التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 103-143

ولو أوصى لإنسان بألف ثم أوصى له بألف-: فهو ألف واحدة؛ وكذلك-: لو أوصى بألف معينة، ثم بألف مطلقة، أما إذا أوصى بألف معينة، ثم بألف أخرى معينة-: فهما ألفان، ولو أوصى بألف، ثم بألفين-: فهي ألفان؛ وكذلك: لو أوصى بخمسمائة، ثم بألف-: فهي ألف، ولو أوصى بألف، ثم بخمسمائة-: ففيه وجهان أحدهما: هي ألف وخمسمائة.
والثاني: خمسمائة؛ كأنه رجع عن الألف إلى خمسمائة.
باب المرض الذي يجعل العطية من الثلث العطايا والتبرعات المنجزة في مرض الموت تعتبر من الثلث؛ كالمعلقة بالموت، وما كان في الصحة، أو في مرض لم يمت منه-: يكون من رأس المال.
ولو أعطى في المرض، ومات قبل أن يبرأ منه-: فالأمراض على أقسام.
قسم منه: لا يكون منه الهلاك غالباً؛ الجرب والرمد ووجع الضرس والصداع والحمى اليسيرة؛ فعطاياه منه تكون من رأس المال؛ ما في حال الصحة، وإن مات بعده.
وقسم: يخاف منه التلف، فينظر: إن صار إلى حالة اليأس ومعاينة الموت، وشخص بصره، أو قطع مريئه أو حلقومه، أو شق بطنه، وأبين خيشومه إلا أنه يتكلم-: فهو كالميت؛ لا يكون لكلامه حكم، فن كان فاسقاً-: لا تقبل في هذه الحالة توبته، وإن كان كافراً-: لا يصح إسلامه، ولا ينفذ شيء من عطاياه، وفي هذه الحالة: كان كإيمان فرعون؛ فلم يقبل، ون لم يصر المريض إلى هذه الحالة، لكن مرضه مخوف؛ فتكون عطاياه من الثلث، إن مات، وإن برأ، فمن رأس المال.
قلت: فإن كان مرضه مخوفاً، فأعطى، ثم جز إنسان رقبته، أو سقط من سطح، فمات-: تكون عطيته من الثلث.
فمن الأمراض المخوفة: الحمى الشديدة المطبقة، والقولنج، وذات الجنب،

والرعاف الدائم، والإسهال المتواتر، فإن كان الإسهال يوماً أو يومين-: فلا يكون مخوفاً إلا أن يكون معه دم أو زحير أو تقطيع، أو كان البطن منخرقاً، أو يسترسل جوفه بحيث لا ينحبس؛ فيكون مخوفاً.
أما الحُمَّى؛ فإن حُمَّ الرجل يوماً أو يومين، فأعطى، ومات- نُظر: إن لم يعرق، فتكون من الثلث، وإن مات بعدما عرق -: فمن رأس المال.
وإن كانت الحمى دائمة-: فهي على أنواع: حمى الورد، وهي التي تأتي كل يوم؛ وحمى الغِبِّن وهي: التي يوماً ولا تأتي يوماً، وحمى الثلث، وهي: التي تأتي يومين، ولا تأتي يوماً، وحمى الأخوين، وهي: التي تأتي يومين، ولا تأتي يومين.
وحمى الربع، وهي: التي تأتي يوماً، ولا تأتي يومين.
جميع هذه الأنواع مخوفة إلا الربع؛ فإنها بمجردها غير مخوفة إلا أن ينضم إليها وجع من برسام أو ذات جنب أو وجع خاصرة ونحوها، فيكون مخوفاً.
ومن ساوره الدم، حتى تغير عقله، أو المرار أو البلغم-: فهو مخوف.
والفالج وابتداؤه مخوف، لأنه ربما يذهب الحرارة الغريزية، فيهلك، فإن استمر به البلغم، وصار فالجاً- فليس بمخوف؛ لأنه إذا طال -: يؤمن معه معاجلة الموت، فإن لم يبق فيه حركة-: فمخوف.
والسُّلُّ وابتداؤه مخوف، فإذا استمر-: فليس بمخوف؛ لأن الغالب أنه إذا دام -: لا يقتل قريباً، ويبقى فيه مدة، فهو كالهرم، وإن كان لا يفارق صاحبه ما لم يمت؛ وكذلك الفالج، أما الدق: فمخوف، وهو داء يغزو القلب، والسل داء يغزو الرئة، والطاعون مخوف،

إذا أصاب الإنسان، فإن وقع في البلد-: فهل يكون مخوفاً في حق من لم يُصبه؟ فيه وجهان أصحهما: يكون مخوفاً.
وإن أشكل أمر شيء من هذه الأمراض: يرجع على أهل العلم بالطب من المسلمين، ولا يُقبل فيه قول الكفار، فإن شهد عدلان من المسلمين؛ أنه مخوف-: فهو مخوف.
ولا يكتفي بعدل واحد، ولا برجل وامرأتين.
ولو اختلف الوارث والمتبرع عليه في كونه مخوفاً بعد الموت-: فالقول قول المتبرع عليه، مع يمينه؛ لأن الأصل سلامته.
فإن أقام الوارث بينة-: تسمع، ولا تقبل إلا من رجلين عدلين عالمين بالطب، والحامل إذا ضربها الطلق-: يكون مخوفاً.
وإن أصابته جراح - نُظر: إن كانت نافذة إلى جوف أو دماغ أو كانت على موضع كثير اللحم فهو مخوف؛ وألا فليس بمخوف إلا أن يكون له وجع أو ضربات شديد، أو تورم، أو أكلةٌ: فيكون مخوفاً.
وإن كان في سفينة فاغتلم البحر، وهاجت الأمواج.
أو كان أسيراً في أيدي الكفار، وهم يقتلون الأسارى.
أو التقى الصغان في الحرب، والتحم القتال، فأعطى رل في تلك الحالة-: نص على أنه من الثلث.
ونص فيما لو قدم ليقتل، قصاصاً أنه ليس بمخوف.
اختلف أصحابنا في هذه المسائل: منهم من جعل الكل على قولين: أحدهما: ليس شيء منها مخوفاً، ما لم يصبه السلاح.
والثاني: كلها مخوف؛ لأن الغالب منه الهلاك.
ومنهم من فرق على ظاهر النص، وقال: البحر لا يغيث، والكافر لا يرحم المسلم، وعند التحام القتال: لا يرحم بعضهم بعضاً؛ فكان الكل مخوفاً، ومن له القصاص: قد يرحم فيعفوا طلباً للثواب؛ فلم يُكن مخوفاً.
وإذا قُدم ليُقتل بسبب القتل في الحرابة أو ليرجم بسبب الزنا-: فهو كالأسير في أيدي الكفار؛ لأنه لا يجوز تركه للرحمة.

باب الأوصياء رُوي أن عبد الله بن مسعود أوصى بكتاب:"عن وصيتي إلى الله وإلى الزبير بن العوام، وإلى أبيه عبد الله بن الزبير".
يستحب لمن قرب وفاته: أن يُوصي إلى أمين في أموره من قضاء ديونه ورد مظالمه وتنفيذ وصاياه، وأمور أطفاله، فإن لم يفعل-: ينصب القاضي قيماً يتولى هذه الأمور عنه.
ويصح الإيصاء من كل حر مكلفٍ، أما في أمور الأطفال-: لا يصح إلا من الأب أو الجد أب الأب عند عدم الأب.
وجوز الإصطخري: للأم أن توصي في أمور أطفالها، وإذا أوصى في أمور أطفاله-: لا تصح حتى تكون في المُوصى خمس شرائط.
الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعدالة.
فلو أوصى إلى ذمي في حق مسلم-: لا يجوز؛ لأنه غير مأمون على المسلم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: 118] ولو أوصى ذمي إلى مسلم-: يجوز.
ولو أوصى ذمي إلى ذمي: فيه وجهان: أحدهما: يجوز، كما يكون وليًّا لولده الكافر.
والثاني: لا يجوز؛ كما لا تقبل شهادة الذمي لمسلم ولا لكافر.
وقال الأوزاعي: يجوز إن أوصى إلى عبد نسه، وبه قال أبو حنيفة، إذا كانت ورثته أطفالاً.
ولو أوصى إلى فاسق-: لا يجوز بخلاف ما لو وكل فاسقاً ببيع ماله: يجوز؛ لأنه يتصرف في حق نفسه، والإيصاء في حق غيره، نظيره: الأب إذا وكل فاسقاً في مال ولده-: لا يجوز.
هذا كما أن الرجل إذا أودع ماله عند فاسق: يجوز، والمودع لا يودع إلا عند أمين.

