التهذيب في فقه الإمام الشافعيكتاب الوكالة

روي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه أعطى عُروة بن الجعد ديناراً ليشتري له شاة للأضحية.

وروي أنه- عليه السلام- وكل عمرو بن أمية الضمري حتى قبل له نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان.
التوكيل؛ فيما تجري فيه النيابة من الأمور: جائز، وهو تفويضه إلى الغير؛ ليعمل له، جوز، لماس الحاجة إليه، فإن الإنسان قد يحتاج إلى شغل، وهو لا يحسنه، أو لا يتفرع إليه، لكثرة أشغاله، فجوز له أن يوكل فيه؛ فيجوز في عقود المعاملات من البيع، والابتياع، والسلف، والاستسلاف، والهبة، والاتهاب، والرهن، والارتهان، وفي فسخ العقود، والإقالة، وعقد الصلح، والإبراء، والحوالة من الجانبين، والضمان، والكفالة والشركة، والوكالة، وعقد القراض، والمساقاة، والإجارة، والجعالة، والإيداع، والإعارة، والأخذ بالشفعة، ويجوز في التزويج، وقبول النكاح، والرجعة، والخلع، والطلاق، والإعتاق، وعقد الكتابة، والوقف، ويجوز في الوصية وقبولها، ويجوز في الإقرار؛ وهو أن يقول: وكلتك لتقر عن فلان بكذا؛ على أصح الوجهين؛ لأنه إثبات مال في الذمة كالبيع؛ فإن أقر به الوكيل، لزم، وإلا فلا؛ كالصلح، ويجب أن يبين جنس ما يقر به الوكيل وقدره، لأنه يعظم الضرر في إطلاقه، ويكثر الغرر.
والوجه الثاني- وهو قول ابن سريج-: لا يصح؛ لأنه إخبار عن حق؛ فلا يقبل التوكيل؛ كالشهادة؛ فعلى هذا: هل يكون توكيله إقراراً منه؟ فيه وجهان: أحدهما- قاله صاحب "التلخيص" تخريجاً-: يكون إقراراً؛ لأن توكيله دليل على ثبوت الحق عليه.
والثاني- وهو الأصح عندي: لا يكون إقراراً؛ كالتوكيل بالإبراء: لا يكون إبراء.
فإن قلنا: يكون توكيله إقراراً، فلو قال: أقر لفلان عليَّ بشيء-: فيؤخذ بتفسير الموكل، ولو قال: أقر له عني، ولم يزد عليه-: فقد قيل: هو كما لو قال: أقر عني بشيء.
والمذهب: أنه لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يقل: أقر بالمال، أو بشيء آخر من فضل، أو

سخاوة، أو شجاعة؛ ألا ترى أنه لو قال لخصمه: أنا مقر لك، لا يلزمه شيء.
ويجوز التوكيل في الدعاوى، واستيفاء الحقوق، وإثباتها، ورد الأمانات، ويجوز في إثبات القصاص، وحد القذف، ولا يجوز في إثبات حدود الله تعالى؛ لأن الحق فيه لله، وقد أمر فيه بالستر والدرء.
ويجوز في استيفاء حدود الله تعالى؛ كالإمام: يأمر من يقيمه، والسيد يوكل من يقيم الحد على مملوكه.
ويجوز في استيفاء القصاص، وحد القذف بحضرة الموكل، وهل يجوز في غيبته؟ فيه قولان: أصحهما: يجوز؛ كما يجوز في حضرته.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الموكل ربما يعفو في الغيبة فيستوفيه الوكيل بعد عفوه، وهو لا يشعر، ولا يمكن تداركه.
والأول أصح؛ كما لو ثبت عليه القصاص بالبينة-: جاز استيفاؤه في غيبة الشهود، وإن احتمل رجوعهم؛ فهل يجوز التوكيل في تمليكه المباحات؛ كإحياء الموات، والاستقاء، والاحتطاب، والاحتشاش، والاصطياد؟ فعلى وجهين: أحدهما: لا يجوز؛ كالاغتنام، ولأن الملك فيه يحصل بالحيازة، والحيازة من الوكيل؛ فيكون الملك له.
والثاني: يجوز؛ لأنه تمليك مال بسبب؛ كالابتياع، والاتهاب.
ولا يجوز التوكيل في الأيمان، والنذور، والإيلاء، والظهار، واللعان، والقسامة؛ لأنها أيمان شرعت للزجر، وتتعلق بها الكفارة، فلا تجري النيابة فيها؛ كالعبادات: لا يجوز التوكيل في أدائها، ولا تجري النيابة فيها إلا الحج؛ فيجري فيه النيابة؛ لورود الخبر فيه.
ومن مات، وعليه صوم: يصوم عنه وليه على قوله في القديم.
ولا يجوز في تعليق الطلاق، وتعليق العتق، والتدبير، لأنها في معاني الأيمان، وكذلك: لو طلق إحدى امرأتيه لا يعينها، أو أعتق أحد عبديه، فوكل بالبيان والتعيين، أو أسلم عن أكثر من أربع نسوة، فوكل باختيار أربع منهن-: لا يصح.
ويجوز في تفريق الزكاة، والكفارات؛ كما يجوز في أداء الحقوق.

ومن لا يملك مباشرة عقد بنفسه: لا يصح منه التوكيل فيه، حتى لا يصح توكيل الصبي، والمجنون، والمحجور عليه في المال، ولا يصح التوكيل من السفيه، والعبد، والمرأة بالتزويج.
ولو وكل السفيه، أو العبد رجلاً بقبول النكاح له: يجوز بعد إذن الولي، والمولى لهما في النكاح؛ وهذا مطرد، إلا الأعمى؛ فإنه لا يبيع، ولا يشتري، ويوكل فيه؛ لأجل الضرورة، وكذلك: من لا يملك مباشرة عقد لنفسه: لا يجوز أن يكون وكيلاً لغيره في مثل هذا العقد؛ كالصبي، أو السفيه: لا يكون وكيلاً بالبيع والشراء؛ وكذلك: السفيه، والعبد، والمرأة: لا تكون وكيلاً في التزويج.
وكذلك: الفاسق إذا لم نُجوز تزويجه بالولاية- أما إذا وكل فاسقاً بقبول النكاح، يجوز.
وكذلك: لو وكل رجل عبداً، أو سفيهاً بقبول النكاح: يجوز، ولا يحتاج إلى إذن الولي والمولى على الأصح؛ بخلاف ما لو وكل عبداً بالبيع، أو الشراء: لا يجوز، إلا بإذن المولى؛ لأن العهدة في البيع تتعلق بالوكيل، وفي النكاح لا تتعلق بالوكيل عهدة، فهو كما لو وكل عبداً أو سفيهاً بالطلاق، يجوز من غير إذن المولى والولي، ولو وكل امرأة بتطليق زوجته: يجوز على أصح الوجهين؛ كالزوج: يفوض إليها تطليق نفسها؛ فيجوز.
وإذا وكل وكيلاً، يجب أن يبين ما يوكله فيه؛ حتى لو قال: أنت وكيلي في كل أموري، أو: في كل قليل وكثير: لا يصح.
ولو قال: وكلتك ببيع جميع مالي، وكان مغلوماً، أو قبض جميع ديوني، وهو معلوم: يجوز.
وكذلك لو قال: بع ما شئت من مالي، واقبض ما شئت من ديوني: جاز؛ لأنه إذا عرف ماله ودينه: عرف أقصى ما يبيع، ويقبض.
قال الشيخ الإمام: ولا يجوز بيع الكل، ولا قبض الكل.
ولو وكله بالصلح- نُظر: إن كان صلح معاوضة-: يجب أن يصالحه على ثمن المثل- بنقد البلد، كالبيع، وإن كان صلح حطيطة-: فهو كالإبراء؛ يجب أن يبين ما يصالحه عليه.
ولو وكله بإبراء خصمه: لم يجز؛ حتى يبين الجنس والقدر الذي يبرئ منه؛ فإذا علم جنس الدين وقدره، فقال: أبرئ فلاناً عن دين: له أن يبرئه عن الكل.
ولو قال: أُبرئه عن شيء من ديني: يبرئه عن قليل منه.

