ولو باعها ممن به عيب من هذه العيوب الأربع بغير رضاها - يصح؛ لأن الشراء لا يُراد للاستمتاع، ثم هل لها الامتناع من التمكين؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن الوطء في ملك اليمين بعقد النكاح.
والثاني: لا؛ لأنها مملوكته، وتصرفه فيها بحق الملك.
ولو كان بكل واحد من الزوجين عيب، فالكالحرة على وجهين.
[ولو زوج أمته بمهر بخس - يصح ولا يزاد، وإن زَوَّجها بلا مهر فهو تفويض صحيح] ولو زوج الأب أو الجد ابنته البكر الصغيرة، أو البالغة دون رضاها، أو ابنته المجنونة بمهر بخس، أو بلا مهر، سواء صرح بأن لا مهر لها أو سكت عن ذكره - ففيه قولان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة: يصح النكاح، ويجب مهر المثل بالعقد؛ لأن المهر من جملة الزوائد، فتركه لا يمنع صحة العقدِ.
والثاني: لا يصح؛ لأنه بخس حقها؛ كما لو زوجها من غير كفءٍ.
ولو قبل الأب لابنه الصغير نكاح امرأة معيبة بجنون، أو جُذام، أو قرن، أو برص، أو رتق - لا يصح على الصحيح من المذهب.
وفيه قول آخر: يصح، ويثبت الخيار إذا بلغ كما ذكرنا في تزويج الصغيرة من غير كفءٍ، وإن قبل له نكاح خنثى، فإن قلنا: يثبت به الخيار، فكالمجنونة، وإن قلنا: لا يثبت فالكعمياء.
ولو قبل له نكاح امرأة ذمية، [أو كتابية]، أو امرأة عمياء، أو مقطوعة يد أو رجلٍ، أو عجوز فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن هذه الخصال لا تثبت بالخيار، فلا يمنع العقد.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا نظر له فيه.
ولو قَبِلَ له نكاح الأمة؛ لا يصح لأنه لا يخاف العيب، وإن قبل لابنه المجنون نكاح الأمة، وهو معُسرٌن ويخشى منه العنت- جاز؛ فإن قبل له نكاح معيبة بعيب آخر؛ فكالصغيرة.
قال الشيخ: رحمه الله-: لو قبل الوكيل المطلق للموكل نكاح أحد من هؤلاء- يصح؛ لأنه يتصرف بالنيابة.
ولو قبل لابنه الصغير، أو المجنون نكاح امرأة بمهر المثل، أو بعين من أعيان مال الابن قيمتها مهر المثل - يصح، وتملكها المرأة.
فإن قبل بأكثر من مهر المثل، أو بعين [من أعيان مال الابن] قيمتها أكثر من مهر المثل - فيه قولان:
أصحهما: يصح النكاح، ولا يجب إلا مهر المثل.
والثاني: لا يصح؛ لأنه بخس بحقه.
ولو قبل بصداق من مال نفسه - صح، عيناً كان أو ديناً، قدر مهر المثل أو أكثر، ولها المسمى؛ لأنه لا ضرر على الابن فيه.
فصل في تزويج الإماء
لا يجوز تزويج الأمة لأحدٍ من أقاربها، ووليها سيدها، وله تزويجها جبراً، سواء كانت بكراً أو ثيباً، صغيرة أو مجنونة، أو عاقلة بالغة، ولا فرق فيه بين القنة والمدبرة، والمعلق عتقها بصفة، لأنه تصرف بحق الملك؛ كالبيع، والإجارة.
ويجوز تزويج أم الولد جبراً على أصح الأقوال؛ لأنها مملوكة، كما يجوز إجارتها، وفيه قولان آخران:
أحدهما: يزوجها برضاها، ولا يزوجها دون رضاها، لاختلاف مله عليها.
والثاني: لا يجوز تزويجها أصلاً؛ لأن ملك المولى عليه مختل هي [لا تملك] أمرها، فلا يتم لأحدٍ عليها ولاية.
ولو طلبت الأمة وأم الولد سيدها - بتزويجها لا تجب الإجابة، لأنه ينقص قيمتها، ولأنه ربما يريد أن يستمتع بها.
وقيل: إن كانت الأمة محرماً له يجب تزويجها، وكذلك المعتق بعضها لأنها لا تحل له بحال، بخلاف المشتركة بينه وبين غيره - لا يجب تزويجها بطلبها، لأنه قد يخلص له فتحل، والمذهب الأول أنه لا يجب.
أما المُكاتبة: لا يجوز لها أن تنكح دون إذن المولى، ولا للمولى تزويجها بغير إذنها، لاختلال ملكه عليها، وإن زوجها المولى برضاها يصح.
وقيل: لا يصح تزويجها أصلاً، لأن ملك المولى عليها مختل، وهي لا تملك أمرها، فلا يتم لأحد عليها ولاية؛ والأول أصح.
ولو طلبت المكاتبة مولاها بالتزويج، هل يجب الإجابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأنه يحصل لها المهر، فتستعين به في أداء النجوم.
والثاني: لا؛ لأنها تشتغل بحق الزوج، ولا تتفرغ لتحصيل النجوم، وربما تعجز، وتعود إليه ناقصة القيمة.
وإن كانت الأمة لامرأة يزوجها ولي المرأة بإذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، مجنونة أو عاقلة، ولا يشترط رضا الأمة، سواء كان المولى ممن يجبر السيدة على النكاح، أو لا يجبر؛ كالأخ، والعم.
وصريح نطق السيدة شرط، وإن كانت بكراً؛ لأنها لا تستحي من تزويج أمتها حتى تكتفي بسكوتها، فإن كنت الأمة صغيرة، أو سفيهة، أو مجنونة - فهل يجوز تزويجها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لا يجوز تزويج عبده، لأنه ينتقص به قيمتها، وربما تحبل فيخشى هلاكها.
والثاني: يجوز، وبه قال أبو حنيفة، لأن النظر هو اكتساب المهر، وإسقاط النفقة عنه بخلاف العبد، فإن في تزويجه ضرراً عليه من صرف أكسابه إلى المهر والنفقة.
فإن قلنا: يجوز تزويجها.
فإنما [يجوز] أن يزوجها ولي نكاحها الذي يلي المال، وهو الأب أو الجد دون غيرهما ممن يلي المال، لأن ولاية النكاح تقتضي ولاية سوى المال، ولا ولاية على الصغيرة لغير الأب والجد، حتى لو كانت الصغيرة ثيباً لا يجوز للأب والجد تزويج أمتها، لأنه لا يزوجها، وإن كانت البنت مجنونة - جاز.
قال الشيخ: وإن كانت الأمة للسفيه يشترط إذن الولي، لأن الولي لا يُزوجها دون إذنه.
وقيل: يجوز لولي المال تزويج أمة الصغير والمجنون، نسيباً كان، أو وصياً، أو قيماً؛ لأنه بمنزلة المتصرف في المال.
وقيل: هذا الوجه في تزويجه عبده، وليس بصحيح.
والعبد المأذون في التجارة إذا اشترى أمةٍ - نظر؛ إن لم يكن على المأذون دين يجوز للسيد تزويج تلك الأمة، وبيعها، وهبتها، وإعتاقها، ووطئها بغير إذن العبد.
وإن اشترى طعاماً جاز للسيد أكله.
وقيل: لا يجوز شيء من ذلك بغير إذن العبد ما لم يحدث حجراً؛ والأول أصح.
ثم البيع، والهبة، والإعتاق؛ يتضمن حجراً عليها فيهان والتزويج لا يتضمن، والوطء حجرٌ إن لم يعزل، وإن عزل فلا.
فإن كان على المأذون دينٌ بسبب التجارة، سواء كان يستغرق ماله، أو لا يستغرق، - فلا يجوز للسيد شيء من هذه التصرفات قبل قضاء الدين؛ لأنه بعد الحجر عليه لا يجوز أيضاً قبل قضاء الدين؛ لتعلق حق الغرماء بماله، فلو زوجها المولى بإذن العبد والغرماء - يجوز، ولا يجوز تزويجها دون إذن المولى، ولو زوجها المولى دون إذن العبد - فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الحق فيها للغرماء، وقد أذنوا.
والثاني: - وهو الأصح- لا يجوز؛ لأن حق الغرماء يتعلق بذمة العبد، والعبد لم يرض به، وكذلك لو زوجها بإذن العبد دون إذن الغرماء - فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأن الغرماء لم يرضوا بتأخير حقهم، وتعلقه بذمة العبد إلى أن يُعتق؛ وكذلك لو رهنها العبد بإذن المولى - فوجهان:
الأصح: لا يجوز.
ولو وطئها المولى بإذن العبد والغرماء - يجوز، ولو وطئها بإذن الغرماء دون إذن العبد - فوجهان
أحدهما: يجوز، كما يجوز للراهن وطء الجارية المرهونة بإذن المرتهن.
وإذا وطئها بغير إذنهم، هل يجب عليه المهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا [يجب]؛ كما لو وطيء المرهونة.
والثاني: يجب بخلاف المرهونة، لأن منفعة المرهونة للراهن، ومنفعة عبد عبده المأذون لا تكون للمولى إذا كان عليه دين.
