رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس؛ فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما.
إذا مات الميت يُبدأ من ماله بفنه، ومؤنة تجهيزه؛ لأن المال ينتقل على الوارث باستغناء الميت عنه.
والكفن والتجهيز لا يستغنى عنه الميت، فيقدم على الميراث من رأس المال، ثم يقضي
ديونه من رأس ماله، ثم تُنفذ وصاياه من ثلثه؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11].
ثم يقسم الباقي بين الورثة، وكان الناس في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف والنصرة، فكان الرجل يحالف الرجل، فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، تنصرني وأنصرك، ترثني وأرث، يتوارثون به، ثم كانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة، فكان القريبان المسلمان إذا هاجر
أحدهما، ولم يهاجر، الآخر- لا يتوارثان، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72].
فصار ذلك منسوخاً بقوله - عز وجل: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75] وكانت الوصية واجبة للأقارب قبل نزول آية الميراث؛ قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 180] ثم نسخت بآية الميراث.
والذي استقر عليه الأمر أن الأسباب التي يتوارث بها ثلاثة: نسب، ونكاح، وولاء.
يعني بالنسب: أن القرابة يرث بعضهم من بعض.
وبالنكاح: أن أحد الزوجين يرث صاحبه.
وبالولاء: أن المعتق يرث المعتق، فأما المعتق فلا يرث المعتق؛ لأن التوريث بمقابلة النعمة في الولاء، والنعمة للمعتق على المعتق.
والوارثون من الرجال عشرة: الابن، وابن الابن، وإن سفل.
والأب، والجد أب الأب، وإن علا، والأخ، سواء كان من الأب، والأم أو من الأب، أو من الأم، وابن الأخ للأب والأم، أو للأب وإن سفل، والعم للأب والأم، أو للأب وإن علا، وابن العم للأب والأم، أو للأب، وإن سفل، والزوج والمعتق وكل من انفرد من هؤلاء لا يجوز جميع التركة إلا الأخ للأم، والزوج.
والوارثات من النساء سبع.
البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم، والجدة أم الأم، أو أم الأب وإن علت، والأخت، سواء كانت لأب وأم، أو لأب، أو لأم.
والزوجة والمعتقة.
وأحد من هؤلاء لا يجوز جميع التركة إلا المعتقة.
وستة من هؤلاء لا يرد عليهم حجب الحرمان من غيرهم؛ ثلاثة من الذكور، وثلاث من الإناث.
فمن الذكور: الأب، والابن، والزوج.
ومن الإناث: الأم، والبنت، والزوجة.
والأسباب التي تمنع الميراث أربعة:
اختلاف الدين والرق، والقتل، وعمى الموت.
يعني باختلاف الدين: أن الكافر لا يرث المسلم، ولا المسلم الكافر؛ لما روي عن أسامة بن زيد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يرث المسلم الافر والكافر المسلم فأما الكفار
يرث بعضهم من بعض، وإن اختلفت مللهم؛ كاليهودي من النصراني، والنصراني منه، ومن المجوسي والوثني؛ لأن الكفر كله، ملة واحدة.
واختلاف الأديان في الكفر؛ كاختلاف المذاهب في الإسلام - لا يمنع التوارث.
والذمي مع المعاهد، والحربي يتوارثان.
وقال شريح، والزهري، والأوزاعي: لا توارث بين اليهود والنصارى، ولا ببن أهل ملتين مختلفتين.
أما المرتد فلا يرث أحداً؛ لا مسلماً، ولا كافراً أصلياً، ولا مرتداً، ولا يرثه أحد؛ لا مسلم، ولا كافر، ولامرتد؛ لأنه لايدلي إلى أحد بدين يقرُّ عليه.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: يرث المسلم من المرتد ما اكتسبه في الإسلام.
وقال ابن مسعود: يرث المسلم منه جميع ماله؛ وهو قول الشعبي، والأوزاعي، وحديث أسامة حجة عليهم.
ويعني بالرق أن الرقيق لا يرث أحداً؛ لأنا لو ورثناه، كان ملكاً لسيده؛ لأن العبد لا ملك له، وكان منه توريث الأجنبي، ولا يرثه أحد، لأنه لا ملك له، سواء كان الرقيق قِنَّا، أو مدبراً، أو مكاتباً، أو أم ولدٍ له.
فأما من بعضه حر، وبعضه رقيق؛ فلا يرث؛ لأنا لو ورثناه كان بعضه ملكاً لمولاه الأجنبي، وهل يورث منه ببعضه الحرِّ؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو قوله القديم، لا يورث كما لا يرث وقال في الجديد وهو الأصح: يورث منه؛ لأن ملكه تام على ما في يده.
فإن قلنا: لا يورث فما تركه لمن يكون؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون للسيد؛ لأن المانع من الإرث ملكه؛ فكان المال له.
والثاني: يكون لبيت المال؛ لأن السيد أخذ نصيبه في الحياة.
وقال علي، وابن مسعود: من نصفه حر، ونصفه رقيق - يرث؛ ويحجب بنصفه الحر فإن كان ابناً، فللزوجة معه ثمن، ونصف، وللأم سدس، ونصف.
ويعني بالقتل: أن القاتل لا يرث المقتول؛ لما رُوي عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرث القاتل شيئاً".
ولأنه قصد بالقتل استعجال الميراث فعوقب بحرمانه، سواء كان القتل عمداً، أو خطأً بالمباشرة أو بالتسبيب من مكلف، أو غير مكلف، وسواء كان موجباً للقصاص، أو الدية، أو
الكفارة، حتى لو رمى إلى صف الكفار سهماً في الجهاد، ولم يعلم أن فيهم مسلماً، فأصاب مورثه المسلم - فلا دية عليه، [وعليه الكفارة]، ويحرم الميراث.
أما المقتول قد يرث القاتل بأن خرج مورثه؛ فإن مات المجروح من تلك الجراحة - لا يرثه الجارح؛ وإن مات الجارح أو لا يرثه المجروح.
أما القتل المباح فلا يحرم الميراث على ظاهر المذهب، وهو أن يقتل مورثه قصاصاً، أو كان قاضياً فقتل مورثه في حد، أو قطع يده بسرقة، أو جلدة في حد، فمات منه، سواء ثبت القتل عليه بإقراره، أو - ببينة قامت عليه.
وقيل: الكل يمنع الميراث؛ لظاهر الخبر.
وإن كان قتلاً، لا يجوز قصده؛ مثل إن قتل الصائل على نفسه، أو على ماله في الدفع؛ فالدفع مباح لا القتل، وهل يحرم الميراث؟ فيه قولان:
أشبههما بظاهر الحديث حرمان الميراث، وكذلك العادل مع الباغي إذا قتل أحدهما صاحبه في حال القتال: ففيه أقاويل:
أشبهها بالحديث حرمان الميراث.
والثاني: [لا يتوارثان] وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها متأولان.
والثالث: يرث العادل؛ لأنه محق، ولا يرث الباغي، وعند أبي حنيفة: قتل الصبي والمجنون، والقتل بالتسبب لا يوجب حرمان الميراث، والحديث حجة عليه، ولأنه قتل مضمون، فيتعلق به حرمان الميراث؛ كالبالغ يقتل مباشرة.
ويعني بعمى الموت: أن المتوارثين إذا عمى موتهما؛ بأن انهدم عليهما [بناء] أو غرقا في ماء، أو [غابا فماتا]، فلم يدر أيهما سبق موته - لا يرث أحدهما من صاحبه، بل ميراث كل واحد منهما لورثته الأحياء، سواء احتمل موتهما معاً، أو تيقن سبق أحدهما، ولم يعرف السابق.
بيانه: أب وابن عمى موتهما، ولكل واحد منهما بنت، يجعل كأن الأب مات عن بنت، وبنت ابن؛ فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، ويجعل كأن الابن مات عن بنت وأخت؛ فللبنت النصف، والباقي للأخت، وإن عرف سبق موت أحدهما، ثم اشتبه - يوقف الميراث على الصحيح من المذهب.
وقيل؛ يُقسم كما لو لم يُعرف.
