهما؛ وهو لا يريد شراءه، عصى الله - تعالى- سواء كان عالماً بالحديث، أو لم ينك عالماً بالحديث؛ كما في النجش.
وإن أراد شراءه: فإن كان عالماً بالحديث يعصي، وإلا فلا؛ بخلاف النجش؛ حيث قلنا: يعصي به، وإن لم يكن عالماً بالحديث؛ لأن النجش خديعة، وليست الخديعة من أخلاق أهل الشريعة، ولا يخفى ذلك على عاقل، والبيع على بيع أخ مما يخفى بحكمه على الناس؛ فتوقف العصيان فيه على قصد مخالفة الحديث.
فلو فسخ مع الأول، وعقد مع الثاني، صح العقد؛ لأن الفسخ ثابت له في المجلس.
صورة السوم على سوم الأخ: أن يأخذ شيئاً ليشتريه؛ فقبل أن يشتري جاء رجل، فقال: رده؛ حتى أبيع منك خيراً منه.
وقال للمالك: خذه لأشتريه بأكثر، فهو حرام إن كان تراضيا على شيء، أما إذا لم يتراضيا على شيء فلا يحرم.
فإن وجد دلالة الرضا؛ بأن طلب المشتري بعشرة، فقال: أسامحك ونحو ذلك - فهل يحرم الدخول عليه؟
فيه وجهان.
هذا إذا كان البيع في موضع مستقر.
فأما إذا كان الشيء يطاف به فيمن يزيد، ولم يقع الرضا من المالك بشيء - فلا حرج على من يزيد على ما طلب به غيره.
وعند أبي حنيفة: المراد بالبيع على بيع الأخ: هو السوم؛ لأن عنده خيار المكان لا يثبت في البيع؛ فلا يتصور البيع على البيع.
"فصل في بيع الحاضر للبادي"
روي عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا بيع حاضر لباد؛ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
صورته: أن أهل البادية كانوا يحملون إلى البلد متاع البادية من الصوف والأقط ونحوها؛ يبيعونها بسعر اليوم؛ ليرجعوا إلى البادية على سرعة؛ لما عليهم من المؤنة في المقام بالبلد، وكان من ذلك رفق وسعة لأهل البلدة.
وكان الرجل من أهل البلد يأتي البدوي، ويقول: ضع متاعك عندي؛ حتى أبيعه لك على مر الأيام بأغلى وارجع أنت إلى باديتك.
فليس للبلدي أن يفعل ذلك؛ لما فيه من قطع رفق أهل البلد؛ فإن فعل وهو عالم بالحديث، يعصي الله - تعالى - وإن لم يكن عالماً به لا يعصي.
ولو فعل، وباع للبدوي، صح البيع؛ لأن النهي ليس في العقد؛ كالبيع في وقت الشراء.
هذا إذا عرض البلدي عليه ذلك، فأما إذا التمس ذلك منه رب المال، وأراد رب المتاع أن يقيمه بالبلد، ويبيعه على مر الأيام؛ فعرض البدوي نفسه عليه، والتمس تفويضه إليه - فهو مأجور عليه، غير مأثوم.
وإنما يحرم في الصورة الأولى إذا كان يظهر من متاعه سعة لأهل البلد.
فإن كان لا يظهر منه سعة لكبر البلد، وقلة ذلك المتاع، أو كان السعر رخيصاً، ومثل ذلك المتاع عام الوجود - فهل يجوز للبلدي أن يبيع له ذلك؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لظاهر النهي.
والثاني: يجوز؛ لأنه لا ضرر فيه على أهل البلد.
ثم هذا فيما يعم مساس الحاجة إليه من أطعمة القرى والصوف.
وأما ما تقع الحاجة إليه نادراً، فلا يدخل تحت النهي.
"فصل في تلقي الركبان"
رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تلقوا الركبان للبيع".
وفي رواية: فمن تلقاها، فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق".
وصورته: أن يقع الخبر بقدوم عيرٍ تحمل المتاع، فيتلقاها رجل؛ ليشتري منهم شيئاً.
بأرخص قبل أن يقدموا البلد، ويعرفوا سعره -فهذا الرجل إن كان عالماً بالحديث يعصي، وإلا فلا؛ غير أنه إذا فعل واشترى يصح الشراء، ولا خيار للبائع قبل أن يقدم السوق.
فإذا قدم السوق له الخيار عن كان مغبوناً؛ بأن اشتراه المشتري بأرخص من سعر البلد؛ سواء أخبره المشتري بسعر البلد أو كذب، أو لم يخبر.
أما إذا لم يكن مغبوناً؛ بأن اشتراه بسعر البلد، أو بأكثر- فهل له الخيار؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لظاهر الخبر.
والثاني - وهو الأصح-: لا خيار له؛ لأنه لم يخنهم.
قلت: وكذلك إذا اشتراه بأقل، والبائع عالم بسعر البلد، أو أخبره المشتري؛ فصدق -لا خيار؛ على الأصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الخيار بقدوم السوق؛ ليقف على غبن خفي عليه حالة البيع.
أما إذا لم يقصد التلقي، بل خرج لشغل آخر؛ فرأى عيراً مقبلة؛ فاشترى منهم شيئاً- لا يعصي، ولا خيار للبائع إذا قدم السوق، وإن كان مغبوناً.
وقيل: إن أخبره المشتري بسعر البلد وكذب، فله الخيار.
والله أعلم.
باب: النهي عن بيع وسلف
رُوي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع وسلف.
وصورته: أن يقول: بعتك عبدي بكذا؛ على أن تقرضني عشرة - فلا يصح البيع؛ لأنه
جعل الألف ورفق القرض ثمناً، فإذا أبطل شرط القرض يسقط بمقابلته بعض الثمن؛ فيبقى الباقي مجهولاً، وإذا أقرضه بعد ذلك يصح؛ لأنه لا شرط فيه.