ولو أحبلها المولى، فالولد حر، ثم إن كان موسراً تصير أم ولدٍ له وعليه قيمتها،
فيصرف في الدين، وإن كان مُعسراً لا تصير في الحال أُمَّ ولد له وتُباع في الدين، فإذا بيعت، ثم ملكها فهل تصير أم ولد له؟ فكالمرهونة.
وكذلك الجارية الجانية إذا استولدها المولى وهو معسر، والوارث إذا استولد جارية من التركة، وهو معسر، وعلى الميت دين لا تصير أم ولد له، فإذا ملكها بعده فالكمرهونة، وحيث لم نجعلها أم ولد له في الحال -[لا] يجب عليه قيمة الولد في جارية العبد المأذون، وفي جارية التركة، ولا يجب في الجانية والمرهونة، لأن ولد المرهونة خارج من الرهن.
ولو أعتق عبد عبده المأذون، وعليه دين، أو الوارث عبداً من التركة، - وعلى الميت دينٌ - قيل في نفوذ عتقه قولان: كالمرهونة.
قال الشيخ: المذهب؛ أنه إن كان معسراً لا ينفذ عتقه، وإن كان موسراً ينفذ كالاستيلاد، وعليه الأقل من الدين أو قيمة العبد كإعتاق الجاني.
ولو كان للمكاتب عبداً وأمة - لا يجوز للمولى تزويجه بغير إذن المكاتب، ولا للمكاتب بغير إذن المولى، فإذا أذنان ففيه قولان كتبرعاته.
فصل
في الغرور
إذا شُرط في عقد النكاح في أحد الزوجين نسب ريفٌ، أو حرفة، فلم يكن، سواء كان كفئاً للآخر أو لم يكن- ففي صحة النكاح قولان:
أحدهما: لا يصح النكاح؛ لأن النكاح عقد وصف؛ فالخلف فيه كالخلف في العين؛ كما لو أذنت في زيد، فزوجت من عمرو - لا يصح.
والقول الثاني - وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله-: يصح النكاح؛ لأن فقد الوصف لا يمنع صحة العقد؛ كما لو اشترى عبداً على أنه كاتبٌ فلم يكن؛ يصح العقد.
وكذلك كل وصف شرط في أحدهما ففقدن سواء كان ذلك وصف كمال من إسلام، أو يسار، أو جمال، أو شباب، أو شرط في المرأة أنها بكرٌ، فلم تكن.
أو كان ذلك وصف نقص من قبح، أو كبر، أو طول، أو قصر.
أو شرط في المرأة أنها كاتبية، أو ثيبٌ؛ فكانت مسلمة، أو بكراً- ففي صحة النكاح قولان:
فإن قلنا: النكاح باطل يفرق بينهما، ولا شيء على الزوج إن كان قبل الدخول، وإن كان بعد الدخول بها، فلا حد عليه بشبهة الاختلاف، عالماً كان أو جاهلاً، وعليه مهر المثل، وعليها العدة، ولا سُكنى لها، ولا نفقة إن كانت حائلاً.
وإن كانت حاملاً فقولان، بناء على أن النفقة للحمل، أو للحائل.
فإن قلنا: للحائل - وهو الأصح- لا يجب.
وإن قلنا: للحمل يجب.
فإن قلنا: النكاح صحيح، فهل يثبت للمغرور الخيار في فسخ النكاح، أم لا؟ نظر إن كان المشروط وصف نقصٍ؛ بأن شرط في أحدهما بأنه رقيقٌ، أو دني النسبن فبان حراً شريفاً، أو شرط في المرأة بأنها كتابية فبانت مسلمة، أو ثيب فبانت بكراً، أو شرط في أحدهما أنه قبيح، أو مسن، فبان حسناً شاباً، - فلا خيار؛ كما لو اشترى عبداً على أنه غير كاتب، فبان كاتباً - لا خيار له.
وإن كان المشروط صفة كمالٍ، بأن شرط في أحدهما حرية أو نسباً شريفاً، أو جمالاً أو يساراً، ولم يكن، أو شرط أن المرأة مسلمة فلم تكنن أو بكرٌ فكانت ثيباًن - ثبت للآخر الخيار في الجملة.
ويشترط أن يكون الغرر في العقد، حتى يصير على قولين، فإن كان قد تقدم، فلا يؤثر في العقد لا في الصحة، ولا في الخيار.
ثُمَّ الكلام في تفصيل الخيار وفي الغرور بالنسب وبالحرية، فنقول: لا يخلو إما إن كان الغرور بالنسب، أو بالحرية، فإن كان بالنسب لا يخلو، إما إن كان من جهته، أو من جهتها.
فإن كان من جهته بأن شرط أنه نسيبٌ، ولم يكن، نظر إن كان نسبه دون نسبها - فلها الخيار، فإن لم يفسخ فلأوليائها الفسخ، لأنهم يُعيرون بدناءة نسبه، وإن كان نسبه مثل نسبها أو فوق نسبها ولكنه دون المشروط، - فهل لها الخيار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا خيار لها؛ لأنه لا عار عليها في مقامها تحته.
والثاني: يثبت لأجل الغرورن فعلى هذا إن اختارت، فلا خيار لأوليائها؛ لأنهم لا يُعيرون به، وإنما يثبت لها الخيار لأجل الغرور.
وإن كان الغرور من جهتها، بأن شرط أنها شريفة فلم تكن، - فله له الخيار؟ نظر إن كان نسبها دون نسبه، ففيه قولان:
أصحهما- وهو المذهب، واختيار المزني: يثبت له الخيار؛ كما يثبت لها إذا كان المغرور من جهته.
والثاني: لا خيار له لمعنيين:
أحدهما: لأن الطلاق بيده يمكنه مفارقتها.
والثاني: لأنه لا ضرر عليه في دناءة نسبها.
فإن قلنا: يثبت الخيار، فإن كان نسبها مثل نسبه أو فوقه، ولكنه دون المشروط، - فهل له الخيار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يثبت، فحيث أثبتنا الفسخ ينفرد به من له الخيار من غير حاكم، ولا رضا خصم؛ كفسخ البيع بالعيب.
وإذا أُجير العقد، فللمرأة الصداق، أو المسمى في العقد، وإذا فسخ العقد، فإن كان قبل الدخول، فلا شيء للمرأة، لا نصف مهر ولا منفعة؛ لأن الفسخ كان من قبلها، فهي الفاسخة؛ فلا مهر لها.
وإن كان الفسخ من قبله فهو بِغُرور كان من جهتها.
وإن كان بعد الدخول، فلها المهر.
وأي مهر يجب؟ فيه قولان:
المنصوص: أن لها مهر المثل، سواء كان أقل من المسمى أو أكثر؛ لأنه فسخ بغرور كان ي العقد؛ فصار كأن الوطء عرى عن العقد.
والقول الثاني - وهو مخرج، وهو القياس: أن لها المسمى؛ لأنه بسبب وطء وجد في نكاح صحيح، صح فيه المسمى، ويجب عليها العدة، ولا سُكنى لها، ولا نفقة إن كانت حائلاً.
وإن كانت حاملاً وقلنا: النفقة للحمل تجب.
وإن قلنا: للحامل، وهو الأصح، لا تجب.
وإن كان الغرور بالحرية فلا يخلو؛ إما إن كان من جهته أو من جهتها.
فإن كان من جهته شرط أنه حر، فبان رقيقاً، أو بعضه رقيقاً، فينظر إن كانت المرأة حرة، فلها فسخ النكاح؛ فن لم تفعل، فلأوليائها الفسخ؛ لأنهم يعبرون برقه.
وإن كانت المرأة رقيقة، فهل لها الخيار؟ فيه قولان:
أصحهما: لا خيار لها.
والثاني: يثبت لأجل الغرور.
وإن كان الغرور من جهتها ولا يتصور ذلك من سيدها؛ لأن السيد إن شرط حريتها تعتق، إنما يتصور منها بأن تقول: أنا ابنة السيد؛ أو من وكيل السيد - فينظر؛ إن كان الزوج حراً، وهو ممن يحل له ناح الأمة، فهل له الخيار؟ يبني على الغرور بالنسب إذا كان الغرور من جهتها.
إن قلنا هناك: يثبت له الخيار، فهاهنا يثبت للزوج الخيار، وهو المذهب.
وإن قلنا هناك: لا يثبت، فهاهنا وهان، بناء على المعنيين، إن قلنا هناك: لا خيار له؛ لأن الطلاق بيده - فهاهنا أيضاً لا خيار له.
وإن قلنا: لا ضرر عليه، فهاهنا له الخيار؛ لأنه يتضرر بكون زوجته رقيقاً، من حيث إن السيد لا يئويها معه بيتاً، وإن ولده منها يكون رقيقاً.
وإن قلنا: يثبت له الخيار إذا كان حراً، فإذا كان رقيقاً هل يثبت له الخيارُ؟ فيه قولان:
أصحهما: لا؛ لأنهما لا يتكافآن.
والثاني: يثبت لأجل الغرور، فحيث قلنا: لا خيار، أو أثبتنا الخيار فاختار، والزوج عبد عليه المسمى، ويتعلق بكسبه.
وإن فسخ العقد، فإن كان قبل الدخول لا شيء لها، وإن كان بعد الدخول يجب عليه مهر المثل، أو المسمى؟ فيه قولان؛ كما ذكرنا:
أظهرهما: مهر المثل.
