باب ما جاء في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم-
وأزواجه في النكاح
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28].
اعلم أن الله - تعالى- لما خص رسوله بالوحي، خصه بأشياء، باين بينه وبين خلقه؛ تبييناً لفضيلته؛ وإظهاراً لرامته، ورفعاً لدرجته.
وجملة خصائص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أربعة أقسام: منها: ما أوجبه الله عليه، وخففه على غيره.
ومنها: ما حرمه عليه، وأباحه لغيره.
ومنها ما أباحه له، وحرم على غيره.
ومنها: ما أكرمه به دون غيره.
أما ما أوجبه عليه: فمنها: صلاة الليل، والوتر، والسواك.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79].
أي زيادة لك في الفرائض.
وروي عن عائشة - رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث على فريضة، وهي لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل" وقيل: قيام الليل صار وجوبه منسوخاً في حقه؛ كما في حق الأمة.
وقيل: الأضحية كانت واجبة عليه دون غيره.
ومنها: أنه كان يجب عليه تغيير منكر رآه، ولا تسعة التقية، كما تسع غيره؛ لأن الله - تعالى- ضمن له العصمة، فقال: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].
ومنها: أنه كان يجب عليه مصابرة العدو، وإن كان كبيراً عددهم، ولا يجب في حق غيره، إذا كان في مقابلة كل مسلم أكثر من مشركين، وكان يلزمه بلبس اللأمة ما يلزم غيره، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حرب أُحُدِ: "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمَتَهُ أن يضعها حتى يقاتل".
وقيل على هذا المعنى: كان لا يبتديء تطوعاً، إلا لزمه إتمامه.
ومنها: أنه كان يجب عليه قضاء دين من مات من المسلمين، ولا وفاء له.
رُوي عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء؛ فعلى قضاؤه".
ولا يجب على أحد من الأئمة قضاء دين الغير من مال نفسه، وهل يجب من مال بيت المال؟ فيه وجهان:
ومنها في النكاح: أوجب الله عليه تخيير نسائه بين المقام معه، وبين مفارقته، واختيار الدنيا؛ فقال جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28].
وأما ما حرمه عليه، وأباحه لغيره: فمنها: الصدقة المفروضة، كانت محرمة عليه؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم- "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا
لآل محمدٍ" وهل كان يحرم عليه صدقة التطوع؟ فيه قولان
ومنها: أنه يحرم عليه الخط والشعر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48] وقال جل ذكره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]
وقيل: كان يُحسن الخط، ولا يكتب، ويحسن الشعر، ولا يقوله.
والأصح: أنه كان لا يُحسنها، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه؛ وقال للنابغة الجعدي حين أنشد قصيدته: "لا فض الله فاك".
ومنها: أنه كان يحرم عليه خائنة الأعين؛ روي أن عثمان - رضي الله عنه- جاء بعبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح؛ فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً؛ كل ذلك يأبى؛ فبايعه بعد ثلاثة؛ ثم أقبل على أصحابه فقال: "ما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ " فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا بعينيك.
قال: "إنه لا ينبغي لنبي خائنة الأعين".
والمراد من خائنة الأعين: أن يشير إلى مباح من ضرب أو قتل مما لا يحل أن ينطق به [و] يُسمى خائنة الأعين؛ لأنه يشبه بالخيانة من حيث إنه يخفيه ولا يظهره؟ ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور.
ثم أبيح له إذا أراد سفراً أن يُوري بغيره، بخلاف هذا.
قال صاحب "التلخيص": وفي تحريم خائنة الأعين كالدليل على أنه لم يكن في الحرب خدعة، وليس ذلك، بل كان له ذلك؛ ما لكافة الناس، وكالتورية بغيره في الغزو.
ومنها: أنه كان يحرم عليه إذا لبس لأمته أن ينزعها؛ حتى يلقى العدو، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: "ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع حتى يقاتل".
ومنها: أنه كان - عليه السلام- لا يأكل متكئاً.
قيل: كان حراماً عليه أن يأكل متكئاً، ولم يكن حراماً على غيره.
وقيل: لم يكن مخصوصاً به، بل [هو] مستحب لكل أحد؛ ليكون أقرب إلى التواضع، وأبعد من التكبر.
ومنها: أنه كان لا يأكل الثوم، والبصل، والكرات.
فقيل: كان حراماً عليه دون غيره.
وقيل: لم يكن حراماً، ولكن كان يمتنع من أكله تنزهاً حتى لا يتأذى به الملك.
رُوي عن جابر؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بقدر فيه خضراوات من بقول، فوجد لها ريحاً؛ فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه.
وقال: "كُلْ؛ فإني أناجي من لا تناجي".
ومنها في النكاح: حرم الله عليه التزويج على نسائه والتبدل بهن حين اخترنه, قال الله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] وكان السبب في ذلك أنه جرت وحشة بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أزواجه، فألى ألا يدخل عليهن شهراً؛ فأقامه في مشربة له، ثم أنزل الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أزواجه، فآلى ألا يدخل عليهن شهراً؛ فأقامه في مشربة له، ثم أنزل الله - تعالى- آية التخيير؛ قالت عائشة - رضي الله عنها-: فبدأ بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني ذاكرٌ لك أمراً، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك؛ وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، ثم قال: "إن الله - تعالى- قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ...﴾ [الأحزاب: 28] إلى تمام الآيتين.
قلت: أوفى هذا استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وأسأل ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت.
قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن الله - تعالى- لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً".
ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة؛ فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، كافأهن الله - تعالى - وحرم على رسول الله التزويج عليهن، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] ثم أراد الله - تعالى- أن تكون المنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهن، فأباح له النساء؛ لتكون المنة له بترك التزويج عليهن.
قالت عائشة- رضي الله عنها-: ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى احل له النساء؛ تعني: اللاتي حُظرنَ عليه.
وقال أنس: مات على التحريم.
واختلفوا في أنه؛ هل كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - مفارقتهن بعد ما اخترنه والدار الآخرة.
منهم من قال: يجوز؛ كما أن واحداً منا لو أراد تطليق زوجته، كان له ذلك.