ولو قال: أقرضتك هذه العشرة؛ على أن تبيعني عبدك - لا يصح الاقتراض؛ لأنه قرض جر منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا؛ حتى لو أقرضه شيئاً؛ على أن يرد أجود أو أكثر، أو أقرضه المكسر؛ على أن يرد الصحيح -لا يجوز؛ سواء شرط المستقرض على نفسه، أو شرط عليه المقرض.
أما إذا استقرض مطلقاً، ثم رد أفضل، أو أكثر من غير شرط - جاز.
والدليل عليه: ما روي عن أبي رافع قال: استسلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكراً فجاءته إبل الصدقة؛ فأمرني أن قُضي الرجل بكره.
فقلت: لا أجد إلا جملاً خياراً رباعياً.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"اعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء".
ولو أرضه ليرد إليه ببلد آخر، لا يجوز؛ لأنه يجر إلى نفسه نفع أمن الطريق؛ فإن لم يشرط؛ وكتب له إلى بلد آخر من غير شرط - جاز، ولو شرط فيه أجلاً؛ نظر: إن كان للمقرض عليه نفع؛ بأن كان أيام نهب -لا يجوز، وإن لم يكن يجوز؛ لأنه نفع المستقرض ونفع المستقرض لا يفسد القرض؛ لأن القرض جوز لنفع المستقرض؛ حتى لو أقرضه الصحاح؛ ليرد المكسر، أو أقرضه ألفاً؛ على أن يقرضه المقرض ألفاً أخرى - لا يفسد به القرض؛ لأنه وعد، ولا يلزم الوفاء به.
وكذلك لو وهب شيئاً؛ على أن يهبه الواهب شيئاً آخر - لا تفسد الهبة؛ بخلاف ما لو باعه عبداً؛ على أن يهب له البائع ثوباً، لم يصح البيع؛ لأن الأصل: البيع على العوض، فإذا التزم مع المبيع هبة أو قرضاً، فلم يشتره المشتري غلا على شرط عقد - يفسد.
وكذلك لو شرط فيه أجلاً، لا يلزم الأجل.
وعند مالك: يلزم الأجل.
ويجوز شرط الرهن والكفيل في القرض؛ لأنه توثيق الحق؛ فلا يعد نفعاً يبطل القرض؛ كما أن شرط الرهن في البيع جائز، ولا يجعل عقداً في عقد.
فصل في أن الإقراض مستحب
ويشترط فيه الإيجاب والقبول؛ لأنه تمليك كالبيع والهبة.
ويصح بلفظ القرض والسلف، وبما في معناه؛ بأن يقول: ملكتك هذا؛ على أن ترد عليَّ بدله.
فإن قال: ملكتك؛ ولم يذكر رد البدل، فهو هبة.
فإن اختلفا: فقال الدافع: أردت القرض.
وقال الآخذ: بل الهبة - فالقول قول الآخذ مع يمينه؛ لأن الظاهر منه الهبة.
ولا يثبت فيه خيار المكان، ولا خيار الشرط؛ لأن الخيار لإثبات الفسخ.
وفي القرض يجوز لكل واحد منهما فسخه متى شاء، وهل يملك المستقرض بنفس القبض؟
فيه جوابان:
أصحهما: يملك؛ لأنه قبض يفيد التصرف؛ كما في الهبة.
والثاني: لا يملك إلا بالتصرف؛ لأنه ليس معاوضة، ولا تبرعاً محضاً؛ لأنه يجب عليه بدله، ولا يحكم له بالملك إلا بعد استقرار بدله عليه.
وإن تصرف بما يزيل الملك من بيع أو هبة أو إعتاق أو إتلاف - يحكم له بالملك قبل ذلك، فإن رهن أو أجر زوج، أو كانت حنطة؛ فطحنها، أو شاة، فذبحها - هل يحكم له بالملك؟
فيه وجهان:
أحدهما: يملك؛ لأنه تصرف تَصَرُّف الملاك.
والثاني: لا يملك؛ حتى يتصرف بما يزيل الملك.
فعلى هذا: إن كان قد زوج أو رهن أو أجر، لا تصح هذه العقود.
وفائدة الاختلاف في الملك: أنه لو أقرضه شيئاً؛ فقبل أن يتصرف فيه، تقاضاه المقرض - هل يجب عليه رد عينه؟
إن قلنا: يَملِكُ بنفس القبض، لا يجب رد عينه، بل له أن يؤدي بدله من موضع آخر.
وإن قلنا: لا يملك، يجب عليه رد عينه.
فإن أقرضه حيواناً؛ فإن قلنا: يملك بالقبض، فنفقته على المستقرض، وإن أقرضه أباه يعتق عليه.
فإن قلنا: لا يملك بالقبض ما لم يتصرف، فنفقته على المُقرض، ولا يعتق أبوه قبل التصرف فيه.
قلت: يحتمل أن يقال: يعتق، ويحكم له بالملك قبله؛ كما لو أنشأ إعتاق الأجنبي.
وكل ما جاز السلم فيه، جاز استقراضه.
قال الشافعي - رضي الله عنه-: ولا باس باستسلاف الحيوان كله إلا الولائد.
أما العبيد: فيجوز استقراضها؛ كسائر الحيوانات.
أما الجواري: نظر: إن استقرضها من لا يحل له وطؤها، جاز.
وإن كان ممن يحل له وطؤها، ففيه قولان؛ بناء على أنه متى تملك؟
إن قلنا: تُمْلَكُ بالتصرف، جاز.