وأقيسهما: المسمى، وبماذا يتعلق إذا كان الزوج عبداً؟
فيه ثلاثة أقوال، سواء كان الغرور من جهته، أو من جهتها وهو عبدٌ، أو سأله الخيار، ففسخ -أحدهما يتعلق بكسبه، والثاني برقبته، والثالث بذمته.
وكذلك إذا قلنا: النكاح باطلٌ [أو كان قد] وطيء-، فمهر المثل بماذا يتعلق؟ فعلى هذا الأقوال.
ومهما كان الغرور من جهة المرأة، وغرم الزوج المهر، فهل يرجع به على الغار أم لا؟ نظر، إن أجاز العقد، فلا يرجع.
وإن فسخ، قلنا: النكاح باطلٌ، أو كان قد وطيء - فقولان:
أحدهما: يرجع، كما يرجع بقيمة الأولاد في الغرور بالحرية.
والثاني - وهو الأصح-: لايرجع؛ لأنه قد استوفى منفعة البضع بمقابلة ما غرم من المهر، ولأنه شرع في العقد على أن يتقدم عليه البضع دون الولد، فإن قلنا: يرجع على الغار، لم يكن له أن يرجع إلا بعد أن يغرم، ثم إن كان الغرور بالنسب، فإن كان من وليها، أو وكيل وليهان - رجع بعد ما غرم للمرأة بجميعه على الولي، أو الوكيل، وإن كان الأولياء جماعة غروه- رجع على جميعهم، وكذلك في كل صفة غروه بها سوى النسب، فإن كان الغرور من جهة المرأة، فلا مهر عليه، وهل يجب أقل ما يُستباح به البضع؟ فيه وجهان، بخلاف ما لو كان الغرور من جهة الولي يرجع بجميع المهر، لأنه قد غرم لها المهر، فلا يخلو الوطء عن المهر.
وإن كان الغرور بالحرية من جهة وكيل السيد - غرم الزوج المهر للسيد، ثم يرجع على الوكيل، وإن كان من جهة الأمة، - رجع عليها بعد العتق بجميعه.
وإن كان الزوج عبداً فإن قلنا: يتعلق المهر بذمته، فبعدما عتق وغرم - رجع على الغار.
وإن قلنا: يتعلق بكسبه، أو رقبته، فبعد الأداء من السب، أو من الرقبة - رجع السيد على الغار.
وإذا ذكرت الأمة للوكيل: أنها حرة، وذكر الوكيل للزوج رجع الزوج على الوكيل بعدما غرم للسيد في الحال، ورجع الوكيل على الأمة بعدما عتقت، وإن ذكرت ذلك للوكيل ثم للزوج، والرجوع عليها دون الوكيل، فإن ذكره الوكيل للزوج، لأنها لما شافهت الزوج خرج الوكيل من الوسط، وإن تواطأ على أن غرا الزوج - فالضمان عليهما نصفان، فيرجع على الوكيل بالنصف في الحال، وبالنصف عليها بعد العتق.
وقيل: له أن يرجع على أيهما شاء بالكل.
قال الشيخ: ثم هو يرجع على الآخر بالنصف، والأخذ منها لا يكون إلا بعد العتق، وحيث أثبتنا الرجوع، فإنما يرجع بما أدى، حتى لو أبرأ عن المهر لا يرجع بشيء، وإن أبرأ عن بعضه لا يرجع بما أبرأ عنه، وإن أوجبنا عليه المسمى، فأدى-، رجع به لا بمهر المثل، نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه لو نكح امرأة على أنها مسلمة، فإذا هي كتابية - فله الخيار.
ولو نكحها على أنها حرة، فإذا هي أمة، - فلا خيار له، فمن أصحابنا من قال: المسألة الأولى في الشرط، والثانية في الظن.
ومنهم من قال: كلاهما في الظن، ومنهم من جعل في ثبوت الخيار فيهما بالظن- قولين: بالنقل، والتخريج:
أصحهما: لا خيار.
والثاني: يثبت؛ كما في العيوب الخمس إذا ظن أنها مسلمة، ولم تكن، فله الخيار، ومنهم من فرق على ظاهر النص، وقال: إذا ظن أنها مسلمة فبانت كتابية له الخيار؛ لأن ولي الكافرة كافر، وكان عليه إظهار زي الكفار، فإذا لم يفعل فقد غَرَّ، وولى الأمة لا يجب عليه تغيير زيه، فلا غرور من جهته، فلا خيار للزوج.
والأصح الأول، وبالظن لا يثبت الخيار.
باب الكلام الذي ينعقد به النكاح
رُوي عن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فزوجهن بكلمة الله".
ولا ينعقد النكاح إلا بلفظ الإنكاح، والتزويج.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله-: ينعقد بكل لفظٍ يوضع للتمليك؛ كالبيع، والهبة،
والتمليك، فنقول: لفظ ينعقد به غير النكاح، فلا ينعقد به النكاح؛ كلفظ الإباحة والتحليل.
وهل ينعقد بالفارسية، أو بلسان آخر سوى العربية بصريح معنى اللفظين كقوله: بزنى كردم؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحهما: ينعقد كسائر العقود.
والثاني: لا ينعقد إن كان العاقد لا يحسن العربية، فيفوض إلى من يحسن.
والثالث: إن كان لا يُحسن العربية ينعقد، وإن كان يحسنها فلا ينعقد بغيرها؛ كالتكبير في الصلاة، فلو قال الولي: بيور آدم بخيدبني فقال: بدير فيم - لا يصح؛ لأنه لم يوجد معنى النكاح، ولو قال الولي: زوجتك ابنتي، أو قال: أنكحتك، فقال: تزوجت، أو نكحت، أو قبلت تزويجها أو نكاحها - صح.
واتفاق اللفظين ليس بشرط، حتى لو قال أحدهما بلفظ التزويج، والآخر بلفظ النكاح- جاز، وكذلك لو ابتدأ الخاطب فقال: تزوجت، أو نكحت ابنتك، فقال الولي: زوجتك، أو أنكحتك - جاز.
ولو قال الولي: زوجتك، أو أنكحتك، فقال الخاطب: قبلت، ولم يقل: نكاحها، أو تزويجها - فهل ينعقد؟
نص هنا على أنه يقول: قبلت نكاحها.
واقتصر في "الإملاء" على قوله: قبلت وقد قيل: فيه قولان.
وقيل ينعقد قولاً واحداً، وحيث قال: يقول: قبلت نكاحها أراد به تأكيداً.
وقيل: لا ينعقد قولاً واحداً، وحيث أطلق محمول على المفيد في الموضع الآخر.
وقيل: لا ينعقد قولاً واحداً، وحيث أطلق محمول على المفيد في الموضع الآخر.
وقيل: إذا قال: زوجتك ابنتي فقبلته؟ فقال: نعم، أو قال الخاطب: زوجني ابنتك بكذا، قال: نعم - هل ينعقد؟ فعلى هذا الاختلاف.
والأصح: لا ينعقد؛ لأن الانعقاد حصوله باللف لا بما يُفهم؛ كما لو قال: أتزوجني ابنتك، فقال: نعم، فقال: قبلت- لا يصح.
[وكذلك لو قال: زوجتك ابنتي، فقال: نعم - لا يصح].
ولو قال الخاطب: زوجت ابنتك مني أو قال: أتزوجني ابنتك؟ فقال الولي: زوجتك فلا ينعقد حتى يقول الخاطب بعده: تزوجت.
[وكذلك لو قال الولي أولا تزوجت - ابنتي، فقال: تزوجت لا ينعقد حتى يقول: زوجت].
لأن الأول استفهام، فلا يقوم مقام الإيجاب والقبول، أما إذا قال بلفظ الأمر: زوجني ابنتك بكذا، فقال: [قبلت] زوجتك - ينعقد، ولا يحتاج إلى القبول؛ لأن الأعرابي الذي
خطب الواهبة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - زوجنيها فقال: زوجتكها، ولم يوجد بعده قبول.
وكذلك لو قال الولي أولاً تزوج ابنتي، فقال: تزوجت - ينعقد.
وإن لم يقل الولي بعده: زوجت.
وكذلك حكم البيع، والخلع، وغيرهما من العقود إذا قال: بع مني عبدك بكذا، فقال: بعت- تم البيع، وإن لم يقل: اشتريت، أو قال البائع: اشتر مني عبدي بكذا، فقال: اشتريت- تم البيع، وإن لم يقل بعده: بعت.
ولو قال: أتبيعني عبدك بكذا؟ فقال: بعتُ- فلا ينعقد، حتى يقول: اشتريت.
وإن قال البائع: أتشتري عبدي بكذا؟ فقال: اشتريت - لا ينعقد، حتى يقول بعده: بِعتُ.
وعند أبي حنيفة في البيع إذا قال: يعني، فقال: بعتُ- يحتاج إلى القبول، بخلاف النكاح، ومثله قولٌ بعيد لنا؛ لأن الناكح يكثر فيه التسيب، فينزل منزلة القبول، والأول المذهب؛ لأن الاستحباب على وه الأمر بمنزلة القبول؛ كما في البيع.
ولو قال أجنبي للولي: أزوجت ابنتك من فُلان؟ فقال: زوجتُ، ثم أقبل على الخاطب، فقال له: قبلت نكاحها؟ فقال: قبلت- يصح.