ولو قال: عما شئت: يبرئه عما شاء، ويبقي شيئاً.
ولو قال: اشتر لي شيئاً، أو قال: طعاماً، أو حيواناً، ولم يبين، أو رقيقاً، ولم يبين: لا يجوز؛ حتى يبين؛ أنه عبد، أو أمةٌ، ويبين نوعه؛ بأن يقول: عبداً تركياً، أو هندياً، وهل يشترط أن يقول: قيمته كذا؟ فيه وجهان: أصحهما- قاله ابن سريج-: لا يشترط، ويكون ذلك إذناً في أعاد ما يكون منه.
وقيل: يشترط أن يبين قدر الثمن، أو غايته؛ فيقول: عبداً تركياً بمائة، أو عبداً تُركياً من مائة إلى ألف، فإن ذكر الثمن، بأن قال: عبداً بمائة، ولم يذكر النوع: لا يصح.
وإن وكله لشراء دار: لا يجوز؛ حتى يبين المحلة، والسكة، أو شراء حانوت؛ حتى يبين سوقه، وفي بيان الثمن وجهان.
ولو وكل بالخصومة: لا يصح حتى يبين الخصم وما يخاصمه فيه؛ فإن عين أحدهما دون الآخر: لا يصح.
ويجوز التوكيل بالخصومة من غير رضا الخصم.
وعند أبي حنيفة وحده: لا يجوز من غير رضاه، إلا أن يكون للموكل عذر؛ بأن يكون مريضاً، أو امرأة مخدرة، أو يريد سفراً.
وبالاتفاق: يجوز التوكيل باستيفاء الحق من غير رضا من عليه؛ لأنه توكيل في خالص حقه؛ فلا يتوقف على رضا الخصم؛ كما لو وكل بالطلاق، واستيفاء الدين: لا يشترط رضا المرأة، ورضا من عليه الدين؛ فإذا وكل وكيلاً في شيء، لا يشترط أن يقول الوكيل بلسانه: قبلت، بل بمجرد قوله: وكلتك في كذا: يصير مأذوناً فيه واشتغاله بالعمل قبول، إلا أن يرده؛ فيقول: لا أفعل؛ فلا يكون وكيلاً.
ولفظ التوكيل ليس بشرط، بل إذا قال: بع مالي، أو افعل كذا-: كان مأذوناً، وامتثال الأمر لا يكون على الفور.
ولو علق الوكالة على أمر مستقبل؛ فقال: إذا قدم فلان، أو إذا جاء رأس الشهر، فأنت وكيلي في كذا: لا يصح؛ على الظاهر من المذهب؛ كما لا يصح تعليق البيع، والإجارة.
وقيل: كالوصية.
والأول أصح؛ لأن غرر الجهالة يمنع صحة الوكالة؛ فغرر التعليق يمنعها بخلاف

الوصية، فإن غرر الجهالة لا يبطلها، وكذلك غرر التعليق.
فإن قلنا: لا يصح؛ فلو تصرف الوكيل بعد وجود الشرط: يصح؛ لأن الإذن قائم مع فساد العقد؛ غير أنه إن كان قد سمى له جعلاً: سقط المسمى، ويجب أجر المثل؛ كالشرط الفاسد في النكاح: يفسد الصداق، ويوجب مهر المثل.
أما إذا عقد الوكالة في الحال، وعلق التصرف على شرط؛ بأن قال: وكلتك بأن تطلق امرأتي بعد شهر، أو تبيع مالي بعد كذا: يصح التوكيل، ولا يتصرف إلا بعد وجود الشرط.
وكذلك: لو قال: وكلتك بتطليق كل امرأة أنكحها، أو بيع كل عبد أشتريه، أو بإعتاقه- يصح.
أما إذا قال: إذا ملكت فقد وكلتك: فهو تعليق الوكالة.
ولو وكل رجلاً في أمر، ثم خرج الوكيل عن أن يكون من أهل ذلك التصرف؛ بجنون، أو إغماء؛ أو حُجر عليه بالسفه: بطلت الوكالة، وإذا أفاق، أو زال الحجر: لا يعود وكيلاً إلا بتوكيل جديد.
وكذلك: لو مات الموكل، أو جُنَّ، أو أغمي عليه، أو حُجر عليه بالسفه: انعزل وكيله.
ولو أمر عبده بعقد، ثم أعتقه، أو باعه، هل ينعزل؟ فيه وجهان؛ وكذلك لو وكَّل عبد غيره بإذن السيد، ثم أعتقه السيد، هل ينعزل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ينعزل؛ كما لو أمر زوجته بعقد، ثم طلقها.
والثاني: ينعزل؛ لأنه ليس بتوكيل في الحقيقة، وإنما هو أمر، وكذلك: يلزم امتثاله، وبزوال ملكه سقط أمره عنه.
ولو عزل الوكيل نفسه بعدما قبل الوكالة: ينعزل، ولو عزله الموكل في غيبته: ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه، على الصحيح من المذهب.
وفيه قول آخر: أنه لا ينعزل، إلا بعد بلوغ الخبر إليه.
ويجوز بيعه بعد العزل قبل العلم؛ وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه- كما أن حكم الفسخ لا يلزم العبد قبل بلوغ الخبر إليه.
والأول أصح؛ بخلاف الفسخ، لأن أمر الشرع وجب امتثاله واعتقاده، فلو ألزمناه حكم الفسخ قبل العلم: أدى إلى تحير المأمور فيما يعمله، أو يعتقده، بخلاف أمر العبد.

ولو وكل وكيلاً بمسألة الخصم؛ بأن سألت المرأة زوجها أن توكل بالطلاق، أو الخصم مسألة التوكيل، ففعل، ثم عزله: ينعزل.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا ينعزل.
ولو وكله، وقال: مهما عزلتك، فأنت وكيلي-: صح التوكيل، ويلغو الشرط؛ حتى لو عزله ينعزل.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: إذا عزله، تتجدد الوكالة.
ولو وكل رجلاً بالبيع: يملك الوكيل تسليم المبيع، وقبض الثمن على أصح الوجهين.
وكذلك: لو وكله بالابتياع، يملك قبض المبيع، وتسليم الثمن؛ على الأصح إن كان دفع إليه، لأن ذلك من قيمة العقد.
ولو وكله بالبيع إلى أجل: لا يملك قبض الثمن بعد الأجل، إلا بإذن جديد.
ولو وكله بتثبيت حق: لا يملك استيفاؤه.
ولو وكله باستيفاء دين له على إنسان، فأنكر الخصم: لا يملك الوكيل تحليفه، ولا إقامة البينة؛ على أصح الوجهين؛ لأنه وكله بالقبض لا بالتثبيت.
وقيل: له ذلك؛ لأن بالتثبيت يصل إلى القبض.
ولو وكله بالخصومة، قال الشيخ: يملك التحليف، وإقامة البينة، ولا يملك الاستيفاء.
ولو وكله بالخصومة، أو باستيفاء الدين: لا يملك الوكيل الصلح، ولا الإبراء؛ لأنه خلاف ما وكله فيه.
ولا يقبل إقرار الوكيل على الموكل؛ بأنه استوفاه أو أبرأه.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يقبل إقرار الوكيل على الموكل في مجلس الحُكم، إلا في دعوى النكاح، والطلاق، والقصاص، والعفو عنه؛ فنقيس على هذه المواضع؛ لأن إقراره على الموكل خلاف ما وكله فيه: فلا يقبل؛ كما في هذه الأشياء.
ولا يجوز للوكيل أن يوكل غيره بغير إذن الموكل، إذا كان ما وكل فيه أمراً يتولاه الوكيل بنفسه، لأن الموكل لم يرض بغيره؛ كما أن الوصي لا يجوز له أن يوصي إلى غيره، وإن كان أمراً لا يمكنه توليته بنفسه، فإن كان تجارة أو عقداً لا يحسنهما أو يترفع عن مثله من حمل متاع في وعائه: فله أن يوكل فيه؛ وكذلك: إذا كان مما يتولاه، إلا أنه لا يقدر

على جميعه؛ لكثرته-: جاز له أن يوكل فيما لا يقدر عليه؛ لأن توكيله فيما لا يقدر عليه إذن له في التوكيل.
وإذا كان لا يقدر على جميعه، فهل له أن يوكل في جميعه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه لما ملك التوكيل في بعضه-: ملكه في جميعه.
والثاني- وهو الأصح-: ليس له أن يوكل فيما يقدر عليه؛ لأنه غير عاجز عنه.
أما إذا كان أذن له الموكل في التوكيل-: جاز له أن يوكل، ثم نظر: إن عين، وقال: وكل فلاناً-: له أن يوكله، سواء كان أميناً، أو غير أمين، وإن لم يعين، بل أطلق الإذن-: فلا يجوز للوكيل أن يوكل إلا أميناً، فإذا وكل أميناً، ثم صار خائناً- هل له عزله؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ كما في الابتداء: لا يجوز أن يوكل إلا أميناً.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه أذن له في التوكيل، ولم يأذن له في العزل، ثم الموكل إن قال له: وكل عني، أو أطلق؛ فقال: وكل؛ فيكون الثاني وكيلاً من جهة الموكل-: يجوز للموكل عزل أيهما شاء، ولا يملك أحدهما عزل الآخر.
ولو قال له الموكل: وكل عن نفسك-: فالثاني وكيل من جهة الأول، فلو عزل الموكل الوكيل الأول-: ينعزل، ولو عزل الثاني-: ينعزل؛ على أصح الوجهين؛ كما ينعزل بجنون الموكل.
والثاني: لا ينعزل؛ لأنه ليس بوكيل من جهته، وإنما انعزل بجنون الموكل؛ لانعزال الأول.
ولو أن الوكيل الأول عزل الثاني-: ينعزل؛ كما ينعزل بجنونه وموته.
ولو وكله في التصرف، وقال له: اصنع ما شئت، فهل له أن يوكل؟ وجهان: أصحهما: لا.
وقوله: "اصنع ما شئت"- ينصرف إلى تصرفه.
ولو وكل نفسين في بيع، أو طلاق- نُظر: إن جعله إلى كل واحد منهما-: جاز لكل واحد منهما أن ينفرد به، وإن لم يجعل إلى كل واحد: لا ينفرد به أحدهما؛ لأنه لم يرض برأيه وحده.

