التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 188-227

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ﴾ الآيات [النور: 6].
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- لاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرِ العَجْلاَنِيِّ وَامْرَأَتِهِ، وبَيْنَ هِلاَل بْنِ أُمَيَّةَ وَزَوْجَتِهِ.
اللعان حجة شرعت للمضطر إلى رمي شخص لطخ فراشه، وألصق به العار.

إذا رمى الرجل امرأته بالزنا-: يجب عليه الحد إن كانت محصنة، وإن لم تكن محصنة فعليه التعزير؛ كما في رمي الأجنبي لا يختلف موجبهما، غير أنهما يختلفان في المخلص: ففي قذف الأجنبي: لا يسقط الحد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف أو ببينة تقوم على زناه.
وفي قذف الزوج: أسقط الحد عنه أحد هذين الأمرين أو باللعان؛ لأنه لا معرة عليه في زنا الأجنبي وهو مندوب إلى ستره، وإذا زنت زوجته-: يلحقه من العار والشنار والنسب الفاسد ما لا يمكنه الصبر عليه، فلو وقف أمره على إقامة البينة-: لشق عليه؛ فجعل الشرع له المخرج منه باللعان، وجعله كالبينة في حقه.
وروي عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي- صلى الله عليه وسلم- بشريك ابن سحماء، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- "البينة أو حداً في ظهرك" فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً فلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "البينة وألا جلداً في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل- عليه السلام- وأنزل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6: 9]. وَرُوِيَ أَنَّ النَبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- قال "أَبْشِرْ يَا هِلاَلُ قَدْ جَعَلَ الله لَكَ فَرَجاً وَمَخْرَجاً" فَقَالَ هِلاَلُ: قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَلِكَ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ.
وعند أبي حنيفة: يوجب قذف الزوج اللعان، فإن امتنع عن اللعان- حبس حتى يلاعن، وعندنا إن امتنع عن اللعان يحد للقذف، كقاذف الأجنبي إذا امتنع عن إقامة البينة.
ويجوز للزوج أن يلاعن مع القدرة على إقامة البينة؛ لأن في اللعان مقاصد ليست في البينة، وذلك: أنه يتعلق باللعان خمسة أحكام: سقوط حد القذف عن الزوج، ووجوب حد

الزنا على المرأة، ونفي الولد، ووقوع الفرقة بين الزوجين، وتأبيد التحريم.
ولا يتعلق منها بإقامة البينة إلا شيئان: سقوط حد القذف عن الزوج، ووجوب حد الزنا عليها.
وتتعلق هذه الأحكام كلها عندنا بمجرد لعان الزوج، ولا يتوقف شيء منها على لعان المرأة، ولا على حكم الحاكم.
ثم المرأة إذا أرادت إسقاط حد الزنا عن نفسها-: عليها أن تلاعن، ولا يتعلق بلعانها إلا [سقوط الحد]، وإنما يسقط الحد عنها باللعان، [إذا وجب بلعان الزوج].
أما إذا أقام الزوج بينة على زناها-: فلا يسقط الحد عنها باللعان، [إذا وجب بلعان الزوج].
وقال مالك وأحمد: أحكام اللعان تتعلق بلعانهما جميعاً.
وعند أبي حنيفة: موجب اللعان شيئان: وقوع الفرقة، ونفي النسب، وهما لا يحصلان إلا بلعانهما وقضاء القاضي، حتى لو مات أحدهما بعد ملاعنتهما قبل قضاء القاضي: يرثه صاحبه، ولو طلقها يقع، ولكن لا يجوز إقرارهما على النكاح بعد التلاعن، بل على القاضي أن يفرق بينهما، وفرقة اللعان عندنا فرقة فسخ، وعنده فرقة طلاق.
ولا فرق في القذف بين أن يقول لها: زنيت، أو يا زانية، أو رأيتها تزني، في ثبوت اللعان.
وعند مالك: لا لعان إلا أن يقول رأيتها تزني، وأن يقول ما أصبتها في الطهر الذي رأيتها فيه.
وعندنا: إن أقر أنه أصابها في الطهر الذي قذفها فيه بالزنا-: فله أن يلاعن وينفي النسب، وهو قول عطاء، وبه قال أبو حنيفة، وظاهر القرآن حجة لمن لم يفصل هذا التفصيل.
وهل يتوقف اللعان على طلب المرأة الحد أو التعزير؟ نظر: إن كان هناك ولد يريد نفيه-: لا يتوقف.
وله أن يلاعن، سواء كانت المرأة مجنونة أو عاقلة، فعفت عن الحد أو لم تطلق أو صدقته على الزنا، أو أقام الزوج بينة على زناها؛ فالحد عنه يسقط في هذه المواضع.
وله أن يلاعن لنفي الولد، وإن لم يكن هناك ولد: فليس له أن يلاعن حتى تطلب المرأة الحد أو التعزير.

فإن عفت، أو صدقته، أو قامت البينة على زناها-: سقط اللعان.
وإن كانت صغيرة أو مجنونة-: فلا يلاعن حتى تبلغ أو تفيق؛ فيطلب؛ لأن اللعان شرع للزوج لضرورته إليه في دفع النسب، ودرء الحد، وليس ههنا شيء من ذلك.
وقيل: له أن يلاعن في هذه المواضع من غير طلبها لقطع الفراش، وليس بصحيح؛ لأن قطع الفراش يمكنه بالطلاق، فلا ضرورة به إلى اللعان.
وإذا قذف امرأته المجنونة-: وجب عليه التعزير، أو قذفها بزنا أضافه إلى حال الإفاقة، أو قذفها في الإفاقة، وجب عليه الحد، ثم جنت ثم ولدت، فلاعن لنفسه في حال جنونها-: صح وسقط عنه الحد والتعزير، ووجب عليها حد الزنا، إن كان قذفها بزنا في حال الإفاقة.
فَصْلُ من صح يمينه-: صح لعانه؛ فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين، وكذلك-: إذا كان أحدهما رقيقاً أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية؛ كما يجري بين المسلمين الحرين؛ وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا ممن هو من أهل الشهادة، حتى لو كان أحد الزوجين رقيقاً أو ذمياً أو محدوداً في القذف-: فلا لعان بينهما، ثم ناقض؛ فجوز لعان الفاسق والأعمى، مع أنه لا شهادة لهما، والأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة أو كتبة معلومة، فقذف بالإشارة أو الكتبة-: يلزمه الحد.
وكذلك يصح لعانه بالإشارة والكتبة، وإن خرس بعد ما قذف-: لاعن بالإشارة؛ [كما يصح منه البيع والنكاح والطلاق وسائر العقود بالإشارة] وإن لم يكن له إشارة ولا كتبة مفهومة-: فلا يصح منه شيء منها؛ كالمجنون.
وكذلك: من عجز عن الكلام لمرض أو غيره-: فكالأخرس، إن كان ميئوساً منه وإن لم يكن ميئوساً منه-: ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح لعانه ولا غيره؛ لأنه لم يقع اليأس من نطقه.
والثاني: يصح.
رُوِيَ أَنَّ أَمَامةَ بِنْتِ أَبِي العَاصِ أَصْمَتَتْ فَقِيلَ لَهَا أَلِفُلاَنِ كَذَا؟ أَوَ لِفُلاَنِ كَذَا؟ فَأَشَارَتْ أَنْ: نَعَمْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى- رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم- فرويت أَنَّهَا وَصِيَّةُ.

وعند أبي حنيفة: لا يصح قذف الأخرس، ولا لعانه؛ ونحن نقيسه على سائر الأحكام.
ولو قذف الأخرس ولاعن، فانطلق لسانه، فادعى أنه لم يفهم القذف ولا اللعان-: لا يقبل، وهو كالناطق يكذب نفسه بعد اللعان، يقبل قوله فيما عليه حتى يلحقه الولد، ويلزمه الحد، ولا يقبل فيما له حتى يرتفع تأبد التحريم.
وإذا قذف الصبي أو المجنون امرأته أو أجنبية-: فلا حد ولا لعان عليهما، لا في الحال ولا بعد البلوغ، ويعزران للتأديب، إن كان لهما تمييز.
فلو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي، حتى بلغ-: قال الشيخ القفال: سقط التعزير؛ لأنه كان الزجر عن إساءة الأدب، وقد حدث زاجر أقوى، وهو البلوغ.
ولو أتت المرأة لصبي بولد بعد مضي ستة أشهر وساعة من السنة العاشرة من سن الصبي-: يلحق به، لأن البلوغ بالاحتلام ممكن بعد [بلوغ] تسع سنين، وإن أتت به قبل هذا السن-: فهو منفي عنه باللعان.
ومن أصحابنا من قال لا يتصور أن يولد له قبل استكمال عشر سنين.
فإن أتت بعد استكمال الصبي عشر سنين لستة أشهر وساعة-: يلحق به، وإن أتت به قبله-: فيكون منفياً عنه.
والأول أصح وقول الشافعي- رضي الله عنه-: "ولو جاءت بحمل، وزوجها صبي دون العاشرة-: لم يلزمه"-: ذكره على سبيل التقريب؛ لأنه لا بد وأن يمضي من السنة العاشرة أقل مدة الحمل مع إمكان الوطء، فإذا ألحقناه به في موضع الإمكان، فادعى أنه صبي-: لا ينتفي به عنه النسب بإنكاره ولا لعان له؛ لأنه يقر أنه صبي، فإن استكمل خمسة عشر سنة أو ادعى الاحتلام قبله-: فله نفيه باللعان.
ولو أتت امرأة المجبوب بولد- نظر: إن كانت الأنثيان باقيتين، أو كان خصياً غير مجبوب، أو كان مجبوباً وبقي من ذكره قدر الحشفة-: فالولد يلحق به إلا أن ينفيه باللعان.
أما الممسوح إذا أتت امرأته بولد-: هل يلحقه؟ فيه قولان: أصحهما: لا يلحقه، ولا تعتد امرأته بوضع الحمل؛ لأنه لا يتصور له الإنزال؛ بخلاف ما لو كان مجبوباً والأنثيان باقيتان يتصور به الإنزال بالتساحق.

والثاني: يلحقه إلا أن ينفيه باللعان؛ لاحتمال أن ينزل بالساحق، والنسب يثبت بالإمكان.
ولو قذف إنساناً، ثم ادعى القاذف أني كنت يوم القذف صبياً، وقال المقذوف: كنت بالغاً-: فالقول قول القاذف مع يمينه؛ لأن الإنسان لا يخلو عن الصغر.
فإن قال: كنت مجنوناً، وأنكر المقذوف- نظر: إن عرف به جنون سابق، أو قامت بينة على أنه كان به جنون سابق-: فالقول قول القاذف كما في الصغر، وإن لم يعرف-: فالقول قول المقذوف مع يمينه، فإذا حلف-: لا يجب عليه الحد، وله أن يلاعن في الزوجة.
ولو أقاما بينتين في دعوى الصغر والجنون- نظر: إن كانتا مؤرختين بتاريخ واحد-: تعارضتا، وكان كما لو لم يكن لأحد بينة.
وإن كانتا مطلقتين أو مؤرختين بتاريخين مختلفين، وإحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة-: فهما قذفان؛ فعلى القاذف الحد؛ يقذف حالة البلوغ والعقل.
وكذلك لو قذف إنساناً، ثم ادعى القاذف أن المقذوف كان صبياً يوم القذف، وقال المقذوف: بل كنت بالغاً-: فالقول قول القاذف مع يمينه، فإن نكل وحلف المقذوف: وجب الحد على القاذف، إلا أن يلاعن في الزوجة.
وإن أقاما بينتين أو مؤرختين بتاريخين مختلفين-: فهما قذفان أحدهما موجب للحد والآخر للتعزير، ويسقط الكل باللعان في حق الزوجة.
ولو ادعى أنها كانت مجنونة أو أمة أو مشركة؛ فإن عرف بها ذلك-: فالقول قول القاذف مع يمينه، فإن لم يعرف-: فالقول قول المقذوف مع يمينه، والله أعلم بالصواب.
فَصْلُ فِيمَا يُبِيحُ الْقَذْفَ القذف ينقسم إلى: محظور ومباح وواجب.
وجملته: أنه إذا لم يكن ثم ولد يريد نفيه-: فلا يجب عليه، وهل يباح أم لا؟ نظر: إن رآها بعينه تزني أو أقرت هي [على نفسها] ووقع في قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله، أو لم يسمع، ولكن استفاض بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة، وقد رآه الزوج يخرج من بيتها، أو رآه معها في بيت لا على الزنا-: يباح له القذف؛ لتأكد التهمة.
ويجوز أن يمسكها ويستر عليها؛ لما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي امرأة لا