وقال ابن مسعود في عمى الموت: يرث كل واحد من صاحبه، سواء ما ورث هو منه، ومن لا يرث بسبب من هذه الأسباب لا يحجب الغير عن الميراث.
فصل في بيان الحجب
الحجب حجبان.
حجب حرمان.
وحجب نقصان.
أما حجب الحرمان؛ فكما أن أقرب العصبات يسقط الأبعد، والأم تسقط الجدات كلهن.
وأولاد الأم يسقطون بأربعة: بالأب، والجد، وإن علا، والولد، وولد الابن، وإن سفل.
وأولاد الأب والأم يسقطون بثلاثة: بالأب، وبالابن، وابن الابن، وإن سفل.
وأما حجب النقصان؛ فكما أن الولد، وولد الابن يرد الزوج من النصف إلى الربع، ويرد الزوجة من الربع إلى الثمن، ويرد الأم من الثلث إلى السدس، وكذلك الاثنان فصاعداً من
الإخوة والأخوات من أي جهة كانوا، يردون الأم من الثلث إلى السدس، ومن لا يرث لسبب كقر، أو رق، أو قتل - لا يحجب الغير - عن الميراث.
ولو مات عن أبوين وأخوين - فالأخوات لا يرثان، ولكن يحجبان الأم من الثلث إلى السدس.
وكذلك لو مات عن جد وأخوين لأب، وأم.
فللأم السدس، والباقي للجد.
فإن كان الأخوان رقيقين، أو قاتلين، أو كافرين - فلا يحجبان - فللأم الثلث، والباقي للأب والجد.
فصل في بيان الفروض
الفروض ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
أما النصف: فرض خمسة: فرض الزوج، إذا لم يكن للزوجة الميتة ولد، ولا ولد ابن، وفرض البنت الواحدة للصلب، إذا لم يكن للميت ولد الصلب غيرها.
وفرض البنت الواحدة للابن، إذا لم يكن للميت ولد الصلب، ولا في درجتهما من أولاد الابن غيرها.
وفرض الأخت الواحدة للأب والأم.
وفرض الأخت الواحدة للأب، إذا لم يكن معها غيرها، ولا من أولاد الأب والأم أحد.
وأما الربع فرض اثنين.
فرض الزوج إذا كان للزوجة الميتة ولد، أو ولد ابن.
وفرض الزوجة والزوجات الأربع، إذا لم يكن للزوج الميت ولد، ولا ولد ابن.
وأما الثمن، ففرض الزوجة والزوجات الأربع، إذا كان للميت ولد أو ولد ابن.
والثلثان: فرض كل اثنين فصاعداً، ممن لو انفردت واحدة منهن كان لها النصف، ففي الحقيقة هو فرض أربعة.
فرض البنتين للصلب فصاعداً.
وفرض البنتين للابن فصاعداً.
وفرض الأختين للأب والأم فصاعداً.
وفرض الأختين للأب فصاعداً.
وأما الثلث: ففرض ثلاثة: فرض الأم، إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن، ولا اثنان من
الإخوة أو الأخوات.
وفرض الاثنين فصاعداً من أولاد الأم، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء.
وفرض الجد مع الإخوة، إذا لم يكن في المسألة صاحب فرض، وكان الثلث خيراً له من المقاسمة معهم.
أما السدس: فرض سبعة.
فرض الأب إذا كان للميت ولد، أو ولد ابن.
وفرض الجد إذا كان للميت ولد، أو ولد ابن، ومع الإخوة في بعض الأحوال.
وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، أو اثنان من الإخوة أو الأخوات.
وفرض الجدة والجدات.
وفرض الواحد من أولاد الأم؛ ذكراً كان أو أنثى.
وفرض بنات الابن مع البنت الواحدة للصلب تكملة الثلثين.
وفرض الأخوات للأب مع الأخت الواحدة للأب والأم تكملة الثلثين.
أما ثلث ما تبقى يأتي من ثلاث مسائل: في زوج وأبوين، وزوجة وأبوين، وفي مسائل الجد.
باب المواريث
قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12].
إذا ماتت امرأة ولها زوج، ولا ولد لها ولا ولد ابن - فلزوجها النصف، وإن كان لها ولد أو ولد ابن - فله الربع.
وإن مات رجل وله زوجة، وليس له ولد ولا ولد ابن - فلها الربع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] فإن كان له ولد أو ولد ابن - فلها الثُّمن؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] واسم الولد ينطلق على الولد، وولد الابن، وإذا كانت زوجتان أو أربع زوجات - يشتركن في الرُّبع والثُّمن.
فصل في ميراث الأولاد
قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] الابن يجوز جميع المال عند الانفراد، وللبنت الواحدة النصف، وللبنتين فصاعداً الثلثان.
وإذا خلف بنين وبناتٍ - فالمال بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا اجتمع أولاد
الابن مع ولد الصلب - نُظر: إن كان في ولد الصُّلب ذكر - فلا شيء لأولاد الابن، وإن لم يكن فيهم ذكرٌ؛ فإن كان ولد الصلب بنتاً واحدة - فلها النصف، ثم إن كان ولد الابن ذكراً - فالباقي له، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً - فالباقي بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، سواء كانوا من أب واحد أو من آباء.
وإن كان ولد الابن إناثاً - فلهن السدس تكملة الثلثين، واحدة كانت أو أكثر.
ولو خلف بنتاً وبنت ابن، وابن ابن ابن - فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي لابن ابن الابن وإن سفل.
وإن كان ولد الصلب ابنتين فصاعداً - فلهن الثلثان وإذا استوفت البنات الثلثين -فلا شيء لبنات الابن، إلا أن يكون في درجتهن أو أسفل منهن ذكرٌ فيعصبهن، ولا يعصب من هي أسفل منه، مثل: إن مات عن ابنتين وبنت ابن - فللبنتين الثلثان، ولا شيء لبنت الابن، فن كان معها أو أسفل منها غلام - فالباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
وأولاد الابن بمنزلة أولاد الصلب عند عدمهم، ومنزلة من هو أسفل منهم معهم منزلة ولد الابن مع ولد الصلب.
مثل إن خلف بنت ابن، وبنت ابن ابن - فللبنت الابن النصف، ولبنت ابن الابن السدس.
فصل في ميراث الإخوة
قال الله تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] أولاد الأب والأم في الميراث بمنزلة أولاد الصلب، فالأخ إذا انفرد له كل المال، وللأخت الواحدة النصف، وللأختين فصاعداً الثلثان، وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء - فللذكر مثل حظ الأنثيين، وأولاد الأب مع أولاد الأب والأم بمنزلة أولاد الابن مع ولد الصلب، فإن كان في ولد الأب والأم ذكر - فلا شيء لولاد الأب، وإن لم يكن فيهم ذكر؛ نظر: إن كان ولد الأب والأم أختاً واحدة - فلها النصف، ثم إن كان ولد الأب أخاً - فالباقي له.
وإن كانوا ذكوراً وإناثاً - فالباقي بينهم؛ للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإن كان ولد الأب إناثاً: واحدة أو أكثر - فلهن السدس تكملة الثلثين.
وإن كان ولد الأب والأم أختين فأكثر - فلهن الثلثان، ولا شيء للأخوات للأب، إلا أن يكون معهن ذكر، فيكون الباقي بينهم؛ للذكر مثل حظ الأنثيين.
وأولاد الأب.
بمنزلة أولاد الأب والأم عند عدمهم، إلا في مسألة المشركة، وهي زوج، وأم، أو جدة وابنان من أولاد الأم، وأخ لأب وأم فأكثر، بعد أن يكونوا ذكوراً، [أو
ذكوراً] وإناثاً- فالمسألة من ستةٍ: للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولأولاد الأم الثلث، ويشاركهم أولاد الأب والأم في ذلك الثلث، فتقسم بينهم، فإخوة الأم ذكرهم وأنثاهم فيه سواء؛ وهو قول عثمان وابن مسعود، وإحدى الروايتين عن عمر وزيد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا شيء لأولاد الأب والأم؛ وهو قول علي، وابن عباس.