وقيل: لا يصح؛ لأنه لم يوجد الخطاب بين المتعاقدين؛ وكذلك الخلع والبيع.
ولو كتب بالتزويج إلى غائب: أن زوجت ابنتي، ولم يتلفظ - لا يصح؛ لأن الكتابة كناية، والنكاح لا ينعقد بالكناية، ولأن الشهادة فيه شرط، والشاهد لا يطلع على ما في القلب.
ولو خاطب غائباً بلسانه بمحضر شاهدين: أن زوجتك ابنتي، ثم كتب، فبلغه، الكتابُ، أو لم يبلغه الخبرُ، فقال: تزوجت، أو قبلت نكاحها بمحضر الشاهدين الذين سمعا فيه مخاطبة الولي، أو قال الخاطب في غيبة الولي: زوجني ابنتك بمحضر شاهدين، فلما بلغ الخبرُ الولي، فقال: زوجتُ بمشهدهما - ففيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأن القبول تراخى عن الإيجاب.
والثاني: يصح، وجعل كأنه خاطبه حالة ما أتاه الكتاب، أو الخبر، حتى لو فارق المجلس الذي بلغه فيه الخبر.
ثم قيل: لا يصح.
ولو قبل بمحضر شاهدين آخرين غير من حضر خطاب الولي - لا يصح، وكذلك حكم البيع والهبة في الغيبة إذا كتب على غائب: بعتك كذا، أو وهبتك كذا، فلما أتاه الكتاب، قال: اشتريت، أو قبلت.
هل يصح أم لا؟ فيه وجهان.
فصل فيما يجب على الوكيل بالتزويج
يجب على الوكيل بالتزويج أو بالقبول تسمية الزوجين، فقول وكيل الولي: زوجت بنت فلان من فلان، ويسمى الزوج، ويقول وكيل الزوج: قبلت نكاحها له، فلو قال قبلت نكاحها ولم يقل فيه وجهان؛ بناء على ما لو قال: قبلت، ولم يقل: نكاحها.
ولو ابتدأ وكيلُ الزوج فقال: قبلت نكاح فلانة بنت فلان منك بقوله لوكيل للولي، ويقول وكيل الولي: زوجتها من فُلانٍ، فلو قال: زوجت، ولم يقل: من فلان، فعلى هذين الوجهين.
وكذلك أبو الطفلين إذا زوج أحدهما ابنته من ابن الآخر ويُشترط تسمية الزوجين، فيقول- زوجت ابنتي من ابنك، فقال أبو الزوج قبلت نكاحهما، فلو قال الولي لوكيل الزوج: زوجت ابنتي منكن فقال- قبلت لفلان لا يصح؛ لأنه لم يزوجها من فُلان.
ولو قال: قبلت نكاحها ولم يقل لفلان - يقع العقد للوكيل.
وكذلك إذا قال: أبو الطفل: زوجت ابنتي منك فقال: قبلتُ لابني - لا يصح ولو لم يقل: لابني لا يصح، ولو لم يقل: لابني يقع للابن ويحرم على الابن على التأبيد وهذا بخلاف البيع.
ولا يحتاج الوكيل فيه إلى تسمية الموكل، حتى لو قال البائع لوكيل المشتري بعتُ منك، فقال: ابتعت، ونوى لفلان - يصح لفلان - لأن ملك الثمن يقبل النقل من محل إلى
محل، فيجوز أن يقع العقد للوكيل ثم ينتقل على الموكل، والنكاح لا ينتقل ولهذا قلنا: لو قَبِلَ رجُلٌ نكاح امرأةٍ بوكالة رجلٍ، ثم أنكر الموكل الوكيل لا يصح النكاح.
ولو اشترى بوكالة رجل شيئاً، ثم أنكر الموكل التوكيل - يقع العقد للوكيل، ولو قال البائع لوكيل المشتري: بعت من فلان، فقال: قبلت له - لا يصح؛ لأنه لم يخاطب العاقد، ولو قال: بعت منك، فقال: ابتعت لفلان - فيه وجهان.
ولو قال الولي لرجل: زوجتك ابنتين ولم يُسمها - يصح إذا كانت له بنت واحدة، فإن كانت له ابنتان - فلا يصح حتى يُميز بينهما بتسمية، أو إشارة، أو وصف، فيقول: زوجتك ابنتي فاطمة، أو ابنتي هذه، أو ابنتي [الكبرى]، أو ينويا بقلبهما واحدة بعينها، وكذلك العم إذا كان يُزوج ابنة أخيه، وهن جماعة، يجب أن يميز - وإن ذكر اسمها يجب أن يرفع في نسبها إلى أن تميز من غيرها.
ولو قال: زوجتك فاطمة، ولم يقل: ابنتي، وله ابنة واحدة - لم يصح؛ لأنه لم يُميز ابنته من غيرها، فإن نوياها - جاز.
ولو قال: زوجتك ابنتي فاطمة، وله بنت واحدة اسمها: عائشة- صح؛ لأن قوله: ابنتي صفة لازمة لا تتعدى، فاعتبارها أولى من اعتبار الاسم الذي يتعدى.
وقيل: لا يصح.
والأول أصح؛ كما لو أشار إليها فقال: زوجتك هذه فاطمة، وكان اسمها عائشة- صح؛ لأن الإشارة ألزم، فالخطأ في الاسم لا يضر، وكذلك إذا كانت له ابنتان اسم الكبرى: فاطمة، واسم الصغرى عائشة، فقال: زوجتك ابنتي الكبرى عائشة، أو قال: ابنتي الصغرى فاطمة- صح على من وصفها بالصغرى والكبرى، لا على من سماها اعتباراً بالدوام.
ولو قال: زوجت ابنتي فاطمة، وهو ينوي الصغيرة، فقبل الزوج، ونوى الصغيرة، صح العقد على الصغيرة؛ لاتفاق نيتهما، ولغت التسمية.
[ولو قال الأب: زوجتك ابنتي فاطمة، ونوى الصغيرة]، ولو قبل الزوج، ونوى الكبيرة، - صح العقد في الظاهر على الكبيرة؛ لأن الأب قد سماها ونواها الزوج، ولا يصح في الباطن.
ولو بُشر بمولودٍ فقال لجليسه إن كانت أنثى فقد زوجتكها، وكانت أنثى - لا يصح.
وكذلك لو قال: إن كان قد مات زوج ابنتي، فقد زوجتكها، ثم بان موته - لا يصح.
وخرج وجهٌ فيما لو باع مال أبيه على اعتقاد أنه حي، فبان ميتاً - هل يصح أم لا؟ فيه قولان.
ولو بُشر رجلٌ ببنت، فقال لرجل: إن صدق الخبر، فقد زوجتكها - صح، ولا يكون ذلك تعليقاً، بل هو تحقيقٌ، كما لو قال لامرأته: إن كنت زوجتي، فأنت طالق، فيون تنجيزاً للطلاق، حتى لو حلف ألا يحلف بالطلاق [يحنث] بهذا، وتكون "إن" بمعنى "إذ"؛ كقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
وكذلك لو كان لرجل أربع نسوة، فأخبر بموت إحداهن، فقال لرجل: إن صدق الخبرُ، فقد نكحت ابنتك، فقال: زَوَّجْتُكَهَا - يصح.
فصل في خطب النكاح
رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل كلامٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله - فهو أجذم".
وعن عبد الله بن مسعودٍ- رضي الله عنه - قال إذا أراد أحدكم أن يخطب خطبة الحاجة فليبدأ - وفي رواية أخرى: في خطبة الحاجة من النكاح وغيره، فليقل: الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يقرأ هذه الآيات الثلاث: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ - حتى بلغ - ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 70].
ورفعه بعضهم عن عبد الله قال: علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة الحاجة، فذكر نحوه.
ويستحب لمن خطب امرأة؛ أن يُقدم بين يديه خطبة، فيحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويوصي بتقوى الله، ثم يقول: جئتم راغباً في كريمتكم.
وفي الجواب: يفعل الولي كذلك، فيحمد الله، ويُصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُوصي بتقوى الله، ثم يقول: لست بمرغوب عنك، أو نحو ذلك.
وعند العقد أيضاً يخطب الولي، أو الزوج، أو أجنبي، فيحمد الله، ويُصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُوصي بتقوى الله - عز وجل-، ويُرغب في النكاح.
فلو خطب الخاطب، ثُمَّ قال: تزوجت ابنتك، فالولي حمد الله، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ووصى بتقوى الله - عز وجل- ثم قال: زوجت -، فتخلل هذه الكلمات بني الإيجاب والقبول هل يمنع العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يمنعُ؛ لأنها ليست من العقد؛ كما لو اشتغل بلام آخر.
والثاني: لا يُمنع، وهو الأصح، إذا لم يُطل؛ لأنها من مصلحة العقد؛ كالإقامة بين صلاتي الجمع، والتيمم مع طلب الماء.
فإن أطال الخطبة بينهما - لم يصح، ويستحب أن يقول ما قال [عمر]: أنكحتكها على ما أمر الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وترك الخطبة لا يمنع صحة العقد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي الذي خطب الواهبة: "زوجتكها بما معك من القُرآن"، بلا خطبةٍ.
ويستحب أن يُدعى للزوجين بعد العقد.
رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفا الإنسان - أي:
تزوج- قال: "بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خيرٍ".