وإن قلنا: بالقبض، فلا يجوز؛ لأنه ربما يطؤها بحكم الملك، ثم يردها بعينها؛ فيكون في معنى إعارة الجارية للوطء؛ وذلك لا يجوز.
فحيث جوزنا في المحارم؛ فاستردها المقرض قبل تصرف المستقرض - هل عليه الاستبراء، أم لا؟
إن قلنا: ملك المستقرض بالقبض يجب، وإلا فلا يجب.
وما لا يجوز السلم فيه؛ كالجواهر، والأشياء التي لا تضبط بالصفة، لا يجوز استراضه.
وشبهه بالسلم من حيث إنه يعجل شيئاً، ويكون عوضه في ذمته، وفي استقراض الخبز وجهان؛ كالسلم فيه:
الأصح: لا يجوز.
ويجوز استقراض المكيل وزناً، والموزون مكيلاً؛ كالسلم.
وقال الشيخ القفال: لا يجوز قرض المكيل بالوزن.
ويختص ذلك بالسلم؛ لأنه لا ربا بين رأس مال السلم، وبين المسلم فيه.
حتى قال: لو أتلف على إنسان مائة مَنَّ من الحنطة، يجب عليه أن يرده وزناً.
وكذلك لو باع شقصاً بمائة من الحنطة، لا يأخذه الشفيع بالحنطة وزناً، بل ينظر: كم تكون تلك الحنطة، فيأخذه كيلاً.
وكان القاضي الإمام - رحمه الله-يقول- وهو الأصح عندي-: إنه يأخذ بمثله وزناً؛ ما اشتراه، وكذلك في الإتلاف والقرض؛ كما في السلم.
وإذا استقرض مثلياً هل يجب عليه رد المثل؟
وإذا استقرض متقوماً، فعلى وجهين:
أحدهما: يجب [قيمته]؛ كما لو أتلفه على غيره، يجب عليه القيمة.
والثاني - وهو المذهب -: عليه رد المثل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- استسلف بكراً فأمر برد مثله.
فإن أوجبنا القيمة، فتعتبر قيمته بيوم القبض: إن قلنا: يملك القبض.
فإن قلنا: بالتصرف، فبالأكثر من يوم القبض إلى أن يتصرف.
وقيل: إذا قلنا: يجب القيمة، يجوز استقراض ما لا يسلم فيه؛ كالجواهر ونحوها.
وإذا أقرضه شيئاً ببلد، ثم لقيه ببلد آخر، فإن لم يكن لنقله مؤنة؛ كالدراهم والدنانير- يجوز للمقرض مطالبته برده، وللمستقرض رده.
وإن كان لنقله مؤنة، ليس للمقرض مطالبته بمثله، ولا للمستقرض رد مثله؛ لما في نقله من المؤنة، إلا أن يتراضيا عليه.
ويجوز للمقرض مطالبته بقيمته؛ باعتبار بلد الإقراض.
وكذلك لو غصب مثلياً؛ فأتلفه، ثم لقيه ببلد آخر: فإذا أخذ القيمة، ثم اجتمعا في بلد الإقراض - هل له رد القيمة، ومطالبته بالمثل؟ أو هل للمستقرض أن يطالبه برد القيمة؟ فيه وجهان.
والله أعلم.
باب تجارة الوصي
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة: 282].
وروي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - أنه قال: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الزكاة".
يجوز للولي أن يتصرف في مال الصبي والمجنون؛ على وجه النظر؛ سواء كان الولي أباً، أو جداً، أو وصياً، أو قيماً.
فيجوز له أن يبيع ماله بنقد البلد، وبالعرض، ونسيئة، إن رأى النظر فيه.
وإذا باع نسيئة، يجب أن يزيد على ثمن النقد، ويشهد عليه، ويأخذ رهناً؛ فإن لم يفعل، ضمن.
ويجوز أن يسافر بماله، ويبعث على يد أمين، إن كان الطريق آمناً.
ولو كان الطريق
مخوفاً، فلا يجوز، فإن فعل صار ضامناً.
ولا يجوز أن يهب بشرط الثواب؛ لأنه لا ينعقد بالهبة العوض؛ كما لا يجوز أن يعتق عبده، ولا أن يكاتبه.
ويجوز للأب والجد أن يبيع مال ولده الطفل، أو المجنون من نفسه، ويشتري له من نفسه، ويتولى طرفي العقد.
ولا يجوز ذلك للوصي والقيم؛ لأن الأب والجد كامل الشفقة.
فينظر لولده أكثر مما ينر لنفسه، وليس للوصي والقيم له من كمال الشفقة مما يترك نظر نفسه لحق المولى عليه.
وإذا نظر لنفسه بخس لحق المولى عليه.
ولو باع مال ولده من نفسه، هل يحتاج إلى لفظين؟
فيقول: بعت، واشتريت، أم يكتفي بأحدهما؟
فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج إلى لفظين؛ ما لو باع من غيره، يشترط وجود لفظ البيع والشراء.
والثاني: يكتفي بلفظ واحد؛ كما أن الشخص الواحد قام مُقام شخصين يقوم اللف الواحد مقام لفظين.
وكذلك يجوز للأب والجد؛ أن يبيع مال أحد ولديه الصغيرين من الآخر، ويتولى طرفي العقد.
ولو باع مال ولده من نفسه نسيئة، ولم يرتهن [له] شيئاً من نفسه - يجوز، لأنه مؤتمن على ولده؛ بخلاف ما لو باع من غيره نسيئة، يجب أن يرتهن.
ولا يجوز للولي اقتراض مال الصبي، ولا المجنون، ولا الإيداع من غير ضرورة.