ومنهم: من قال: كان لا يجوز؛ كما لو اختارت الدنيا، ورغبت عنه، لم يكن يحل له إمساكها، وهذا كان من خصائصه أيضاً؛ فإن واحداً منا لو خير زوجته لم ينو الطلاق، ورغبت عنه - لا يجب عليه تطليقها، وكان يجب عليه ذلك؛ لأن الله - تعالى- وعدهن أنه يطلقهن لو اخترن الدنيا؛ ولأن كل من رغبت عنهن وجب عليه تركها؛ لما رُوي أنه تزوج امرأة، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "لقد عُذت بعظيم، الحقي بأهلك".
ولو تصور اختيار واحدة منهن الدنيا، هل كان يقع الفراق بنفس الاختيار؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كواحد منا لو خيرت زوجته؛ فاختارت نفسها، طلقت.
والثاني- وهو الأصح-: لاحتى يُسرحها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الله - تعالى - قال بعد التخيير: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28] أمر بالتسريح بعد الاختيار؛ لأنه تخيير بين الدنيا والآخرة، ولو خير واحد منا زوجته بين الدنيا والآخرة، فاختارت الدنيا - لم يقع الفراق.
وهل كان جوابهن على الفور؟ فيه وجهان:
إن قلنا: كان يقع الفراق بنفس الاختيار - كان جوابهن على الفور-؛ كواحد منا؛ لو خير زوجته، كان جوابها على الفور.
وإن قلنا: كان لا يقع الفراق بنفس الاختيار- وهو الأصح- كان جوابهن على التراخي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: "ولا عليك أن تستعجلي؛ حتى تستأمري أبويك" فجوز لها تأخير الجواب [إلى إمرة الأبوين].
فأما ما أبيح له دون غيره: فمنها: الصفي من الغنيمة؛ وهو أن يختار من رأس الغنيمة ما شاء، ومن جملة صفاياه: صفية بنت حيي بن أخطب؛ اصطفاها من رأس الغنيمة، وأعتقها، وتزويجها.
ومنها: خُمس خمس الغنيمة والفيء كان مباحاً له؛ قال الله - تعالى-: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] وكان أربعة أخماس الفيء له في حياته.
وأبيح له الحِمَى لنفسه؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "لا حِمَى إلا لله ورسوله".
ولم يكن لأحد من الأئمة بعده أن يحمي لنفسه؛ وهل له أن يحمي لمصالح المسلمين؟ فيه قولان.
ومنها: الوصال في الصوم كان مباحاً له؛ وهو أن يصوم أياماً من غير أن يطعم بالليل شيئاً؛ روي أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال، فقيل له: عن تواصل.
فقال: "إني لست كهيئتكم؛ إني أبيت يطعمني ربين ويسقيني".
ومنها: أنه أبيح له أخذ الماء من العطشان، والطعام من الغرثان، وكان على الرجل إذا علم به حاجته أن يحمله غليه، ويؤثر على نفسه، ويجب أن يقي [أحدنا] رُوحه عليه السلام بروح نفسه؛ لقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] ولأن في بقائه بقاء العالم.
ومنها: إباحة قتل من سبه وهجاه؛ رجلاً كان أو امرأة؛ لأن سبه كفر، وكذلك بغضه، وسب غيره لا يوجب قتلاً ولا كفراً.
ورُوي عن أبي بُرزة أن رجلاً سب أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - فقلت: ألا أضرب عنقه يا خليفة رسول الله؟ فقال: لا ليست هذه لأحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أنه أبيح له الحكم لنفسه؛ وقبول شهادة من شهد له بقوله؛ فإن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله- صلى الله عليه وسلم - بقوله فأجازه، وجعل شهادته بمنزلة شهادة رجلين، وكما جاز له أن يحكم لنفسه، جاز له أن يحكم لولده.
وعلى قياس هذا يجوز أن يشهد لنفسه ولولده.
ومنها: أنه كان يجوز له أن يقضي بعلم نفسه، ولا يجوز لغيره من القضاة؛ على أحد القولين.
وأبيح له في النكاح أشياء منها: الزيادة على أربع نسوة؛ فإنه - عليه السلام - مات عن تسع نسوة يقسم لثمان منهن.
وهل كان يجوز له أن يزيد على تسع نسوة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، والتسع في حقه كالأربع في حق الأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان يجوز له ذلك.
وهل كان يجب عليه القسم بين نسائه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51].
والثاني - وهو الأصح-: أنه كان يجب عليه القسم؛ بدليل أنه كان يُطاف به عليهن في مرضه ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما املك، وأنت أعلم بما لا أملك" يعني: قلبه؛ ولولا وجوبه عليه، لكان لا يتكلف ذلك في المرض، ولا يستعيذ من ميل القلب.
وفيه دليل: على أنه كان مطالباً في السر بأكثر منا، فالله - تعالى- خفف عنا- لضعفنا وعجزنا.
ومنها: أنه كان يحل النكاح في حقه بمعنى الهبة؛ حتى ينحها بلا مهر، ثم لا يجب لك لا بالعقد، ولا بالدخول.
وهل كان ينعقد بلفظ الهبة؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: 50].
والثاني: كان لا ينعقد؛ كما في حق الأمة، والمراد من الآية: النكاح بمعنى الهبة؛ بدليل أنه قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ دل على لفظ النكاح شرط.
فإن قلنا: كان ينعقد بلفظ الهبة، فهل كان يشترط لفظ النكاح من جهته عليه السلام؟ فيه وجهان:
أحدهما لا؛ كما في جانب المرأة.
والثاني: يشترط؛ لظاهر الآية؛ فإن جوزنا، كان لا يجب المهر؛ لا بالعقد، ولا بالدخول؛ لأن ذلك قضية الهبة.
وهل كان ينعقد نكاحه بغير ولي، ولا شهود؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كما في حق الأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان ينعقد؛ لأن الولي شرط؛ لطلب الكفاءة؛ وهو كان أكفأ الأكفاء، وشرط الشهود؛ للخوف من الجحود، وكان لا يُخشى ذلك منه.
وهل كان ينعقد نكاحه في حال الإحرام؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأنه رُوي أنه نكح ميمونة محرماً.