ولو أوصى إلى امرأة-: يجوز، سواء كانت أم طفل أو أجنبية.
واختلف أصحابنا في الأعمى: هل يجوز أن يجعل وصيًّا؟ منهم من قال: يجوز؛ لأنه من أهل الشهادة؛ كالبصير.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الموصى قد يفتقر إلى عقود لا تصح من الأعمى.
فإن أوصى، وقال: جعلت وصياً في أمور أطفالي والتصرف في أموالهم، أو الحاكم قال لرجل: جعلتك قيماً في أمور أطفال فلان والتصرف في أموالهم-: جاز، وملك حفظ الأطفال والأموال والتصرف.
ولو قال الأب: جعلتك وصياً في مال ولدي، أو قال الحاكم: جعلتك قيماً في مال أطفال فلان-: ملك حفظ المال، وهل يملك التصرف؟ فيه وجهان: وكذلك-: لو قال: أوصيت إليك في أمور أولادي، أو قاله الحاكم-: ملك حفظ الأولاد، وهل يملك التصرف في أموالهم فعلى وجهين.
ولو قال: وليت مال فلان-: يقتضي الحفظ لا التصرف، ولا تتم الوصية إلا بالقبول.
ويشترط قبول الوصي بعد موت الموصي، كقبول الوصية: فلو قبل في الحياة، ولم يقبل بعده-: لم تصح.
وقيل: يصح القبول في الحال، والامتثال يكون بعد الموت كالوكالة، قبولها في الحال، والامتثال بعد.
ولو أوصى إلى صبي فبلغ قبل موت الموصى، أو إلى كافر فأسلم، أو إلى فاسق فحسنت حالته قبل موت الموصى-: فاختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: شروط الوصاية شرط عند موت الموصى لا حالة الإيصاء؛ كما أن عدالة الشهود شرط عند الأداء لا عند التحمل.
ومنهم من قال: تعتبر هذه الشروط حالة العقد وعند الموت، ولا تعتبر فيما بينهما.
ومنهم من قال: تعتبر حالة العقد إلى الموت؛ لأنه ما من حال بعد الوصية إلا ويتصور فيه الموت والحاجة إلى التصرف.
وإن تغير حال الوصي بعد موت المُوصي نُظر: إن فسق انعزل، وكذلك: القيم والحاكم، وإذا تاب لا تعود ولايته إلا بتولية جديدة، وإذا جُنَّ أو أغمى عليه-: فالإمام يُقيم

غيره مُقامه، فإذا أفاق قبل تولية الغير-: هل يكون على الولاية؟ فيه وجهان: أحدهما: يلي؛ كالإمام الأعظم إذا جُنَّ أو أغمى عليه، ثم أفاق-: كان على الولاية.
والثاني: لا [يلي] إلا بتولية جديدة؛ لأنهم يتولون بالتفويض؛ كالوكيل: ينعزل بالجنون والإغماء، ولا يعود بعد الإفاقة.
أما الأب أو الجد إذا فسق-: ينزع مالُ الطفل من يده، فإذا مات أو جُنَّ، فأفاق-: فهو على ولايته؛ لأن ولايته شرعية، والإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق؛ لأن تولية الفاسق تجوز ابتداءً.
ولو جُنَّ أو أغمى عليه، ثم أفاق-: فهو على ولايته، فإن أفاق بعد تولية الغير-: فالولاية للثاني إلا أن يخاف الفتنة؛ فهي للأول.
ولو تعدى الوصي أو القيم في مال الصبي-: انعزل؛ فإذا تاب-: لا يعود أميناً حتى ينصبه الحاكم.
وإذا كان قد أتلف مالاً-: فلا يخرج من خمسانه، حتى يدفع قيمته إلى الحاكم، ثم يرده إليه الحاكم بعد التولية، والأب إذا تعدى-: لا يصرف له حتى يتوب؛ فإذا تاب-: فهو على ولايته، وإن كان قد أتلف مالاً-: فله أن يقتص للصبي من نفسه.
وإن أكل شيئاً-: من مال الطفل عند الضرورة-: يجوز، أباً كان أو جداً أو قيماً، ثم الأب يقتص الضمان من نفسه للصبي، والوصي أو القيم يدفعه إلى الحاكم، حتى يقتص للصبي، ثم يرد إليه، وإن ضعف الوصي-: ضم إليه أمين، فإن كان الضعف في رأيه-: ضم إليه من يسدده، وإن كان في بدنه بأنه عجز عن الكتابة والحساب ونحوها-: ضُم إليه من يعينه على العمل، ولا يعزله الحاكم؛ بخلاف ما لو نصب قيماً، فضعف-: له عزله؛ لأنه الذي نصبه.
ويجوز للوصي أني عزل نفسه، وللموصى أن يعزله متى شاء؛ لأن تصرفه بالإذن؛ فكان لكل واحد فسخه؛ كالوكالة.
ولو أوصى رجل بتفرقة ثلثه، ولم ينصب وصيًّا، وله أب-: فالحاكم أولى بتفرقة ثلثه، فينصب فيه قيماً، والأب يقضي ديونه، ويقوم بأمور أطفاله، فلو أنه أوصى إلى إنسان بتفرقة ثلثه، وقضاء ديونه، والتصرف في أموالهم، ومات وله أب،-: فالموصى أولى بتفرقة ثلثه وقضاء ديونه وبيع ماله فيه، أما أمور الأطفال والتصرف في أموالهم-: فالجد أولى، ولا تصح وصية الأب فيه؛ على أصح الوجهين؛ لأن ولايته شرعية؛ فلا يقدر الأب على نقلها منه؛ كولاية التزويج.
وفيه وجه آخر، وبه قال أبو حنيفة: أنه على الوصي لأنه نائب الأب، والأب أولى من الجد، كذلك: نائبه.

ولو أوصى إلى إنسان في نوع-: لا يصير وصيًّا في غيره، وكذلك: لو أوصى إليه إلى مدة-: لا يكون وصيا بعد تلك المدة؛ مثلُ: إن قال: أوصيت إليك سنة، أو إلى أن يرجع فلان من السفر، أو أوصى إلى زوجته إلى أن ينكح-: فيصح، ولا يكون وصياً بعده.
وعند أبي حنيفة: إذا أوصى إليه في نوع-: كان وصياً في جميع الأنواع.
ولو أوصى إلى رجلين-: يجوز، ثم إن كان لك أمراً ينفرد صاحب الحق بأخذه؛ مثل: رد المظالم من المغصوب والعواري، ورد الودائع، وتسليم المنافع-: يجوز أن ينفرد كل واحد منهما به، وكذلك: الوصية المعينة وقضاء الدين: إذا وجد جنس حقه، فأما ما سوى ذلك من أمور أولاده، والتصرف في أموالهم، وتفرقة ثلثه- نُظر: إن قال: جعلت إلى كل واحد منهما، أو قال: جعلت إليهما، أو: إلى كل واحد منهما-: يجوز أن ينفرد به كل واحد منهما، وإن مات أحدهما، أو فسق، أو ضعف-: جاز لآخر أن يتصرف ولا يضم إليه غيره؛ لأن الموصى رضي بنظر كل واحد منهما وحده، وكذلك: لو قال: أوصيت إلى زيد، ثم قال: أوصيت إلى عمرو، ولا ينعزل الأول، وينفرد به كل واحد منهما.
أما إذا قال: أوصيت إليكما في كذا مطلقاً، أو قال: ينفذان الأمر معاً-: فلا ينفرد به أحدهما حتى في شراء الكفن، وإعتاق عبد معين وغير معين.
وعند أبي حنيفة: ينفرد به أحدهما.
فنقول: المُوصى لم يرض برأي أحدهما؛ كما لو أوصى إلى زيد-: لا يقوم عمرو مقامه؛ لأن المالك لم يرض برأيه، فإن مات أحدهما أو فسق أو جُن أو غاب أو لم يقبل الوصية-: ضم الحاكم على الآخر أميناً.
ولو أراد الحاكم أن يُفوض الجميع إلى الآخر-: لم يُجز؛ لأن الموصي لم يرض برأي واحد حتى لو تصرف الآخر وحده: فإن كان بيعاً أو شراء أو إعتاقاً-: لم ينفذ، وإن كان إنفاقاً-: ضمن، فلو ماتا جميعاً، أو فسقاً-: فهل للحاكم أن يفوضه إلى أمين واحدٍ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الموصى لم يرض بواحد.
والثاني: يجوزُ، لأن حكم وصيته قد سقط، وصار الأمر إلى الحاكم.
ولو اختلف الوصيان، فقال أحدهما: أفرق المال على هؤلاء وقال الآخر: بل على هؤلاء-: تولى الحاكم التفرقة.
ولو اختلفا في حفظ المال: فإن كان شيئاً ينقسم، كالحبوب وأمثالها-: يجعلُ بينهما نصفين: يحفظ كل واحد منهما نصفه.

وإن كان مما لا ينقسمُ: فإن اتفقا على ثلثا يحفظه من جهتهما-: يجوزُ؛ وألا يسلمه الحاكم إلى من يحفظه.
وإذا أراد التصرف: فلا ينفرد به أحدهما.
قلت: هذا ذا جعل التصرف إليهما، أما إذا جعل الحفظ إليهما-: لا ينفرد به أحدهما، بل يضعانه في بيت، ويقفلان عليه.
فصل في توكيل الوصي يجوز للوصي أن يوكل الغير بالبيع فيما لم تجر العادة بأن يتولاه بنفسه، ولا يجوز أن يوصي على غيره في أمور الموصى.
وعند أبي حنيفة: يجوزُ؛ حتى قال: لو أوصى إلى إنسان في أموره-: يكون وصية وصيا فيما أوصى إليه.
أما إذا قال الموصى لرجل: أوصيت إليك حياتك، فإن مت-: ففلان وصيي، أو: أوصيت إلى فلان-: تصح، فإذا مات الوصي الأول-: يكون الآخر وصيا، وكذلك: لو أوصى إلى رجلين، فقال: إذا مات أحدهما - فقد أوصيت جميع مالي إلى الثاني-: تصح؛ كما لو قال: أوصيت إليك إلى أن يرجع ابني؛ فإذا رجع فهو وصيي-: تصح.
وإذا رجع الابن-: ينعزل الأول.
رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر زيد بن حارثة ف جيش مؤتة، وقال: "إذا أصيب زيد فجعفر".
ورُوي أن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصت في وقفها إلى عليٍّ - رضي الله عنه- فإن حدث بك حدث، أو إن مت، فوصيك وصيي أو أوصيت إلى من أوصيت إليه-: فهل يجوز للوصي أن يوصى؟ فيه قولان: أحدهما: يجوزُ، فيقول: أوصيت إليك بتركة فلان، لأن الموصى قد أذن فيه؛ كالوكيل-: يجوز له أن يوكل بالإذن.
والثاني: وهو الأصح، وقوله الجديد-: لا يجوزُ، لأنه ينعزل بالموت، فكيف يوصي إلى الغير؛ بخلاف الوكيل: فإنه يوكل في حال حياة الموكل بإذنه، والوصي يوصي بعد موت الموصى، ولأنه لو قال للوكيل: وكل بعد حياتي، أو بعد موتي-: لا يجوز، أما إذا قال للوصي: إذا حدث بك حدث-: فأوص إلى من شئت بعدك، أو أوص إلى فلان-: فقد قيل: فيه قولان، كالأول.
وقيل- وهو الأصح-: لا يجوزُ ههنا؛ لأنه لم يضف الوصاية إلى نفسه، وفي المسألة