فإن وقعت ضرورة؛ بأن وقع خوف من حريق، أو غرق، أو فتنة، أو أراد سفراً - حينئذ، يجوز أن يقرض ماله.
أما القاضي يجوز أن يقرض ماله من غير ضرورة؛ لأن ولايته عامة؛ فيشق عليه حفظ جميع أموال اليتامى بنفسه.
فكل موضع جوزنا الإقراض، فهو أولى من الإيداع؛ لأن القرض يكون مضموناً، فإن لم يجد من مستقرض حينئذ يودعه من أمين، ولو أودعه مع وجود من يقرضه منه.
ففيه وجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأنه ترك النظر له.
وإذا أقرض قرضاً، يجب أن يقرض من مليء وفيٍّ أمين، فإن أقرض من ذمي، أو من غير أمين صار ضامناً، والملاءة غير شرط في المودع، وهي شرط في المستقرض.
والأمانة شرط فيهما.
وإذا أقرض: فإن رأى أخذ الرهن يأخذه، وإلا لم يأخذ.
ويجوز أن يستقرض للصبي عند الحاجة؛ بأن يكون ماله غائباً، أو له متاع والسوق كاسد؛ وهو يحتاج إلى النفقة في الحال؛ فيستقرض له إلى أن يحضر ماله، أو ينفق سوق متاعه وهو أولى من بيع عقاره، ولا يجوز بيع عقاره إلا لغبطة أو حاجة.
فالغبطة أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره، وشريكه يرغب في شرائه؛ بأكثر من ثمنه، أو كان في جواره من يشتريه بأكثر؛ وهو يجد مثله من موضع آخر بأرخص، أو كان مثقلاً بالخراج.
والحاجة: أن يكون به حاجة إلى النفقة والكسوة، وغلة عقاره لا تقوم بكفايته - يجوز له بيعه؛ لأن حفظ نفسه أولى من حفظ ماله.
ومطلق بيع الأب والجد العقار يحمل على النظر؛ فلا يحتاج إلى إثباته عند الحاكم، والحاكم يسجل على بيعه.
أما الوصي والقيم؛ فلا يبيع العقار، ولا يسجل عليه الحاكم إلا ببينة تقوم عند الحاكم على الغبطة والحاجة.
وإذا كان بين بالغ وصبي ربعٌ منقسم؛ فطلب البائع القسمة، هل يجبر قيم الصبي على القسمة؟
نظر: إن كان للصبي منه نفع يجبر، ويعطي من مال الصبي حصته من مؤنة القسمة.
وإن لم يكن له نفع، فيه قولان:
أحدهما: لا يجبر إلا بعد أن يغرم البالغ من حصة الصبي من مؤنة القسمة.
والثاني: يجبر.
قلت: وهو الأصح.
ويعطي الأجرة من مال الصبي؛ لأنه مؤنة تلزمه بسبب ملكه؛ كما لو كان للصبي حمار زمن يكون علفه في ماله.
ولا يجوز للولي أن يكاتب عبد الصبي؛ لأنه إتلاف لا نظر للصبي فيه.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
وبالاتفاق لو أعتق عبده مجاناً أو على مال، لا يجوز.
ولو كاتب؛ فأدى النجوم، لا يعتق؛ بخلاف الكتابة الفاسدة من المالك إذا وجد فيها أداء النجوم يعتق؛ لأنه تعليق؛ ولا يصح التعليق إلا من المالك.
وإذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون؛ فادعى على الولي؛ أنه باع ماله بغير نظر وغبطة نظر: إن كنا الولي أباً أو جداً، فالقول قولهما مع يمينهما؛ سواء كان عقاراً أو غيره، وعلى المدعي البينة.
وإن كان وصياً أو قيماً، لا يقبل قوله في العقار، إلا ببينة تقوم على الغبطة والنظر.
وفي غير العقار وجهان:
أحدهما: لا يقبل قوله؛ كما في العقار.
والثاني: يقبل؛ لأنه يشق عليه الإشهاد في كل شيء يبيعه من ماله.
كما يقبل قوله في قدر ما أنفق عليه.
وقيل: في قدر ما أنفق عليه أيضاً وجهان.
وكذلك لو ادعى على من اشتراه من الولي؛ أنه لم يكن له فيه نظر: فإن كان قد اشتراه من الأب أو الجد، فالقول قول المشتري مع يمينه، وإن كان قد اشتراه من الوصي والقيم، فعلى ما ذكرنا.
ويستحب للولي أن يشتري للصبي العقار؛ فهو أولى من التجارة؛ لأنه يحصل له الغلة، ويبقى له أصله.
وإن لم يكن له فيه نظر؛ بأن كان مثقلاً بالخراج والمؤن أو كان في موضع أشرف على الخراب - لا يجوز.
ويجوز أن يبنى له الدور والمساكن.
قال الشافعي - رضي الله عنه -: ويبنيه بآجر وطين، ولا يبنيه بجص؛ لأن الآجر لا يخلص عن الجص صحيحاً، ولا بلبن؛ لأنه يتلف في العمارة.
ولو أشار الولي إلى عين من مال الصبي أن هذا بعته من فلان، يقبل قوله.
ولو قال: هذا الفلان، ولم يقل: بعته منه، هل يقبل؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يقبل، ما لم يقل: بعت.
والثاني: يقبل، ويحمل على أنه باعه.
نظيره: لو أقر بحمل امرأة بمال مطلقاً، هل يقبل؟
فيه قولان.
ويجب على الولي أن يخرج من مال الصبي ما يلزمه من الزكوات والكفارات والعشر وصدقة الفطر وأروش الجنايات، وإن لم يطلب.
ونفقة القريب لا تخرج إلا بعد الطلب، وينفق عليه، ويكسوه بالمعروف من غير إشراف، ولا إقتار.
