التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 262-301

وقيل: لا يكون وليًّا؛ لأنه نقص يؤثر في الشهادة كالصغر.
وفي الأخرس وجهان: أحدهما: يكون ولياً، ويزوج بالإشارة، كما يصح منه سائر العقود بالإشارة.
والثاني: لا يزوج؛ لأنه ينفذ قوله على الغير، فلا يصح منه بالإشارة كالشهادة.
أما صفة الشهود فيشترط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والعدالة في الشاهدين، ولا ينعقد بشهادة فاسقين معلني الفسق، ولا رجل وامرأتين.

وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ وهو قول أحمد، وإسحاق.
وعند أبي حنيفة: ينعقد بشهادة فاسقين معلنين بالفسق، وبالاتفاق لا يثبت النكاح بين يدي القاضي بشهادة فاسقين، والحديث حجة عليهم.
وينعقد [النكاح] بشهادة مستورين بالاتفاق، والمستور من يكون عدلاً في الظاهر، ولا تُعرف عدالة باطنه، بخلاف الحكم لا يجوز بشهادة المستور؛ لأن الحكم يكون إلى الحاكم؛ فيمكنه الرجوع إلى المزكين في التفحص عن العدالة الباطنة، والنكاح أمرٌ يتولاه العوام بأنفسهم؛ فيتعذر عليهم البحث عن العدالة الباطنة، فيسقط اعتبارها، واكتفى بالعدالة الظاهرة.
ولا ينعقد بشهادة من لا تُعرف عدالة ظاهره، ولا من لا يُعرف حاله في الإسلام والحرية؛ ظاهراً وباطناً.
ولو عقد بشهادة مستورين، ثم بان أنهما كانا فاسقين يوم العقد، فالنكاح مردود؛ على الصحيح من المذهب.
وقيل: فيه قولان؛ كما قلنا في القاضي إذا قضى بشهادة رجلين، ثم بان فسقهما هل ينقض القضاء؟ فيه طريقان.

ولا يقبل قول الشاهدين إن كانا فاسقين، إنما يثبت ذلك ببينة تقوم على فسقهما، أو بتقار الزوجين، وهل ينعقد بشهادة الأعمى؟ فيه وجهان: أصحهما: لا ينعقد؛ كشهادة الصم الذي لا يسمع قول العاقد؛ لأن المعاينة فيه شرط كالسماع.
والثاني: ينعقد؛ لأن المأمور به حضور عدلين وقد وجد.
وفي الأخرس أيضاً وجهان وهل ينعقد بشهادة من هو من أهل الحرف الدنيئة وجهان؛ ناء على الحكم بشهادتهم.
وقيل: في ثبوت ولاية النكاح لهم وجهان على قول من لا يثبت الولاية للفاسق.
والمذهب أن يكون وليا وجهاً واحداً.
ولا ينعقد بشهادة الأعجمي الذي لا يعرف لسان المتعاقدين، ولا بشهادة المغفل الذي لا يعقل شيئاً، وينعقد بشهادة من يحفظ وبنسي عن قريب.
وهل ينعقد بشهادة من كان عدواً لأحدهما؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن قوله على عدوه غير مقبول.
والثاني - وهو الأصح-: ينعقد؛ لأنه لا تهمة في حضوره، وكذلك بشهادة ابني أحدهما، أو بشهادة أب الزوج، وجد المرأة [فيه] وجهان: أصحهما: أنه ينعقد، فأما شهادة أب المراة لا تنعقد؛ لأنه يكون ولياً.
ولو وكل بالتزويج، وحضر شاهداً لم يجُز؛ لأن فعل الوكيل فعل الموكل.
ومن قام بركن في النكاح لا يقوم بركن آخر؛ كالزوج لا يكون شاهداً.
وقيل: ينعقد بشهادة ابني أحدهما؛ لأنه يمكن إثبات النكاح بشهادتهما إذا جحد الآخر.
أما شهادة الاثنين منهما، أو أحدهما من الزوج، والآخر من الزوجة، أو بشهادة أب الزوج، وابن المرأة فيه وجهان: وكذلك في العدوين إذا كانا لأحدهما ينعقد؛ لأنه يمكن الإثبات بقولهما إذا كانا

الجُحُودُ من العدو، فإن كانا عدوين لهما، أو أحدهما عدو الزوج، والآخر عدو المرأة فيه وجهان.
فصل في تزويج المولى عليه قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] الآية.
الحر العاقل البالغ لا يجوز لأحد أن يقبل له النكاح دون إذنه، فلو قبل فباطل.
وعند أبي حنيفة: موقوف على إجازته.
أما الصغير العاقل يجوز للأب والجد عند عدم الأب أن يقبل له النكاح.
وهل له أن يُزوجه أكثر من امرأة واحدة؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز أن يقبل له نكاح أربع إذا رأى النظر فيه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يلزمه المهر والنفقة مع الاستغناء عنه.
ولا يجوز لغير الأب والجد أن يقبل النكاح له بحال.
وعند أبي حنيفة: يجوز.
والمحجور عليه بالسفه لا يجوز له أن يتزوج بغير إذن الولي؛ لأن النكاح يفتقر إلى مؤن مالية، وهو محجور عليه في المال، ولا يجوز لوليه أن يقبل له النكاح دون أمره؛ لأنه حُرٌّ مكلف.
فإن قبل له النكاح بإذنه، أو أذن له في النكاح فنكح، هل يجوز أم لا؟ نظر: إن لم يكن محتاجاً إليه لا يجوز؛ لأن فيه إتلاف ماله فيما لا نظر له فيه.
وإن كان محتاجاً إليه لشهوة، أو يحتاج إلى ذات محرم تتولى خدمته يجوز.
ولا يكتفي بقوله في حاجته؛ حتى يعرف ذلك من طبعه؛ لأنه قد يزيد به إفساد المال.
ولا يجوز أن يزوجه أكثر من امرأة واحدة؛ لأن الحاجة تنسد بواحدة؛ بخلاف الصبي يجوز للأب أن يقبل له نكاح أربع؛ لأن تزويجه لا يتوقف على الحاجة، بل المُراعى فيه النظر، وقد يكون النظر والغبطة له في جمعهن.
ثم إذا قبل الولي للسفيه النكاح بإذنه، فإن قبل بمهر المثل، أو أقل - ثبت، وإن قبل بأكثر - فالنكاح صحيح؛ على الصحيح من المذهب، والفضل مردود.
وكذلك لو قبل النكاح لابنه الصغير، أو للمجنون بأكثر من مهر المثل صح؛ على الصحيح، ورُدَّ الفضل، وإن أذن الولي للسفيه بالنكاح فنكح، جاز؛ لأنه أهلٌ للقبول

بالنكاح؛ كما أنه أهل للطلاق، سواء قال: انكح من شئت، أو عين امرأة، أو سمي، وقال: تزوج منهن؛ كما لو أذن لعبد في النكاح.
وقيل: يجب أن يعين امرأة؛ أو يسمى المهر، بخلاف العبد؛ لأن الحجر على العبد لحق السيد، فإذا أطلق الإذن فقد بخس حق نفسه، والحجر على السفيه لحق نفسه، ولا يجوز للولي أن بخس بحقه، والأول المذهب.
ثم إن أذن مطلقاً فتزوج امرأة بمهر المثل أو أقلن صح، ولزم المُسمى.
وإن نكح بأكثر فالنكاح صحيح بمهر المثل، والفضل مردود، وكذلك إن سمى امرأة ولم يسم مهراً، فنكحها بمهر المثل ثبت.
وإن نكح بأكثر رُدَّ الفضل.
وإن نكح غير من سمى قال الشيخ: لا يصح النكاح.
ولو سمي الولي المهر، ولم يسم المرأة، وقال: انكح امرأة بألف فنكح بألف، نظر إن كان مهر مثلها ألفاً فأكثر، صح النكاح، ولزم المسمى، وإن كان مهر مثلها أقل من ألف، صح النكاح بمهر المثل [والفضل مردود.
وإن نكح امرأة بألفين نُظر: إن كان مهر مثلها ألفاً أو أقل، صح النكاح بمهر المثل].
وإن كان مهر مثلها أكثر من الألف لا يصح النكاح؛ لأن الولي لم يأذن بأكثر من الألف، والمرأة لا ترضى بدون مهر المثل، فلا وجه إلا الرد.
ولو عين امرأة، وسمى المهر وقال: انكح فلانة بألف.
قال الشيخ رحمه الله: إن لم يكن مهر مثلها ألفاً لم يصح الإذن، وإن كان ألفاً فنكح بألف أو أقل صح، وإن نكح بأكثر فالفضل مردود، وإن كان مهر مثلها أكثر من ألف، فإن نكحها بألف صح، وإن نكح بأكثر لا يصح النكاح؛ كما ذكرنا.
ولو نكح السفيه بغير إذن الولي فباطل، ويُفرق بينهما، فإن دخل بها قبل التفرق، فلا حد عليه، وهل يجب المهر؟ فيه قولان: أحدهما- وهو الأصح: لا يجب؛ كما لا يجب عليه دين المعاملة.
والثاني: يجب؛ لأنه أتلف البُضع؛ كما لو أتلف مال إنسان يلزمه الضمان.

وقيل: إن لم نوجب المهر، يجب أقل ما يُستباح به البُضع؛ ليقع التمييز بينه وبين السفاح، وليس بصحيح.
ولو طالب السفيه الولي بالتزويج عند الحاجة، يجب على الولي الإجابة، فلو لم يفعل فتزوج بغير إذنه- فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه محجور عليه.
والثاني: يصح؛ لأنه حق ثبت له على الولي، فإذا تعذر استيفاؤه منه فعل بنفسه؛ كما أن رب الدين يستوفي الدين من مال الجاحد.
ولو أقر السفيه على نفسه بالنكاح لا يصح؛ لأنه ليس ممن يُباشر بنفسه، أما المحجور عليه بالفلس لو تزوج جاز، وليس له أن ينفق من المال الذي في يده، بل مما يكسب.
والعبد إذا نكح بغير إذن المولى لا يصح نكاحه، فإن أذن له مولاه فنكح صح، سواء كان المولى رجلاً أو امرأة؛ لأن العبد من أهل قبول النكاح وامتناعه لكونه مملوكاً، فإذا أذن المالك صح.
ولو أجبره المولى على النكاح- وهو بالغٌ- ففيه قولان.
قال في القديم، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله-: يصح؛ كما لو زوج أمته جبراً صح.
وقال في الجديد- وهو الأصح-: لا يصح؛ لأن المُتصرف فيه وهو بضع العبد غير مملوك له، بدليل أنه لا يملك استيفاءه ولا بدل له بملك المولى، بخلاف الأمة فإن بُضعها مملوك له، بدليل أنه يملك استيفاء منفعته.
وإن لم يملك استيفاءه؛ بأن كانت الجارية محرماً له، فيكون بدله له إذا وُطئت.
فإن جوزنا إجبار العبد على النكاح، فإن شاء السيد قبل عليه بغير إذنه، وإن شاء أكرهه حتى يقبل فيصح؛ لأنه غير مبطل فيه.
وإن قلنا: لا يجوز إجبار العبد البالغ على النكاح.
فإن كان العبد صغيراً أو مجنوناً فقبل السيد له نكاح امرأة - فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ كالعبد البالغ؛ لأن المتصرف فيه غير مملوك له.
والثاني: يجوز؛ لأنه غير مكلفٍ؛ ما يقبل النكاح لابنه الصغير، ولا يقبل البالغ.