وإن وكلهما بحفظ متاع، هل ينفرد أحدهما بحفظه؟ فيه وجهان: أصحهما: لا ينفرد؛ بل يجعلانه في حرز لهما.
وقيل: ينفرد به أحدهما؛ لأنه يشق اجتماعهما عليه، فإن كان مما ينقسم قسمين، فيحفظ كل واحد بعضه.
فصلٌ [في بيان أن التوكيل أمانة] المال في يد الوكيل- يكون أمانة: لو هلك في يده من غير تعد: لا ضمان عليه، فإن تعدى فيه؛ بأن وكله ببيع ثوب، فلبسه، أو دابة، فاستعملها: صار ضامناً، ولكن لا ينعزل عن الوكالة.
فلو باعه بعد التعدي: صح البيع، وإذا أخذ ثمنه: لا يكون الثمن مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعد فيه.
ولو دفع إليه دراهم ليشتري له بها شيئاً؛ فسلفها، أي: أخذها قرضاً لنفسه: صار ضامناً؛ فلو اشترى للموكل الطعام في الذمة، أو بعين مال نفسه: يقع للوكيل، ولا يصير للموكل إلا بعقد جديد منه.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يقع للموكل؛ بناءً على أصلين له؛ وهو: أن النقود لا تتعين عنده، وأن الملك يقع للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل؛ فلو خرج مال الموكل من يده، ثم عاد إليه، فاشترى به الطعام للموكل: صح الشراء للموكل، ولا يكون الطعام مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعد فيه.
ولو طلبه الموكل: رد ماله إليه [و] ليس للوكيل الامتناع؛ فإن امتنع من التخلية بينه وبين المال من غير عذر- صار ضامناً، فلو ادعى بعده تلفاً، أو رداً-: لا يقبل قوله؛ كالغاصب.
فصلٌ [في تصرفات الوكيل] إذا وكل ببيع شيء مطلقاً، فعلى الوكيل أني بيعه بنقد البلد حالاً بثمن المثل أو أكثر، فلو باعه بعرض أو بغير نقد البلد أو مؤجلاً أو بغبن فاحش: لا يصح البيع غير أنه لا يصير بمجرد البيع ضامناً للمال ما لم يسلم المبيع إلى المشتري؛ فإذا سلم: ضمن، والمالك بالخيار، إن شاء ضمن الوكيل، وإن شاء ضمن المشتري، فإن ضمن المشتري يضمنه كمال

قيمة العين، وإن ضمن الوكيل المذهب هذا- أيضاً-: يضمنه كمال الوكيل.
وقيل: يحط قدر الغبن اليسير، ثم الوكيل بعدما غرم يرجع على المشتري، والموكل يرجع بما حط عن الوكيل، وهو الغبن اليسير عن المشتري، فإذا استرد المبيع، ثم باعه بثمن المثل حالاً: صح البيع؛ لأن الإذن بالبيع لم يرتفع بالتعدي، ولو باع بغبن يسير-: يتغابن الناس بمثله؛ بأن باع ما يساوي عشرة بتسعة: صح البيع، وبثمانية: لا يصح.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يصح بيع الوكيل بالعرض، وبالغبن الفاحش وبالنسيئة.
فنقول: أخذ مصراعي البيع؛ فلا يلزم الموكل المطلق بالغبن؛ كما لو وكله بالشراء، فاشترى بالغبن: لا يلزم الموكل.
وعند أبي يوسف: يصح بالنسيئة وبالعرض، ولا يصح بالغبن.
ولو قال الموكل: بعه بكم شئت: فله أن يبيع بالغبن، ولا يجوز أن يبيع بالعرض ولا بالنسيئة.
ولو قال له: بعه بما شئت: يجوز أن يبيع بالعرض، ولا يجوز بالغبن ولا بالنسيئة.
ولو قال: بعه كيف شئت: يجوز بالنسيئة، ولا يجوز بالعرض ولا بالغبن.
وكان شيخي- رحمه الله- يقول: إذا قال: كيف شئت: يجوز بالعرض والغبن.
ولو وكله بالبيع مطلقاً، وفي البلد نقدان: يبيع بالغالب، فإن استويا في المعاملة: يبيع بما هو الأنفع للمالك، فإن استويا في النفع: باع بأيهما شاء: قال الشيخ: إن استويا في المعاملة: وجب ألا يصح التوكيل ما لم يبين؛ كما لو باع شيئاً بدراهم، وفي البلد نقدان مستويان: لا يصح؛ حتى يقيد بواحد منهما؛ فإن أذن له بنقد: لا يجوز أن يبيع بنقد آخر.
ولو باع الوكيل بيعاً صحيحاً: لا يجوز له تسليم المبيع قبل قبض الثمن؛ فإن سلم فللموكل أن يغرمه قيمته: إن كانت القيمة والثمن سواء، وإن كان الثمن أكثر: فلا يغرمه إلا القيمة، وإن كانت القيمة أكثر؛ بأن باعه بما يتغابن الناس بمثله: فهل نغرمه جميع القيمة أم نحط قدر الغبن؟ فيه وجهان: أحدهما: يحط؛ لأن البيع صح بذلك الثمن.

والثاني: لا بحط؛ بل نغرمه كمال القيمة، وهو الأصح؛ لأنه صار مضموناً عليه بالقيمة.
ثم الوكيل: إن أخذ الثمن بعدما غرم القيمة: دفع الثمن إلى الموكل، واسترد القيمة.
ولو وكله بأن يشتري شيئاً، فاشترى بغبن فاحش، أو بغير نقد البلد- نُظر: إن اشترى بعين مال الموكل: لا يصح الشراء، وإن اشترى في الذمة: يقع للوكيل، وعليه أداء الثمن من مال نفسه، وإن اشترى بغبن يسير: يتغابن الناس بمثله؛ مثل: إن اشترى ما يساوي عشرة بأحد عشرة: يصح، وإن اشترى باثني عشر: لا يصح.
ولو وكله ببيع شيء، فطلبه رجلان: أحدهما بثمن المثل، والآخر بأكثر: يجب أن يبيع بالأكثر، فإن باع ممن يطلب بثمن المثل: لا يصح، ولو طلبه واحد بثمن المثل، فباع منه، ثم جاء رجل آخر، وزاد عليه- نُظر: إن كان بعد التفرق عن مجلس البيع: لا يرد البيع الأول، وإن كان قبل التفرق: فقد قيل: لا يرد البيع الأول؛ لأن الثاني ربما لا يثبت على الزيادة.
والصحيح من المذهب: أنه يجب أن يرد الأول، ويبيع من الآخر.
فلو لم يبع، حتى رجع الثاني- نُظر: إن رجع قبل التمكن من البيع منه: فالبيع الأول مردود؛ فيحتاج إلى تجديد العقد مع الأول ومع غيره.
وإن عين الموكل زماناً للبيع أو مكاناً أو شخصاً للبيع منه: لا يجوز للوكيل أن يخالفه، فلو عين وقتاً، فقال: بعه في يوم كذا: لا يجوز أن يبيع قبله ولا بعده؛ لأنه قد يكون له حاجة في الوقت الذي عينه، فيوكل ببيعه، لا تكون تلك الحاجة في غيره.
ولو غيَّر المكان، وقال: بعه في مكان كذا، أو في سوق كذا، فباع في غيره- نُظر: إن كان له غرض في تعيين ذلك المكان؛ بأن كان الراغبون فيه أكثر، أو النقد فيه أجود: لا يصح بيعه في غير ذلك المكان، وإن استوى الموضعان: ففيه وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ لأنه خالف أمره، وقد يكون له غرض في تعيينه لا يطلع عليه.
ولو أطلق التوكيل بالبيع: يجب أن يبيع في ذلك البلد، فلو حمله إلى بلد آخر: صار ضامناً؛ لأنه مخاطر بالمال بإخراجه عن البلد، فلو باعه في تلك البلدة: يصح البيع، والثمن مضمون عليه؛ لأنه مخاطر به بمفارقة البلد.

