التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 52-91

فنقول: الجناية إذا كانت مضمونةً، لم يجز أن تكون سرايتها غير مضمونةٍ بتبدل المستحق، كما لو جنى على ذمي، فأسلم، ثم مات- تجب ديةٌ كاملةٌ، وإن كان مستحق ماله بعد الإسلام غير مستحقة لو مات كافراً، ولو قطع إصبع نصرانيٍّ، فأسلم، ثم سرى إلى الكفِّ، ووقف - فعلى الجاني عُشرُ دية ذميٍّ للإصبع، وأربعةُ أخماسِ دية يد مسلمٍ، وكذلك لو قطع إصبع عبد، فعتق ثم سرى إلى الكف، فعليه عُشرُ قيمته للسيد، وأربعة أخماس دية حُرٍّ للمعتق، ولو قطع ذميٌّ يد ذميٍّ، فاقتص من القاطع، ثم أسلم المجني عليه، ومات بالسراية، أو قطع ذمي يد مسلم، فاقتص، ثم مات المسلم بالسراية فلوليه أن يقتص من الجاني، فلو عفا فعلى الجاني خمسةُ أسداسٍ ديةٍ مسلمٍ، ويسقط سُدسها، وهي دية يد ذمي.
فمنه وجه آخر: أنه يجب نصف الدية؛ لأن يد الذمي إذا استوت بيد المسلم - لا يجب شيء آخر، ولو قطع ذمي يدي مسلمٍ، واقتص، ثم مات المسلم بالسراية- فللولي قتله، وإذا عفا على الدية - فعلى الوجه الأول: يأخذ ثلثي الدية؛ لأنه أخذ ما يقابله ثلث دية المسلم، وعلى الوجه الآخر: لا شيء له؛ لأنه إذا رضي أن يأخذ نفس [الذمي بنفس] المسلم - لا يكون له دية، وكذلك: لو قطعت امرأة يد رجل، واقتص، ثم مات المجنيُّ عليه بالسراية، ووقفت يد الجاني - فللولي قطعها، فلو عُفي على الدية، يجب ثلاثة أرباع الدية؛ لأنه يستوفي يداً بدلها ربُعُ نفس الرجل.
وقيل: يجب نصف الدية، لأن يدها تقابل يد الرجل عند القطع.
والأول أصح؛ لأن يدها إنما تقابل يده، إذا وقفت الجناية، فأُقيدت بها، فذا صارت الحادثة نفساً فاستيفاء يدها كاستيفاء ربع الدية، ولو قطعت يدي رجلٍ، فاقتص، ثم مات المجني عليه بالسراية، وعفا الوليُّ عن النفس على الدية - يجب نصف الدية على الوجه الأول، وعلى الثاني: لا يجب شيء.
وعلى هذا: لو قطع عبدٌ يد حرٍّ، فاقتص، ثم مات المجني عليه بالسراية، ثم عتق العبد، ووقفت يده، وعفا الولي عن القصاص في النفس - ماذا يجب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط من دية الحر بقدر نصف قيمة العبد، وعلى السيد أقل الأمرين من باقي

الدية، أو كمال قيمة العبد؛ لأنه بالعتق صار مختاراً للفداء.
والوجه الثاني: تسقط نصف الدية، وعلى السيد أقل الأمرين من نصف دية الحر، أو كمال قيمة [العبد] ولو تغير حال المجني عليه من الضمان إلى الهدر، فمات - لا يجب إلا ضمان الجراحة؛ مثل: إن جرح مسلماً، فارتد المجروح، ثم مات بالسراية، أو جرح ذمياً، فنقض العهد، ثم مات بالسراية - فلا قود في النفس، ولا دية، ولا كفارة، ولأن الكفارة لإتلاف النفس، والنفس غير مضمونةٍ، ويجب ضمان الجرح، ويكون فيئاً.
وإن كان قد قطع طرفاً في حال الإسلام، فارتد المجروح، فإن عاش له طلب القود في حال الردة، وإن كان موجباً للمال؛ فإن قلنا: ملكه باق - أخذ الدية، وإن قلنا: ملكه زائلٌ، فلا يأخذ، بل يوقف، فإن عاد إلى الإسلام - أخذ، وإلا أخذه السلطان.
وإن مات في الردة، فهل لوارثه أن يقتص عن طرف الجاني؟ نص الشافعي - رضي الله عنه - على أن لوليه أن يقتص.
قيل: أراد بالولي السلطان؛ لأن المرتد لا يورث منه؛ كما لو كانت الجناية موجبة للمال، يأخذ السلطان لا الوارث؛ وهذا على قولنا: إن من قُتِلَ، ولا وارث له - يجوز للسلطان أن يستوفي القصاص، وفيه قولان فإن قلنا: هناك: لا يستوفي السلطان [القصاص]- فلا قصاص ههنا.
ومن أصحابنا من قال: أراد بالوليِّ القريب، وهو الأصح؛ وعليه الأكثرون؛ فكل من كان وارثاً [له] قبل الردة، فله أن يستوفي، فإن كان القريب صغيراً، أو مجنوناً - توقف حتى يبلغ، أو يفيق؛ فيستوفي، وإنما أثبتنا للقريب أن يقتص من طرفه؛ لأن القصاص لدرك الغيظ، والتشفي؛ فثبت ذلك للقريب الوارث، وإن كان لا يرث المال، فإذا عفا - أخذ الإمام المال كما لو قُتِلَ رجلٌ، وعليه دينٌ- ثبت القصاص للوارث، فإذا عفا - كانت الدية للغرماء، ولو قطع أطراف مُسلمٍ، فارتد، ثم مات بالسراية - فماذا يلزمه؟ فيه وجهان:

أصحهما: يجب الأقل من دية الأطراف، أو دية النفس؛ لأن دية الأطراف: إن كانت أقل فالسراية كانت في الردة؛ فلا تكون مضمونة، وإن كانت دية النفس أقل فهو [كما] لو مات مسلماً لا يجب أكثرُ منها، فإذا مات في الردة أولى ألا يزاد عليها.
والوجه الثاني، وإليه ذهب الإصطخري: تجب عليه دياتُ الأطراف؛ فالردة تقطع حكم السراية كالاندمال؛ لأن الطرف إنما يتبع النفس إذا وجب ضمان النفس بتلك الجناية، وههنا: لا يجب ضمان النفس؛ بدليل أنه لو كان أرش الطرف أقل بأنه أوضحه، أو قطع إحدى يديه، وارتد فمات لا يزاد على أرش الطرف؛ وعلى هذا: لو قطع يد نصراني فتمجس، ثم مات بالسراية فإن قلنا: النصراني إذا تمجس يُقرُّ على المجوسية [فعلى الجاني دية مجوسي؛ اعتباراً بحال الاستمرار، وإن قلنا: لا يُقر على المجوسية]، فهو المسلم يرتد؛ فعلى قول الإصطخري عليه دية طرف نصراني، وعلى الوجه الأول: عليه الأقل من دية طرفه، أو دية نفسه.
ولو جرح مسلماً، فارتد المجروح، ثم أسلم، ثم مات بالسراية- تجب الديةُ، والكفارة، ونص على أنه لا يجب القود في النفس، وقال فيها لو جرح ذميٌّ ذميًّا، أومستأمناً، فنقض المجروح العهد، ثم عاد إلى العهد، فمات بالسراية، فهل يجب القود في النفس على الجاني؟ فيه قولان، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين.
أحدهما: يجب القود، لأن دمه كان مضموناً بالقصاص من حالتي الجرح، والموت.
والثاني: لا يجب؛ لأنه تخلل بينهما حالة الهدر، فيصير شبهة في سقوط القصاص.
ومنهم من قال، وهو الأصح: إن طال زمانُ الهدر بحيث حصل فيه شيءٌ من السراية، لا يجب القود، وإن قصر بحيث لم يحصل فيه شيءٌ من السراية - فعلى قولين: فإن قلنا: يجب القود- فعند العفو يجبُ كمالُ الدية.
وإن قلنا: لا يجب القود.
فإن قصر زمان الردة؛ بحيث لم يوجد منه سراية - يجب

كمالها، وإن طال - ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب كمالها؛ لأن الجرح والموت - في حال الضمان.
والثاني: وهو قول ابن سريج: يجب ثلثاها؛ لأن له حالتي ضمان وحالة هدرٍ.
والثالث: وهو الأصح: يجب نصفها، ونجعل حالتي الضمان كحالة واحدة.
ولو جرح مرتداً، فأسلم، ثم عاد، فجرحه، ومات منهما - يجب عليه نصف الدية، كما لو كان الجارح اثنين جرحه أحدهما في حال الردة، والآخر بعد الإسلام، وتاب فجرحه ثانياً - يجب على الثاني نصفُ الدية، فلو جرح مرتداً، فأسلم فجرحه ثانياً، ثم ارتدَّ، فجرحه ثالثاً، ثم أسلم، ومات بالسراية - كم يجب عليه من الدية؟ فيه وجهان: أحدهما: ثلثها؛ لأنه مات بثلاثِ جراحاتٍ: اثنتان في حالة الهدر، واحدة في حالة الضمان،- يجب على الجارح في حالة الضمان ثلثها.
والثاني: يجب عليه نصف الدية، يجمع بين حالتي الهدر، كما لو كان الجارح اثنين، جرح أحدهما في حالة الهدر جرحين، والآخر من حالة الضمان جرحاً واحداً - يجب على الجارح في حالة الضمان نصفُ الدية، ولو جرح مرتداً، فأسلم، ثم جاء رجلان، وجرحاه، فمات من الكل - يجب على الجارحين في الإسلام ثلثا.
الدية، على كل واحدٍ ثلثها؛ لأنه مات بجناية ثلاثة: واحدة منها هدرٌ، ولو عاد الجارح في الردة مع رجل آخر، فرحاه بعد الإسلام، فمات - فعلى الأول ربعُ الدية، وعلى الثاني نصفها؛ لأن الأول حالتين حالة ضمانٍ، وحالة هدرٍ، والدية توزع على عدد رؤوس الجناة، وإن كانت جناية البعض أكثر [من البعض]، ثم ما يخص كل واحد منهم، يوزع على أحواله من الضمان، والهدر، والعمد، والخطإ، [وما يقابل حالة الهدر - لا يجب] فما يقابل حالة الضمان - يجب، وما يقابل العمد يكون مغلظاً في حالة؛ [وما يقابل الخطأ - يكون على العاقلة] حتى لو عاد الجارح في الردة مع رجلين آخرين، وجرحوه بعد الإسلام، فمات من الكل، يجب على كل واحدٍ من الجارحين في الإسلام ثلث الدية، وعلى الأول سدسها، والسدس هدرٌن ولو جرح مرتداً، فأسلم، فجرحه ثانياً، ثم ارتد فجرحه ثالثاً، ثم أسلم، فجاء آخر، وجرحه، ومات من

الكل، فعلى الآخر نصف الدية.
وماذا يجب على الأول؟ فيه وجهان: أحدهما: سدس الدية؛ لأن له حالتي هدرٍ وحالة ضمان.
والثاني: ربعها جمعاً بين حالتي الهدر.
ولو جرح رجلاً خطأ، ثم جاء مع آخر، وجرحاه عمداً، ومات من الكل - فعلى الثاني نصف الدية مغلظة في ماله [، وعلى الأول نصفها: النصف منه، وهو من الربع حقه مغلة في ماله].
فصل في تبدُّل الحالتين بين الرمي والإصابة إذا رمى سهماً إلى إنسان، فتغير حال المرمي إليه، ثم أصابه - فلا يجب القصاص حتى يكون ممن يجب القصاص بقتله من حالة الرمي إلى الإصابة، فنعتبر في القصاص الطرفين، والواسطة؛ كما في سراية الجراحة، وكذلك في تغير حال الرامي، وكذلك في تحريم الأكل، ووجوب جزاء العبيد يعتبر الطرفان والواسطة؛ حتى لو رمى إلى صيدٍ، وكان الرامي من أحد طرفي الرمي، أو في الواسطة، مرتدًّا، أو مجوسياً - لا يحل الصيد، ولو كان في أحد الطرفين محرماً - يجب الجزاء، أما الضمان: فإن كان المرميُّ إليه مضمونَ الدم من حالتي الرمي والإصابة، فالاعتبار في قدر الضمان بحالة الإصابة مثل إن أرسل على ذمي، فأسلم، ثم أصابه، أو إلى عبد، فعتق، ثم أصابه - يجب عليه دية حر مسلم، ولا قود إذا كان الرامي حراً مسلماً، وكذلك لو تبدل حال الرامي بأن رمى عبدٌ إلى عبدٍ، فعتق الرامي، ثم أصابه، أو رمي ذميٌّ إلى ذميٍّ، فأسلم الرامي، ثم أصابه - لا يجب القود؛ لأنه لم يكن مما يقاد به في حالة الإصابة، وإن كان مضمون الدم حالة الرمي دون حالة الإصابة - فلا ضمان؛ مثل: إن رمى إلى مسلم، فارتد، ثم أصابه، أو إلى ذميٍّ، فنقض العهد، ثم أصابه - فلا شيء على الرامي، وكذلك في تبدل حال الرامي بأن رمي ذميٌّ إلى إنسان، فنقض العهد، ثم أصابه لا شيء عليه، وإن كان مضمون الدم حالة الإصابة دون حالة الرمي، مثل: إن رمي إلى مرتد، أو إلى حربي، فأسلم، ثم أصابه، فقد قيل: لا شيء عليه؛ كمالو جرح مرتداً، أو حربياً، فأسلم، ثم مات بالسراية - لا يجب عليه شيء.