والثاني: كان لا ينعقد؛ كما في حق الأمة وأكثر الرواة أنه نكح ميمونة حلالاً، وكالوطء لم يكن له حلالاً في حال الإحرام؛ كغيره.
وقيل: كان لا ينحصر عدد طلقاته بالثلاث؛ وليس بصحيح بل كان ينحصر بالثلاث؛ كما في حق الأمة.
وبعض أصحابنا قالوا: كان النكاح في حقه بمنزلة التسري في حق الأمة، حتى يصح بلا ولي، ولا شاهد، وبلف الهبة، وفي حال الإحرام، وأن يزيد على التسع، ولا يلزمه القسم، ولا ينحصر عدد الطلاق فيه.
ومنها: أنه كان أبيح له بتزويج الله [له]؛ كما قال جل ذكره في حق زينب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] وكان تزويجها في السماء، ولم يكن في الأرض.
وقيل: يحل بلا عدة.
ومنها: نه كان إذا رغب في نكاح امرأة، يجب عليها الإجابة، ويحرم على غيره خطبتها، وإذا رغب في ذات زوج يحرم على زوجها إمساكها؛ وكان يجوز له تزويج المرأة من نفسه من غير استئمارها، واستئمار وليها، ويتولى طرفي العقد، وكان يجوز له تزويجها ممن شاء من غير إذنها، وإذن وليها؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] فروى أنه - عليه السلام- "أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها".
واختلفوا في اختصاصه فيه: قيل: اختصاصه من حيث إنه أعتقها على هذا الشرط، فلزمها ذلك، ولم يكن لها الامتناع، وغيره لو أعتق جارية؛ على أن ينكحها؛ فقبلت - عتقتهن ولا يجب عليها أن تنكحه، وعليها قيمة رقبتها للمولى.
وقيل: اختصاصه من حيث إنه كان يجوز له أن يجعل نفس العتق صداقاً، ولا يجوز ذلك لغيره؛ وكان لا يحل له نكاح الأمة المسلمة؛ لأن خوف العنت شرط لجواز نكاحها للحر، وهو - عليه السلام - كان آمناً منه، وكان يباح له التسري بالأمة المسلمة؛ لأنه استولد جاريته مارية بملك اليمين.
وهل كان يباح له نكاح الحرة الكتابية، أو التسري بالأمة الكتابية؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ كما كان مباحاً للأمة.
والثاني - وهو الأصح-: كان لا يباح له ذلك؛ لما رُوي أنه قال: "زوجاتي في الدنيا
زوجات في الآخرة".
والكافرة لا تدخل الجنة، ولأن ماءه أعز من أن يتضمنه رحم كافرة، فأما ما أكرمه الله تعالى به فذلك مما لا يُحصى كثرة.
فمنها: ما رُوي عن جابر بن عبد الله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرُّعبِ مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً؛ فأيما رجلً من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
وعن أبي هريرة- رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فُصلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون".
وقال: "بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، ووُضعت في يدي".
وعن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زوى لي منها، أعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض".
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع مُشفع".
وعن أنسٍ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة".
ومنها: أنه أُيدت شريعته، ونُسخت الشرائع بشريعته، وجعل كتابه - وهو القرآن -[مُعجزة له، ولم تكن كتب الأنبياء معجزة لهم، وبقيت معجزته في الأمة بعد مُفارقته الدنيا - وهي القرآن-] حتى يكون حجة على من جاء بعده، وضمن الله حفظه عن التبديل والتحريف؛ قال الله - تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] وجعلت أمته خير الأمم؛ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].
ومنها: أنه كان [يرى خلفه كما] يرى أمامه.
رُوي عن أبي هريرة- رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم، ولا سجودكم؛ إني لأراكم من وراء ظهري".
ومنها: أنه كان لا ينام قلبه حتى كان يجوز له أن يصلي بعدما نام مُضطجعاً قبل أن يتوضأ؛ قال ابن عباس: "ثُمَّ نام حتى سمعت غطيطه، ثم خرج إلى الصلاة".
وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "قلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر".
قال: "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي".
ومنها: أن صلاته التطوع قاعداً كصلاته قائماً، وإن لم تكن به علة، وفي حق غيره صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم؛ قال عبد الله بن عمرو بن العاص: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فوجدته يصلي جالساً.
فقلت: يا رسول الله، حدثت أنك قلت: "صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة" وأنت تصلي قاعداً.
قال:"أجل، ولكني لست كأحد منكم".
ومنها: أنه كان يجب على المصلي إجابته إذا دعاه في الصلاة، لا تبطل به صلاته؛ رُوي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي، فدعاني النبي -صلى الله عليه وسلم - فلم اجبه حتى صليت، ثم أتيت فقال: "ما منعك أن تأتي" قلت: إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24].
ومنها: أنه يخاطب في الصلاة بقوله: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، ومثل هذا الخطاب مع غيره يقطع الصلاة.
ومنها: أنه كان لا يجوز لأحدٍ أن يرفع صوته فوق صوته، ولا ينادي بعدما دخل حجرته حتى يخرج؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4].
وكان لا يجوز لأحدٍ أن يدعوه باسمه، فيقول: يا محمد يا أحمد، بل يقول: يا رسول الله، يا نبي الله، على وجه التعظيم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: 63].
قال الشيخ: ومنها: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي".
وكان الشافعي -رضي الله عنه - يقول: ليس لأحدٍ أن يتكنى بأبي القاسم، سواء كان اسمه مُحمداً أو أحمد، أو لم يكن؛ لظاهر الحديث.
ورخص بعضهم فيه، كره الجمع بين اسمه وكُنيته.
ومنها: أنه لو شتم أو لعن إنساناً جعل لعنه وشتمه قربة للمسلمين، رُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللهم إني اتخذت عندك عهداً لن تُخلفينه، فنما أنا بشرٌ، فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه إليك يوم القيامة".
ومنها: أن الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة إلا نسبه.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة غلا نسبي وسببي".
قيل: أراد به أن أمته يوم القيامة يعرفونه، وينتسبون إليه دون سائر الأمم، فإنها لا تُنسب إلى أنبيائها.