ترد يد لامس؟ قال: طلقها، قال: إني أحبها، قال: فامسكها.
فأما إذا سمعه ممن لا يثق بقوله، واستفاض بين الناس، ولكن الزوج لم يره معها، أو رآه معها في بيت، أو يخرج من عندها، لكنه لم يستفض بين الناس-: فلا يحل له قذفها؛ لأنه قد يذكره غير ثقة، فينتشر، وقد يدخل بيتها خوفاً من قاصد، أو لسرقة، أو لطلب فجور، فتأبى المرأة؛ فهو كما لو نظر رجل في صير بابه لا يباح له قذف زوجته به؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ﴾ [النور: 11] الآية.
أما إذا كان ثم ولد يريد نفيه- نظر: إن تيقن له أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها الزوج، أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء، أو لأكثر من أربع سنين-: يجب عليه نفيه باللعان؛ لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير؛ كما هو ممنوع من نفي نسبه.
وروي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أَيُّمَا امْرَأةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ: فَلَيْسَتْ مِنَ الله فِي شَيءٍ وَلَنْ يُدْخِلَهَا الله جَنَّتَهُ"؛ فلما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم-: كان الرجل كذلك.
ثم إن كان شاهدها على الزنا-: عليه أن يقذف ويلاعن، وإن لم يشاهدها-: فلا يقذفها؛ لاحتمال أنها أتت به من وطء شبهة، أو من زوج قبله، فإن احتمل أن يكون منه: بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء، ولدون أربع سنين- نظر: إن لم يكن قد استبرأها بحيضة أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء-: لا يحل له القذف والنفي، وإن اتهمها بالزنا؛ قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه-: احتجب الله عنه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين".
وإن استبرأها، وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء-: يباح له القذف والنفي، والأولى ألا يفعل؛ لأنها قد ترى الدم على الحبل، وإن كان الزوج يطؤها ويعزل، فأتت بولد-: لم يجز نفيه؛ لأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس به فيعلق منه.
وإن كان يجامعها فيما دون الفرج-: ففيه وجهان:

أحدهما: لا يجوز النفي؛ لأنه قد يسبق الماء إلى الفرج فيعلق منه.
والثاني: له نفيه؛ لأن لحوق الولد من أحكام الوطء، فلا يتعلق بما دونه؛ كسائر الأحكام.
وإن كان يطؤها في الدبر-: ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز أن ينفيه؛ لأن الماء قد يسبق إلى الفرج.
والثاني: له نفيه؛ لأنه ليس موضع الولد.
وإن أتت بولد لا يشبهه: فإن كانا أبيضين، فأتت به أسود، ونحو ذلك- نظر: إن لم يكن يتهمها بزنا-: فليس له نفيه؛ لما روي عن أبي هريرة أن رجلاً قال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَماً أَسْوَدَ.
فَقَالَ هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرُ، قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنَ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ إِني تَرَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَزْعَةُ عِرْقِ، قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا نَزْعَةُ عِرْقٍ.
وإن كان يتهمها بالزنا أو يتهمها برجل، فأتت بولد يشبهه- هل يباح له نفيه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن العرق ينزع.
والثاني: له ذلك؛ لأن التهمة قد تأكدت بالشبهة.
فَصْلُ إذا قذف صبياً أو مجنوناً- لا حد عليه، بل عليه التعزير، وليس لوليهما طلب التعزير، حتى يفيق المجنون، ويبلغ الصبي [فيطلب]، وكذلك-: إذا قذف عبداً-: عليه التعزير، وطلبه إلى العبد دون المولى، فيسقط بعفو العبد؛ لأن المولى لا يملك عرض المملوك حتى لو قذف المولى عبده-: له أن يرفعه إلى السلطان ليعزره.
وكذلك: إذا قذف زوجته الصبية التي توطأ مثلها، أو المجنونة- عليه التعزير، وليس له أن يلاعن حتى تبلغ ويفيق؛ فيطلب التعزير.
وفي زوجته الأمة، حتى تطلب التعزير بنفسها؛ إلا أن يكون للمجنونة، أو للأمة ولد يريد نفيه-: فله أن يلاعن من غير طلبها، ويسقط حقها.
ولو قال لصبية لا توطأ مثلها: زنيت، أو قال لممسوح: زنيت، أو قال لبالغ: زنيت،

وأنت في المهد أو قال لزوجته-: فلا يجب به الحد، ولا يثبت في الزوجة اللعان؛ لأنه ليس فيه لطخ الفراش، ويعزر للأذى؛ كما لو آذاها بغير القذف.
وكذلك: لو قال لزوجته: زنا بك صبي لا يجامع مثله، أو زنا بك ممسوح، أو قال للرتقاء أو القرناء: زنيت-: فلا حد ولا لعان، وعزر للأذى.
ولو قال لزوجته الكبيرة: زنيت، وأنت صغيرة، ولم يصف إلى حالة لا تحتمل-: يجب عليه التعزير إلا أن يلاعن.
ولو قال: زنيت وأنت أمة أو مشركة أو مجنونة: إن عرف بها رق أو شرك أو جنون سابق، أو قامت عليه بينة-: عزر إلا أن يلاعن، وإن لم يعرف ذلك منها-: فعليه الحد، وله إسقاطه باللعان.
وقال أبو حنيفة: إذا قال زنيت، وأنت أمة أو مشركة-: عليه الحد، لأنه أضافه إلى حالة التكليف.
ولو قال: وطئك رجل غصباً، وأنت مكرهة، أو زنا بك فلان، وأنت غير زانية، بل كنت مكرهة أو جاهلة-: فلا حد عليه، وهل عليه التعزير؟ فيه وجهان: أصحهما: يجب؛ لأن فيه عاراً عليها؛ كما لو قذف مجنونة.
والثاني: لا يجب عليه؛ لأنه لا عار ولا إثم عليها في الشريعة.
ثم إن كان ثم ولد-: له أن يلاعن لنفيه.
وإن لم يكن: فإن قلنا: يجب عليه التعزير-: فله أن يلاعن لإسقاطه، وألا فلا لعان.
وإن عين الفاعل-: يجب عليه الحد لقذفه، وله إسقاطه باللعان؛ بخلاف ما لو قذف امرأته وأجنبية بكلمة واحدة-: لم يكن له إسقاط حد الأجنبية باللعان؛ لأن فعل الأجنبية ينفك عن فعل زوجته.
وههنا فعل المرأة لا ينفك عن فعل الزاني.
ولو قال لها وطئت بالشبهة: قال الشيخ: يحتمل أن يكون في وجوب التعزير وجهان؛ كما في الإكراه، وينبني عليه اللعان، إن لم يكن ثم ولد، وإن كان ثم ولد- نظر: إن لم يعين الواطئ، أو عينه ولم ينفك ذلك الرجل، فالولد للزوج؛ إلا أن ينفيه باللعان، وإن صدقه الرجل، وادعاه-: يرى القائف مع من عينه، فإن ألحقه به-: فهو ولده؛ وألا فيلحق بالزوج، ولم يكن له نفيه باللعان؛ لأنه كان له طريق إلى نفيه، وهو العرض على القائف؛ كما لا ينفي ولد أم الولد باللعان؛ لأنه يتوصل إلى نفيه بطريق آخر، وهو دعوى الاستبراء.

وإن لم يكن قائف-: يترك حتى يبلغ الصبي، فينتسب إلى أحدهما، فإن انتسب إلى الواطئ بالشبهة-: انتفى عن الزوج باللعان، وإن انتسب إلى الزوج-: فله نفيه باللعان؛ لأن نفيه بغير اللعان لا يمكنه.
ولو قال لها زنيت بفلان وفلان غير زان؛ بأن كان جاهلاً ظنها زوجته-: فهو قاذف لها؛ علليه الحد إلا أن يلاعن لإسقاطه، والولد منسوب إلى وطء الشبهة؛ كما بينا؛ فيرى القائف.
ولو قال أصابك رجل في دبرك-: فهو قذف، سواء قاله لرجل أو امرأة، وعليه حد القذف، وله إسقاطه باللعان، إذا قاله لزوجته.
وعند أبي حنيفة: لا يكون ذلك قذفاً موجباً للحد؛ لأن اللواط عنده ليس بزنا يوجب الحد.
فإن قيل: كيف أثبتم اللعان، ولم يوجد لطخ الفراش قلنا: ليس كذلك، بل يسبق الماء إلى الرحم، فيوجد لطخ الفراش، وكذلك: أوجبنا به العدة، والله أعلم.
ولو قال لامرأته: أصابتك امرأة، وزنيت بفلانة [أو زنا بك فلانة] ينسبها إلى الساحق-: فلا حد ولا لعان؛ لأنه فعل لا يوجب الحد، ويعزر للأذى.
ولو قال: علوت على رجل حتى دخل ذكره في فرجك-: يلزمه الحد، وله أن يلاعن لإسقاطه، والله أعلم.
فَصْلُ حد القذف يورث، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد، وقبل العفو-: يثبت لوارثه حد القذف.
وكذلك: لو كان الواجب بقذفه التعزير-: يورث عنه، وكذلك: لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف: يثبت لوارثه طلب الحد.
وعند أبي حنيفة: حد القذف لا يورث، ويسقط بالموت.
وأصل هذا: أن حد القذف عندنا حق الآدمي، ويسقط بعفوه كالقصاص، وعنده [حد

القذف] حق الله تعالى، ولا يسقط بالعفو؛ والدليل على أنه حق الآدمي أنه لا يستوفي إلا بطلبه، ويحلف المدعى عليه إذا أنكر.
إذا ثبت أنه يورث-: فمن الذي يرثه؟ فيه أوجه: أصحها: جميع الورثة؛ كالمال.
والثاني: يرثه كلهم إلا الزوج والزوجة؛ لأن الزوجية ترتفع بالموت.
والثالث: يرثه رجال العصبة من أهل النسب؛ لأنه لدفع العار عن النسب.
ولو أنشأ القذف بعد الموت-: فهل يثبت الحد للزوج والزوجة؟ يرتب على ما لو قذف في الحياة: إن قلنا ثم: لا يثبت-: فههنا أولى؛ وألا فوجهان، والفرق: أن ثم كان وجوب الحد في حال بقاء الزوجية، وههنا كان بعد ارتفاعها.
ولو لم يكن للمقذوف وارث-: فهل للسلطان إقامة الحد؟ فيه قولان؛ كالقصاص.
ولو قذف أمة، فماتت قبل أن يثبت-: للسيد طلب التعزير؛ لأنه حق يثبت للمملوك؛ فيثبت لسيده بعده.
وقيل: لا يثبت للسيد؛ لأنه لا يملك عرض مملوكه، وهل يثبت للسلطان؟ فيه قولان؛ كحد الحرة؛ فحيث أثبتنا طلب الحد أو التعزير للوارث، وكان القاذف هو الزوج-: له أن يلاعن بعد طلب الوارث، فإن لم يطلب-: فلا لعان له، إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه-: فله أن يلاعن، وإذا لاعن-: سقط عنه الحد أو التعزير.
ولو أنشأ قذف زوجته بعد موتها-: فهو كما لو أنشأ بعد البينونة؛ فعليه الحد، ولا لعان له، إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه؛ فيلاعن لنفسه، ويسقط عنه الحد إذا لاعن.
ولو قذف رجل مورثه، فمات المقذوف-: سقط عنه الحد؛ لأنه ورث الحد الذي وجب عليه؛ بخلاف ما لو قطع يد مورثه، فمات منه: لم يسقط عنه القصاص؛ لأن القتل يمنع الميراث، حتى لو قذف مورثه بعد موته-: لا حد عليه.
فإذا ثبت حد القذف لجماعة من الورثة، فعفا بعض الورثة-: يثبت للباقين استيفاء كله؛ هذا هو المذهب؛ لأنه حق يثبت لكل واحد على الكمال؛ كولاية التزويج.
وقيل: يسقط كله؛ كالقصاص.
وقيل: يسقط نصيب المعافى؛ لأنه يقبل التبعيض، بخلاف القصاص، [حتى أن

