التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 125-134

وعند أبي حنيفة: لا يجب صدقة الفطر ما لم يملك نصاباً من المال، ولو لم يملك شيئاً وقت الوجوب، ووجد بعضه، لا يلزمه؛ فإن كان واجداً يوم الوجوب، فلم يخرج؛ حتى تلف ماله بعد الإمكان - كانت في ذمته.
ولو فضل عن قوته صاعان، وله زوجة وقريب، يخرج عن الزوجة، وإن كان له قريبان، يخرج عمن هو أولى نفقته.
فصلٌ: في وقت الوجوب صدقة الفطر متى تجب؟ فيه أقوال: أصحهما: تجب بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، إذا أهل هلال شوال؛ لحديث ابن عمر؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض صدقة الفطر من رمضان وحينئذٍ يكون الفطر في رمضان.
وقال في القديم - وهو مذهب أبي حنيفة -: يجب بطلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن حقيقة الفطر تكون في قوت كان يصوم فيه قبله.
وفيه.
قول ثالث: أنه يجب بإدراك الوقتين.
يخرج من هذا: أنه لو ولد له مولود قبل غروب الشمس، ومات بعد الغروب، أو ملك عبداً قبل الغروب، أو نكح زوجته، وماتا بعد الغروب - تجب فطرتهم؛ على القول الأول.
ولا تجب على القولين الآخرين.
وكذلك لو أسلم كافر قبل الغروب، ومات بعد الغروب، ولو ولد أو ملك العبد، أو أسلم الكافر بعد الغروب، ومات بعد طلوع الفجر - فلا يجب فطرته؛ على القول الأول والثالث، وتجب على الثاني.
ولو ولد أو ملك أو أسلم بعد الغروب، ومات قبل طلوع الفجر - فلا تجب فطرته على الأقوال كلها.
ولو اشترى عبداً بعد غروب الشمس، أو باعه بعد طلوع الفجر، فعلى القول الأول: تجب فطرته على البائع الأول، وعلى القول الثاني: تجب على المشتري الثاني، وعلى القول الثالث: لا تجب على أحد.
ولو دخل وقت الوجوب - وهم عنده - فماتوا قبل إمكان الأداء - فيه وجهان: أحدهما: تسقط؛ كزكاة المال تسقط بهلاك المال.

والثاني: لا تسقط؛ لأنها تجب في الذمة، فلا تسقط بموت المرأة؛ ككفارة الظهار.
ولو باع عبداً بشرط الخيار؛ فأهل هلال شوال في زمان خيار الشرط وخيار المكان، إن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع: فعليه فطرته، وإن تم البيع بينهما.
وإن قلنا: للمشتري، فعليه وإن فسخ البيع.
وإن قلنا موقوف فإن تم البيع، يجب على المشتري، وإن فسخ فعلى البائع.
وإن تم البيع بينهما، ثم فسخ بعد هلال شوال بعيب، أو تحالف- فزكاة الفطر على المشتري.
فلو مات عن رقيق بعد هلال شوال، فزكاة فطره، وفطرة رقيقه في ماله مقدماً على لميراث والوصايا، وهو كزكاة المال.
وهل يقدم على ديون العباد؟ فيه أقوال: أقيسها أن الكل سواء.
وإن مات قبل هلال شوال عن رقيق، ثم أهل هلال شوال، فصدقة فطرهم على الورثة، وإن بيعوا في دين الميت بعده.
ولو أوصى لإنسان بعبد، فمات الموصي بعد هلال شوال، ففطرته من تركته، وإن مات قبل هلال شوال نظر: إن قبل الموصى له قبل هلال شوال، فعلى الموصى له فطرته، ون لم يقبل؛ حتى أهل شوال، يُبنى على أن الموصى له متى يملك الوصية؟ إن قلنا: يملك بالموت، فعليه فطرته، وإن رد الوصية.
وإن قلنا: يون موقوفاً فإن قبل فتكون عليه، وإن رد فعلى ورثة الموصى.
وإن قلنا: يملك بالقبول، فالملك قبل القبول لمن يكون؟ فيه وجهان: أصحهما: للورثة؛ فعلى هذا عليهم فطرته.
والثاني: يكون باقياً على ملك الموصى، فعلى هذا لا يجب فطرته على أحد؛ لأن الزكاة لاتجب ابتداء على الميت.
وقيل: يجب في تركته، ولو مات الموصى قبل هلال شوال، ومات الموصى له بعد هلال شوال قبل لقبول-قام وارثه مقامه في القبول، ويقع الملك للموصى له بقبول الوارث.
وكل موضع أوجبنا الفطرة عليه لو قبل بنفسه، فإذا قبل وارثه يجب في تركته، فإن لم يكن له تركة فلا يجب على الوارث؛ كمن أوصى له ببعض من يعتق عليه، فقبل وارثه بعد موته، عتق وقوم على الميت الباقي؛ وإن كان له تركة هذا إذا كان موت الموصى له بعد غروب الشمس، فإن كان موته مع غروب الشمس أو قبله، كانت الصدقة على ورثة الموصى