فإن قلنا: يجوز الإجبار، فلو زوج أمته من عبده الصغير، أو من عبده البالغ، فهل يتولى طرفي العقد؟ فيه وجهان، بناء على أن الجد إذا زوج إحدى نافلتيه من الأخرى، وتولى طرفي العقد هل يجوز؟ فيه وجهان.
وإن لم نجوز الإجبار فأذن العبد لمولاه في تزويجه، فزوجه أمته، وتولى طرفي العقد، لا يجوز، لأنه نائب، والنائب لا يتولى طرفي العقد؛ كالوكيل.
فإن قلنا: يتولى طرفي العقد، فعل يحتاج إلى لفظين؟ فيه وجهان.
ولو أقر المولى على عبده بالنكاح والعبد مُنكر، فإن قلنا: يملك إجباره على النكاح، يقبل إقراره عليه، وإلا فلا، وكذلك كل من يملك إجبار امرأة على النكاح؛ كالأب في حق البكر، والمولى في حق الأمة يقبل إقراره عليها.
ولو دعا العبد سيده إلى تزويجه، يستحب أن يُزوجه، وهل يجب؟ فيه قولان: أصحهما: لا يجب عليه تزويج أمته إذا طلبت، ولا يبع مملوكه إذا طلب.
والثاني: يجب تزويجه؛ كما يجبر المولى على تزويج المحجور عليه بالسفه إذا طلب، واحتاج إليه.
فإن قلنا: يجب تزويجه، فإن كان السيد محجوراً عليه بالسفه، يجب على وليه تزويج عبده إذا طلب.
وإن قلنا: لا يجب تزويجه، فلا يجوز لوليه تزويجه؛ لأنه لاحظ للسفيه فيه؛ كما لا يجوز تزويج عبد الصبي؛ لأنه يقطع مكاسبه وبعض منافعه عنه.
وحكم المُدبر والمعلق عتقه بالصفه حكم العبد القن.
فأما من بعضه حُرٌّ وبعضه رقيق لا يجوز للسيد إجباره على النكاح؛ لأن بعضه حر، ولا له أن ينكح دون إذن المولى؛ لأن بعضه مملوك، فإن أذن له فنكح جاز.
ولو أنه دعا السيد إلى تزويجه، هل يجب عليه الإجابة؟ حكمه حكم العبد القن.
وأما المُكاتب لا يجبره السيد على النكاح؛ لأنه خارج عن تصرفه، وليس له أن ينكح دون إذن المولى؛ لأن مِلكه عنه لم يزل.
ولو نكح بإذن المولى قيل: فيه قولان؛ بناء على جواز تبرعاته بإذن المولى؛ لأنه يحتاج إلى صرف مكاسبه إلى مؤن النكاح.
وقيل- وهو الأصح-: يصح قولاً واحداً؛ لأنه يعطى المهر والنفقة من مكاسبه بمقابلةِ

عِوَضِ يصل إليه وهو البُضع، وفيه منفعة وعفافه؛ كما لو اشترى طعاماً فأكله، أو ثوباً فلبسه، فلو طالب المكاتب مولاه بتزويجه، وقلنا: يصح تزويجه بإذنه، فهل يجب على المولى الإجابة؟ فيه قولان؛ كالعبد القن.
أصحهما: لا يجب.
وإذا أذن السيد لعبده في النكاح مطلقاً جاز، ثم إن شاء نكح حرة، أو أمة.
ولو نكح من بلدٍ آخر يجوز، ولن للسيد منعه من الخروج إليها.
ولو أذن له في نكاح امرأة بعينها فنكح غيرها، أو في نكاح حرة فنكح أمة، أو في نكاح أمة فنكح حُرة، أو في أن ينكح من بلد فنكح من بلد آخر - لم يصح؛ لأنه غير مأذون فيه.
وإن نكح العبد بإذن المولى، تعلق المهر والنفقة بكسبه؛ لأنه لما أذن له في النكاح يلزم به المهر والنفقة، فكأنه أذن له في صرف مكاسبه إليه.
ويتعلق بما يكتسب بعد النكاح من الأكساب العامة والنادرة جميعاً، ولا يتعلق بما اكتسب قبل النكاح، فعليه أن يصرف كل يوم كسبه إلى النفقة، فإن فضل شيء، فإلى المهر حتى يتم المهر، ثم بعده ما فضل عن النفقة لا يدخره، بل يدفعه إلى المولى.
وإن كان لمهر مؤجلاً، فالمهر يتعلق بما يتكسبه بعد حلول الأجل، فإن نكح العبد بأكثر من مهر المثل، فقدر مهر المثل يتعلق بكسبه، والفضل يتعلق بذمته حتى يعتق، وكذلك لو قدر السيد له مهراً فزاد عليه، تتعلق الزيادة بذمته.
ولو قال له: انكح بكم شئت، فنكح بأكثر من مهر المثل، يتعلق الكل بكسبه.
وهل للعبد أن يؤاجر نفسه للمهر والنفقة فيه وهان؛ بناء على جواز بيع المؤاجرة.
وفيه قولان إن جوزنا جاز، وإلا فلا يجوز؛ لأنه يتضمن حجراً على المولى في بيع رقبته.
وإذا نكح [العبد] بإذن السيد، [فلا يكون السيد] ضامناً للمهر والنفقة، إلا أن يضمن صريحاً.
وقال في القديم.
المهر والنفقة على المولى، وهو الصحيح، فلا يطالب

به العبد، وإن أعتق أو أفلس السيد.
وإذا أبرأنا السيد برئاً جميعاً، والأول المذهب أنه في كسب العبد.
فإن لم يكن للعبد كسبٌ ففيه قولان: أحدهما: في ذمة العبد حتى يعتق، لأنه دين لزمه برضا من له الدين؛ كما لو استقرض شيئاً يتعلق بذمته.
والثاني: على السيد؛ لأنه لما أذن له في النكاح مع أنه لا كسب له، فكأنه التزم المؤن، والمذهب الأول.
وكذلك إذا عجز العبدُ عن الكسب لمرض أو غيره، فلا شيء على السيد لامرأته، والمرأة بالخيار إن شاءت فسخت النكاح لإعساره، وإن شاءت أقامت معه وحقها في ذمته.
وإن كان العبد مأذونا في التجارة، فنكح بإذن المولى، فبماذا يتعلق المهر والنفقة؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحهما: يتعلق بجميع ما في يده من رأس المال والربح؛ سواء حصل قبل النكاح أو بعده؛ لأنه دين لزمه بعقد مأذون فيه كدين التجارة؛ وهذا لنه لما أذن له في النكاح فكأنه رضي بأدائه مما في يده.
والثاني: يتعلق بالربح دون رأس المال؛ لأن رأس المال لم يحصل بكسبه.
والثالث: يتعلق بربح حصل بعد النكاح، فإن لم يكن له ربح يفي به، فعلى السيد؛ لأنه مشغول بعمله، وماذا يجب عليه؟ فيه وجهان: أصحهما: أقل الأمرين من أجر مثل عمله، أو كمال المهر والنفقة.
والثاني: كمال المهر، ونفقة تلك المدة، بناء على العبد الجاني إذا فداه المولى بماذا يفدي؟ فيه قولان: أصحهما: بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته.
ولو نكح العبد بغير إذن المولى، فالنكاح باطل، ويفرق بينهما، فإن وطئها قبل التفريق لا حد عليه للشبهة، ويعزر، ويجب مهر المثل، وبماذا يتعلق؟ فيه قولان: أصحهما: بذمته؛ لأنه وجب برضا من له الحق كدين المعاملة.
والثاني: يتعلق برقبته يُباع فيه كدين الإتلاف، هذا إذا نكح حُرة برضاها، أو أمة برضا مولاها.
فإن نكح أمة دون إذن مولاها فوطئها: من أصحابنا من قال- وبه قال ابن الحداد ها

هنا-: يتعلق المهر برقبته قولاً واحداً؛ لأنه لم يُوجد الرضا ممن له الحق، فكان كدين الإتلاف.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضاً؛ لأن المهر - وإن كان للسيد، ولم يوجد منه الرضا- فقد سقط ذلك بفعل الأمة، فإنها إذا ارتدت، أو أرضعت قبل الدخول سقط الصداق، فجاز أن تتأخر هاهنا وإن لم يرض السيد.
وإن أكره العبد أمةً على الزنا يتعلق [المهر برقبته].
وإذا أذن لعبده في النكاح، فنكح نكاحاً فاسداً يُفرق بينهما، فإن وطئها قبل التفريق يجب المهر؛ وهل يتعلق المهر بكسبه؟ فيه قولان: أحدهما: بلى؛ لوجود الإذن من المولى.
والثاني وهو الأصح-: لا يتعلق بكسبه؛ لأنه أذن له في عقد صحيح، فلا يتناول الفاسد، فعلى هذا يتعلق بذمته أو برقبته؟ فيه قولان؛ كما لو نكح بغير إذن المولى.
وقوله في باب نكاح العبد: يعطي من مالٍ إن كنا له مال فهو منقول عن القديم.
وفي القديم: يملك العبد بالتمليك، وإن أذن لعبده في النكاح فنكح وطلق، ليس له أن ينكح أخرى إلا بإذن جديد؛ لأن إذنه الأول يتناول نكاحاً واحداً، فإن نكح فاسداً، فهل له أن ينكح أخرى بالإذن الأول؟ فيه وجهان؛ بناء على أن إذنه هل يتناول الفاسد؟ إن قلنا: لا يتناول، له أن ينكح.
وإن قلنا: يتناول، فلا ينكح إلا بإذن جديد؛ لأن الإذن الأول قد ارتفع بالنكاح الفاسد.
وإذا نكح العبد بإذن المولى، فللمولى أن يستخدمه بالنهار، ويُخلي بينه وبين زوجته بالليل، وإنما يستخدمه إذا ضمن حق المرأة من المهر والنفقة.
فإن لم يضمن عليه أن يرسله بالنهار؛ ليكتسب النفقة، وبالليل للاستمتاع.
وكذلك له أن يُسافر بالعبد، وإن كان فيه منعه عنها بالليل؛ لأنه مالك رقبته؛ ما لو زوج أمته لم يملك منع زوجها من الاستمتاع بها، وله أن يُسافر بها.
وإن كان في ضمنه المنع.