والصحيح من المذهب: أنه تجبُ الدية بخلاف الجرح؛ لأن ثم تحققت الجناية في حالة الهدرن فلم يجب ضمان سرايتها، وههنا: تحققت الجناية بالإصابة، والإصابة كانت في حالة الضمان، وقيل: إذا رمى إلى حربيٌّن فأسلم، ثم أصابه لا يجب الضمان، وفي المرتدِّ يسلم - يجب؛ لأن قتل الحربي مباحٌ لكل أحد، وقتل المرتد إلى الإمام، حتى لو كان الرامي إلى المرتد هو الإمام، فأصابه بعد الإسلام - لا شيء عليه؛ وكذلك لو رمى إلى عبدِ نفسه، فعتق، ثم أصابه، أو إلى قاتل أبيه الذي له عليه القصاص، فعفا ثم أصابه - لا قود عليه، وفي الدية وهان أصحهما: يجب قال الشيخ رحمه الله: وكذلك لو تبدل حال الرامي بأن رمي حربي إلى مسلم، فأسلم الرامي، فأصابه - فلا قود، وتجب الدية؛ على أصح الوجهين.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: الاعتبار بحالة الرمي حتى لو رمى إلى عبد، فعتق، ثم أصابه - تجب القيمة، ولو رمى إلى مسلم، فارتد، ثم أصابه - تجب الدية، ولو رمى إلى مرتد، فأسلم، ثم أصابه، أو إلى عبد نفسه، فأعتقه، ثم أصابه - لا ضمان عليه، فنقول: أجمعنا على أنه لو رمى إلى عبدٍ صحيح، فشلت يده، ثم أصابه - تجب قيمته بحالة الإصابة، وكذلك إذا عتق وجب أن يعتبر حالة الإصابة.
فصل في تبدل العاقلة في قتل بين الجناية والسراية إذا تبدل حالُ الرامي بين الرمي والإصابة في الخطأِ، فلا يحملُ الدية إلا من كان من أهل التحمل عنه من وقت الرمي على وقت الإصابة؛ حتى لو رمى إلى صيد، فأصاب إنساناً، وكان الرامي مرتداً في أحد الطرفين، مسلماً من الآخر، أو كان مسلماً من الطرفين، مرتداً في الواسطة - تجب الدية في ماله؛ لأنه لم يكن ممن له عاقلةٌ في بعضها.
وكذلك لو رمى ذمي على صيد، فنقض العهد، ثم عاد إلى العهد، ثم أصاب إنساناً، أو رمى حربيٌّ، فأسلم، ثم أصاب إنساناً، وقلنا: تجب الدية - تكون الدية في ماله؛ لأن الحربي لا عاقلة له، وهو كان في بعضها حربياً.
ولو رمى ذميٌّ إلى صيد، فأسلم، ثم أصاب إنساناً، فالدية في ماله لا توجب على [عاقلته] الذميين؛ لأنه كان مسلماً حالة الإصابة، ولا على عاقلته المسلمين؛ لأن كان ذميًّا حالة الرمين ولو رمى نصرانيُّ [إلى صيدٍ] ن ثم تهود، أو تمجس، ثم أصاب السهمُ

إنساناً: قال الشيخ رحمه الله: فإن قلنا: يُقر على دينه - تجب الدية على عاقلته من أهل أي دينٍ كان؛ لأن الكفر كله ملةٌ واحدةٌ.
وإن قلنا: لا يقر، فيكون في ماله كالمسلم يرتدُّ.
ولو رمى عبد إلى صيد، فعتق، ثم أصاب إنساناً - فالدية في ماله لا تجب على السيد؛ لأنه كان حراً حالة الإصابة، ولا على عاقلته؛ لأنه كان عبداً حالة الرمي، حتى لو تزوج عبدٌ معتقةً، فأولدها ولداً، ثم رمى ذلك الولدُ على صيدٍ، فعتق [أبوه]، ثم أصاب السهم إنساناً - تجب الدية في ماله؛ لأن الولاء لا ينجرُّ بعتق الأب من موالي الأم إلى موالي الأب، ولا يمكن إيجابُ الدية على موالي الأب، ولا على موالي الأم؛ لاختلاف حالتي الرمي، والإصابة.
وعلى هذا: لو أن عبداً حفر بئر عدوان، ثم عتق، ثم تردى فيها إنسانٌ، ومات - تجبُ الدية في ماله.
وكذلك: لو نكح عبدٌ منكحة معتقة، فأتت بولد، ثم ذلك الولد حفر بئر عدوانٍ، أو نصب شبكة، أو أشرع جناحاً، أو ميزاباً في الطريق، فمات به إنسانٌ - تجب الدية على موالي الأم.
فلو عتق الأب بعد وجود هذه الأسباب قبل الوقوع، ثم وقع، فالدية تكون في ماله.
ولو جرح ذميٌّ إنساناً خطأ، فأسلم الجارح، ثم مات المجروح من السراية - يجب أرش الجراحة على عاقلته الذميين؛ لأنه قد تحقق ذلك القدر، وهم عاقلته، والباقي يكون في ماله؛ لأنه وجب بسراية حصلت بعد الإسلام، عن جناية كانت في الكفر، ولا يمكن إيجابه على واحدة من العاقلتين إلا أن يزيد أرش الجراحة على دية النفس؛ فلا يجب إلا دية النفس، ويكون الكل على عاقلته الذميين.
ولو قطع ذميٌّ يد إنسان خطأ، ثم أسلم، ثم سرى إلى النفس - تجب نصف الدية على عاقلته الذميين، ونصفها من ماله.
وفيه وجه آخر أنه إذا رح ذميٌّ إنساناً، أو قطع يده خطأ، فأسلم الجارح، ثم مات المجروح: أنه تجب جميع الدية على عاقلته الذميين.

والأول أصح؛ لأن الجناية وجدت منه في حال كونه ذميًّا.
قال الشيخ رحمه الله: ويمن بناءُ هذا على ما ذكرنا، وهو أنه إذا جرح ذميٌّ ذميًّا، ثم أسلم الجارح، ثم مات المجروح بالسراية - هل يجب القصاص في النفس؟ فيه وجهان: إن قلنا: يجب القصاص باعتبار حالة الجُرح، فههنا: يجب جميع الدية على عاقلته الذميين.
وإن قلنا: لا يجب القود في النفس - فلا يجب عليهم كمالُ الدية كما ذكرنا؛ وعلى هذا: لو قطع عبدٌ يد إنسانٍ خطأ، فأعتقه المولى، ثم سرى إلى النفس - فالضمانُ كان متعلقاً برقبته؛ فصار المولى بإعتاقه مختاراً بالفداء يفدي بأقل الأمرين من نصف الدية، أو كمالِ قيمة العبد، ونصف الدية في مال الجاني؛ لأنه سرايةٌ بعد العتق بجنايةٍ كانت في الرق.
قال الشيخ - رحمه الله - على قياس الوجه الآخر: يفدي السيد بالأقل من كمال قيمة العبد، أو كمال دية المقتول؛ لأن الجناية وُجدت في حال الرق.
[والأول المذهب].
ولو قطع ذمي يد إنسانٍ خطأً، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى فمات منهما، أو عاش - تجبُ نصفُ الدية على عاقلته الذميين، والنصف على عاقلته المسلمين، وكذلك لو قطع ذمي إصبع إنسان، فسرى إلى الكفِّ، ثم أسلمَ، فقطع يده الأخرى، ومات منهما.
أما إذا قطع ذميٌّ إصبع إنسانٍ خطأًن فأسلم القاطع، ثم سرى إلى الكف، ثم قطع بعد الإسلام يده الأخرى، ومات منهما تجب عُشر الدية على عاقلته الذميين، وأربعةُ أعشارها من ماله؛ لأنها وجبت بسرايةٍ بعد الإسلام عن جناية كانت من الكفر، وتجب نصف الدية على عاقلته المسلمين.
وكذلك: لو قطع ذميٌّ إصبع إنسانٍ خطأ، ثم أسلم، فقطع إصبعاً أخرى، فمات منهما يجب نصف الدية على عاقلته المسلمين؛ لوجود إحدى الجنايتين في الإسلام، وعشرها على عاقلته الذميين، وأربعةُ أعشارها في ماله.
وكذلك: لو قطع عبدٌ يد إنسان، أو قطع إصبعه، فسرى على الكفِّ، ثم عتق، فقطع يده الأخرى، فمات - فنصف الدية تعلق برقبته، ونصفها على عاقلة الجاني.
ولو قطع العبد إصبع إنسان خطأً، فعتق، ثم سرى إلى الكف، ثم قطع يده الأخرى، ومات - فعشر الدية تعلق برقبته، صار السيد بإعتاقه مختاراً للفداء، يفدي بالأقل من عشر الدية

أو كمال قيمة العبد، وأربعةُ أعشارِ الدية في مال الجاني، والنصف على عاقلة الجاني.
ولو قطع مرتدٌّ يد إنسانٍ خطأ، أو قطع إصبعه، فسرى إلى الكف في الردة، أو بعد الإسلام، ثم بعد ما أسلم، قطع يده الأخرى - تجب نصفُ الدية من ماله؛ لأنه لا عاقلة للمرتد، ونصفها على عاقلته المسلمين.
ولو جرح مسلمٌ إنساناً خطأً، فارتد الجارح، ثم أسلم، ثم مات المجروحُ - نظر: إن قصر زمانُ الردة بحيث لم يوجد فيه سرايةٌ - فجميع الدية على عاقلته، [وإن طال بحيث وجد فيه سرايةٌ - فقولان: أحدهما: تجب كلها على عاقلته]؛ لأن الجناية، وخروج الروح كان في الإسلام.
والثاني: تجب نصف الدية في ماله، والنصف على عاقلته؛ لوجود بعض السراية في حال الردة.
قال الشيخ رحمه الله: ويخرج وجهٌ آخر: أن الثلثين على العاقلة كما ذكرنا في المجروح إذا ارتد، ثم أسلم، فمات - كم تجب من الدية؟ فصلٌ [في دية العبد إذا عتق تكون للمولى بعد موته] إذا قطع يدي عبدٍ، فعتق، ثم مات بعد الاندمال - يجب على الجاني كمالُ قيمته - وإن زادت على ديات - وتكون للمولى؛ سواء كان الاندمال قبل العتق، أو بعده؛ لأن الراحة إذا اندملت، واستقر حكمها.
ولو عتق، ولو يندمل الجُرحُ، وسرى إلى النفس - يجب على الجاني كمالُ الدية؛ قلت قيمة العبد أو كثرت؛ اعتباراً بالمال حتى لو كانت قيمة العبد ألفين، فعتق ومات بالسراية - لا تجب إلا دية حرٍّ، ثم ماذا يكو للسيد من تلك الدية؟ نظر: إن كانت الدية قدر قيمة العبد، أو أقل؛ فيكون الكل للسيد؛ لأن هذا القدر قد وجب بالجناية، والجناية كانت على ملكه، وإن كانت الدية أكثر من قيمة العبد فتقدر قيمة العبد تكون للسيد، والباقي للورثة؛ لأن تلك الزيادة بسبب سراية حصلت بعد الحرية، فيكون موروثه، وحق السيد يؤدي من إبل الدية، وليس للوارث أن يأخذ الدية، يدفع حق السيد من غيرها؛ لأن حقه تعين فيها.