له إذا قبلوا؛ لأن الملك حصل للموصى له قبل هلال شوال، ووقت وجوب الصدقة كان في ملك الوارث.
ولو أوصى برقبة عبده لإنسان، وبمنفعته لآخر، وقبلا، وأهل شوال - ففطرته على الموصى له بالرقبة.
ولو وُهِبَ له عبد فقبل، فأهل شوال قبل القبض، فالمذهب: أنه لا يملكه قبل القبض، وفطرته على الواهب.
فصلٌ: في مكيلة زكاة الفطر روي عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب.
يجب إخراج صدقة الفطر، وطعام الكفارة مما يُقتات غالباً من الحبوب، أو من التمر والزبيب، ولايجوز من الأقوات النادرة؛ كالقت وحَب الحنظل، وأشباه ذلك؛ وإن كان ذلك قوته وقوت بلده.
ويجب من هذه الأقوات العامة ما هو غالب قوت البلد.
وقال أبو عبيد بن حربويه: تجب من غالب قوت نفسه.

قال إمام الأئمة: والصحيح: أنه تجب من غالب قوت أمثاله في البلد، فإن كان مثله يقتات الحنطة، وهو يقتات الشعير - يجب عليه الحنطة.
وإن كان مثله يقتات الشعير، وهو يقتات الحنطة.
فهل يجوز له إخراج الشعير فيه وجهان: القياس: أنه يجوز.
ولو عدل عن قوت البلد إلى قُوتٍ أعلى، فإن كان قوته الشعير؛ فأخرج الحنطة، جاز وزاد خيراً.
وإن عدل إلى شيء دونه؛ مثل: أن كان قوته الحنطة؛ فأخرج الشعير - لايجوز.
وإن كان قوتهم تمراً؛ فأخرج حنطة أو شعيراً - جاز؛ على الأصح؛ لأنه أبلغ في الاقتيات.
وإن كان قوتهم حنطة، وشعيراً؛ فأخر تمراً، لم يجز؛ على الأصح.
وإن كان قوتهم اللحم، أو ثمرة لا عشر فيها، فلا يجوز أن يُخرج منها، بل يخرج من غالب قوت أقرب البلاد إليه.
فإن كان يقربه بلدان متساويان، وقوتهما مختلفٌ، أخرج من قوت أيهما شاء، وإن كنا قوتهم الأقط ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا عشر فيه؛ كاللحم.
والثاني: يجوز؛ ظاهر الحديث.
والجبن كالأقط، ولا يجوز المصل؛ لأنه منزوع الزبد.
وإن كان قوت لبناً فهل يجوز منه؟ ترتب على الأقط: إن لم يجز الأقط، فاللبن أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أن الأقط مما يُدخر للاقتيات، واللبن لا يدخر.
وإن كان أهل البلد يقتاتون أصنافاً مختلفة، يخرج من الأغلب، فإن لم يكن بعضها أغلب فالأفضل أن يخرج من أفضلها، ومن أيها أخرج جاز.
وإن كان له عبد غائب، وقوت بلد العبد مخالف لقوت بلد المولى - فمن أيهما يجب إن قلنا: الوجوب يلاقي المولى، فيخرج من قوت بلد المولى.
وإن قلنا: يلاقي العبد، فمن قوت بلد العبد.
ومن أي نوع أدى لا يجوز أقل من صاع بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم- والصاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث؛ فجملة الصاع: خمسة أرطال وثلث.
وعند أبي حنيفة: الصاع أربعة أمداد، كل مد رطلان؛ فجملته: أربعة أمداد.