ثم إن سافر المولى [بالعبد] فللعبد أن يُسافر بامرأته معه، وكراء مركبها في كسبه.
فإن طلب العبد زوجته أن تخرج معه ولم تخرج، أو كانت أمة فمنعها سيدها - لا نفقة لها؛ كما لو نشزت.
وإن لم يطلبها بالخروج معه، فلا يسقط حقها باستعمال العبد في حقه، والسيد ضامن لحقها، فعليه أقل الأمرين من أجر مثل المدة التي يشغله، أو كمال المهر، ونفقة تلك المدة؛ على أصح الوجهين.
والثاني: عليه مال المهر، والنفقة لتلك المدة.
فصل فيما لو ملك أحد الزوجين صاحبه إذا ملك أحد الزوجين صاحبه بأي سبب كان ينفسخ النكاح؛ لأن الزوج إن ملك زوجته، فقد ملك بُضعها بأقوى الملكين، وهو ملك اليمين، فيرتفع الأضعف.
وإن ملكت المرأة زوجها، فلو أبقينا ملك النكاح مع ملك اليمين لتناقضت الأحكام؛ لأنها تطالبه بنفقة النكاح، وهو يطالبها بنفقة ملك اليمين، وهو يقول: أنا أسافر بك إلى بلد كذا، لأنك زوجتي، وهي تقول: أخرج إلى بلد كذا؛ لأنك عبدي، ومتى دعاها إلى فراشه لحق الزوجية، لها أن تبعثه في شغلها لحق الملك، فلم يمكن الجمع بينهما فأثبتنا الأقوى؛ وهو ملك اليمين؛ لأنه يملك به الرقبة والمنفعة جميعاً، فأبطلنا الأضعف، وهو ملك النكاح؛ لأنه لا يُملك به إلا نوع مخصوص من المنفعة.
ثم إن اشترى الزوج زوجته بعد الدخول، فعليه المهر للبائع، وإن اشترت المرأة زوجها بعد الدخول، وقد ملكته ولها عليه المهر، فهل يسقط بالملك؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط؛ لأن المولى لا يثبت له على عبده دين ابتداء وكذلك لا يدوم.
والثاني - وهو الأصح-: لا يسقط، بل يكون في ذمته، لأن الدوام أقوى من الابتداء؛ كما أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح، ولا ترفع دوامه.
أما إذا ملك أحدهما صاحبه قبل الدخول - نظر: عن ملكت المرأة زوجها، فلا مهر لها؛ لأن سبب الفسخ من قبلها، وإن ملكها الزوج، نص على أنه يجب لها نصف المهر، ونص فيما إذا كانت مفوضة، فملكها الزوج لا مُتعة لها، فقد قيل: فيهما قولان.
والصحيح من المذهب: الفرق بينهما، وهو أنه يجب نصف المهر للبائع إذا كان في

العقد مسمى، لأن المهر وجب بالعقد، والعقد كان في ملك البائع، فوجب له نصف المهر، وفي التفويض لا تجب المتعة؛ لأنها تجب حيث تجب بالفراق، والفراق كان في ملك المشتري هاهنا، فلو أوجبنا لوجب له على نفسه، ألا ترى أنه لو باعها من غير الزوج، ثم طلقها الزوج قبل الدخول- يجب نصف المهر للبائع، وإن كانت مفوضة تجب المُتعة للمشتري.
ولم نكح رجل جارية للأب، أو جارية للأخ، ثم مات المالك قبل الدخول، وملكها الزوج بالإرث - انفسخ النكاح.
قال ابن الحداد: ولا صداق لها، وإن كان الأب قد أخذ واستنفق يسترد من التركة؛ لأنه لا صُنع من جهته في الفسخ.
وأصحابنا قالوا: يجب عليه نصف الصداق؛ لأن الفسخ لم يكن من قبلها، كما لو وطيء أب الزوج أو ابنه زوجته قبل الدخول بالشبهة - يرتفع النكاح، ويجب على الزوج نصف الصداق، وكما لو أرضعت الزوجة الكبيرة الصغيرة ينسخ النكاح، ويجب للصغيرة نصف الصداق؛ لأنه لا صُنع من قبلها في الفسخ، وإن لم يكن من الزوج صُنعٌ.
ومن نصفه حرٌّ ونصفه رقيق إذا اشترى زوجته نظر؛ إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، فاشتراها بمال من كسبه بإذن سيده، ملك نصفها، وبطل النكاح.
وإن فعل بغير إذن سيده لم يصح في نصيب سيده، وفي نصيبه قولاً تفريق الصفقة.
فإن صححنا في نصيبه، بطل النكاح، وإلا فلا.
وإن كان بينه وبين السيد مهايأة، فإن اشترى في يوم نفسه بخالص ماله، صح وبطل النكاح.
وإن اشترى في يوم سيده بما خلص لسيده بإذنه، صح النكاح بحاله، وكذلك الأمة التي نصفها حر إذا اشترت زوجها.
ولو نكح العبد بإذن سيده بألف، وضمن عنه السيد تلك الألف لها- جاز؛ لأنه ضمان حق واجب، ثم إن لم يكن للعبد كسبٌ، فلها مطالبة السيد به، وإن كان له كسب، فلها مطالبة أيهما شاءت.
فلو باعه السيد من زوجته بألفٍ، نظر إن كانت الزوجة أمة، فاشترته بإذن مولاها، أو كانت مأذونة في التجارة فاشترته - صح الشراء والنكاح بحاله؛ لأن الملك يقع للمولى؛ سواء كان قبل الدخول أو بعده، وسواء باع بألف الصداق، أو بألفٍ أخرى، غير أنه إذا باع بألف الصداق سقط الضمان عن المولى.

قال الشيخ -رحمه الله-: ويُسقط عن العبد أيضاً؛ لان الضامن إذا أدى الدين برئت ذمة المضمون عنه عن حق المضمون له، ولا رجوع للمولى على العبد؛ ما لو ضمن عن عبده ديناً، فأدى في حال رقه قال رضي الله عنه: وإن باعه بألف مطلقاً، هل يسقط الصداق عن الزوج؛ لأنه صار ملكاً لمستحق الصداق، وهو مالك الأمة؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يسقط يبرأ البائع عن الضمان؛ لبراءة الأصل، وعلى المشتري الثمن.
فإن قلنا: لا يسقط، فلسيد الأمة على البائع ألف الضمان، وللبائع عليه ألف الثمن، فيتقاصان.
قال رحمه الله: فإذا تقاصا، سقط حق المشتري عن ذمة العبد؛ لأنه استوفى حقه من البائع بهذا التقاص، ويصير كما لو ضمن عن عبده ديناً، ثم أدى عنه بعد بيعه، فلا رُجوع له.
فأما إذا كانت الزوجة حُرة باعه السيد منها؛ نُظر: إن باعه بغير ألف الصداق، أو بألف مطلقاً - صح البيع، وانفسخ النكاح، ثم إن كان قبل الدخول، سقط صداقها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول، ويجب عليها الثمن، ويبرأ السيد عن الضمان بسقوط الصداق عن العبد، وإن كان بعد الدخول، ولا يسقط المهر بانفساخ النكاح، وهل يسقط بملكها الزوج؟ وجهان: فإن قلنا: يسقط، يبرأ البائع عن الضمان، وعليها الثمن.
وإن قلنا: لا يسقط - وهو الأصح- فيتقاصان.
وإن باعه منها بألفٍ الصداق؛ نظر: إن كان قبل الدخول لا يصح البيع؛ لأنا لو صححنا البيع انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح سقط الصداق، وإذا سقط الصداق بطل الثمن، ولا يصح البيع بلا ثمن، ففي تصحيح البيع إبطاله؛ فلم يصح.
وكذلك لو دفع ديناراً إلى عبده؛ لينكح عليه امرأة، ففعل، ثم اشترت المرأة زوجها بعين ذلك الدينار قبل الدخول - لا يصح؛ لما ذكرناه.
وإن كان بعد الدخول باعه منها بألف الصداق -فالمذهب أن البيع صحيح؛ لأن المهر قد استقر بالدخول، فلا يسقط بانفساخ النكاح، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وهذا صحيح على المذهب الصحيح الذي يقول: إنه إذا كان له على عبد الغير دين، فملكه، لا يسقط.
أما إذا قلنا: يسقط، ففي صحة البيع وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن الملك يُوجب

سقوط الصداق، وفي سقوط الصداق سقوط اليمين.
والثاني- وهو الأصح-: يصح، بخلاف ما قبل الدخول؛ لأن سقوط الصداق تم بانفساخ الناكح؛ بدليل أنه إذا كان مقبوضاً يجب رده، فإذا جعله ثمناً لم يجز سقوط الصداق هاهنا ليس بانفساخ النكاح، بل بحدوث الملك في الرقبة؛ إذ لا يجوز أن يكون للمالك في رقبة عبده دين، بدليل أنه إذا مقبوضاً لا يجب رده.
وإذا جعل الصداق ثمناً، صار كأنها استوفت الصداق قبل انبرام البيع، فحصل الملك، ولا شيء لها عليه.
وكيف يسقط؟ قال الشيخ-رحمه الله-: فإذا لم يكن السيد ضامناً، فباعه بألف الصداق، لا يصح؛ لأنه يبيع العبد بما في كسبه.
وإذا نكح العبد بإذن المولى، ثم باعه المولى من أجنبي، ثم طلق العبد امرأته قبل الدخول فإن كان قبل أداء المهر، فنصف المهر لها في كسبه، وإن كان بعد الأداء يجب عليها رد نصف المهر.
ولمن يكون؟ فيه أوجه.
وكذلك إذا ارتدت قبل الدخول أو فسخ أحدهما النكاح بعيب وجد بصاحبه، أو عتقت واختارت الفسخ- فإلى من يعود كل الصداق؟ فيه أوجه: أصحها - وهو قول أكثر الأصحاب-: يكون للمشتري؛ سواء أدى العبد ذلك قبل البيع أو بعده، أو أداه البائع من مال نفسه؛ لأنه ملك يحدث بالطلاق، والطلاق كان في ملك المشتري: والثاني - قاله ابن الحداد -: إن أداه بعد البيع، فيكون للمشتري، وإن أدى قبل البيع، فللبائع؛ لأنه أداه من ملكه، وقد يكون للبائع بكل حالٍ؛ لأنه لزمه في ملكه، فإذا باعه، فكأنه استثنى لنفسه.
ولو أعتقه المولى، ثم طلقها قبل الدخول بها؛ فحيث قلنا في البيع: يعود إلى المشتري - ففي العتق يكون الزوج.
وإن قلنا في البيع: يعود إلى البائع، ففي العتق يكون للمولى.
والأصح: أنه للزوج.

وكذلك لو ضمن السيد المهر عن عبده، وأدى بعد عتقه لا يرجع بما أدى على العبد؛ لأن حكم الضمان سبق العتق.
ولو طلقها الزوج بعد العتق قبل الدخول، وقد أدى السيد المهر، فيجرع نصفه إلى الزوج؛ على الصحيح من المذهب، وصار كأنه ملكه، ثم أدى عنه.
وقيل: إلى المولى.
وقيل: إن أدى قبل عتق العبد يرجع إلى المولى، وإن أدى بعده، فإلى الزوج.
ولو أذن لعبده في أن ينكح، ويجعل لنفسه صداقاً ففعل، أو قبل له المولى بنكاح امرأة بإذنه، وجعل رقبته صداقاً - نظر: إن نكح حُرة لم يصح؛ لأن العقد والفسخ يقعان معاً.
وإن نكح أمة صح، صار الزوج ملكاً لمالك الأمة، ثم إذا طلقها قبل الدخول، أو ارتد، أو فسخ النكاح بعيب تكون رقبة العبد ملكاً لمالك الأمة- كما كان - على المذهب الصحيح الذي يقول في الصداق.
يعود إلى المشتري.
فإن قلنا في البيع: يكون نصف الصداق للبائع، فهاهنا بالطلاق عاد نصف رقبة العبد إلى الأول، وبالردة والفسخ بالعيب، يعود جميع العبد إليه.
ولو قبل نكاح أمةٍ لعبده الصغير، وجوزنا؛ على أن تكون رقبة العبد صداقاً لها، ثم الأمة أرضعت الزوج- انسخ النكاح، والعبد لمالك الأمة لا يعود إلى السيد المُزوج؛ على الوجه الأصح.
وعلى الثاني: يعود إلى السيد المزوج.
ولو أعتق مالك الأمة العبد، ثم طلقها قبل الدخول - يجب على مالك الأمة نصف قيمة العبد.
وإن ارتدت، أو فسخ النكاح بعيب، فعليه جميع قيمة العبد، ويكون للزوج الذي عتق؛ لأنه ملك نفسه بالعتق؛ على الصحيح من المذهب الذي يقول: يعود نصف الصداق إلى المشتري في البيع، وعلى الآخر يكون للسيد الأول.
ولو باع مالك الأمة العبد، ثم طلقها قبل الدخول - فعلى الوجه الأصح: لا شيء عليه.
وعلى الوجه الآخر: يجب على مالك الأمة نصف قيمة العبد، وفي الردة والفسخ جميع القيمة للسيد المزوج؛ لأن العبد خرج عن ملكه، فيغرم قيمته.