وإذا بلغ الصبي، واختلفا: فقال الولي أنفقت عليك، وأنكر الصبي.
فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأنه أمين؛ كما لو اختلفا في قدر النفقة.
فالقول قول الولي مع يمينه، إن كان ما يدعيه قصداً.
وإن اختلفا في المدة؛ فقال الولي: أنفقته عشر سنين، وقال الصبي: بل خمس سنين - فيه وجهان.
قال الإصطخري: القول قول الولي؛ كما لو اختلفا في قدر النفقة.
وقال الأكثرون: القول قول الصبي؛ لأنه اختلاف في المدة، والأصل عدمها.
ولو ادعى الولي دفع المال إليه بعد البلوغ، وأنكر الصبي.
فالمذهب، وهو المنصوص: أن القول قول الصبي؛ لأن الولي يدعي الدفع إلى غير من ائتمنه؛ كالملتقط إذا ادعى رد اللقطة إلى مالكها، كان القول قول المالك.
وقيل: القول قول الوصي؛ كما في النفقة.
والأول المذهب؛ بخلاف النفقة؛ لأن الإشهاد على قدر ما ينفق متعذر، وعلى الرد غير متعذر، وقد أمر الله - تعالى- بالإشهاد عند دفع المال إلى الصبي؛ فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6]، ولو كان قوله مقبولاً، لم يأمر بالإشهاد.
ويجوز للولي أن يخلط ماله بمال الصبي، ويؤاكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ...﴾ [البقرة: 220].
وكذلك المسافرون يخلطون أزوادهم، ويتعاهدون، وإن كانوا يتفاوتون في الأكل.
وهل يجوز للولي أن يأخذ من مال الصبي نفقته إذا كان اشتغاله بالقيام عليه يمنعه من كسبه؟
نظر: إن كان غنياً فلا، وإن كان فقيراً يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6].
ثم الفقير إذا أخذ نفقته هل يلزمه الضمان؟
فيه قولان:
أحدهما: لا، وهو قول الحسن وعطاء؛ لأن الله - تعالى- أباح له الأكل من غير شرط ضمان؛ كالإمام يأخذ الرزق من بيت المال.
والثاني: يلزمه الضمان؛ وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير؛ كالمفطر يباح له أكل طعام الغير، ويلزمه الضمان.
فصلٌ: في تصرفات الصبي
لا يصح شيء من تصرفات الصبي؛ لا في حق نفسه، ولا في حق غيره؛ سواء أذن له الولي فيه، أو لم يأذن.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله-: ينفذ تصرفه بإذن الولي إذا كان يعقل؛ حتى قال: لو باع ماله بالبخس بإذن الولي، يجوز، وإن لم يجز للولي ذلك.
قلنا: امتناع تصرفه لعدم البلوغ، وهو باقٍ؛ فنقول: ما ينتقل إلى الصغير بعد البلوغ في حكم ماله، لا ينتقل إليه في الصغر؛ قياساً على حفظ المال.
ولا يصح تدبير الصبي ووصيته؛ كسائر تصرفاته؛ على القول الأصح؛ وبه قال أبو حنيفة.
وفيه قول آخر: إنه يصح تدبيره ووصيته، إذا كان يعقل؛ وبه قال مالك؛ لأن له فيه نظراً بعد الموت؛ فلا ضرر عليه في الحال؛ لأن ملكه لا يزول.
ولو اشترى صبي شيئاً، أو استدان؛ فتلف في يده، أو أتلفه - لا شيء عليه في الحال، ولا بعد البلوغ.
وإن كان قد أدى الثمن، فلوليه أن يسترده.
وهذا بخلاف العبد، إذا استقرض شيئاً، أو اشترى بغير إذن المولى؛ فتلف في يده،
أو أتلفه - يتعلق الضمان بذمته؛ يتبع به إذا عتق؛ لأن الحجر على الصبي لحق نفسه.
فإذا لم يجب الضمان في الحال، لا يجب بعد البلوغ، والحجر على العبد لحق المولى؛ فإذا أزال حقه بالعتق، ضمن.
ولو أودع رجل من صبي شيئاً؛ فتلف عنده، لا ضمان عليه.
ولو أتلفه، هل عليه الضامن؟
فيه قولان:
أحدهما: يجب؛ كما لو أتلف مال إنسان من غير إيداع يضمن.
والثاني: لا ضمان عليه؛ لأن المالك هو الذي سلطه عليه بالإيداع؛ كما لو باع منه شيئاً؛ فأتلف، لا يضمن.
ولو أودع عند عبد شيئاً؛ فتلف عنده، لا يضمن.
فإن أتلفه، يجب الضمان، ثم يتعلق برقبته أو بذمته.
فيه قولان: فإن قلنا: لا ضمان على الصبي، فيتعلق بذمة العبد؛ كدين المعاملة.
وإن قلنا: يضمن الصبي، فيتعلق برقبة العبد.
ولو كان للصبي وديعة عند إنسان؛ فدفعها المودع إلى الصبي - يجب عليه الضمان؛ سواء دفع بإذن الولي، أو دون إذنه؛ كما لو أتلفها بإذنه.
ولو كانت الوديعة للولي، أو لغيره؛ فدفعه إلى الصبي بإذن المالك - لا ضمان على المودع؛ كما لو أمره بإتلافه؛ فأتلفه، لا يضمن.
ولو غصب صبي شيئاً؛ فهلك عنده، يلزمه الضمان.
فإن علم به الولي، يجب أن يأخذه؛ فيرده إلى المالك.
فلو لم يفعل؛ حتى هلك عند الصبي، فالضمان في مال الصبي، والولي يكون طريقاً فيه.