وإذا وكل بالبيع: لا يجب تعيين من يبيع منه، فلو عين، وقال: بع من فلان: لا يجوز أن يبيع من غيره، ولو وكله بالبيع أو بالشراء مطلقاً: لا يجوز أن يبيع من نفسه، ولا أن يشتري من نفسه؛ وكذلك: لا يجوز أن يبيع أو يشتري من ابنه الطفل؛ لأنه يحتاج إلى الاستقصاء لولده، وفيه ترك النظر للموكل؛ كما يبيع من نفسه، ولأنه يتولى طرفي العقد على الموكل؛ كما لو وكله رجل ببيع عبد، ووكله رجل آخر بشرائه: لا يتولى الوكيل طرفي العقد عليهما، ولو باعه من أبيه أو ابنه البائع، أو وكله بشراء شيء، فاشتراه من أبيه، أو ابنه: هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحهما- وهو المذهب، وبه قال أبو يوسف ومحمد: يجوز؛ كما لو باع أو اشترى من زوجته أو مكاتبه أو صديقه.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يجوز؛ لأنه متهم بالميل غليهما.
وقيل: إذا باع من زوجته، أو الزوجة من زوجها، وقلنا: لا تقبل شهادة أحدهما للآخر: ففي جواز البيع منه وجهان؛ كالأب، وعلى هذا: المكاتب كالأب؛ لأن شهادته لا تقبل له، أما إذا أذن له في البيع من أبيه، أو ابنه البالغ: يجوز أن يبيع منهما، ولا يجوز من غيرهما، ولو أذن له في البيع من نفسه: لا يجوز، ولو أذن له في البيع من ابنه الطفل.
قال الشيخ: وجب أنه يجوز؛ لأنه إذا نظر لولده فقد رضي به الموكل، ويتولى طرفي العقد؛ كما لو باع مال نفسه من ابنه الطفل.
ولو أمره بالبيع بجنس من الثمن: لا يجوز أن يبيع بجنس آخر؛ حتى لو قال: بعه بعشرة دراهم، فباعه بعشرة دنانير: لا يصح، ولو باعه بعشرة دراهم ودينار أو بعشرة دراهم وثوب: ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه عدل إلى عير جنس ما أمر به، ولأن الثمن يتوزع على المبيع، فيكون بعض المتاع مبيعاً بغير جنس ما أمر به.
والثاني: يجوز؛ لأنه حصل مقصوده، وزاده خيراً؛ كما لو قال: بعشرة دراهم، فباعه بأكثر: يجوز، ولو باعه بأقل: لا يجوز.
ولو قال: بعه بعشرة، ولا تزدعليها: لا يجوز أن يبيع بأكثر.
ولو عين المشتري، فقال: بع من فلان بعشرة، فباع منه-: لا يجوز بأكثر، ولو قال:

بعه بعشرة دراهم، ولا تبع بخمسة عشر: يجوز أن يبيع بأكثر من عشرة إلى خمسة عشر وهل يجوز بأكثر من خمسة عشر؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه لم ينه عنها.
والثاني- وهو الأصح: لا يجوز؛ لأنه لما نهى عن أن يزيد خمسة: ففي الأكثر أولى، وكذلك: لو وكله بالشراء، فقال: اشتر عبد فلان بعشرة دراهم: يجوز أن يشتري بأقل، ولا يجوز بأكثر.
ولو قال: اشتر بعشرة، ولا تشتر بخمسة: يجوز أن يشتري بعشرة فما دونها إلى خمسة، ولا يجوز بخمسة، وفيما دونها وجهان.
ولو وكله ببيع فاسد: لا يملك الفاسد ولا الصحيح.
ولو أذن له في البيع إلى أجل: يجب أن يبين الأجل، وإن لم يبين الأجل: لا يصح التوكيل؛ لأن الآجال تختلف، فلو سمى أجلاً، فباعه بأجل أطول: لا يصح؛ كما لو قال: بعه حالاً، فباعه مؤجلاً: لا يصح.
ولو باعه حالاً بالنقد- نُظر: إن باعه بثمن النقد-: لا يصح، لأن ثمن النقد يكون أقل، وإن باعه بثمن النسيئة- نُظر: إن كان في وقت لا يأمن فيه من نهب أو سرقة-: لا يصح، وإن كان في وقت مأمون فيه: فعلى وجهين، قال الشيخ: وكذلك لو سمى له أجلاً، فباعه بأجل دونه: فهو كما لو باعه حالاً.
أصحهما: يجوز؛ لأنه زاده خيراً.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه قد يكون له غرض في التأجير بألا يتلف، ولا يطمع فيه.
ولو وكله بشراء شيء، ودفع إليه ألفاً، فقال: اشتر في الذمة، وانقد هذا في ثمنه، فاشترى بعينها، أو قال: اشتر بعينها، فاشترى في الذمة: لا يجوز؛ لأن الحمك فيها يختلف، فإن العين ترد بالعيب، فيفسخ البيع، والمشتري في الذمة يدعيه الوكيل لنفسه، وإن لم يدع، فيشغل ذمة الموكل، وهو لم يرض بشغل ذمته.
ولو دفع إليه ألفاً، وقال اشتر لي عبداً، ولم يقل: بعينها: ففيه وجهان: أحدهما: عليه أن يشتري بعينها.
والثاني: هو مخيرٌ: إن شاء اشترى بعينها، وإن شاء في الذمة ونقد فيه الألف؛ لأنه لم يعين عليه واحداً منهما.
ولو قال: اشتر إلى أجل؛ فاشتري حالاً: لا يصح؛ لأنه يتوجه عليه المطالبة في الحال.

ولو قال: اشتر حالاً فاشتري نسيئة إلى أجل- نظر: إن اشتراه بثمن النسيئة: لا يصح؛ لأنه لا يكون أكثر، وإن اشتراه بثمن النقد: فعلى وجهين: قال- رضي الله عنه: الأصح جوازه، وكذلك: لو وكل مطلقاً بالشراء، فاشترى نسيئة بثمن النقد: يجوز؛ لأنه لا ضرر عليه، وإن أراد فراغ ذمته: أمكنه التعجيل، ولا يجوز للوكيل بالبيع أن يشترط الخيار للمشتري، ولا الوكيل بالشراء أن يشترط الخيار للبائع؛ لأنه لا حظ للموكل فيه؛ فلا يجوز من غير إذنه؛ كالأجل، وهل يجوز أن يشترط لنفسه أو للموكل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن إطلاق البيع يقتضي بيعاً بلا شرط.
والثاني: يجوز؛ لأنه احتياط للموكل.
ولو وكل رجلاً؛ ليشتري له عبداً، فاشترى غيره- نُظر: إن اشترى بعين مال الموكل: لم يصح، وإن اشترى في الذمة: يقع للوكيل؛ سواء سمى الموكل ولم يسمه.
وقيل: إن سماه: لم يصح العقد؛ فكما بطلت التسمية- بطل العقد.
والأول أصح، وهذا بخلاف ما لو وكله ليقبل له نكاح امرأة بعينها، فقبل نكاح غيرها: لا يصح للوكيل؛ لأن غبن الزوج مقصود، وكذلك لو شرطنا تسميته؛ كالثمن في البيع، وغبن المشتري غير مقصود، ولذلك: لا يشترط تسميته؛ فجاز أن يقال: إذا لم يصح للموكل: يقع للوكيل عند عدم تسمية الموكل.
ولو وكله رجل ببيع عبد، ووكله آخر بشرائه: لا يجوز أن يتولى طرفي العقد؛ بل يتولى من أيهما شاء، ويتولى عن الآخر غيره؛ وكذلك: لو وكله رجل بالخصومة عنه، ووكله خصمه بالجواب: لا يتولى عنهما؛ لأنهما متضادان، بل يتولى عن أيهما شاء.
ولووكل عبداً ليشتري له نفسه من مولاه، أو وكله ليشتري له شيئاً آخر من مولاه: ففيه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو وكله؛ ليشتري له [شيئاً من غير مولاه].
والثاني: لا يجوز؛ لأن يد العبد يد المولى؛ كما لو وكل رجلاً؛ ليشتري له من نفسه شيئاً: لا يصح.
ولو وكله ليشتري له عبداً، أو وكله] ببيع عبد: لا يجوز أن يشتري أو يبيع مبعضاً؛ بل يشتري جميعه صفقة واحدة؛ لأن في التبعيض إضراراً بالموكل.