السقوط الذي يقع فيه التشريك-: يسقط]، ولو قذف رجل أباه، فمات الأب عن ابنين؛ أحدهما القاذف: إن قلنا: بعفو بعض الورثة لا يسقط شيء من الحد، وللابن الآخر استيفاء الحد من القاذف على الكمال، فإن قلنا: يسقط بعضه-: فيستوفي نصف الحد أربعين جلدة.
وإن قلنا: بعفو البعض يسقط كله-: فيسقط ههنا كله.
فَصْلُ إذا امتنع الزوج عن اللعان بعد القذف-: يقام عليه حد القذف، إن كانت المرأة محصنة، [ويعزر إن لم تكن محصنة]، حتى لو أتى بأربع كلمات ونصف من اللعان، فامتنع من إكمالها-: يقام عليه كمال الحد.
وإن كمل الزوج اللعان-: سقط عنه حد القذف، ووجب على المرأة حد الزنا، فإن لاعنت-: سقط عنها الحد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 8].
وأراد بالعذاب الحد؛ كما قال في أول السورة: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]، وأراد به الحد.
وإن امتنعت المرأة من اللعان: يقام عليها حد الزنا، إن كانت محصنة فالرجم، ون لم تكن محصنة فجلد مائة وتغريب عام، وإن كانت أمة-: فجلد خمسين، وفي التغريب قولان.
وإن كانت المرأة مجنونة-: فلا شيء عليها بلعانه، وإن كانت ذمية: إن قلنا: يجب على حاكمنا أن تحكم بين الذميين-: فإن لم تلاعن-: أقام عليها حد الزنا، رضيت أم سخطت.
فإن قلنا: لا يجب أن يحكم بينهم-: فلا يحدها، إلا أن تثبت على الرضا.
ولا فرق بين أن يكون الزوج مسلماً أو ذمياً، وإن كانت الخصومة [لو وقعت] بين مسلم وذمي-: يجب على حاكمنا الحكم بينهما قولاً واحداً؛ لأن الزوج باللعان خرج عن الخصومة، وانقطعت الزوجية بينهما، فبقي إمضاء الحكم على المرأة على الخصوص.
إنما يختلف القول في جانب الزوج، إن كان مسلماً والمرأة ذمية، فإن لاعن الزوج؛

وإلا عزره الحاكم بطلبها حداً، وإن كان ذمياً-: فعلى القولين.
وعند أبي حنيفة: إذا امتنع الزوج عن اللعان-: حبس حتى يلاعن، وإذا امتنعت المرأة بعد لعانها-: حبست حتى تلاعن.
قلنا: اللعان حجة لهما على صدقهما، ومن قعد عن إقامة الحجة على صدقه-: لا يحبس، بل يجري عليه الحكم.
ولو أتى الزوج اللعان، ثم في خلال الحد بدا له أن يلاعن-: له ذلك؛ كما لو بدا له أن يقيم البينة، ويسقط عنه ما بقي من الحد، ولو بقي سوط واحد.
فأما بعد إقامة الحد-: فلا معنى للعانه؛ لأن كذبه قد ظهر؛ كما لا يقبل بينته.
قال الشيخ: قال شيخي- رحمه الله- إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه-: فله اللعان، وكذلك المرأة إذا امتنعت عن اللعان، فضربت بعض الحد، ثم قالت: أنا ألاعن-: فلها ذلك، ويسقط عنها بقية الحد، والله أعلم.
فَصْلُ إذا ثبت الزنا [على إنسان] بإقراره أو بالبينة، سواء حد فيه أو لم يحد: فإذا قذفه قاذف-: لا يجب على قاذفه إلا التعزير، سواء قذفه بتلك الزنية أو بزنية أخرى؛ لأن حصانته قد بطلت الزنا.
وإن ثبتت على امرأة، فقذفها زوجها-: فهل له أن يلاعن؛ ليسقط التعزير عن نفسه نقل المزني- رحمه الله- أنه لا يلاعن.
ونقل الربيع: أنه يلاعن.
اختلف أصحابنا فيه؛ منهم من جعله على قولين: أحدهما: يلاعن؛ لأنه عقوبة لزمته بقذف في النكاح؛ فله درؤها باللعان؛ كالحد.
والثاني: لا يلاعن؛ لأن اللعان لإثبات صدقه، وقد ثبت صدقه بإقراره أو بالبينة، ووجوب التعزير ههنا ليس بالقذف، بل بسبب الأذى والسب فلا يلاعن لأجله؛ كما لو آذاها بسبب آخر.
وقال أبو إسحاق: [ليس له] أن يلاعن قولاً واحداً؛ كما نقل المزني؛ للمعنى الذي ذكرنا، وما ذكره الربيع فمن كيسه.

وقيل: هو على اختلاف الحالين، حيث قال: لا يلاعن-: أراد به: إذا أضاف الزنا إلى ما قبل النكاح، وحيث قال يلاعن؛ إذا لم يضف.
أما إذا كان هناك ولد يريد نفيه-: فله أن يلاعن للمعنى الذي ذكرنا.
أما إذا قذف رجل زوجته، وتلاعنا، ثم قذفها قاذف- نظر: إن قذفها أجنبي-: يجب عليه الحد، سواء قذفها بتلك الزنية أو بزنية أخرى؛ لأن اللعان حجة على زناها في حق الزوج خاصة؛ فلا تبطل بها حصانتها في حق غيره.
فإن قذفها الزوج الملاعن [مرة أخرى- نظر: إن قذفها] بتلك الزنية أو أطلق-: فليس عليه إلا التعزير، وإن قذفها بزنية أخرى-: ففيه قولان: أصحهما: عليه التعزير؛ لأن اللعان في حقه كالبينة، والبينة تسقط حصانتها كذلك، إذا لاعن-: سقطت حصانتها في حقه.
والثاني: عليه الحد؛ لأن اللعان حجة خاصة في تلك الزنية؛ كما هو خاص في حق الزوج، سواء إن قلنا: يجب الحد أو التعزير-: فليس له إسقاطه باللعان؛ لأن النكاح قد الزوج-: فعليه التعزير، سواء قذفها بتلك الزنية أو بزنية أخرى أو أطلق.
وإن قذفها أجنبي- نظر: إن قذفها بزنية أخرى-: عليه الحد، وإن قذفها بتلك الزنا- فيه وجهان: قال ابن سريج: [لا يحد]، بل يعزر؛ لأنه قذفها بزنا حدت فيه؛ كما لو حدت بالبينة.
والثاني: قاله أبو إسحاق-: وهو الأصح-: عليه الحد؛ لأن سقوط الحصانة باللعان: يكون في حق الزوج على الخصوص؛ كما لو تلاعنا.
أما إذا امتنع الزوج عن اللعان، فحد لها، ثم قذفها ثانياً: [فإن قذفها] بتلك الزنية-: عليه التعزير ولا يحد؛ لأنه ظهر كذبه بالحد الأول.
وإن قذفها بزنية أخرى-: هل يحد؟ فيه وجهان: أصحهما- وهو قول عامة الفقهاء-: يعزر، ثم سواء إن قلنا: يحد أو يعزر، فهل له أن يلاعن لإسقاطه فيه قولان: أصحهما: لا؛ لأنه ظهر كذبه بالحد الأول.

فَصْلُ ولو قذف امرأته بزنا أضافه إلى ما قبل النكاح: فهل له أن يلاعن؟ نظر: إن لم يكن ثم ولد يريد نفيه-: فلا لعان له، وعليه الحد؛ لأنه زنا يلطخ به فراشه.
وقال أبو حنيفة: له اللعان؛ اعتباراً بحالة إنشاء القذف.
وإن كان ثم ولد-: هل له أن يلاعن؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول ابن أبي هريرة-: له ذلك؛ لأنه سبب يلحقه بحكم النكاح؛ كما لو قذفها مطلقاً-: فعلى هذا: إذا لاعن- سقط عنه الحد.
والثاني-[وهو الأصح]، وهو قول أبي إسحاق-: ليس له أن يلاعن ويحد؛ لأنه كان يمكنه أن يقذفها مطلقاً، ولا ينسبه إلى ما قبل النكاح، فعلى هذا له أن ينشئ قذفاً، ويلاعن لنفي النسب: فإن قلنا: له أن يلاعن: هل يجب عليها حد الزنا فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ كما لو قذفها مطلقاً، ثم لها إسقاطه باللعان.
والثاني: لا حد عليها؛ لأنها لم تلطخ فراشه، ولعان الزوج لضرورة نفي الولد، فعلى هذا: هل لها معارضته باللعان؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن لعانها لإسقاط الحد عن نفسها، ولا حد عليها ههنا.
ولو قذف زوجته، ثم طلقها رجعياً، أو قذفها في عدة الرجعة-: فله أن يلاعن؛ كما في صلب النكاح.
وكذلك: لو قذفها، ثم أبانها-: فله أن يلاعن لنفي الولد، وإن لم يكن ولد-: فلإسقاط الحد إن طلبت المرأة، وإن لم تطلب فلا، فإذا لاعن وجب عليها الحد، ولها إسقاطه باللعان، وهل تتأبد الفرقة باللعان بعد البينونة؟ فيه وجهان: أصحهما: تتأبد؛ كما لو لاعن في صلب النكاح.
والثاني: لا تتأبد؛ لأن هذا اللعان لا يتعلق به أصل الفرقة؛ فلا تتعلق به صفتها.
[أما إذا أنشأ القذف بعد البينونة-: فهل له أن يلاعن؟ نظر: إن كان ثم ولد يلحقه يريد نفيه-: له أن يلاعن إلى أربع سنين]، وإن لم يكن ولد-: فلا لعان، وعليه الحد، سواء نسب الزنا إلى حالة النكاح، أو لم ينسب.
ثم إذا لاعن لنفي النسب-: سقط عنه الحد، وهل يجب عليها حد الزنا؟

نظر: إن نسب الزنا إلى حالة النكاح-: يجب، ولها إسقاطه باللعان، وإن لم ينسبه-: فلا يجب، وهل لها معارضته باللعان؟ [فيه وجهان]: أصحهما: لا يلاعن، [وهل تتأبد الفرقة؟ فيه وجهان: أصحهما: تتأبد] وكل موضع لم نجوز اللعان إلا لنفي الولد ههنا، وفيما لو قامت بينة على زناها أو صدقته-: سقط اللعان، إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه.
وإن كان ثم حمل يريد نفيه-: فهل له أن يلاعن؟ فيه قولان؛ بناءً على أن الحمل هل يعرف أم لا؟ إن قلنا: يعرف- وهو الأصح- فله أن يلاعن؛ وألا فلا، بخلاف صلب النكاح: يجوز أن يلاعن فيه؛ لنفي الحمل؛ لأنه يتعلق به- سوى نفى الولد- أحكام في صلب النكاح؛ بدليل أنه يجوز اللعان عند عدم الولد، وبعد البينونة: لا يتعلق به سوى نفي الولد؛ فيشترط حقيقته.
وكل موضع جوزنا اللعان لنفي الحمل-: فله تأخير اللعان إلى حروجه؛ لأنه قد يتبين ريحاً بنفس، فإذا لاعن، ثم بان ريحاً: فإن كان اللعان في صلب النكاح-: لا حد عليه، وإن كان بعد البينونة [بان أن اللعان لم يكن صحيحاً]، وعليه الحد.
وقال أبو حنيفة لا يجوز اللعان على الحمل؛ فإن فعل-: تعلق به أحكامه، غير أن الولد يلحقه لحوقاً لا يمكنه نفيه.
ولو وطئ امرأة بشبهة أو بنكاح فاسد، ثم قذفها، وأراد اللعان- نظر: إن كان ثم ولد يلحقه يريد نفيه-: فله أن يلاعن لنفيه، وإن كان حمل-: فعلى القولين، وإن لم يكن ولد-: فلا لعان له، ويحد حتى لو كان جاهلاً بفساد النكاح، فلاعن عند عدم الولد، ثم ظهر فساده-: بان أن اللعان لم يكن صحيحاً، ولم يسقط عنه الحد، ولم تتأبد الفرقة.
وإذا لاعن لنفي الولد-: سقط عنه الحد، ولا يجب عليها حد الزنا، وهل لها معارضته باللعان؟ فعلى الوجهين [هل تتأبد الفرقة فيه وجهان]: الأصح: تتأبد.
وعند أبي حنيفة: القذف في النكاح الفاسد لا يثبت اللعان؛ كما في الزنا.
قلنا: في الزنا لا يلحقه النسب، وههنا يلحقه، فنقول: نسب يلحقه لا بملك اليمين؛