وتسمى هذه المسألة الحمارية؛ لأنه روي أن عمر كان لا يورث أولاد الأب والأم، فقالوا: هب أن أبانا كان حِماراً، ألسنا بنو أم واحدة فشركهم.
فإن كان مكان الإخوة للأب والأم إخوة لأب - فلا شيء لهم بالاتفاق، وإن كان ولد الأم واحداً فله السدس، والباقي للأخ للأب والأم، أو للأب، ولا مشاركة، وإن كان ولد الأب والأم، أو ولد الأب إناثاً - يفرض لهن، وتعول: المسألة بقدر فروضهن:
وللواحد من أولاد الأم السدس، ذكراً أن أو أنثى، وللاثنين فصاعداً الثلث، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 12].
وكان ابن مسعود يقرأ: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنَ الأمِّ﴾.
الأخوات للأب والأم، أو للأب مع البنات وبنات الابن - عصبات، حتى لو مات وخلف بنتاً، وأختاً لأب وأم، أو لأب - فللبنت النصف، والباقي للأخت.
ولو مات عن بنتين وأخت.
فللبنتين الثلثان، والباقي للأخت.
ولو مات عن بنت، وبنت ابن، وأخت - فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي - للأخت.
والدليل عليه ما رُوي عن هُذيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن بنت، وبنت ابن، وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتعابعني.
فسئل ابن مسعود، وأُخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت.
فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: "لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم".
فإن كان مع البنت أخت لأب وأم، وأخت لأب - فالباقي بعد نصيب البنت [للأخت] للأب والأم، ولا شيء للأخت للأب؛ كما لو كان له أخ لأب وأم، وأخ لأب - كان الباقي [للأخ] للأب والأم.
وأربعة من الذكور يعصبون الإناث: ابن الصلب يعصب البنت؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ...﴾ [النساء:11].
وابن الابن وإن سفل يعصب من في درجته من الإناث بكل حال، وإن كانت ابنة عمه، ويعصب من فوقه إذا لم تأخذ من الثلثين شيئاً.
والأخ للأب والأم يعصب أخته، والأخ للأب يعصب الأخت للأب؛ فيجعل المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176].
فصل في "ميراث الآباء"
قال الله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ....﴾ [النساء: 12].
الأبُ إذا انفرد حاز جميع المال، فإن كان للميت ولد - فللأب السدس، ثم إن كان الولد ذكراً فالباقي له، وإن كان أنثى أخذت فرضها، والباقي للأب، وإنما فرضنا له السدس مع البنت؛ لقوله تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:
12]. ولم يفصل بين أن يكون الولد ذكراً أو أنثى، والجد أب الأب وإن علا بمنزلة الأب، إلا في أربع مسائل.
إحداها: أن الأب يسقط الإخوة والأخوات، والجد لا يسقطهم، إذا كانوا لأب وأم أو لأب.
الثانية: أم الأب تسقط بالأب، ولا تسقط بالجد.
[الثالثة] والرابعة: في زوج وأبوين، أو زوجة، والباقي للأب، ومع الجد لها ثلث جميع المال.
وقيل: لا يُفرض للجد السدس مع البنت، بل يقال: للبنت النصف والباقي للجد بخلاف الأب؛ فتصير المسائل خمساً.
وكل جدٍّ من جهة الأب - وإن علا - بمنزلة الجد إذا لم يكن دونه جد، إلا في حجب الأمهات؛ فإن كل جد يحجب أم نفسه، ولا يحجبها من فوقه.
وللأم السدس، إذا كان للميت ولد، أو ولد ابن، أو اثنان من الإخوة [أو الأخوات].
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11].
والمراد بـ"الإخوة": اثنان فما فوقهما؛ لأن أقل الجمع اثنان؛ كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا....﴾ الآية [التحريم: 4]، ذكر القلوب بلفظ الجمع، وأضاف إلى شخصين، فإن لم يكن له ولد ولا اثنان من الإخوة - فلها الثلث، إلا في مسألتين:
أحداهما: امرأة ماتت عن زوج وأبوين - فالمسألة من ستةٍ: الزوج النصف، والأم ثلث ما يبقى منهم، والباقي للأب.
الثانية: رجل مات عن زوجة وأبوين - فالمسألة من أربعة: الزوجة الربع، والأم ثلث ما يبقى، والباقي للأب.
ففي الحقيقة قد خص الأم سهم السدس في المسألة الأولى، والربع في الثانية، غير أن نتلفظ بالثلث؛ لأن الله - تعالى - أعطى لها الثلث عند عدم الولد والإخوة.
وقال ابن عباس: للأم الثلث كاملاً في المسألتين جميعاً، وهو قول شريح، واتفاق عامة الصحابة: حجة لمن جعل لها ثلث ما يبقى، فإن كان في المسألة معهم أخوان فصاعداً - فللأم السدس بالاتفاق، وللزوج النصف، أو للزوجة الربع، والباقي للأب.
فصل في ميراث الجدات
روي عن قبيصة بن ذُؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر - رضي الله عنه - تسأله ميراثها.
فقال: "مالك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: "حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدس".
فقال: هل معك غيرك؟
فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنقذ لها أبو بكر السدس، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تسأله ميراثها فقال: "ما لك في كتاب الله من شيء [وما كان القضاء الذي قُضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئاً]، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه، فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها".
للجدة السدس، سواء كانت أم أم، أو أم أب، وإذا اجتمعت جدات وارثات يشتركن - في السدس، ولا يتصور من جهة أم الميت إلا جدة واحدة، ويتصور من جهة أبيه جدات وارثات، وكل جدة بينها وبين الميت ذكر يدلي إلى الميت بأنثى - فلا ميراث لها؛ لأن لك الذكر لا يرث، فمن يدي به أولى ألا يرث.
والأم تسقط الجدات كلهن، سواء كن من - قبلها، أو من قبل الأب، والأب يُسقط كل جدة من جهته، ولا يسقط من كان من جهة الأم، وإن بعدت، والجدة القربى من كل جهة تسقط البعدي من تلك الجهة، والقربى من جهة الأم تسقط البعدي من جهة الأب.
مثل أم الأم تسقط أم أم الأب، وأم أب الأب.
أما القربى من جهة الأب لا تسقط البعدي من جهة الأم على ظاهر المذهب.
مثل أم الأب لا تسقط أم أم الأم؛ لأن الأب لا يسقطها.
وفيه قول آخر؛ وبه قال أبو حنيفة: يُسقطها؛ كما أن القربى من جهة الأم تسقط البعدي من جهة الأب، والأول المذهب، وهو قول علي وزيد - رضي الله عنهما.
وكذلك القربى من جهة أمهات الأب تسقط البعدي من جهة آباء الأب.
بيانه: أم أم الأب تسقط أم أم أب الأب، وأم أبي أب الأب.
والقربى من جهة [آباء الأب - لا تسقط البعدي من جهة] أمهات الأب؛ مثل أم أب الأب لا تسقط أم أم أم الأب، على ظاهر المذهب؛ كما لا يُسقط أب الأب أم أم الأب، حتى لو مات عن أم أب، وأم أبي أب، وأم أم أم - فالسدس بين أم الأب، وأم أم الأم نصفان، ولا شيء لأم أب الأب.
لأن أم الأب في جهتها، وهي أقرب فتسقطها.
ولو مات عن أب، وأم أب، وأم أم - فالسدس كله لأم الأم، والباقي للأب وأمه تسقط به.
ولو مات عن جدتين: أحدهما من جهتين، والأخرى من جهة واحدة، مثل: أم أم أم هي أم أم أب معها أم أب أب - فالسدس بينهما سواء.
وقال ابن مسعود: السدس بينهما أثلاث.
وإذا سُئلت عن عدد من الجدات الوارثات - فارتفع في الدرجة بذلك العدد، ثم ضع واحدة من جهة أم الميت، والأخرى من جهة أم أمه، والثالثة: من جهة أم جده - فلا يتصور في الدرجة: الأولى إلا جدتان، وهما وارثتان، ويتصور في [الدرجة] الثانية أربع جدات: ثلاث منهن وارثات، ويتصور في الدرجة الثالثة ثمان جدات، أربع منهن وارثات، هكذا
يتضاعف العدد في كل درجة، ولا تزيد في الوارثات إلا واحدة.