وقيل: لا ينتفع أحد بنسبه يوم القيامة؛ كما قال الله - تعالى-: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: 34، 35] إلا نسبه؛ فإن له الشفاعة بإذن الله عز وجل.
ومنها: أنه بعد موته كالحي حتى لا يُورث ماله، وماله قائم على ملكه يُصرف على زوجاته، ويصرف على من كان يصرفه إليه في حياته، ولم ينقطع خطاب الأمة معه بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته.
ومنها أن أم أيمن شربت بول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يُنكر عليها، وقال: "إذن لا تُنجع بطنُك".
وعن ابن الزبير قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم، وأعطاني دمه، وقال: "اذهب فواره حيث لا يبحث عنه سبعٌ".
قال: فتنحيت فشربته، ثم أتيت فقلت: صنعت الذي أمرتني.
قال: "ما أراك إلا شربته".
قلت: نعم.
ولم ينكر عليه.
وعن سفينة: أنه قال: احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خذ هذا الدم فادفنه من الدواب".
قال: فتغيبت فشربته.
ثم سألني فأخبرته أني شربته فضحك.
وكل ذلك لما كانوا يرون فيه من الشفاء والتبرك به، وليس في دم غيرهن ولا بوله ذلك، ومن هذا قسمته شعره بين أصحابه.
ومما أُكرم به- صلى الله عليه وسلم - في النكاح تحريم زوجاته على غيره من بعده، فقال جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الأحزاب: 53] وهذا التحريم في حق من كانت تحت النبي - صلى الله عليه وسلم - حين فارق الدنيا، ومن استحل نكاح واحدة منهن فر؛ لأنه محرم بنص الكتاب.
ولو تصور أن يختار واحدة منهن الدنيا حين خيرهن، كان يحل لها أن تنكح زوجاً غيره؛ للوصول إلى نعيم الدنيا في الأصل؛ لأنها اختارت فراقه لذلك، فأما من فارقها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته، فإنه رُوي أنه تزوج امرأة من بني عمرو بن كلاب، فوجد بكشحها بياضاً فطلقها، ولم يدخل بها، وتزوج أخت بني الجُون الكندي، فاستعاذت منه؛ فقال: "لقد عُدت بعظيم، فالحقي بأهلك" فطلقها، ولم يدخل بها.
فهل كان يجوز لغيره نكاح هؤلاء؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا؛ لظاهر القرآن: [﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ [الأحزاب: 53]، ولأنه - عليه السلام-أب الأمة، ويحرم زوجة الأب بنفس العقد.
والثاني: يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنها بالفراق، فانقطعت الوصلة بينه وبينها.
والثالث: إن كان قد دخل بها لم يحل لأحدٍ نكاحها، وإلا حلت؛ فإنه رُوي أن المستعيذة تزوجها الأشعث بن قيس في زمان عمر - رضي الله عنه - فهم برجمها، فأخبر
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فارقها قبل أن يمسها فترك.
وأما الموطوءة بملك اليمين إن قلنا: تَحِلُّ امرأته التي فارقها بعد الدخول، ففي الموطوءة بملك اليمين وجهان؛ سواء مات عنها، أو أعتقها، أو باعها:
أحدهما: لا تحل؛ كالمنكوحة التي فارقها.
والثاني: تحل؛ لأن مارية غير معدودة في أمهات المؤمنين.
ومن خصائصه عليه السلام تفصيل زوجاته على سائر النساء بجعل ثوابهن على الطاعة ضعف ثواب نساء الأمة، وعقوبتهم على المعصية ضعف عقوبة نساء الأمة؛ كالحرائر مع الإماء.
قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30، 31]. وجعلهن أمهات المؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] وأمهات المؤمنين منهن من ماتت تحت النبي - صلى الله عليه وسلم -[أو مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تحته.
فمن ماتت تحته - عليه السلام] خديجة بنت خويلد.
قال الشيخ: وزينب بنت خزيمة؛ وهي أم المساكين تُوفيت تحتهن فلم تلبث معه إلا يسيراً.
أو مات النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهن؛ وهن تسعٌ: عائشة بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - وحصة بنت عمر -رضي الله عنهما- وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت [أبي] أمية، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث خالة عبد الله بن عباس - رضي الله عنهم، وصفية بنت حُيي بن اخطب، وجُويرية بنت الحارث المصطلقية -رضي الله عنهن - فهؤلاء أمهات المؤمنين في معنى الإكرام والتفضيل، وفي تحريم نكاحهن، ووجوب طاعتهن.
أما النظر إليهن والخلوة والمسافرة بهن، فلا يجوز، ويجوز نكاح بناتهن، وأخواتهن.
ولا يطلق على بنات زوجاته أنهن أخوات المؤمنين، ولا على آبائهن ولا أمهاتهن أنهن أجداد المؤمنين وجداتهم، ولا على إخوانهن أنهم أخوال المؤمنين وخالاتهم.
وقول الشافعي - رضي الله عنه-: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج بناته وهن أخوات المؤمنين - أخرجه مخرج الإنكار، يعني: أنه يرى أنهن أخوات المؤمنين، وهن كن أمهات الرجال من المؤمنين دون النساء.
روي ذلك عن عائشة - رضي الله عنها.
أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان أبا الرجال والنساء جميعاً.
ومن خصائصهن: أنه كان لا يحل للرجال أن يسأل واحدة من نسائه شيئاً إلا من وراء حجاب أما مشافهة فلا بخلاف غيرهن.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53].
والحكمة في إيجاب الأشياء، وتحريمها على الرسول - صلى الله عليه وسلم - حصول زيادة الثواب؛ لأن فعل الفرائض أكثر ثواباً من فعل النوافل، والامتناع من المحرمات أعظم أجراً من الامتناع من المباحات؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول الله تعالى: ﴿لن يتقرب المتقربون إلي بمثل ما افترضت عليهم﴾.
يجب المراجعة
وعن أبي هريرة، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: "اتق المحارم تكن أعبد الناس" والحكمة في إباحة الأشياء له، وإكرامه بها إظهار كرامته، وتبيين فضيلته، فإن الواحد من ملوك الدنيا إذا أحب عبداً، واختاره على غيره من عبيده يُبيح له في ملكه، ولا يبيح لغيره، ويُكرمه بما لا يكرم به غيره.