وعند المُزني: إذا كانت قيمة العبد أكثر من الدية - يجب على الجاني كمالُ القيمة، ويكونُ للسيد، وهذا لا يصح؛ لأن ضمان الجناية يعتبر بحالةِ الاستقرار، وهو كان حُرًّا حالة الاستقرار، فلا يجبُ إلا بدلُ الحر؛ بدليل أن قيمته لو كانت أقل من الدية، فيجبُ كمال الدية، إذا مات بعد الحرية.
ولو قطع إحدى يدي عبد، أو فقأ إحدى عينيه، فعتق، ثم مات بالسراية - يجب على الجاني كمالُ الدية، وفيما للسيد منها قولان: أصحهما: له الأقلُّ: من نصف [قيمة عبد]، أو تمام الدية؛ لأن نصف القيمة إن كان أقل - فهو لم يُتلف على السيد إلا ذلك القدر، وإن كانت الدية أقل - فلم تجب بالجناية غيرها.
والثاني: للسيد الأقل من تمام القيمة، أو تمام الدية؛ لأن السراية حصلت بجناية مضمونةٍ للسيد، فعلى القول الأول: للسيد الأقل من أرش الجناية؛ لو وقفت، أو ما يجب بسرايتها بعد الحرية.
وعلى القول الثاني: له الأقل مما يجب بسراية تلك الجناية بعد الحرية، أو ما يناسبها من القيمة، حتى لو قطع إصبع عبدٍ، فعتق ثم سرى - يجب عليه كمالُ الدية.
وللسيد؛ على القول الأول، وهو الأصح: الأقل من عشر قيمته، أو كمالِ الدية.
وعلى القول الثاني: له الأقل من كمال الدية، أو كمال القيمة.
ولو قطع حُر يد عبدٍ، فعتق، ثم قطع يده الأخرى، فمات منهما - له أن يقتص من الطرف الثاني.
وإذا عفا يجب كمال الدية، وللسيد منها الأقل من نصف القيمة، أو نصف الدية على القولين جميعاً؛ لأنه لم يجب بجناية الرق وسرايتها- إلا نصف الضمان، والباقي للوارث.
فلو اقتص الوارث من الطرف الثاني - فقد استوفى ما يقابله نصفا لدية، وبقي النصف، فإن كان قدر نصف القيمة، أو أقل - أخذه السيد، وإن كان أكثر - فقدر نصف القيمة للسيد، والباقي للوارث.
وكذلك: لو قطع يد عبد، فعتق، ثم جاء آخر، فقطع يده الأخرى، ومات منهما - تجب عليهما الدية، على كل واحد نصفها، وللسيد الأقل من صنف الدية، أو نصف القيمة، ويكون حقه فيما يجب على الأول؛ لأنه الذي جنى على ملكه، ولا حق له فيما يجب على الثاني؛ لأنه لم يجن على ملكه، فلو اقتص الوارث من طرف الثاني بقي على الأول نصف الدية،

فيأخذه للسيد إن كان قدر نصف القيمة، أو أقل، فإن كان أكثر - فالفضل للوارث.
ولو قطع إصبع عبدٍ، فعتق، ثم جاء آخر، وقطع يده، ومات منهما - فعليهما الدية، وللسيد في القول الأول الأقل من عشر قيمته، أو نصف ديته.
وعلى القول الثاني: له الأقل من نصف قيمته، أو نصف ديته.
ولو قطع يد عبدٍ، فعتق، ثم جاء رجلان، فجرحاه، أو قطع أحدهما يده الأخرى، والآخر رجله، ومات من الكل - فتجب عليهم الدية أثلاثاً، وللسيد من الثلث الذي يؤخذ من الأول الأقل من نصف قيمته، أو ثلث ديته.
وعلى القول الثاني [له] الأقل من ثلث الدية، أو ثلث القيمة.
ولو جاء الجاني الأول مع رجلين آخرين، فقطع كل واحد عضواً، ومات من الكل فعليهم الدية أثلاثاً، وللسيد على القول الأول من نصف قيمته، أو سدس ديته؛ لأنهم ثلاثة توزع الدية على عدد رءوسهم، فيخص الجاني في الرق ثلث الدية، وهو جنى جنايتين إحداهما في حال الرق، فيخص تلك الجناية السدس.
وعلى القول الآخر: الأقل من سدس ديته، أو سدس قيمته.
ولو قطع يدي عبدٍ، فعتق، ثم جاء رجلان، وجرحاه، فمات من الكل - فعليهم الدية.
ثم على القول الأول؛ للسيد الأقل من كمال قيمته، أو ثلث ديته.
وعلى الثاني: له الأقل من ثلث الدية، أو ثلث القيمة.
وكذلك: لو قطع الأول يديه، ورجليه في الرق؛ لأنه الأطراف إذا صارت نفساً - لا تضمن [بأكثر من القيمة.
ولو أوضح رأس عبد، فعتق، ثم جاء تسعة] نفر، فجرحوه، ومات من الكل - فعليهم الدية أعشاراً.
وللسيد على القول الأول: الأقل من [نصف] عشر قيمته عبداً، أو عشر ديته حراً.
وعلى القول الثاني: له الأقل من عشر ديته، أو عشر قيمته.
ولو جاء الجاني الأول مع تسعة نفر بعد الحرية وجرحوه، فمات عليهم الدية أعشاراً،

وللسيد الأقل من نصف عشر قيمته، أو نصف عشر ديته على القولين جميعاً.
وإن كان جرح الثاني موجباً؛ مثل: إن قطع يد عبد، فعتق، ثم جاء آخر، وحز رقبته - فعلى الأول: نصف القيمة للسيد، وعلى الثاني: القصاص في النفس، أو كمال الدية للوارث؛ لأن حز الرقبة يقطع السارية؛ كما لو جز الرقبة بعد اندمال قطع اليد.
ولو قطع حُر يد عبدٍ، فعتق، ثم جاء آخر، فقطع يده الأخرى - ثم قيل: لا يخلو: إما إن قتله الأول، أو الثاني، أو ثالثٌ غيرهما.
وإن قتله الأول- فقد استقر جناية الثاني، سواءٌ كانت قد اندملت، أو لم تندمل؛ لأن القتل يقطع السراية، فعليه القصاص في الطرف الذي قطعه، أو ديته.
وأما الأول، فإن كان قتله بعد اندمال جرحه - فعليه القصاص في النفس، أو كمالُ دية النفس، ونصف القيمة للسيد؛ بسبب قطع اليد، وإن قتله قبل اندمال جرحه- فالمذهب: أنه يدخل بدل الطرف من بدل النفس، وللولي أن يقتص عن النفس، ويسقط حق السيد، وإن عفا - يجبُ عليه كمال دية النفس، وللسيد الأقل من نصف القيمة، أو نصف الدية.
وعلى قول ابن سريج بدل الطرف لا يدخل من بدل النفس؛ فللوارث القصاص في النفس، أو كمال الدية، وللسيد نصف القيمة، كما لو قتله بعد اندمال الطرف، فأما إذا قتله الثاني - فقد استقر جرح الأول؛ سواءٌ كان قبل الاندمال، أو بعده، وعليه نصف القيمة للسيد.
وأما الثاني: فهو رجلٌ قطع طرف حر، ثم قتله، وقد سبق الكلام فيه.
وإن قتله ثالث غيرهما - فقد استقر حكم القطعين الأولين - فعلى الأول: نصف القيمة للسيد، ولا قصاص عليه، وعلى الثاني: القصاص من الطرف، أو نصف الدية، ويكون للوارث، وعلى القاتل: القود، أو كمال الدية.
ولو جنى جانيان في حال الرق، واحدٌ بعد الحرية، ومات من الكل - فعليهم الدية أثلاثاً، وللسيد منها الأقل من أرش جنايتهما، وهو مال ينقص من القيمة، أو ثلثاً الدية على القول الأول.
وعلى القول الثاني: له الأقل من ثلثي الدية، أو ثلثي القيمة، حتى لو قطع ثلاثةٌ في حال الرق، كل واحد طرفاً منه، ثم عتق، فقطع آخر الطرف الرابع، ومات - فعليهم الدية أرباعاً.
ثم على القول الأول: للسيد الأقل من كمال قيمته، أو ثلاثة أرباع ديته.
وعلى القول الثاني: له الأقل من ثلاثة أرباع ديته، أو ثلاثة أرباع قيمته.

ولو جنى خمسةٌ في الرق، وخمسةٌ في الحرية، ومات من الكل - فعليهم الدية أعشاراً، ثم إن كان أرش جنايات الخمسة في حال الرق مثل نصف الدية - فلا يختلف القول عن للسيد الأقل من نصف قيمته، أو نصف ديته.
وإن كان أرش جناياتهم أقل من نصف الدية، أو أكثر - فعلى القول الأول: للسيد الأقل من أرش جناياتهم أو نصف الدية.
وعلى القول الثاني: له الأقل من نصف الدية، أو نصف القيمة.
ولو جرح ذميٌّ ذميًّا، فنقض المجروح العهد، فاسترق، ثم مات بالسراية، فلا يجب القود في النفس؛ لحالة الهدر المتخللة بين طرفي الجراحة والموت، ويجب القصاص في الطرف، ولو أراد الأرش، فماذا يجب على الجاني؟ فيه قولان: أحدهما: أقل الأمرين من أرش جنايته حراً، أو كمال قيمته رقيقاً، ويكون للسيد؛ لأنه بدل روحه، وكان مملوكاً [له].
والثاني: قال الشيخ رحمه الله، وهو الأصح: يجب عليه قيمته عبداً، بالغة ما بلغت؛ لأن الاعتبار في قدر الجناية بالمال، إذا كانت مضمونة.
فعلى هذا: إن كانت القيمة والأرش سواء، أو كانت القيمة أقل فالكل للوارث، وإن كانت القيمة أكثر - فيقدر الأرش للوارث، والباقي للسيد.
فصل في الإكراه قد ذكرنا حد الإكراه في "كتب الطلاق"، فلو أن رجلاً أكره إنساناً على قتل آخر، فقتله - يجب القود على المكره، وفي المكره قولان أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن -: لا قود عليه؛ لأنه قتله للدفع عن نفسه؛ كما لو صال عليه رجلٌ، فقتله في الدفع فلا قود عليه.
والثاني: وهو الأصح، وبه قال زُفرُ: يجب عليه القود؛ لأنه قتله لماً؛ لاستبقاء نفسه؛ كالمضطر إلى الطعام، إذا قتل إنساناً، فأكله -يجب عليه القود؛ والدليلُ عليه أنه يأثم إثم القتل؛ كالمختار، وليس كالصائل؛ لأنه جانٍ بالصيال؛ بدليل أن قاتله لا يأثم إثم القتل، وههنا: لا جناية من المقصود قتله، فيجب القصاص على قاتله.

وقال أبو يوسف: لا قود على المكره، ويجب على المكره.
فإن قلنا: يجب القود على المكره؛ فإذا عفا تجب الدية عليهما نصفان [وهو الأصح] فلو أراد الولي أن يقتص من أحدهما، ويأخذ نصف الدية من الآخر له ذلك.
وإن قلنا: لا قودَ على المُكره ففي وجوب الدية عليه وجهان: أحدهما: وهو الأصح عندي: لا دية عليه كما لا قود عليه؛ لأنه كالآلة.
والثاني: يجبُ عليه نصف الدية؛ لأن الدية لا تسقط بالشبهة، والقصاص يسقط بها، والإكراه شبهة.
فإن قلنا: تجب الدية عليه - تجب الكفارة، ويتعلق به حرمان الميراث.
وإن قلنا: لا دية عليه - ففي وجوب الكفارة وجهان: أصحهما: وجوبها: فإن أوجبنا الكفارة عليه - تعلق به حرمان الميراث، وإلا فوجهان.
ولا فرق بين أن يكون المكرِهُ سلطاناً، أو ولياً، أو متغلباً، يخوفه بعقوبةٍ لا طاقة له بها، ويمكنه تحقيقُ ما توعده به.
فإن كان: يخوفه بما لا يمكنه تحقيقه وأمكنه الخلاص منه بالسلطان - فلا يكون تخويفه إكراهاً، ويجب القود على الفاعل دون المخوف؛ كما لو أمره واحد من الرعية بقتل إنسان، فقتل - يجب القود على القاتل دون الآمر.
وعند أبي حنيفة: الإكراه لا يكون إلا من السلطان، ولو أكره عبدٌ حراً على قتل عبدٍ، أو أكره ذمي مسلماً على قتل ذمي فقتله - يجب القود على المكره، ولا يجب على المكره.
ولو أكره حرٌّ عبداً على قتل عبدٍ، أو أكره مسلمٌ ذمياً على قتل ذمي - لا قود على المكرهِ، وفي المكره قولان: إما الدية؛ إن قلنا: لا شيء على المكره، وكلها من مال المكره.
وإن قلنا: تجب الدية على المُكرَهِ - فنصفها في مال المكره، ونصفها في رقبة العبد؛ إن كان المكره عبداً.
ولو أكره الأبُ أجنبياً على قتل ولده لا قود على المكره، وفي المكره قولان، وإن كان المكره أباً، والمكره أجنبياً - يجب القود على المكره، ولا يجب على المُكره.