الأولى أضاف إلى نفسه، فقال وصيُّكَ وصيِّي؛ فجازَ؛ كما لو أوصى بنفسه.
إذا كان مال اليتيم غائباً-: فولاية التصرف في ماله إلى قاضي البلد الذي: فيه اليتيم، ولا يجوز لقاضي بلد المال: أن يتصرف فيه؛ كما أن وليَّ المرأة قاضي البلد الذي فيه المرأة، حتى لو بعثت إلى قاضي بلد آخر، وأذنت له في تزويجها من رجل ببلد ذلك القاضي-: لا يجوز له تزويجها.
فصل في متى يقوم بتنفيذ الوصايا من مات-: يُبدأ بعد تجهيزه ودفنه بقضاء ديونه، ثم بتنفيذ وصاياه، ثم الباقي من ماله للورثة، والدين والوصية: هل يمنعان الميراث؟ قيل: يمنعان، وهو قول الإصطخري، قال: تكون التركة باقية على ذلك الميت إلى أن يقضي دينه ووصيته؛ لان الله تعالى قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11].
والمذهبُ: أنهما لا يمنعان الميراث؛ بدليل أن لم أن يحفظوه ويؤدوا الدين من موضع آخر؛ فلا يقتسمون إلا بعد قضاء الدين والوصية.
وفائدته تتبين فيما إذا حصلت زوائد من ولد الأمة، ونتاج البهيمة، وكسب العبد-: هل يتعلق بها حق الغرماء أم لا.
إن قلنا: يمنع الميراث-: يتعلق بها حق الغرماء؛ وإلا فلا.
وإن كان الدين أكثر من قيمة التركة، فقال الوارث: أنا آخذها بقيمتها، وطالب الغرماء ببيعها؟ فيه وجهان؛ بناء على أن العبد الجاني: إذا فداه السيد بماذا يفدى؟ فيه قولان: أصحهما: بالأقل من قيمته أو أرش جنايته؛ فعلى هذا: ههنا لا يجب بيعها؛ لأن الظاهر أنه لا يشتري بأكثر من قيمتها، وإن قلنا هناك: يفدى بأرش الجناية، وإن زادت على قيمته أو سلمه للبيع-: فههنا يجب تسليمها للبيع؛ لأنه قد يرغب فيها من يزيد في قيمتها؛ فلو تصرف الوارث في التركة قبل قضاء الدين؛ بأن باع منه شيئاً لنفسه أو رهن عيناً من التركة من نفسه-: هل يصح أم لا فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه تعلق به دين الميت؛ كالمرهون: لا يجوز للراهن بيعه، ولا رهنه؛ لتعلق حق المرتهن به.
والثاني: يصحُّ؛ لأنه تعلق به بغير إذن المالك؛ كالمريض ينفذ تصرفه في ماله، مع تعلق حق الورثة به؛ بخلاف المرهون.
فإن المالك أغلق على نفسه باب التصرف بعده فعلى هذا إذا قضى الوارث دين الميت؛ وإلا رُدَّ تصرفه وبيع في الدين.
فإن قلنا: لا تصح: فإن كان قد باع عبد [اً] أو مات وتصرف الوارث في التركة، ثم وجد

المشتري بالعبد عيباً، ورده، أو لزم الميت دين، بأن كان حفر بئر عدوان، فوقعت فيها بهيمة، فهلكت-: ففي تصرف الوارث وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنهم تصرفوا في مالهم، لم يتعلق به حق الغير.
والثاني: تبطل، لأنا أثبتنا تعلق الدين به.
إذا قضى المريض في مرض موته ديون بعض غرمائه، ولا وفاء في التركة-: هل للباقين حق الاعتراض؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة: لهم ذلك؛ لأنه تعلق حق جميعهم بماله؛ بدليل أنه يرد تبرعه لحقهم؛ كما لو أوصى بقضاء ديون بعض الغرماء-: لا يحكم به، بل جميعهم سواء فيه.
والثاني: لا اعتراض لهم؛ لأنه تصرف في ملكه؛ بدليل أنه لو اشترى أطعمة شهية وثياباً ثمينة-: لا اعتراض لهم عليه؛ بخلاف الوصية: فإنه لو أوصى بأن يكفن في ثيابه ثمينة-: لا يُعمل به لحق الغرماء.
ولو أوصى إلى رجل ليبيع عبده، فيشتري بثمنه جارية يعتقها، ففعله الوصي بعد موته، ثم وجد مشتري العبد به عيباً، فرده على الوصي-: يبيعه ويدفع ثمنه إلى بائع الجارية، فإن باعه بأقل من ثمن الجارية-: غرم النقصان من مال نفسه؛ لأن الموصى له لم يأمره بأن يشتري الجارية بأكثر من ثمنه، وإن باعه بأكثر من ثمن الجارية-: دفع ثمن الجارية منه، والفضل للوارث.
فصل فيما يلحق الميت رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مات الإنسان-: انقطع عنه عمله غلا من ثلاث-: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
لا يلحق الميت

ما يفعل عنه الحي بعد موته بغير إذنه: إلا دُعاءٌ يدعو له، أو صدقة يتصدق عنه، أو حج يؤدي عنه، إذا كان فرضاً عليه، أو دين يقضي عنه.
أما الدعاءُ: فالدليل عليه قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10].
وأما الصدقة: روي عن أبي هريرة: أن رجلاً قال للنبي- صلى الله عليه وسلم- إن أبي مات، وترك مالاً، ولم يوص-: فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: "نعم"، وعن ابن عباس؛ أن سعد بن عبادة قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها".
وأما الحج والدين، فرُوي أن امرأة من خثعم سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن الحج عن أبيها؟ وقالت: أينفعه ذلك؟ قال: نعم، كما لو كان عليه دين فقضيته نفعه".

فأما ما سوى ذلك من القرب من الصلاة وقراءة القُرآن وغيرها: لا يلحق الميتُ.
وذكر صاحب "التلخيص"؛ أنه لا يصل أحدٌ عن أحدٍ إلا ركعتي الطواف، واختلف أصحابنا فيه: منهم من وافقه، وقال: الأجير إذا حج عن الغير، وركع ركعتي الطواف-: يقع عن المستأجر؛ لأنها تبع للطواف؛ فجرت النيابة فيها تبعاً للأصل؟ بخلاف سائر الصلوات.
ومنهم من قال: تقع الصلاة عن الأجير؛ لأن النيابة لا تجري فيها؛ كما لو ارتكب الأجير شيئاً من محظورات الحج-: لزمه الدم والصوم، ولا يقال: يقع ذلك عن المستأجر.
واختلف القول في جواز الصوم عن الميت، وفي حج التطوع عنه إذا أوصى، ولا يعتق عنه تطوعاً؛ وتجوز عن كفارته في الجملة.

كتاب: الوديعة

بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
الوديعة: اسم لعين مالٍ يضعها مالها عند آخر؛ ليحفظها له.
والمستحب لمن أودع منه وديعة، وهو يقدر على حفظها وأداء الأمانة فيها: أن يقبلها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه".

وما كان عاجزاً عن حفظها، أو لا يأمن من أن يخون فيها: لا يجوز أن يقبلها، وانعقادها يكون بالقبول، والقبول بالفعل؛ كالوكالة، فيقول المودع: أودعتك هذا، فيأخذه المُودع.
وقيل: يشترط أن يقول بلسانه: "قبلتُ" ما قالوا في الوكالة؛ فلو لم يأخذها المودع بيده، فوضعها المالك بين يديه- نُظر: إن لم يقل المودع شيئاً: لم يكن إيداعاً، حتى لو ذهب، فترك، لا ضمان عليه، وإن قال المُودع: قبلت، أوضع فوضعها بين يديه-: كان إيداعاً؛ كما لو أخذها بيده، فوضعها بين يديه، فلو قام المودع، فذهب وتركها- نُظِرَ: إن كان صاحبها حاضراً صار راداً لها، ولا ضمان عليه، وإن تركها بعدما غاب صاحبها- ضمنها.
ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف في المال، فلو أودعه صبي أو سفيه لا يجوز أن يقبل، فإن أخذها - كان ضامناً وإن خاف أنه إن لم يأخذه منه، استهلكه، فأخذه-: هل يضمن؟ فعلى وجهين؛ بناء على المحرم بمكة: إذا أخذ صيداً من جارحة ليتعهدها-، هل يضمن؟ فيه وجهان.
ولا يصح الإيداع إلا عند جائز التصرف، فلو أودع صبياً أو سفيهاً: لم يصح الإيداع؛ لأن القصد من الإيداع الحفظ، وهما ليسا من أهل الحفظ، فلو أودع واحداً منهما، فتلف عنده-: لم يضمن؛ لأنه لا يلزمه حفظه؛ فإن أتلفه: هل يضمن؟ فيه قولان: أحدهما: يضمن؛ كما لو دخل دار إنسان، فأتلف ماله: يضمن.
والثاني: لا يضمن؛ لأن المالك منه من إتلافه بدفعه إليه؛ كما لو باع من صبي أو سفيه شيئاً، وسلمه غليه، فأتلفه-: لا ضمان عليه، وكذلك: لو أودع من عبدٍ شيئاً، فتلف عنده:- لا ضمان عليه، وإن أتلفه: يجب الضمان، ويتعلق برقبته أم بذمته؟ فعلى قولين: أحدهما: يتعلق برقبته؛ كما لو دخل دار إنسان، فأتلف ماله: يضمن.
والثاني: لا يضمن؛ لأن المالك مكنه من إتلافه بدفعه إليه؛ كما لو باع من صبي أو سفيه شيئاً، وسلمه إليه، فأتلفه-: لا ضمان عليه، وكذلك: لو أودع من عبدٍ شيئاً، فتلف عنده:- لا ضمان عليه، وإن أتلفه: يجب الضمان، ويتعلق برقبته أم بذمته؟ فعلى قولين: أحدهما: يتعلق برقبته؛ كما لو دخل دار إنسان، فأتلف ماله.
والثاني: يتعلق بذمته؛ كما لو اشترى شيئاً، فهلك في يده: يتعلق الضمان بذمته، وبه قال أبو حنيفة.
وبعضنا استنبطوا من هذا أن الإيداع هل هو عقد أم لا؟ وفيه جوابان: إن جعلناه عقداً - فلا ضمن الصبي، ويتعلق بذمة العبد، وإن لم نجعله عقداً-، يضمنه الصبي، ويتعلق برقبة العبد، ويخرج منه أن دابة الوديعة، إذا ولدت: هل يكون الولد وديعة، حتى يجوز له إمساكه؟ فيه وجهان: إن جعلناه عقداً - فهو وديعة كالأم، وإن لم نجعله عقداً-: فليس بوديعة، وهو كثوب