وهو - صلى الله عليه وسلم - كان أكرم الخليقة على الله - عز وجل- وأعظمهم قدراً لديه، فخصه من بينهم بما أظهر به أمره، ورفع به ذكره، وله الحمد والمنة.
باب الترغيب في النكاح
قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ....﴾ [النور: 32] الآية.
الناس في النكاح قسمان: منهم من تتوق نفسه إلى النكاح، فيستحب له أن ينكح
إن وجد أهبة؛ سواء كان مقبلاً على العبادة، أو لم يكن، ولكن [لا] يجب أن ينكح.
فإن لم يجد أهبة يكسر شهوته بالصوم؛ لما رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن
للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء.
ومنهم من لا تتوق نفسه إلى النكاح؛ فينظر فإن كان ذلك لعلة به من كِبرٍ، أو مرضٍ، وعجز يكره أن ينكح؛ لأنه يلتزم ما لا يُمكنه، ولا يقدر على القيام بحقه، وكذلك لو كان لا يقدر على النفقة.
وإن لم يكن به عجز، وكان قادراً على القيام بحقه فلا يُكره له النكاح، ولكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله - تعالى-.
وإن لم يكن مشتغلاً بالعبادة فوجهان:
أصحهما: الأفضل أن ينكح حتى لا يحمله الفراغ على الفساد.
وقيل: تركه أفضل.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: النكاح أفضل.
قلنا: النكاح من باب قضاء الشهوة، فلا يكون أفضل من العبادة؛ كأكل الأطعمة الشهية، ولبس الثياب البهية.
ويكره للرجل أن يحتال لقطع الشهوة.
وإذا أراد النكاح يختار ذات الدين؛ لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
فإن استوت المرأتان في الدين، اختار الحسنة؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إياكم
وخضراء الدمن".
قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأة الحسناء من منبت السوء".
ويختار ذات العقل؛ لأن النكاح للعشرة وطيب النفس، ولا يون ذل إلا مع وفود العقل.
وكذلك يختار من يستحسنها، فيكون أطيب، ويختار الولود؛ لما رُوي عنه - عليه
السلام - قال: "تزوجوا الودود الولود، فإني أكاثر بكم الأمم".
ويستحب أن يختار من الأجانب؛ لما روي أنه - عليه السلام- قال: "لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يُخلق ضاوياً" معناه: أن شهوته لا تتم على قريبته، فيحصل الولد نضو الخلق ضعيفاً.
ويختار البكر إذا لم يكن له عذر؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجابر وقد تزوج ثيباً "هلا [تزوجت] بكراً تلاعبها وتلاعبك".
وإذا أراد أن ينكح امرأة يستحب أن ينظر إليها، ويكرر النظر متأملاً؛ بإذنها وبغير إذنها؛ لما روي عن المغيرة أنه خطب امرأة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
وقال مال -رحمه الله -: لا ينر إليها بغير إذنها.
وليس في الحديث فصل بين الحالتين، فإنه ينظر إليها قبل الخطبة؛ لأنه إذا نظر إليها بعد الخطبة، فلم تعجبه فتركها، شق عليها ذلك.
ولا يجوز أن ينظر إلا إلى وجهها وكفيها؛ لأن ما سواهما عورة لا يجوز النظر إليه من غير ذات محرم.
ولو بعث إليها امرأة؛ حتى تأملتها ووصفتها له، جاز؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- بعث أم سليم إلى امرأة، وقال: "انظري على عرقوبيها، وشُمي معاطفها".
وكذا المرأة إذا أرادت أن تتزوج تنظر إليه قبل النكاح؛ لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها.
قال عمر - رضي الله عنه-: لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم؛ فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن.
فصل في بيان العورات ونظر الآدميين بعضهم إلى بعض
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30].
وروي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".
[أما] العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجلن وعورة الرجل مع المرأة.
أما الرجل مع الرجل: فجائز نظره إلى جميع بدنه إلا على عورته، وعورته: ما بين السُرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة.
وعند أبي حنيفة- رحمة الله عليه-: الركبة عورة.
وقال مالك: الفخذ ليس بعورة.
والدليل على أنها عورة: ما روي عن جرهد؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرَّ به في المسجد - وهو كاشف عن فخذه- فقال عليه السلام: "غط فخذك؛ فإنها من العورة"، وقال لعلي - رضي الله عنه -:"لا تُبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حتى ولا ميت".
وإن كان في نظره إلى وجهه، وسائر بدنه خوف فتنة بأن كان أمرد، لا يحل النظر غليه.
ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان كل وحاد في جانب من الفراش؛ لحديث أبي سعيد.
وتكره المُعانقُّ وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة، وتستحب المصافحة؛ لما روي عن أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا.
قال:
أفيلتزمه، ويقبله؟ قال: "لا".
قال: أفيأخذ بيده، ويصافحه؟ قال: "نعم".
ويجوز للرجل دلك عورة الرجل، ودلك فخذه فوق الإزار إذا لم يخش فتنة.
أما عورة المرأة مع المرأة فكالرجل مع الرجل، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا بين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز المضاجعة.
والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة، وأن تدخل معها الحمام؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنها عورة كالمسلمة مع المسلمة.
والثاني - وهو الأصح-: لا يجوز، وهي كالرجل الأجنبي؛ لأنها أجنبية في الدين، والله يقول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] وليست الذمية من نسائنا.
أما عورة المرأة مع الرجل: فلا يخلو: إما أن كانت المرأة أجنبية منه، أو ذات محرم له، أو مستمتعة.
فإن كانت أجنبية، نظر: إن كانت حُرَّةً فجميع بدنها عورة لا يجوز له أن ينر إلى شيء منها إلا إلى الوجه والكفين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31].
قيل: ما ظهر منها الوجه والكفان؛ لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء؛ وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، ونعني بالكف: هرها وبطنها إلى الكوعين.
وقيل: ظهر الكف عورة.
وفي أخمص القدم وجهان:
أصحهما: عورة كظهر القدم.
وفي صوتها وجهان:
أصحهما: ليس بعورة؛ لأن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يروين الأخبار للرجال.