ولو أكره بالغٌ مراهقاً على قتل إنسانٍ - لا قود على المكره.
وهل يجب على المكره أم لا؟ إن قلنا: عمد الصبي خطأ - لا يجب؛ كشري الخاطيء، وإن قلنا: عمده عمدٌ - يجب.
أما الديةُ: إن قلنا: لا شيء على المكره فجميع الدية في مال المكره مغلظة، وإن قلنا: تجبُ الديةُ على المكره، فنصفها في مال البالغ مغلظة، ونصفها في مال المراهق مغلظةً، إن قلنا: عمدُهُ عمدٌ، وإن قلنا: خطأ - فعلى عاقلته مخففة.
قال الشيخ رحمه الله: وعندي إذا جعلنا عمد الصبي خطأ: إنها لا يجب القود على المكره على قولنا: عن المكره البالغ تجب عليه الدية.
فإن قلنا: لا دية عليه كما لا قود - فهو كالآلة يجب القود على المكرهِ بكلِّ حالٍ.
ولو أكره مراهقٌ بالغاً على القتل - لا قود على المكره، [أما المكره].
فإن قلنا: عمد الصبي خطأٌ - لا قود عليه؛ كشري الخاطيء.
وإن قلنا: عمده عمد - فقولان.
ولو أكرَهَ رجلاً على إتلاف مال آخر، ففعل - يجب الضمان على المكره وهل يكونُ المكُرَهُ طريقاً في وجوب الضمان عليه فيه وجهان: وكذلك: لو أكره مُحرِماً على قتل صيدٍ، فقتله - يجب الجزاء على المكرِهِ، وهل يكون المكرَهُ طريقاً - فعلى وجهين؛ بخلاف الإكراه على القتل؛ حيث جعلنا الدية عليهما نصفين في طريق؛ لأن ثَمَّ القتل غيرُ مباحٍ للمكرَهِ، وإن خاف هلاكَ نفسه، فجُعل مع المُكرِهِ كالشريكين.
وفي إتلاف المال، وقتلِ الصيد: يباح للمكره فعله لدفع القتل عن نفسه، فلم يستقر عليه الضمان.
ولو أكرهه على قتل آخر - جاز للمقصود قتله- دفع المكرَهِ والمكرِهِ جميعاً، ولا شيء عليه إذا قتلهما في الدفع؛ وللمكرهِ أيضاً دفعُ المكرهِ، ولا شيء عليه إذا أتى الدفع على نفسه ولو أكرهه على إتلاف مال إنسانٍ - لم يكن لصاحب المال دفعُ المكرَهِ؛ لأنه يباحُ له صيانةُ روحِهِ بمال الغير؛ كالمضطر إلى المجاعة يُباحُ له تناول مال الغير، وكان لصاحب المال، والمكرَهِ جميعاً دفعُ المكرِهِ، ولا شيء عليهما إذا أتى الدفعُ على نفسه.
ولو أكره رجلاً على أن يرمي على صيد، فرمى، فأصاب إنساناً، وقتلهُ، إن قلنا: لا دية على المُكرَهِ - فجميعُ الديةِ على عاقلة المُكرِهِ، وإن قلنا: تجبُ الدية على المُكرَهِ - فيجبُ

نصف الدية على عاقلة المكرَهِ، ونصفها على عاقلة المكرِهِ.
ولو أكرهه أن يرمي إلى سترٍ، ووراءهُ إنسانٌ يعرفه المكرِهُ دون المُكرَهِ، أو أكرههُ على أن يقطع حزمة وتحتها إنسان يعلمه المكرِهُ دون المكرَهِ - تجب نصفُ الديةِ في مال المُكرِهِ، ونصفها على عاقلة المكرَهِ.
قال الشيخ - رحمه الله-: هذا صحيحٌ على قولنا: إن المُكرَهَ مؤاخذٌ بالضمان.
فأما إذا قلنا: لا ضمان على المُكرَهِ فيجب له على المكرِهِ.
قال الشيخُ: وينبغي أن يقال: ههنا يجب القود على المُكرِهِ، أو كمالُ الدية، ولا شيء على المُكْرَهِِ؛ لأنه جاهلٌ يظنُ أن ذلك الفعل مباحٌ له؛ فكان كالآلة؛ فصار كما لو أمر صبياً لا يعقل، أو عبداً أعجمياً يقتل إنساناً يجب القود على الآمر، ولا شيء على الفاعل، وكالسلطان إذا أمر بقتل إنسانٍ ظلماً، والجلادُ يظن أنه يقتله بحق - لا شيء على الجلاد، والضمانُ على الإمام.
ولو أكره زيدٌ عمراً على أن يُكرهَ خالداً على قتل بكرٍ؛ ففعل - يجب القود على زيدٍ، وفي المكرهين قولان.
ولو أكرهه؛ فقال: إن قتلت نفسكن وإلا قتلتُك، أو أكرهه على شُرب سُمِّ قاتلٍ، ففعل - هل يجب القودُ على المكرهِ؟ فيه قولان: أحدهما: يجب للإكراه.
والثاني: لا؛ لأنه باشر قتل نفسه.
فإن لم نوجب القود - فلا دية عليه، وإن أوجبنا القود، فإذا عفا: قال الشيخ - رحمه الله-: عليه كل الدية؛ إن قلنا: لا ضمان على المُكرهِ فإن أوجبنا الضمان على المُكرَهِ - فعليه نصفُ الدية.
ولو أكرهه على أن يرقى شجرةً، أو صعوداً، أو ينزل، فزلقت رجلُهُ واندفَّت عنقه - فهو عمدُ خطإٍ؛ يجب الدية على عاقلة المكرِهِ.
فإن أمر بغير إكراهٍ فلا ضمنا على أحدٍ.
وإن أمره السلطانُ: فإن قلنا: أمره يكون إكراهاً - فالضمان على عاقلته، إن أمره لخاصٍّ نفسهِ.

وإن كان يتعلق بمصلحة المسلمين - فيكونُ الضمان على عاقلتِه أم في بيت المال؟ فقولان: ولو أكره رجلاً على نقب جدار إنسان، وأخذ المال من حرزه ففعل - لا قطع على واحد منهما؛ لأن المُكرِهَ لم يباشر، والمُكْرَهَ ملجأٌ إليه؛ كما لو أكرهه على قذفِ إنسانٍ، فقذف لا حد على واحدٍ منهما، ثم إن دفع المال إلى المُكْرِهِ، فالضمانُ على المُكْرِهِ، وهل يكون المكره طريقاً؟ فيه وجهان، وإن لم يدفع - فلا ضمان على المكره، أما المكره إذا تمكن من الرد إلى المالك، فلم يفعل - ضمن، وإلا فلا.
ولو أمر السلطان، أو خليفته رجلاً بقتل إنسانٍ ظلماً، فقتله؛ سواءٌ أمر جلاده، أو غيره - نظر: إن كان المأمور يظن أنه يقتله بحق لا شيء [على المأمور]؛ لأن طاعة الإمام واجبةٌ عليه فيما لا يعلمه معصية، ويجب القود على الآمر، أو كمالُ الدية، والكفارة.
وكذلك إمام أهل البغي، إذا أمر بقتل يظنه حقاً؛ لأن حكمه نافذ؛ بخلاف ما لو أمره بعض الرعية بقتل إنسان ظلماً، أو متغلب بلصوصية لا يخاف من مخالفة آمره، فقتله - يجب القود، أو الدية على المأمور، سواءٌ كان يعلم أنه يقتله بغير حق، أو يظن أنه يقتله بحق؛ لأنه لا تلزمه طاعته، وليس الظاهر من أمره أنه يأمره بحق.
فأما إذا كان المأمور عالماً بأن السلطان يقتله ظلماً، فقتله بأمره: فأمر السلطان: هل يكون إكراهاً؟ فيه قولان: أحدهما: لا يكون إكراهاً ما لم يخوفه كأمر غيره؛ فعلى هذا: يجب القود أو الدية على المأمور، ولا شيء على الآمر.
والثاني: أمره إكراه؛ لأنه يخاف من مخالفة أمره؛ ما يخاف من المكره؛ فعلى هذا: يجب القود على الآمر، وفي المأمور قولان: أما الزعيم الذي لا يخاف من مخالفة أمره - فلا يكون أمره إكراها.
ولو أمر رجل صبياً، أو مجنوناً بقتل إنسان؛ فقتله - نُظر: إن كان الصبي يعقل، والمجنونُ يميز - فلا شيء على الآمر إلا الإثمُ، وتجب الدية على المأمور في ماله مغلظة إن قلنا: عمدُه عمدٌ، وإن قلنا: عمده خطأٌ، فعلى عاقلته مخففة.
وإن كان الصبي لا يعقل، والمجنون لا يميز فيجب القود على الآمر، أو كمال الدية؛ سواءٌ كان ولياً للمأمور، أو أجنبياً حتى لو قال لصبي لا يعقل: ضع السكين في بطنك، ففعل

  • يجب القود على الآمر، أو كمالُ الدية، ولو أمر صبياً لا يعقل بأن ينزل بئراً، أو يصعد شجرةً، ففعل، فسقط، فهلك - تضمن عاقلته الدية.
    ولو أمر عبده بقتل إنسان، فقتل - نُظر: إن كان العبدُ عاقلاً لا يرى طاعةَ سيده فرضاً في جميع ما يأمره به - فلا شيء على المولى إلا الإثم، ويجب القود على العبد.
    وإن كان بالغاً، فإن عُفي عن القود، أو كان مراهقاً - فلا قود، والضمانُ يتعلق برقبة - العبد، دون سائر أموال السيد، وكذلك لو أمره بإتلاف مال إنسان.
    وإن كان العبد صبياً لا يعقل، أو أعجمياً يرى طاعة سيده فرضاً فيما يأمره به - فهو كالآلة؛ يجب القود [على السيد]، وإذا عُفي - فالضمان يتعلق بجميع أمواله؛ وهذا بخلافِ ما لو أمر عبده الأعجمي بسرقة مال، فسرق -لا قطع على المولى؛ لأن قطع السرقة - يجب بالمباشرة، ولا يب بالتسببن وهذا تسببن والقود قد يجببالتسبب، ولا قطع أيضاً على العبد؛ لأنه كالآلة.
    ولو أمر عبد غيرهِ بقتلِ، أو إتلاف مالٍ، ففعل - فهكذا إن كان العبدُ عاقلاً لا يرى طاعة [غير] سيده فرضاً فعليه القود، والضمان متعلق برقبته، ولا شيء [على الآمر].
    وإن كان صغيراً لا يعقلُ، أو أعجمياً يرى طاعة كل من يأمره به بشيء فرضاً فهو كالآلة، فالقود والضمان على الآمر وهل للضمان تعلق برقبة العبد؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه كالآلة كالصبي الحر؛ لا يتعلق الضمان.
    والثاني: يتعلق برقبته؛ فيباع فيه، ثم السيد يرجع على الآمر بقيمته، وإن لم تفِ قيمته بالأرش - فالفضل على الآمر.
    ولو أمسك رجلاً حتى قتله آخر - فالقود والضمان على القاتل، ولا شيء على الممسك، سواءٌ أمسكه للقتل، أو لا للقتل، غير أنه إن أمسكه للقتل يأثم، [وإن أمسكه لا للقتل لا يأثم]، فهو كما لو أمسك امرأة حتى زنى بها آخرُ - فالحد على الزاني دون المسك، وإن كان أمس عبداً حتى قتله آخر - فالممسك الغاصب؛ عليه الضمان، والقود على القاتل.
    وقال مالك - رحمه الله-: إن أمسكه للقتل - فهما شريكان؛ فعليهما القود.