باب العصبات
رُوي عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو
لأولى رجل ذكرٍ" العصبة اسم لكل ذكر يُدلي إلى الميت بنفسه أو بذكرٍ.
وحكم توريثه: أنه يجوز جميع المال عند الانفراد، ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض، والأقرب منهم يحجب الأبعد عن العصوبة.
وأقرب العصبات البنون، وإنما قدمنا البنين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم فقال: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11].
وفرض الأب مع الابن السدس، وجعل الباقي للابن، ثم بعد البنين بنو البنين - وإن سفلوا - ثم الأب؛ لأن سائر العصبات يدلون به، ثم الجد مع الأخ للأب والأم، أو للأب؛ فإن لم يكن أخ فالجد، ثم أب الجد - وإن علا.
فإن لم يكن جدٌّ، فالأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم بنو الإخوة، يقدم فيهم الأقرب فالأقرب، لأب كان أو لأب وأم، حتى أن ابن الأخ للأب أولى من ابن ابن الأخ للأب والأم، فإن استووا في الدرجة فالذي هو لأب وأم أولى؛ كما أن الأخ - للأب والأم - أولى من الأخ للأب، والأخ للأب أولى من ابن الأخ للأب والأم، كذلك بنوهم.
فإن لم يكن أحد من بني الإخوة - وإن سفل - فالعم للأب والأم، ثم العم للأب، ثم بنو العم - وإن سفلوا - يُقدم فيهم الأقرب فالأقرب، فإن استووا في الدرجة - فالذي هو لأب وأم
أولى؛ كما في بني الإخوة.
فإن لم يكن أحد من بني أعمام الميت - وإن سفل - فعم الأب، ثم ابنه، ثم عم الجد على هذا الترتيب.
فإن لم يكن أحد من عصبات النسب - وعليه ولاء - فالميراث للمعتق، ثم لعصباته، ثم لمعتق المعتق، ثم لعصباته، فإن لم يكن منهم أحد فالمال لبيت المال.
وأب الجد - وإن علا - مع الأخ للأب والأم، أو للأب - يستويان، وهو وإن علا - أولى من ابن الأخ.
وإذا اجتمع في شخص واحد جهة فرص وجهة تعصيب - "يرث بهما جميعاً.
مثل: إن مات عن ابني عم: أحدهما أخ لأم، فللذي هو أخ لأم السدس، والباقي بينهما نصفان؛ كما لو كان أحدهما زوجاً كان له النصف بالزوجية، والباقي بينهما نصفان.
باب ميراث الجد مع الإخوة
الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب - لا يسقطون بالجد، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -؛ لأن ولد الأب يُدني بالأب؛ فلا يُسقطه الجد؛ أم الأب لا تسقط بالجد.
وقال الحسن، وعطاء، وطاوس، وأبو حنيفة: يسقطون بالجد، وهو قول للصديق، وابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم.
فإذا اجتمع الجد معهم عندنا - ولم يكن معهم صاحب فرض - فللجد خير المرين؛ إما المقاسمة معهم، أو ثلث جميع المال، ثم الباقي بين الإخوة والأخوات، للذكر مثل حظ الأنثيين.
وفي المقاسمة تكون الجد بمنزلة أخ، حتى يأخذ مثل ما تأخذ الأخت، وإذا استوت المقاسمة، والثلث - يتلفظ بالثلث تسهيلاً للحساب، فالجد يقاسم أختاً وأختين، وثلاث أخوات، أو أخاً وأختاً فإن زاد، فللجد الثلث.
وإن كان معهم صاحب فرض فللجد خير الأمور الثلاثة؛ غما المقاسمة مع الإخوة، أو سُدس جميع المال، أو ثلث ما تبقى بعد نصيب صاحب الفرض.
وإنما قلنا: يقاسمهم إذا كانت القسمة خيراً؛ لأن الجد كالأخ، ثم الإخوة يتقاسمون بعد فرض ذي السهم؛ كذلك الجد معهم.
وإنما قلنا: يأخذ ثلث ما يبقى إن كان خيراً، لأنه لو لم يكن في المسألة صاحب فرض - كان للجد الثلث، لو كان خيراً من المقاسمة، فيجعل نصيب صاحب الفرض المستحق؛ فان للجد ثلث الباقي.
وإنما قلنا: له السدس إذا كان خيراً؛ لأن الإخوة ليسوا بأقوى من البنين، والبنون لا ينقصون نصيب الجد عن السدس؛ فالإخوة أولى ألا ينقصوه.
وأصحاب الفرائض الذين يرثون مع الجد، والإخوة - ستة: البنت، وبنت الابن، والأم، والجدة، والزوج، والزوجة، فإن كان الفرض قدر النصف أو أقل - فالجد يقاسم أختاً وأختين وثلاث أخوات، أو أخاً وأختاً، فإن زادوا فللجد ثلث ما يبقى، وعليه تخرج مسألة "الخرقاء"، وهي أم، وجد وأخت - فللأم الثلث، والباقي بين الجد والأخت؛ للذكر مثل حظ الأنثيين.
أصلهما من ثلاثة، وتصح من تسعة وهذا مذهبنا، وهو قول زيد.
سميت هذه خرقاء؛ يتخرق من قول الصحابة فيها، فعند الصديق: للأم الثلث، والباقي للجد، وقال عمر: للأخت النصف، وللأم ثلث ما يبقى، والباقي للجد.
وعند علي: للأخت النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس.
وتسمى هذه المسألة "مثلثه عثمان"؛ فإنه يقول: لكل واحد منهم الثلث، وتسمى "مربعة ابن مسعود؛ فإنه يقول: للأخت النصف، والباقي بين الأم والجد نصفان.
وإن كان الفرض أكبر من النصف، ودون الثلثين - فالجد يقاسم أختاً وأختين، أو أخاً، فإن زادوا فللجد السدس، وإن كان الفرض قدر الثلثين - فالجد يقاسم أختاً واحدة.
فإن زاد عليها فللجد السدس، وإن زاد الفرض على الثلثين - فللجد السدس أبداً.
بيانه: ماتت امرأة عن بنت، وزوج، وجد، وأختٍ.
فالمسألة من اثني عشر: للبنت النصف، وللزوج الربع، وللجد السدس، بقي سهم واحد للأخت، فإن كان فيها ابنتان - فلهما الثلثان، وللزوج الربع، وللجد السدس، تعول إلى ثلاثة عشر، ولا شيء للأخت؛ لأنها مع البنت عصبة، فلا تعال لأجلها المسألة.
ولا يفرض للأخت مع الجد، ولا تُعال المسألة لأجلها، إلا في مسألة الأكدرية، وهي زوج، وأم، وجد، وأخت لأب وأم أو لأب فالمسألة من ستةٌ: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف؛ تعول المسألة بنصفها إلى تسعة، ثم يصير نصيب الأخت إلى نصيب الجد، فيجعل بينهما؛ للذكر مثل ح الأنثيين، وأربعة لا تستقيم على ثلاثة، فيضرب ثلاثة من أصل المسالة، وعولها وهي تسعة، فتصير سبع وعشرين، للزوج تسعة، وللأم ستة، يبقى اثنا عشر ثمانية للجد، وأربعة للأخت.
سميت هذه "أكدرية"؛ لأن امرأة من أكدر ماتت عن هؤلاء.
وقيل: لتكدر قول زيد فيها؛ فإنه ترك أصله في هذه المسألة في موضعين:
أحدهما: أنه فرض للأخت مع الجد.
والثاني: أنه أعال المسألة من أجلها، وأصله ألا يفرض للأخت مع الجد، ولا تُعال المسألة من أجلها.
وقيل: لتكدُّر قول الصحابة، وكثرة اختلافهم فيها، فعند الصديق: للزوج النصف، وللأم الثلث، والباقي للجد.
وعند علي: تُعال المسألة كما قلنا، ولكن يترك للأخت ما فُرِضَ لها.
وعند ابن مسعود: للزوج النصف، وللأم ثلث ما يبقى، وللجد السدس، وللأخت النصف؛ تقول المسألة إلى ثمانية.