ولو وكله ببيع أعبد، أو شراء أعبد: جاز أن يعقد على واحد واحد؛ لأنه لا ضرر عليه؛ فإن وكله بأن يشتري صفقة واحدة: لم يجز التفريق، وإن وكله بأن يشتري خمسة أعبد صفقة واحدة، فابتاعهم من اثنين صفقة واحدة، فعلى وجهين: أحدهما: يجوز؛ لأنه اشتراهم صفقة واحدة، كما لو اشترى من واحد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين عقدان؛ كما لو اشترى بصفقتين.
ولو وكله ببيع ثلاثة أعبد مطلقاً: جاز بيعهم صفقة واحدة، وبثلاث صفقات.
ولو وكله ببيع ثلاثة أعبد بألف؛ فباع واحداً منهم بأقل من ألف: لا يصح؛ لأنه قد لا يشتري الباقيين بما بقي من الألف.
ولو باع واحداً منهم بألف: جاز، ثم هل له بيع الآخرين؟ ففيه وجهان: أصحهما: يجوز؛ لأنه رضي ببيع الجميع.
والثاني: لا يجوز؛ لأن مقصوده تحصيل الألف، وقد حصل ببيع واحد.
ولو دفع ديناراً إلى رجل ليشتري له شاة، فاشترى شاتين- نُظر: إن كان كل واحدة منهما لا تساوي ديناراً: لم يصح للموكل، وإن كان كل واحد يساوي ديناراً: ففيه قولان: أصحهما: يصح للموكل، كما لو أمره أن يبيع شيئاً بدرهم، فباع بدرهمين.
والثاني: الموكل بالخيار.
إن شاء أمسكهما، وإن شاء أمسك إحداهما بنصف دينار، ورد الأخرى إلى الوكيل، وأخذ منه نصف دينار، إن كان الوكيل قد اشترى في الذمة، وإن اشترى بعين مال الموكل: فالبيع في الأخرى باطل؛ فإن صححنا الشراء فيهما للموكل، فباع الوكيل إحداهما دون إذنه بدينار: لا يصح على القول الجديد.
وفي القديم: يتوقف على إجازة الموكل؛ لما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دفع ديناراً إلى عروة البارقي؛ ليشتري له شاة، فاشترى شاتين، فباع أحدهما بدينار، وأتى النبي- صلى الله عليه وسلم- بشاة ودينار، فدعا له النبي- صلى الله عليه وسلم- بالبركة؛ فكان لو اشترى تراباً لربح عليه".
فصلٌ أحكام العقد في البيع والشراء: تتعلق بالوكيل؛ مثل تسليم رأس مال السلم، وبدل الصرف، وخيار المكان؛ حتى يلزم بمفارقة الوكيل مكان العقد، ولا يلزم بمفارقة الموكل،

ولو وكله بشراء عبد موصوف غير معين: يجب أن يبتاعه سليماً من العيوب؛ بخلاف العامل في القراض: يجوز له [أن] يبتاع السليم والمعيب؛ لأن القصد من القراض: طلب الربح، وقد يكون في ابتياع المعيب ربح وفضل.
والقصد من التوكيل في الابتياع: أن يبتاع ما يقتنيه ويدخره، ولا يقتني إلا السليم؛ فلو اشترى عبداً معيباً علم به: لا يصح للموكل، وإن كانت قيمته مع ذلك العيب أكثر من ثمنه.
وإن اشتراه جاهلاً بالعيب، ثم علم به: له أن يرده بالعيب، فإن رضي به سقط حقه من الرد، فإن حضر الموكل ورضي به: كان له، وإن لم يرض، وأراد الرد: نُظر: إن كان الوكيل قد سماه في الابتياع، أو نواه، وصدقه البائع أنه ابتاعه لفلان: فللموكل الرد؛ لأن الشراء وقع له، وهو لم يرض به.
وإن لم يسمه الوكيل، ولم يصدقه البائع أنه نواه له لزم الوكيل، ولو لم يرض به الوكيل، فأراد رده قبل حضور الموكل، فقال البائع: أخر الرد، حتى يحضر الموكل، فربما يرضى به: فللوكيل أن يرد؛ لأن حق الرد على الفوز؛ فربما لا يرضى به الموكل، فيلزمه، فلو رده الوكيل، ثم حضر الموكل، ورضي به: لا يكون له إلا بعقد جديد، فلو أخر الوكيل الرد على رضا الموكل؛ كما يقول البائع؛ فإن حضر، ورضي به: كان له، وإن لم يرض: لزم الوكيل، ولا رد له؛ لتأخيره الرد مع الإمكان.
وقيل: له الرد؛ لأنه لم يرض بالعيب، وهو ضعيف.
ولو رضي به الموكل قبل علم الوكيل أو بعده: كان للموكل، ولا رد للوكيل، بخلاف العامل في القراض، إذا وجد بما اشترى عيباً: له رده، وإن رضي به رب المال؛ لأن للعامل حظاً في ربحه، فلو أراد الوكيل الرد، فقال البائع: لا ترده، فلعل موكلك قد بلغه الخبر، ورضي به: فله الرد بلا يمين، لأن البائع لا يدعي شيئاً يقيناً، إنما ظن ظناً، فإن قطع، وقال: قد رضي به الموكل: فلا رد لك، وأنكر الوكيل: حلف الوكيل لا يعلم أن موكله رضي به، وإنما حلفناه؛ لأنه لو أقر لزمه حكم إقراره؛ فإذا حلف رده، وإذا نكل حلف البائع لقد رضي به الموكل؛ فيسقط الرد، ثم إذا حضر الموكل، وأقر بالرضا: أخذه، وإن أنكر الرضا: لزم الوكيل، ولا رد له، لأنه أبطل حقه بالنكول.
فإذا حلف الوكيل ورد السلعة، ثم حضر الموكل وقال: كنت رضيت بها معيبة قبل رد الوكيل.

قال ابن سريج: كان له استردادها من البائع؛ لأن البائع قد ادعى رضاه، وصدقه عليه الموكل.
ولو وكل في شراء سلعة بعينها، فاشترى، ثم وجد بها عيباً، فهل للوكيل أن يرد بغير إذن الموكل؟ فيه وجهان: أحدهما: يرد؛ كما يرد السلعة الموصوفة.
والثاني: لا يرد من غير إذن الموكل؛ لأنه قطع اجتهاده بالتعيين.
قال الشيخ- رحمه الله-: هذا كله، إذا اشترى بثمن في الذمة، فإن اشترى بعين مال الموكل، ولم يرض الموكل: رده، والعقد لا يلزم الوكيل، وإن كان قد عين الموكل المبيع والثمن جميعاً؛ فقال: اشتر لي عبد فلان بثوبي هذا، أو بهذه الدراهم بعينها، فاشترى بها: لم يكن للوكيل رده بالعيب.
ولو وكله بشراء عبد، فاشترى أبا الموكل: صح، وعتق على الموكل؛ لأنه وكله بتمليكه عبداً، وقد فعل، والعتق أمر حدث في ملك المشتري، ولو اشترى أبا الموكل، وهو معيب: فللوكيل رده؛ لأنا لا نعتقه على الموكل قبل الرضا بالعيب.
ولو وكل ببيع شيء فباعه، فوجد المشتري به عيباً: فإن لم يعلمه المشتري وكيلاً، بل ظن أنه يبيع ملك نفسه: رده على الوكيل، وإن علمه وكيلاً: فإن شاء رده على الموكل، وإن شاء رده على الوكيل، ثم الوكيل يرده على الموكل، فإن كان العيب مما يمكن حدوثه عند المشتري فصدقه الوكيل أنه حدث في يد الموكل، ولم يصدقه الموكل: رده على الوكيل، ولا يرد الوكيل على الموكل.
ولو وجد المشتري به عيباً، فهل يجوز للوكيل أني حط بعض الثمن لأجل العيب؟ ذكر ابن سريج فيه قولين: أحدهما: لا، وللمشتري الخيار بين أن يخير بجميع الثمن أو يرد.
والثاني: يجوز؛ كما لو باع في الابتداء بذلك القدر: يجوز.
وإذا اشترى شيئاً بوكالة الغير: فالملك لمن يقع؟ فيه وجهان لابن سُريج:

أصحهما: للموكل؛ كما لو قبل للغير النكاح بالوكالة: يقع العقد للموكل؛ يدل عليه: أنه لو وكله بشراء عبد، فاشترى الوكيل أبا نفسه: لا يعتق عليه.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة، - رحمة الله عليه-: يقع للوكيل، ثم ينتقل للموكل بخلاف النكاح؛ فإنه لا يقبل النقل من ملك إلى ملك، وملك اليمين يقبل النقل.
ولو وكل وكيلاً بشراء شيء في الذمة، فهل للبائع مطالبة الوكيل بالثمن؟ نُظر: إن لم يعلمه وكيلاً من جهة الغير: له مطالبته بالثمن، وإن علمه وكيلاً من جهة الغير: ففيه أوجه: أحدها: يطالب الوكيل؛ لأنه عقد معه، ولم يكن له مطالبة الموكل.
والثاني: يطالب الموكل؛ لأن الملك وقع له.
والثالث: له أن يطالب أيهما شاء، وهو الأصح؛ فالوكيل كالضامن، والموكل كالمضمون عنه؛ فللمضمون له أن يطالب أيهما شاء، فإن أخذ من الوكيل: رجع الوكيل على الموكل، وإن أخذ من الموكل: لا يرجع على الوكيل؛ كالضامن مع المضمون عنه، ولو وكله ببيع شيء، وأخذ ثمنه، فباعه، ثم خرج المبيع مستحقاً بعدما تلف الثمن: رجع المشتري على الوكيل بالثمن الذي دفع إليه، ثم الوكيل يرجع على الموكل؛ لأن العهدة عليه.
ولو دفع إليه عشرة دنانير؛ ليشتري له بعينها عبداً، فاشترى، ثم تلفت العشرة قبل تسليمها إلى البائع: انفسخ العقد، ولا غُرم على الوكيل، ولو تلفت قبل الشراء: انعزل الوكيل.
ولو وكله ليشتري في الذمة، وينقد العشرة في ثمنه، فتلفت العشرة في يد الوكيل بعد الشراء: لا ينفسخ العقد، ثم فيه وجهان: أحدهما: العقد يلزم الوكيل، وعليه الثمن من عنده.
والثاني: يجب على الموكل الثمن؛ لأن العقد ملزم وقع له.
ولو تلفت العشرة قبل الشراء، ثم اشترى: فعلى هذين الوجهين: أحدهما: يقع العقد للوكيل، وعليه الثمن.
والثاني: يقع للموكل، وعليه الثمن.
ولو وكل رجلاً ببيع شيء، فباعه ثم رده عليه بعيب، أو وكله ببيع شيء بشرط الخيار، فباعه، ثم فسخ البيع: لا يجوز له أن يبيع ثانياً؛ لأنه كان وكيلاً بالبيع الأول، فإذا باع صار معزولاً.

وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يجوز أن يبيعه ثانياً.
فصلٌ في الاختلاف إذا كان في يده مال لغيره، وادعى رده إلى مالكه: هل يقبل؟ نُظر: إن كان مضموناً عليه؛ كالمغصوب والمستام والمستعار: لا يقبل قوله؛ بل القول قول المالك مع يمينه؛ لأن يد هؤلاء يد ضمان، والأصل بقاء الضمان، وإن كان أمانة في يده- فلا يخلو-: أما إن ادعى الرد على من ائتمنه أو على غير من ائتمنه؛ فإن ادعى الرد على من ائتمنه: فهو على أضرب: أحدها: أن يكون أخذه لمنفعة الدافع؛ كالمودع والوكيل بلا جعل، إذا ادعيا الرد، وأنكر المالك: فالقول قولهما مع يمينهما؛ لأنهما أمينان، والأصل بقاء أمانتهما.
الضرب الثاني: أن يأخذه لمنفعة مشتركة بينه وبين الدافع؛ كالأجير المشترك على قولنا: إن يده يد أمانة، والعامل في القراض والوكيل بالجعل، هل يقبل قولهم في الرد؟ فيه قولان: أحدهما: لا بل القول قول الدافع مع يمينه؛ لأن الآخذ أخذه لمنفعة نفسه، وهو حصول الأجرة له.
والثاني: القول قول من يدعي الرد؛ لأن أخذ هؤلاء لمنفعة المالك، وحصول الأجر، ولهم بعملهم فانتفاعهم بالعمل في العين.
أما العين: فلا منفعة لهم فيها بخلاف المرتهن والمستأجر: إذا ادعيا الرد اختلف أصحابنا فيه.
قال العراقيون: القول قول المالك مع يمينه؛ لأن المرتهن والمستأجر أخذاه لمنفعة أنفسهما؛ كالمستعير.
وقال الخراسانيون من أصحابنا: القول قولهما مع يمينهما؛ لأنهما أمينان كالمودع.
قال الشيخ: هذا إذا قلنا في القسم الثاني: يقبل قولهم: فإن قلنا في القسم الثاني: لا يقبل قولهم، مع كون المنفعة مشتركة: فههنا: أولى ألا يقبل مع كون المنفعة خاصة لمن يدعي الرد.
أما إذا ادعى الرد على غير من ائتمنه؛ كالوصي والقيم، إذا ادعيا دفع المال إلى اليتيم

بعد البلوغ: لا يُقبل قوله؛ هذا هو المذهب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [ألنساء: 6]، ولو كان قوله مقبولاً: لم يأمر بالإشهاد.
وقيل: يقبل قوله؛ لأنه أمين؛ كما يقبل قوله في قدر ما أنفق وليس بصحيح.
والمذهب الأول؛ بخلاف قدر ما أنفق؛ لأن الإشهاد على قدر ما ينفق عليه كل ساعة تشق عليه؛ فسقط عنه، وقُبل قوله، وكذلك: الملتقط الذي أخذ اللقطة بنية التعريف، أو من ألقت الريح ثوباً في حجره، إذا ادعى الرد: لا يُقبل قوله، هذا هو المذهب؛ لأنه يدعي الرد على غير من ائتمنه، ثم كل من قبلنا قولنا من هؤلاء في الرد: هل له أن يمتنع من الرد إلا بالإشهاد، سواء كان على الآخذ شاهد، أو لم يكن؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له الامتناع؛ لأن قوله مقبول في الرد.
والثاني: له ذلك؛ دفعاً لليمين عن نفسه.
أما من لا يقبل قوله في الرد- نُظر: إن كان على الآخذ شاهد: له أن يمتنع من الرد بالإشهاد، وإن لم يكن على الآخر شاهد: فعلى وجهين.
أصحهما له ذلك؛ لأن قوله في الرد غير مقبول.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه يمكنه أن يقول في الإنكار: لا يلزمني تسليم شيء إليك، حتى يقبل قوله.
وكذلك المديون إذا امتنع عن أداء الدين إلا بالإشهاد: إن كان على الدين شاهد: له ذلك؛ وإلا فعلى وجهين.
فصلٌ ولو أن رجلاً دفع مالاً إلى رجل؛ ليدفع إلى غيره قضاء عن دينه، فاختلفا، فقال الوكيل: دفعته إليه، وأنكر رب الدين: لا يقبل قول الوكيل على رب الدين؛ لأنه لم يأتمنه، بل القول قول رب الدين، مع يمينه، فإذا حلف- رجع على الموكل، ولا يرجع على الوكيل؛ لأنه لا شيء له على الوكيل، ثم الموكل هل له أن يرجع على الوكيل بما دفع إليه؛ لترك الإشهاد على الدفع إلى رب الدين؟ نُظر: إن كان الوكيل دفع إلى رب الدَّين بحضرة الموكل: ليس له أن يرجع على الوكيل؛ لأن الاستيثاق بالإشهاد كان على الموكل؛ نظراً لنفسه.

وقيل: يرجع عليه وإن دفع بحضرته؛ لأن ترك الإشهاد سبب الضمان؛ فلا يسقط بحضور الموكل؛ كما لو أتلف ماله، وهو حاضر يضمن، والأول أصح.
وإن كان الوكيل دفع بغيبة الموكل: فللموكل أن يرجع على الوكيل بما دفع إليه؛ لأنه كان يجب على الوكيل حفظ النظر للموكل بالإشهاد، وإن كان الموكل يصدقه في الدفع، فقال أبو الطيب بن سلمة: إن كان يصدقه في الدفع: فليس له أن يضمنه؛ لأنه مقر أنه أتى بما أمر به، والأول المذهب، وإن كان قد أشهد على الدفع إلا أن الشهود ماتوا أو غابوا أو جُنُّوا: فليس للموكل أن يرجع على الوكيل؛ لأنه أتى بما عليه من الاحتياط.
وإن أشهد مشركين أو عبدين أو فاسقين: فهو كعدم الإشهاد؛ فللموكل أن يرجع عليه، وإن أشهد شاهداً واحداً: ففيه وجهان: أحدهما: يرجع عليه؛ لأن الشاهد الواحد ليس بحجة كاملة.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه يمكنه أن يحلف معه؛ فيكون حجة كاملة.
ولو أمره بإيداع مال عند رجل؛ فهل يلزمه الإشهاد؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ لأنه لا يؤمن جحوده؛ كما لو أمره بقضاء دينه.
والثاني: لا يلزمه؛ لأن قول المودع مقبول في الهلاك، والرد؛ فلا فائدة في الإشهاد.
فإن قلنا: يلزمه الإشهاد، فلم يشهد، وحجة المدفوع إليه: فللموكل أن يرجع على الوكيل ويغرِّمه.
وخرج ابن سريج قولاً آخر- وبه قال أبو حنيفة- رحمة الله عليه: أن الوكيل إذا ادعى الدفع: يقبل قوله على الموكل، وإن لم يقبل على المدفوع إليه؛ لأن المدفوع إليه: لم يأتمنه، والموكل قد ائتمنه؛ كما لو ادعى رده إلى الموكل: يقبل قوله، وإن لم يشهد.
والأصح: أنه لا يقبل قوله على الدافع إلا ببينة؛ لأن الموكل أمره بالدفع- إلى من لم يأتمنه؛ فمقتضاه: أن يشهد، وعلى هذا: كل ما جُعِل إلى الوكيل من بيع أو هبة أو طلاق أو عتق أو صلح أو إبراء، فقال الوكيل: قد فعلت، وأنكر الموكل: نُظر: إن كان بعدما عزله الموكل: لا يقبل قوله؛ لأنه لا يملك المباشرة.
وإن كان قبل عزله: ففيه وجهان: أصحهما: لا يُقبل قول الوكيل إلا ببينة.