ألقته الريحُ في دار: - يكون أمانة عليه رده، إن تمكن من الرد، فإن لم يرد ضمن، فإن لم يتمكن من الرد، فتلف عنده:- لم يضمن.
وإن جعلناه عقداً-: فهو من العقود الجائزة؛ كالوكالة، فلكل واحد منهما الخروج متى شاء؛ فمتى أراد المودع أخذها: لم يكن للمودع منعها، ومتى أراد المودع الرد:- لم يكن للمودع الامتناع من قبولها.
وتنفسخ بالعزل والجنون والإغماء، والموت؛ كالوكالة؛ لأنه وكالة في الحفظ؛ كالوكالة في البيع والشراء.
وللوديعة أمانة في يد المودع يجب أن يحفظها، حيث يكون حرزاً لمثلها، فلو تعدى فيها: فإن استعملها، أو رفعها من مكانها بنية الاستعمال، وإن لم يستعمل أو وضعها حيث لا تكون حرزاً لمثلها:- صار ضامناً، يجب عليه قيمتها، إذا تلفت في يده، وإذا بقيت في يده مدة بعد التعدي:- يجب عليه أجر مثل تلك المدة.
ولو نوى استعمالها، ولم يأخذها من مكانها، أو كانت في صندوق غير مقفل، فرفع رأس الصندوق بهذه النية، ولم يأخذ ما فيه، أو نوى ألا يرد، إذا طُولب: - لا يضمن بالنية؛ على الأصح.
وقال ابن سريج يضمن؛ كما لو أخذ في الابتداء بهذه النية، أو أخذ اللقطة بنية الاختزال: يضمن.
والأول أصح، لأنه لم يحدث مع نية التعدي فعلاً؛ بخلاف ما لو أخذ بهذه النية؛ لأنه أحدث هناك فعل الأخذ، مع نية التعدي؛ وكذلك في اللقطة.
ولو دفع المودع الوديعة إلى غيره؛ ليحفظها، من غير ضرورية: - صار ضامناً؛ لأن المالك لم يرض بأمانة غيره.
وكذلك: لو دفعها إلى عبده، أو خازنه، أو امرأته؛ لتحفها: - يضمن، على الأصح.
وعند أبي حنيفة: إن دفعها إلى من يعوله من عبد أو ولد أو زوجة:- لم يضمن.
أما إذا استعان بغيره، في حملها ونقلها إلى الحرز: لا يضمن؛ كما لو أودعه دابة، فاستعان بغيره، في سقيها وعلفها: - لم يضمن؛ لأن العادة قد جرت بالاستعانة في مثله.
ولو سافر بالوديعة- نظر: عن كان المالك أودعه في السفر، أو أودع عند واحد من أهل النجعة، فانتجع

بها-:لم يضمن؛ - لأن المالك قد رضي به حيث أودع، وإن أودع عند مقيم-: لا يجوز أن يسافر بها من غير ضرورة، فإن فعل ضمن؛ لأنه يعرض الوديعة للهلاك.
وعند أبي حنيفة لا يضمن، فإن عرض له سفرٌ؛ رد الوديعة.
فإن دفعها إلى الحاكم أو إلى أمين- نظر: إن كان المالك أو وكيله حاضراً، ضمن سواء أراد سفراً أو لم يرد.
ولو دفع إلى الوكيل مع حضور المالك-: جاز، سواء كان الوكيل فيه خاصاً أو عاماً في أموره، ولو لم يظفر بالمالك، ولا بوكيله، بأن كان غائباً أو محبوساً، لا يصل إليه- نظر: إن كان لا يريد سفراً، فرفع إلى أمين أو إلى الحاكم-: ضمن؛ لأنه تولى حفظها، ولا ضرورة به إلى الدفع إلى غيره.
وقيل: إن دفع إلى الحاكم-: لا يضمن، وعلى الحاكم القُبول، إن دفع إليه؛ لأنه المنصوب لحفظ أموال الناس.
وإن كان يريد سفراً: فإن وضعها عند الحاكم:- لم يضمن، وعلى الحاكم قبولها، إذا دفع إليه، وإن وضعها عند أمين- نظر: إن كان ثَمَّ حاكمٌ - يضمن؛ لأن الحكام هو المنصوب لحفظ الأمانات.
وقال أبو إسحاق: لا يضمن؛ لأنه أمين؛ كالحاكم.
والأول أصح؛ بخلاف الحاكم؛ لأنه نائب عن الغائب؛ فهو بمنزلة وكيل الغائب.
ولو كان الوكيل حاضراً، فأودعها أميناً-: ضمن، كذا ههنا، وإن لم يكن ثَمَّ حاكم، فأودعها أميناً-: لم يضمن ولو لم يجد في البلد أميناً-: يضعها عنده، فسافر بها-: لم يضمن، على ظاهر المذهب، وكذلك: لو وقعت ضرورة بأن انجلى أهل البلد، فأخرج الوديعة معهم، أو وقع في البلد حريق، أو نهب، أو غارة، فسافر بها-: لم يضمن؛ لأنه يجب عليه إخراجها، ولو أراد سفراً، فدفنها في حرز - نُظر: إن لم يعلم به أحد أو أعلم فاسقاً-: ضمن، وإن أعلم أميناً، حيث جوزنا له الإيداع من الأمين- نظر: إن كان ذلك الأمين لا يساكنه في البيت الذي فيه الوديعة-: ضمن؛ لأنه لم يودعه،

بل أعلمه، وإن كان يساكنه: لا يضمن؛ لأن يد الأمين ثابتةٌ على ما في البيت؛ فهو كما لو أودعه.
ولو دفن الوديعة في غير حرزٍ -: ضمن، ولو دفنها في حرزٍ، فنسي مكانها-: ضمن.
ولو نقل الوديعة عن مكانها إلى مكان آخر- لا يخلو: إما أن نقل من قرية إلى قرية أخرى، أو من بيت إلى بيت آخر: فإن نقل من قرية إلى أخرى- نُظر: إن نقل من قرية أهله إلى قرية غير أهله، أو نقلها إلى قرية أهله، لكن الطريق بينهما مخوفٌ، أو غير أهل، أو كان آهلاً، ولكن بينهما مسافة القصر-: يضمنُ، وإن كان بينهما أقل من مسافة القصر-: فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن، كما لو نقل من دار إلى دار من بلد واحد.
والثاني: يضمن، إلا أن تتصل العمارة بني القريتين.
هذا إذا كانت القرية الثانية أحرز من الأولى أو مثلها، فإن كان دونها في الحرز-: ضمن بكل حال.
وكذلك: لو نقل من محلة إلى محلة دون الأولى في الحرز-: ضمن.
أما إذا نقل من بيت إلى بيت آخر في دار واحدة أو خان واحد- نُظر: إن كان الثاني حرزاً لمثله، وإن كان دون الأول-: لم يضمن؛ بخلاف ما لو نقل من قرية إلى أخرى، وهي دون الأولى في الحرز-: ضمن؛ لأن النقل من القرية لا يخلو عن خوف.
هذا إذا أطلق الإيداع، أما إذا أودعه، وقال: أحفظها في هذا البيت، فنقلها إلى بيت دونه في الحرز، وإن كان حرزاً لمثله: - ضمن، وإن نقلها إلى بيت أحرز منه أو مثله: لم يضمن، إلا أن يأتي التلف من ناحية المخالفة، بأن انهدم عليه البيت الثاني، أو سرق منه؛ فيضمن.
ولو قال: احفظها في هذا البيت، ولا تخرجها منه، فإن نقلها إلى بيت آخر لغير ضرورة-: ضمن، وإن كان الثاني مثل الأول، أو أحرز منه، وإن نقلها لضرورة من وقوع حريق أو نهب-: لم يضمن، إذا نقلها إلى حرز، وإن كان دون الأول، إذا لم يجر أحرز منه، لأنه لو تركها فيه-: ضمن.
فلو اختلفا، فقال المال: نقلتها لغير ضرورة، وقال المودع: بل لضرورة-: فالقول قول المودع مع يمينهن إذا عرف ذلك بتلك البلدة، واحتمل ما يدعيه.