باب مما يحل من الحرائر
قال الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].
ولا يجوز لأحدٍ من الأمة أن ينكح أكثر من أربع نسوة، وكان ذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم الحر يجوز له أن ينكح أربع حرائر مسلمات، أو كتابيات، أو بعضهن مسلمات، والبعض كتابيات.
وإن نكح أمة، فلا يجوز أن ينكح أكثر من واحدة، فإن كان تحته أمةٌ - يجوز أن ينكح عليها ثلاث حرائر.
فأما العبدُ فلا يجوز أن ينكح أكثر من امرأتين مسلمتين، أو كتابيتين حرتين، [أو أمتين]، وإنما جاز له نكاح أمتين؛ لأنهما فيمثل حاله.
وقال مالك: يجوزُ للعبد أن ينكح أربعاً؛ لظاهر القرآن، والمراد من الآية الحر، بدليل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ ْ [النساء: 3] والعبد لا يملك مُل اليمين.
ولو كانت تحت حر أربع حرائر، فطلقهن ثلاثاً، أو خالعهن - يجوز أن ينكح أربعاً سواهن في عددهن، وإن طلق واحدة ثلاثاً، أو خالعها، أو فسخ نكاحها - يجوز أن ينكح أختها في عدتها، كذلك لو وطيء امرأة بالشبهة - فيجوز أن ينكح أختها، وأربعاً سواها في عدتها.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز، فيقول: هذه المطلقة أجنبية منه؛ بدليل أنه لو وطئها عالمٌ بالحال - يجب عليه الحد، بل هي أبعد من الأجانب؛ لأن الأجنبية لا تحل له في الحال بالعقد، والمطلقة ثلاثاً لا تحل له إلا بعد زوج آخر.
وإذا كانت أجنبية، فلا يحرم عليه نكاح أختها، وأربع سواها؛ كما بعد انقضاء عدتها.
فأما إذا طلق [زوجته طلاقاً] رجعياً - فلا يجوزُ نكاح أختها، وأربع سواها في عدتها بالاتفاق؛ لأنها في حُكم نكاحه، بدليل [بقاء] خصائص النكاح بينهما، حتى يلحقها طلاقه.
ويصح إيلاؤه وظهاره عنها، وأيهما مات ورثه الآخر، فلو قال الزوج: أخبرتني الرجعية بانقضاء عدتها، فقالت: لم أخبره ولم تنقض عدتي - يجوز للزوج نكاح أختها، وأربع سواها؛ لأن بزعمه أنها ليست في العدة.
ولو طلقها لا يقع، ولو وطئها يجب الحد.
وقيل: لا يجوز له نكاح أختها وأربع سواها؛ لأن القول قولها في بقاء العدة، فعلى هذا لو طلقها يقع، ولو وطئها لا حد عليه؛ والأول أصح.
أما النفقة والسكنى؛ فلا تسقط بالاتفاق؛ لأن قوله في سقوط حقها لا يُقبل.
ولو طلق امرأته الأمة طلاقاً رجعياً، ثم اشتراها، أو اشتراها قبل أن يُطلقها - له أن ينكح أختها في الحال، أو أربعاً سواها؛ لأن فراشها قد زال.
فصل
المنكوحة إذا هلكت بعد الدخول - لا يسقط مهرها؛ لأنه استقر بالدخول، حرة كانت أو أمة، ماتت، أو قتلت نفسها، أو قتلها غيرها.
أما إذا هلكت قبل الدخول؛ نظر إن ماتت، أو قتلها أجنبي، أو قتلها زوجها - استقر مهرها ولا يسقط، حرة كانت أو أمة.
ولو قلتها مستحق المهر، نُص في الأمة إذا قتلت نفسها، أو قتلها سيدها - أن لا مهر لها.
وقال في "الأم": إن قتلت الحرة نفسها قبل الدخول - لا يسقط شيء من مهرها.
قال ابن سريج: المسألة على قولين:
أحدهما: يسقط في الموضعين؛ لأن قطع النكاح قبل الدخول كان من قبلها؛ كما لو ارتدت قبل الدخول.
والثاني: لا يسقط؛ لأنها فرقة وقعت بانقضاء المدة؛ كما لو ماتت.
فإن قلنا: يسقط، ففي الأمة سواء قتلت نفسها أو قتلها سيدها [يسقط]؛ لأن السيد
يستحق المهر، فيسقط بفعله، والأمة - وإن لم تكن مالكة لمهرها، ولكن قد يسقط المهر [بصنعها].
فإنها لو ارتدت أو أرضعت الزوج قبل الدخول - يسقط مهرها.
وفي الحرة إن قتلت نفسها يسقط، وإن قلتها وليها لا يسقط؛ كما لو قتلها أجنبي.
وفرق الشيخ أبو إسحاق بين الحرة والأمة على ما نص - وهو الأصح- فقال: مهر الحرة لا يسقط بالقتل، ومهر الأمة إذا قتلت نفسها، أو قتلها سيدها - يسقط.
والفرق أن الحرة تصير المسلمة إلى الزوج بالعقد؛ بدليل أنها إذا أرادت السفر، كان للزوج منعها، والأمة لا تصير مسلمة بالعقد؛ بدليل أن للسيد أن يُسافر بها، فلم يستقر مهرها إلا بالدخول.
وقال الإصطخري: الأمة إذا قتلها أجنبي، أو مات قبل الدخول - يسقط لهذا المعنى، وهي كالسلعة المبيعة إذا تلفت قبل التسليم - يسقط الثمن، والمذهب أنه يسقط؛ لأن انتهاء النكاح بالموت كانتهاء الإجارة بمضي المدة.
قال الشيخ- رحمه الله: إذا قلنا بظاهر المذهب: إن السيد إذا قتل أمته يسقط مهرها.
وإذا تزوج رجل أمة أبيه؛ ثم وطئها الأب قبل دخول الابن بها - وجب أن يسقط مهرها؛ لأن قطع النكاح وجد من مستحق المهر قبل الدخول؛ كما لو قتلها سيدها.
وحكى المزني قولاً آخر: لا يسقط مهر الأمة، سواء قتلت نفسها، أو قتلها سيدها؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ كما لا يسقط مهر الحرة.
وقال أبو حنيفة: إذا قتلها سيدها سقط، وإن قتلت نفسها فلا يسقط.
فصل
إذا قبضت الحرة الصداق - يجب عليها تسليم نفسها إلى الزوج، إن كانت محتملة الجماع.
أما الأمة المزوجة فلا يجب على المولى أن يئويها مع الزوج، ثم إن آواها مع الزوج ليلاً ونهاراً- يجب على الزوج له الصداق، وتمام النفقة، وإن منعها عنه ليلاً ونهاراً، لا نفقة عليه، ولا يُسلم المهر [ويجب تسليمها].
ولو زوج أمته، ثم باعها - يصح، والنكاح بحاله؛ لأن عائشة اشترت بريرة بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان لها زوج، فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما عُتقت.
ثم إن باعها حيثُ لا يقدر الزوج عليها - فلا نفقة على الزوج ما لم يسلمها المشتري إليه، ولا يجب تسليم المهر إن كان قبل الدخول، وإن كان قد سُلم يُسترد.
ثم المهر لمن يكون؟ نظر إن كان قد سمى لها صداقاً في العقد، صحيحاً أو فاسداً - فالمهر للبائع، سواءٌ دخل بها بعد البيع، أو قبله، حتى لو طلقها الزوج بعد البيع قبل الدخول؛ فيكون نصف المهر للبائع.
وإن تزوجها مفوضة، ففرض لها قبل البيع؛ فيكون المفروض للبائع كالمسمى في العقد، وإن دخل بها قبل البيع والفرض -[فمهر المثل للبائع.
وأما إذا باعها قبل الفرض والدخول، ثم فرض لها بعد البيع، أو دخل بها - فالمفروض] ومهر المثل لمن يكون؟
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان؛ بناء على أن المفوضة إذا دخل بها زوجها، أو فرض لها، يجب المهر بالدخول والفرض، أم يتبين أنه وجب بالعقد؟ فيه قولان:
إن قلنا: يجب بالدخول والفرض، فيكون للمشتري؛ لأنه وجد في ملكه.
وإن قلنا: يتبين أنه وجب بالعقد؛ فيكون للبائع.
ومن أصحابنا من قال: يكون للبائع قولاً واحداً؛ لأن البضع دخل في ضمانه بالعقد، فالعقد هو السبب.
وكذلك كان لها المطالبة بالفرض قبل الدخول، والعقد كان في ملك البائع.
ولو مات أحدهما بعد البيع قبل الدخول- قلنا: يجب المهر؛ فالمهر لمن يكون؟
فعلى هذا الاختلاف.
أما إذا طلقها بعد البيع قبل الفرض والمسيس - فالمتعتة تكون للمشتري؛ لأنها تجب بالطلاق، والطلاق كان في ملك المشتري.
ولو أعتقها السيدُ بعد ما زوجها، فكل موضع قلنا: يكون المهر في البيع للبائع؛ ففي العتق يكون للمعتق.
وإن قلنا هناك: يون للمشتري، ففي العتق يكون للمرأة، ثم حيث جعلنا المهر للبائع، أو للمعتق، وكان قبل الدخول - فليس لها، ولا للبائع، ولا للمعتق، ولا للمشتري حبسها لاستيفاء الصداق؛ لأن البائع والمعتق لا ملك لهما عليها، والمشتري والمرأة غير مالكين للصداق.