فإن كان في الأكدرية مكان الأخت أخ - فلا شيء له؛ لأنه ليس ممن يُفرض له، وإن كان أختان: فللزوج النصف، وللأم السدس، وللجد السدس، والباقي للأختين، ولا تُعال.
ولو كان مكان الزوج ابنتان - فلهما الثلثان، وللأم السدس، وللجد السدس، ولا شيء للأخت؛ لأنها مع البنت عصبة بكل حالٍ.
والإخوة، والأخوات للأب والأم يعادون الجد بالإخوة والأخوات للأب، ثم إن كان ولدُ الأب والأم ذكراً، أخذ ما بقي بعد نصيب الجد، ولا شيء لأولاد الأب، وإن كان ولد الأب والأم أنثى؛ فإن كان الباقي بعد نصيب الجدِّ - قدر فرضها أو أقل - أخذت الباقي، ولا شيء لولد الأب، وإن كان أكبر من فرضها أخذت قدر فرضها، والباقي لولد الأب.
بيانه: ماتت عن جد وأخ لأب وأم، وأخ لأب - فللجد الثلث، والباقي للأخ للأب والأم؛ لأنهما في مقاسمة الجد يستويان، فاشتركا في رد الجد إلى الثلث، ثم الأخ للأب والأم يأخذ الباقي؛ لأن الأخ للأب لا يشاركه في الميراث، بل يسقطه.
ولو مات عن جد وأخت لأب وأم، وأخت لأب - فعلى أربعة - أسهم: سهمان للجد، وسهمان للأخت للأب والأم.
ولو مات عن جد، وأخت لأب وأم، وأخ لأب - فللجد سهمان من خمسة، وللأخت للأب والأم النصف سهمان، ونصف، ووجهه الصحيح أن نضرب أقل عدد له نصف صحيح، وهو إثنان من خمسة؛ فتصير عشرة: للجد أربعة، وللأخت للأب والأم خمسة، والباقي للأخ للأب، فإن كان فيها أختان لأب، فسهم واحد لا يستقيم على اثنين، يضرب اثنين في عشرة لتصح من عشرين، وإن كان فيها أخ وأخت لأب فللجد الثلث؛ سهمان من ستة، وللأخت للأب والأم النصف، بقي سهم واحد بين الأخ والأخت للأب للذكر مثل حظ الأنثيين، فتضرب ثلاثة في ستة؛ فتصير ثمانية عشر فمنها يصح.
وعند علي، وابن مسعود: لا معادة، ويسقط أولاد الأب.
فصل في الولاء
روي عن عائشة - رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الولاء لمن أعتق".
إذا لم يكن للميت أحد من عصبات النسب، وعليه ولاء - فميراثه لمعتقه، سواء كان المعتق رجلاً أو امرأة فإن لم يكن المعتق حياً فلعصبة معتقه، فتوريث عصبات الولاء كتوريث عصبات النسب إلا في سبع مسائل.
إحداها: أن ابن المعتق وأخاه لا يُعصب ابنة المعتق وأخته، بل الميراث للابن أو للأخ؛ لأن النساء إنما يرثن مع القرب، ولا يرثن مع البعد؛ ألا ترى أن ابنة الخ والعمة لا يرثان، فابنة المعتق وأخته أبعد منهما.
الثانية: إذا كان للمعتق جد، وأخ لأب وأم، أو لأب - ففيه قولان:
أصحهما: هما سواء كما في النسب؛ وبه قال الأوزاعي.
والثاني: الأخ أولى؛ وبه قال مالك؛ لأنه يُدلي بالبنوة، والجد بالأبوة، والابن أولى من الأب؛ فكذلك من يدلي بالبنوة كان أولى.
وتركنا هذا القياس في النسب؛ لإجماع الصحابة -رضي الله عنهم - على أن الأخ لا يحجب الجد.
فإن قلنا: هما سواء؛ فالجد أولى من ابن الأخ، والأخ أولى من أب الجد، ويستوي أب الجد مع ابن الأخ.
وإن قلنا: الأخ أولى فابن الأخ - وإن سفل - أولى من الجد، كما أن ابن الابن - وإن سفل - أولى من الأب.
الثالثة: أن في النسب أب الجد - وإن علا - أولى من ابن الأخ، وحصل في الولاء قولان:
أصحهما: هما سواء.
والثاني: ابن الأخ أولى.
الرابعة: أنه في النسب أب الجد
-[وإن علا]-
أولى من العم، وفي الولاء قولان:
أصحهما: هما سواء.
والثاني: العم أولى؛ لأنه يُدلي بالبنوة، ولا يختلف القول أن جد المعتق أولى من عمه كما في النسب؛ لأن العم يُدلي بالجد، وفي جد الجد، وعم الأب قولان:
الخامسة: أن في النسب الجد يقاسم الإخوة، ما دامت المقاسمة خيراً له من الثلث، فإن كان الثلث خيراً أخذ الثلث.
وفي الولاء إن قلنا: هما سواء يقتسمان أبداً؛ لأن الولاء لا يُفرض [فيه].
السادسة: أن في الولاء الإخوة للأب والأم لا يعادون الجد بالإخوة للأب، بل إن كان للمعتق جد، وأخ لأب وأم، وأخ لأب يُجعل الأخ للأب كالمعدوم؛ فالمال بين الجد والأخ للأب والأم نصفان، على أصح القولين.
وعلى الثاني: كله للأخ للأب والأم، وكذلك إذا كان للمعتق أب، وجد، وعمان؛ أحدهما لأب وأم، والآخر لأب فالمال بين أب الجد، والعم للأب والأم نصفان على أصح القولين.
وعلى الثاني: كُلُّه للعم للأب والأم.
السابعة: أن في النسب إذا كان للميت ابنا عم؛ أحدهما أخ لأم؛ فللذي هو أخ لأم السدس، والباقي بينهما.
وفي الولاء إذا كان للمعتق ابنا عم أحدهما أخوة لأمه - نص الشافعي -رضي الله عنه - على أن المال كله للذي هو أخ لأم؛ لأن تفرد بأخوة الأم، ولا يمكن توريثه بها على الانفراد، ويترجح جانبه بها؛ كما لو مات عن أخ لأب وأم، وأخ لأب - كان المال للأخ للأب والأم؛
لزيادة أخوة الأم، حتى فرعوا عليه فقالوا:
لو مات عن بنت وابني عم؛ أحدهما أخ لأم - فللبنت النصف، والباقي لابن العم الذي هو أخ لأم؛ لأنه لا يرث بأخوة الأم لمكان البنت.
وفي المسألتين وجهٌ آخر، وهو القياس: أن في المسألة الأولى المال بين ابني عم المعتق نصفان.
وفي الثانية: الباقي بعد نصيب البنت لابني العم نصفان، ولا يترجح بأخوة الأم، بخلاف الخ للأب والأم - كان أولى من الأخ للأب؛ لأن الأخوة من جنس الأخوة فصلحت للترجيح عند الاجتماع، وليست من جنس العمومة؛ فلا يقع بها الترجيح.
فن لم يكن أحد من عصبات المعتق - فالميراث لمعتق المعتق ثم لعصباته، ثم لمعتق معتق المعتق ثم لعصباته.
ولا ميراث لمعتق عصبة الميت إلا لمعتق أبيه، أو لمعتق جده - وإن علا.
وكذلك معتق عصبات المعتق لا يرث إلا معتق أب المعتق، أو معتق جده؛ فإن من أعتق عبداً ثبت له الولاء على أولاده ذكوراً كانوا، أو إناثاً، وعلى أولاد بنيه - وإن سفلوا.
ولا تثبت على أولاد بناته إلا أن يكون أبوهم رقيقاً؛ فيثبت الولاء لموالي الأم، ثم إذا عتق الأب فيجر إلى موالي الأب.
وكذلك من أعتق أمة يثبت له الولاء عليها، ولا يثبت على أولادها، إلا أن يكون أبوهم رقيقاً؛ فيثبت الولاء لمعتق الأم، ثم إذا عتق الأب ينجرٌّ إليه.