وقال ربيعةً: يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت.
ولو قدم صبياً إلى هدف، فأصابه سهم، فمات - تجب الدية على من قدمه؛ لأن الرامي كالحافر، ومن قدمه كالملقي فيها؛ فيكونُ الضمان على الملقي لا على الحافر.
ولو عرض كفه، فوضعه على الهدف بين يدي سهم فرماه الرامي - هل يضمن؟ [ذكر ابن سريج وجهين].
وإذا قال رجل لآخر: اقتلني، فقتله - لا يجب القود على ظاهر المذهب.
وقيل في وجوب القود قولان: أحدهما: لا يجب؛ للإذن من صاحب الحق.
والثاني: يجبُ؛ لأن القتل لا يستباح بالإذن؛ كالحرة إذا طاوعت بالزنا يجب الحد.
والأول المذهب؛ لأن القصاص حقه، والحد حق الله تعالى؛ فلا يسقط بإذنه.
أما الدية - فهل تجب؟ فيه قولان: بناء على أن الدية تجب للمقتول، ثم تنتقل للوارث، أم تجب للوارث ابتداء؟ فيه قولان: إن قلنا: تجبُ للمقتول، وهو الأصح؛ بدليل أنه تنفذ بها ديونه ووصاياه؛ لا تجب.
وإن قلنا: تجب للوارث ابتداءً فلا تسقط [إلا] بإذنه.
ولو قال لآخر: اقطع يدي، فقطع- نُظر: إن سرى إلى النفس - فهو كما لو قال: اقتلني، فقتله، وإن وقف - فلا يجب القود ولا الدية؛ لأن ذلك حقه، ورضي بإسقاطه.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله- إذا قال: اقتلني، فقتله - تجب الدية، وإن قال: اقطع يدي، فقطع- فلا دية.
ولو قال عبدٌ لآخر: اقتلني، أو اقطع يدي، ففعل - يجب الضمان؛ لأن الحق فيه للمولى؛ فلا يسقط بإسقاطه.
فإن كان القاتل، أو القاطع عبداً - هل يجب القود؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ كما يجب ضمان المال؛ لأنه حق السيد.
والثاني: لا يجب؛ لأنه يسقط بالشبهة، وقول العبد فيه مقبولٌ إذا - أقر به على نفسه.
ولو أكرهه؛ فقال: إن قتلتني، وألا قتلتُك، فقتله - لا قود عليه؛ لأن الإكراه أبلغُ من

الإذن، وبمجرد الإذن - يسقط القود، وهل تجب الدية أم لا؟ قال الشيخ - رحمه الله - إذا قلنا: إنه إذا أذن له في قتله، فقتله - لا دية عليه-: ههنا لا تجب.
وإن قلنا: ثم تجب الدية - فههنا: على وجهين؛ بناء على أن المُكره هل عليه الدية؟ فيه قولان: إن قلنا: تجب ههنا نصف الدية على القاتل، ولو قال: إن قتلت عبدي، وإلا قتلتك، أو إن قطعت يدي ولا لأقطعن يدك، أو لأقتلنك، ففعل - لا يجب الضمان على المكره؛ لأنه لو أذن له في غير إكراه - لا يجب.
ولو قال لآخر: اقذفني، فقذفه، فقد قيل: لا حد عليه؛ لان الحق له، كما لو قطع يده بإذنه - لا قود عليه، والصحيح أنه يجب الحد؛ بخلاف القطع؛ لأنه قد يستعين بالغير في القطع، فإذا قطع يده بإذنه - فكأنه استعان به في قتل نفسه، ولا يستعان بالغير في القذف [فإذا قطع يده فان القذف] فكأن القاذف مبتدئاً.
فصل [في إتلاف الطرف عمداً أو خطأ أو شبه عمد] يتصور في إتلاف الطرف العمد المحض، والخطأُ المحض، وبه العمد، كما في إتلاف النفس.
فالعمد والخطأ لا يشتبه.
أما شبه العمد مثلُ: إن ضرب رأسه بإصبعه، أو بعصا صغيرةٍ لا تشج غالباً، فأوضحه - فهو شبه عمد؛ لا يجب به القود، ويجب أرش موضحة مغلظة على العاقلة.
أما إذا فقأ عينه بإصبعه - يجب القود؛ لأن الإصبع في فقء العين - يعمل عمل السلاح في غيرها، فيفقأ عينه قصاصاً.
وقد تكون [العصا] الصغيرة عمداً محضاً في الشجاج، وتكون [في النفس] شبهُ

عمدٍ بأن يكون مما يشج غالباً، ولا يقتل غالباً.
فصل في القصاص في الخنثى المشكل الخنثى المشكلُ: إذا قطع ذكر رجلٍ وانثينه - يوقف: فإن كان الخنثى ذكراً - يقتص منه، ون بان أنثى - فعليه ديتان، ولا قصاص؛ لأنه لا تقطع الزائدة بالأصلية، وكذلك إذا قطع الخنثى المشكل شُفري امرأةٍ - فلا تقتص حتى تتبين، فإن بان أنثى فتقتص؛ وألا فتؤخذ دية الشفرين، ولو لم يعفُ، وطلب شيئاً من المال - لا يعطى؛ لأنه قد تبين موافقاً للمجني عليه؛ فلا يكون له مال مع القصاص.
ولو قطع واضحٌ ذكر خنثى وأنثييه وشفريه - فلا قصاص قبل تبيُّن الحال؛ فإن عفا المجنيُّ عليه على المال يعطى أقل ما يتيقن، وهو دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين.
ثم إن بان الخنثى امرأة - فقد أخذت حقها، وإن بان رجلاً - تكمل دية الذكر، والأنثيين؛ وتُرد دية الشفرين إلى الحكومة.
ولو لم يعفُ، ووقف؛ حتى يتبين أمر الخنثى، فإن بان الخنثى ذكراً - يُنظر: إن كان الجاني ذكراً - يُقطعُ ذكره وأنثياه قصاصاً ويؤخذ منه حكومةُ الشفرين.
وإن كان الجاني أنثى - فلا قود، وعليه ديتان للذكر والأنثيين، وحكومةُ الشفرين.
وإن بان الخنثى أنثى نُظر إن كان الجاني أنثى - يُقطع شفرها بشفر الخنثى قصاصاً، ويؤخذ منها حكومتان للذكر والأنثيين.
وإن كان الجاني ذكراً - فلا قصاص، وعليه دية شفرين، وحكومتان للذكر، والأنثيين.
ولو لم يعفُ، وقال: أعطوني شيئاً حتى يتبين أمرُ الخنثى - هل يُعطى؟ فيه وجهان: أحدهما: قاله ابن أبي هريرة: لا يُعطى؛ لأن القود باقٍ، ولا يُعطى المالُ مع بقاء القود.
والثاني: وهو الأصح: يُعطى أقل ما ستحق مع القود، فإن كان الجاني ذكراً - يعطى حكومة الشفرين، لأنه لا قصاص فيهما، وإن كان أنثى - فحكومة الذكر، والأنثيين، ولا يكون جمعاً بين المال والقود في عضو واحدٍ؛ لأن القود في عضو، والمال في غيره؛ بخلاف المسألة الأولى إذا اكن المجني عليه واضحاً والجاني خنثى لا يعطى شيئاً ما لم يعف؛

لاحتمال أن يكون الخنثى موافقاً للمني عليه؛ فيثبت القصاصُ في جميع ما قطعه.
وإن كانا مُشكلين، فقطع أحدهما ذكر الآخر، وأنثييه، وشفريه -فلا قصاص ما لم يتبين حالهما، فن بانا ذكرين، أو أنثيين - يقطع الأصلي بالأصل، والزائد بالزائد، غير أن الزائد إنما يقطع بالزائد إذا استويا في الصغر، والكبر، أو كان من الجاني أصغر.
فإن كان [مِنَ] الجاني أكبر - فلا يقتص، بل تؤخذ الحكومة، ويقطع الأصلي بالأصلي.
وإن اختلفا في الصغر، والكبر، وإذا عفا فيأخذ الأقل، وهو دية الشفرين وحكومة الذكر والأنثيين.
ولو لم يعفُ، وقال: أعطوني شيئاً حتى يتبين أمر الخنثى- لا يُعطى؛ لاحتمال أن يتبينا موافقين؛ فيثبت القصاص في جميع ما قطع، والله أعلم.
باب الخيار في القصاص قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: 178]. "ورُوي عن أبي شُريح [الكعبي]؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ثم أنتم يا خُزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هُذيل، وأنا والله - عاقله، فمن قتل بعده قتيلاً - فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل".
إذا قتل من يكافئه عمداً، أو قطع طرفه - فموجب العمد ماذا؟ فيه قولان: أصحهما: القود، وبه قال أبو حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتل عمداً،

فهو قودٌ".
والثاني: [موجبه] القود، أو الدية؛ يختار الولي أيهما شاء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأهله بين خيرتين".
وعلى القولين جميعاً: لو مات الجاني، أو سقط طرفه في قطع الطرف: تؤخذ الدية من ماله، وعلى القولين جميعاً: لو عُفي عن القود مجاناً لا تجب الدية، ولو عُفي على الدية - تثبت الدية، أما إذا عُفي مطلقاً.
فإن قلنا: موجبه أحد الأمرين - تتعين الدية.
وإن قلنا: موجبه القود: فمطلق العفو - هل يجب الدية؟ اختلفوا فيه: منهم من قال- وهو المذهب-: لا يوجب الدية.
وقال أبو إسحاق: فيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني - يوجب الدية؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة 178] أمر بعد العفو بالاتباع بالمعروف؛ دل أن المال ثابتٌ بالعفو.
والثاني: وهو الأصح-: لا يُوجب؛ لان القتل لم يوجبه، والعفو للإسقاط؛ فلا يجب به المال، والآية محمولةٌ على ما لو عفا على المال وكذلك قوله في الحديث: "فأهله بين خيرتين" محمول على ما إذا اختار المال بالعفو عليه.
وعند أبي حنيفة: لا تثبت الدية، وإن عفا عليها إلا برضا الجاني، حتى لو مات القاتل، أو كان القصاص في الطرف، فقطع طرفه ظلماً - لا دية للمجني عليه، والآية حجة عليه؛ حيث أثبت الاتباع بعد العفو، ولم يشترط رضا الجاني، والحديث حجة [عليه]؛ من حيث إنه عليه السلام - جعل الخيار إلى الولي في اختيار الدية، أو القود؛ إذا ثبت أنه إذا عفا عن أحدهما تعين الآخر على قولنا: إن موجبه أحد الأمرين: فلو اختار أحدهما - نظر: إن اختار الدية - سقط القصاص، وثبت المال، ولا رجوع له إلى القصاص.
وإن قال: اخترت القصاص - فهل له أن يرجع إلى الدية؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه تركها باختيار القصاص، كما لواختار الدية يسقط القصاص.

والثاني: له ذلك؛ لأن القصاص أغلظ؛ فله الرجوع إلى الأدنى "التفريع على القولين": إن قلنا: موجب العمد هو القود، فلو عفا عن الدية قبل أن يعفو عن القصاص لا يصح؛ لأنه عفوٌ قبل الوجوب حتى لو عفا بعده عن القود على الدية، تجب الدية، ولو عفا عن القود على غير جنس الدية، أو صالح على ثوب، أو دارٍ معينة، أو على مال في ذمته، وقتله الجاني -جاز، ووجب؛ سواء كان المال والمصالح عيه أقل من الدية، أو أكثر، وسقط القود، وإن لم يقتل الجاني - لا يثبت المالُ وهل يسقطُ [القود] فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأنه رضي بسقوطه؛ حيث أقدم على العفو والصلح.
والثاني: وهو الأصح-: لا يسقط؛ لأنه جعله بمقابلة مال، فإذا لم يثبت المالُ - لا يسقط القود.
قال الشيخ - رحمه الله-: فإن قلنا: يسقط القود - فهل تثبت الدية؟ فهو كما لو عفا مطلقاً؛ لأن سقوط القود - ههنا - لرضاه بسقوطه بقوله: "عفوت"، لا لاعتبار المال؛ فإن من اعتبر المال لا يحكم بسقوطه؛ هو الوجه الآخر، ولو عفا عن القود على جنس الدية على أكثر منها: فإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال - جاز، وثبت ما سماه إذا قبله الجاني.
وإن قلنا: مطلقه يوجب المال - ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ كما لو صالح عن ألفٍ على ألفين - لا يجوز.
والثاني: وهو الأصح-: جاز ولزم إذا قبله الجاني؛ لأن المال غير ثابتٍ بأصل القتل، إنما يثبت باختياره.
وإن قلنا: لا يصح - ففي سقوط القود وجهان.
وإن قلنا: موجب العمدِ أحد الأمرين، فعفا عن الدية قبل أن يعفو عن القود [جاز، وسقطت الدية وتعين القود، فلو عفا بعده عن القود] مطلقاً - لا يجب المال، وإن عفا على مال: قال الشيخ - رضي الله عنه - إن عفا على الدية - لا يجوز؛ لأنه أسقطها.
وإن عفا على مالٍ آخر؛ سواءٌ كان من جنس الدية، أو من غير جنسها، أقل منها، أو أكثر، فقبل الجاني - ففيه وجهان:

أحدهما: لا يثبت المال؛ لأنه عفا عن المال مرةً.
والثاني: يثبت؛ لأنه عفا عما أثبته الشرع، وهذا مالٌ آخر بصالح عن القود عليه، فيجوزُ، وإن عفا، أو صالح عن القود على شيء قبل أن يعفو عن الدية - نظر: إن عفا على غير جنس الدية - جاز سواء كانت قيمته أقل من قدر الدية، أو أكثر، وإن عفا على جنس الدية على أكثر لا يجوز، كما لو صالح عن ألفٍ على ألفين.
فصل رُوي عن الضحاك بن سفيان قال: كتب إليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها".
الدية يرثها المجني عليه جميع ورثته، وكذلك القود.
وقال ابن أبي ليلى: لا يرثها [إلا] الزوج والزوجة.
وعندما مالك: لا يرث القود إلا رجال العصبة من أهل النسب.
وإذا قُتل رجلٌ، ولا وارث له - هل للسلطان أن يقتص؟ فيه قولان: أحدهما: بلى؛ كالوارث.
والثاني: لا، بل يأخذ الدية؛ لأنه حقٌ لعامة المسلمين، وفيهم صغار، فينظرهم في المال، ولا يجوز أن يعفو على غير مال؛ لأنه لا نظر للمسلمين فيه.
وإن كان له من يرث بعض القصاص؛ كالبنت، والأخت - يستوفيه مع السلطان؛ على قولنا: إن السلطان يستوفي إن لم يكن له وارثٌ، وألا فلا يستوفي، بل تؤخذ الدية.
وإذا قُتل رجلٌ، وله وارثان، أحدهما صبي أو مجنون - لا يجوز للعاقل البالغ استيفاءُ

القصاص، بل يحبس القاتل حتى يبلغ الصبي، أو يفيق المجنون.
وقال أبو حنيفة: يثبت للبالغ العاقل الاستيفاء.
فتقول: الحق ثابتٌ للصبي - فلا يجوز التفويت عليه؛ كما لو ثبت لحاضر وغائب- لا يجوز للحاضر الاستيفاء دون الغاب.
وإذا ثبت القصاص لصبي، أو مجنون - لا يجوز لوليه الاستيفاء، طرفاً كان أو نعساً، بل يحبس القاتل حتى بلغ الصبي، أو يفيق المجنون فيعفو، أو يقتُل.
ولو أعطى القاتلُ كفيلاً ليخلي سبيله - لا يجوز تخليته؛ لأنه ربما يهرب، فيضيع حق المولى عليه؛ فإن مات الصبي، أو المجنون - قام وارثه مقامه.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله-: يجوز للأب والجد استيفاؤه، طرفاً كان أو نفساً، ولا يجوز للقيم، ويجوز للوصي استيفاء الطرف دون النفس.
فنقول: من لا يملك العفو عن قصاص - يثبت للصغير لا يملك استيفاؤه كالقيم.
وهل يجوز للقيم أن يعفو على المال؟ نظر: إن كان للصبي مالٌ، أو له من ينفق عليه - لم يكن له أن يعفو؛ لأنه يفوت القصاص عليه من غير حاجة، وإن لم يكن له مالٌ، ولا من ينفق عليه - فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لحاجته إلى المال.
والثاني: وهو المنصوص -: لا يجوز؛ لأن نفقته في بيت المال؛ فلا حاجة به إلى العفو عن القصاص، ولو وثب الصبي، أو المجنون على قاتل مورثه، فقتله، أو على من قطع يده، فقطعهما - ففيه وجهان: أحدهما: صار مستوفياً لحقه كما لو كانت له وديعةٌ عند رجلٍ فتلفها.
والثاني: وهو الأصح-: لا يصير مستوفياًح لأنه ليس من أهل استيفاء الحقوق؛ بخلاف الوديعة، فإنها لو تلفت من غير فعل أحدٍ - يبرأ منها المودع، وههنا: لو مات الجاني - لا يبرأ.
فإن قلنا: لا يصيرُ مستوفياً - فتجب الدية على الصبي والمجنون.
ولو كان القصاص على مجنونٍ، فاستوفاه المستحق العاقل - وقع موقعه؛ كما لو باع سلعةً من رجل، ثم جن المشتري، فقبض البائع منه - يصح، وإن قبض من مجنون.
أما إذا قال الجاني للمجني عليه المجنون: اقطع يدي قصاصاً، فقطع لا يصح؛ كما لو

سلطه على إتلاف ماله، وحقه من الدية باقٍ؛ لفوات محل القصاص، وإذا ثبت القصاص لجماعة من الورثة فعفا واحد منهم - يسقط القود.
وقال بعض أهل المدينة: لا يسقط القود بعفو بعضهم؛ والدليل عليه: ما رُوي عن زيد بن وهبٍ؛ أن عمر - رضي الله عنه - أتى برجلٍ، قتل رجلاً، فجاء ورثة المقتول؛ ليقتلوه، فقالت أخت المقتول - وهي امرأة القاتل-: قد عفوت عن حقي، فقال عمر - رضي الله عنه -: عتق من القتل، ولأن القصاص لا يتجزأ؛ فعلينا جانبُ السقوط تغليباً لحقن الدم، وللباقين حصتهم في الدية.
فأما العافي إن عفا مجاناً - لا دية له، وإن عفا على المال - تثبت، وإن عفا مطلقاً، إن قلنا: مطلق العفو يوجب الدية - تجب له الدية وإلا فلا.
وإن كان العافي سفيهاً، أو مفلساً قد حُجر عليه - فعفوهما عن القصاص صحيحٌ، ولا يصح عن المال، وإن عفا مطلقاً - فكغير السفيه؛ إن قلنا: مطلق العفو يوجب المال - يجب المالُ، وإلا فلا.
وإن عفا مجاناً: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين - تجب الدية؛ لأن عفوهما عن المال لايصح.
وإن قلنا: موجبه القود.
إن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال - لا تجب الدية.
وإن قلنا يوجب المال - ففيه وجهان.
أحدهما: تجب الدية؛ لأن عفوهما عن المال لا يصح.
والثاني: وهو الأصح-: لا تجبُ؛ لأن القتل لم يوجب المال؛ إنما ثبت باختياره، واختياره بمنزلة اكتساب المال، ولا يلزمه الاكتساب، فكل موضعٍ قلنا: لا يسقط الدية بعفو السفيه: فإن كان العافي مريضاً، فيعتبر عفوه من الثلث، وإن كان المعفو عنه وارثاً، فلا يصح كالوصية للوارث، وإن كان مكاتباً - فعفوه كتبرعه لا ينفذ بغير إذن المولى، وبإذنه؟ فيه قولان، أما عفوهم عن القصاص - صحيحٌ؛ سواء كان المعفو عنه وارثاً، أو أجنبياً، والله أعلم.

باب القصاص بالسيف قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] من ثبت له القصاص على آخر - لم يكن له أن يستوفي دون إذن الإمام، فإن فعل - عُزر، ولا شيء عليه؛ لأنه استوفى حقه طرفاً كان أو نفساً.
فإذا رفع إلى الإمام - نظر: إن: كان القصاص نفساً؛ فإن رآه أهلا للاستيفاء - خلي بينه، وبين القاتل، ويستحب أن يأمر عدلين يحضرانه، حتى لا ينكره بعد الاستيفاء، وينظر إلى سيفه حتى يكون صارماً ولا يكون كالاً يزداد به تعذيبه.
"رُوي عن شداد بن أوس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
وهل يمنعه من القتل بالسيف المسموم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه ليس فيه زيادة عقوبة.
والثاني: وهو الأصح-: يمنعه؛ لأنه يفسد بدنه، وربما لا يمكن غسله، فإن استوفى بمسمومٍ، أو كال عُزر، ولا شيء عليه؛ لأنه استوفى حقه، وإن لم يره الإمام أهلاً للاستيفاء

  • أمره بتفويضه إلى غيره، وإن كان القصاص طرفاً لا يفوضه الإمام إلى المجني عليهن بل يأمر جلاده باستيفائه؛ لأنه أهدى إليه كحد القذف لا يفوضه إلى المقذوف، وكذلك التعزير؛ لأنه لا يؤمن أن يفعل به ما يؤدي إلى الهلاك لقلة هدايته، ولا يؤمن أن يحيف فيه؛ للتشقي؛ بخلاف النفس؛ لأن إفادة الجملة تقع مستحقة.
    وقيل: يجوز تفويض قطع الطرف إلى المجني عليه؛ كما يجوز تفويض القتل إلى الولي، ويمنعه من القطع بالمسموم، فإن قطع بمسموم، ومات - فلا قود، وتجب نصف الدية؛ لأنه مات بفعل مستحق، وغير مستحق، وهل تحمله العاقلة؟ فيه وجهان: أحدهما: تحمله، لأنه ليس بعمد محضٍ.
    والثاني: لا تحمله؛ لأنه قصد قتلاً بغير حق، ويضبط؛ حتى لا يضطرب، فإن اضطرب، فزاد على الواجب - لا شيء على المقتص، وإذا فوض القتل إلى الولي، فضرب على غير عنقه، وادعى أنه أخطأ - نظر: إن ضرب على موضع لا يقع الخطأ بمثله: من رجل، أو وسط- عُزر، ولا يمنع من القتل.
    وإن ضرب على موضع يقع الخطأُ بمثله: من رأس، أو كتفٍ - حلف أنه أخطأ، ولم يعزر، ويؤمر بالتفويض إلى غيره؛ لأنه ظهر به قلة هدايته، ولا يؤمن وقوع مثله في الضربة الثانية، ولو استوفى المقذوف حد القذف بنفسه، سواءٌ أذن له القاذف أو لم يأذن - هل يُحسب؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ كقطع القصاص.
    والثاني: لا يحسب؛ لأنه ليس على موضع معلومٍ.
    فإن قلنا: يحسب عزر؛ لافتياته على الإمام.
    وإن قلنا: لايحسب - تُرك حتى يبرأ، ثم يعاد عليه الحد، فلو مات المحدود فيه.

فإن قلنا: يُحسب - فلا ضمان على المقذوف، وإن قلنا: لا يحسب - يجب القود على المقذوف، إن جلده بغير إذنه، وإن جلده بإذنه - فلا قود، وفي الدية قولان؛ كما لو قتله بإذنه.
فصل يجوز التوكيل بإثبات القصاص، وحد القذف، وهل يجوز [التوكيل] باستيفاءها [حد] واحدٍ منهما؟ - نُظر: إن كان بحضرة الموكل يستوفي - يجوز.
وإن كان بغيبته - فيه قولان: أصحهما: يجوز؛ كالإمام ينيب من يستوفيه، وكالتوكيل في استيفاء الدية؛ يجوز.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه ربما يعفو في الغيبة، فيستوفيه الوكيل بعد عفوه، ولا يشعره، ولا يمكن تداركه؛ بخلاف المال يجوز التوكيل في استيفائه، وإن كان يسقط بالإبراء؛ لأنه إذا اخذ بعد الإبراء - يمكن تداركه باسترداده، أو استرداد عوضه.
ومن أصحابنا من قال: يجوز قولاً واحداً؛ كما لو ثبت عليه القصاص بالشهود - جاز الاستيفاء بغيبة الشهود، وإن احتمل رجوعهم.
وحيث قال الشافعي: - رضي الله عنه- "لا يستوفي إلا بحضرته" استحباباً، ثم سواء قلنا: يجوز، أو لا يجوز: فإذا استوفى الوكيل - كان مستوفياً حقه؛ لأنه استوفاه بإذنه؛ من وكل ببيع سلعة وكالةً فاسدةً، فباع الوكيلُ - يصح البيع، وإن جوزنا فتنحي به الوكيل، فعفا الموكلن وقتله الوكيل- نظر: إن كان عالماً بعفوه - عليه القود، وإن كان جاهلاً - فلا قود عليه، وهل تجب الدية؟ فيه قولان: أحدهما: لا تجب؛ لأن القتل كان مباحاُ له في الظاهر.
والثاني: وهو الأصح، اختيار المزني - يجب؛ لأنه ظهر أنه قتله وهو محرم القتل.
فإن قلنا: تجب الدية، فهي مغلظة، وهل هي في ماله، أو على عاقلته؟ فيه وجهان: أصحهما: قاله أبو إسحاق: في ماله؛ لأنه عمد القتل الحرام.
والثاني: قاله ابن أبي هريرة -: على العاقلة؛ لأنه خطأ في الحقيقة، فلو أوجبنا الدية