وإن قلنا: المهرُ للمشتري، أو لها في العتق، فيجوز للمشتري، ولها في العتق حبس نفسها لاستيفاء الصداق، وحيث جعلنا المهر للمعتق، فأوصى لها بذاك المهر ومات، وقبلت الوصية - لم يكن لها حبس نفسها لاستيفائه؛ لأن استحقاقها ليس بالنكاح، بل بالوصية؛ فعليها تسليم نفسها، وتطالبه بالصداق بحكم الوصية.
وكذلك لو زوج أم ولده، ثم مات قبل دخول الزوج بها وعتقت، وصار الصداق للوارث - ليس لها، ولا للوارث حبسها لاستيفائه، وكذلك إن أوصى لها بالصداق.
ولو زوج أمته تزويجاً فاسداً، ثم باعها، فإن وطئها الزوج قبل البيع - فمهر المثل للبائع، وإن وطئها بعد البيع - فللمشتري؛ لأنه يجب بالوطء لا بالعقد، وإن أعتقها، فإن وطيء قبل العتق - فالمهر للمعتق، وإن وطيء بعده- فللمرأة.
ولو زوج أمته من عبده، فلا صداق لها، فلو أعتقها السيد، أو أعتق واحداً منهما، ثم دخل بها- فلا يجب؛ لأن العقد لم يكن يجب به الصداق.
فصل هل يجب الإعفاف على بيت المال
إذا كان الرجل محتاجاً إلى النكاح - وهو معسرٌ - لا يجب إعفافه من بيت المال، ولا على المسلمين، ولا يجب على الأب إعفاف الابن، ويجب على الولد إعفاف الأب إذا كان مُعسراً محتاجاً إلى النكاح؛ لأن دم الأب محقون بدم الولد؛ لأنه لا يقتل بولده، فلأن يكون محقوناً بماله أولى، ولم نوجب عليه تزويجه، فربما يقع في الزنا فيقتل به، سواء كان الولد ذكراً أو أنثى، وكذلك ولدُ الولدِ - وإن سفل - يستوي فيه أولاد الابن، وأولاد البنت؛ كما في وجوب النفقة.
وفيه قول مخرجٌ: أنه لا يجب على الولد إعفاف الأب؛ كما لا يجب على الأب إعفاف الابن، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني والأول المذهب؛ لأنه أخذ ما به قوام
العالم، فيجب للوالد على الولد [كالنفقة].
وإن كان الأب معسراً غير زمنٍ، ففي وجوب إعفافه قولان؛ كالنفقة.
وقال أبو إسحاق: يجب الإعفاف، وإن لم تجب النفقة؛ لأنه إذا لم يُنفق أنفق عليه من بيت المال، وإذا لم يعف لم يكن له جهة أخرى يتعفف بها.
وإذا اجتمع جدان محتاجان، فإن اتسع مال الولد - وجب إعفافهما ونفقتهما، وإن لم تتسع، نظر إن استويا في الدرجة، وأحدهما عصبةٌ- فهو أولى؛ مثل أب الأب أولى من أب الأم، وإن لم يكن واحد منهما عصبة، فهما سواء، وإن اختلفا في الدرجة فأقربهما درجة أولى، وإن استويا في التعصيب أو عدم التعصيب، كما أن الأب أولى من أب الأب، وكذلك أب الأم أولى من أب أب الأم، ومن أب أم الأم، وإن كان الأبعد عصبة دون الأقرب، فهما سواءٌ.
ونعني بالإعفاف أن يعطيه مهر امرأة حرة، مسلمة أو كتابية، أو يقول له: تزوج وأنا أعطي المهر [من عندي] أو يملكه جارية، أو ثمن جارية، لا أنه يقبل عليه العقد دون إذنه؛ لأنه لا ولاية له عليه، ولا يعقد إلا بوسط من النساء.
فلو أراد أن يُزوجه بامرأة عجوز، أو شوهاء، أو دنيئة - فله ألا يرضى.
ولو أراد الأب امرأة في غاية الشرف والجمال - ليس له ذلك، ثم على الابن أن يُنفق على زوجته، أو على أمته إن ملكه أمة، وهل يجوز للأب أن يتزوج أمةً؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه معسر يخاف العنت.
والثاني: لا يجوز وهو الأصح؛ لأنه لما أوجب على الابن إعفافه، فهو موسرٌ بمال الابن.
ولو ملكه الابن جارية، ثم أيسر الأب - لا رجوع للابن فيها؛ كما لو دفع إليه النفقة، ثم أيسر والنفقة باقية - لا يرجع.
ولو زوجه امرأة، فطلقها الأب بلا عُذر، أو خالعها، أو ملكه أمة، فأعتقها - لا يجب عليه الإبدال؛ لأنه مفرط.
وإن ماتت، أو فارقته بعيبٍ، أو فارقها الأب بعذرٍ من عيبٍ وُجدَ بها، أو طلقها لشقاقٍ، أو نُشوزٍ يجب أن يُبدل؛ كما لو دفع إليه نفقة، فسرق منه - يجب الإبدال.
وإن كان الفراقُ بائناً يجب أن يبدل في الحالِ، وإن كان طلاقاً رجعياً، فحتى تنقضي عدتها، ولا يجب قبل ذلك؛ كما لا يجب قبل مفارقتها.
ويجوز للابن أن ينكح جارية الأب، والولد يخلق رقيقاً للجد، ثم يعتق عليه بحكم النسب، ولا يجب على الابن قيمة الولد؛ لأنه لم يمنع الرق، بل يعتق على الجد بحكم الملك.
ولو وطيء الابن جارية الأب، فهو كالأجنبي يطؤها، وإن كان [وطئها] بشبهة ظنها زوجته الحرة، أو أمة مملوكة - فالولد حرٌّ لا ولاء عليه، على أصح الوجهين، وعليه قيمة الولد للأب يوم سقط، [وإن ظنها زوجته الأمة، فالولد يُخلق رقيقاً، وعتق على الجد؛ ولا يجب قيمته].
وإن وطئها عالماً بالتحريم، فهو زناً عليه الحد، بخلاف ما لو سرق مال الأب لا قطع عليه؛ لأن له شبهة في ماله بوجوب النفقة؛ كالعبد يسرق مال سيده لا قطع عليه.
ولو زنا بارية سيده يُحد، ويجب المهر إن كانت مُكرهة، وإن طاوعت، فلا يجب على أصح الوجهين، ولو أتت بولدٍ، فهو رقيقٌ للأب، ولا يعتق عليه؛ لأن النسب غير ثابتٍ.
فأما الأب إذا وطيء جارية الابن - فلا يخلو، إما أن كان الابن قد وطئها، أو لم يطئها، فإن لم يطئها فلا حد على الأب لشبهة المِلك.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنت ومالك لأبيك"؛ لأنه قد يستحق على الابن من جنس ما استوفاه؛ لأن على الولد إعفاف الأب؛ كما لو سرق مال الابن لا قطع عليه؛ لأنه يستحق عيه النفقة عند الحاجة.
وكذلك لو وطيء رجلٌ جارية ابنته أو جارية واحدٍ من أولاد أولاده- وإن سفلوا من الذكور والإناث - سواء كان الابن مسلماً أو ذمياً، موسراً كان أو معسراً - ويجب عليه المهر، وحُرمت على الابن على التأبيد.
ثم إن لم يُحبلها الأب لا يزول ملك الابن، ولا شيء على الأب بسبب تحريمها على الابن؛ كما لو أرضعت امرأة الرجل بلبنه جارية له صغيرة - تحرم عليه، ولا يجب عليها شيء، بخلاف ما لو أفسد نكاحه بوطء شبهة؛ بأن وطيء زوجة ابنه، أو زوجة أبيه بشبهة - ينفسخ النكاح، [ويغرم المهر؛ كما لو أفسدت النكاح بالإرضاع على رجل - غرمت المهر؛ لأن الحل في النكاح] متقومٌ؛ إذ ليس فيه إلا الحِل، وفي ملك اليمين غير متقوم؛ بدليل أنه لو اشترى جارية فوجدها أخته - لا رد له، وإن أحبلها الأب، فهل تصير أمَّ ولد له فيه قولان:
أحدهما - وبه قال أبو حنيفة: تصير أم ولدٍ له؛ لأنها علقت [منه] بحر في شبهة الملك؛ فتصير أم ولدٍ له؛ كالجارية المشتركة يستولدها أحد الشريكين - وهو موسر - تصير أم ولدٍ له.
والثاني - وهو اختيارُ المزني: لا تصير أم ولدٍ له؛ لأنه لا مل له فهيا وقت الإحبال؛ كما لو استولد جارية بالنكاح، ثم اشتراها - لا تصير أم ولد له.
ولا فرق على القولين بين أن يكون الأب موسراً، أو معسراً، بخلاف الجارية المشتركة بين اثنين، إذا استولدها أحدهما، وهو معسر لا يصير نصيب الشريك أم ولد له؛ لأن تنفيذ الاستيلاد هناك لدفع الضرر عن الشريك، فلو نفذنا في حال الإعسار - تعلق حقالشريك بذمة خربة، وفيه ضرر عليه، ولا يزال الضرر بالضرر، ونفوذ الاستيلاد هاهنا لشبهة الملك، فاستوى فيه حالة الإعسار واليسار في حقيقة الملك.