فله نفيه باللعان؛ كما في النكاح الصحيح، ويخرج عليه لو وطئ امرأة على ظن أنه يطأ أمته فولدت-: له اللعان؛ لأنه يلحقه لا بملك اليمين، والله أعلم.
فَصْلُ إذا ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها فأنكر، فأقامت شاهدين على أنه قذفها: قال الشافعي- رضي الله عنه-: له أن يلاعن.
قال أصحابنا: فيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يسكت الزوج عن جوابها، فأقامت شاهدين على أنه قذفها؛ فله أن يلاعن.
الثانية: أن يقول الزوج في جوابها: ما قذفتك، ولا زنيت، فأقامت شاهدين؛ يجب عليه الحد، ولا لعان له، لأنه نفي زناها، فكيف يقول في اللعان: إني لمن الصادقين فيما رميتها، وكذلك لو [قذفها، ثم] قال: كذبت ما زنيت-: حد، ولا لعان.
الثالثة: أن يقول: ما قذفتك، ولم يزد عليه، فأقامت شاهدين-: سئل عن قوله: ما قذفت: فإن قال: عنيت به أن القذف ما يكون باطلاً، وما قلت لها: إنها زنت-: كان صادقاً؛ فله أن يلاعن.
وكذلك لو قال: أنكرت القذف، ولكن أنشئه الآن، فقذفها، فله أن يلاعن، ولا حد عليه بعد اللعان.
ولو لم ينشئ قذفاً ولا أول قوله: ما قذفتك بشيء، فهل له أن يلاعن؟ فيه وجهان أحدهما: له أن يلاعن؛ لأنه لم ينكر زناها، إنما أنكر القذف، فمعناه: أن القذف ما يكون باطلاً وكذباً، وما قلته صدق، أو أنه- وإن أنكر القذف- فالبينة ردت إنكاره، فإقباله على اللعان كأنه يقول: مع أني لم أقذفها فهي زانية؛ فيصير كما لو أنشأ قذفاً آخر.
والوجه الثاني: لا لعان له مع إنكاره القذف، والنص محمول على ما إذا أول كلامه بما قلناه.
فَصْلُ فِي تَعَدُّدِ القَذْفِ إذا تعدد القذف من واحد- فلا يخلو: إما أن قذف شخصاً واحداً مراراً، أو قذف جماعة:

فإن قذف واحد مراراً- نظر: إن أراد بالكل زنية واحدة بأن قال: زنيت بعمرة؛ [قاله مراراً]، أو قال لامرأة زنيت بزيد، أعاده مراراً-: فلا يجب إلا حد واحد.
ولو أنشأ الثاني بعد ما حد الأول-: يعذر للثاني، وإن قذفها بزنيات مختلفات بأن قال: زنيت بزيد، ثم قال: زنيت بعمرو- فهل تعدد الحدود أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: تتعدد اعتباراً باللفظ، ولأنه من حقوق العباد؛ فلا يقع فيه التداخل كالديون؛ وعليه نص من بعد.
والثاني- وهو الأصح-: تتداخل؛ فلا يجب إلا حد واحد؛ لأنهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد؛ كحدود الزنا: تتداخل.
فإن قلنا: لا يجب إلا حد واحد، فلو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول-: ففيه وجهان: أحدهما: يعزر للثاني؛ كما لو كان بزنية واحدة.
والثاني: يحد ثانياً، كما لو شرب الخمر فحد، ثم شرب ثانياً: يحد ثانياً.
ولو قذف زوجته مراراً-: يكتفي بلعان واحد، سواء قلنا: تتعدد الحدود أو لا تتعدد، وقد ذكر أنه لو قذفها بجماعة، قال: سماهم في اللعان، وسقط حدودهم، وهذا أصح.
وقيل: إن قلنا: تتعدد الحدود-: يتعدد اللعان.
وإن قلنا: لا تتعدد الحدود-: يكتفي بلعان واحد.
ولو قذفها فلاعن، ثم قذفها ثانياً-: فقد ذكرنا حكمه من قبل.
ولو قذفها مرتين: أحدهما يثبت اللعان دون الآخر، بأن قذفها قبل النكاح، ثم قذفها بعد النكاح: فإن قلنا: يتعدد الحد-: فله إسقاط الثاني باللعان، وحد للأول.
وإن قلنا: لا يتعدد، فإن لم يلاعن-: حد لهما حداً واحداً، وإن يلاعن عن الثاني-: حد للأول، وإذا حد الأول قبل اللعان-: سقط الثاني، ولا لعان له إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه: فله أن يلاعن.
وكذلك: لو قذف زوجته، فأبانها قبل اللعان، ثم قذفها ثانياً بعد البينونة، لأن الأول ثبت باللعان دون الثاني.
أما إذا قذف جماعة معدودين- نظر: إن قذف كل واحد بكلمة-: يجب عليه لكل واحد حد كامل.

وعند أبي حنيفة: لا يجب إلا حد واحد، [بناء على أن حد القذف عنده حق الله تعالى؛ فيتداخل؛ كما لو زنا مراراً: لا يجب إلا حد واحد].
ولو قذف أربع نسوة بكلمات-: عليه أربعة حدود، [فإذا أراد اللعان]-: عليه أن يلاعن عن كل واحدة على الانفراد، وليس له أن يجمع بينهن بلعان واحد، ويبدأ بلعان من بدأ بقذفها؛ لأن حقها أسبق.
وإن قذفهم بكلمة واحدة، فقال لهن: يا زناة، أنتن زناة، أو زنتين-: ففيه قولان: أصحهما- وهو قوله الجديد-: يجب لكل واحد حد كامل؛ لأنه من حقوق العباد؛ [فلا تتداخل]، ولأنه أدخل على كل واحدة معرة؛ فصار كما لو قذفهم بكلمات.
وفي القديم: لا يجب للكل إلا حد واحد اعتبار باللفظ؛ فإن اللفظ واحد حتى لو حضر واحد، وطلب الحد، فحد-: له يسقط حق الباقين.
والأول أصح حتى لو قال لرجل يابن الزانيين-: يكون قاذفاً لأبويه [بكلمة واحدة]-: فعليه حدان.
ولو قذف أربع نسوة بكلمة واحدة، فقال: أنتن زناة، إن قلنا: يتعدد الحد-: يتعدد اللعان، وإن قلنا: لا يتعدد الحد-: فهل له الجمع بينهن في لعان واحد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل يلاعن كل واحدة على الانفراد؛ لأنها أيمان توجهت عليه لجماعة؛ كما لو ادعى عليه جماعة كل واحد حقاً، فأنكر-: حلف في حق كل واحد يميناً.
والثاني: له الجمع بينهن، لأنها يمين له لا عليه؛ كما لو ادعى على جماعة مالاً وأقام شاهداً-: حلف معه يميناً واحدة عليهم.
وكذلك لو نكلوا: حلف عليهم يميناً واحدة، فإن منعنا الجمع، فتشاححن-: أقرع بينهن، فمن خرجت قرعتها-: بدأ بلعانها.
ولو بدأ بواحدة من غير قرعة.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: رجوت ألا يأثم.
وإن جوزنا الجمع، فلاعن عنهن-: وجب عليهن جميعاً حد الزنا، ثم من لاعنت-: سقط عنها الحد، ومن أبت-: حدت حد الزنا.
ولو قذف امرأته وأجنبية بكلمتين-: عليه حدان، فإن لاعن عن زوجته-: سقط حدها، ويحد للأجنبية، حتى لو قال لزوجته: يا زانية بنت الزانية-: فهو قاذف لها ولأمها،

فإن لاعن عن زوجته: حد لأمها، وإن امتنع عن اللعان-: يحد حدين، فمن حضرت منهما وطلبت حدها-: حد لها، وإن حضرتا معاً-: بأيهما يبدأ؟ فيه أوجه: أصحهما: يحد للأم؛ لأن حقها أعظم، ولأن حق البنت يعرض للسقوط، فربما يبدو له أن يلاعن.
والثاني: يبدأ بحد البنت؛ لأنه قدمها في اللفظ.
والثالث: يقرع بينهما.
وعند أبي حنيفة يحد للأم، ويسقط اللعان.
ولو قذف زوجته وأجنبية بكلمة واحدة: فإن قلنا بظاهر المذهب: إنه تتعدد الحدود-: فيلاعن عن الزوجة، ويحد للأجنبية.
وإن قلنا: لا يتعدد الحد: فإن لاعن عن الزوجة-: يحد للأجنبية، وإن لم يلاعن-: حد لهما حداً واحداً، حتى لو طلبت الأجنبية حدها، فحد لها-: سقط الحد واللعان في حق الزوجة، إلا أن يكون ثم ولد فله أن يلاعن لنفيه.
ولو عفت أحداهما للأخرى-: طلبت حدها على القولين جميعاً.
ولو قال لامرأته وأمها: أنتما زانيتان، ولم يلاعن عن زوجته، وقلنا: يتعدد الحد-: فبأيهما يبدأ؟ فيه وجهان: أظهرهما: يحد للأم.
والثاني: يقرع بينهما، فحيث أوجبنا عليه حدين.
إما الواحد أو الاثنين: فإذا أقيم أحد الحدين-: لا يقام الثاني، حتى يبرأ جلده عن الأول.
وإن كان القاذف عبداً: هل يوالى عليه بين الحدين؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنهما حدان، فلا يقام الثاني ما لم يبرأ جلده عن الأول.
والثاني: يجوز؛ لأنه ليس فيه إلا موالاة ثمانين جلدة، وذلك لا يمتنع؛ كالحر إذا قذف واحداً؛ يوالي عليه ثمانين جلدة، والله أعلم.
بَابُ أَيْنَ يَكُونُ اللِّعَانُ، وَكَيْفِيَّتِهِ؟ رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنْ عُوَيْمِراً العَجْلاَنِي قَالَ: يَا رَسُولَ الله [أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: "قَدْ أَنْزَلَ الله] فِيكَ وَفِي

صَاحِبَتكَ قُرْآناً، فَاذْهَبْ فَاتِ بِهَا، قَالَ سَهْلُ: فَتَلاَعَنَّا فِي المَسْجِدِ، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
اللعان لا يصح إلا عند السلطان، أو الحاكم، أو عدول يعينهم الحاكم، لأنه يمين في دعوى كاليمين في سائر الدعاوى، ويؤكد اللعان بأربعة أشياء: باللفظ، والزمان، والمكان والجمع.
أما باللفظ: فخمس كلمات من كل جانب، فلإتيان بها واجب؛ لا يجوز الإخلال بها.
وأما المكان: ففي أشرف الأماكن في البلدان كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان في المدينة: فعند المنبر، وهل يصعد المنبر؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: يصعد؛ لما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لاعن بين العجلاني وامرأته على المنبر.
والثاني: لا يصعد المنبر؛ والخبر محمول على أنه كان عند المنبر، أو كان النبي- صلى الله عليه وسلم- على المنبر.
والثالث: إن كان في القوم كثرة، فعلى المنبر؛ ليراه الناس، فإن لم يكن: فعند المنبر.
وإن كان ببيت المقدس: فعند الصخرة، وفي سائر البلاد في المسجد الجامع عند المنبر، وهل يصعد المنبر؟ فعلى الأوجه الثلاثة.
وأما الزمان: فبعد العصر؛ قيل في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 1.6] أي: بعد صلاة العصر، ويستحب يوم الجمعة بعد العصر.
وأما الجمع: فيلاعن بمحضر جماعة من الأعيان، وأقلهم أربعة؛ لأن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروا اللعان على حداثة سنهم؛ فدل أنه كان بمحضر جماعة من الرجال، حتى اجتمع معهم الأحداث والصبيان.
ثم التغليظ بالجمع مستحب، فلو لاعن الحاكم بينهما وحده-: يحسب كما لو أقام الحد وحده.
وأما التأكيد بالمكان والزمان-: فواجب أم مستحب؟ فيه قولان: وقيل: القولان في التغليظ بالمكان.
أما التغليظ بالزمان: فمستحب كالجمع، وإن كانت المرأة حائضاً-: لاعنت على باب