وإنما يثبت الولاء عليه لمعتق الأب، إذا لم يكن عليه ولاء لغيره، [وألا] فإن كان الميت عتيق شخص، وأبوه عتيق غيره - فلا ولاء عليه لموالي أبيه، وكذلك إذا كان هو حرَّ الأصل، وأبوه معتق إنسان، وجده معتق غيره - فلا ولاء عليه لموالي جده؛ إنما الولاء عليه لمعتق أبيه، ثم لعصباته، ثم لمعتق معتق أبيه، ثم لعصباته؛ فإن لم يكن منهم أحد فالمال لبيت المال، ولا شيء لموالي الجد.
والمرأة لا ترث بالولاء إلا من معتقها، أو من ينتمي إلى معتقها بولاء أو نسب، حتى ترث من أولاد معتقها: ذكوراً كانوا إناثاً وأولاد بني معتقها، ومن معتق معتقها، وأولاده، وأولاد بنيه كالرجل، ولا ميراث للمولى الأسفل.
وقال شريح وطاوس: يثبت.
قلنا: الشرع أثبت الولاء للمعتق؛ لما له على المعتق من نعمة الإعتاق، ولا نعمة للمعتق على المعتق؛ فلا يثبت له الولاء؛ فإن كان كل واحد معتق صاحبه يتوارثان؛ مثل إن أعتق ذمي عبداً، ثم نقض السيد العهد فسباه معتقه وأعتقه فكل واحد منهما يرث صاحبه بالولاء.
ولو سباه غير معتقه وأعتقه - يثبت للسابي عليه الولاء، وعلى المعتق الأول؛ لأنه معتق معتقه.
ولا يثبت الولاء بعقد الموالاة، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الولاء لمن أعتق"، فنفى ثبوت الولاء لغير المعتق.
ولو التقط صبياً، أو أسلم رجل على يديه - لا يثبت له الولاء عليه.
وقال إسحاق: إذا أسلم على يديه رجل - يثبت له عليه الولاء.
ولو أعتق مسلم عبداً كافراً، أو كافر مسلماً - يثبت له الولاء عليه، وإن لم يرثه؛ لاختلاف الدين؛ كما أن النسب يثبت مع اختلاف الدين، وإن لم يثبت الميراث.
وعند مالك: لا يثبت الولاء مع اختلاف الدين.
ولو أعتق كافر عبداً مسلماً، ثم مات المعتق بعدما أسلم المعتق - ورثه، وإن لم يكن أسلم فميراثه لمن كان مسلماً من عصبات معتقه، يقدم أقربهم به من المسلمين.
ولو أعتق كافر عبداً كافراً، ومات المعتق عن ابنين مسلم وكافر، ثم مات المعتق، فإن مات كافراً فميراثه للابن الكافر، وإن مات مسلماً فللابن المسلم؛ لأن ميراث العتيق يصرف إلى من يكون عصبة للمعتق، لو مات المعتق يوم موت العتيق بصفته.
فصل في الحساب
أصول حساب الفرائض المحدودة سبعة: اثنان، وأربعة، وثمانية، وثلاثة، وستة، واثنا عشر وأربعة وعشرون.
فإن لم يكن [في المسألة] إلا النصف فهي من اثنين؛ فإن كان فيها ربع فمن أربعة، وإن كان فيها ثُمُنٌ فمن ثمانية، فإن كان فيها ثلث وثلثان فمن ثلاثة، وإن كان فيها سدس أو ثلث ونصف فمن ستة.
وإذا اجتمع مع الربع سدس أو ثلث أو ثلثان فمن اثني عشر، فإذا اجتمع مع الثمن سدس
أو ثلثان فمن أربع وعشرين، ولا يتصور اجتماع الثمن والثلث، وإذا احتجت إلى ثلث ما يبقى، ولم يكن لما بقي ثلث صحيح -فاضرب ثلاثة في أصل المسألة - فمنه تُخرج.
ثم ثلاثة من هذه الأصول عائلة: ستة، واثنا عشر، وأربع وعشرون.
والعولُ: هو أن المال إذا ضاق عن سهام ذوي الفروض- يُسمى لكل واحد منهم فرضه، وتعال المسألة فيدخل النقص على كل واحد بقدر فرضه؛ لأنها حقوق مقدرة منفقة في الوجوب، ضاقت التركة عن جميعها، فتقسم التركة على قدرها؛ كالديون إذا اجتمعت، وضاق عنا المال - قسم المال على قدر حقوقهم.
أما الستة تعول أربع مرات متواليات: تعول بسدسها إلى سبعة، وبثلثها إلى ثمانية، وبنصفها إلى تسعة، وبثلثيها إلى عشرة، ولا يتصور العول مع الابن بحال، وهي أكثر ما تعول إليها الفرائض.
مثال العول إلى سبعة: زوج وأختان لأب وأم ولأب.
ومثال العول إلى ثمانية هؤلاء وأم، أو زوج وأخت وأم.
ومثال العول إلى تسعة: زوج وأختان لأب وأم، وأختان لأم.
ومثالُ العولِ إلى عشرة: زوج أم وأختان للأم، وأختان لأب وأم، وتسمى هذه المسألة "أم الفروج"؛ لكثرة السهام العائلة فيها.
وتُسمى "الشريحية"؛ لأنها وقعت في أيام شريح فقضى بها.
ومتى عالت إلى ثمانية، أو إلى تسعة، أو إلى عشرة، لا يكون الميت لا امرأة.
وأما اثنا عشر تعول ثلاث مرات أوتاراً:
تعول بنصف سدسها إلى ثلاثة عشر، وبربعها إلى خمسة عشر، وبربعها وسدسها إلى سبعة عشر.
مثالُ العول إلى ثلاثة عشر: زوجة وأختان وأم، ومثال العول إلى خمسة عشر: زوجة وأختان لأم، وأختان لأب وأم.
ومثال العول إلى سبعة عشر هؤلاء وأم، وعليها مسألة
الأرامل، وهي ثلاث زوجات وجدتان، وأربع أخوات لأم، وثمان أخوات لأب وأم.
سُميت أرامل؛ لأنهن نساء لا رجل معهن، فهذا رجل مات عن سبعة عشر امرأة وارثات، أصاب كل واحدة مثل ما أصاب الأخرى.
ومتى عالت إلى سبعة عشر، فالميت ذكر بكل حال، وأما أربع وعشرون تعول مرة واحدة بثمنها إلى سبع وعشرين.
مثاله: زوجة وابنتان وأبوان يصير فيه ثمن المرأة في الحقيقة تسعاً، والميت فيه ذكر بكل حال، وتسمى هذه "المسألة المنبرية"؛ لأنه سُئل عنها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على المنبر فأجاب عنها.
وقال: صار ثمنها تسعاً.
ثم الطريق في تصحيح المسائل: إن كانت الورثة كلهم عصبة، فأقسم المال على عدد رؤوسهم إن كانوا ذكوراً، وإن كان بعضهم إناثاً، فاجعل رأس كل ذكر كرأسين، وإن كانوا أصحاب فرائض، أو أصحاب فرائض وعصبة - فضع أصل المسألة على الفرائض، وأعط كل ي فرص فرضه، وأعط الفضل العصبة، فإن انكسر سهام بعضهم عليهم، فاطلب الموافقة بين سهام انكسر سهامهم عليهم، ومن عدد رؤوسهم، فإن لم يكن بينهم موافقة بجزء صحيح فاضرب عدد رؤوسهم في أصل المسألة، وعولها إن كانت عائلة، فإلى حيث - يبلغ تصح منه المسألة، وإن كان بينهم موافقة بجزء صحيح - فخذ أقل جزء الوفق من عدد الرؤوس، اضربه في أصل المسألة وعولها.
بيانه: ماتت امرأة عن زوج، وست أخوات لأب وأم، وأختين لأم.