ولو قال: احفظها في هذا البيت، ولا تنقلها، ون حدث النهب والحريق وخوف الهلاك، فإن لم يخرجها حتى هلكت-: لم يضمن؛ لأن المالك رضي به؛ كما لو قال: أتلف مالي، ففعل-: لم يضمن، وإن نقلها لغير ضرورة-: ضمن، وإن نقلها لضرورة-: فوجهان: أحدهما: ضمن؛ للمخالفة، والثاني-: لا يضمن، وهو الأصح؛ لأنه قصد الإصلاح.
ولو نقلها من خريطة إلى أخرى، أو من صندوق إلى آخر، فكانت الخريطة أو الصندوق للأمين-: فهو كالبيت؛ لا يضمن، إذا كان الثاني مما يجوز حفظ مثله فيه، وإن كان دون الأول، أما إذا كانت الوديعة في صندوق وخريطة للمودع، أو استعار من المودع أو غيره، فأودع فيه - نظر: إن لم يكن الصندوق مقفلاً، ولا الخريطة مختومة، فنقلها - نظر: إن نقلها إلى صندوق أو خريطة أحرز من الأولى أو مثله-: لم يضمن، وإن كان دونه، ضمن، وإن كان حرزاً لمثله؛ كالبيت.
وقيل: يضمن بكل حال، لأنه ليس له تفتيش الوديعة وتمييز بعضها عن بعض.
والأول أصح، لأنه أودعه شيئاً وخريطة.
فحفظ أحدهما في حرز والآخر في حرز آخر، كما لو أودع خريطتين، فحفظ أحدهما في بيت والأخرى في بيت آخر-: لا يضمن، فأما إذا كان الصندوق مقفلاً أو الخريطة مختومة، ففتح القُفل أو فض الختم، ونقل ما فيه-: ضمن بكل حال، وإن فتح القفل، وفض الختم، ولم ينقل ما فيه-: هل يضمن؟ وجهان.
أصحهما: يضمن ما فيه بفض الختم والقفل-: هل يضمن الصندوق والخريطة؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن؛ ما يضمن ما فيه.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه لم يقصده، إنما قصد ما فيه.
أما إذا كان رأس الخريطة مسدوداً بخيط أو أودع الثياب معكومة بحبل فحله-: لا

يضمن؛ لأنه ليس القصد بهذا الشر أن يكون مكتوماً عنه، إنما القصد منه ألا ينتشر.
ولو أودع في كيس مختوم، فخرق الكيس - نظر: إن خرق فوق موضوع الختم- لم يضمن إلا نقصان الخرق، وإن خرق دونه: هل يضمن ما فيه؟ فعلى وجهين؛ كفض الختم.
ولو أودعه شيئاً مدفوناً، فنبشه-: فهو كفض الختم.
ولو قال: احفظ- الوديعة في هذا البيت، ولا تدخل فيه أحداً، فأدخل، أو لا تستعين على حفظه بالحراس ففعل - نُظر.
إن جاء التلف من ناحية المخالفة بانهدام البيت، أو وقوع حريق أو نحوه-: لا يضمن.
ولو أودعه شيئاً في صندوق، وقال: لا ترقد عليه، فرقد عليه- نُظر: إن جاء التلف من ناحية المخالفة؛ بأن انكسر رأس الصندوق، فهلكت الوديعة، أو كان في صحراء، فرقد عليه فخلى جوانبه، فسرق-: ضمن، وإن جاء التلف لا من ناحية المخالفة-: لا يضمن.
وعند مالك: يضمنُ؛ لأن فيه إغراء اللصوص عليه.
قلنا: ليس فيه إلا زيادة الاحتياط في الحفظ؛ كما لو قال: لا تقل عليه، فأقفل، أو قال: لاتقفل قفلين، فأقفل قفلين-: لا يضمن.
ولو أودعه دراهم وشيئاً في طريق أو سوق مطلقاً، ولم يقل: أمسكها في يدك، أو أربطها في كُمك، فربطها في كمه، ومسكها بيده-: فقد أحرزها؛ فإن تلفت-: لا ضمان عليه، وإن أمسكها في يده، ولم يربطها في كمه، فتلفت - نُظر: إن كان التلف بانتزاع غاصب من يده-: لم يضمن؛ لأن الكف أحرز في مثل هذه الحالة، وإن غفل أو نام، فسقط منه-: ضمن؛ لأن الربط أحرز في هذه الحالة.
ولو وضعه في كمه، ولم يربطه فسقط، نُظر: إن كان خفيفاً، إذا سقط لا يعلم-: ضمنه؛ لأنه مفرط في حفظه.
وإن كان ثقيلاً إذا سقط وعلم به-: لم يضمن.
ولو وضعه في جيبه: فإن كان مزروراً أو ضيقاً-: لم يضمن.

وإن كان واسعاً غيره مزرورٍ-: ضمن؛ لأنه تناله اليد، ولو وضعه في رأس منديله، ولم يشده-: ضمن.
ولو قال له: اربطها في كمك، فربطها في كمه، ولم يمسكها بيده-: لا يضمن، وإن أمسك بيده-: فقد زاد حفاً، ولو لم يربطها، وأمسكها بيده- نُظر: إن غفل أو نام، فسقط -: ضمن؛ لأن التلف جاء من ناحية المخالفة؛ فإن الربط في الكم أحرز من الأخذ بالكف في هذه الحالة.
وإن أخذ ظالم كرهاً-: لم يضمن؛ لأن الأخذ من الكم أسهل.
ولو قال اربطها في كمك داخلاً، فربطها خارجاً- نُظر: وإن طره الطرار، ضمن، وإن انحلت العقدة فتناثرت-: لم يضمن، إذا كان قد بالغ في الشدُ، وعلى عكسه: لو قال اربطها خارجاً، فربطها داخلاً إن انحلت العقدة-: ضمن، وإن أخذها الطرار-: لم يضمن، وكذلك: لو قال: اربطها في كمك مطلقاً فربط داخلاً أو خارجاً على هذا التفصيل، ولو قال: أمسكها في كُمك، فأمسك في جيبه-: لم يضمن؛ لأن الجيب أحرز.
ولو قال أمسك في جيبك، فوضع في كمه-: ضمن.
ولو أودعه شيئاً في البيت، وقال: احفظها في البيت، فشده في ثوبه، وخرج-: ضمن؛ لأن البيت أحرز.
ولو دفعها إليه في السوق، وقال: احفظها في البيت، فإن قام في الحال، ومضى إلى البيت، فأحرزها-: لم يضمن، وإن لم يقم، وتوانى - ضمن.
ولو أودعه خاتماً، فتختم به قالت الحنفية: إن تختم به في بنصره-: لم يضن وإن جعله في خنصره؛ لأنه مستعمل، وكان القاضي الإمام -رحمه الله -يقول: هذا محتمل، ويحتمل ألا يضمن؛ لأنه في الخنصر أحفظ إلا أن ينوي الاستعمال: فيضمن.
ولو أمره أن يجعله في البنصر، فجعله في الخنصر-: يضمن؛ لأن ما يثبت في أسفل البنصر يكون واسعاً في الخنصر؛ فيكون إلى السقوط أسرع، فإن كان لا يصل إلى أسفل البنصر، فنقله إلى أسفل الخنصر، ليكون أحرز-: لا يضمن، ولو قال: اجعله في الخنصر، فجعله في أسفل البنصر-: لم يضمن؛ لأن البنصر أغلظ؛ فيكون أحرز، فإن لم يصل إلى

ويجوز إجارة المشاع في نصف دار، ونصف عبد، سواء أجر من شريكه أو من غيره، وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: لا يجوز من غير شريكه، وجوزه صاحباه.
والإجارة تنعقد بلفظ "الإجارة" و"الكراء"؛ تقول: أكريت منك هذه الدار بكذا، أو أجرت منك هذه الدار بكذا، وإن قال: أجرت منك منفعة هذه الدار: يجوز.
وقيل: لا يجوز حتى يقول: أجرتك هذه الدار.
وإن كان في الذمة، فقال: أكريت ذمتك بكذا: جاز، وإن لم يتلفظ بواحد من اللفظين.
ولو قال بلفظ التمليك والبيع- نُظر: إن قال: بعت منك هذه الدار: لا يصح؛ لأنه لتمليك العين، وإن قال: بعت منك، أو ملكتك منفعة هذه الدار شهراً بكذا: ففيه وجهان: قال ابن سريج: يصح؛ لأن الإجارة صنف من البيوع.

أحدهما: يضمن؛ كما لو كان عالماً.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه لم يكن مأموراً بعلفها قبل مضى زمانه.
وإذا علفها المودع - نُظر: إن أمره المالك بعلفها-: رجع عليه، وإن لم يأمره، بل أطلق الإيداع - نظر: إن أنفق من مال نفسه، أو استدان بنفسه دون إذن الحاكم-: فهو متبرع، لا يرجع، إن كان هناك حاكم، وإن لم يكن حاكم، فإن أشهد-: رجع؛ وإلا فلا يرجع، وإن أنفق بأمر الحاكم- نُظر: إن أمره ليستقرض، فينفق رجع، وإن أمره لينفق من مال نفسه، ففعل -: هل يرجع؟ فيه وجهان.
ولو أودعه، ونهاه عن سقيها وعلفها-: فلا يجوز له أن يُضيعها بقوله، فلو لم يسقها ولم يعلفها، حتى ماتت جوعاً أو عطشاً-: أثم هو والمالك جميعاً، ولكنه لا ضمان عليه؛ كما لو قال: اقتل دابتي، فقتلها -: لا ضمان عليه، أما إذا كان بها علة من قولج أو تخمة، فنهاه عن علفها، فعلف قبل زوال العلة، فماتت -: ضمنها.
وإذا أخرج الدابة عن الدار للعلف، والسقي، أو بعثه على يد عبده أو تلميذه- نُظر: إن كان الذي بعثه على يده غير أمين، أو كان في الطريق خوف-: يُضمن، وإن كان أميناً، ولا خوف في الطريق- نُظر: إن كانت داره ضيقة-: لا يضمن؛ لأنه مضطر إلى الإخراج، وإن كانت واسعة بحيث يسقى دوابه في داره -: فعلى وجهين: أحدهما- وهو المنصوص-: يضمن؛ لأنه أخرج الوديعة - من حرزها لغير ضرورة.
والثاني- وهو قول أبي إسحاق-: لا يضمن، وإن كان لسقي دوابه في داره؛ لأن العادة قد جرت بإخراج الدواب عن المنزل للسقي، والنص محمول على ما إذا كان الخارج غير أمين.
ولو ركبها في السقي -: ضمن، إلا أن تكون جموحاً لا تنقاد إلا بالركوب: فلا.
ولو أودعه ثوباً من صوف -: عليه حفه من الدُّودِ ونفضه عند الحاجة؛ كما يفعل بماله، فلو لم يفعل حتى أفسده الدُّود -: ضمن، سواء أمره المالك بالنفض أو لم يأمره،