وكل عضو هو عورة منها، فإذا انفصل منها مثل ساعدها وشعر رأسها وقلامة رجلها، هل يجوز النظر إليه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كما قبل الانفصال.
والثاني: يجوز؛ لأنه لا يكون من العضو المُبان فتنة، فلا يعطى له حكم الجملة؛ ما يجوز النظر إلى دمها وريقها، وكذلك الذكر المقطوع عن الرجل وشعر عانته إذا حُلق هل يجوز النظر إليه؟ فيه وجهان.
ويجوز النظر إلى قلامة يد المرأة؛ لأن يدها ليست بعورة.
ويجوز أن يُعيد النظر إلى الأجنبية إذا كان له غرض صحيح؛ بأن يريد نكاح امرأة؛ فينظر إلى وجهها وكفيها، أو شراء جارية؛ فينظر إلى ما ليس بعورة منها، أو عند المبايعة معها ينظر إلى وجهها مثلاً حتى يعرف عند الحاجة.
وينظر إليها عند تحمل الشهادة، وينظر إلى غير الوجه؛ لأن المعرفة تحصل به.
وإذا كان بعورة المرأة علة يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها؛ للمعالجة؛ كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون؛ لأنه موضع ضرورة.
ويجوز أن يعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرأة لتحمل الشهادة على الرضاع، وهذا هو الصحيح.
وقال الإصطخري: لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، إلا أن يقع بصره عليه؛ لأنه في الزنا مندوب إلى الستر، وفي الولادة وفي الرضاع تُقبل شهادة النساء؛ فلا حاجة إلى الرجال للشهادة.
وقيل: يجوز في الزنا دون غيره؛ لأن الزاني قد هتك حُرمة الله بالزنا، فجاز هتك حرمته بالنظر إلى عورته، ولم يوجد ذلك في غير الزنا.
وقيل: يجوز في غير الزنا، ولا يجوز في الزنا؛ لأن حد الزنا مبناه على الدرء والإسقاط.
ولا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير عرض، فإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30].
وقيل: يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة، وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله-.
ولا يجوز أن يُكرر النظر إليها؛ لما رُوي عن بريدة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة".
وعن جابر قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أيصرف بصري".
ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً، قصد أو لم يقصد.
ولا يجوز أن يخلو بالمرأة الأجنبية، ولا أن يُسافر بها؛ لما رُوي عن عمر - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما".
وإن كانت [الأمة أجنبية]، ففي عورتها وجهان:
أصحهما: ما بين السرة والركبة؛ كالرجل.
والثاني: عورتها ما لا يبدو عند الفضلة والمهنة خرج منه أن رأسها، وعنقهان وساعديها، وموضع خناقها من النحر والصدر ليس بعورة.
وفي ظهرها، وبطنها، وما فوق الساعدين وجهان.
ولا يجوز له أن يمسها، ولا لها أن تمسه بحال، لا لحجامة ولا اكتحال، ولا غيره؛ لأن اللمس أقوى من النظر، بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم، وبالنظر لا يفطره.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليها من المحارم، ولا يجوز من الحرة الأجنبية.
وإن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو رضاع أو صهرية، فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجال.
وقيل: ما يبدو عند الفضلة والمهنة، وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله - والأول أصح.
ويجوز أن يخلو بها، ويسافر بها، ولا بأس للمرأة أن تنكشف للطفل الأجنبي الذي لم يظهر على عورات النساء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31].
فإن كان مراهقاً لا يجوز أن تنكشف له، ولكن يجوز له الدخول عليها، ويستأذن في الأوقات الثلاثة التي تضع فيها ثيابها؛ كالمحارم؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَاذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ...﴾ الآية.
وهل يجوز للمراهق الأجنبي أن ينظر إليها فُضلاً؛ كالمحارم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز كالبالغ [لقوله تعالى: ﴿أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ...﴾ [النور: 31] الآية، وهذا ليس بطفل].
والثاني: يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النور: 59] وهذا غير بالغ.
وحكم البالغ الممسوح حكم المراهق.
وقيل: هو الفحل فأما إذا كان مجبوباً، أو مسلول الأنثيين والذكر باقٍ، فهو كالفحل.
وإذا كان للمرأة عبد فهل يكون محرماً لها؟ فيه وجهان:
أصحهما: يكون محرماً لها؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31].
وروي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى فاطمة - رضي الله عنها - بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة - رضي الله عنها -ثوبٌ إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم
يبلغ رأسها.
فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما تلقى: قال:"إنه ليس عليك باسٌ، إنما هو أبوك وغلامك.
والثاني: لا يكون محرماً لها؛ لأن الملك لو كان يثبت المحرمية، لكان لا يزول كالرضاع؛ وبه قال أبو حنيفة.
وإن كانت المرأة مستمتعة؛ كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها حتى إلى فرجها، غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذلك إلى فرج نفسه؛ لأنه رُوي أنه يورث الطمس.
وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة، أو مدبرة، أو أم ولد، أو مرهونة، فإن كانت مجوسية، أو مرتدة، أو وثنية، أو مشتركة بينه وبين غيره، أو مزوجة، أو مكاتبة، فهي كالأجنبية؛ لما روي عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة.
أما عورة الرجل مع المرأة [نظر] إن كان أجنبياً منها، فعورته منها ما بين السرة والربة على أصح الوجوه.
وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه.
وقيل: مالا يبدو، عند الفضلة والمهنة، والأول أصح، بخلاف المرأة في حق الرجل؛ لأن بدن المرأة في ذاته عورة، بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه.
ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة، ولا تكرير النظر إلى وجهه؛ لما روي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "احتجبا منه".
فقلت: يا رسول الله؛ أليس هو أعمى لا يبصر؟ قال: "أفعمياوان أنتما، ألستما تُبصران؟! " فإن كان محرماً لها، فعورته معها ما بين السرة والركبة.
وإن كان زوجها أو سيدا الذي يحل له وطؤها، فلها أن تنظر إلى جميع بدنه؛ حتى إلى فرجه غير أنه يُكره النظر إلى الفرج، كهو معها.