أصل المسألة من ستة تعول إلى تسعة؛ فللأخوات للأب والأم أربعة، لا تستقيم على ستة، وفيها موافقة بالنصف، فخذ الوفق من عدد الرؤوس وهو ثلاثة، فاضربها في أصل المسالة وعولها وهي تسعة، فتصير سبعاً وعشرين، ثم إذا أردت معرفة تصيب كل واحد من الورثة في ذلك المبلغ - فاضرب ما كان له من أصل المسألة في الكسر؛ فللزوج ثلاثة مضروبة في ثلاثة؛ فتكون [تسعة، وللأخوات للأب والأم أربعة مضروبة في ثلاثة تكون اثني عشر]؛ لكل واحدة سهم، وللأختين للأم سهمان مضروبان في ثلاثة، فتكون ستة لكل واحدة ثلاثة، وإن كان في المسألة كسران، فاطلب الموافقة بين السهام وعدد الرؤوس في كل كسر ما وصفنا، فإن وجدت وفقاص فخذ أقل جزء الوفق من عدد الرؤوس، وإن لم تجد وفقاً
فخذ عدد الرؤوس، ثم قابل أحد الكسرين بالآخر، فإن كانا متماثلين فأسقط أحدهما، واضرب الآخر في أصل المسألة وعولها، وإن كانا متداخلين - وهو أن ينقسم الأكبر على الأقل انقساماً صحيحاً - فأسقط الأقل، واضرب الأكبر في أصل المسألة وعولها، وإن كانا موافقين فاضرب أقل جزء الوفق من أيهما شئت في جميع الآخر؛ مثل أربعة، وستة بينهما موافقة بالنصف، فاضرب نصف أيهما شئت في جميع الآخر؛ فيكون اثني عشر، ثم اضرب ذلك المبلغ في أصل المسألة وعولها.
وإن كان الكسران متباينين؛ مثل ثلاثة وأربعة، أو ثلاثة وخمسة، ونحوها - فاضرب أحدهما في الآخر، ثم اضرب المبلغ في أصل المسألة وعولها.
وإن كان في المسألة ثلاثة كسور، [أو أربعة كسور]، ولا يزيد الكسر على أربعة، فبعد طلب الموافقة بين السهام، وعدد الرؤوس - خذ منها كسرين، وقابل أحدهما بالآخر، وإن كانا متماثلين فأسقط أحدهما، وإن كانا متداخلين فأسقط الأقل، وإن كانا موافقين فاضرب وفق أحدهما في الآخر، وإن كانا متداخلين فأسقط الأقل، وإن كانا موافقين فاضرب وفق أحدهما في الآخر، وإن كانا متباينين فاضرب أحدهما في الآخر، ثم قابل المبلغ بالكسر الثالث، وافعل بهما ما ذكرنا، ثم قابل مبلغ الكسور الثلاث بالرابع، ثم اضرب مبلغ الكسور في أصل المسألة، وعولها إن كانت عائلة.
بيانه: مات عن زوجتين، وثلاث جدات، وخمس أخوات لأب، وأم، وسبع أخوات لأم.
أصل المسألة: من اثني عشر، تعول إلى سبعة عشر للزوجتين ثلاثة.
لا تستقيم على اثنتين، وللجدات سهمان لا يستقيمان على ثلاثة، وللأخوات للأب والأم ثمانية، فلا تستقيم على خمسة، وللأخوات للأم أربعة لا تستقيم على سبعة، ففيهما أربع كسور متباينة، تضرب اثنين في ثلاثة؛ فتصير ستة، وتضرب ستة في خمسة؛ فتصير ثلاثين، وتضرب ثلاثين في سبعة فتصير مائتين وعشرة، ثم تضرب مائتين وعشرة في أصل المسألة، وعولها وهي سبعة عشر؛ فتصير ثلاثة آلاف وخمسمائة وسبعين، ثم إذا أردت معرفة نصيب كل طائفة - فاضرب ما كان لهم في سبعة عشر في مبلغ الكسور، وهو مائتان وعشرة.
فصل المناسخة
إذا مات رجلٌ عن عدد من الورثة، ثم مات واحد منهم قبل قسمة التركة - فانظر:
إن كان ورثة الميت الثاني هم ورثة الميت الأول، يرثون منهما بجهة التعصيب - فاقسم التركة عليهم، واجعل كأن الميت الثاني لم يكن؛ مثل: إن مات عن أربع إخوة، وأخت - فالمال ينهم على تسعة أسهم، فلو مات واحد من الإخوة قبل قسمة التركة - ولا وارث له سوى هؤلاء - فاقسم المال على سبعة أسهم، فإن مات آخر فاقسم على خمسة أسهم.
وكذلك لو مات عن ثلاث بنين وبنت - فالمال ينهم على سبعة أسهم فلو مات واحد من البنين قبل القسمة فاقسم بينهم على خمسة أسهم، فأما إذا كان ورثة الميت الثاني أو بعضهم غير ورثة الميت الأول، أو كانوا ورثة الميت الأول، لكن فيهم من يرث بالفريضة - فالطريق في معرفة نصيب كل واحد منهم من تلك التركة؛ أن نصحح فريضة الميت الأول، ونأخذ منها نصيب الميت الثاني ثم نصحح فريضة الميت الثاني، ثم نقابل نصيبه من فريضة الأول بفريضته، فإن انقسم عليهم، وإلا فاطلب الموافقة من نصيبه، وفريضته المصححة، فإن وجدت بينهما موافقة بجزء صحيح، فخذ أقل جزء الوفق من فريضة الميت الثاني، فاضربه في فريضة الميت الأول.
وإن لم تجد بينهما موافقة، فاضرب فريضة الميت الثاني في فريضة الميت الأول]، فإلى حيث بلغ تصح منه القسمة، ثم من كان له شيء من المسألة الأولى أخذه مضروباً في المسألة الثانية أو وفقها، ومن كان له من الثانية شيء أخذه مضروباً في نصيب الميت الثاني من الأول، أو وفقه إن كان بين نصيبه وفريضته موافقة.
بيانه: مات عن زوجة، وثلاث بنين وبنت، فماتت البنت قبل قسمة التركة عن ابنين - فمسالة الميت الأول تصح من ثمانية، وللبنت منها سهم واحد، ومسألة الميت الثاني تصح من اثنين، ونصيبها سهم واحد، لا يستقيم على اثنين، فاضرب اثنين في ثمانية؛ فتصير ستة عشر؛ للزوجة اثنان، ولكل ابن أربعة، وللبنت سهمان، ولكل واحد من ابنيها من نصيبها سهم واحد.
ولو ماتت البنت عن أم وثلاث إخوة، وهم ورثة الميت الأول، فمسألتها من ستة تصح من ثمانية عشر، ونصيبها من الميت الأول سهم واحد، لا يستقيم على ثمانية؛ فاضرب ثمانية عشر في فريضة الميت الأول وهي ثمانية؛ فتصير مائة وأربع وأربعين؛ فللزوجة منها الثمن سهم مضروب في ثمانية عشر، [فيكون ثمانية عشر]، ولكل ابن سهمان مضروبان في ثمانية عشر، فيكون ستة وثلاثين، وللبنت ثمانية عشر، فللأم منها السدس ثلاثة، بقي خمسة عشر لكل أخ خمسة، فصار لكل أخ أحد وأربعون، وللأم احد وعشرون.
ولو مات ثالث قبل قسمة التركة تصح فريضة الميت الثالث، ثم قابل حصته من التركتين بفريضته المصححة، فإن انقسم، وإلا فاطلب الموافقة بين نصيبه وفريضته، فإن وجدت موافقة، فاضرب [أقل] جزء الوفق من فريضته في مبلغ الفريضتين، وإن لم تجد موافقة، فاضرب فريضته في مبلغ الفريضتين، ثم أعط كل ذي حق حقه.
وإذا ضبطت فريضة المناسخة، وأردت اختصار الحساب، فانظر في سهام الورثة، فإن وجدت بين الكل موافقة بجزء صحيح - فخذ ذلك الوفق من نصيب كل واحد منهم، وأقسم المال بينهم على ذلك العدد، وإن لم تجد بينهم موافقة، أو وجدت بين البعض دون البعض - فلا يُتصور الاختصار.