ولو نهاه عن النفض -: يكره له تركه ليفسد، غير أنه لو ترك-: لم يضمن، ولو نفض-: لم يضمن.
ولو كان الصوف في صندوق مقفل، ففتح القفل لينفضه-: هل يضمن؟ فيه وجهان: الأصح: لا يضمن.
وإذا صارت الوديعة مضمونة بالتعدي: فلا يبرأ بترك التعدي وردها إلى مكانها.
وقال أبو خليفة يبرأ، ووافقنا فيما لو جحدوا الوديعة، وصار ضماناً لها بالجحود، ثم أقر أنه لا يبرا.
فنقول: وديعة ضمنت بالتعدي، فلا يرتفع ضمانها إلا باستئمان جديد من المالك؛ كما لو جحد، ثم أقر، فلو ردها إلى المالك بعد التعدي، ثم أودعه مرة أخرى: لم يكن مضموناً عليه؛ لأن الضمان قد زال بالرد، ولو لم يردها، بل قال المالك: أودعتك أو أستأمنتك أو أبرأتك عن الضمان، أو أذنت لك فيحفظها-: هل يبرأ عن الضمان؟ فيه وجهان: أصحهما: يبرأ؛ لأن الضمان لحقه فيسقط بإسقاطه؛ كما لو أخذها، ثم أودعها منه ثانياً.
والثاني: لا يبرأ؛ لأن الوديعة لم تعد إلى المالك؛ فلا معنى لاستئمان عارٍ عن التسليم.
فصل فيمن مات وعنده وديعة كل من حضره الموتُ، وعنده وديعة-: فعليه أن يوصي بها؛ فإن لم يفعل حتى مات: ضمن، إلا أن يختطف فجأة، فلا يضمن، وكذلك لو جلس ليقتل فلو لم يوص بها-: ضمن، وإن أوصى إلى أمين-: لم يضمن، وإن أمكن الرد إلى المالك؛ لأنه لا يدري متى يموت، ولو أوصى إلى غير أمين-: ضمن؛ كما لو لم يوص، فإذا أوصى بها-: يجب أن يعين الوديعة بالإشارة إليها أو ببيان وصفها، فإن لم يبين الجنس، بل قال: لفلان عندي وديعة-: ضمن، ولو عين وأشار إليها، أو بين جنسها ووصفها: فإن وجدت بذلك الوصف-: ردت إلى المالك، وإن لم توجد تلك العين، أو وصف، ولم توجد بذلك الوصف: فلاضمان، وتُحمل على أنها تلفت، ولو بين الجنس، ولم يصف؛ بأن قال: عندي ثوب لفلان، فإن لم يوجد، في تركته إلا ثوب واحد-: حمل عليه، ودفع إلى المالك، وإن وجد في تركته ثيابٌ-: فهو ضامن بترك التعيين، أو الوصف، كما لو خلط الوديعة بغيرها، وإن لم يكن في تركته ثوب-: ففيه وجهان.

أصحهما: يضمن، وصاحب الوديعة يضارب الغرماء بالقيمة لأنه مفرط بترك البيان.
وقال أبو إسحاق-: لا يضمن، إذا لم يكن من تركته من جنسه، ويُحمل على أنه قد تلف؛ لأن الوديعة- أمانة؛ فلا تضمن بالشك، فحيث أوجبنا الضمان -: تكون من رأس المال.
وعند أبي حنيفة: تكونُ من الثلث.
وإذا مات رجلٌ، ووجد في تركته كيس مكتوب عليه: وديعة فلان أو وُجد في تركته: لفلان عندي وديعة، بيَّنَ وصفها-: فلا يجب على الوارث تسليمها إليه بهذا القدر، حتى تقوم بينة، أو يقر الوارث؛ لجواز أن تكون العلامة بخط غيره، ويجوز أن يكون قد اشتراها بعد العلامة، فلم يمح العلامة.
وإذا مات عن وديعة-: لا يجوز لوارثه إمساكها؛ لأن المالك لم يرض بأمانته، فإن هلكت في يد الوارث قبل أن يتمكن من الرد-: لم يضمن، وإن هلكت بعد التمكن؛ على أصح الوجهين، وإن كان المالك غائباً-: دفعها إلى الحاكم؛ فإن أمره الحاكم بحفظها-: فهو استحفاظ جديد؛ وكذلك: لو مات المالك-: فعلى المودع الرد إلى وارثه، فإن هلكت قبلا لتمكن من الرد-: لم يضمن، وبعد التمكن وجهان، فإن لم يظفر بالوارث-: دفعها إلى الحاكم، وإذا أودع الوديعة عند غيره من غير ضرورة-: قد ذكرنا أنه يضمنها، فإن هلكت عند الثاني-: جاز لمالكها أن يضمن أيهما شاء؛ لأن الأول، سلم ما لم يكن له تسليمه والثاني أخذ ما لم يكن له أخذه، ثم إن كان الثاني عالماً بالحال-: فقرار الضمان يكون عليه، فإن ضمنه الأول-: رجع عليه، وإن ضمنه الثاني-: لا يرجع على الأول، ون كان الثاني جهلاً-: فقرار الضمان على من يكون؟ فيه وجهان: أحدهما: على الثاني؛ كما ذكرنا؛ لأن الهلاك كان في يده والثاني: يكونُ على الأول؛ لأن الثاني أخذ على الأمانة؛ فعلى هذا: إن ضمن الأول-: لم يرجع على الثاني، وإن ضمن الثاني-: رجع على الأول، ولو أخذت الوديعة من المودع كرهاً، أو سرق من خزانته-: لا ضمان عليه.
ولو أكره، حتى حمل بنفسه-: فالضمان على الآخر، وهل يكون المودع طريقاً؟ فيه وجهان.
ولو أخبر بها السلطان، فأخذها منه كُرهاً-: ضمن؛ لأنه متعد بالإخبار ولو أخبر اللصوص، فسرق-: إن عين الموضع-: ضمن؛ وإلا فلا، ولو أمر المالك المودع بدفع الوديعة إلى إنسان معين، فدفع إليه-: لم يضمن.
وإن هلك في يده قبل الدفع إليه- نظر: إن لم يتمكن من الدفع إليه-: لم يضمن، وإن تمكن، فلم يدفع-: فيه وجهان، وإذا

دفع إليه هل يجب الإشهاد؟ فيه وجهان.
أصحهما: يجب حتى لو لم يشهد-: ضمن؛ كما لو أمره بقضاء دين-: يجب الإشهاد.
والثاني: لا يجب؛ لأنه أمانة، وقول المدفوع إليه مقبول في التلف والرد؛ فلا يكون في الإشهاد فائدة.
بخلاف الدين؛ فنه مضمون، وإنما ينكر الأخذ-: فلا تحصل البراءة إلا بالإشهاد.
ولو طالبه المالك برد الوديعة-: فعليه التخلية بينهما وبين المالك.
ومؤنة الرد على المالك، فلو أخر من غير ضرورة بعدما طلبه-: ضمن، فإن كان مشغولاً بطهارة أو صلاة أو أكل أو كان ملازماً لغريم يخاف هربه فأخر حتى يفرغ، أو كان بالليل فأخر حتى يدخل النهار-: لم يضمن.
فصل في الاختلاف إذا ادعى المودع تلف الوديعة، أو ردها إلى المالك، وأنكر المالك-: فالقول قول المودع من يمينه؛ لأنه أمين، ويدعي الرد على من ائتمنه؛ فلو مات المودع قبل أن يحلف-: حلف وارثه.
ولو وقع الاختلاف بعد تلف العين؛ فقال المالك: طالبتك بردها، فأخرت بلا عذر، فقال: ما طالبتني، أو قال طالتبني، فأخرت بعُذر-: فالقول قول المودع مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء أمانته، والمدعي يدعي زوالها، فلو وقع الاختلاف بعد موت المودع بين المالك ووارثه-: نُظر: إن قال الوارث: رد إليك مورثي، أو تلف في يده-: قُبل قوله، مع يمينه، وإن قال الوارث: أن رددته إليك، وأنكر المالك-: فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأنه يدعي الرد على غير من ائتمنه، وإن قال: تلف في يدي، ولم أتمكن من الرد-: فيه وجهان أحدهما: القول قول المالك؛ كما في الرد.
والثاني: قول الوارث مع يمينه؛ لأنه أمين.
وكذلك: لو مات المالك، فقال المودع: رددت إلى المودع، أو تلف في يدي في حياته، وأنكر الوارث-: فالقول قول المودع مع يمينه، وإن قال للوارث: رددته إليك، وأنكر الوارث-: فالقول قول الوارثُ؛ لأنه لم يأتمنه، وإن قال تلف في يدي بعد الموت قبل التمكن-: فعلى وجهين.
ولو دفع المُودع الوديعة إلى أمين، ثم اختلفا، فقال المالك ما أمرتك به، وقال