ولو باع مال الأمة ثم طلقها العبد قبل الدخول - فعلى الوجه الأصح: العبد باقٍ على ملك بائع الأمة، وكذلك في الردة ولا شيء عليه.
وعلى الوجه الآخر: يعود نصف العبد في الطلاق، وفي الردة والفسخ كله إلى السيد المزوج.
فصل في عتق الأمة بشرط النكاح رُوي عن أنس؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها.
إذا قال الرجل لأمته: أعتقتك على أن تنكحيني، أو على أن أنكحك، فلا تعتق؛ حتى تقبل في الحال؛ سواء قال: وعتقك صداقك، أو لم يقل.
وكذلك لو قالت الأمة ابتداء: أعتقني على أن أنكحك؛ سواء قالت: عتقي صداقي، أو لم تقل فقال: أعتقتك عتقت، ولا يجب عليها أن تنكحه، لأنه سلم في عقد؛ كما لو قال: أعطيتك ألفاً على أن تنكحيني لايصح، ولكنها عتقت للشرط.
وتجب عليها قيمة رقبتها للمولى؛ لأنه لم يرض بإعتاقها مجاناً، وهذا بخلاف ما لو قالت المرأة لعبدها: أعتقتك على أن تنكحني يعتق بلا قبول، ولا شيء عليه.
والفرق: أن بُضع العبد غير متقوم، فهي لم تشترط عليه شيئاً بل وعدت له وعداً جميلاً؛ وهو أن تكون زوجة له؛ كما لو قال: أعتقتك على أن أعطيك ألفاً تعتق، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وبُضع الأمة متقوم، وقد شرط عليها النكاح، وهو عقدٌ لا يثبت في

الذمة، ففسد العوض، ولزمها قيمة الرقبة؛ كما لو أعتقها على عوضٍ فاسد، ويجب عليها للمولى قيمة رقبتها.
قال الأوزاعي [وابن أبي ليلى]: يجب على الأمة أن تنكحه؛ كما لو أعتقها على خياطة ثوبٍ، أو عمل معلوم، ويلزمها ذلك.
قلنا: الخياطة عمل، والعمل يثبت في الذمة، والنكاح عقدٌ، فلا يثبت في الذمة، فالعتق على النكاح؛ كالمسلم فيه.
ولو أسلم رجل دراهم إلى امرأة ليتزوجها، لم يَجُز ذلك، كذلك هذا.
وقال أحمد: إذا أعتقها على أن تنكحه، تعتق، وتصير زوجة له؛ لحديث صفية، ولا حجة له فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتقها بلا شرط، ثم تزوجها بعد، وكان مخصوصاً بأن يجعل العتق الماضي صداقاً كما كان يجوز له أن ينكح بلا مهر.
فإذا أعتقها على أن تنكحه، ورغبت فيه، فلا يجب ذلك على السيد، وله طلب القيمة، فإن رغبت فيه، فلا يجب ذلك على السيد، وله طلب القيمة، فإن رغبت ونكحها، أو جعل القيمة التي له عليها صداقاً - صح النكاح.
ثم إن كانا عالمين حالة النكاح بقدر قيمتها، سقط عنها القيمة، وإن كانا جاهلين [أو أحدهما]، فسدت التسمية، ولها عليه مهر المثل، وله عليها القيمة.
ولو نكحها وجعل الصداق صداقاً لها، صح النكاح، ولها مهر المثل؛ لأن العتق الماضي لا يمكن أن يُجعل صداقاً؛ لأنه سبق النكاح والصداق ما يلزمه بالعقد؛ كما لو نكحهاعلى أن يُعتق عبده عن كفارتها لا يصح المسمى؛ لأنه لا يلزم الإعتاق بنفس العقد.
وقال ابن خيران: الحيلة في أن يلزمها أن تنكحه وإن لم تنكح لا يعتق- أن يقول لها: إن كان في علم الله أني إذا أعتقتك أنكحك أو تنكحيني - فأنت حرة.
فإذا نكحته علمنا أنها حرة باللفظ، وإن لم تنكح علمنا أنها لم تعتق لعدم الشرط.
والمذهب: أن هذا لا يصح، فلا يحصل به العتق، ولا يصح النكاح؛ لأنه شاك حالة النكاح أنها حرة أو أمة؛ كما لو قال لأمته: إن دخلت الدار فأنت حرة قبله بشهر، ثم أراد أن ينكحها في الحال لا يجوز، وكما لو بُشر بمولود فقال لجليسه: إن كان أنثى فقد زوجتكها فقبل، فبان [أنها] أنثى - لم يصح.

وإذا لم يصح النكاح الذي هو شرط، لم يحصل العتق.
وحكم المدبرة، وأم الولد، والمكاتبة، والمعتق بعضها حكم القنة في الإعتاق على أن تنكحه.
ولو قال لرجل: اعتق عبدك، أو أمتك عنك؛ على أن أنكحك ابنتي؛ ففعل - عتق، ولا يجب على السائل تزويج ابنته منه.
وهل يجب عليه قيمة العبد؟ فيه وجهان؛ كما لو قال: اعتق عبدك عنك، ولك عليَّ ألفٌ، ففعل - عتق، وهل يستحق الألف؟ فيه وجهان.
الأصح: أنه لا يستحق؛ لأنه لا يقع للقائل، بل يعود إليه.
والله أعلم.
باب اجتماع الولاة رُوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا تُنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذوي الرأي من أهلها، أو السلطان.
ولاية النكاح تثبت لعصبات النسب، ولعصبات الولاء، وللسلطان، فيقدم عصبات النسب، ثم عصبات الولاء، فإن لم يكن أحد منهم فالسلطان يزوج.
وإذا اجتمع أولياء بعضهم أقرب من بعض، فلا يصح تزويج الأبعد مع وجود الأقرب، والأقرب لا يحتاج في التزويج إلى إذن الأبعد.
وترتيب عصبات النسب في التزويج كترتيبهم في الميراث، إلا في ثلاث مسائل: إحداها: أن الابن عصبة في الميراث، وليس له ولاية تزويج الأم بحق البنوة، إلا أن يكون ابن ابن عم الأم، أو مُعتقاً لها، أو قاضياً، وليس لها ولي أقرب، فحينئذ يُزوج الابن ببنوة العم، أو بالولاء، أو بالقضاء.
وإن كان ابنها ابن أخيها، أو ابن عمها، ويكون ذلك في أنساب المجوس، أو بالوطء، بالشبهة فله أن يزوجها به.
وقال أبو حنيفة: للابن التزويج بحق البنوة، وهو أولى من الأب.
قلنا: ولاية التزويج تثبت لعصبات النسب، لدفع العار عن النسب، ولا مشاركة بين الأم والابن في النسب، فلا يثبت له ولاية التزويج؛ كالخال.
وإن كان بينهما مشاركة في النسب ببنوة العم؛ كما ذكرنا - فحينئذ تثبت.

والمسألة الثانية: هي أن الجد مع الأخ يشتركان في الميراث، وفي النكاح: الجد وإن عملاً أولى بالتزويج من الأخ؛ لأن طريقه طريق الولاية المحضة، والأخ لا ولاية له في مال الأخت بحال، والجد له ولاية التزويج، والمال جميعاً؛ فيرجح جانبه.
والثالثة: هي أن الأخ [للأب والأم] أولى في الميراث من الأخ للأب، وفي النكاح قولان: أصحهما وهو قوله الجديد، ومذهب أبي حنيفة - رحمة الله عليه - الأخ [للأب والأم] أولى؛ كما في الميراث.
وقال في القديم: هما سواء؛ لأن أخوة الأم لا أثر لها في ولاية التزويج، فلا يقع بها الترجيح، وأخوة الأم يثبت بها الميراث، فجاز أن يقع بها الترجيح، وهذا لا يصح، لأن العم للأبوين يُقدم في الميراث على العم للأب، وإن كان لا يورث بعمومة الأم، وكذلك في ميراث الولاء الأخ [للأب والأم] أولى من الأخ للأب، وإن كان الأخ للأم لا يرث بالولاء.
وكذلك القولان في ابني أخ، أو في عمين، أحدهما: لأب وأم، والآخر، لأبن وفي أثبتهما أصحهما: أن الذي هو [لأب وأم] أولى؛ وكذلك لو كان لها ابنا عم، أحدهما: أخوها ولأمها أو ابنا عم: أحدهما: ابنها، أو ابنا معتق: أحدهما: ابنها ففي الجديد يقدم الابن والأخ وفي القديم، هما سواء.
ولو كان لها ابنا عم أحدهما: [لأب وأم] والآخر: لأب ولكنه أخوها- ففي الجديد: الذي هو أخ لأم أولى؛ لأنه يدلي بالأم، وصاحبه بالجد؛ وكذلك ابنا عم: احدهما: ابنها والآخر: أخوها لأمها- فالي هو ابن أولى، لأن الابن أقرب من الأخ.
وفي القديم: هما سواء، ولا ولاية لأب الأم، ولا لأب أم الأب، ولا لوصي الأب، لأنه لا مشاركة بينهم وبينها في النسب، فإن لم يكن أحد، من عصبات النسب وعليها ولاء، فولاية التزويج للمعتق إن كان رجلاً ثم لعصبات المعتق، ثم لمعتق المعتق، ثم لعصباته كترتيبهم في الميراث سواء؛ وترتيب عصبات الولاء في التزويج تكرتيب عصبات النسب، إلا في ثلاث مسائل: إحداها: ابن المعتق تثبت له الولاية، ولا تثبت لابن النسب.

الثانية: أن في النسب الجد أولى من الأخ، وفي الولاء، قولان؛ كالميراث: أحدهما: سواء.
والثاني: الأخ أولى.
الثالثة: أن في النسب الأخ [للأب والأم] مع الأخ للأب فيه قولان، وفي الولاء الذي هو [للأب والأم] أولى قولاً واحداً.
وقيل: فيه أيضاً قولان؛ كالسب.
فأما إذا كان المعتق امرأة، فلا ولاية لها على المعتقة.
وقال صاحب "التلخيص": لا ولاية أيضاً لأولياء المعتقة، بل يزوجها السلطان.
والمذهب: أن الولاية على المعتقة لمن تزوج المعتقة ما دامت المعتقة حية، لأن الولاء بمنزل الملك؛ ألا ترى أنه لا يُسترق معتق المسلم؛ كما لا يغنم عبده.
ثم قيل: الاعتاق يزوجها ولي السيد، كذلك بعد الاعتاق.
ويشترط رضا المعتقة، ولا يشترط رضا المعتقة.
وقيل: يشترط إذنها؛ وليس بصحيح؛ ولا ولاية لابن المعتقة ما دامت هي حية؛ لأنه لا يزوج المعتقة إنما الولاية لأبيها وجدها وسائر أوليائها، فإذا ما تشاء المعتقة تثبت الولاية لابن المعتقة، ويتقدم على ابنها وسائر عصباتها، ثم يُراعى فيه ترتيب عصبات الولاء؛ لأن التزويج في حياة المعتقة بالنيابة عنها؛ لولائها عليها، كما تزوجها في حال رقها، لملكها عليها، فإذا ماتت صار الولاء إلى العصبة، فيزوجها من هو أحق بالولاء.
أما من نصفها حُر ونصفها رقيق، فيزوجها مالك نصفها مع ولي لها من جهة النسب، إن كان برضاها، فإن لم يكن لها ولي نسب، فيزوجها مال نصفها مع معتق النصف أو عصباته، وإن كان المعتق امرأة، فمالك النصف مع ولي معتقة النصف.
فصل في اجتماع الأولياء إذا اجتمع لامرأة أولياء في درجة واحدة، كالإخوة أو الأعمام أو بنيهم - فالمستحب.
أن يزوجها أفقههم وأورعهم وأسنهم برضا الباقين، لأن الأسن أكثر تجربة، والأورع أحرص على طلب الحق، والأفقه أعلم بشرائط النكاح.
فإن زجها أدناهم برضاها من كفءٍ، صح، ولا اعتراض للباقين؛ بخلاف ما لو ثبت القصاص لجماعة، لا ينفرد واحد بالاستيفاء، لأن مبنى القصاص على الدرء والسقوط،