وعنده.
يجوز من البُر نصف صاع، ويجب من غيره صاعٌ.
وإن كان في البلد قوتان متساويان، لا يجوز أن يفرق الصاع؛ فيخرج نصف صاع من هذا، ونصف صاع من ذلك.
وكذلك إذا كان قوته الشعير، فلا يجوز أن يخرج نصف صاع حنطة، ونصف صاع شعيراً؛ كما في كفارة اليمين، لا يجوز أن يطعم خمسة، ويكسو خمسة.
ولو كان عبد بني اثنين في بلدين قوتهما، مختلف، ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما - قاله ابن سريج-: يخرج كل واحد منهما بقدر ملكه من غالب قوته، وقوت بلده.
والثاني - قاله أبو إسحاق-: لا يجوز التفريق، بل عليهما صاع من أدنى القوتين؛ لأن تفريق الصاع لا يجوز، ولو أوجبنا من أعلى القوتين؛ لتضرر به صاحب أدنى القوتين.
والثالث: يخرجان صاعاً من غالب قوت بلد العبد، وكذلك إذا كان العبد بعضه حراً، وبعضه رقيقاً، وقوت العبد والمولى مختلف.
ولو ملك عبدين وقوته الشعير؛ فأخرج عن أحدهما الحنطة، وعن الآخر الشعير، أو ملك نصفين من عبدين، وأخرج عن أحدهما نصف صاع بُرٍّ، وعن الآخر نصف صاع شعير - يجوز.
ولا يجوز أن يخرج في صدقة الفطر خبزاً، ولا دقيقاً ولا سويقاً؛ لأن الحب يصلح لما لا يصلح له الدقيق.
وكذلك لا يجوز إخراج القيمة.
وعند أبي حنيفة: يجوز كل ذلك.
ولا يجوز حب معيب ولا مسوس فإن كان قديماً لم يتغير طعمه ولونه، جاز.
ويستحب أن يخرج صدقة الفطر ليلة العيد أو يومه، قبل الخروج إلى صلاة العيد؛ لما روي عن ابن عمر قال: فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى صلاة.
ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "اغنوهم عن الطلب في هذا

اليوم" فإن أخر حتى خرج يوم العيد، عصى الله تعالى، وعليه القضاء.
ويستحب أن يقيمها بنفسه، فلو دفع إلى الأمام، أو طرحها إلى من يجمع عنده؛ ليفرقها - جاز.
ويجب على الولي إخراج صدقة فطر الصبي والمجنون من مالهما، ولو أخرج عنهما من مال نفسه عنه متطوعاً؛ نظر: إن كان أباً أو جداً، جاز، وجعل كأنه ملكه، ثم يولي عنه في الأداء.
وإن كان وصياً أو قيماً، لا يجوز إلا بإذن الحاكم، فإذا أذن، جعل كأنه يملك للصبي منهما، ثم أذن لهما في الإخراج.
ولو قال رجل لآخر: أد عني زكاة فطرتي؛ ففعل، جاز؛ كما لو قال: اقض ديني.
"باب صدقة التطوع" رُوي عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول".
صدقة التطوع أمر مندوب إليه، عظيم الأجر والثواب.