بيانه: مات عن زوجة وبنت وثلاث بنين، ثم مات واحد من البنين، وخلف أمًّا وأخوين وأختاً وهم ورثة الميت الأول، فمسألة الميت الأول تصح من ثمانية، ونصيب الميت الثاني منهما سهمان، ومسالة الميت الثاني تصح من ستة، فسهمان لا يستقيمان على ستة، وبينهما موافقة بالنصف، فخذ نصف ستة، وهو ثلاثة فاضربه في فريضة الميت الأول - وهي ثمانية - فتصير أربع وعشرين: للزوجة منها الثُّّمن ثلاثة، وللبنت ثلاثة، ولكل ابن ستة، ثم من نصيب الميت الثاني، وهو ستة: سهم للأم، وسهم للأخت، ولكل أخ سهمان، صار لكل أخ ثمانية، وللأخت أربعة، وللأم أربعة، وبين الأنصباء كلها موافقة بالربع، فخذ ربع نصيب كل واحد منهم، فجملته ستة، يصح الاختصار منها؛ للأم سهم، وللأخت سهم، ولكل أخ سهمان.
باب ميراث ولد المُلاعنة
إذا نفى رجل ولده -باللعان- لا يرث أحدهما من الآخر، وكذلك ولد الزنا لا يرث من الزاني، ولا الزاني منه؛ لأنه لا نسب بينهما، أما الأم فلا ينقطع عنها نسب الولد، فيتوارثان.
فإن مات الولد فلأمه الثلث، والباقي لبيت المال، فإن كان على الأم ولاء - فالباقي لموالي الأم وتوأما اللعان والزنا يتوارثان بأخوة الأم.
ولو نفى ولده باللعان، ثم استلحقه يلحقه، فإن استلحقه بعدما مات أخذ ميراثه، حتى لو كان على الأم ولاء، فمات الولد، واخذ موالي الأم ميراثه، ثم استلحقه النافي - يسترد الميراث من موالي الأم، بخلاف ما لو نكح عبد معتقته فأتت منه بولد، فمات الولد، واخذ موالي الأم ميراثه، ثم عتق الأب - انجر الولاء إليه، ولا يسترد الميراث من موالي الأم؛ لأنه لم
يكن من أهل الميراث حالة موت الولد، ولم يكن لمواليه عليه ولاء، إنما حدث بالعتق، وولد الزنا لا يلحق الزاني بالاستلحاق.
باب ميراث المجوس
إذا اجتمع في شخص مرتبتان لا يُتصور اجتماعهما في الإسلامن بالوطء الحلال يرث بأقواهما، ولا يرث بهما؛ وهو قول زيد؛ وبه قال الزهري ومالك - رحمة الله عليهما- وقال علي - رضي الله عنه - يرث بهما، وهو قول الثوري وأبي حنيفة- رحمة الله عليهما-.
فنقول: شخص واحد، فلا يرث بفرضين عن ميت واحد؛ كما لو مات عن أخت لأب ولأم، لا يرث بأخوة الأب، وبأخوة الأم معاً].
بيانه: موسي نكح ابنته، أو مسلم وطيء ابنته بالشبهة، فأتت منه بولد - فالموطوءة أم الولد وأخته، ترث منه بالأمومة الثلث؛ لأنها أقوى، فإن الأم لا تُحجب بمال، ولا ترث بالأخوة.
ولو ماتت الموطوءة، والولد أنثى فلها النصف بالبنوة ولا شيء لها بالأخوة.
ولو وطيء ابنته، فأتت ببنت، ثم وطيء تلك البنت فأتت بولد - فالموطوءة الأولى أخت هذا الولد، وجدته، والثانية أمه وأخته، فإذا مات الولد الأخير فلأمه الثلث، والباقي للأب، ولا شيء للجدة التي هي أخت؛ لأن الجدة تسقط بالأم، والأخت تسقط بالأب، فإن كان الأب ميتاً، فمات الولد - فللأم الثلث بالأمومة، وللجدة النصف بالأخوة؛ لأن توريثها بالجدودة لا يمكن توريثها بالأخوة، فإن لم تكن الأم حية حين مات الولد - فللجدة السدس، ولا شيء لها بالأخوة.
ولو مات عن أم هي أخت، وله أخت أخرى - فللأم الثلث، وللأخت النصف، ولا تصير الأم محجوبة عن الثلث إلى السدس بنفسها.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: للأم السدس.
فصل في ميراث الحمل
إذا مات عن حمل في البطن يوفق له الميراث أكثر ما يكون له، وإن كان نطفة يوم الموت.
ثم كل من يصير محجوباً به لو خرج حيًّا لا يُعطى [إليه] شيء ما لم يخرج الجنين، فإن خرج حيًّا، فالمال له، فإن مات في الحال صرف إلى ورثته، استهل أو لم يستهل، بعد أن كانت فيه حركة تدل على الحياة.
فإن خرج ميتاً فلا ميراث له، بل يصرف إلى ورثة الأب، سواء كان يتحرك في البطن أو لا يتحرك، وكذلك لو خرج، وبه اختلاج أو حركة كحركة المذبوح - فهو كما لو خرج ميتاً، وتلك الحركة لا تدل على الحياة، بل تكون انتشاراً للخروج عن المضيق، فإن خرج ميتاً يضرب - ضارب يجب على الضارب الغرة، وتورث الغرة عن الجنين، ولا يورث منه ما وقفنا له من ميراث أبيه؛ لأنا نجعله حيًّا في حق الضارب خاصة بإياب الغرة عليه، كذلك نجعله حيًّا في توريث الغرة خاصة.
ولو خرج بعضه حيًّا، ثم مات قبل الانفصال - فهو كما لو انفصل ميتاً، ولا عبرة بحياته قبل تمام الانفصال، حتى لو خرج بعضه حيًّا، ومات قبل خروجه - لم يرث؛ لأنه لا يُعطى له حكم الحياة حتى ينفصل جميعه حيًّا، وكذلك لا تنقضي العدة بخروج بعضه.
ولو خرج بعضه حيًّا، فضرب ضارب بطنها، فأسقطت ميتاً - يجب على الضارب الغرة.
ولو عتقت الجارية بعد خروج بعض الولد منها - سرى العتق إلى الولد.
وأما من لا يصير محجوباً بالجنين لو خرج حيًّا، هل يُعطى إليه شيء قبل خروج الجنين؟ - نُظر: إن كان صاحب فرض يُعطى أقل فريضة عائلاً، وإن كانوا أولاداً أيضاً يوقف الكل على أصح الوجهين.
وقيل: نقدر الحمل أربعة ذكور، فإن كان الظاهر ابنا دفع إليه الخمس؛ وبه قال أبو حنيفة، والأول أصح؛ لأن الحمل قد يكون أكبر من أربع.
قال ابن المرزبان: أسقطت امرأة بالأنبار كيساً فيه اثنا عشر ولداً.
ولو مات نصراني عن حمل في بطن نصرانية، ووقفنا الميراث، فأسلمت الأم، ثم خرج الجنين حيًّا - فالولد مسلم، ويدفع إليه ميراث أبيه؛ لأنه كان محكوماً بكفره يوم موت الأب، وإن كان نطفة.
فصل في ميراث الخنثى
الخنثى المشكل إذا مات له قريب، نُظر: إن كان يرث في إحدى الحالتين دون الأخرى - لا يُدفع إليه شيء في الحال، بل يوقف حتى يظهر أمره، إن كان يرث في الحالتين، ولكن يرث في إحدى الحالتين أقل - دُفع إليه الأقل؛ لأنه اليقين، ويوقف الباقي؛ مثل: إن مات عن ولد خنثى دُفع إليه النصف؛ لاحتمال أنه أنثى، ويوقف الباقي.
وإن كانوا جماعة من الخناثى جُعِل كل واحد منهم فيما يأخذ كالأنثى، وفي حق شركائه كالذكر، ويوقف الباقي.
ووجه تصحيحه: أن يترك ذلك على اختلاف أحوالهم في الذكورة والأنوثة، فإن كان الخنثى واحداً: فله حالتان، وللاثنين ثلاثة أحوال، وللثلاث أربعة أحوال، هكذا كلما ازداد واحد زادت حالة، فتصح الأحوال كلها، ثم نقابل بين كل حالتين، فإن كانتا متماثلتين تسقط أحداهما، أو متداخلتين يسقط الأقل، أو موافقتين يضرب وفق إحداهما في الأخرى، أو متباينتين اضرب أحداهما بالأخرى.