بدليل أن واحداً لو عفا سقط، ولا استيفاء للباقين، ومبنى النكاح على اللزوم، بدليل أن واحداً لو عضل، فللباقين التزويج فلو اشتجر الأولياء، نظر: - إن قال كل واحد: أنا لا أزوج، وكل واحد كفءٌ خاطب فالاختيار إلى المرأة، فإن اختارت أحدهما زوجها منه من رضي به من الأولياء، فإن رضيت بهما جميعاً، فإن السلطان ينظر في الأصلح منهما؛ فيزوجها.
أما إذا قال كل واحد منهم: أنا أزوج، والخاطب واحد، فليس هذا بعضلٍ، ويُقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة زوجها، ولا يحتاج على رضا الباقين، بخلاف ما لو ثبت القصاص لجماعة، فأقرع بينهم لا يستوفيه من خرجت له القرعة إلا برضا الباقين، للفرق الذي ذكرناه فلو بادر غير من خرجت له القرعة، فزوجها برضاها، فالمذهب الصحيح: أن العقد يصح؛ لأن القرعة، لقطع المشاجرة، لا لسلب الولاية.
وقيل: لا يصح؛ لأن في تصحيحه إبطال حكم القرعة، هذا إذا أذنت لكل واحد منهما فزوجها، فإن أذنت لواحد منهما فزوجها الآخر، لايصح.
ولو زوجها واحد منهم برضاها من غير كفءٍ، نظر: إن زوجها برضا الباقين، يصح وإن زوجها دون رضا الباقين ففيه قولان: أصحهما: لا ينعقد؛ لأن الكفاءة حق للكل، وقد بخس حق الباقين.
والثاني: ينعقد، ويثبت للآخرين حق الاعتراض والرد؛ لأن العقد صدر ممن له الولاية، وللآخرين حق في الكفاءة؛ فثبت لهم الرد، وعند أبي حنيفة، يلزم العقد، ولا اعتراض للباقين.
قلنا: الأولياء لهم حق في كفاءة الزوج؛ فلا يجوز [تفويت حقهم]، عليهم، فنقول: كل ولي لو طُولب بالتزويج من غير كفء له الامتناع، وإذا زوجت دون رضاه من غير كفءٍ، له الاعتراض؛ كالأبعد يزوج مع وجود الأقرب، كان للأقرب حق الاعتراض عليه.
ولو زوجها واحد برضاها ورضا الباقين من غير كفءٍ، فاختلعت نفسها، ثم زوجها واحد منهم من ذلك الرجل برضاها دون رضا الباقين، ففيه وجهان: أحدهما: [يصح، ولزم العقد]، لأنهم قد رضوا به أو لمرة.
والثاني: هذا عقد جديد يعتبر فيه رضا جديد.
وعلى الوجهين: إن أبوا فلهم ذلك؛ فلو زوجها واحد منهم برضاها من كفءٍ بأقل من

مهر المثل- لا اعتراض للباقين؛ لأن المهر حقها.
وأما إذا كان الأولياء من جهة الولاء؛ نظر: إن كان المعتق واحداً، وقد مات عن بنين أو إخوة، فهم كأولياء النسب لو زوجها واحد منهم برضاها من كفءٍ دون رضا الباقين صح ولزم.
ولو مات أحد ابني المعتق، زوجها الابن الآخر دون سائر العصبات.
وإن كان قد أعتقها جماعة، فيشترط رضا جميعهم في صحة النكاح، لأن الولاية تثبت لهم بولاء صدر عن الملك، والملك كان لجميعهم، ولم يكن ينفرد واحد منهم بتزويجها قبل العتق، وكذلك بعد العتق، فلو مات أحد المعتقين عن اثنين، أو عن أخوين؛ فزوجها أحد ابنيه، أو أحد أخويه مع المعتق الآخر، جاز.
ولو مات المعتقان جميعاً، ولكل واحد ابنان، فزوجها أحدُ ابني هذا مع أحد ابني ذاك جاز.
وإن لم يكن لأحدهما عصبة، زوجها السلطان مع أحد ابني الآخر.
فصل فيما يُوجب نقل الولاية لا ولاية لأبعد العصبات مع وجود الأقرب، فإن كان الأقرب صغيراً أو رقيقاً، أو مجنونا ًجنوناً مطبقاً، أو شيخاً مفنداً أو محجوراً عليه بالسفه أو اختلط عقله، بحيث لا يعرف مواضع الحظ، أو به ألم شديد شغله عن النظر، أو كان - فاسقاً وقلنا: لا ولاية للفاسق - أو كان أعمى - وقلنا: لا يكون ولياً- يزوجها الولي الأبعد.
فإن حسُنت حالة الأقرب كان التزويج إليه.
فلو زوج الأبعد [بعد] ما أفاق المجنون، وتاب الفاسق، ولم يعلم بحسن حال الأقرب، ففي صحة النكاح وجهان؛ بناء على الوكيل بالبيع إذا باع بعد ما عُزل ولم يعلم هل يصح البيع؟ قولان: الأصح: أنه لا يصح.
وإن كان الأقرب يُجن يوماً ويفيق يوماً - لا يزوج حتى يفيق الولي؛ فيزوج، أو يُوكل بالتزويج.
ويشترط بقاؤه مفيقاً؛ حتى يفرغ الوكيل من العقد، وكذلك البنت البالغة إذا كانت تُجن يوماً، تفيق - لايجوز تزويجها، حتى تُفيق وتأذن، وتبقى على الإفاقة، حتى يفرغ الولي من العقد.

وقيل: هو كالجنون المُطبق لو زوجها الأبعد في يوم جنونها، جاز.
وإن كان مُغمى عليه، ينتظر إفاقته، لأنه لا يدوم؛ كالنائم ينتظر انتباهه، والسكران، أو من شرب دواء أزال عقله، ينتظر إفاقته.
وإن كان الأقرب مُحرماً فهو كما لو كان غائباً؛ يزوجها السلطان.
وقيل: تزول به الولاية؛ فيزوجها الأبعد؛ كما لو جُنَّ.
وإن كان الأقرب غائباً على مسافة القصر، زوجها السلطان؛ لأن الغائب على ولايته، بدليل أنه لو زوجها في الغيبة يجوز، والتزويج حق توجه عليه وقد تعذر الاستيفاء منه، فالسلطان ينوب فيه منابه.
وإن كان على أقل من مسافة القصر، لا يجوز لغيره تزويجها، بل يُكاتب حتى يحضر، فيزوج، أو يوكل بالتزويج وقيل: إن كان على مسافة لو خرج بُكرة لا يمكنه أن يأتي أهله ليلاً، زوجها السلطان والأول أصحُّ.
وقال أبو حنيفة: إن غاب غيبة منقطعة، زوجها الأبعد.
قلنا: الغيبة لا تخرجه عن الولاية، فلا تنقل الولاية، كالعضل، والأولى أن يأمر السلطان الأبعد، حتى يزوج؛ للخروج عن الخلاف.
ولو عضل الولي الأقرب، زوجها السلطان لا الأبعد بالاتفاق، ولا يتحقق العضل حتى يمتنع بين يدي القاضي؛ وهو أن يحضر الخاطب ويطلب المرأة، فيأمره القاضي بالتزويج، فيقول: لا أفعل، أو يسكت - حينئذ يزوجها القاضي بإذنها.
ولو دعته إلى تزويجها من غير كفءٍ، له أن يمتنع، ولا يكون عاضلاً.
ولو قال الولي: إن الخاطب ليس بكفءٍ؛ فعلى المرأة إثبات الكفاءة.
ولو دعته إلى تزويجها من كفءٍ بأقل من مهر المثل - يجب التزويج، فإن امتنع كان عاضلاً؛ لأن المهر حقها، لا حق للأولياء فيه؛ بخلاف الكفاءة.
وعند أبي حنيفة نقص المهر كنقص الكفاءة، لا يجب على الولي أن يزوج بمهر ناقص؛ وبالاتفاق: لو رضيت ببخس خسيس من المهر تجب الإجابة.
وكل امرأة جعلنا تزويجها إلى السلطان يستحب أن يحضر أولياؤها الأباعد، ويستشيرهم في أمرها، ويقول: هل تنقمون شيئاً؟ لأنهم أحرص على التفحص عن الكفاءة، احفظ نسبهم، فإن لم يفعل وزوج صح.
ولا يُتصور انتقال الولاية إلى السلطان في حق الصغيرة؛ لأن طلبها فيه شرط، وحيث

قلنا: ينتقل إلى الأبعد، فإنما تنتقل إذا كانت المرأة ممن يجوز للأبعد تزويجها؛ حتى لو كان الأبعد أخاً، وهي صغيرة لا يجوز له تزويجها، وإن كان جداً يجوز.
فصل في التوكيل في النكاح رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم حبيبة وكان وكيل النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري ويجوز التوكيل بالتزويج، وبقبول النكاح، ثم إنها يصح التوكيل ممن يملكه بنفسه؛ وإنما يصح توكيل من يكون من أهل مباشرة مثل ذلك العقد بنفسه، فلو وكل بالتزويج عبداً، أو صبياً، أو سفيهاً، أو امرأة - لا يجوز.
ولو وكل فاسقاً لا يجوز، على قولنا: إن الفاسق لا يكون ولياً.
ولو وكل فاسقاً، أو عبداً، أو سفيهاً بقبول النكاح يجوز - وهل يحتاج إلى إذن السيد في توكيل العبد؟ فيه وجهان: أحدهما: يحتاج إلى إذنه، كما لو وكل عبداً بالبيع، لا يجوز إلا بإذن السيد.
والثاني: لا يحتاج إلى إذنه، كما لو وكله بتطليق زوجته، لا يحتاج إلى إذن المولى، بخلاف البيع والشراء، لأن العهدة في البيع والشراء تتعلق بالوكيل، وفي النكاح لا يتعلق بالوكيل عهدة.
قال الشيخ: وكذل لو وكل سفيهاً هل يحتاج إلى إذن الولي؟ وجهان: ولو وكل السفيه أو العبد رجلاً بقبول النكاح له، يجوز بعد إذن الولي والمولى لهما بالنكاح، وقبل إذن الولي والمولى لهما في النكاح، لايجوز.
ولو وكل أخا المرأة، ليقبل له نكاح أخته من الأب، يجوز.
وإذا وكل الولي رجلاً بالتزويج، هل يحتاج إلى إذن المرأة، نظر: إن كان الولي ممن يجبر، فلا يحتاج إلى إذنها، وله التوكيل، وإن أبت المرأة، وإن كان ممن لا يجبر كغير الأب، والجد والأب والجد في حق الثيب - فيه وجهان: أحدهما: يحتاج إلى إذنها، كالتوكيل لا يُوكل بغير إذن الموكل، حتى لو أطلقت الإذن له أن يزوج بنفسه، ولا يجوز أن يوكل.
والثاني- هو الأصح: لايحتاج إلى إذنها، لأن مُتصرف بالولاية، كالقيم والوصي، يوكلان من غير إذن.
ولا خلاف: أنها لو نهت عن التوكيل، لا يجوز أن يوكل.
ولو قالت: وكل بتزويجي فله أن يوكل، وهل يجوز له أن يزوج بنفسه؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا، بل يوكل؛ كما لو قالت.
والثاني: يجوز، لأنها رضيت بالتزويج، فإذا جاز له التوكيل جاز أن يفعل بنفسه، فلو وكل قبل الاستئذان منها في التزويج، لا يجوز، لأنه لا يملك المباشرة بنفسه، فلا يملك التوكيل وقيل: يجوز؛ فيستأذن بعده الولي أو الوكيل للمولى عليها فيزوج؛ والأول المذهب.
ولو استأذن الوكيل لنفسه منها، لا يجوز.
وإذا وكل بالتزويج، لا يشترط ذكرُ المهر.
وله يشترط تعيين الزوج؟ فيه وجهان وكذلك الثيب إذا أذنت للولي في التزويج هل يشترط تعيين الزوج فيه وجهان: أحدهما: لا يشترط، كما لا يشترط تعيين المشتري.
والثاني: يشترط؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الأزواج، ولا تختلف باختلاف المشتري، لأن المقصود منه حصول الثمن، ولا خلاف أن الولي إذا عين رجلاً؛ فزوجها الوكيل من غيره- لا يصح، وإن كان أكفأ ممن سماه، ولو وكل مطلقاً، وجوزنا، فزوجها من غير كفءٍ لا يصح؛ لأنه تصرف لا على وجه النظر.
وإن خطبها كفئان وأحدهما أكفأ فزوجها من الآخر - لا يصح.
ولو قال الولي: زوجها من زيد، فزوجها من وكيل زيد، فقبل له- جاز، لأن النكاح يحصل لزيد.
وبمثله في البيع لو قال: بع من زيد؛ فباع من وكيله- لا يصح.
وقال الشيخ -رحمه الله-: ما لو حلف ألا ينكح؛ فقيل له وكيله - يحنث؛ ولو حلف؛ لا يشتري؛ فاشترى له وكيله، لايحنث؛ لأن النكاح لا تعلق له بالوكيل؛ بخلاف البيع.
ولو قال للوكيل: زوجها بألف؛ فزوجها بأقل -لا يصح؛ لأنه خالف المُوكل؛ كما لو قال: زوجها غداً؛ فزوجها اليوم، أو قال: زوجها في المسجد؛ فزوجها في موضع آخر- لا يصح.
ولو وكله بالتزويج مطلقاً، فزوجها بلا مهر، أو زوجها مُطلقاً- ولم يُسم المهر، أو بمهر بخس - هل يصح أم لا؟ فيه قولان؛ كالأب يزوج البكر بلا مهر دون إذنها، هل يصح؟ فيه قولان: أصحهما: يصح، ويجب مهر المثل.