المسجد، ويخرج إليها الحاكم.
وإن كانت غير برزة-: بعث إليها الحاكم من يلاعن بها، ويستحب أن يبعث معه أربعة، ويلاعن بين الذميين، حيث يعظمونه من البيعة والكنيسة، ويجوز في المسجد إلا المسجد الحرام.
وإن كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية: لاعن الزوج في المسجد، والمرأة حنث يعظمونه، والمجوس تلاعن في المسجد، أو في مجلس الحكم، ولا يلاعن بينهما في بيت النار؛ لأنه ليس له أصل في الشرع.
وقيل: يلاعن في بيت النار؛ لأن المقصود ردعه، وهو أردع عنده.
والوثني ومن دان دين الزنادقة.
إذا دخلوا إلينا بأمان-: يلاعن الحاكم بينهم في مجلس الحكم، ويحلفون بالله، وإن كانوا لا يعتقدون حرمة اللفظ؛ لأن الشرع لم يأذن في التحليف إلا بالله، وقد يلحقهم شؤمه؛ فإن اليمين الغموس تذر الديار بلاقع.
وإذا أراد الحاكم أن يلاعن بين الزوجين-: يبدأ بالرجل فيقيمه، والمرأة جالسة، فيلقنه كلمات اللعان، فيقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان من الزنا، فيقوله الزوج، ويسمى المرأة وأباها، إن كانت غائبة، وإن كانت حاضرة يشير إليها، فيقول: فيما رميت به هذه، ولا يحتاج إلى التسمية مع الإشارة؛ كما في الطلاق، ولو سماها مع الإشارة-: جاز، وإن كان قذفها برجل بعينه سمى المرمى به، فيقول فيما رميتها به من الزنا بفلان بن فلان.
وإن قذفها برجلين فأكثر-: سماهم، وإن كان هناك ولد يريد نفيه-: يقول: وإن هذا الولد لمن الزنا، ما هو مني، وإن كان حمل-: يقول: هذا الحمل من الزنا، ما هو مني، فلو قال: هذا الولد ليس مني، ولم يقل: من الزنا-: لم ينتف؛ لأنه يحتمل أنه يريد ليس مني في الخلق والخلق، ولو قال: هذا الولد من الزنا، ولم يقل: ليس مني-: ينتفي عنه، لأن ولد الزنا لا يلحق به.
وقيل: لا ينتفي حتى يقوله؛ لأنه قد يعتقد أن الوطء في النكاح بلا ولي زنا.
والأول أصح؛ هكذا يقول أربع مرات بعد تلقين الحاكم، حتى لو أتى بكلمة منها من غير تلقين الحاكم-: لا يكون محسوباً، ويقول في الخامسة: قل: علي لعنة الله، إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة بنت فلان، ويذكر المرمي به ونفي الولد، فيقوله الزوج، وبعد فراغه من الكلمات الأربعة قبل كلمة اللعن-: يوقفه الحاكم ويعظه، ويقول: اتق الله؛ فإني أخشى أن تبوء بلعنة الله، إن كنت كاذباً ويقرأ عليه: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ

وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} [آل عمران: 77] الآية، فإن أبى إلا المضي فيه-: أمر رجلاً حتى يضع يده على فيه، ويقول له: اتق الله؛ فإن قولك: "علي لعنة الله" موجبة للعن والعذاب، إن كنت كاذباً، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن أبى إلا المضي-: لقنه، وإن نسي نفي الولد أو الحمل في اللعان-: أعاد اللعان لنفيه.
ولا يجب على المرأة إعادة اللعان، إن كانت قد لاعنت، وإن كان قد قذفها برجل بعينه-: هل يحد حداً أم حدين؟ اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: فيه قولان؛ كما لو قذفها وأجنبية.
ومنهم من قال ههنا: لا يلزمه إلا حد واحد، بخلاف ما لو قذفها وأجنبية؛ لأن القذف هنا بزناءين وههنا [القذف] بزنا واحد.
وكذلك لو قال لأجنبية: زنيت بفلان-: فيلزمه حد واحد أو حدان؟ فعلى طريقين؛ والأصح: أنه على قولين إلا أن ههنا.
إذا سمى المرمي به في اللعان-: سقط حده؛ كما سقط حدها على القولين جميعاً؛ حتى لو قذفها بجماعة، فسماهم-: سقط حدودهم جميعاً.
وإن لم يسم المرمي به في اللعان-: هل يسقط حده؟ فيه قولان: أحدهما-: وهو اختيار المزني يسقط؛ كما يسقط حدها؛ لأنه ظهر باللعان صدقه.
والثاني: [لا يلاعن] ولا يسقط؛ لأنه لم يلاعن عنه، فعلى هذا: إذا أراد إسقاط حده-: أعاد اللعان، فحيث قلنا: يسقط حد المرمي به-: لا يجب عليه حد الزنا؛ بخلاف المرأة؛ لأن حدها يسقط باللعان؛ فوجب باللعان.
وحد الأجنبي لو وجب-: لم يسقط باللعان.
ولو أقرت المرأة بالزنا: سقط عن الزوج حدها، وحد المرمي به باق إلا أن يلاعن؛ فيسقط.
فإذا لاعن لإسقاط حد الأجنبي-: هل تتأبد الفرقة؟ قيل: تتأبد، ويحتمل غيره.
وعند أبي حنيفة: لا يسقط حد الأجنبي، وإن سماه في اللعان، بل يحد للأجنبي بعد اللعان، وإن حد للأجنبي قبل اللعان-: سقط اللعان؛ لأن المحدود في القذف عنده لا يلاعن.

ثم إذا فرغ الزوج من اللعان، وأرادت المرأة إسقاط حد الزنا عن نفسها باللعان-: أقامها الحاكم، ولقنها كلمات اللعان، فيقول: قولي: أشهد بالله إن زوجي فلان بن فلان، تسميه إن كان غائباً، وتشير إليه إن كان حاضراً، لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول المرأة هكذا يلقنها أربع مرات، ويقول في الخامسة قولي: علي غضب الله، إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، فتقول المرأة هكذا، وقبل كلمة الغضب-: يوقفها الحاكم ويعظها، ويقول: اتق الله أن تبوئي بغضب من الله إن لم تكوني صادقة، فإن أرادت المضي-: أمر امرأة حتى تضع يدها على فيها، وتقول: قولك "علي غضب الله" كلمة حق موجبة إن كنت كاذبة.
ولا يجب على المرأة ذكر الولد في اللعان، وأنه منه؛ لأنه لا فائدة فيه؛ فإنه لا يلحق الزوج بلعانها.
ولو أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان-: لا يتعلق به الحكم.
وقال أبو حنيفة: أكثر كلمات اللعان تعمل عمل الكل، إذا حكم به الحاكم.
ولو ترك كلمة الشهادة، فقال بدلها: أحلف بالله، أو أقسم، أو آلي، أو قال: بالله هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يجوز؛ كما في أداء الشهادة.
والثاني: يجوز؛ لأنه كناية عن اليمين.
وإذا صرح به-: يضر، وكذلك: لو أبدل لفظ اللعن بالإبعاد، أو المرأة لفظ الغضب [بالسخط فعلى وجهين.
ولو أبدل الرجل كلمة اللعن بالغضب، أو المرأة كلمة الغضب] باللعن-: لم يحسب.
وقيل: يجوز إبدال الغضب باللعن؛ لأن الغضب أبلغ من اللعن، ولهذا خصت به المرأة؛ لأن المعزة بزناها أكثر، وفعلها أقبح، والأول أصح والترتيب واجب.
فلو قدم الرجل كلمة اللعن على بعض الكلمات الأربع، أو المرأة قدمت كلمة الغضب-: لم يحسب؛ على الأصح، حتى تأتي بكل كلمة في موضعها.

وقيل: يجوز.
ولو فرق كلمات اللعان-: جاز، ولو بدأ بلعان المرأة-: لم يجز؛ لأن لعانها لإسقاط الحد، ولم يجب عليها الحد قبل لعانه.
ويلاعن بالعربية إذا كان يحسنها، وهل يجوز العدول إلى غيرها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز بأي لسان كان؛ لأنه يمين كسائر الأيمان.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الشرع ورد به بالعربية؛ فلا يجوز بغيرها مع المقدرة؛ كأذكار الصلاة.
وإن كان لا يحسن العربية-: يلاعن بلسانه، ثم إن كان القاضي يحسن لسانه لا يحتاج إلى مترجم؛ لكن المستحب أن يكون بحضرة أربعة ممن يحسن لسانه.
وإن كان القاضي لا يحسن لسانه-: فلا بد من مترجمين، ويكتفي بمترجمتين في لعان المرأة؛ لأن لعانها لنفي الزنا.
وفي لعان الزوج هل يتكفي بمترجمين، أم لا بد من أربعة؟ قيل: يكتفي بمترجمين؛ كما في جانب المرأة.
وقيل: فيه قولان؛ بناءً على أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين؟ وفيه قولان.
ووجه الشبه بينهما: أن اللعان من الزوج قول يثبت به الزنا على المرأة؛ كالإقرار بالزنا، وإن لم يكتف في إثبات الإقرار بشهادة رجلين-: لا يكتفي في إثبات اللعان بترجمة رجلين.
فَصْلُ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنْ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ الله اقْضِ بَيْنَنَا بِكَتَابِ الله، وَقَالَ الآخَرُ- وَكَانَ أَفْقَهَهُمَا-: أَجَلْ يَا رَسُولُ الله، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله وَأَذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: تَكَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا، فَزَنَا بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافَتَدَيْتُ مِنْهُ بِمَائَةِ شَاةٍ، وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي إِنَّما عَلَى ابْنِي جَلْدُ مَائَةٍ وَتَغْرِيبُ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدُّ إِلَيْكَ"، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَاماً، وَأَمَرَ أَنِيساً الأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأتِيَ امْرَأَةَ

الآخَرِ: "فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.
إذا قذف رجل آخر بين يدي الحاكم، أو قذف امرأته برجل بعينه، والرجل غائب- فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف، ويخبره بأن فلاناً قذفك وثبت لك حد القذف عليه؛ كما لو ثبت له مال على آخر، وهو لا يعلمه-: يلزمه إعلامه.
وعلى هذا المعنى: كان بعث النبي- صلى الله عليه وسلم-: أنيساً؛ ليخبرها أن فلاناً قذفها بابنه، ولم يبعثه ليتفحص عن زناها.
وقد قال الشافعي- رضي الله عنه-: وليس للإمام إذا رمي رجل بالزنا: أن يبعث إليه، فيسأله عن ذلك؛ لأن الله تعالى قال ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] أراد به إذا لم يكن القاذف معيناً؛ مثل: أن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون: إن فلانا زنى-: فلا يبعث الحاكم إليه، ويسأله، وكذلك: إذا سمع رجلاً يقول: زنى رجل من غير تعيين، أو في هذه السكة زان-: لا يتفحص عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 1.1]. وكذلك: لو سمع رجلاً يقول: سمعت رجلاً يقول: فلان زان-: لا يحد به؛ لأنه حاك، ولا يسأله عن القاذف.
أو أراد: أنه إذا قذف زوجته برجل بعينه، فطالبته المرأة بالحد، أعني طلبها عن طلب المرمي به؛ لأنه إذا لاعن سقط حد المرمي به؛ فلا فائدة في البعث إليه، وإخباره بعد سقوط حقه، والله أعلم.
فَصْلُ روي عن ابن عمر؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب؛ لا سبيل لك عليها".
إذا لاعن الرجل عن امرأته-: حرمت عليه على التأبيد، إن كان قبل الدخول-: يجب لها نصف المهر، وإن كان بعد الدخول-: فلها كمال المهر المسمى، وعليها العدة، ولها السكنى، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً؛ كالمطلقة ثلاثاً، وإن نفى الحمل باللعان-: فلا نفقة لها، وهل تنقضي عدتها بوضع الحمل المنفي عنه؟ وجهان:

أحدهما: لا تنقضي؛ كما لا تنقضي بوضع حمل الزنا.
والثاني: تنقضي؛ لأنه انتفى عنه ظاهراً، ولو استلحقه: يلحقه؛ بخلاف حمل الزنا، وهل لها السكنى؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأنها معتدة عن فرقة في الحياة.
والثاني: لا؛ لأنها لم تحصن بمائة.
قال الشيخ- رحمه الله-: إن قلنا: تنقضي بوضعه عدتها-: يجب؛ وألا فلا.
وإن قلنا: لا تنقضي به العدة، عليها أن تعتد بالأقراء بعد وضع الحمل، إذا كانت لا ترى الدم على الحمل، أو كانت تراه، وقلنا: لا يكون ذلك حيضاً، وإن جعلناه حيضاً-: فتعتد بأقصى الأمرين من الأقراء، أو وضع الحمل.
ولو أكذب الزوج نفسه بعد اللعان-: يقبل فيما عليه، ولا يقبل فيما له؛ حتى يجب عليه الحد، ولحقه النسب، ولها أن ترجع عليه بنفقة زمان الحمل.
وإن أكذب نفسه بعد موتها-: يجب عليه نفقة زمان الحمل لورثته، ولا يرتفع تأبد التحريم، سواء كان بعد لعان المرأة، أو قبله، ويسقط عنها الحد.
وعند أبي حنيفة: يرتفع تأبد التحريم، حتى يجوز له أن ينكحها.
وإن صدقته المرأة- نظر: إن كان بعد لعانه-: فلا فائدة فيه؛ لأن الحد وجب عليها بلعانه، فانتفى الولد وإن كان بعد ما التعنت: يجب عليها حد الزنا، وإن صدقته قبل لعانه، أو في خلال لعانه-: سقط عنه الحد واللعان، ووجب عليها حد الزنا.
فلو أراد الزوج أن يلاعن بعده، أو كان في خلال اللعان أراد إكماله- نظر: إن كان ثم ولد يريد نفيه-: له ذلك؛ وألا فليس له ذلك؛ على ظاهر المذهب.
وقال أبو حنيفة: إذا اعترفت بالزنا-: لحقه الولد، حتى لا يمكنه النفي بحال، ولا حد ولا لعان؛ لأن الحد، لا يجب بالإقرار مرة عنده، ولا لعان مع الإقرار.
ولو مات أحد الزوجين- نظر: إن مات قبل أن يكمل الزوج اللعان-: ورثه الآخر، وإن بقيت كلمة واحدة من اللعان، ثم إن مات الزوج-: فقد استقر أمر النسب؛ فليس لوارثه نفيه، بخلاف ما لو ألحق الوارث نسباً: فإنه يلحقه، لأن الاستلحاق أقوى من النفي؛ بدليل جواز الاستلحاق بعد النفي، ولا حكم للنفي بعد الاستلحاق، ولا يقوم الوارث مقامه في اللعان؛ لأنه لا ضرورة له إليه.
وإن ماتت المرأة في خلال لعانه-: ورثها الزوج، وهل له إكمال اللعان؟ نظر: إن كان هناك ولد يريد نفيه-: له ذلك وكذلك يجوز له ابتداء اللعان بعد موتها لنفي الولد،

سواء كان الولد حياً أو ميتاً، وإذا نفى الولد-: انقطع الإرث بينه وبين الولد، ولا ينقطع بينه وبين الزوجة؛ لأنها كانت له [زوجة] حالة الموت.
وإن لم يكن ثم ولد: لم يكن له المضي في لعانه؛ لارتفاع الفراش بالمو إلا أن يطلب وارثها الحد-: فله درؤه باللعان، وينبني على ما مضى، طال الفصل أو ــ. فإن قيل: الزوج وارث، وقد ورث بعض جده فوجب أن يسقط.
قلنا: حد القذف ثابت لكل واحد من الورثة على الكمال، فإذا سقط حق البعض-: لا يسقط شيء من حق الباقين، والله أعلم بالصواب.
بَابُ مَا يَكُونُ قَذْفاً وَمَا لاَ يَكُونُ قَذْفاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
إذا ولدت امرأة على فراش رجل لمدة يمكن أن يكون منه-: يلحق، فلو قال الزوج: ليس هذا ولدي، أو ليس هذا مني-: لا يجعل به قاذفاً ولا نافياً للولد لأنه كلام يحتمل فيفسر، فإن فسره بالزنا-: فهو قذف-: فله أن يلاعن وينفيه، وإن قال: عنيت به أنه لا يشبهني خلقاً وخلقا-: يقبل قوله، بخلاف ما لو قال [لولد الغير]: ليس هذا بابن فلان-: يكون قاذفاً، فلو قال: عنيت به أنه لا يشبهه خَلْقاً وخُلُقاً-: لا يقبل، والفرق: أن الأب يحتاج إلى تأديب ولده بمثل هذا القول؛ فحمل ذلك على التأديب، والأجنبي مستغن عنه، فكان قوله قذفاً.
فلو كذبت المرأة الأب، وقالت: عنيت به القذف-: لها أن تحلفه، فإن حلف-: فلا حد، ولا لعان.
وإن نكل-: حلفت المرأة، ثم يحد الزوج، وله أن يلاعن، لإسقاط الحد دون نفي الولد؛ لأنه أقر به.
وإن قال: عنيت به أنها أتت به من وطء الشبهة فلا حد عليه، إن صدقته المرأة، وإن كذبته، وادعت أنه أراد به القذف: حلف الرجل أنه لم يرد به القذف، فإن نكل- حلفت المرأة أنه أراد به القذف، وحد الزوج إلا أن يلاعن، أما الولد- نظر: إن لم يعين الواطئ أو عين الواطئ، فلم يقبل ذلك الرجل-: فالولد لاحق بالزوج، إلا أن ينفيه باللعان.

وإن صدقه ذلك الرجل، وادعاه-: يرى معه القائف؛ فإن ألحقه به-: فهو ولده؛ وألا فيلحق بالزوج، ولم يكن له نفيه باللعان؛ لأنه كان له طريق إلى نفيه بغير اللعان، وهو العرض على القائف، كما لا ينفي ولد أم الولد باللعان؛ لأنه يتوصل إلى نفيه بغير اللعان وهو دعوى الاستبراء.
ولو قال الزوج: عنيت به أنها أتت به من زوج قبلي- نظر: إن لم يعرف لها زوج قبله-: لا يقبل قوله، وإن عرف لها زوج قبله- نظر: إن علم وقت فراق الأول، ونكاح الثاني: فإن أتت به لأربع سنين، فأقل من وقت فراق الأول، ولأقل من ستة أشهر من وقت نكاح الثاني-: فهو للأول.
وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت فراق الأول-: أو الستة أشهر فأكثر من وقت نكاح الثاني-: فهو للثاني؛ إلا أن ينفيه باللعان، وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت فراق الأول ولدون ستة أشهر من نكاح الثاني-: فهو منفي عنهما.
وإن أتت به لأقل من أربع سنين من وقت فراق الأول، ولستة أشهر فأكثر من وقت نكاح الثاني-: فهو للثاني، إلا أن ينفيه باللعان؛ لأن فراش الأول قد انقطع بنكاح الثاني.
وإن لم يعرف وقت فراق الأول ونكاح الثاني-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأنها تدعي أنها أتت به على فراشه، وهو ينكر، فإن حلف-: ينفى عنه الولد؛ إلا أن تقيم المرأة البينة أنها ولدته على فراشه لمدة يمكن أن يكون معه، ويقبل فيه شهادة أربع نسوة، ثم له نفيه باللعان.
وإن لم يكن لها بينة، ونكل الزوج عن اليمين، وحلفت المرأة أنها ولدته على فراشه لمدة يمكن أن يكون منه، ثم هو ولده، إلا أن ينفيه باللعان.
وإن نكلت-: فالولد ينفي عنه.
وقيل: يوقف حتى يبلغ الصبي، فيحلف.
وكذلك: لو قال الزوج: عنيت به: أنها استعارته، أو التقطته-: فالقول قوله مع يمينه، وعليها البينة، فإن شهدت أربع نسوة على أنها ولدته على فراشه-: يقبل قوله، ثم له نفيه باللعان.
وإن لم يكن لها بينة-: هل يرى معها القائف؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، كما يرى مع الرجل.
والثاني: لا؛ لأن إقامة البينة على ولادتها ممكن، ولا يمكن إقامة البينة على أنه من ماء الرجل.

وإن قلنا: يرى القائف، فألحقه القائف بها-: التحق بالزوج، إلا أن ينفيه باللعان، وإن لم يلحق بها أو أشكل، أو لم يكن قائف، أو قلنا: لا يرى معها القائف-: حلف الرجل أنه لا يعلم أنها ولدته، فإن حلف- ينفى عنه.
وهل يلحق بالأم؟ فعلى وجهين؛ بناءً على أن المرأة هل لها دعوى؟ وفيه وجهان.
وإن نكل الزوج عن اليمين تحلف المرأة، ولحقه الولد، إلا أن ينفيه باللعان.
وإن نكلت-: هل يوقف، حتى يبلغ الصبي، فيحلف؟ فيه وجهانك أحدهما: بلى؛ لأن ألحق له.
والثاني: لا؛ لأن يمين الرد لا يرد.
فإن قلنا: يوقف: فإذا بلغ، وحلف-: لحقه، إلا أن ينفيه باللعان.
وإن نكل، أو قلنا: لا يحلف الصبي-: انتفى عنه بنكولها.
وهل يلحقها؟ فيه وجهان.
ولو قال رجل لابن الملاعنة لست بابن فلان سئل، فإن قال: عنيت به: أنه ليس بأبيه شرعاً، أو أن أباه نفاه، أو هو لا يشبهه خلقاً وخلقاً-: قبل قوله مع يمينه، فإن حلف-: عزر للأذى، وإن نكل-: حلفت الأم: أنه أراد قذفها، وعليه الحد؛ كما لو أقر إني أردت القذف، أو أن الملاعن قد صدق، ولو استلحقه النافي، ثم قال له آخر لست بابن فلان-: فهو كما لو قال لغير المنفي-: عليه الحد، ولا يقبل قوله: إني أردت: أنه لا يشبهه خلقاً.
ولو ظهر الحمل بامرأة، وأتت بولد، فقال الزوج: ما هو مني، وما أصبتها، وليست هي بزانية قلنا: هذا ليس بقذف، وبهذا لا ينتفي عنك الولد؛ لاحتمال أنها استدخلت ماء، فأنت في قولك: إني ما أصبتها" صادق، والولد يلحق بك، إلا أن تنفيه باللعان.
ولو قال: ليس هذا الولد مني، ولا أقذفها، ولا ألاعن: قلنا: الولد ولدك؛ إلا أن تنفيه باللعان بعد بيان سببه أنه من زنا، أو وطء شبهة وتلاعن.
فَصْلُ إذا أتت امرأة بولد، فنفاه باللعان، ثم أتت بولد آخر- نظر: إن كان بين الولدين أقل من ستة أشهر-: فهما حمل واحد، فإن نفى الثاني بلعان جديد-: انتفى عنه، وإن لم