المُودعُ: بل أمرتني به-: فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأن الأصل أنه لم يأمره فإذا حلف-: ضمن أيهما شاء وأيهما ضمنه- لا رجوع له على الآخر؛ لأنه يقول المالك: ظالم فيما يأخذ مني؛ فلا رجوع له على غير من ظلمه.
ولو قال المالكُ: أمرتُك بالدفع إليه، ولكنك لم تدفع، وكذلك يقول المأمور بالدفع إليه: إنه لم يدفع: فإن قلنا: الإشهاد واجب-: فالمودع ضامن من غير يمين؛ لأنه مفرط بترك الإشهاد، وإن قلنا: لا يجب الإشهاد-: فقد قيل: القول قول المودع مع يمينه؛ لأنه أمين.
والمذهب: أن القول قول المالك مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الدفع.
فإن قلنا: القول قول المالك، فقال الثاني: قد دفع إليَّ، وهلك في يدي-: لا يقبل قوله على المالك، بل يحلف المالك، ويضمن الأول، وإذا اتفقا على أنه دفع إلى الثاني، فادعى الثاني الرد إلى المالك، أو التلف -: قُبِلَ قوله مع يمينه.
هذا إذا عين المالك المدفوع إليه، فإن لم يعين، بل قال: ادفع إلى أمين، فدفع، ثم ادعى الأمين التلف-: قُبل قوله مع يمينه، وإن ادعى الرد إلى المالك-: لا يُقبل بل القول قول المالك مع يمينه؛ لأنه يدعي الرد إلى غير من ائتمنه.
وكذلك: لو أراد المودع سفراً، فوضع الوديعة عند أمين، فادعى الأمين التلف؛ يُقبل.
ولو ادعى الرد إلى المالك: لا يُقبل.
ولو ادعى على رجل وديعة، فأنكر-: فالقول قول المنكر مع يمينه، فلو أقام المدعي البينة، فادعى المودع التلف، أو الرد- ينظر في إنكاره: فإن قال: ما لك عندي شيء، أو لا يلزمني تسليم شيء إليك، فأقام المدعي بينة على الإيداع، فقال المدعى عليه: كنت قد رددتها قبل الإنكار، أو تلف في يدي-: يُقبل قوله مع يمينه؛ لأنه صدف في إنكاره؛ أنه لا شيء ل عندي بعد التلف والرد، وإن قال في الإنكار: ما أودعتني شيئاً، فأقام المدعي بينة على الإيداع، فقال المدعي عليه: صدقت البينة، ولكنها كانت تلفت في يدي، أو رددتها-: لا يقبل قوله؛ لأن قضية قوله: "ما أودعتني": أنه لم يرد إليه شيئاً، ولم يتلف له عنده شيء، فلو أقام بينة على التلف أو الرد قبل الإنكار-: هل يسمع؟ فيه وجهان: أحدهما: يسمع؛ لأنه المدعي لو صدقه يسقط عن الضمان؛ فكذلك إذا أقام البينة.
والثاني: لا يسمع، لأن إنكاره السابق يكذب بينته.

ولو ادعى رجلان عيناً في يدي رجل، فقال كل واحدٍ: أنا أودعتكها، فقال المودع: هل لأحدهما، ولا أدري لأيُكما هي- نُظر: إن لم يدع علمه-: أخذت العين منه، وهي كعين في أيديهما، يتداعيانها، فأيهما أقام البينة-: قُضِيَ له، فإن لم تكن بينة: فإن حلفا أو نكلا-: تكون بينهما، وإن حلف احدهما، ونكل الآخر-: قضى بها للحالف، وإن ادعيا علمه-: حلف يميناً واحدة بالله؛ لا يعلمُ أنها لأيهما، فإذا حلف-: أخذت العين منه، وتكون كعين يتراعيانها؛ كما ذكرنا، وإن نكل المدعي عليه عن يمين العلم-: حلف كل واحد منهما على علمه، وأخذ منه العين وقيمتها، ويكون لكل واحد نصف العين، ونصف القيمة، إذا حلفا أو نكلا، وإنما غرمناه القيمة؛ لأن كل واحد ثبت عليه بيمين الرد جميع العين، وإذا جعلنا العين بينهما-: لا يكون لكل واحد إلا نصفها، وإذا أقام أحدهما البينة- أخذ جميع الوديعة، وردت القيمة إلى المودع، وإن لم تكن بينة، وحلف أحدهما-: أخذ الحالف جميع العين، ورد نصف القيمة إلى المودع، ولا يجب على الناكل رد نصف القيمة؛ لأنه ثبت له ذلك بيمينه على المودع، ونكوله كان في حق صاحبه؛ لأن حق المودع، وإن كان مثل هذا.
الدعوى في الغصب ادعى رجلان أنه غصب مني هذه العين، فقال المدعى عليه: غصبت من أحدهما، ولا أدري أيهما هو-: فيجب أن يُحلف على "البتِّ" لكل واحد منهما أنه لم يغصب منه، فإذا حلف لأحدهما-: تعين المغصوب للثاني، ولا يحلف له.
ولو أقر المدعي عليه بالعين لأحدهما، أو قال لأحدهما: ليست هذه لك -: كان إقراراً للآخر؛ بتسلم العين إليه، وخصومة الآخر تكون مع المقر له، وهل له أن يدعي القيمة على المدعي عليه هذا يبني على أنه لو أقر للثاني بعدما أقر للأول-: لا تُنتزع العين من يد الأول، وهل يغرم القيمة للثاني؟ فيه قولان: أحدهما: يغرم؛ فعلى هذا: له أن يدعي عليه قيمة العين.
والثاني- وهو الأصح-: لا يغرم؛ فعلى هذا هل يدعي القيمة؟ يبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة إقرار المدعي عليه أم بمنزلة بينة المدعي؟ وفيه جوابان: إن قلنا: بمنزلة الإقرار-: ليس له دعوى القيمة، وإن قلنا: بمنزلة البينة -: له الدعوى، فإن حلف-: بريء، وإن نكل-: حلف المدعي، واخذ القيمة، ولا خلاف أن العين لاتنتزع من يد المُقر له، وإن جعلنا النكول ورد اليمين بمنزلة البينة؛ لأنه البينة في حق المتداعيين فحسب، ولو أقر المدعي عليه لهما جميعاً-: كان كشيء في أيديهما

يتداعيانه، فإن حلف أحدهما-: قُضي له، ولا خصومة للناكل مع المودع؛ لأنه أبطل حقه بالنكول، وإن حلفا-: كان العين بينهما.
وهل لكل واحدٍ منهما أن يدعي نصف القيمة على المودع؟ فعلى الاختلاف الذي ذكرنا، والله أعلم.

كتاب: قسم الفيء

بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7] الآية، وقال تعالى: ﴿َاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: 1].
الفيء: اسم لما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين من غير إيجاف خيل ولا ركاب مثل: جزية أهل الذمة وخراج أراضيهم، أو يُصالح الإمام أهل بلد على خراج يؤدونه، أو ضريبة يؤدونها إذا دخلوا بلاد الإسلام لتجارة أو غيرها، أو انجلى الكفار عن بلد، فتركوا أوطانهم وأموالهم لضر أصابهم، أو سمعوا خبر المسلمين فانجلوا خوفاً منهم، أو يموت واحد من أهل الذمة ولا وارث له، أو يموت مرتد أو يقتل؛ فماله يكون فيئاً يوضع في بيت المال.
والغنيمة: ما صار إلى المسلمين من أموال الكفار بإيجاف خيل وركاب سواء أخذوا منهم قهراً أو هزموهم في القتال، فتركوا أموالهم؛ فاستولى عليها المسلمون.

والفيء والغنيمة يسمى كل واحد باسم الآخر، ويتميزان بما ذكرنا؛ كالفقير والمسكين: يسمى كل واحد باسم الآخر؛ لاتفاقهما في الحاجة، ثم يتميزان: فكل واحد من المالين مخموس؛ فخمسه لخمسة أصناف على ما نطق به القرآن، وأربعة أخماس الغنيمة للغانمين.
أما أربعة أخماس الفيء كانت خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- في حياته، فيعد منها نفقة سنة له ولعياله، ويجعل الفضل مع ما فضل من خمس خمس الغنيمةن والفيء في الكُراع والسلاح عدة في سبيل الله؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-:"مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردودٌ فيكم".
وبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم- سهمه من خمس خمس الغنيمة، وخمس خمس الفيء لمصالح المسلمين، وفي أربعة أخماس الفيء قولان أصحهما: أنها للمرتزقة الذين كتب أساميهم في ديوان الغزو؛ فتركوا أشغالهم ولزموا الثغور والمواضع التي إذا استنفروا منها إلى جهة احتيج إليهم للغزو نفروا ذلك؛ لأنها كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الرعب كان منه للكفار، وبعده يحصل الرعب من المرتزقة؛ فيكون المال لهم.
[والثاني: هي للمصالح ويبدأ بالأهم؛ فالأهم هم المرتزقة؛ لأن كل سهم] كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته: يكون بعده للمصالح؛ كخمس الخمس، وذكر في "القديم": أن مال المرتد لا يخمس، اختلف أصحابنا فيه:

منهم من قال في مال الفيء قولان: في "الجديد": يخمس؛ كالغنيمة.
وفي "القديم": لا يخمس؛ لأنه لم يُقاتل عليه؛ كما لو صالحهم على الضيافة؛ لم يكن لأهل الخمس فيه حق، بل يستبد بها الذين يمرءون عليهم من المسلمين.
ومنهم من قال: ما أخذ منهم بالرعب مثل أن خافوا فهربوا، وتركوا ديارهم وأموالهم: يخمس، كالغنيمة، وما لم يؤخذ بالرعب؟ مثل: مال المرتد، ومال من مات ولا وارث له: فيه قولان: في الجدية يُخمس.
وفي القديم: لا يخمس.
فحيث قلنا: لا يخمس: فحكم جميع ذلك المال حكم أربعة أخماس الفيء، حيث يخمس، وفي مصرفه قولان.
بابُ: الأنفال رُوي عن أبي قتادة؛ أن رسول لله - صلى الله عليه وسلم- قال يوم حنين: "من قتل قتيلاً له عليه

بينةٌ -: فله سلبه".

ورُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى سلب مرحب يوم خيبر من قتله.
إذا قتل مسلم مكلف حر ذكرٌ في حرب الكفار مشركاً مقيلاً على القتال-: يستحق سلبه، سواء قتله في المبارزة أو في غير المبارزة، وسواء نادى الإمام بأن من قتل قتيلاً فله سلبه، أو لم يُناد؛ لما روي عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يوم حُنين فرأيت رجلاً من المشركين علا رجلاً من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه ضربةً، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من قتل قتيلاً له عليه بينة-: فله سلبه، فقمت

فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "فأعطه إياه فأعطانيه".
وقال مالك وأبو حنيفة: - رحمة الله عليهما-: لا يستحق القاتل السلب إلا بعد نداء الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه، والحديث حجة عليهما؛ لأن قتل أبي قتادة المشرك: كان قبل النداء، وأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - سلب قتيله.
والشرط أن يكون الكافر مقبلاً على القتال، وإن لم يكن مشتغلاً به في تلك الحالة، فلو انهزم الجيش، فقتل واحداً في الهزيمة-: لا يستحق سلبه، أما إذا قاتله، فهرب من بين يديه، فقتله مُدبراً أو ولى هره متحرفاً لقتال أو متميزاً إلى فئة، فتبعه، وقتله-: ليستحق سلبه، ولو قصد كافر مسلماًن فجاء مسلم آخر من ورائه، فقتله-: يستحق سلبه؛ بدليل حديث أبي قتادة.
ولو رمى منهما من بُعدٍ إلى صف الكفار، فقتل واحداً-: لا يستحق سلبه، لأنه لم

يُخاطر معه بروحه، أما إذا خرج من الصف، وخرج في مقابلته كافرٌ، فلما قَرُبَ منه، رماه فقتله-: يستحق سلبه.

ولو قتله، وهو غير مُقبلٍ على القتال، بأن كان أسيراً عنده، أو مثخناً زمناً، أو كان نائماً، أو مشتغلاً بأكل-: لا يستحق سلبه.
وقال أبو ثورٍ: يستحق سلبه؛ كيفما قتله؛ وهذا لا يصح؛ لأن ابن مسعود قتل أبا جهل بعدما أثخنه غلامان من الأنصار، فلم يدفع النبي - صلى الله عليه وسلم -سلبه إلى ابن مسعود.
ولو اشترك اثنان في قتل مُشركٍ: يكون السلب بينهما، ولو ضربه رجل، فأزمنه، أو قطع يديه ورجليه جميعاً، ثم قتله آخر-: فالسلب للأول؛ لأنه كفاه شره بالإزمان أو قطع الأطراف، ولو قطع الأول إحدى يديه أو إحدى رجليه، أو جرحه ولم يُزمنه، وقتله الآخر: فالسلب للثاني، ولو قطع الأول يديه أو رجليه أو إحدى يديه مع إحدى رجليه، ثم قتله الثاني: ففيه قولان: أحدهما: السلب للأول؛ لأنه عطله وجعله كالهالك بقطع الطرفين؛ كما لو فقأ عينيه؛ ثم قتله الآخر-: كان السلب للأول؛ لأنه عطله.
والقول الثاني: يكونُ السلب للثاني؛ لأن امتناعه لا يزول إلا بقطع الأطراف الأربعة؛ فنه بعد قطع اليدين يمكنه أن يعدو يهرب ويجلب، وبعد قطع الرجلين: يمكنه أن يركب فيقاتل بيديه، ولو أسر كافراً حياً-: لم يكن له أن يقتله، بل يدفعه إلى الإمام، والإمام فيه بالخيار بين أن يقتله أو يسترقه، أو يمن عليه، أو يُفاديه: فإن من عليه أو قتله-: فهل يستحق الذي أسره سلبه؟ فيه قولان.
أحدهما: لا يستحق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتل قتيلاً، فله سلبه"، وهو لم يقتله.
والثاني: يستحق؛ لأنه كفى شره بما هو أصعب عليه؛ لأن أسره أشد عليه من قتله.
وإن استرقه الإمام أو فاداه بماله-: فهل تكون رقبته ومال الفداء لمن أسره أم تكون في الغنيمة؟ فعلى هذين القولين.
ولو كان قاتل المُشرك في الحرب صبياً أو عبداً أو امرأة-: هل يستحق السلب؟ فيه وجهان:

أحدهما: يستحق؛ كالحر البالغ.
والثاني: لا يستحق؛ كما لا يستحق السهم من الغنيمة.
فإن قُلنا يستحق: فإن كان عبداً-: يكون لسيده، وإن قلنا: لا تستحق المرأة: فإن كان خُنثى-: يوقف حتى يتبين حاله.
وإن كان القاتل ذمياً- نُظر: إن حضر بغير إذن الإمام-: فلا يستحق السلب؛ كما لا يستحق الغنيمة، وكذلك: كل من حضر مخذلاً.
وإن حضر الذمي بإذن الإمام: فإن قلنا: (يرضخه) من بيت المال-: فلا يستحق السلب، وإن قلنا: من الغنيمة-: فكالعبد.
وإن كان المقتول الكافر عبداً أو امرأة أو مراهقاً: فإن كان لا يقاتل: لا يستحق قاتله سلبه، وإن كان يقاتل-: فعلى وجهين: أصحهما: يستحق قاتله سلبه؛ لأنه كفى شر قتاله.
والسلب الذي يستحقه القاتل هو: ما عليه من ثياب بدنه مع الخف (والرانين)، وما كان عليه من جُبة الحرب كالدرع والمغفر، وما في يده من السلاح والمركوب الذي يُقاتل عليه، وما عليه من السرج واللجام والمقود ونحوه، أما الجنيبة التي تُقاد بين يديه والدابة التي عليها ثقله والحقيبة وما فيها من الدراهم والأمتعة، والأسلحة التي في رحله -: فلا يستحقها.

أما إذا كان نازلاً عن فرسه ممسكاً بلجامه، فقاتل راجلاً-: فهو من السلب؛ لأن الراجل يقاتل تارة راكباً، وتارة راجلاً.
أما ما كان عليه مما لا يُقاتل به؛ كالطوق والسوار والخاتم والمنطقة وما في وسطه من الدنانير للنفقة-: فهل يستحقها؟ فيه وجهان: أحدهما: يستحقها؛ لأنها على بدنه كالثياب.
والثاني: لا يستحقها؛ لأنها للزينة، وليس من جبة الحرب.
وقيل في الجنيبة وجهان.
وهل يخمس السلب؟ فيه قولان.
أصحهما: لا يخمس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله للقاتل، فقال: "من قتل قتيلاً، فله سلبه"؛ فكما اختص القاتل به من بين الغانمين: يختص به من بين أهل الخمس.
والثاني: يخمس؛ كسائر الغنيمة، فخمسه لأهل الخمس، والباقي للقاتل.
فصل في هل للأمير أن ينفل بعض الغزاة رُوي عن ابن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-"كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش".

يجوز للإمام أو لأمير الجيش: أن ينفل بعض الغزاة من الغنيمة باجتهاده؛ لزيادة غنى أو كفاية تكون فيهم مثل: أن [يأجر واحدا] بقتل كافر، أو جماعة بفتح حصن أو حفظ ممكن، أو تجسس خبر، أو دلالة على طريق؛ فيعطيهم شيئاً زائداً من الغنيمة على ما يعطى القوم؛ سواء عين واحداً أو جماعة [لذلك الأمر]، أو لم يعين، بل قال: من تقدم في سرية كذا-: فله كذا، أو من فتح الحصن الفلاني-: فله كذا.
وإنما يجوز ذلك، إذا دعت الحاجة إليه؛ فإن كان من المسلمين قلة، وفي الفار كثرة؛ فيحتاج إلى بعث السرايان وحف المكامن، فإن لم يحتج إليه؛ لكثرة المسلمين وقوتهم-: فلا ينفل، بل يتلقاهم ويتأخرهم.
وليس للنفل تقدير؛ بل تقديره إلى اجتهاد الإمام: يشترطه على قدر عمل العامل؛ فقد رُوي عن عبادة بن الصامت؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم-: "نفل في البداءة الربع، وفي الرجعة الثلث".

فالبداءة: أن يقصد الإمام دخول دار الحرب؛ فيبعث قوماً أمام الجند ينظرون لهم.
والرجعة: أن يرجع عن دار الحرب، فيرد قوماً إلى العدو يحفظونهم عن اتباع المؤمنين والكيد بهم، وجعل النفل في الرجعة أكثر؛ لأن خوفهم أكثر، وبلاءهم أشد؛ لانصراف الإمام عنهم، وشوفهم على أوطانهم أكثر؛ لطول المقام، وفي البداءة؛ يكون افمام وراءهم؛ فلا يكون عليهم من الخوف ما يكون في الرجعة.
ويجوز أن يزيد على الثلث، وينقص عن الربع على ما يراه باجتهاده، ويجوز شرط النفل من مال المسلمين، ويجوز من المال الذي يؤخذ من المشركين، وإن شرط النفل من مال المسلمين-: فيكون من خُمس الخمس سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه للمصالح.
قال سعيد بن المسيب: كان الناس يعطون النفل من الخمس.
ويشترط أن يكون معلوماً، ولا يجوز مجهولاً؛ لأنه عوض في عقد، وإن كان من مال الكفار، ومما يغنم-: يجوز مجهولاً؛ كما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الربع والثلث في البداءة والرجعة.
ويكون ذلك من الخمس أو من رأس الغنيمة؟ فيه قولان أحدهما: من الخمس؛ لحديث سعيد قال الشيخ - رحمه الله-: معنى الحديث: نفل الثلث والربع من سهم المصالح من الخمس.
والثاني أن يكون النفل من رأس مال الغنيمة، [ثم يُخمس الباقي.
وقيل: من أربعة أخماس الغنيمة]، ومعنى الحديث: شرط لهم ثلاثة أربعة أخماس الغنيمة، أو ربعها، فعلى هذا: يكون الباقي للغانمين.
أما إذا قال الإمام قبل الحرب: من أخذ شيئاً-: فهو له بعد الخمس [أومأ فيه] إلى قولين.
أحدهما: يصح الشرط؛ وهو قول أبي حنيفة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدرٍ: "من أخذ شيئاً: فهو له".

جارٍ التحميل