فإن أخذه الولي؛ فهلك في يده، نظر: إن تلف بعد التمكن من الدفع إلى المالك، فالضمان على الولي، والصبي طريق فيه.
فإن تلف قبل التمكن، فالضمان في مال الصبي.
والولي هل يكون طريقاً؟
قيل: فيه وجهان؛ بناء على ما لو أخذ المغصوب من الغاصب؛ ليرد إلى المالك - هل يضمن؟
فيه قولان:
وقيل: لا يكون طريقاً؛ لأنه مأمور بأخذه من الصبي؛ بخلاف من أخذه من الغاصب.
ولو غصب عبد شيئاً؛ فهلك عنده، أو أهلكه- يتعلق الضمان برقبته.
وإن علم به المولى؛ فلم يأخذ؛ حتى هلك عنده، ففيه قولان:
أحدهما: يتعلق الضمان برقبة العبد فحسب.
والثاني: يتعلق برقبته، وسائر أموال المولى؛ لأنه متعد بتركه في يده.
ولو أخذه المولى، فهلك في يده، نظر: إن تمكن من الرد إلى المالك؛ فلم يفعل - ضمن في جميع ماله.
وإن لم يتمكن، ففي رقبة عبده.
والله أعلم.
بابُ: مداينة العبد
قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75].
لا يصح تصرف العبد بغير إذن الولي؛ فلو اشترى شيئاً، أو استقرض بغير إذنه، فهو فاسد.
فإن كان عين ما أخذ قائماً في يده، استرده المالك، وإن تلف في يده أو أتلفه، يتعلق الضمان؛ وهو القيمة بذمته؛ يتبع به إذا اعتق.
فإن كان قد أدى الثمن من مال المولى، فللمولى أن يسترده.
فإن أخذ المولى من العبد ما اشتراه، أو استقرض عليه -رده إلى البائع والمقرض.
فإن تلف عنده، فالمالك إن شاء: طالب المولى بالضمان، وإن شاء طالب العبد.
غير أنه إن طالب المولى يطالبه في الحال، وإن أراد مطالبة العبد يطالبه بعد العتق.
ولو رآه السيد في يد العبد؛ فلم يأخذ، لا ضمان عليه.
أما إذا اشترى العبد شيئاً، أو استقرض بإذن المولى - يصح، ويكون ملكاً للمولى؛ فإن تلف في يد العبد، يكون من ضمان المولى.
ويجوز للعبد أن يؤاجر نفسه بإذن السيد.
وهل يجوز له بيع نفسه ورهنه بإذن السيد؟
فيه وجهان:
أصحهما- وبه قال صاحب "التلخيص" -: يجوز؛ لأن كل تصرف صح من السيد في عبده، صح من العبد بغذنه؛ كبيع عبد آخر للسيد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن إذن السيد [في عبده] إنما يصح ما دام ملكه عليه، وتصرفه
فيه نافذاً، والملك بالبيع يزول، وبالرهن يمتنع تصرفه.
والأول أصح.
ما أن بيع السيد بنفسه يجوز، وإن كان بالبيع يزول ملكه.
وعلى هذا: لو أمر رجل عبد إنسان؛ حتى يستأجر نفسه من سيده له، أو يشتري نفسه من سيده؛ ففعل- يصح؛ على ظاهر المذهب.
ولا يحتاج إلى إذن السيد قبل الشراء؛ لأن بيعه بنفسه منه إذن له بالشراء.
وفيه وجه آخر: أنه لا يصح؛ لأن يد العبد يد السيد؛ كما لو قال للسيد: اشتر عبدك من نفسك - لا يصح.
وكذلك لو قال اشتر من سيدك داره، فعلى هذين الوجهين، والمذهب: جوازه.
فصل: في إذن العبد في التجارة
يجوز للسيد يأذن لعبده في التجارة.
ثم ينظر: إن دفع إليه مالاً، وقال: اتجر فيه، فلا يتصرف إلا في ذلك القدر، وله أن يستدين، ويشتري في الذمة بذلك القدر، ولا يزيد.
وإن قال اجعله رأس مالك، وتصرف فيه كيف شئت - وله أن يتصرف بأكثر منه، وإن لم يدفع إليه مالاً فله أن يشتري في الذمة والتصرف.
ومتى صح الإذن في التجارة، فهل له صرف أكسابه من الاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد، والإخراج من المعدن، وقبول الوصية، والاتهاب إليه؟
ففيه وجهان:
أصحهما: له ذلك، ويقضي منها ما لزمه من الديون، ولا يجوز للمأذون أن يؤاجر نفسه.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
وهل له أن يؤاجر أموال التجارة من الدور والعبيد؟
فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ كما يجوز له بيعها، وكالمكاتب يؤاجر أمواله، ولأن المنفعة من فوائد المال تملك العقد عليه؛ كالصوف واللبن يبيعه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن هذا التصرف ليس من باب التجارة؛ بدليل أنه لو حلف ألا يتجر؛ فأر شيئاً، لا يحنث.
ولا يجوز للمأذون أن ينفق على نفسه من مال التجارة؛ لأن ما يحصل بكسبه وتجارته ملك للمولى؛ فلا ينفقه إلا بإذنه، بل نفتقه على سيده.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
ولا يجوز أن يضيف أو يتصدق بشيء، ولا يجوز أن يبيع نسيئة، ولا بدون ثمن المثل، ولا أن يسافر بمال التجارة.
فلو باع نسيئة أو بغبن فاحش، لا يصح.
ولو أذن لعبده بالتجارة في نوع يجوز، ولا يتصرف في غيره من الأنواع.
وكذلك لو أذن له في التجارة شهراً أو سنة، لا يتصرف بعده.