ينفه-: لحقه الولدان جميعاً؛ لأن الحمل الواحد لا يتبعض في اللحوق والانتفاء، حتى لو أتت امرأته بولدين توءمين، فنفى أحدهما دون الآخر-: لحقاه جميعاً، وإنما قدمنا اللحوق على الانتفاء؛ لأن النسب يحتاط لإثباته ما أمكن، ثم إذا لم ينف الثاني بلعان جديد، حتى لحقاه-: هل يلزمه حد القذف أم لا؟ نظر: إن كان نفي الأول بعد البينونة-: عليه الحد، سواء استلحق الثاني صريحاً، أو سكت عن نفيه حتى لحقه.
وإن كان نفي الأول في صلب النكاح- نظر: إن استلحق الثاني صريحاً، حتى لحقه الولدان-: عليه حد القذف؛ كما لو أكذب نفسه.
وإن سكت عن نفيه حتى لحقاه-: فلا حد عليه؛ بخلاف ما بعد البينونة؛ لأن اللعان بعد البينونة ليس إلا لنفي النسب، وإذا التحق به النسب: لم يبق اللعان حكم، فحد، وفي صلب النكاح: اللعان أحكام أخر سوى نفي النسب، ولم ترتفع تلك الأحكام بلحوق النسب؛ فلم يلزمه الحد، إذا لم يصرح بالإلحاق.
أما إذا أتت بالولد الثاني لستة أشهر فصاعداً من وقت وضع الأول- نظر: إن ولدت الأول في صلب النكاح-: يلحقه الثاني، إلا أن ينفيه بلعان جديد بعد بيان سبب النفي.
وإن لم ينفه لحقه الثاني دون الأول؛ لأنه حمل آخر، ويجعل كأنه أعلقها بعد وضع الأول قبل اللعان.
وإن ولدت الأول بعد البينونة-: فالثاني منفي عنه بلا لعان؛ لأن عدتها قد انقضت بوضع الأول؛ فلا يتصور حصول الثاني في النكاح.
أما إذا نفى الحمل باللعان في النكاح، أو بعد البينونة، فأتت بولدين بينهما دون ستة أشهر-: فهما منفيان عنه؛ لأنه لاعن على نفي الحمل، والحمل اسم لجميع ما كان في بطنها، فإن استلحق أحدهما-: لحقاه جميعاً، وعليه الحد، ولا يرتفع تأبد التحريم.
وإن كان بين الولدين ستة أشهر فصاعداً-: فالأول منفي عنه باللعان، والثاني منفي بلا لعان، ولو أتت امرأته بتوأمين، فمات أحدهما قبل اللعان-: فله أن يلاعن، وينفي الحي والميت جميعاً.
وقال أبو حنيفة: إذا مات أحدهما استحكم نسبهما، ولا نفي له؛ لأنه ورث الميت.
وعندنا: الميراث موقوف، فإن نفاه-: لم يرثه، ولو نفى نسب مولود، فمات المولود عن مال؛ أو قتل، ثم استلحقه النافي بعد الموت-: لحقه، وأخذ ميراثه وديته، سواء كان الميت خلف ولداً، أو لم يخلف، فلا يجعل متهماً؛ لأن الظاهر: أن الإنسان لا يستلحق

نسب الغير، ويلزم ظهره الحد؛ لأجل حطام الدنيا.
وقال أبو حنيفة: إن خلف الميت ولداً-: صح استلحاقه؛ وألا فلا.
فَصْلُ إذا تقاذف رجلان-: حد كل واحد منهما لصاحبه، ولا يتقاصان؛ لأن القصاص لا يجري في الحد، لاختلاف المحل.
ولو قال رجل لامرأته: يا زانية، فقالت: بل أنت زان-: فكل واحد منهما قاذف لصاحبه، إلا أن الزوج إذا لاعن-: سقط عنه حدها، ولا يسقط حد قذف الزوج عن المرأة باللعان إلا ببينة تقيمها أو إقرار من جهته.
وقال أبو حنيفة: لا حد على واحد منهما ولا لعان، وقال: لأني لو بدأت بحد المرأة-: صارت محدودة في القذف، وإن بدأت بالزوج، فلاعن-: أستقبح أن ألاعن بينهما، ثم أحدها، وأقبح من ذلك تعطيل حكم الله، عز وجل.
ولو قالت [المرأة لزوجها] زنيت بك-: فهي قاذفة له مقرة على نفسها بالزنا، فعليها حد القذف و [حد] الزنا، ويبدأ بحد القذف؛ [لأنه حق الآدمي، فإذا رجعت-: سقط عنها حد الزنا، ولا يسقط حد القذف] ولو قالت [المرأة]: ما عنيت به القذف-: لا يقبل قولها.
أما إذا الزوج لها أولاً: يا زانية، فقالت: زنيت بك-: سئلت: فإن قالت: عنيت به حقيقة الزنا-: فهي قاذفة للزوج، مقرة على نفسها بالزنا؛ فيسقط عن الزوج حد القذف واللعان، وعليها حد القذف وحد الزنا.
أما إذا قالت المرأة عنيت به نفي الزنا، أي: كما أنك لم تزن، فأنا ما زنيت، أو لم يصبني غيرك، فإن كان ذلك زنا، فأنت أعلم-: يقبل قولها مع يمينها؛ لأن العادة قد جرت بنفي الفعل بهذه العبارة عند المقابلة؛ كما يقول الرجل لآخر سرقت، فيقول: سرقت معك، يريد نفي السرقة [عن نفسه] وعنه، ثم إذا حلفت-: فلا حد عليها، وعلى الزوج الحد إلا أن يلاعن.
أما إذا قال لأجنبية: أنت زانية، فقالت: زنيت بك-: فلا يحتمل هذا الإقرار إلا بالزنا، فيسقط عن الرجل حد القذف، وعليها حد الزنا وحد القذف.

قال الشيخ: ولو قالت المرأة لزوجها يا زاني، فقال: زنيت بك-: فهو كالزوج يقول لها فتجيبه.
ولو قال رجل لامرأته: يا زانية، فقالت: بل أنت أزنى مني-: فلا تكون قاذفة؛ لأنها تريد أهدى إلى الزنا مني، إلا أن تريد قذفاً.
وكذلك: لو قال رجل لآخر ابتداء: أنت أزنى الناس، أو أزنى مني، أو أزني من فلان-: فلا يكون قذفاً، إلا أن يريده؛ لأنه لم يثبت زنا فلان، حتى يكون هذا قذفاً.
فأما إذا خرج، فقال: في الناس زناة، وأنت أزنى منهم، [أو أنت أزنى الناس]-: فهو قذف له، وعليه الحد، ولا حد عليه لسائر الناس؛ لأنه لم يعين أحداً؛ كما لو قال: في هذه السكة زناة، ولم يعين أحداً-: لا حد عليه.
ولو قال: فلان زان، وأنت أزنى منه-: فهو قاذف لهما.
وكذلك: لو قال لزوجته: يا زانية، فقالت: أنا زانية، وأنت أزنى مني، أو قالت ابتداءً: أنا زانية، وأنت أزنى مني-: فعليها حد القذف وحد الزنا، ولا حد على الزوج ولا لعان؛ لأنها أقرت بالزنا على نفسها.
ولو قالت: أنت أزنى من فلان، [وسمت رجلاً] وقد ثبت زنا فلان بإقراره أو ببينة- نظر: إن كان هذا القائل جاهلاً به-: فلا يكون قذفاً، ويقبل قوله: إنه كان جاهلاً؛ كما لو ثبت زنا فلان بعد هذا القول.
وإن كان عالماً-: فهو قذف لهما؛ فيحد لهذا الذي خاطبه، ويعذر لفلان؛ لأنه مهتوك العرض بثبوت زناه.
ولو قال: يا زانية، إن شاء الله [فهو قذف] لأن الاستثناء لا يعمل في الأسامي؛ كما لو قال لامرأته: يا طالق، إن شاء الله-: [طلقت].
فَصْلُ إذا قال لرجل: زنيت- بالكسر- على خطاب النساء، أو لامرأته: زنيت- بالفتح-: فهو قذف.
ولو قال لامرأته: يا زاني أو يا زان، وحقف علامة التأنيث-: يكون قذفاً بالاتفاق؛

لأنه الترخيم في كلام العرب معروف؛ يقولون لمالك: يا مال، ولحارث: يا حار.
أما إذا قال للرجل: يا زانية-: فهو عندنا قذف.
وعند أبي حنيفة: ليس بقذف؛ بخلاف الأول؛ لأن آخر الكلام يحذف للترخيم، ولأنه تزاد الهاء للمبالغة؛ كما يقال رجل علامة ونسابة، ولو قال لامرأته: زنيت من قبلك-: فهو قذف لها، ولو قال لرجل: زنيت من قبلك-: لا يكون قذفا؛ لأن زناه من القبل لا فيه، إلا أن يريد القذف.
ولو قال: زنأت في الجبل-: لا يكون قذفاً؛ لأن عبارة عن الصعود، إلا أن يرد القذف.
فإن ادعى المقول له أنه أراد به القذف-: فالقول قول القائل مع يمينه.
وقال أبو حنيفة: هو قذف.
ولو قال: زنيت في الجبل، أو يا زانية في الجبل-: فهو قذف، وقال صاحب "التلخيص": ليس بقذف إلا أن يريده.
ولو قال زنأت في البيت-: فالمذهب أنه قذف.
ولو قال: زنأت مطلقاً-: ففيه أوجه: أظهرها: ليس بقذف، إلا أن يريده-: لأن ظاهره الصعود.
والثاني: هو قذف؛ لأن الياء قد تهمز؛ كما يقال: زويت وزوأت.
والثالث: إن كان الرجل لا يحسن العربية-: فهو قذف؛ لأن من لا يعرف اللغة قد يخطئ بالهمز وإسقاطه.
وإن كان يحسنها-: فلا يكون قذفاً إلا أن يريده.
وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية: فالصريح: أن يقول: يا زانية، أو زنيت، أو زنا قبلك أو دبرك أو فرجك، ولو قال: زنا بدنك-: ففيه وجهان: أحدهما: هو كناية، كقوله: زنا يدك؛ لأن حقيقة الزنا من الفرج؛ فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة.
والثاني: هو صريح- وهو الأصح- لأنه أضافه إلى جميع البدن، والفرج منه.
ولو أضاف إلى سائر الأعضاء، فقال: زنا يدك، أو رجلك، أو عينك-: فلا يكون

قذفاً إلا أن يريده؛ لأن ظاهر هذا الكلام اللمس والنظر؛ بدليل أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، ويُصَدِّقَ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ"؛ فبين أن الزنا لا يتحقق من هذه الأعضاء إلا بمعاونة الفرج.
ونقل المزني أنه قذف.
فمن أصحابنا من جعل على قولين.
والمذهب: أنه ليس بقذف، والنقل [وقع] خطأ.
أما الكنايات؛ مثل: أن يقول: يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة، يا قوادة، يا مؤاجرة، يا غلمة، يا شبقة، يا بنت الحرام، وامرأتي لا ترد يد لامس-: فلا يكون قذفاً إلا أن يريده.
وكذلك: لو قال العربي: يا نبطي، أو لنبطي: يا عربي، أو لهندي: يا تركي، فإن أراد به القذف-: فهو قذف لأم المقول له؛ وألا فلا.
وإن قال: عنيت به نبطي الدار أو اللسان، وادعت أم المقول له أنه أراد به القذف-: فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل حلفت وحدها، إن كانت محصنة، وإن لم تكن محصنة-: عزر، وإطلاقه محمول على أم المقول له.
وإن قال: عنيت قذف جدتك- نظر: إن عين جدة مسلمة- حد لها، وإن عين جدة كافرة-: عزر بعد ما يحلف أنه أرادها.
وإن قال عنيت جدة لا بعينها-: لا حد عليه، ويعزر؛ كما لو قال: أحد أبويك زان.
ولو قال: يا لوطي-: فلا حد عليه، إلا أن يريد أنه يعمل عمل قوم لوط؛ فيجب عليه الحد.
ولو قال: لطت أو: لاط بك فلان باختيارك-: فهو قذف.
ولو قال: أتيت بهيمة: إن جعلناه زنا- يجب به الحد؛ وألا فلا.
أما التعريض: فليس بقذف، وإن أراده؛ وذلك مثل قوله يا بن الحلال، أما أنا فما زنيت، وليست أمي زانية، وأشباهها.
وعند مالك- رضي الله عنه- كلها قذف.
وقيل: التعريض كناية، إذا نوى به القذف [فهو كناية، بقوله: الحلال بن الحلال، وما