ولا بأس بالنظر إلى عورة صبي أو صبية لم تبلغ محل الشهوة وإن كان أجنبياً، ولا ينظر إلى الفرج فإن بلغ محل الشهوة لم يجز وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين، يجب التفريق [بين أخيه وأخته] وأمه وأبيه في المضجع.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مُروا صبيانكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع".
ولا يجوز للرجل أن يجلس عُرياناً في بيت خالٍ، وله ما يستر عورته؛ لأنه روي؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم -سئل عنه فقال: "الله أحق أن يستحي منه".
وروي أنه - عليه السلام- قال: "إياكم والتعري؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يُفضي الرجل إلى أهله؛ فاستحيوهم وأكرموهم".
باب ما على الأولياء وإنكاحهم
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 332] وروي عن علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئاً".
[و] الحرة العاقلة البالغة إذا خطبها كُفء لها، ورغبت فيه، وطالبت الولي بالتزويج منه - وجب على الولي تزويجها، فإن امتنع كان عاضلاً آثماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
والمرأة لا تملك تزويج نفسها، لأنها لو ملكت تزويج نفسها لم يكن لنهي الولي عن العضل معنى.
ولا ينعقد النكاح بعبارتها.
سواء زوجت نفسها أو غيرها بإذن الولي، أو دون إذنه؛ وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهم- وأكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بعبارتها؛ [سواء زوجت نفسها، أو غيرها؛ بإذن الولي، أو دون إذنه] ثم إن زوجت نفسها من غير كفء، فللولي رده.
وقال أبو ثور، ومحمد بن الحسن: إن زوجت نفسها بإذن الولي يصح، وبغير إذنه لا يصح.
وقال مالك: إن كانت دنيئة جاز، وإن كانت شريفة لا يجوز.
والدليل على أنه لا يصح: ما رُوي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نكاح إلا بولي".
وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بهان فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له".
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - حكم ببطلان النكاح بغير إذن الولي، وأكده بالتكرار، ونقل الولاية إلى السلطان عند اختلاف الأولياء؛ ولأن المرأة مولى عليها في النكاح، بدليل أنها لو وضعت نفسها فيمن لا يكافئها يثبت للولي الاعتراض.
ولو لم يكن مولياً عليها لما ثبت حكم الاعتراض على عقدها؛ كالرجل إذا نكح دنيئة لا يعترض عليه، والمرأة إذا باعت مالها بالبخس لا يعترض عليها؛ لأنه غير مولى عليها في المال.
إذا ثبت أنها مولى عليها، فلا ينعقد نكاحها؛ كالصغيرة، والأمة، والمكاتبة.
ولو وكل الولي امرأة؛ حتى وكلت رجلا بتزويج وليته ففعلت، نظر إن قال: وكلي عن نفس لم يجز، وإن قال: وكلي عني أو أطلق، فوجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن عبارتها غير صالحة للناكح.
والثاني: يصح؛ لأنها سفيرة بين الوكيل ليست مباشرة للعقد.
ولو أن امرأة نكحت بلا ولي فأصابها، لا حد عليها، سواء فعله من يعتقد إباحته أو تحريمه؛ لتعارض الأدلة، واختلاف العلماء في الإباحة، إلا أن من اعتقد تحريمه من الزوجين يُعزر عليه، ومن لم يعتقد لا يعزر، بخلاف ما لو شرب النبيذ يجب عليه الحد - وإن اختلف العلماء في إباحته - سواء كان ممن يعتقد إباحته، أو تحريمه؛ لأن الأدلة فيه غير متعارضة كتعارضها في النكاح بغير الولي، ولأن من يقول بإباحة النبيذ لا يقول بإباحته على الإطلاق، فإنه يحرم السكر منه، وليس له حد.
ومن أباح النكاح بلا ولي أباحه على الإطلاق، ولو نكح حنفي بلا ولي، ثم رُفع إلى حاكم شفعوي رده، ولو رفع أولاً إلى حاكم شفعوي رده ولو رفع أولاً إلى حاكم حنفي، فنفذه، ثم رفعه إلى شفعوي فلا يرده؛ لأنه مجتهد فيه، فاتصل به قضاء القاضي فلا يرده، بخلاف ما لو اشترى حنفي نبيذاً وحكم حاكم بصحته، ثم رفع إلينا ننقضه؛ كما يحد الحنفي بشربه.
وقال الإصطخري: يرد النكاح بلا ولي، وإن حكم حاكمهم بصحته؛ لأن بطلانه يثبت بالنص.
ولو نكح بلا ولي فطلقها ثلاثاً، جاز له بعد ذلك أن ينكحها من غير زوج آخر؛ لأن النكاح إذا لم يصح لا يقع عنه الطلاق.
وقال أبو إسحاق: يقع الطلاق، وإن طلق ثلاثاً لا يحل له إلا بعد زوج آخر؛ لأنه إن كان عالماً فقد فعله باجتهاده، وإن لم يكن فقد قلد فيه علماء "الكوفة"، فلا يكون لغواً.
فصل في صفة تزويج الأولياء
رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الثيب أحق بنفسها من
وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُماتها".
الأولياء قسمان: كامل الشفقة، وقاصر الشفقة.
أما كامل الشفقة: فالأب، والجد [أب الأب] وإن علا.
وقاصر الشفقة ثلاثة: قريب يزوج بعصوبة النسب؛ كالأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم.
والثاني: المعتق وعصباته يزوجون بحق الولاء.
والثالث: السلطان يزوج بالولاية العامة.
والنساء الحرائر قسمان: بكرٌ وثيبٌ، فالبكر يجوز للأب والجد تزويجها دون إذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، غير أنه يستحب أن يستأذن [إن كانت] بالغة، وإذنها صُماتها.
فلو [لم يستأذن] وزوجها جبراً يصح؛ حتى لو اختارت هي كفئاً ودعت إليه، فزوجها الأب والجد من كفءٍ آخر جاز.
وقال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة- رحمة الله عليهم-: لا يجوز لأحد إجبار البكر البالغة على النكاح؛ لقوله عليه السلام: "والبكر تستأذن" وذلك عند من جوز محمول على استطابة النفس، لا أنه شرط لصحة العقد؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- لنعيم في تزويج ابنته: "وآمر أم ابنتك".