وعلى قول ابن سريج: يقبل؛ لأنه أمين.
وفيه وجه ثالث: أن ما كان الإقرار به كإيقاعه؛ مثل؛ أن يقول: طلقت أو أعتقت أو أبرأت أو عفوت: يقبل قوله، وما لا يتم به وحده؛ كالبيع، وقبض الثمن، ودفع المال إلى فلان: لا يقبل قوله إلا ببينة، أو أكذبه الموكل، وعلى هذا: لو وكله باستيفاء دينه، فقال: استوفيت، وأنكر الموكل: لا يقبل قول الوكيل على الأصح.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله- القول قول الوكيل في جميع ذلك إلا في النكاح؛ فإن الوكيل إذا قال: فعلت، وأنكر الموكل: فالقول قول الموكل؛ لأن النكاح لا يُعقد إلا بشاهدين.
فصلٌ [فيما لو وكل يُقبض الدين] إذا كان له على رجل دين، أو في يده عين، فوكل رجلاً بقبضه، فجاء الوكيل- نُظر: إن صدقه المطلوب منه، ودفع إليه- جاز، ثم إذا حضر الموكل، فأنكر التوكيل-: فالقول قوله مع يمينه؛ أنه لم يوكله، فإذا حلف: فإن كان ذلك عيناً، وهي قائمة: أخذها الموكل، وإن كانت تالفة: فالموكل بالخيار: إن شاء غرم الوكيل، وإن شاء غرم الدافع، وأيهما غرمه: لا رجوع له على الآخر؛ لأنه مقر أنه مظلوم.
وإذا كان ديناً: فالموكل لا يغرم الوكيل؛ لأنه لم يأخذ شيئاً من ماله بزعمه؛ بل يغرم الدافع، ولا رجوع للدافع على القابض.
أما إذا كان المطلوب منه دفع المال إليه من غير أن يصدقه صريحاً؛ فإذا حلف الموكل، وغُرم الدافع: له أن يرجع على القابض، ديناً كان أو عيناً، أما إذا امتنع المطلوب منه عن دفع المال إلى الوكيل بعد تصديقه: نص على أنه لا يلزمه الدفع إليه، ونص فيما لو قال: لفلان عندي أو عليَّ كذا، وقد مات، وهذا وارثه: أنه يلزمه الدفع إليه؛ فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين: أحدهما: يلزمه الدفع إلى الوكيل والوارث جميعاً؛ لأنه مقر أنه يبرأ بالدفع إليه.
والثاني: لا يلزمه إلا ببينة؛ لأنه لم يأمن من إنكار الموكل وكالته، وأن يبين من كان يظن موته حياً.

والصحيح: الفرق بينهما، وهو أنه لا يجب الدفع إلى الوكيل، ويجب إلى الوارث؛ لأن بزعمه يقع اليأس من عود الميت وانتقال الملك إلى الوارث، ولم يقع اليأس من حضور الموكل، وإنكاره وكالته.
ولو قال: مات فلان، وله عندي كذا، وهذا وصيه: فهو كما لو قال: هذا وارثه: يلزمه الدفع إليه؛ على الأصح.
ولو جاء رجل وقال: أحالني صاحب الحق عليك، فصدقه: هل يلزمه الدفع إليه؟ فيه وجهان: أصحهما: يلزمه؛ لأنه أقر بانتقال الحق إليه؛ كالوارث.
والثاني: لا يلزمه، لأنه ربما ينكر صاحب الحوالة؛ كالموكل، ينكر الوكالة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: يجب الدفع إلى الوكيل، إن كان ديناً، وإن كان عيناً: فلا يجب؛ لأن في الدين: أقر بثبوت المطالبة له في ماله، وفي العين: يقر في مال الغير؛ فلا يقبل، وقال: لا يجب الدفع إلى الوصي، ديناً كان أو عيناً، ويجب إلى الوارث.
قال الشيخ: إذا أوجبنا الدفع إلى الوارث والوصي، أو دفع بنفسه، وصدقه، ثم بان المالك حياً، وغرم الدافع: له أن يرجع على المدفوع إليه؛ بخلاف الوكيل: لا يرجع إليه الدافع؛ لأنه صدقه على الوكالة، وإنكار رب المال لا يرفع تصديقه حقيقة؛ لأنه يحتمل أنه وكله ثم أنكر، وههنا: ظهور المالك حياً يرفع تصديقه حقيقة، والحوالة كالوكالة.
فأما إذا أنكر المطلوب منه الحق، أو الوكالة- نُظر: إن كان الوكيل مأذوناً في إقامة البينة، أو جوزنا له إقامة البينة عند إطلاق التوكيل، فأقامها: يجب على المطلوب منه تسليم المال إليه، فإن لم يكن للوكيل بينة، هل له تحليف المطلوب منه أم لا؟ هذا يبنى على أنه لو صدقه هل يجب تسليم المال إليه؟ إن قلنا: يجب: فله تحليفه، لعله يخاف من اليمين، فيصدقه.
وإن قلنا: لا يجب: فهذا يبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة إقامة البينة من المدعي أم بمنزلة الإقرار من المدعى عليه؟ إن قلنا: بمنزلة الإقرار: ليس له تحليفه.
وإن قلنا: بمنزلة البينة: له تحليفه رجاء أن ينكل؛ فيحلف الوكيل ويأخذ المال.

فصلٌ في الاختلاف بين الموكل والوكيل في الوكالة وصفتها.
إذا ادعى على رجل أنه وكله في تصرف، وأنكر المدعى عليه: فالقول قوله مع يمينه، وكذلك: لو اتفقا على الوكالة، واختلفا في صفتها بأن قال الوكيل: وكلتني ببيع ثوب، فقال الموكل: وكلتك ببيع عبد، أو قال: وكلتك ببيع بألفين، فقال: بل وكلتني بالبيع بألف: فالقول قول الموكل مع يمينه.
ولو وكله ببيع شيء، فباعه الوكيل مؤجلاً، ثم اختلفا؛ فقال الموكل: أمرتك بالبيع حالاً، وقال الوكيل: بل مؤجلاً، نُظر: إن صدق المشتري الموكل: يجب عليه رد المبيع، وإن كذبه: فالقول قول الموكل؛ يحلف ما وكله إلا بالبيع نقداً؛ فإذا حلف أخذ العين، وإن نكل حلف المشتري وبقيت العين له.
وإن قال المشتري: لم أعلمه وكيلاً من جهتكم- حلف على نفي العلم، وأمسك العين، ثم الموكل: يحلف على الوكيل، ويغرمه قيمة العين، أو مثلها، إن كانت مثلية، وإن نكل المشتري عن اليمين: حلف الموكل، وأخذ العين، وإن نكل الموكل: بقيت العين للمشتري، ثم للموكل أن يحلف على الوكيل؛ ويكون له مع المشتري ولا يبطل يمينه في حق الوكيل، فإذا حلف أخذ قيمة العين من الوكيل، ثم الوكيل لا يرجع على المشتري قبل حلول الأجل، فإذا حل الأجل: يرجع على المشتري باليمين، إن كان مصراً على قوله، وإن كان رجع عن إنكاره وصدقه الموكل: رجع على المشتري بأقل الأمرين من قيمة العين أو الثمن؛ لأن الثمن: إن كان أقل- فقد أقر أن ليس على المشتري إلا ذلك، وإن كانت القيمة أقل: فهو لم يضمن إلا القيمة.
ولو وكل رجلاً ليشتري له جارية، فاشتراها بعشرين، ثم اختلفا، فقال الموكل: أمرتك أن تشتريها بعشرة، وقال الوكيل: بل بعشرين: فالقول قول الموكل مع يمينه، فإذا حلف- لا يخلو: إما إن كان الوكيل قد اشترى بعين مال الموكل، أو في الذمة: فإن اشترى بعين مال الموكل: فالجارية للبائع، وعليه رد ما أخذ، سواء صدق البائع الوكيل أو الموكل؛ لأن يمين الموكل حجة عليهما؛ فلو أنكر البائع الوكالة، وقال: اشتراها لنفسه: حلف أنه لم يعلمه وكيلاً، وكانت الجارية في الحُكم للوكيل، ويغرم الوكيل للموكل ما أخذ منه.
قال المزني: استحب الشافعي- رضي الله عنه: في مثل هذا: أن يرفق الحاكم