فإن قلنا: تصير أم ولدٍ له، فالولد حُرٌّ لا ولاء عليه، ولا يجب على الأب قيمته؛ لأنا نحكم بانتقال الملك إليه قبل العلوق، وعلى الأب قيمة الجارية مع المهر للابن.
وقال أبو حنيفة: لا يجب المهر، ويدخل في القيمة، فنقيس على الجارية المشتركة يستولدها أحد الشريكين؛ يجب عليه نصف المهر مع نصف القيمة، ولا يدخل نصف المهر في نصف القيمة؛ كذلك هاهنا لا يدخل كل المهر في كل القيمة.
ولو اختلفا في قيمة الجارية، فالقول قول الأب مع يمينه؛ لأنه غارمٌ.
وقيل: فيه قولان؛ كما لو اشترى عبدين، فهلك أحدهما، ووجد بالثاني عيباً، وقلنا: يجوز له رده، فإن اختلفا في قيمة الهالك، فالقول قول من يكون؟ فيه قولان.
وإن قلنا: لا تصير الجارية أم ولد له- فالولد غير ثابت النسب، وهل يجب عليه الولاء - فيه وجهان:
الأصح: أن لا ولاء عليه، ويجب على الأب قيمة الولد للابن، باعتبار يوم السقوط، لأن الرق امتنع فيه بسببه؛ فكأنه أتلف الرق، ويجب عليه المهر، ولا يجب عليه قيمة الجارية؛ لأن ملك الابن باقٍ عليها، وإن كانت محرمة عليه، ولا يجب عليه بسبب التحريم شيء، ولا يجوز للابن بيع تلك الجارية ما لم تضع الحمل، لأن في بطنها ولداً حُراً.
وهل يجب على الأب قيمة الجارية للحيلولة إلى أن تضع الحمل، ثم يسترد بعد الوضع؟ - فيه وجهان:
الأصح: لا يجب؛ لأن الجارية في يد الابن يستخدمها، وكذلك حكم الجارية المغرور بحريتها، والموطوءة بشبهة إذا حبلت.
وإذا ملك الأب هذه الجارية بعده، هل تصير أم ولد له - فيه قولان؛ كالموطوءة بالشبهة.
فأما إذا كانت الجارية قد وطئها الابن، ثم وطئها الأب عالماً بالحال - فهل عليه الحد - فيه قولان؛ كمن ملك أخته بالنسب أو بالرضاع فوطئها.
أصحهما: لا يجب؛ لشبهة الملك.
والثاني: يجب؛ لأنها محرمةٌ عليه على التأبيد، وكذلك لو اشترى جارية وابنتها، فوطيء الأم - حُرمت البنت على التأبيد، فلو وطيء البنت بعده عالماً، هل عليه الحد - فيه قولان:
فإن قلنا: يجب الحد، فإذا استولدها الأب في هذه المواضع - لا تصير الجارية أم ولد له.
والولد رقيق للابن غير ثابت النسب، ولا تحرم الجارية على الابن، ويجب المهر على
الأب إن كانت الجارية مكرهة، وإن طاوعت فلا يجب على الأصح؛ كما لو زنا بجارية أجنبي.
وإن قلنا: لا حد عليه، أو كان جاهلاً - فعليه المهر، والجارية محرمة عليهما جميعاً على التأبيد، وإذا استولدها الأب هل تصير أم ولد له - نظر؛ إن كان الابن استولدها فلا تصير أم ولد؛ لأن أم الولد لا تنتقل من ملك على ملكٍ، وإن لم يكن الابن قد استولدها، فهل تصير أم ولد للأب فعلى قولين، كما ذكرنا فيما إذا لم يكن الابن قد وطئها:
أظهرهما: تصير أم ولدٍ له.
وإن قلنا: تصير أم ولد له- فعليه قيمة الجارية للابن، ولا يجب قيمة الولد ولا ولاء عليه، وإن قلنا: لا تصير أم ولد له - عليه قيمة الولد ولا يجب عليه قيمة الجارية، وهل على الولد ولاءٌ - فيه وجهان:
الأصح: أن لا ولاء عليه.
ولو كانت جارية الابن في نكاح الغير، ولم يرتفع النكاح، فوطئها الأب وأحبلها - صارت أم ولدٍ للأب على أظهر القولين؛ كما لو لم تكن في نكاح الغير، ولا يرتفع النكاح بانتقال الملك إلى الأب؛ كما لو وطئها سيدها وأحبلها - صارت أم ولد له، ولا ينفسخ النكاح، ولا يجوز للزوج أن يقربها، حتى تضع الحمل، وتطهر من النفاس.
ولو وطيء الأب مكاتبة ابنه، واستولدها - هل تصير أم ولد له - فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن المكاتبة لا تقبل النقل من ملك على ملك؛ كأم الولد.
والثاني: وهو الأصح؛ أنها كالقنة؛ لأن الكتابة تقبل الفسخ، بخلاف الاستيلاد.
ولو استولد جارية مشتركة بين أبيه وبين أجنبي - فنصيب الابن يصير أم ولدٍ على القول الأظهر، ثم إن كان موسراً سرى إلى نصيب الشريك، والولد حر لا ولاء عليه، وعليه كمال المهر، وكمال قيمة الجارية للابن والأجنبي.
وإن كان معسراً فنصيب الشريك لا يصير أم ولدٍ له، والولد نصفه حر ونصفه رقيق على أصح القولين، وإن كان الأب رقيقاً استولد جارية ابنه - لا تصير أم ولدٍ له؛ لأنه لا ملك له ولاتصير جارية ولا حد عليه للشبهة، والولد ثابت النسب، وهل يكون حراً؟ فيه وجهان:
أحدهما: هو رقيقٌ لرق الأبوين.
والثاني: وبه أفتى الشيخ القفال؛ أنه حر كولد المغرور، وقيمته في ذمته إلى أن يعتق، والمهر يتعلق برقبته إن كانت مُكرهة، وكذلك لو أكره العبد حرة فوطئها، وإن كانت طائعة - فقولان؛ كما لو وطيء العبد أجنبية بالشبهة:
أحدهما: يتعلق برقبته.
والثاني: بذمته، وكذلك من نصفه حر ونصفه رقيق، إذا استولد جارية ابنه - لا تصير أم ولد له، والولد نصفه حر، وفي النصف الآخر فيه وجهان.
قال الشيخ - رحمه الله -: فإن قلنا: كله حر، فعليه كمال قيمة الولد، نصفها في كسبه، ونصفها في ذمته.
وإن قلنا: نصفه حر، فعليه قيمة نصفه، ويكون في كسبه.
ولو استولد المكاتب جارية ابنه، فهل تصير أم ولدٍ؟
فيه وجهان، بناء على ما لو استولد جارية نفسه، هل تثبت أمومة الولد؟ - فيه قولان.
ولو تزوج الأب جارية الابن، فهل يصح أم لا؟ - نظر؛ إن كان الأب رقيقاً - يصح؛ لأنه لا يجب على الابن إعفافه.
وإن كان حراً - موسراً أو معسراً - بحيث يجوز له نكاح الأمة.
فإن قلنا: يجب على الابن إعفافه - لا يجوز.
وإن قلنا: لا يجب إعفافه، أو كان الابن معسراً - لا يجب عليه الإعفاف للأب، فيبني على أن استيلاد الأب هل ينفذ أم لا؟
إن قلنا بظاهر المذهب: إنه ينفذ - لا يجوز؛ لأن كل جارية ينفذ استيلادها- لا يجوز له أن يتزوجها كجارية نفسه.
وإن قلنا: لا ينفذ فيجوز.
ولو تزوج رجل جارية، ثم ملكها ابنه - نظر؛ إن كان الأب رقيقاً لا ينفسخ النكاح، وإن كان حراً، وقلنا بظاهر المذهب: إنه لا يجوز أن ينكح جارية الابن - فهل ينفسخ النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينفسخ؛ كما لو تزوج جارية، ثم اشتراها -[ينفسخ النكاح].
والثاني: وهو الأصح: لا ينفسخ النكاح؛ لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء؛ كما أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح، ولا ترفع دوامه.
وإن قلنا: لا ينفسخ النكاح، أو جوزنا له أن يتزوجها ابتداءً، فاستولدها - لا تصير أم ولدٍ له؛ لأنها علقت برقيقن بخلاف ما لو أحبلها بغير النكاح.
وعند أبي حنيفة: يجوز للأبِ أن يتزوج جارية الابن.
فصل في تسري المملوك
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [الحج: 5، 6].
والمراد من الآية: الأحرار.
قال ابن عمر - رضي الله عنهما-: "لا يطأ الرجل إلا وليدة، إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء صنع بها ما شاء".
ولا يجوز للعبد أن يتسرى؛ لأنه لا ملك له، فلو ملكه السيد مالاً، وقبل، ففيه قولان:
في الجديد: لا يملك.
وفي القديم: يملك.
فعلى هذا لا يملك التصرف فيه إلا بإذن السيد، وإن كانت جارية ليس له أن يطأها، فإن أذن له السيد في وطئها - جاز له أن يطأها على قوله القديم.