أنا بزان ونحوه] وإن لم ينو-: فليس بقذف، سواء قاله في حال الرضا أو الغضب.
وقال أحمد وإسحاق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا.
أما ما لا يحتمل القذف؛ لقوله: يا بارك الله فيه، قد أحسن الله جزاءك، وما أحسن وجهك-: فليس بقذف، وإن نوى.
وحد القذف إنما يجب بالنسبة إلى الزنا فحسب، فلو أداه بكلام قبيح؛ بأن قرطبة أو ديته ونحو ذلك، أو نسبه إلى كبيرة غير الزنا من سرقة أو شرب خمر أو قتل أو نحوه-: يعزر للأذى ولا حد عليه؛ لأن الزنا أمر مستقبح يستنكف منه في جميع الأديان، فكان أمره أغلظ.
فَصْلُ [فِي بَيَانِ الإِحْصَانِ] قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [سورة النور: 4].
حد القذف إنما يجب بقذف المحصن، وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفة من الزنا.
ولو قذف كافراً أو عبداً أو صبياً، أو مجنوناً أو من قد زنا مرة-: فلا حد عليه، بل يعزر للأذى، حتى لو زنا في عنفوان شبابه مرة، ثم تاب، وحسنت حالته، وشاع في الصلاح-: لا يحد قاذفه.
وكذلك: لو زنا كافر أو رقيق، ثم أسلم وعتق، وصلحت حالته، فقذفه قاذف-: لا حد عليه؛ بخلاف ما لو زنا في حال صغره أو جنونه، ثم بلغ، وأفاق فقذفه قاذف-: يجد قاذفه؛ لأن فعل الصبي والمجنون-: لا يكون زنا.
ولو قذف محصناً: فقبل أن يحد القاذف: زنا المقذوف-: سقط الحد عن قاذفه.
ولو ارتد أو جن قبل أن يحد القاذف-: لا يسقط الحد عن قاذفه؛ لأن الكفر والجنون السابق لا يمنعان وجوب حد القذف، إذا لم يقترنا بالقذف، فالطارئ منهما لا يسقط الحد، والزنا السابق يمنع وجوب الحد، فالطارئ يسقطه؛ وهذا لأن الزنا يورث ريبة في حالة فيما

مضى؛ لأنه أمر يستتر، والله عز وجل كريم لا يهتك ستر عبده بأول مرة يرتكب المعصية، فبظهوره يعلم أنه كان [منصفاً/ به من قبل؛ روي أن رجلاً زنا في عهد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فقال: والله، ما زنيت إلا هذه.
فقال] عمر: كذبت؛ إن الله لا يفضح عبده أول مرة.
بخلاف الردة؛ فإنها عقيدة قلما يخفيها الإنسان، فلو كان يعتقدها من قبل لأظهرها، فإظهاره لا يورث ريبة فيما مضى، فلم يحكم ببطلان حصانته من قبل.
وقال المزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف؛ كالردة الطارئة.
وقال أبو حنيفة: الردة الطارئة تسقطه؛ كالزنا الطارئ.
ولو قذف رجل زوجته، ثم زنت-: سقط عنه الحد واللعان، إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه، فله أن يلاعن.
واللواط يبطل الحصانة كالزنا، وإنما يبطل إحصان الفاعل دون المفعول؛ بخلاف الزنا: يبطل به إحصان الزانيين؛ لأن التحصين لا يحصل بالتمكين في الدبر؛ فلا يبطل به، ويحصل بفعل القبل، فيبطل به.
قال الشيخ- رحمه الله-: وجب أن يبطل إحصانهما جميعاً؛ فإن الحد يجب عليهما جميعاً.
ولو قال له رجل لاط بك فلان-: كان قاذفاً، فلو لم يبطل إحصانه-: لم يجعل ذلك قذفاً موجباً للحد-: كغيره من الكبائر.
أما الوطء الحرام الذي لا يوجب الحد-: هل يبطل الحصانة؟ نظر: إن كان تحريمه لعارض في الملك يزول؛ مثل: أن وطئ زوجته أو أمته في حال الإحرام والصوم أو الاعتكاف، أو في حال الحيض، أو النفاس، أو وطئ زوجته المظاهرة عنها قبل التكفير-: لا يبطل الحصانة.
ولو وطئ زوجته المعتدة من الغير، أو أمته المزوجة أو المعتدة، أو في مدة الاستبراء أو أمته المرتدة، أو المجوسية، أو الوثنية-: فعلى وجهين: أحدهما: يبطل حصانته؛ لأنها محرمة.
والثاني: لا يبطل، بشبهة الملك، وكذلك: لو وطئ امرأته في دبرها.
ولو وطئ أمته التي هي أخته من النسب، أو هي أمته وأخته من الرضاع-: يبطل

إحصانه؛ لأنها محرمة على/ التأبيد.
وقيل: إن قلنا: يجب الحد بوطئها-: فيبطل إحصانه.
وإن قلنا: لا يجب-: لا يبطل.
ولو وطئ جارية.
ابنه- يبطل إحصانه، ذكره صاحب "التلخيص".
وهو كما ذكر؛ لأنه تعمد، فإن كان غالطاً-: فهو كوطء الشبهة.
وكذلك: لو وطئ الجارية المشتركة بينه وبين غيره، أو مكاتبته، أو زوجته الرجعية.
وقيل: لا يبطل إحصانه في هذه المواضع؛ لشبهة الملك.
ولو وطئ امرأة بالشبهة؛ بأن وجدها على فراشه، فوطئها على ظن أنها زوجته، أو اشترى جارية، فوطئها، فخرجت مستحقة، أو وطئ بالنكاح الفاسد؛ مثل النكاح بلا ولي ولا شهود، أو في النكاح بالإحرام، أو نكاح متعة أو شغار-: هل يبطل إحصانه؟ فيه وجهان، عالماً كان أو جاهلاً: أحدهما: يبطل؛ لأنه وطء حرام لم يصادف ملكاً.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه وطء يلحق به النسب، ولا يجب به الحد؛ كوطء الزوجة في الحيض، ولو أن كافراً أسلم حديثاً، فغصب امرأة، فوطئها، وقال: ظننته حلالاً-: لا يبطل به إحصانه.
وكذلك: لو نكح مجوسي أمه، فوطئها، ثم أسلما، والله أعلم بالصواب.
بَابُ الشَّهَادَةِ فِي اللِّعَانِ شهادة الرجل على زوجته بالزنا-: لا تقبل؛ خلافاً لأبي حنيفة؛ حيث قال: تقبل؛ وذلك لأن المرأة إذا زنت، ولطخت فراش زوجها-: ظهرت بينهما من العداوة ما لا تكاد عداوة تبلغه، وشهادة العدو على العدو-: لا تقبل؛ بخلاف ما لو شهد على أمه، أو أخته، أو على أمته بالزنا-: تقبل؛ لأن زنا الأم والأخت لا يثبت بينهما وبين الولد من العداوة ما يحمله على إلحاق العار بهما بإظهار زناهما؛ ولذلك: شرع اللعان في قذف الزوجة دون غيرها.
ولو شهد الزوج مع ثلاثة على زوجته بالزنا-: فالزوج قاذف، يجب عليه الحد، إلا أن يلاعن؛ لأن قوله ليس بشهادة، والثلاث شهود، ولم يتموا أربعة- ففي وجوب حد القذف عليهم قولان.

ولو أقام الزوج أربعة من الشهود على زنا المرأة، أو على إقرارها بالزنا-: سقط عنه الحد واللعان، إلا أن يكون ثم ولد يريد نفيه-: فله أن يلاعن.
ولو أقام شاهدين على إقرارهما بالزنا-: فهل يجب عليها حد الزنا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب، حتى يقيم أربعة، بنفس الزنا: لا يثبت إلا بأربعة.
والثاني: يجب، لأنه شهادة على القول؛ فلا يشترط فيه عدد الأربع؛ كسائر الأقارير.
فإن قلنا: يجب عليها حد الزنا-: سقط عن الزوج الحد واللعان، فلو رجعت عن إقرارها-: سقط عنها الحد، ولا يقبل رجوعها في حق الزوج، حتى لا يتوجه عليه اللعان، ولا يجب عليه الحد، وكذلك: لو أقام أربعة على إقرارها بالزنا، فرجعت.
فإن قلنا: لا يجب عليها حد الزنا بشهادة شاهدين على إقرارها-: فالحد سقط عن الزوج واللعان؛ كما لو أقام أربعة من الشهود على زناها، فأقامت هي أربعة نسوة على أنها عذراء-: سقط الحد عنه، ولا يجب عليها.
ولو لم يكن للقاذف بينة، فادعى زنا المقذوف-: هل له تحليفه؟ فيه قولان: أظهرهما- وهو المذهب-: ليس له تحليفه؛ [لأن اليمين لطلب الإقرار، وهو بعدما أقر: يستحب له أن يرجع، فكيف يجبر على الإقرار.
وفيه قول آخر: له تحليفه] لحق القاذف: فإن قلنا: يحلف فإن كان في الزوجة: فإن حلفت: حد الزوج إلا أن يلاعن، وإن نكلت-: حلف الزوج، وسقط عنه حد القذف واللعان، ولكن لا يجب عليه حد الزنا؛ لأن الزنا لا يثبت بالنكول ورد اليمين؛ كما لو ادعى عليه سرقة، فأنكر، ونكل عن اليمين، وحلف المدعي- يثبت المال، ولا يثبت القطع.
وكذلك: لو قذف ميتاً، وطلب وارثه الحد، فطلب القاذف يمين الوارث أنه لا يعلم أن مورثه كان كذا-: نص الشافعي- رضي الله عنه- أنه يحلف وارث المقذوف أنه لا يعلم أن مورثه زنا-: فحينئذ: يحد القاذف، وهذا- أيضاً- لاختلاف الذي ذكرنا.
ولو ادعى القاذف أن له بينة على زناها، واستمهل/ يوماً أو يومين-: يمهل، ولا يجاوز الثلاث، ويحبس في زمان الإمهال.

فَصْلُ إذا قذف إنساناً، ثم المقذوف شهد على القاذف بحق لإنسان- نظر: إن شهد قبل طلب [الحد]-: يقبل، سواء عفا عن الحد أو لم يعف، ثم له طلب الحد بعده، وإن شهد بعد ما طلب الحد-: لا يقبل؛ لظهور العداوة بينه وبين المشهود عليه.
فلو عفا بعد ما شهد، ثم أعاد الشهادة-: لا تقبل؛ كالفاسق: إذا شهد وردت شهادته، ثم تاب، وأعاد تلك الشهادة-: لا تقبل.
ولو شهد قبل طلب الحد، ثم طلب قبل أن يحكم الحاكم بشهادته-: لا يحكم؛ كما لو فسق الشاهد قبل الحكم.
أما إذا شهد رجل على آخر بحق، ثم المشهود عليه قذف الشاهد-: لا تبطل به شهادته، وإن طلب الحد؛ لأنا لو رددنا بمثله الشهادة-: صارت ذريعة إلى سقوط الشهادات؛ وذلك أن كل من أراد إبطال شهادة شاهد على نفسه قذفه.
فلو شهد رجل على رجل أنه قذفني فلان، أو قال: قذف زوجتي وفلاناً-: لا تقبل شهادة الأجنبي؛ فإنه لما ذكر أنه قذفني، أو قذف زوجتي-: فقد أظهر العداوة بينه وبين المشهود عليه، وشهادة العدو-: لا تقبل على العدو.
أما إذا شهد أنه قذف أمي وفلاناً فشهادته للأم غير مقبولة، وهل تقبل [لفلان]؟ فعلى قولي تبعيض الإقرار؛ بخلاف المسألة الأولى؛ لأن رد الشهادة هناك لمعنى بين الشاهد والمشهود عليه، وهو العداوة [فيعم]، والرد ههنا بين الشاهد والمشهود له، وهو البغضة، فلا يورث تهمة في حق غير الأم.
ولو شهد أنه قذفني فلان فردت شهادته، ثم عفا عن قذفه، وحسن الحال بينهما، فأعاد الشهادة لفلان-: لا تقبل؛ لأن هذه الشهادة ردت بالتهمة، فلا تقبل إذا أعادها؛ كالفاسق-: ترد شهادته، ثم يتوب لا تقبل، والله أعلم.
فَصْلُ إذا شهد شاهدان على حادثة، واختلفت شهادتهما لمكان، أو زمان، أو وصف-: لا يجمع بينهما؛ سواء فيه القذف والقتل والنكاح والبيع وغيرها؛ مثل أن ادعى على إنسان، قذفاً، وأقام شاهدين، فشهد أحدهما أنه قذفه في البيت، وشهد الآخر أنه قذفه في السوق،

جارٍ التحميل