وروي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -:"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها؛ ما يربي أحدكم فلوه؛ حتى يكون مثل الجبل".
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".
وإخفاء صدقة التطوع أفضل؛ لقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271]. وروي عن ابن مسعود؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "صدقة السر تطفيء غضب الرب".
وذلك لأن الإخفاء أبعد من الرياء.
أما إعطاء الفرض فالإعلان به أفضل؛ ترغيباً

للناس فيه، ونفياً للتهمة عن نفسه بمنع الزكاة؛ كما أن الصلاة المكتوبة في المسجد بالجماعة أفضل، والتطوع في البيت.
ويجوز أن يدفع صدقة التطوع إلى الفقراء، والأغنياء، والكفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان: 8] قل نزلت في علي - رضي الله عنه- حين أطعم أسيراً حربياً.
ويجوز أن تدفع إلى أقاربه الذين تلزمه نفقتهم، وهو أولى من الدفع إلى الجانب.
روي عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، ألى أجر أن أنفق على بني أبي سلمة، إنما هم بني فقال: "أنفقي عليهم، ولك أجر ما أنفقت عليهم".
وقالت امرأة عبد الله بن مسعود لبلال: سل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتجزيء الصدقة عني على زوجي، وأيتام لي في حجري؟ فسأله فقال: "نعم لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".
ولا يجوز للرجل أن يتصدق صدقة التطوع؛ وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته، أو نفقة عياله؛ لما روي أبو هريرة؛ أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: "أنفقه على نفسك".
قال: عندي آخر.
قال: "أنفقه على ولدك".
قال عندي آخر قال: "أنفقه على أهلك".
قال: عندي آخر.
قال: "أنفقه على خادمك".
قال: عندي آخر.
قال: "أنت أعلم".

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت".
ولا يجوز أن يتصدق إلا بما يفضل عن دين إن كان عليه؛ لأنه حق واجب؛ فلا يجوز تركه بالتطوع.
فإن فضل عن حاجته، يستحب أن يتصدق به؛ لما روي عن جرير، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يتصدق الرجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره؛ حتى قال: ولو بشق مرة وهل يستحب للرجل أن يخرج عن جميع ماله؛ فيتصدق به؟ اختلف الأخبار فيه، روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى".
وروي أن الصديق - رضي الله عنه -خرج عن جميع ماله؛ فلم يُنكر النبي - صلى الله عليه وسلم-.

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماء: "تصدقي ولا توعي فيوعي الله عليك" وقال لبلال: "أنفق يابلال، ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً".
ووجه الجمع بين هذه الأخبار: أن الرجل إذا قويت نفسه، وتم يقينه؛ بحيث ألا يضطرب عليه حاله إذا أصابته فاقة - فالأفضل أن يتصدق بجميع ماله.
وكذلك كان حال الصديق، وبلال - رضي الله عنهما - وإن لم يكن له تلك القوة، فالأولى أن يتصدق عن ظهر غنى.
والله أعلم ومن يتصدق بشيء، وأخرجه في زكاة أوكفارة، ثم باعه المتصدق عليه - يكره للمتصدق أن يشتريه.
روي عن عبد الله بن عمر؛ أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله، ثم وجده يباع؛ فأراد أن يبتاعه.
فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -عن ذلك.
فقال: "لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك" ولأنه إذا علم أنه تصدق عليه، ربما يحابي معه في الثمن؛ فيكون كنم رجع في بعض صدقته.
فإن باعه المسكين من أجنبي؛ فاشتراه المتصدق من الأجنبي، أو اشترى وكيل المتصدق من المصدق ليه، ولم ين الوكيل معروفاً به - لم يكره، ولكن الأولى ألا يفعل.

جارٍ التحميل