ولو وطأها على هذا القول دون إذنه لا حد عليه لشبهة الملك، ولو استولدها فالولد مملوك للعبد، غير أنه لا يعتق عليه لنقصان ملكه، فإن أعتق عتق الولد، والمذهب الأول أنه لا يملك، ولا يحل الوطء، وإن أذن السيدُ، بخلاف سائر الأملاك من: اللبس، والأكل، والطيب؛ يحل للعبد بإذن السيد، لأن الإباحة تجري فيها، ولا تجري في البضع.
ولو وطئها، واستولدها - يكون الولد رقيقاً للمولى، وكذلك حكم المُدبر، والمعلق عتقه بالصفة.
أما من نصفه حر، ونصفه رقيق إذا حصل له مال بنصفه الحر، فاشترى به جارية - يملكها، ولكن لا يجوز له وطؤها دون إذن السيد، فإن أذن له السيد يجوز له وطؤها على القول القديم، ولا يجوز على قوله الجديد؛ لأن بعضه مملوك، وما فيه من الملك يمنع التسري.
وأما المكاتبُ: فلا يجوز له التسري بغير إذن الولى، وهل يجوز بإذنه؟ فيه قولان؛ بناء على تبرعاته، هل تنفذ بإذنه؟
فعلى قولين.
وقيل: يبني المكاتب على العبد إن قلنا: العبدُ لا يتسرى؛ فالمكاتب أولى.
وإن قلنا يتسرى ففي المكاتب قولان، بناء على تبرعاته.
فصل في نكاح الزانية
رُوي أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم-: "إن امراتي لا ترد يد لامس".
فقال: "طلقها".
قال: إني أحبها.
قال: "أمسكها".
إذا زنت امرأة تحت زوج - لا ينفسخ النكاح، ولو نكح عفيف زانية - يصح، ويُكره.
وقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] نزلت في بغي كافرة يقال لها؛ عناق.
وقال سعيدُ بن المسيب: الآية منسوخة بقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: 32]، فلو نكح رجل حاملاً من الزنا يجوزُ؛ لأنه لا عدة عليها، ولكن لا يطؤها ما لم تضع الحمل.
وقيل: يجوز أن يطأها؛ لأنه لا حرمة لماء الزنا.
وقال أبو يوسف: لا يجوز نكاح الحامل من الزنا.
وقال مالك: لا يجوز نكاح الزانية ما لم تنقض عدتها.
باب نكاح العبد وطلاقه
قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "إذا طلق العبد امرأته اثنتين - حُرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره"، ولا يجوز للعبد أن ينكح أكثر من امرأتين، يستوي فيه القن، والمدكر، والمكاتب، ومن بعضه رقيقٌ، لا يملك على زوجته أكثر من طلقتين، سواء كانت زوجته حرة، أو أمة، ويملك الحر على زوجته الأمة ثلاث طلقات اعتباراً بالزوج؛ لأنه المالك للطلاق.
وعند أبي حنيفة: الاعتبار في الطلاق بالمرأة، والعبد يملك على زوجته الحرة ثلاث طلقات، والحر لا يملك على زوته الأمة إلا طلقتين.
ودليلنا: ما رُوي أن نُفيعاً سأل عثمان وزيداً، فقال: طلقت امرأة لي حرة طلقتين، فقال: حرمت عليك، وكان نفيعٌ عبداً.
وكذلك من بعضه رقيق.
والله أعلم بالصواب.
باب ما يحرم ويحل من نكاح الحرائر والإماء
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الآية.
أسباب الوصلة المحرمة للنكاح ثلاثة: نسبٌ، ورضاعٌ، ومصاهرة، والمحرماتُ بهذه
الأشياء أربع عشرة: سبع بالنسب، واثنتان بالرضاع، وأربع بالمصاهرة، وواحدة بسبب الجمع.
أما بالنسب: فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ....﴾ إلى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾.
فكل امرأةٍ ولدتك، أو ولدت من ولدك من الذكور والإناث - وإن علا فهي من الأمهات، وكل امرأة ولدتها، او ولدت من ولدها من الذكور والإناث - وإن سفل.
فهي
من البنات.
وكل امرأة ولدها أحد أبويك فهي أختك.
وكل امرأةٍ ولدها من ولدَ
آبائك، أو أحدٌ من أجدادك - وإن علا - فهي من العمات، وكل امرأةٍ ولدها من ولد أمك، أو واحدة من جداتك، فهي من الخالات، وكل امرأة ولدها أخوك، أو أحد من أولاد أخيك - وإن سفل فهي من بنات الأخ، سواء كان الأخ [لأب وأم]، أو لأبٍ أو لأم، وكل امرأةٍ ولدتها أختك، أو واحد من أولاد إخوتك - وإن سفل، فهي من بنات الأخت، من أي جهة كانت.
وجملة ما قاله أبو إسحاق الإسفراييني: يُحرم على الرجل أصوله، وفصوله، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعده.
أما المحرمات بالرضاع: قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23].
ورُوي عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يحرم من [الرضاع] ما يحرم من الولادة".
وتفصيله: كل امرأة أرضعتك، أو أرضعت واحداً من آبائك، أو أجدادك، أو جدادتك - وإن علا- فتلك المرضعة وأمهاتها، وأمهات الفحل الذي هو صاحب اللبن جداتهما - وإن علون - من الرضاع والنسب - في معنى الأمهات، وأخوات المرضعة، وأخوات صاحب اللبن وأخوات آبائهما وأجدادهما أو جداتهما - وإن علون - من الرضاع والنسب - في معنى العمات والخالات، وبنات المرضعة، وبنات، صاحب اللبن من الرضاع والنسب - أخواتك وبنات أولادهما - وإن سفلن من الرضاع والنسب - في معنى بنات الأخ والأخت.
وكل امرأة أرضعتها امرأتك بلبنك، أو واحدة من بناتك، أو بنات أولادك، أو امرأة بلبن واحدٍ من بنيك، أو بني أولادك - وإن سفلوا - فهي أو بناتها أو بنات أولادها من الرضاع والنسب - في معنى البنات.
وكل امرأة أرضعتها أمك، أو امرأة بلبن أبيك - فهي أختك وبناتها أو بنات أولادها من الرضاع والنسب - وإن سفلن - في معنى بنات الأخت.
وإن كان الرضيع ذكراً، فبناته وبنات أولاده من الرضاع والنسب في معنى بنات الأخ.
وكل امرأة أرضعتها أختك، أو امرأة بلبن أخيك - فهي وبناتُها وبناتُ أولادها - وإن سفلن - من الرضاع والنسب - في معنى بنات الأخ والأخت.
وكل امرأةٍ أرضعتها واحدةٌ من جداتك، أو امرأة بلبن واحدٍ من أجدادك - وإن علا - من الرضاع والنسب - فهي في معنى العمات والخالات.
وأربع من النسوان يتصورن حلالاً في الرضاع، ولا يُتصور وود ذلك في النسب - أم أختك، وأم نافلتك، وجدة ولدك، وأخت ولدك، فهؤلاء في النسب حرام؛ لأن أم أختك، إما أن تكون أمك، أو زوجة أبيك.
وأم نافلتك؛ إما أن تكون ابنتك، أو زوجك ابنك.
وجدة ولدك؛ إما أن تكون أمك، أو أم امرأتك.
وأخت ولدك: إما أن تكون ابنتك أو ربيبتك.
ففي الرضاع تتصور أم أخت لا تكون أماً ولا زوجة أب؛ مثل: أن أرضعت امرأة أختك أو أخاك - لا تحرم تلك المرأة عليك، وإن كانت أماً لك، أو زوجة لأبيك من الرضاع - تحرم.
وتتصور أم نافلة لا تكون ابنتك ولا زوجة ابنك؛ مثل: أن أرضعت امرأة نافلتك - لا تحرم عليك، وإن كانت ابنتك أو زوجة ابنك من الرضاع - حُرمت عليك.
وتتصور جدة ولدك [لا تكون أمك] ولا أم امرأتك؛ بأن أرضعت [امرأة] ولدك - فأمها لا تحرم [عليك].
فإن كانت أمك وأم امرأتك من الرضاع - حُرمت عليك.
وتتصور أخت ولدك لا تكون ابنتك من الرضاع، ولا ربيبت؛ بأن أرضعت امرأة ولدك - فلا تحرم عليك أخت ابنتها، وهي أخت ولدك، وإن كانت أخت الولد ابنتك من الرضاع، أو ربيبتك - حُرمت عليك، ولا تُحرم عليك أخت أخيك؛ لا من النسب، ولا من الرضاع.
بيانه: من النسب: رجلٌ له أخ من أبٍ، وأختٌ من أم - يجوز لأخيه من الأب أن ينكح أخته من الأم.
وبيانه من الرضاع: امرأة أرضعت غُلاماً وجارية أجنبيين، وللغلام أخ من النسب - يجوزُ لذلك الأخ أن يتزوج الجارية التي هي أخت الغلام بالرضاع.
أما المحرمات بالمصاهرة: فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ﴾ [النساء: 23].
وقال: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22]، فيحرم على الرجل حليلة الأب بنفس العقد.
وكذلك حلائل أجداده - وإن علوا - من قبل الأب الأمن سواء كان الأب من الرضاع، أو من النسب.
وكذلك تحرم حليلة الابن، وحلائل أبناء أولاده - وإن سفلوا - من النسب، أو