وعند أبي حنيفة: إذا أذن في نوع يتصرف في جميع الأنواع.
وإذا سمى مدة تعم؛ وهذا لا يصح؛ لأنه يتصرف في مال المولى؛ فهو كالوكيل لا يجاوز ما أمره به الموكل؛ كما لو أذن له في التجارة، لا يجوز أن ينكح.
وبالاتفاق: لو دفع إليه عشرة؛ ليشتري بها شيئاً، لا يصير مأذوناً في التجارة.
ولو رأى السيد عبده يتصرف؛ فسكت، لا يكون سكوته إذناً في التجارة.
وعند أبي حنيفة: يكون إذناً.
وبالاتفاق: لا يصح التصرف الذي رآه عليه.
ولو رآه ينكح؛ فسكت، لا يكون سوته إذناً به في النكاح؛ فنقيس عليه.
ولا يجوز معاملة المأذون مع المولى بخلاف المكاتب يجوز أن يعامل المولى؛ لأن المكاتب يتصرف لنفسه، والمأذون يتصرف للمولى؛ كالوكيل.
ولو اشترى المأذون شقصاً، والمولى شريكه، لا شفعة له فيه.
ولا يجوز للعبد المأذون أن يوكل بالبيع، ولا أن يتوكل بغير إذن المولى؛ كالوكيل لا يوكل؛ بخلاف المكاتب يجوز له أن يُوكل؛ لأنه يتصرف لنفسه، والعبد يتصرف لمولاه.
وإذا أبق العبد المأذون له في التجارة، لا يصير محجوراً عليه، وله أن يتصرف في البلد الذي خرج إليه، إلا أن يكون السيد قد خص تصرفه بهذا البلد؛ فلا يصح تصرفه في غير هذا البلد.
وقال أبو حنيفة: يصير بالإباق محجوراً عليه.
فنقول: العصيان لا يوجب الحجر؛ كما لو ضرب مولاه، ولو أذن لجاريته في التجارة، ثم استولدها، لا يكون حجراً.
وعند أبي حنيفة: يكون حجراً.
وبالاتفاق: لو أذن لأم ولده في التجارة، يجوز.
قلنا: لما لم يمنع الاستيلاد ابتداء الإذن لم يرفع دوامه.
ولو كان بين رجلين عبد؛ فأذن له أحدهما في التجارة، لا يصح تصرفه؛ لأنه يتصرف بجميع بدنه؛ فالحجر باقٍ ما لم يوجد الإذن منهما؛ كما لا يتزوج بإذن أحدهما؛ حتى يوجد منهما.
والعبد المأذون إذا لزمته ديون المعاملة؛ فيقضي تلك مما في يده من مال التجارة وهل يقضي مما احتطب، واحتش؟
فيه وجهان:
أصحهما: يقضي.
ولا يقضي ديوناً لزمته بسبب الخيانة من أكسابه، ولا من مال التجارة، بل هي في رقبته.
ولو جنى عليه جناية، أو كانت جارية؛ فوطئت بالشبهة - فلا يقضي ديون تجارته من الأرش والمهر.
وإذا حجر عليه المولى، يصرف ما في يده من مال التجارة إلى ديونه؛ فإن لم يف بها، لا تباع رقبته فيها.
وعند أبي حنيفة: تُباع رقبة المأذون في ديونه.
قلنا: كل رقبة لا يتصرف المأذون فيها لا تباع في دينه؛ كسائر عبيد المولى، أو دين لزمه برضى من له الدين؛ فلاتباع رقبته فيه؛ كدين معاملة لزمه بعد الحجر.
وهل يقضي من كسب يكتسبه بعد الحجر؟
فيه وجهان:
أصحهما: لا يقضي، بل يكون في ذمته يؤديه بعد العتق.
والثاني: يقضي؛ لأنه لزمه بإذن المولى، وكذلك لو باعه المولى، صار محجوراً عليه.
ولا يقضي دينه من كسب يكتسبه في يد المشتري؛ على أصح الوجهين.
بل يكون في ذمته، حتى يعتق.
ولو قتل المولى عبده المأذون، لا يجب عليه قضاء ديونه إن لم يكن في يده من مال التجارة ما يفي بالديون.
ولو أتلف المولى ما في يده من مال التجارة، إن لم يكن على المأذون دينٌ، لاشيء
على المولى، فإن كان عليه دين، فعلى السيد قيمة ما أتلف بقدر الدين؛ فإن كان الدين أكثر، لا يجب عليه الزيادة.
ولو تصرف المولى في المال الذي في يد العبد ببيع أو هبة، أو كان عبداً؛ فأعتقه، فإن لم يكن على العبد دين جاز ونفذ.
وقيل: لا ينفذ ما لم يحدث حجراً.
والأول أصح.
وإن كان عليه دين فلا ينفذ تصرفه دون إذن الغرماء، وإن أذن العبد، والغرماء جاز، والدين في ذمة العبد.
وإن أذن الغرماء، ولم يأذن العبد، فيه وجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأن الدين يتعلق بذمة العبد؛ وهو لم يرض به.
وإذا اشترى المأذون من يعتق على مولاه بغير إذن، فيه قولان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن أذن له في التجارة؛ فيقتضي ما ينتفع به، ويربح عليه؛ كالعامل في القراض إذا اشترى بمال القراض من يعتق على رب المال، لا يصح.
والقول الثاني: أنه يصح للسيد؛ كما لو وكل وكيلاً ليشتري له عبداً، فاشترى ابن الموكل - يصح.
فعلى هذا: إن لم يكن على المأذون دين عتق على المولى، وإن كان عليه دين: فقولان؛ كما لو اشترى بإذن المولى.