والثاني: لايصح؛ لأنه بخس حقها.
وقيل هاهنا: لا يصح؛ بخلاف الأب؛ لأنه يُزوج بحكم الولاية، والوكيل يحكم بالنيابة؛ فإن قلنا: يصح؛ فيكمل مهر المثل، فإن رضيت المرأة مع الوكيل بالقدر الذي يسمى؛ وهي من أهل الرضا - صح بما سمى.
ولو قال الولي للوكيل: زوجها ممن شاءت، [بكم شاءت]؛ فزوجها برضاها من غير كفءٍ بدون مهر المثل -صح.
ولو وكل وكيلاً بقبول نكاح امرأة له؛ فقبل نكاح امرأة - قال الشيخ - رحمه الله-: إن كانت غير كفئة لا يصح، وإن [كان] قبل نكاح كفئةٍ بمهر المثل، أو بأقل - صح، وعلى الزوج المسمى، وإن قبل بأكثر من مهر المثل، أو بغير نقد البلد، أو بعين من أعيان مال الموكل، أو مال نفسه - فيه وجهان: أحدهما: لا يصح النكاح؛ كالوكيل بالبيع إذا باع بغير نقد البلد، أو بأقل من ثمن المثل.
والثاني: يصح؛ وبه قال أبو حنيفة، ويجب على الموكل مهر المثل من نقد البلد.
ولو سمي قدراً فقبل بأكثر، لا يصح.
ولو قال: أقبل لي نكاح فلانة على عبدك هذا؛ فقبل عليه - صح النكاح؛ وهل تملك المرأة العبد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل يجب على الزوج مهر المثل؛ لأن الصداق يكون على الزوج.
والثاني: تملك؛ ويكون ذلك قرضاً على الزوج أم هبة له؟ فيه وجهان.
ولا يكون قرضاً، ولا هبة للمرأة.
ولو كانت ابنته في نكاح [زوج] أو في عدة زوج؛ فوكل وكيلاً، وقال: زوج ابنتي إذا طلقها زوجها، أو: إذا انقضت عدتها - جاز التوكيل، كما لو قال: زوجها بعد سنة يجوز، ثم تزوجها بعد الطلاق، وانقضاء العدة.
ولو قال: إذا طلقها زوجها، فقد وكلتك بتزويجها، أو: إذا مضت سنة، فقد وكلتك - ففيه قولان: أحدهما: يصح، كالأول.

والثاني: لا؛ لأن الوكالة عقد؛ فلا يصح تعليقه؛ كالبيع والنكاح.
فصل في تزويج المخالف في الدين رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -وكل عمرو بن أمية الضمري؛ حتى قبل له نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان من ابن عمها: خالد بن سعيد بن العاص؛ وهو مسلم، وأبوها أبو سفيان حي.
لا يجوز للكافر تزويج ابنته المسلمة؛ لقطع الله تعالى- الولاية بينهما، بل إن كان لها ولي أبعد مسلم بنسب، أو ولاء - يزوجها؛ كما زوج خالد بن سعيد بن العاص أم حبيبة - وأبو سفيان حي وهو كافر.
فإن لم يكن لها ولي مسلم، زوجها السلطان؛ وكذلك لا يجوز للمسلم تزويج ابنته الكافرة، بل يزوجها إن كانت كتابية لولي الأبعد الكافر؛ سواء زوجها من مسلم، أو من كافر.
فإن كان الكافر يرتكب في دينه محظور اعتقاده - فهو في التزويج؛ كالفاسق يزوجها بشهود مسلمين؛ سواء زوجها من مسلم، أو من كافر.
وقال أبو حنيفة: يجوز بشهادة ذميين؛ سواء زوجها من مسلم، أو من ذمي.
وقال محمد: إذا زوجها من مسلم، لا يجوز بشهادة أهل الذمة.
وقال [الحليمي]: إن زُوجت الكتابية من مسلم، لا يجوز بولي كافرٍ، بل يزوجها حاكم المسلمين، وإنما يزوج القاضي الكافرة إذا كانت كتابية، ولا يجوز تزويج المجوسية والوثنية بحالٍ.
ولو كانت لمسلم أمة كتابية، أو لوليته المسلمة أمة كتابية - يجوز له تزويجها؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه يتصرف بالملك؛ كما يملك بيعها وإجارتها.
وقيل: لا يجوز؛ كما لا يجوز تزويج ابنته الكافرة [ومولاته الكافرة].
فإن جوزنا، فإنما يزوجها من أهل الكتاب؛ لأن الحُر المسلم لا يجوز له نكاح الأمة الكتابية.
وإن كانت الأمة مجوسية، أو وثنية، لا يجوز تزويجها لو كانت مرتدة.
وأما الكافر: لا يجوز له تزويج أمته المسلمة، أو أم ولده المسلمة، على ظاهر

المذهب؛ بخلاف المسلم يزوج أمته الكافرة؛ لأن المسلم له ولاية على الكافرة بالسلطنة؛ فكذلك بالملك، والكافر لا ولاية له على المسلمة بالسلطنة؛ فكذلك بالملك؛ ولأن المسلم يستمتع بالكافرة، والكافر لا يستمتع بالمسلمة.
ولو كانت لامرأة كافرة أمة مسلمة، أو كتابية، لا يجوز لوليها المسلم تزويج أمتها، لأنه لا يُزوج المالكة.
قال الشيخ- رحمه الله - يجوز لوليها الكافر تزويج أمتها الكتابية بإذنها، ولا يجوز تزويج أمتها المسلمة.
ولو وكل مسلم كافراً بتزويج ابنته المسلمة - لا يجوز، وكذلك لو وكله؛ ليقبل له نكاح مسلمة لا يجوز، ولو وكله؛ ليقبل له نكاح الكتابية يجوز.
فصل في تزويج الوليين رُوي عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا نكح الوليان، فالنكاح للأول منهما".

إذا كان للمرأة أولياء في درجة واحدة؛ فأذنت لواحد في تزويجها؛ فزوجها غيره - لا يصح، ولو قالت: أذنت في فلان، فأي [ولاتي] شاء زوجني منه - فهو إذن منها، فأيهم انفرد بتزويجها منه صح.
وإن اختلفوا يُقرع بينهم.
ولو قالت: رضيتُ بأن أزوج، فالمذهب: أنه كذلك.
وقيل: ليس بإذن، لأنها لم تأذن للولي.
فإن قلنا: هو إذن، فإن أذنت بعده لواحد بعينه، لا ينعزل الآخرون؛ كما لو أذنت لواحد، ثم أذنت لآخر، صح ولا يكون رجوعاً عن الأول.
ولو قالت: زوجوني، فهو إذن، فهل ينفرد فيه واحد؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، لأنه يشق اجتماعهم.
والثاني: لا؛ ما لو وكل بالبيع برجلين، لا ينفرد به أحدهما.
ولو قالت لأحد الوليين؛ زوجني من زيد، وقالت للآخر: زوجني من عمرو، فزوجها [كل واحد] ممن سمت له، أو قالت لكل واحد: زوجني ممن شئت؛ فزوج كل واحد من رجل آخر، أو وكل الأب رجلاً بتزويج ابنته، فزوجها الوكيل من رجُل، وزوجها الأب - من آخر ففيه خمس مسائل: أحدها: إذا سبق أحد الناكحين، وعُرفَ السابق، فالأول صحيح، والثاني باطل، سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل: فإن دخل يجب لها عليه مهر المثل، وعليها العدة.
وقال مالك - رحمه الله- إن دخل بها الثاني، فهو للثاني؛ والحديث حجة عليه.
وإنما يعرف [السابق بإقرار] أو بشهادة الشهود -[ولو شهد] وليان، أو الوكيل مع الولي لا يقبل لأنه يشهد على فعل نفسه.
قال الشيخ - رحمه الله -: فإن شهد الوكيل؛ بأن نكاح هذا كان سابقاً، ولم يُضف إلى نفسه- جاز هذا، إذا شهد وكيل زيد لزيد؛ فإن شهد وكيل زيد بسبق نكاح عمرو، يقبل.
المسألة الثانية: إذا وقع النكاحان معاً، فهما باطلان.
[المسألة] الثالثة: أن يحتمل وقوعهما معاً, ويحتمل سبق أحدهما؛ بأن يقيم كل واحد بينة على أنه نكحها عند طلوع الشمس، فهما باطلان؛ والاحتياط هاهنا أن يقول الحاكم:

فسخت نكاح من سبق، أو يأمرهما الحاكم بالتطليق، أو يطلق أحدهما، ثم يُزوجها من الآخر.
فإذا فسخ القاضي، أو لم يفسخ، فلا نكاح بينهما في الظاهر، وفي الباطن وجهان: أحدهما: لا يرتفع نكاح من سبق في الباطن؛ حتى لو ظهر بعد ذلك، تكون زوجة له، وإن زوجت من ثالث كان فاسداً؛ كجمعتين وقعتا في بلد، واحتمل وقوعهما معاً؛ فأعادوا الجمعة، ثم بان سبق إحداهما- فعلى الطائفة الأخرى إعادة الظهر.
والثاني: يرتفع النكاح في الباطن؛ لأنه يقبل الفسخ، بخلاف الجمعة، حتى لو ظهر بعد ذلك سبق نكاح أحدهما، لا تكون زوجة له؛ وإن زوجت من ثالث، تكون زوجة للثالث.
المسألة الرابعة: إذا سبق أحد النكاحين، وعرف السابق منهما، ثم اشتبه - نوقف إلى أن يتبين؛ فلا يجوز لواحد منهما أن يقربها، ولا لثالث أن ينكحها ما لم يطلقاها.
[المسألة] الخامسة: إذا سبق أحدهما، ولم يُعرف السابق منهما - نص على أنهما باطلان؛ كما لو احتمل وقوعهما معاً؛ كالمتوارثين إذا غرقا فماتا، فلا فرق بين أن يحتمل موتهما معاً، وبين أن يسبق أحدهما ولا يعرف السابق في أنهما لا يتوارثان.
وخرج بعض أصحابنا قولاً من الجمعتين إذا أقيمتا في بلدٍ، وسبقتإحداهما، ولم تُعرف السابقة منهما، وفيهما قولان: أحدهما: أنهم جميعاً يُعيدون الجمعة؛ كما لو احتمل وقوعهما معاً، واحتمل السبق.
وفيه قول آخر: أنهم جميعاً يُعيدون الظهر؛ كما لو عرفت السابقة، ثم اشتبه.
ومن أصحابنا من أنكر هذا التخريج، وحكم ببطلان النكاحين، بخلاف الجمعتين؛ لأن الجمعة لا يلحقها البطلان بعد الصحة، والنكاح يلحقه الفسخ؛ فحيث حكمنا ببطلان النكاحين، يفرق بينهما، ولا مهر [على واحد] منهما.
فإن دخل بها أحدهما عليه، لها مهر المثل.
فلو ادعى كل واحد منهما أن نكاحي قد سبق؛ فأيهما أقام البينة، قضى له؛ وإن أقاما بينتين، أو لم يكن لواحد بينة- فلا تسمع دعوى أحد الزوجين على الآخر، بل الدعوى تكون على المرأة؛ لأن الحرة لا تحتوي عليها [اليد، فإن كانا مُقرين أنها لا تعلم؛ بأن كانت غائبة، فلا دعوى عليها وتوقف.

وإن ادعيا عليها]، وأنكرت، حلفت أنها لا تعلم، ولا تسمع الدعوى مجهولة، وهو أن يقول: هي تعلم سبق أحد النكاحين، بل يدعي كل واحد منهما؛ أنها تعلم أن نكاحي سابق وتحلف هي يمينين؛ على دعوى كل واحد يميناً، فإذا حلفت لأحدهما؛ أنها لا تعلم سبق نكاحه، لا يكون إقراراً بسبق نكاح الآخر، بخلاف ما لو قالت لأحدهما: لم يسبق نكاحك، كان إقراراً للآخر، وإنما حلفناها على العلم؛ لأن المُدعي يدعي علمها، ولأنه يمين توجهت عليهما في أمر فعله غيرها.
وقال الشيخ القفال - رحمه الله-: إذا حضر الزوجان معاً، وادعيا علمها، حلفت لهما يميناً واحدة؛ أنها لا تعلم سبق أحد النكاحين؛ ولو أنها نكلت عن يمين العلم، فلا يحلفان على علمها، ويوقف.
ولو أنها أقرت لأحدهما، كانت منكوحة له؛ وهل تُسمع دعوى الثاني عليها، أم لا؟ فيه قولان؛ بناء على أنها لو أقرت للثاني بعد ما أقرت للأول، لا تكون منكوحة للثاني، وهل تغرم له المهر؟ فيه قولان؛ بناء على ما لو كانت في يده عين فقال: هذه لفلان لا بل لفلان - يسلم إلى الأول، وهل يُغرم قيمتها للثاني؟ فيه قولان: أصحهما: لا يغرم؛ لأن إقراره للثاني صادف ملك العين؛ فلم يصح.
والثاني: يغرم؛ لأنه أتلف بإقراره الأول حق الثاني.
فإن قلنا: يغرم، فتسمع دعوى الثاني عليها؛ رجاء أن يقر؛ فيغرم المهر للثاني.
وإن قلنا: لا يُغرم، فهل له تحليفها؟ فيه قولان؛ بناء على أن يمين المُدَّعِي بعد نكول المدعي عليه بمنزلة إقرار المدعي عليه، أم بمنزلة إقامة البينة من المدعي؟ فيه قولان.
فإن قلنا: بمنزلة الإقرار - وهو الأصح- لا تُسمع دعواه عليها؛ لأن غاية ما فيه أن يقر، أو ينكل عن اليمين؛ فيحلف المدعي؛ فيكون كالإقرار، ولا يجب به شيءٌ.
وإن قلنا: كالبينة، له تحليفها؛ فإن حلفت تسقط دعوى الثاني، وإن نكلت ردت اليمين إلى الثاني، وإن نكل استقر النكاح للأول، وإن حلفت فقد قيل يحكم بالنكاح للثاني؛ كما لو أقام بينة؛ لأن البينة تقدم على الإقرار.
والصحيح من المذهب: أنها منكوحة للأول، وتُغرم للثاني المهر؛ لأن النكول ورد اليمين بمنزلة البينة في حق المتداعيين، لا في إبطال حق الأول؛ لأنه أضعف من البينة؛ فحيث قلنا: تغرم المهر، فكم تغرم؟ فيه قولان:

أحدهما: كمال المهر؛ لأنه قيمة البُضع.
والثاني: نصفه؛ بناء على شهود الطلاق إذا رجعوا قبل الدخول، كم يُغرمون؟ فيه قولان: أحدهما: كمال مهر المثل.
والثاني: نصفه.
فصل في الولي يتزوج وليته رُوي عن ابن عباس، أنه قال: لا نكاح إلا بأربع، خاطب، وولي، وشاهدين.
ويروي عن أبي هريرة مرفوعاً.
وإذا أراد الوليُّ أن يتزوج وليته، كابن [عم يريد أن يتزوج ابنة] عمه، والمعتق يتزوج مولاته لأنه إن لم يكن لها ولي أقرب منه لا يجوز له أن يزوجها من نفسه، فيتولى طرفي العقد، أذنت أو لم تأذن، ولا أن يوكل وكيلاً بتزويجها منه؛ لأن فعل وكيله كفعله، ولا لمن أبعد منه أن يُزوجها منه؛ لأنه لا ولاية للأبعد مع وجود الأقرب، بل إن كان لها ولي آخر في درجته زوجها منه، وإن لم يكن زوجها القاضي منه.
ولو كان له ابنا عم؛ أحدهما [لأب وأم] والآخر: لأب، فإن أراد منهو لأب أن يتزوجها، زوجها من هو [لأب وأم] منه، وإن أراد الآخر الذي هو [لأب وأم] أن يتزوجها، فإن قلنا بقوله القديم: إنهما في الولاية سواء، زوجها الذي هو لأب منه.
وإن قلنا: الذي هو [لأب وأم] أولى بالولاية؛ فلا يزوجها الآخر منه، بل يُزوجها القاضي.
ثم هل يجوز للقاضي أن يزوجها منه بالإذن الذي حصل منها للخاطب في التزويج.
رأيت لبعض أصحابنا: أنها إن قالت للخاطب: زوجني من نفسك، فالقاضي يُزوج به، لأنها رضيت به.
وإن قالت: له زوجني ممن شئت، أو قالت: زوجني مطلقاً- فلابد من إذن جديد للقاضي، لأنها إذا قالت: زوجني من نفسك فقد رضيت بأن يزوجها الغير منه، لأنه لا يعقد لنفسه.

وإذا لم تقل: من نفسك فقد أمرته بالوضع في غيره؛ فلا يكون إذناً بالوضع فيه.
قال الشيخ: والذي عندي أن قولها: زوجني من نفسك ليس بإذن؛ لأنها خاطبته بالتزويج؛ فلا يصح تزويج غيره بدليل أنها لو أطلقت فقالت: زوجني، لا يجوز تزويج غيره وتزويجها من نفسه لا يصح؛ فلغا الإذن.
وقال أبو حنيفة: يجوز للولي تزويجها من نفسه، وكذلك الوكيل من الجانبين عنده يتولى طرفي العقد، والحديث حجة عليه، ولأن من كان زوجاً في النكاح لا يقوم بركن آخر فيه، كما لا يكون شاهداً.
ولو أراد القاضي أن يتزوج امرأة لا ولي لها، لا يجوز أن يزوجها من نفسه، بل يستخلف من يزوجها منه، إن كان مأذوناً في الاستخلاف أو يرفع إلى الإمام أو يخرج إلى قاضي بلد آخر حتى يزوجها منه والإمام الأعظم إذا أراد أن يتزوج امرأة لا ولي لها فقد قيل: يجوز أن يزوجها من نفسه، ويتولى الطرفين لأنه ليس فوقه من يزوجها منه، والأصح: أنه لا يجوز، بل يأمر من يزوجها منه على طريق التولية، حتى لو قال لرجل: وكلتك، أو قال: زوجها مني لا يجوز، لأنه توكيل، بل يفوض إليه، بحيث لا ينعزل بموته.
ولو زوج العم وليته من ابنه البالغ يجوز سواء، سواء قالت: زوجني ممن شئت أو أطلقت الإذن على قولنا: إن تعيين الزوج ليس بشرط.
ولو أراد تزوجيها من ابنه الطفل، لا يجوز؛ لأنه لا يقبل للطفل غيره، فيحتاج إلى أن يتولى طرفي العقد، كما لو وكل وكيلاً بتزويج ابنته من ابنه البالغ، فيجوز، ومن ابنه الطفل لا يجوز ولو زوج الجد إحدى نافلتيه من الأخرى، وتولى طرفي العقد، هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابن الحداد: يجوز؛ كما يبيع ماله من نفسه.
والثاني: لا يجوز، قاله صاحب التلخيص لأن النكاح لا ينعقد بأقل من أربع؛ كما جاء في الحديث فإن قلنا: ينعقد هل يحتاج إلى لفظين؟ فيه وجهان.
وإن قلنا: لا يجوز، فلو بلغت المرأة والزوج صغير، فلا يجوز للجد أيضاً تزويجها بنفسه.
ولو أذنت المرأة للقاضي؛ حتى يزوجها من ابن عمه، وقبل الجد لنافلته - يجوز؛ كما لو أراد الرجل أن يتزوج وليته، زوجها القاضي منه؛ فلو وكل الجد بتزويج الصغيرة، وقيل: هو لابن ابنه الصغير، أو وكل رجلاً بالقبول عن الصغير، وزوج هو بالولاية، أو وكل رجلين: أحدهما: بالتزويج، والآخر: بالقبول -لا يجوز؛ لأن فعل وكيله فعله.