وذلك على سبيل الاستحباب، واستطابة النفس، لا أن مؤامرة أم البنت
شرط لصحة النكاح، فنقول: يجوز للأب تزويجها لحق الأبوة ساكتة، فيجوز تزويجها ساخطة؛ كالصغيرة.
وأما غير الأب والجد من الأولياء، فلا يصح تزويجهم في حال صغر المنكوحة؛ لظاهر الخبر، ويجوز لهم التزويج بعد بُلوغها إذا استؤذنت، والاستئذان واجب، ويكتفي بسكوت البكر؛ لظاهر الحديث؛ لأنها تستحي من أن تنطق به صريحاً.
وفيه وجه آخر: أنه يشترط صريح نطقها؛ كما في الثيب، والحديث محمول على ما إذا كان الولي أباً أو جداً، والأول هو الأصح.
وإن كانت المرأة ثيباً، فلا يجوز لحد من الأولياء تزويجها في حال الصغر، أباً كان أو غيره؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: "الثيب أحق بنفسها من وليها".
وجوز أبو حنيفة تزويج الثيب الصغيرة، والحديث حُجة عليه بعد البلوغ لا يجوز لأحدٍ تزويجها بالاتفاق إلا بإذنها، ويشترط صريح نطقها؛ لأنها اختبرت الرجال فلا تستحي من إظهار الرغبة في النكاح، وسواء ثابت بنكاح، أو يملك يمين، أو وطء شبهة، أو بالزنا.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله- المُصابة بالزنا في حكم الأبكار، والحديث حجة عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها" وهذه ثيب بدليل أنه إذا أوصى للثيب تدخل هذه في الوصية، ولأنها حرة عاقلة ثابت بالجماع؛ كالمصابة بالنكاح، ووطء الشبهة، وإن زالت بكارتها بأصبع، أو وثبة، أو طول تعنيس، فهي في حكم الأبكار على ظاهر المذهب؛ لأنها لم تختبر الرجال.
وقيل: هي في حكم الثيب؛ لزوال العذرة.
وإن أصيبت في دبرها فوجهان:
أصحهما: في حكم الأبكار؛ لبقاء العذرة؛ كما لو فأخذها رجلاً لا تزول البكارة.
والثاني: هي في حكم الثيب؛ لأنها أصيبت بالوطء؛ كما لو أزيلت بكارتها بالجماع، فعادت عذرتها.
وقال أبو حنيفة: يجوز لجميع الأولياء تزويج الصغيرة بكراً كانت أو ثيباً، غير أن تزويج الأب والجد يلزم، وتزويج غيرهما لا يلزم، ولها رده بعد البلوغ.
والدليل عليه: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن".
واليتيم اسم لصغيرٍ لا أب له، فدل على أنه لا يجوز تزويجها حتى يزول عنها اسم اليُتم بالبلوغ، وتستأمر، ولأن من لا يلزم إنكاحه الصغيرة مع عدم النقائص لا ينعقد إنكاحه كالخال والأجنبي.
ولو زوج الولي المرأة الثيب دون رضاها لا ينعقد.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله- يتوقف على إجازتها، فإن أجازت جاز.
والدليل على أنه لا يتوقف: ما روي أن خنساء بنت خذام زوجها أبوها- وهي ثيبٌ- فكرهت، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فرد نكاحها.
أي: حكم بالرد ولم يقل لها: أجيزي ما فعل أبوك.
فصل في صفة الأولياء والشهود
روي عن عمران بن حصين؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل".
لا ينعقد النكاح إلا بمحضر شاهدين عدلين وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو ثور: ينعقد بغير الشهود، ويُروى ذلك عن عليٍّ، وابن الزبير - رضي الله عنهما-.
وقال مالك: الإعلان شرط دون الإشهاد.
فإن تواصوا بالكمان، وإن أشهدوا لم ينعقد؛ لما رُوي عن عائشة - رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف".
وضرب الدف على طريق الاستحباب عند الآخرين، والإعلان يحصل بالإشهاد.
أما الكلام في صفة الولي، خلاف أنه لا ولاية للرقيق، ولا الصغير، ولا المجنون، ولا المحجور عليه بالسفه، ولا الشيخ المفند، ولا الضعيف الذي لا عِلم له بمواضع الحظ.
أما الفاسق هل يكون ولياً؟
اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما - وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله-: يكون وليًّا؛ لأنه ممن يعقد النكاح لنفسه بنفسه؛ كالعدل.
والثاني: لا يكون وليًّا.
قال ابن عباس: لا نكاح إلا بولي مرشد، وشاهدي عدل.
ولأن الفسق نقص يؤثر في الشهادة، فيمنع ولاية النكاح؛ نقص الرق.
وقيل يكون وليًّا قولاً واحداً.
والمراد من المرشد المسلم في قول ابن عباس.
وقيل: إن كان الفاسق أباً أو جداً في حق البكر، فلا ولاية له؛ لأنه ممن يجبر، فربما يميل إلى رفيقه الفاسق، فيزوجها منه، ويترك النظر للوالد وإن كان ممن لا يجبر فيكون وليًّا؛ لأنه لا يزوج إلا بإذن المرأة، فإن ترك هو النظر لها فهي تنظر بنفسها.
والأصح أن الفسق لا يزيل الولاية؛ لأن العضل فسق.
ولم ينقل الشافعي - رضي الله عنه- به الولاية.
فإن قلنا: الفاسق لا يكون ولياً، فهل له تزويج أمته [منه]؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لا يُزوج ابنته وأخته.
والثاني: له ذلك؛ لأنه يتصرف في ماله؛ كما يتصرف فيها بالبيع والإجارة.
وإذا تاب الفاسق جاز تزويجه في الحال، ولا يشترط مُضي مدة لاستبراء حاله؛ لأنه يكتفي فيه بالعدالة الظاهرة، بخلاف قبول الشهادة فيه مُضي مدة لاستبراء حالِه.
والإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق، فيجوز له تزويج بناته وبنات غيره بالولاية العامة.
والأعمى يكون وليًّا؛ على ظاهر المذهب، ولأن شعيباً- عليه السلام - زوج ابنته من موسى - عليه السلام -بعد ما كُفَّ بصره.