وإن اشترى بإذنه، صح الشراء.
ثم إن لم يكن على العبد دين، عتق على المولى.
وإن كان عليه دين: فيه قولان:
أحدهما: لا يعتق؛ لتعلق حق الغرماء به.
والثاني: يعتق، ويغرم قيمته للغرماء.
وإذا عتق العبد، وأدى ما لزمه من الديون بعد العتق - لا يرجع على المولى؛ لأنا لو أثبتنا الرجوع لألزمناه في حال رقِه؛ ولو دفع إلى عبده ألفاً؛ ليتجر فيها؛ فاشترى بها شيئاً؛ فتلف الثمن في يده - نظر: إن كان قد اشترى بعين الألف انفسخ العقد، وإن اشترى في الذمة ففيه أوجه:
أحدها: ينفسخ العقد؛ لتعذر أداء الثمن.
والثاني: لا ينفسخ، والثمن في كسب العبد.
والثالث: على السيد الثمن؛ لأن العقد وقع له؛ فعلى هذا: إذا أدى السيد ألفاً أخرى، هل للعبد أن يتصرف فيها؟
فعلى وجهين:
أحدهما: لا، إلا بإذن جديد؛ لأن الإذن الأول قد ارتفع بهلاك المال.
والثاني: له ذلك بالإذن السابق، نظيره: العامل في القراض إذا اشترى بجميع مال القراض شيئاً مختلف الثمن، ففي وجه: ينصرف العقد إلى العامل، وعليه الثنم.
وفي وجه: يجب على رب المال الثمن، فعلى هذا رأس مال القراض كم يكون؟
فيه وجهان:
أحدهما: الثمن الأول.
والثاني: الأول والآخر.
فإن قلنا: هناك رأس مال القراض الثمن الأول؛ فلا يتصرف هاهنا في الألف الثانية إلا بإذن جديد.
وإن قلنا: رأس المال جميع ما أخذ، فهاهنا يتصرف في الألف الثانية.
وعلى هذا: لو اشترى المأذون بعرض شيئاً، فبعد ما تلف ما اشترى خرج العرض مستحقاً - فالقيمة على المولى، أم في كسب العبد؟
فيه وجهان.
ولو أقر المأذون على نسه بدين معاملة يقبل، ويقضي مما في يده.
فلو أقر بعد الحجر بدين لزمه قبل الحجر، هل يزاحم المقر له الغرماء؟ فيه قولان.
فصل: في إقرار العبد
إذا أقر العبد على نفسه بدين معاملة، يتعلق بذمته، يتبع به إذا عتق؛ سواء صدقه المولى أو كذبه، إلا أن يكون مأذوناً له في التجارة، فتقبل، ويتعلق بما في يده من مال التجارة.
ولو أقر بدين إتلاف من قتل خطأ، أو هلاك مال - لا فرق فيه بين المأذون في التجارة وغير المأذون.
فإن صدقه المولى، يتعلق برقبته؛ يباع فيه، إلا أن يختار السيد الفداء؛ فلا يباع.
وإذا بيع فيه، ولم يف قيمته بدينه، هل يتبع بالباقي إذا أعتق؟
فيه قولان- اصحهما، وهو قوله الجديد-: لا يتبع؛ لأنه تعلق برقبته فحسب.
وفي القديم: يتبع به إذا عتق، ويتعلق ذلك برقبته وذمته جميعاً.
فإذا كذبه، يتعلق بذمته، يتبع به إذا عتق، إلا أن تقوم عليه بينة؛ فيتعلق برقبته.
وإن أقر السيد على عبده بدين إتلاف، وكذبه العبد - تعلق الأرش برقبة العبد؛ لأن رقبته مملوكة للمولى؛ فيقبل إقراره في ماليته، ولا يتبع بالفضل إذا عتق؛ كما لو أقر على عبدٍ بدين معاملة، لا يقبل؛ لأنه لا يتعلق بماليته.
ولو أقر العبد على نفسه بما يوجب عقوبة من زنا أو شرب، أو قذف، أو قصاص؛ طرفاً، أو نفساً، أو قطع سرقة - يقبل.
وإن كذبه المولى، فيقام عليه.
ولو أقر السيد بما يوجب عقوبة لا يقبل؛ لان السيد متهم فيه، فربما يريد إتلاف مهجته لغيظ داخله منه؛ فلا يمكنه إلا بهذا الطريق، والعبد غير متهم فيه؛ فإنه لا يقصد إتلاف مهجته؛ لإبطال حق المولى من ماليته.
وقال ابن أبي ليلى، وأحمد ومحمد بن الحسن، والمزني - رحمة الله عليهم-: لا يُقبل إقرار العبد على نفسه بالعقوبة؛ لأن رقبته ملك للسيد، والإقرار في ملك الغير لا يقبل.
قلنا: عند انتفاء التهمة تقبل؛ كالشهادة إقرار على الغير، وتقبل عند انتفاء التهمة.
ولو أقر العبد على نفسه بسرقة موجبة للقطع، يقبل قوله في القطع.
وهل يُقبل في المال؟
فيه قولان:
أصحهما: لا يقبل؛ كما لو أقر بسرقة غير موجبة للقطع، ويتعلق بذمته، إلا أن يصدقه المولى.
والثاني: يقبل؛ لأن التهمة انتفت من إقراره بإيجاب القطع على نفسه، فعلى هذا: إن كان المسروق قائماًن يسلم على المقر له.
وإن كان تالفاً، تباع رقبته فيه.
ولو أقر العبد على نفسه بالقصاص، فعفى على مال أو مطلقاً.
قلنا: مطلق العفو يوجب المال؛ فيتعلق المال برقبته مع تكذيب المولى؛ لأن إقراره