  • تجب الكفارة، وإلا فوجهان.
    وكذلك: لو عزله الموكل، فقتله الوكيلُ بعد العزل، ولم يعلم: فإن أوجبنا الدية على الوكيل- فهي لورثة المقتول، ثم الموكل: إن كان عفا مجاناً، أو عفا مطلقاً، وقلنا: مطلق العفو لايوجب [المال - لا شيء له، وإن عفا على المال، أو مطلقاً، وقلنا: مطلقه يوجب المال]- فتثبت له الدية في تركة من قتله الوكيل؛ لأن القتل لم يقع قصاصاً، وإذا غرم الوكيلُ، أو عاقلته الدية - لا رجوع لهم على الموكل؛ لأن العفو لم يكن غروراً من جهته، بل - هو مُحسنٌ فيه، وإن لم توجب الدية على الوكيل - فلا دية للموكل؛ لأن القتل وقع قصاصاً، ولم يصح عفوه؛ لأنه عفا في وقت لا يقدر الوكيل على التلافي، كما لو عفا بعد رمي السهم على الجاني - لا يصح عفوه، فإن قلنا: تجب الدية، فادعى الموكل العفو، وأنكر الوكيل - فالقول قول الوكيل مع يمينه، فإن صدقه في العفو، وادعى أنه لم يعلم - للوارث تحليفه، [فإن لكل - حلف الوارث]، وعلى الوكيل القود.
    فصل رُوي عن عبد الله بن بريدة [عن أبيه] قال: جاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله، غني قد زنيت، فطهرني، والله إني لحُبلى، قال: فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت، أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: فاذهبي، فارضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته، أتته بالصبي، في يده كسرةُ خبزٍ، فقالت: هذا - يا نبي الله - قد فطمته، فدفع الصبي إلى رجلٍ من المسلمين، وأمر الناس؛ فرجموها".
    المرأة الحاملُ: إذا وجبت عليها عقوبةٌ - فلا تقام عليها ما لم تضع، سواءٌ كانت العقوبة، نفساً أو طرفاً، أو جلداً، حقاً لله، أو للعباد؛ لما فيه من إهلاك البريء، وهو الجنينُ؛ بسبب المجرم، وسواءٌ حصل الولد بعد وجوب العقوبة، أو قبله: من زنا، أو من حلالٍ، حتى أن المرتدة إذا حبلت بالزنا بعد الردة لا تقتل ما لم تضع، وبعد الوضع - لا تُقام عليها العقوبة حتى تُرضع الولد اللبأ؛ لأن الولد لا يعيش بدونه، وبعده: إن لم يكن ثم مرضعةٌ - لا يقام حتى ترضع الولد حولين، وتفطمه، وإن كانت ثم مرضعةٌ - نظر: إن كانت العقوبة حق الله تعالى؛ كقتل الردة، والزنا، فلا يقام حتى تفطم الولد؛

[وتكفله] بدليل قصة الغامدية.
وإن كانت من حقوق العباد - يجوز إقامتها بعد إرضاع اللبإ، ثم إن لم ترغب المرضعة في إرضاعه - أجبرها الحاكم عليه، وأعطاها الأجرة.
وقولُ الشافعي - رضي الله عنه - فإن لم يكن لولدها مرضعٌ - فأحب لو تركت بطيب نفس الولي، فإن لم يفعل- قُتلت.
أراد إذ لم يكن [له موضعٌ راتبةٌ بأن] يوجد في البلد مراضعُ غير رواتب، أو بهيمةٌ ترضع بلبنها.
ويستحب ألا يقتل، حتى يوجد؛ لأن اختلاف الألبان، والتربية بلبن البهيمة يُفسد طبعهن فإن لم يصبر الولي - قتلت؛ لأن الولد يعيش بالألبان المختلفة، وبلبن البهيمة.
ولو ادعت المرأة أنها حاملٌ - فقد قال الشافعي - رضي الله عنه- تحبس حتى يتبين أمرها قال الإصطخري: لا يؤخر القتل، ولا تحبس لمجرد قولها؛ حتى يشهد أربع نسوة على الحمل، والأكثرون من أصحابنا على أن يؤخر القتل؛ بمجرد قولها، وتحبس؛ لأن الحمل، وما يدل عليه من انقطاع الحيض، وغيره، يتعذر إقامة البينة عليه، فقُبِلَ فيه قولها، فلو أقام العقوبة على الحامل: فإن ماتت الأم - لا يجب ضمانها؛ لأنها ماتت في حد عقوبة وجبت عليها، أما الجنين إن لم تلقه - لا يجب به شيء، وإن ألقت الجنين - يجب ضمان الجنين إن خرج ميتاً، فالغُرة - ون خرج حياً، فمات من ألمه - فالدية، وعلى من تجب- نظر: إن كان الولي القاتل، والإمام جميعاً عالمين بأنها حامل، أو كانا جاهلين بالحال، أو كان الإمام عالماً والولي جاهلاً - فالضمان على الإمام، ثم يجب على عاقلته، أم في بيت المال؟ - نظر: إن كان الإمام عالماً فعلى عاقلته، والكفارة في ماله؛ لأن العمد المحض، وشبه العمد من الإمام - كهو من غيره، والعمد المحض في إتلاف الجنين - لا يُتصور، وإن كان الإمام جاهلاً بالحالِ - ففيه قولان:

أصحهما: يجب على عاقلته كخطأ غيره يكون على عاقلته، والكفارة في ماله، وكما لو رمى إلى صيد، فأخطأ، وأصاب إنسان - تجب الدية على عاقلته.
والثاني: تجب في بيت المال؛ لأن خطأ الإمام يكثر في الحكم، فلو أوجبناه على العاقلة أدى إلى الإجحاف بهم؛ فعلى هذا: تجب الكفارة في ماله أم في بيت المال؟ - فيه وجهان: أحدهما: في بيت المال؛ الضمان.
[والثاني]: في ماله؛ لأن الكفارة لا يجري فيها التحمل؛ بدليل أن العاقلة لا تحملها.
وإن كان الإمام جاهلاً، والولي عالماً - فالضمانُ على عاقلة الوليِّ، والكفارة في ماله، ولا شيء على الإمام.
وعند المُزني - وبه قال بعض أصحابنا، وهو الأقيس -: إذا كانا عالمين، أو جاهلين - فالضمان على الولي؛ لأنه المباشر، كما لو حم له الحاكم بألف، فأخذ ألفين - كان الضمان على الآخذ.
قلنا: لأن - ثم - لم يسلطه الإمام على أخذ الزيادة، وههنا: سلطه على الأخذ.
ومن أصحابنا من قال فيما إذا كانا عالمين، أو جاهلين، إن كان القاتل جلاد الإمام، فالضمان على الإمام، وإن كان القاتل هو الولي - فالضمان على عاقلته، أم الإثم - فعلى العالم منهما دون الجاهل، وقد ذكرنا أن ضمان الأم لا يجب إذا ماتت، وإنما لا يجب إذا ماتت من ألم الضرب، فن ماتت من ألم الولادة تجب ديتها، وإن ماتت منهما - يجب نصف ديتها، ويكون على عاقلة الإمام أم في بيت المال؟ فيه قولان: والجاني إذا التجأ إلى الحرم تستوفي العقوبة منه في الحرم، نفساً كان أو طرفاً.
وعند أبي حنيفة: إن كانت العقوبة نفساً - لاتستوفي في الحرم، بل لا يكلم، ولا يُطعم حتى يضجر، فيخرج؛ حينئذٍ: تستوفي، إلا أن يُقتل في الحرم، فيقتص منه، ووافقنا في الطرف أنه يستوفي فيه في الحرم، سواءٌ كانت الجناية في الحرمِ؛ فالتجأ غليه، فقيس عليه.
فصل إذا قتل رجلاً، وارتد القاتلُ - يُقتل قصاصاً، أو يسقط قتل الردة، سواءٌ تقدمت الردة على القتل، او تأخرت؛ لأن القتل قصاصاً حق للآدمي، ومبناه على التشديد، وقتل الردة حق

الله تعالى، [ومبنى حقوق] الله تعالى على المساهلة، وكذلك: لو اجتمع في يمينه قطع القصاص، وقطع السرقة يقطع يمينه قصاصاً.
ويسقط قطع السرقة، سواءٌ تقدمت السرقة أوتأخرت، حتى لو قطع إصبع إنسان من يمينه، ثم سرق - تقطع إصبعه قصاصاً، ثم تقطع كفه عن السرقة.
ولو قطع يد رجلٍ، وقتل آخر - تقطع يده [أولاً]، ثم يقتل؛ سواء تقدم القتل أو القطع؛ لأن الجمع بين استيفاء الحقين ممكن وكذلك: لو اجتمع عليه قطع السرقة، وقتل القصاص تقطع يده للسرقة، ثم يقتل؛ سواءٌ تقدمت السرقة أو تأخرت، ولو قطع يمين رجلٍ، وقطع إصبعاً من يمين آخر - تقدم الأسبق، فإن قطع اليمين أولاً، تقطع يمينه، وللآخر دية الإصبع وإن قطع الإصبع أولاً - يقطع إصبعه، ثم للمقطوع يده - أن يقطع يده الناقصة، ويأخذ دية الإصبع؛ بخلاف ما لو قطع يد إنسان، وقتل آخر، يقدم القطع، ثم يقتل، ولا يجب؛ لنقصان اليد، وكذلك قلنا: تُقتل النفسُ الكاملة الأطراف شيء؛ لأن بدل النفس لا ينتقص بنقصان اليد، وبدل الطرف ينتقص بنقصان الإصبع، بالناقصة، [ولا تقطع اليد الكاملة باليد الناقصة] ولو قطع يد إنسان فاقتص منه، ثم مات المجني عليه بالسراية - فالولي بالخيار؛ إن شاء - حز رقبة الجاني، وإن شاء عفا، وأخذ نصف الدية، وإن مات الجاني بلا سبب، أو قُتل ظلماً، أو قصاصاً عن قتل أخر - أخذ نصف الدية من تركته.
ولو قطع يدي إنسانٍ، فاقتص منه، ثم مات المجني عليه بالسراية - للولي حر رقبة الجاني، ولو عفا - لا دية له؛ لأنه ليس له إلا دية واحدة، وقد استوفى ما تقابله ديةٌ كاملةٌ، وهو اليدان.
ولو قطع يد إنسان، فاقتص منه، ثم مات المقتص منه بالسراية - لا شيء على المقتص، وقال أبو حنيفة: [عليه] كمال دية المقتص منه وقال أبو يوسف: يجب نصفها، فنقول: قطع القصاص قطعٌ مستحق مقدر؛ فسرايته لا (تكون مضمونة)؛ كقطع السرقة؛ فإن السارق: لو قُطعت يده، فمات منه - لا يجب به شيء، ولو قطع يد إنسان فاقتص منه، ثم ماتا جميعاً بالسراية- نظر: إن مات المجني: عليه أولاً ثم مات الجاني، أو ماتا معاً صارت النفس بالنفس قصاصاً؛ لأن القصاص يجب في النفس بالسراية، فتصيرُ السراية بالسراية قصاصاً، وإن

مات الجاني أولاً، ثم مات المجني عليه - ففيه وجهان: أحدهما: لا شيء لأحدهما على الآخر، وصارت السراية باسراية قصاصاً، [وإن مات الجاني].
والثاني: - وهو الأصح-: لا تصير السراية بالسراية - قصاصاً؛ لأن القصاص لا يسبق الجناية، بل يرجع على المجني عليه بنصف الدية في تركة الجاني.
وإن قطع يد إنسان، ثم المجني عليه حز رقبة الجاني - نظر: إن مات المقطوع يده بالسراية - صار قصاصاً، وإن اندمل قطعه - قُتل قصاصاً، وعلى الجاني المقتول نصف الدية ليد المقطوع يده.
ولو قطع [رجل] يد رجلٍ، فعفا على نصف الدية، ثم سرى - صارت الجراحة نفساً، فيجب على القاطع دية النفس وتدخل فيها دية اليد، ولا قود عليه؛ لأنه عفا عن بعض القصاص؛ فسقط كله، ولو عاد الجاني، فحز رقبة المقطوع يده بعدما عفا هو عن يده - نظر: إن حز رقبته بعد اندمال اليد - يجب عليه القصاص في النفس مع دية، وإن عفا - فدية ونصف، وإن حز رقبته قبل اندمال اليد- ماذا يجب عليه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: وهو المذهب: عليه القود في النفس، ولا تجب دية اليد، وإن عفا الولي عن القود - فدية النفس، كما لو لم يعفُ عن القطع.
والوجه الثاني: قاله الإصطخري -: عليه القودُ في النفس ودية اليد، وإن عفا، فديةٌ ونصفٌ؛ كما لو حز رقبته بعد الاندمال.
والثالث: وهو الأضعف-: لا يجب القود في النفس؛ لأنه عفا عن بعضه، وعليه ديةُ النفس، ولاتفرد دية اليد؛ ما لو سرى القطع بعد العفو؛ لأن حز الرقبة قبل الاندمال بمنزلة اسرايةن ولو قتل رجلاً يس لولي الدم قطع يد القاتل؛ فلو قطع يده، ثم عفا عن النفس على غير مال - نظر: إن سرى القطع إلى النفس، فالعفو لغو، وإن وقف - صح العفو، ولا شيء عليه لقطع اليد.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله - تجب نصف الدية؛ لقطع اليد:

فنقول: قطعٌ؛ لو سرى - لم يكن مضموناًن فإذا وقف - لا يكون مضموناً كقطع يد المرتد والسارق.
فصل إذا قتل رجلٌن وله وارثان اثنان، أو أخوان - ليس لأحدهما قتلُ قاتله دون الآخر.
وقال بعض أهل المدينة: يجوز لكل واحدٍ منهما قتله، حتى لو عفا أحدهما- فللآخر قتله.
قلنا: الحق ثبت لهما؛ فلا ينفرد أحدهما بالاستيفاء كالدية لا ينفرد أحدهم باستيفاء كلها، فلو بادر أحدهما، وقتله دون صاحبه، لا يخلو: إما إن قتل قبل عفو الآخر.
أو بعده، فإن قتل قبل عفوه - نظر: إن كان عالماً بتحريمه.
فهل عليه القود؟ فيه قولان: أصحهما: وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة-: لا قود عليه، وفيه معنيان.
أحدهما: لاختلاف العلماء فيه؛ فإن منهم من يجوز له الاستيفاء دون الآخر.
والمعنى الثاني: لأن له فيه شركاء؛ فيصيرُ شبهةً في سقوط العقوبة، كما لو وطيء جارية مشتركة بينه وبين غيره؛ لا يجب عليه الحد.
يجب القود؛ لأنه اقتص أكثر من حقه، كما لو ثبت له القصاص في طرف رجلٍ، فقتله.
والثاني: يجب عليه القود.
فإن قلنا: يجب القود: فإن استوفى ولي قاتل الأب القود من الابن القاتل -فالابن الذي لم يقتل مع وارث الابن القاتل - يرجعان بتمام الدية في تركة قاتل الأب، وإن عفا ولي قاتل الأب عن الابن القاتل - نظر: إن عفا مجاناً، أو مطلقاً، وقلنا: مطلق العفو لا يوجب المال - فالابنان يرجعان بالدية في تركة قاتل الأب، وإن عفا على الدية، أو عفا مطلقاً، وقلنا: مطلق العفو لا يوجب المال - فالابنان يرجعان بالدية في تركة قاتل الأب، وإن عفا على الدية، أو عفا مطلقاً، وقلنا: مُطلق العفو يوجب الدية - فالابنُ الذي لم يقتل -يرجع في تركة قاتل الأب بنصف الدية، ووارث قاتل الأب يرجع بنصف الدية على الابن القاتل، والنصف بالنصف يصيرُ قصاصاً.
فإن قلنا بالقول الأصح؛ أن لا قود على الابن القاتل - فالابن الذي لم يقتل - فمن يأخذ

نصيبه من الدية؟ فيه قولان: أحدهما: يأخذه من الابن القاتل، لأنه استوفى حقه مع حق نفسه ما لو أودع عند إنسانٍ وديعةً، ومات عن اثنين، فأتلفها أحدهما، رجع الآخر بقيمة حصته على أخيه المتلف، لا على المودع، والنصف الذي وجب القاتل - صار قصاصاً بالنصف الذي وجب عليه.
والقول الثاني: وهو الأصح واختاره المزني-: أن الابن الذي لم يقتل - يرجع بنصيبه من الدية في تركة قاتل الأب؛ كما لو قتله أجنبيٌّ لا يكون حقه على الأجنبي، بل يكون في تركة قاتل الأب؛ بخلاف الوديعة؛ لأنها لم تكن مضمونة على المودع؛ بدليل أنها لو تلفت في يده - لم يلزمه ضمانُها، ولو أتلفها أجنبي - كان الضمان على المتلف، وههنا: نفس قاتل الأب مضمونةٌ؛ بدليل أنه لو مات أو قتله أجنبي - كانت الدية للاثنين في تركته.
فإن قلنا: يرجع الابن الذي لم يقتل على الابن القاتل، فلو أنه أبرأ وارث قاتل الأب عن حقه -لم يصح الإبراء؛ لأنه لا شيء له عليه، ولو أبرأ الابن القاتل - يبرأ، ولو عفا وليُّ قاتل الأب الابن القاتل عن الدية - لا يسقط حق الابن الذي لم يقتل، وهل يصح عفوه عن نصف الدية الذي ثبت له على الابن القاتل؟ يبنى على أن التقاص في الديتين - هل يقع بنفس الوجوب؟ [وفيه قولان: إن قلنا: يقع بنفس الوجوب]- فالعفو لغوٌ؛ لأنه ثبت لكل واحدٍ على الآخر نصف الدية، وقد تقاصا.
وإن قلنا: لا يقع التقاص بنفس الوجوب حتى يتراضيا، فعفو الولي عن نصف الدية الذي ثبت له على الابن القاتل - صحيحٌ، وللابن القاتل نصف الدية في تركة قاتل الأب، وإن قلنا: بالقول الأصح؛ إن الابن الذي لم يقتل - يرجع بنصيبه من الدية في تركة قاتل الأب-: فقد ثبت لولي قاتل الأب على الابن القاتل ديةٌ تامةن وثبت له في تركة قاتل الأب نصف الدية، فالنصف بالنصف: يتقاصان، ويرجع وليُّ قاتل الأب عليه بنصف الدية، فلو أبرأ الابن الذي لم يقتل أخاه - لا يصح الإبراء؛ لأنه لا شيء له عليه، ولو أبرأ وارث قاتل الأب - يبرأ، ولو عفا وارثُ قاتل الأب عن الدية: إن قلنا: يقع التقاص بنفس الوجوب صح عفوه عن نصف

الدية، والنصف بالنصف صار قصاصاً قبل عفوه، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وإن قلنا: لا يقع التقاص بنفس الوجوب- صح عفو وارث قاتل الأب عن جميع الدية، ويرجع الابن القاتل بنصف الدية في تركة قاتل الأب؛ هذا إذا قتله أحد الاثنين عالماً بالتحريم، فإن قتله جاهلاً بالتحريم، فلا قصاص عليه، وتجب الدية، ثم تجب في مال الابن القاتل أم على عاقلته؟ فيه قولان: أحدهما: في ماله؛ لأنه قصد القتل.
والثاني: على عاقلته؛ لأنه كان جاهلاً بالتحريم؛ فأشبه الخاطيء فإن قلنا: تجبُ على عاقلته - فالابنان يأخذان الدية من تركة قاتل الأب في الحال، ووارث قاتل الأب يأخذ ديته من عاقلة الابن القاتل إلى ثلاث سنين.
وإن قلنا: تجبُ من مال الابن القاتل؛ فتكون حالة، والابن الذي لم يقتل عمن يأخذ حصته: من الدية من الابن القاتل، أو من تركة قاتل الأب؟ فعلى ما ذكرنا من القولين: هذا إذا قتله أحد الوليين قبل عفو الآخر.
فإن قلنا: بعد عفو الآخر - نظر: إن كان عالماً بعفوه - هل يجب عليه القود؟ نُظر: إن كان بعدما حكم الحاكمُ بسقوط القود - يجب القود؛ لأنه لم يبق [له] شبهةٌ فيه، وإن كان قبل حُكم الحاكم - يرتبُ على ما لو قتله قبل العفو، إن قلنا: ثم يجب القود، - فههنا: أولى، وإلا فعلى وجهين بناءً على المعنيين في سقوط القود قبل العفو، إن قلنا: المعنى هناك اختلافُ العلماء - فههنا: لا يجب القود؛ لبقاء الاختلاف، وإن قلنا: الشبهة الشركة، فههنا: يجب القود، وهو المذهب؛ [قلنا] فلو قلنا: يجب، فإن كان جاهلاً بالعفو - هل يجب؟ فيه قولان: بناءً على ما لو قتل شخصاً عرفه مرتداً، ثم بان أنه قد أسلم، ففي وجوب القود قولان، ولو وجب القصاص على رجل، فقتله أجنبي - يجب عليه القصاص لورثته، لا لمن له القصاص؛ لأنه لدرك الغيظ، والغيظُ للورثة، وحق من له القصاص في تركته، ولو عفا وارثه عن القصاص على الدية - فالدية للوارث، على اصحيح من المذهب؛ القصاص، وحق من له القصاص في تركته.

وفيه وجه آخر: [أن الدية] لمن له القصاص؛ كما لو قُتلَ المرهونُ كانت القيمة مرهونة.
فصلٌ إذا ثبت قصاص واحدٌ لجماعةٍ؛ بأن قُتل رجلٌ، وله جماعةٌ من الورثة، وتنازعوا في الاستيفاء - يقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة - يستوفيه بإذن الباقين، ولا يجوز دون إذنهم، حتى لو قالوا يؤخر لهم ذلك، بخلاف التزويج إذا أقرع بين الأولياء - يجوز لمن خرجت له القرعة أن يزوج دون إذن الباقين، لأن مبنى النكاح على اللزوم، بدليل أن الولاة لو امتنعوا من التزويج يزوجها القاضي، ومبني القصاص على السقوط؛ بدليل أنهم لو تروه - لا يستوفيه غيرهم، وهل يدخل في القرعة من لا يحسن القتل؛ كالشيوخ والنسوان - فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن المقصود منه القتل، وهم لا يحسنونه.
والثاني- وهو الأصح-: يدخل في القرعة؛ [لأن له حقاً في القصاص.
فإن خرجت له القرعة - فوض إلى من يُحسن القتل.
وإن قلنا: لايدخل: فلو خرجت القرعة لقادر، فعجز - تعاد القرعة].
بين الباقين، وعلى الوجه الآخر: لا تعاد القرعة، بل يفوض العاجز إلى من يستوفي.
وإذا نصب الإمام رجلاً لاستيفاء القصاص والحدود، [ولم يتطوع] به - يرزقه من خُمس المصالح: فإن لم يكن له خمسٌ، أو كان، ولكن يحتاج إليه لما هو أهم؛ فيكون أجرته على الجاني [لأنه فوته] حقاً يستوفي منه؛ كما أن أجرة الدلال والكيال تكونُ على من يلزمه الإيفاء.
وعند أبي حنيفة: يكون على المقتص: فإن كان الجاني معسراً يستدان عليه وقيل: ستدان على بيت المال في حدود الله تعالى؛ فإن قال الجاني: أنا أقتص من نفسي، ولا أعطي الأجرة - لم يكن له ذلك لأن من لزمه إيفاء حق لغيره - لا يستوفيه بنفسه؛ كالبائع لا يقتص للمشتري من نفسه، فلو قطع يد نفسه قصاصاً بإذن المستحقِّ، أو قتل نفسه بإذن الولي - هل

يسقط حق المستحق؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو أقام جلد الزنا على نفسه بإذن الإمام، أو حد القذف بإذن المقذوف - لا يسقط الحد عنه [و] كما لو قبض المبيع من نفسه بإذن المشتري لا يحصل القبض.
والثاني: يسقط؛ لأن المقصود من القصاص إفاتة المحل بإذن المستحق، وقد وجدوا المقصود من قبض المبيع إزالة يد البائع، ولم توجد.
قال شيخنا الإمام - رحمه الله - ولو قطع السارق يد نفسه بإذن الإمام - سقط وإذا قال: أنا أقطع من نفسي - هل يمكنه الإمام؟ وجهان: أحدهما: لا؛ كالقصاص.
والثاني: بلى؛ لأن المقصود منه التنكيل بتنقيص البطش، ويحصل ذلك بفعله؛ بخلاف القصاص؛ لأنه للتشقي، ولا يحصل بفعله.
أهـ. باب القصاص بغير السيف قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة 194]، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [قال]-: "من حرق، حرقناه؛ ومن غرق غرقناه".
القتلُ نوعان موحٍ وغير موحٍ، فالموحي مثلُ أن يضربه بسيفٍ أو بمحددٍ [فيجهز قتله-[يُقتل] بمثله، ولك لو ضربه بمثقل، أو خنقه، أو غرقه في ماء، أو ألقاه في نار، أو رماه من شاهق، أو حبسه بلا طعام حتى مات - يجوز الاستيفاء بمثله، والأولى: أن يقتله بالسيف، وعند أبي حنيفة: لا يستوفيه إلا بالسيف، ويتحقق الخلافُ معه [في التحريق]؛ لأنه لا يوجب القود في القتل بغير المحدد إلا في التحريق؛ والدليل عليه: ما رُوينا عن أنسٍ؛ أن يهودياً رضخ رأس جاريةٍ بالحجارة، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرضخ رأسه

جارٍ التحميل