ولو وكل رجلاً ليقبل له نكاح امرأة؛ فزوجه الوكيل ابنته - لا يجوز.
فصل في تزويج المغلوب على عقولهم قد ذكرنا أنه يجوز للأب، أو الجد أن يقبل النكاح للصغير العاقل، ولا يجوز ذلك لغير الأب والجد.
أما المجنون ينظر: إن كان صغيراً، لا يجوز لأحدٍ أن يقبل له النكاح، لأنه لا حاجة به إليه في الحال، وبعد البلوغ لا يحتاج إليه للسكن والألفة ولا يُدرى هل يحتاج إليه للجماع؛ أم لا؟ بخلاف الصغير العاقل.
[يجوز للأب والجد أن يقبل له النكاح] لأنه يحتاج إليه بعد البلوغ، للاستمتاع، أو للسكن والألفة؛ فإذا بلغ المجنون، نظر: فإن لم يظهر منه رغبة في النساء؛ بأن كان مجبوباً لا يجوز تزويجه؛ لأنه لا يلزمه المهر والنفقة بلا منفعة تحصل له؛ بخلاف المجنونة لا يشترط في تزويجها ظهور الرغبة في الرجال، لأن لها فيه نفعاً من اكتساب المهر والنفقة وربما يكون فاسقاً فإن ظهر من المجنون البالغ الرغبة في النكاح، بأن كان يحوم حولهن، واحتاج إلى امرأة للتعهد والخدمة، ولم يكن له من المحارم امرأة تتولى ذلك، ومؤنة النكاح أخف من شراء الأمة حينئذ يجوز للأب أو الجد تزويجه ولا يجوز لغيرهما من أولياء النسب؛ فإن لم يكن له أب ولا جد زوجها السلطان؛ لأنه الذي يلي ماله، ويذكر للمرأة أنه مجنون وهل يحتاج السلطان إلى مشورة الأقارب؟ فيه وجهان.
وإن كان يُجن يوماً، ويفيق يوماً، فلا يجوز لأحد تزويجه، حتى يفيق، ويأذن ويبقى مفيقاً إلى أن يُفرغ من العقد، وإن عاوده الجنون قبل التزويج، بطل الإذن، وإن كان مغلوباً على عقله بمرض، ينتظر إفاقته، وإن أطبق عليه، ولم يُرجى إفاقته فهو كالمجنون.
ولا يجوز تزويج الصغير المجنون لحاجته إلى الخدمة؛ لأنه يجوز لغير ذوات المحارم من النساء خدمته.
وأما المجنونة يجوز للأب والجد تزويجها، صغيرة كانت، أو كبيرة، بكراً أو ثيباً؛ بخلاف البنت الصغيرة العاقلة لا يجوز تزويجها؛ لأنها بالبلوغ تصير من أهل الإذن، ولبلوغها أوان منتظر، وليس لإفاقة المجنونة أوان منتظر.
وقيل: لا يجوز تزويج البنت الصغيرة المجنونة؛ كالعاقلة؛ والأول أصح.

وأما غير الأب والجد لا يجوز لهم تزويج المجنونة الصغيرة؛ لأن تزويجها إجبار، وليس لغير الأب والجد ولاية الإجبار، فإن بلغت زوجها السلطان بمشورة أوليائها من الإخوة والإعمام، وغيرهم، إن كانوا لها، أو يأذن لهم في تزويجها.
[وتلك المشورة مستحبة، أم واجبة؟ فيه وجهان: أحدهما: مستحبة؛ لأن تزويجها بالإذن].
فإن لم تكن المرأة من أهل الإذن، فلا ولاية لهم.
والثاني - وهو الأصح-: أنها واجبة؛ لأنهم أولياء، والسلطان يقوم مقام المجنونة فيمن يكون إذنها شرطاً؛ ما أنه يلي أمر مالها؛ ولا خلاف أن أولياء النسب سوى الأب والجد ينفردون بتزويجها.
وقيل: الأب يحتاج إلى إذن السلطان في تزويج المجنونة البالغة الثيب بدلاً عن إذنها.
وإن كانت البنت تُجن يوماً، وتفيق يوماً، فلا يجوز تزويجها؛ حتى تفيق، فتأذن، وتبقى على الإفاقة؛ حتى يفرغ من التزويج؛ فإن عاودها الجنون قبل الفراغ من العقد، بطل الإذن؛ كالوكالة تبطل بالجنون والإغماء؛ وإذا قبل الرجل لابنه الصغير، أو لابنه المجنون نكاح امرأة -فليس له أن يخالع عنه؛ كما لا يطلق عنه، ولا يفسخ عنه؛ بخلاف النكاح؛ فإنه من مصالح [ابنه]؛ كالإنفاق عليه.
وقال عطاء: يجوز أن يطلق عليه.
وقال الزهري، ومالك: يجوز بالعوض.
ولو ادعت المرأة عنه زوجها المجنون، لا تُضرب له المدة، لأن الزوج لو كان عاقلاً بما يدعي الإصابة، وإن كانت بكراً فربما يدعي عليها الامتناع من التمكين بخلاف ما لو كان به عيب آخر، لها الفسخ.
ولو زوج ابنته المجنونة ثم اختلعها بمال نفسه، صح الخلع، ولزم المال، لأن الطلاق بيد الزوج، ثم إن لم يكن لها فيه نظر أثم فإن اختلعها على مالها وقع رجعياً، ولايجوز للأب أن يبرأ عن شيء من صداق ابنته المجنونة.
ولو هربت المجنونة من الزوج، وامتنعت، لا نفقة لها، ولا قسم؛ العاقلة إذا نشزت.

ولو آلى عن زوجته المجنونة، لا يضيق الأمر على الزوج بعد مُضي المدة؛ لأن طلبها فيه شرط، ولا يصح منها الطلب، بل يُقال له: اتق الله فيها أو طلق.
وإذا قذف زوجته المجنونة، فلا حد عليه، بل يُعزر إذا أفاقت وطلبت، إلا أن يُلاعن لإسقاطه.
فصل في الكفاءة رُوي عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.
شرائط الكفاءة ستة: الإسلام، والحرية، والعدالة، والنسب، والحرفة، والسلامة من

العيوب؛ وهي العيوب الأربعة التي فُسخ بها النكاح، وهي: الجنونن والبرص، والجب.
أما العُنة فلا تؤثر؛ لأنها لا تتحقق، وفي اليسار وجهان: أحدهما: لا يُعد من الكفاءة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار الفقر؛ ولأن المال غادٍ ورائح، فلا يفتخر به ذوو المروءة.
وقيل: يشترط في قدر المهر والنفقة؛ فإذا وجد، فهو كفء لصاحب الألوف.
وقيل: هو شرط على الإطلاق؛ فعلى هذا الاستواء في المال ليس بشرطٍ؛ حتى يقال: صاحب التسعة الآلاف لا يكون كفئاً لصاحب العشرة الآلاف، بل الناس طبقات: فقير وغني ووسط، وكل طبقة بعضهم أكفأ من بعض، إذا اشتركوا في اسم الغنى وإن تفاوتوا في القدر.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله - اليسار والحرفة غير شرط.
قال الشيخ القفال رحمه الله: النسب يُراعى في العرب دون العجم؛ لأن العرب تحفظ أنسابها، وتفتخر بها.
والأصح: أنه يراعى في الكل، خرج منه أن الكافر لا يكون كفئاً للمسلمة، ولا العبد للحرة؛ سواء كانت حرة أصلية أو معتقة ولا المعتق للحرة الأصلية.
وإن كانا حُرين، لكن جرى الرق على واحد ممن يرجع النسب للرجل إليه دون المرأة، أو جرى الرق في آبائهما، ولكن في الرجل في أب أقربه، لا يكون كفئاً لها، وكذلك من أسلم بنفسه لا يكون كُفئاً لمن له أبوان، أو ثلاثة في الإسام، والعجمى لا يكون كفئاً للعربية، ولا العربي غير القرشي للقرشية وقريش هل لهم أكفاء؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ وبه قال أبو حنيفة؛ كما في الخلافة.
والثاني: لا، بل يتفاضلون، فغير الهاشمي والمطلبي منهم لا يكون كفئاً للهاشمية والمطلبية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم".
أما بنو هاشم وبنو المطلب هم أكفاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد".
والاعتبار بالأب، فإن كان الأب قرشياً، والأم أعجمية - فهو قرشي، وإن كان الأب عجمياً، والأم قرشية - فهو عجمي.
والفاسق لا يكون كفئاً للعفيفة، وصاحب الحرفة الدنيئة لا يكون كفئاً لاهل الحرفة

الرفيعة، والمحترفُ لا يكون كفئاً لابنة العالم، والكناس والحجام والراعي لا يكون كفئاً لابنة الخياط، ولا الخياط لابنة التاجر والبياع.
ومن كان به عيب من العيوب الأربعة لا يكون كفئاً للسليمة، وإن كان بكل واحد منهما عيب، نظر إن كانا مختلفين؛ بأن كان به جنون، وبها جُذام أو برص، أو به جب، وبها برص - لا يتكافآن.
وإن اتفق العيبان نظر؛ إن كان بالرجل أكثر - فليس بكفءٍ لها، وإن استويا أو كان بها أكثر - فوجهان، بناء على أنه هل يثبت به فسخ النكاح؟ فيه وجهان.
وكذلك إذا كان به جب، وبها رتق فيه وجهان: فلو زُوجت المرأة من غير كفءٍ نظر؛ إن زوجت مسلمة من كافر لا ينعقد، وإن رضيت به المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]. أما في سائر الشروط؛ بأن زُوجت حرة من عبدٍ، أو حرة أصلية من معتق، أو عربية من عجمي أو [قرشية من غير قرشي]، أو عفيفة من فاسق، أو سليمة من معيب بشيء من العيوب الأربعة فسخ، نظر إن زوجها بغير رضاها لا ينعقد حتى لو زوج الأب ابنته البكر الصغيرة من غير كفءٍ- لا ينعقد.
وإن كانت بالغة فاستأذنها فسكتت: فيه وجهان.
وفيه قول آخر: إن الأب أو الجد إذا زوج البكر الصغيرة، أو البالغة بغير رضاها من غير كفءٍ يصح، والمرأة بالخيار إذا بلغت.
وهل للأب أن يفسخ في صغرها إذا كان جاهلاً بالحال؟ فيه وجهان: فإن زوجها من خصي أو خنثى دون رضاها، فإن قلنا: يثبت لها الخيار، فهو كالجب.
وإن قلنا: لا يثبت فيصح، وكذلك في البالغة إذا أذنت في التزويج مطلقاً فزوجت من خصي أو خنثى.
وعند أبي حنيفة: إذا زوج ابنته الصغيرة من غير كفءٍ يصح، أما إذا زُوجت المرأة

من غير كفءٍ برضاها- نظر؛ إن كان المُزوج وليها بنسبٍ أو ولاءٍ - يصح، حتى لو زوجها

الأقرب برضاها من غير كفءٍ فلا اعتراض للأبعد؛ لما رُوي أن فاطمة بنت قيس قالت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "أن معاوية وأبا جهم خطباني، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: "أنكحي أسامة فنكحته"، وفاطمة قرشية، وأسامة من الموالي.
وإن زوجها السلطان برضاها من غير كفءٍ فيه قولان: أصحهما: لا يصح؛ لأنه يزوج بالنيابة عن أولياء النسب؛ فلا يجوز ترك نظرهم.
والثاني: يصح ولي النسب والولاء.
ولا تقابل خصال الكفاءة بعضها ببعض، حتى لو زُوجت أمة عفيفة من حر فاسق، أو حرة فاسقة من عبد عفيف، أو عجمية عفيفة من عربي فاسق، أو عربية فاسقة من أعجمي عدل، أو دنية سليمة من نسيب معيب دون رضاه- لا يصح؛ لما في الزوج من النقص.
ولو زوج السيد أمته من عبد، أو دني النسب دون رضاها - يصح؛ لأنهما متكافئان؛ لأن نسب الحر - وإن كان دنياً - فلا يكون دون العبد.
وإن زوجها من غير كفءٍ أو ممن به عيب من العيوب الأربعة - لم يجز دون رضاها؛ لأن الحق في الاستمتاع بها؛ بدليل أن الفسخ بسبب العيوب إليها.
وقيل: يصح، ولها الخيار؛ كما ذكرنا في الحرة تُزوج من غير كفءٍ، والأول المذهب، فإن رضيت فزوجت ممن به عيب - لا امتناع لها من التمكين.

جارٍ التحميل