بالموكل، فيقول: إن كنت أمرته بعشرين- فقد بعته بعشرين، فيقول: بعت، ويقول الوكيل اشتريت، حتى يحل للوكيل، فإذا قال الموكل قطعاً: بعتك هذه الجارية بعشرين، فقال: اشتريت: صارت الجارية للوكيل ظاهراً وباطناً، وإن قال كما قال المزني: إن كنت أمرتك بعشرين- فقد بعتكها بعشرين: فاختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: لا يصح البيع؛ لأنه بيع معلق بشرط، وما نقله المزني من كلام الحاكم، أما الموكل: فقد باعه قطعاً من غير تعليق.
ومنهم من قال: يصح؛ لأن هذا الشرط من قضية العقد؛ لأنه لا يصح أن يبيع منه إلا أن يكون قد أمره بعشرين، وما يقتضيه العقد لا يبطل العقد بذكره.
فإن لم يرفق الحاكم، أو امتنع الموكل من البيع- نُظر: إن علم الوكيل أنه أمره بعشرة: فلا يحل للوكيل بيعها ولا وطؤها، وإن علم أنه أمره بعشرين: فلا يحل له وطؤها، ويجوز له بيعها واستيفاء حقه من ثمنها؛ لأن الجارية في الباطن للموكل، وللوكيل عليه الثمن؛ فهو كمن له على رجل دين لا يؤديه، فظفر بمال من أمواله: يجوز له بيعه، وأخذ حقه منه.
وقال أبو حنيفة- رحمة الله عليه-: تكون الجارية ملكاً للوكيل، ظاهراً وباطناً؛ على أن الملك يقع للوكيل عنده ابتداء، ثم ينتقل إلى الموكل؛ فههنا: تعذر الانتقال، فبقي للوكيل، وبه قال بعض أصحابنا.
وقال أبو يوسف: إن ترك الوكيل يخاصمه الموكل: فالجارية له، وله وطؤها؛ وإلا فلا؛ لأنه لم يرض بتملكها.
أما إذا اشترى الوكيل الجارية في الذمة- نُظر: إن لم ينو للموكل-: وقع العقد للوكيل، ظاهراً وباطناً، وله وطؤها وبيعها، وإن تولى للموكل، واختلفا هكذا، وحلف الموكل: بقيت الجارية للوكيل، ثم ينظر: إن علم أن الموكل أمره بعشرة: فالجارية للوكيل، ظاهراً وباطناً، وحل له وطؤها، وإن علم: أنه أمره بعشرين: فكالصورة الأولى؛ على ما ذكرنا، وكذلك: لو وكله بشراء جارية، فاشترى، ثم اختلفا، فقال الموكل: ما وكلتك، أو أمرتك بشراء غيرها: فالقول قول الموكل، فإذا حلف: فهي للوكيل ظاهراً؛ لما ذكرناه.
ولو ادعى على رجل أني وكلتك بيع كذا، فبعته وقبضت الثمن؛ فادفع إلي، فأنكر

الوكالة: فالقول قول المُنكر مع يمينه، ولو وكل رجلاً ببيع شيء مؤجلاً، وأذن له في قبض الثمن عند حلول الأجل، أو أذن له في بيعه حالاً، وأذن له في تسليم المبيع قبل قبض الثمن، فاختلفا؛ فقال الوكيل: استوفيت الثمن، وتلف في يدي، أو دفعته إليك، ويصدقه من عليه، وقال الموكل ما استوفيته، أو وكله باستيفاء دين؛ فاختلفا هكذا: فالقول قول الموكل مع يمينه؛ لأن إنكاره لا يوقع الوكيل في غرم؛ فإذا حلف أخذ حقه ممن عليه، ثم لا يرجع من عليه على الوكيل؛ لأنه مقر أنه مظلوم، وإن وكل ببيعه حالاً، أو مطلقاً، ولم يأذن له في تسليم المبيع قبل قبض الثمن؛ فاختلفا هكذا: فالقول قول الوكيل مع يمينه؛ لأن الموكل ينسبه إلى التعدي؛ فيوقعه في غرم بتسليم المبيع قبل قبض الثمن، فإذا حلف الوكيل- هل يقبل يمينه في حق المشتري؟ فيه وجهان: أحدهما: يُقبل، ولا رجوع للموكل عليه؛ لأنه حلف على أداء الثمن.
والثاني- وهو الأصح: لا يُقبل؛ لأن الأصل عدم الأداء، فيحلف الموكل؛ فيرجع عليه بالثمن، وقبلنا يمين الوكيل في حقه لأمانته، فإذا حلف الوكيل، وحكمنا ببراءة ذمة المشتري، ثم وجد المشتري بالمبيع عيباً: فهو بالخيار: إن شاء رد على الموكل، وإن شاء رد على الوكيل، فإن غرم الموكل: لا يرجع على الوكيل؛ لأنه مُقر أنه لم يأخذ شيئاً، وإن غرم الوكيل: لا يرجع على الموكل، والقول قول الموكل مع يمينه.
وإن خرج المبيع مستحقاً يرجع المشتري بالثمن على الوكيل؛ لأنه دفعه إليه، ولا رجوع للوكيل على الموكل، وإن حلف أنه دفعه إليه؛ لأنا قبلنا قوله في الابتداء، حتى لا يضمن؛ فأما أن يضمن الغير فلا؛ ولكن له تحليف الموكل أنه لم يدفع إليه، وإن كان الاختلاف على عكسه [و] قال الموكل أخذت الثمن؛ فسلم إلي، وقال الوكيل: ما استوفيته- نُظر: إن كان هذا في دين أو ثمن مبيع- كان مأذوناً في تسليم المبيع قبل قبض الثمن، وكان الثمن مؤجلاً، فله التسليم قبل قبض الثمن، والقول قول الوكيل مع يمينه، ولا رجوع للموكل على المشتري؛ لأنه مُقر أن وكيله أخذه، وإن كان الثمن حالاً، ولم يكن مأذوناً في تسليم المبيع: فالوكيل مقر بالتعدي، فبعدما حلف أنه لم يأخذ الثمن: يغرم قيمة المبيع للموكل.
ولو اتفقا على أن الوكيل أخذ الثمن غير أن الوكيل يقول للموكل: دفعته إليك، أو تلف في يدي، والموكل يقول: هو قائم في يدك، أو أتلفته؛ فعليك الضمان: فالقول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه أمين.
ولو وكل وكيلاً ببيع شيء بجعل معلوم؛ فباع، ثم ادعى الموكل عليه خيانة: لا تسمع حتى يبين قدر الخيانة؛ فإن قال: بعته بعشرة، ولم تدفع غلا خمسة؛ فخنتني في

خمسة: فالقول قول الوكيل مع يمينه، وعلى الموكل جُعله؛ حتى لو تلف جميع الثمن في يد الوكيل: لا يسقط جعله؛ بخلاف الصباغ: إذا تلف الثوب في يده بعدما صبغه- تسقط أجرته؛ لأنه يستحق الأجرة بتسليم العمل، ولم يوجد، والوكيل يستحق بامتثال الأمر، وقد امتثل.
ولو ادعى على رجل أني دفعت إليك متاعاً لتبيعه، فبعته، فسلم الثمن إلي، فأنكر، فأقام المدعي بينة عليه، أو أقر المدعى عليه، وقال: بل وكلتني، لكنه تلف في يدي، أو رددته إليك- ينظر في إنكاره: فإن كان في الابتداء قال: لا يلزمني شيء بهذه الدعوى: يقبل قوله في التلف والرد، لأن الأمانة إذا هلكت في يده أو ردها: لا يلزمه شيء؛ فهو في إنكاره صادق، وإن قال في إنكاره: ما وكلتني بشيء؛ أو ما دفعت إلي شيئاً، ثم أقر، أو قامت عليه بينة، فادعى أنه كان قد رد أو تلف في يده: لا يُقبل قوله؛ لأن إنكاره الأول يكذبه في الرد والتلف؛ لأن قضية قوله: "ما دفعت إلي شيئاً": أنه لم يتلف لك عندي شيء، وما رددت إليك شيئاً، فيلزمه الضمان، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل