التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 3-51

"باب تحريم القتل ومن عليه القصاص" قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33].
ورُوي عَنْ

عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل قتل امريء مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: كُفرٍ بعد إيمانٍ، أو زناً بعد إحصانٍ، أو قتل نفسٍ بغير نفسٍ".
قتل الآدمي بغير جنايةٍ تبيح دمه-: حرام؛ وهو من أعظم الكبائر بعد الشرك بالله تعالى.
" [و] رُوي عن عبد الله بن مسعودٍ؛ أن رجلاً قال: يا رسول الله: أي الذنب أكبر عندَ

الله؟: قال: أن تدعو لله نداً، وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن تطعمه معك، قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تُزاني حليلة جارك".
فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68] ثم القتل إذا كان عمداً يتعلق به القصاص عند وجود تكافؤ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33].
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قُتل عمداً فهو قودٌ، ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ".
وشرائط التكافؤ اثنان: الإسلام والحرية، فإذا استوى القتل والمقتول في الإسلام والحرية، ولم يكن بينهما شبهة الأبوة، وكان القتل عمداً محضاً - وجب القصاص، فإن اختلفا في الكفاءة قُتل المفضول بالفاضل، ولا يقتل الفاضل بالمفضول.
بيانه: يُقتلُ المسلمُ بالمسلمِ، والذمي بالذمي والمعاهد بالمعاهد [وإن اختلف دينهما، ويقتل المعاهدُ بالذميِّ، والذميُّ بالمعاهدِ]، ولا يقتلُ المسلمُ بالذميِّ ولا بالمعاهدِ؛ لما رُوي عن علي - عليه السلام - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يُقتل مؤمنٌ بكافرٍ".

وهذا قولُ أكثر أهلِ العلم، وذهب الشعبي والنخعي إلى انه يقتلُ المسلمُ بالذمي والمعاهد.

وعند أبي حنيفة: يقتلُ [المسلمُ] بالذميِّ، ولا يقتلُ بالمعاهدِ.
فنقول بعد الخبر: المقتولُ منقوصٌ بنقص الكفرِ؛ فلا يجب القصاصُ بقتله على المسلم كالمعاهد، ويقتل الذميُّ والمعاهدُ بالمسلمِ، ولا قصاص على الحربي بقتل المسلمِ؛ لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام.
ولو قتل ذمي ذمياً، ثم أسلم القاتلُ يُستوفي منه القصاصُ؛ لأنه كان مكافئاً [له] حالة القتل، ويراعى في العقوبات حالة الجنايات؛ كالعبد إذا زنى، أو قذف، ثم عتق - يُقام عليه حدُّ العبيد، ويستوفي الإمام القصاص عن المسلم بطلب وارث المقتول الكافر، ولا يفوضه إلى الوارث الكافر؛ لأنه لا يجوز تسليط الكافر على المسلم بالقتل والعقوبة، إلا أن يُسلم الوارثُ فيفوضه إليه.
ولو جرح [ذميُّ] ذميَّا، أو مستأمناً، فأسلم الجارحُ، ثم مات المجروح بالسراية، فإن كان قد قطع طرفاً في حال الكفر يثبت القصاص في ذلك الطرف.
وهل يثبت القصاص في النفسِ؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قولُ الأكثرين- يثبت؛ لوجود التكافؤ في حالة وجود السبب وهو الجرحُ؛ كما لو جُن الجارحُ، ثم مات المجروحُ - يجب القودُ.
والثاني: وهو القياسُ: لا يثبت القودُ، لعدم التكافؤ في أحد الطرفين؛ كما لو جرح مسلمٌ مسلماً، فارتد المجروح ومات - لا يجب القصاص في النفس، وكما لو جرح مسلمٌ ذمياًّ، ثم أسلم المجروح، ومات بالسراية - لا يجب القودُ؛ لعدم التكافؤ في حالة الجرح.
ومن قال بالأول أجاب: أن فيما أوردتم تغيَّر حالُ المجني عليه، وما هنا تغير حالُ الجاني، فإن قلا يجب القصاص، فإن كان الجرح خطأ - فالدية كلها على عاقلة الذميين.

وإن قلنا: لا يجبُ فضمانُ الجراحة على عاقلته الذميين، والباقي إلى تمام الدية في ماله.
ولو جرح مسلمٌ ذمياً، ثم ارتد الجارح، ثم مات المجروح- لا قود؛ لعدم التكافؤ في حالة الجناية، كما لو قلته، ثم ارتدَّ، ولو قتل ذميٌّ مسلماً، ثم أسلمَ - لا يسقط عنه القصاص، بخلاف ما لو قتل حربيُّ مسلماً، ثم أسلم - لا يُقتلُ به؛ لأنه لم يكن ملتزماً أحكام الإسلام حالة القتل؛ فلم يجب عليه القصاص.
ولو قتل مرتدٌ ذميًّا، ففيه قولان: أحدهما: وهو الأصح: [أنه] يجب القصاص؛ لأنهما كافران كالذميين؛ بل [المرتد] أسوأ حالاً من الذمي؛ فإنه لا يقر على دينه، ولا تحل ذبيحته؛ فأولى أن يُقتل بالذميِّ.
والثاني: لا يُقتل به؛ لأن حكم الإسلام باقٍ في المرتد؛ بدليل أنه يجب عليه قضاء الصلوات، ويحرم استرقاقه.
ولو قتل ذميٌّ مرتداً: اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: فيه قولان: بناء على المسألة الأولى: إن قلنا: يُقتل به المرتدُّ؛ لأنه أسوأ حالا ًمنه - فلا يقتل به الذميُّ؛ لأنه خيرٌ من المرتدُ.
وإن قلنا: لا يقتل به المرتد؛ لبقاء حكم الإسلام فيه؛ فيقتل الذميُّ بالمرتدِّ.
ومن أصحابنا من قال، وهو الأصح: لا يقتل به؛ لأن المرتد مباحُ الدم، فلا يضمن دمُه بالقصاصِ؛ كما لا يضمن بالدية.
وقيل: إذا قلنا: يجب القصاص، فعند العفو تجب الدية، وكذلك إذا كان القتلُ خطأ؛ لأنه مباحُ الدم [للمسلمين] لا للكفار.
فعلى هذا يجب أقل الديات، وهو دية مجوسيٍّ؛ لأنه لا دين له.
فإن قلنا: يقتلُ المرتدُّ بالذميِّ، فهو كالذمي يقتلُ ذميًّا، حتى لو جرح مرتدٌّ ذميًّا، ثم أسلم الجارح، ثم مات المجروح، ثم مات المجروح بالسراية - هل يقتلُ به؟: فيه وجهان: ولو قتل مرتدٌ مرتدًّا، ففي وجوب القود وجهان.
وكذلك الزاني المحصن إذا قتل مثله، وكذلك المرتدُّ إذا قتل زانياً محصناً، ولو قتلَ

الزاني المحصن مرتدًّا؛ فإن كان الزاني مسلماً فلا قود عليه، وإن كان ذميًّا، فوجهان: قال الشيخ الإمام -رحمه الله-: الأصح عندي.
"أن لا قود على من قتل مرتدًّا، أو زانياً مُحصناً؛ لأن دمَهُ مباحٌ؛ فلا يضمن بقصاصِ، ولا دية".
فصل في شرط التكافؤ في القتل قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ...﴾ الآية [البقرة: 178]. لا يقتل الحرُّ بالعبد، سواء كان قتل عبد نفسهِ، أو عبد غيره، وكذلك لا يُقتل الحرُّ بالمكاتب، ولا بالمدبر، ولا بأم الولد، ولا بمن بعضه حرُّ، وبعضه رقيقٌ، ويقتلُ هؤلاء بالحر، سواء قتل سيده، أو أجنبياً.
وقال الشعبي، والنخعي: يُقتل الحر بالعبد على الإطلاق.
وقال أبو حنيفة، والثوري: يُقتل بعبدِ الغيرِ، ولا يُقتل بعبدِ نفسهِ.
فنقول: اتفقنا على أنه لا نقطعُ طرفَ الحر بطرف العبد؛ فلأن لا يقتل به أولى؛ لأن حرمةَ النفس أعظمُ من حرمة الطرف.
ويُقتل المكاتبُ، والمدبر، وأم الولد بالعبد القن؛ كما يقتل بعضهم ببعضهم، ولا يُقتل من بعضه حر بأحدٍ من هؤلاء؛ لما فيه من فضل الحرية.
ولو قتل من بعضه [حر وبعضه] رقيق [شخصاً بعضه حرٌّ وبعضه رقيق] لا يقتل به، سواء كان الرق في القاتل أقلَّ، أو أكثر، أو استويا؛ لأنه قتله بجميع بدنه، لا أنه قتل بنصفه الحر نصفه الحر وبنصفه المملوك نصفه المملوك.
ففي الاستيفاء لا تتقابل الحرية بالحرية، والرق بالرق، بل تتوزع، فيصير بعض الحرية مستوفي بمقابلة الرق؛ بدليل أن من نصفه حر ونصفه رقيق إذا قتل شخصاً في مثل حاله خطأ - يجب بقتله نصف الدية، ونصف القيمة، ولا يقال: يتعلق نصف القيمة برقبة القاتل، ونصفُ

الدية في ماله، بل ربع الدية يتعلق برقبته، والربعُ بماله، والقمةُ كذلك.
وقيل: "إن كان الرق في القاتل أكثر، أو استويا- يجب القود"؛ وليس بصحيح.
ولو قتل عبدٌ عبداً، ثم عتق القاتلُ - يستوفي منه القود ولو جرح عبدٌ عبداً، فعتق الجارحُ، ثم مات المجروح بالسراية - فهل يُقتل به؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا في المسلم مع الذمي: أحدهما: وهو قول الأكثرين: يُقتل به.
والثاني، وهو القياسُ: لا يقتل؛ لعدم التكافؤ في حالة زهوق الروح؛ كما لو جرح حرٌّ عبداً، ثم عتق المجروح؛ فمات بالسراية - لم يجب القود؛ لعدم التكافؤ حالة الجرح، وإن كان قد قطع طرفاً في حال الرق ثبت القصاص في ذلك الطرف؛ كما ذكرنا في المسلم مع الذمي.
ولو قتل عبدٌ مسلمٌ عبداً مسلماً لذمي يجب القود، ويستوفيه الإمام بطلب الذميِّ، ولا يجعل استيفاؤه إلى الذميِّ؛ لأنه كافرٌ لا يجوز تسليطه على المسلم بالقتل، ويجب بقتل العبد قيمته بالغةً ما بلغت، وإن زادت على دية حرِّ؛ وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: لا يبلغُ بقيمة عبدٍ دية حرِّ.
بل إن كانت قيمته مثل دية حر ينقص عن عشرة آلاف درهم عشره، وإن كانت جارية، فينقص في خمسة آلاف عشره، فنقول: ما يُضمن في الغصب بكمال القيمة يُضمن في القتل بكمالها كالبهيمة.
فصلٌ رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ [أنه] قال: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يُقاد بالولد الوالد" لا يجب القصاص على الوالد بقتل ولده لحرمته؛ كما لايحد بقذفه وكذلك لا تُقتل الأم بالولد، ولا أحد من الجدات والأجداد، وإن علا - بالنافلة، ولا يحد بقذفه، سواء كانوا من قبل الأب، أو من قبل الأم.

ويُقتلُ الولدُ بالوالدِ ويُحدُّ بقذفه، وكذلك يقتلُ الأخُ بالأخ، وابن الأخ بالعم والعمة، وابن الأخت بالخال والخالة، وهما به؛ كما يجب عليهم حد القذف؛ لأنهم ليس لهم من الحرمة ما للوالدين.
ولو قتل الأب الرقيقُ عبد ابنه - لا قصاص عليه؛ لأنه لو ثبت لثبت للابن، ولو قتل الابن الرقيق عبد الأب - فللأب أن يقتص منه، ولا يقتل الأب الرقيقُ بالابن الحُرِّ؛ لفضيلة أبوته، ولا الابن الحر بالأب الرقيق، لفضيلة [حريته]، ولا الأب الذمي بالابن المسلم؛ لفضيلة أبوته، ولا الابن المسلم بالأب الذميِّ؛ لفضيلة إسلامه، ولا العبد المسلم بالحر الذمي؛ لفضيلة إسلامه، ولا الحر الذمي بالعبد المسلم؛ لفضيلة حريته.
لا يُقابل بعض أسباب الكفاءة بالبعض.

ولو قتل المكاتب أباه، وهو في ملكه، يكاتب عليه -: فيه وجهان: أحدهما: لا قصاص؛ لأن المولى لا يُقتل بعبده.
والثاني: يقتص منه؛ لأن الأب ثبت له حق الحرمة؛ ما ثبت للمكاتب؛ ولذلك لا يجوز بيعه، فصار كالحر يقتل [أباه].
ولو ادعى رجلان نسب مجهولٍ، فقبل الإلحاق بأحدهما؛ قتلاه، او قتله أحدهما - لا قصاص عليه؛ لأن كل واحد منهما عرضِ أن يكون أباً]، ولو رجعا عن الدعوى لا يُقبلُ رجعوهما؛ لما فيه من تضييع النسب، ولا يجب القصاص، فلو رجع أحدهما يلحق بالثاني، وعلى الراجع القود، وعلى الآخر نصف الدية إن كانا قتلاه.
وإن كان مولوداً على فراش رجلين بأن نكحت امرأة في عدة زوجها، فأتت بولدٍ لمدة يمكن أن يكون منهما؛ [فقتلاه] أو أحدهما قبل أن يلحق بواحدٍ - لا قصاص عليهما، سواء ادعياه، أو أنكراه.
ولو نفاه أحدهما، هل يلحق بالثاني؟ أم يرى القائف؟ قوفان: أحدهما: يلحق بالثاني، وعلى النافي القود؛ كما في مجهول النسب إذا رجع أحدهما.
الثاني: وهو المذهبُ لا ينتفي عنه، ولا يجب القود، بخلاف مجهول النسب؛ لأن النسب ثم ثبت بالدعوة، وبطلت الدعوة بالرجوع؛ وههنا يثبت بالفراش.
ولا يزول ذلك بإنكار الوالد، ولو ألحقه القائف بأحدهما بعدما قتلاه - قُتلَ به الآخرُ.
ولو ألحقه القائف بأحدهما، أو انتسب المولود إلى أحدهما، ثم قتله الملحق به - لا قصاص عليه، ولو أقام الآخر بينة بعده ألحق به، وقتل القاتل.
وإذا ألحقه القائف بعد القتل بغير القاتل، أو بأحدهما - لا يُقتل الآخرُ؛ لأنه حكم ثبت بعد القتل.
ولو قتل إنساناً، ووارثه ولدُ القاتلِ - لا يجب القود؛ مثل: إن قتل زوجته، ولها منه ولدٌ أو قتل زوجة ابنه، أو أم الولد قتلت سيدها، وولدها منه حيٌّ - لا قود؛ لأنه لو ثبت، لثبت

[للولد على الوالد، وكذلك لو قتل أمه أو أباه، وله ولد، فلا قود، لأنه لوثبت، ثبت] لولده.
وكذلك لو صار بعض القصاص بعد وجوبه ميراثاً لبعض أولاده - يسقط؛ مثل: إن قتل أبا زوجته ثبت القصاص عليه لزوجته؛ فماتت الزوجة، ولها منه ولد - انتقل حقها على الولد؛ فسقط عن الأب.
وكذلك من ورث بعض قصاص وجب عليه، يسقط كله؛ مثل: إن قتل أباه، وله أخ - ثبت القصاص لأخيه عليه، فإذا مات الأخ، والقاتل وارثه؛ يسقط عنه القصاص.
وعلى هذا: أخوان لأبٍ، وأم، قتل أحدهما الأب، والآخر الأم: ننظر: إن لم تكن الأمُّ في نكاح الأب - ثبت القودُ لكل واحدٍ منهما على الآخر؛ فالثاني يقتل الأول، ثم ولد الأول يقتل الثاني.
وإن كانت الأم في نكاح الأب حين قتلاهما.
ينظر: إن قتلاهما معاً، والاعتبار في وقوعهما معاً بزهوق الروح لا بالجرح - يجب القود عليهما؛ لأنهما إذا ماتا معاً لم يرث أحدهما الآخر؛ فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة قتل الآخر، ثم ولد المقتول يقتل الثاني، وإن قتلا على الترتيب، فلا قود على من سبق قتله.
بيانه: قتل أحدهما الأب، ثم الثاني قتل الأم - سقط القود عن قاتل الأب؛ لأنه لما قتل الأب، ثبت القصاص لأخيه ولأمه، فإذا قتل الآخر الأم ورث قاتل الأبِ القصاص الذي ثبت للأم عليه؛ فسقط.
ولو شهد الابنُ على الأب بالقتل - يقتل؛ لكن رد الشهادة للتهمة، ولا تهمة في شهادته.
ويُقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، ولا يجب شيءٌ من الدية بعد القتل، وتُقتل الخنثى بهما، وهما بالخنثى، ويقتلُ العالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والشيخ بالشاب، ويقتل البالغ بالصبي، والعاقل بالمجنون.
ولو قتل صبي أو مجنونٌ إنساناً - لا قصاص عليه؛ لأن القتل عنه مرفوعٌ؛ كالنائم

تقلب على إنسانٍ، فيقتله - لا قود عليه.
أما السكران إذا قتل إنساناً فهو كالعاقل؛ يجب عليه القود على الصحيح من المذهب.
ولو قتل رجلاً، أو أقرَّ على نفسه بالقتل، أو شهد عليه الشهود بفعل القتل، أو بالإقرار، فادعى القاتلُ: أني كنت يوم القتل صغيراً، وقال الولي: كنت بالغاً - فالقولُ قولُ القاتل مع يمينه؛ لأن أحداً لا يخلو عن الصغر، فالأصل بقاؤه.
ولو قال: كنت مجنوناً يوم القتل، نظر: إن عُرفَ به جنون سابقٌ، وإن كان مرة واحدة - قُبِلَ قوله مع يمينه، وإن لم يعرف فالقول قول الولي مع يمينه، يحلفُ أنه كان عاقلاً، ويستحق القود.
ولو أقام الولي بينةً؛ أنه قتله عاقلاً، وأقام القاتل بينة أنه قتله مجنوناً - سقطتا، وحلف القاتل.
فصلٌ قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية [المائدة: 45].
وهذا إخبار ٌ عن حكم التوراة، وقد ثبت ذلك من شرعنا.
رُوي عن أنس بن مالك؛ أن الربيع بنت النضر بن أنس - وهي عمةُ أنس بن مالِك - رضي الله عنه - كسرت ثنية جاريةٍ منَ الأنصار، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كتاب الله القصاصُ؛ فرضي القوم وقبلوا الأرش".

والقصاص يجري في الأطراف على حسب ما يجري في النفوس؛ لأن القصاص ثبت في النفوس؛ لصيانة النفوس عن الإهلاك؛ فثبت في الأطراف أيضاً؛ لصيانة الأطراف، فكل من يُقتل بشخصٍ يُقطعُ طرفه بطرفه عند سلامةِ المقطوع، ومن لا يقتل به لا يقطع طرفه بطرفه، حتى يقطع طرفُ الرجل بطرف المرأة، وطرفُ المرأة بطرف الرجلِ، ويقطع طرفُ الذمي بطرف المسلم، وطرفُ العبد بطرف الحرِّ، وطرف الولد بالوالد.
ولا يقطع طرف المسلم [بطرف] الذمي، ولا طرف الحرِّ بطرف العبدِ، ولا الوالد بالولد، ويقطع طرفُ العبد بطرف العبد، وإن اختلفت قيمتُهُما.

وعند أبي حنيفة: لا يجري القصاصُ في الطرف الأيمن حرين، أو حرتين ولا يجري بين الذكر والأنثى، ولا بين الحر والعبد؛ لتفاوت بدنهما، كذلك لا يجري بين العبدين؛ لأنهما قد يختلفان في القيمة.
فنقول: كل شخصين يجري القصاص بينهما في النفس، فيجري في الطرف عند سلامته كالحرين.
أما إذا قطع يداً، شلاءَ أو ناقصة بإصبعٍ - فلا تُقطع بها اليد الصحيحة بخلاف الرجل الصحيح السوي؛ يُقتل بالمريض والزمن، وبالناقص الأطراف؛ لأن القصاص في النفس يجري في الروح، والزمانة لا تحل الروح، والطرف يحله الشلل، والشللُ منه كالموتِ، ولا يُقتل الحي بحز رقبة الميت.
فصل في قتل الجماعة "رُوي أن عمر - رضي الله عنه - قتل خمسة أو سبعةً برجلٍ قتلوه غيلةً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً".
إذا قتل جماعةٌ واحداً يُقتلون به عند أكثر أهل العلم، لأن القصاص شُرعَ لصيانة الدماء عن الإراقة، فلو منعناه عند الاشتراك استعان كل من أراد إهلاك عدوه بغيره في قتله؛ لإسقاط القصاص؛ فكان ذريعة لإراقة الدماء، وسواء قتلوه بمحددٍ، أو ضربوه بمُثقلٍ كبيرٍ، أو هدموا عليه بناءً، أو رموه من شاهقٍ، أو ألقوه في ماءٍ، أو نارٍ.

وإذا جرحوه فلا فرق بين أن يكون راحةُ بعضهم لها أرش مقدر دون بعضٍ، وسواء تفرقت جراحاتهم، أو اجتمعت بعد أن يكون الكل قبل الاندمال.
وإن جرح واحد جراحة واحدة، والآخر عشر جراحات فأكثر فالكل سواءٌ في القصاص، وعند العفو لا تجب إلا دية واحدة، وتوزع الدية على عدد رءوسهم لا على عدد جراحاتهم؛ لأنه قد تكون نكاية جراحة واحدة في الباطن أكثر من نكاية جراحاتٍ كثيرة، فلو أراد الوليُّ أن يقتل بعضهم، ويأخذ من الباقين ما يخصهم من الدية يجوز.
وقال الزهري، وابن سيرين: إذا قتل جماعةٌ واحداً لا يقتلون به، بل يختار الولي منهم واحداً فيقتله، ويأخذ من الباقين حصتهم من الدية، ويروي ذلك عن معاذ بن جبل.
وقال ربيعة وداود: إذا قتل الجماعة واحداً - لا يجب القود، وإنما تقتل الجماعة بالواحد بشرائط: أحدها: أن تكون جناية كل واحد منهم مما يقصد بها القتل، فإن خدش واحدٌ منهم خدشة، وجرح الآخرون فالقصاص على الجارحين دون الذي خدش.
الثاني: أن يكون الكل عامدين، فإن أخطأ بعضهم؛ فلا قود عليهم في النفس.
الثالث: ألا يكون البعض موجباً، حتى لو جرحه جماعة، ثم جاء آخر فحز رقبته - فالقود في النفس على من حز الرقبة؛ لأن حز الرقبة يقطع سراية الجراحات، وعلى الجارحين أروش جراحاتهم، أو القصاص في الطرف على من قطع منهم طرفاً.
الرابع: أن يكون الكل قبل الاندمال، حتى لو جرحه رجلٌ، ثم بعد الاندمال جاء آخر فجرحه فمات - يجب القود في النفس على الآخر، أو كمال الدية، وعلى الأول أرش جراحته.
فلو ادعى الأول اندمال جراحته، وأنكر الولي - فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه، ولو صدقه الولي، وأنكر الجارح الثاني - فالقصاص في النفس ساقطٌ عن الأول بتصديق الولي، ولم يكن له على الآخر إن عفا عن القود إلا نصف الدية، ولا يُقبل قوله على الثاني إلا ببينة تقومُ على الاندمال؛ حينئذٍ يأخذ منه كمال الدية.

ولو ضرب جماعةٌ واحداً سوطاً أو عصاً خفيفةً، فقتلوه نُظر: ن ضرب كل واحد منهم قدراً لو حصل به القتل منفرداً تعلق به القصاص - وجب عليهم القود، وعند العفو عليهم مال الدية، ثم إن تفاوتوا في عدد الضربات تُوزع الدية على عدد رءوسهم، أو على عدد الضربات؛ لأن الضرب يلاقي الظاهر، فلا يقع بين الضربات كثير تفاوتٍ، والجرح يُلاقي الباطن، ويكثر التفاوتُ بين الجراحات في نكاية الباطن.
وإن كان ضربُ بعضهم بحيث لو حصل به القتلُ منفرداً لم يتعلق به القود - نظر: إن تواطؤوا على الضرب - وجب عليهم القصاص، وإن ضرب واحدٌ ضربةً، والآخر مائة، حتى لو تواطأ مائة نفرٍ على قتل رجلٍ، وضرب كل واحد منهم سوطاً واحداً؛ فمات - وجب عليهم [القود] ن بخلاف الجُرح لا يشترطُ فيه التواطؤ؛ لأن نفس الجُرح قصدٌ إلى إزهاق الروح.
والضرب بالسوط الخفيف لا يكون قصداً إلى الإهلاك حتى ينضم إليه التوالي من الواحد، والتواطؤ من الجماعة؛ فيتكامل به القصد.
ولو ضرب رجلٌ سوطين أو ثلاثة، ثم جاء آخر، وضرب خمسين سوطاً قبل سكون وجع الأول، من غير تواطؤ؛ فمات - لا قود على واحدٍ منهما؛ لأن ضرب الأول شبه عمدٍ، والثاني شريكه، ولا قود على من شارك من لم يكن فعله عمداً محضاً، بل على الأول نصف الدية مغلقةً على عاقلته، وعلى الثاني نصفها مغلظةً في ماله.
ولو ضرب واحدٌ أولاً خمسين، ثم ضرب الثاني سوطين أو ثلاثاً - قبل سكون وجع الأول؛ فمات - نظر: إن كان الثاني عالماً بضرب الأول - عليهما القود؛ لأن قصده إلى القتل قد تم بالضرب على الوجع، كما لو ضرب مريضاً سوطاً أو سوطين، فمات - وجب القود، وإن كان جاهلاً بضرب الأول - لا قود على واحدٍ منهما؛ لأن الثاني لم يتم قصده، والأول شريكه، بل نصف الدية في مالالأول، والنصف على عاقلة الثاني مغلظة، بخلاف ما لو ضرب مريضاً سوطاً أو سوطين، وهو جاهل بمرضه؛ فمات وجب القود؛ لأنا لم نجد هناك من يُحيلُ الضرب عليه سوى الضارب.
ولو قطع جماعةٌ يد واحدٍ، أو طرفاً من أطرافه - تُقطعُ أطرافهم بطرفه، إذا وُجد فعلُ كل واحد منهم في إبانة جميع الطرف؛ بأن وضعوا السكين على يده، فتحاملوا عليه، أو جزوا دفعةً واحدة فأبانوا الطرف.

وعند أبي حنيفة - رحمه الله: لا تقطع الأطرافُ بطرفٍ واحد.
[قلنا] لما جاز استيفاء النفوس بنفسٍ واحدة - مع عظم حُرمتها، فاستيفاءُ الأطراف بطرفٍ واحدٍ أولى؛ لأن القاص في الموضعين ثبت لصيانته عن الإتلاف، فمنعه عند الاشتراك طريق يتطرق بها إلى الإتلاف، فلا يصارُ إليه كما في النفس.
وهذا بخلاف ما لو سرق رجلان نصاباً واحداً - لا يجب عليهما القطعُ؛ لأن قطع السرقة [حق] الله تعالى؛ فيجري فيه من التخفيف والمسامحة ما لا يجري في حقوق العباد؛ ألا ترى أنه لو سرق نصف نصابٍ، ثم بعد عاد فكمل نصاباً واحداً - يقطع، فلما لم يكمل فعله بفعله-: لم يكمل بفعل غيره.
وفي القصاص لو قطع، ثم بعد أيام عاد وأبان الباقي - تٌقطع يده، فكذلك عند الاشتراك.
أما إذا تميز فعلُ كل واحد من القاطعين؛ بأن قطع هذا من جانب، وذاك من جانب حتى التقى السكينان، أو قطع أحدهما بعضه، ثم جاء الثاني وأبان، أو وضعا السكين عليه فجرا جزء المنشار - فلا قود عليهما، بل على كل واحد منهما حكومةٌ بقدر جنايته، تبلغ مجموع الحكومتين نصف الدية.
وحكى صاحب "التقريب" قولاً انه يقتص من كل واحد منهما بقدر ما قطع، إن أمكن الوقوف عليه.
ولو قتل عشرة عبد عبداً عمداً - لسيد المقتول - قتلهم جميعاً، ولو عفا عن واحد تعلق عُشرُ قيمة المقتول برقبته، ولو قتل الباقين.
فأما إذا قتل واحدٌ جماعةً - يُقتل القاتلُ بواحدٍ منهم، وللباقين الدية.
في تركته، فإن لم تكن له تركة، فهي في ذمته يلقى الله - عز وجل - بهم.
ثم إن قتلهم على الترتيب قُتِلَ بالأول.
فلو عفا وليُّ الأول قتل بالثاني، فإن كان وليُّ الأول غائباً، أو كان صبياً، أو مجنوناً - يُحبس القاتل على حضور الغائب، وبلوغ الصبي، وإفاقة المجنون، فلو بادر وليُّ الثاني، فقتله قبل عفو الأول، وقبل حضور الغائب، وبلوغ الصبي- كان مسيئاً، ولا ضمان عليه؛ لأن الحق كان ثابتاً له، فقد استوفى حقه، وللأول الدية.

وإن قتلهم معاً، أو أشكل السابق - يُقرع بين الأولياء، قُتل به الجاني، فلو بادر غير مَنْ خرجت له القرعة.
فمن خرجت له القرعة، فقتله، فقد استوفى حقه، وللباقين الدية في التركة.
ولو خرجت القرعة لواحد، فعفا عن حقه - أعيدت القرعة للباقين، ولو قتله الأولياء معاً [مثل أنْ] كانوا ثلاثة فقتلوه - فقد استوفى كل واحدٍ ثلث حقهِ، ويأخذ من التركة ثلثي الدية.
وكذلك لو قطع رجلٌ أيدي جماعةٍ، فإن قطع على الترتيب قُطع بالأولِ، وللباقين الديةُ في ماله، وإن قطع معاً، أقرع بينهم، فمن خرجت قرعته قطع به، وللباقين الدية.
وعند أبي حنيفة: - رحمه الله - يقتل الواحدُ بالجماعة، ولا يجب شيءٌ من الدية ولو قطع رجلٌ يدي رجلين - قال: يقطع يده بهما، ولكل واحدٍ منهما ربعُ دية النفس، فنحن نقيسُ الطرف على النفس في أنه لا يُجمع في حق شخصٍ واحدٍ من القصاص والدية، ونقيس النفس على الطرف في أنه لا يجعلُ استيفاء المحلِّ الواحد إيفاءً لحقيهما على الكمال.
ولو قتلَ جماعةُ جماعةً يُقرعُ بين أولياء المقتولين، فمن خرجت له القرعة - قتل جميع القائلين به، وللباقين الدية في تركتهم.
ولو قتل عبدٌ جماعة، يُقتل بالأول، ولا شيء للباقين، فلو بادر الثاني، وقتله لا شيء عليه، فلو عفا الأولُ على المال تعلق حقه برقبته، وللثاني أن يقتله، وإن بطل حق الأول.
وإن قتل العبد جماعةً معاً -أقرع بينهم كما في الحر، فمن خرجت قرعته قتل به، ولا شيء للباقين، وقيل: يقتل العبدُ بهم جميعاً؛ لأنه لا محل لحقوقهم سوى رقبته، وإن كانت الجناياتُ موجبة للمال، أو عُفيَ عن القصاص على مال - تُباع رقبتُه، وتقسم قيمته بينهم على قدر جناياتهم، سواء كانت الجنايات على الترتيب، أو معاً، والله أعلم.

بابٌ صفةُ قتلِ العمد "رُوي عن أنس؛ أن يهودياً رض رأس جاريةٍ بين حجرين، فأمر [به] النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض رأسه بالحجارة".

القتل على ثلاثة أنواعِ: عمدٍ محضٍ، وشبه عمدٍ، وخطأٍ محضٍ: فالعمدُ المحضُ هو: أن يمد ضربه بما يموتُ منه غالباًن فمات به يجب به القود، وإذا عفا فديةٌ مغلظة في ماله حالةٌ.
وشبه العمد: أن يعمد ضربه بما لا يموت منه غالباً، فمات لا يجب به القود؛ لأنه يشبه الخطأ من حيث إنه لا يقصد بمثل هذا الضرب، فيصير شبهة في سقوط القود، وتجب دية مغلظةٌ على العاقلة مؤجلة.
والخطأ المحض، وهو أن يحصل القتلُ بسببٍ من جهته، من غير قصدٍ إليه؛ مثلُ: إن رمى إلى صيد فأصاب إنساناً، أو إلى إنسانٍ، فأصاب غيره، أو حفر بئر عدوان، فتردى فيها إنسانٌ، ومات - فلا قود عليه، وتجب ديةٌ مخففةٌ على العاقلة مؤجلة؛ خُرج منه أنه لو جرحه بمحددٍ من حديدٍ، أوخشبٍ، أو قصبٍ، أو حجرٍ، أو زُجاجٍ، أو غرزَ فيه مسحلةً؛ فمات في الحالِ، أو مات بعده بسراية ذلك الجُرح - يجب به القود.
وكذلك لو ضربه بمُقلٍ كبيرٍ، أو هدم عليه جداراً، أو رماه من شاهق، أو أوطأ عليه دابةً، أو خنقه، أو أمسك فمه حتى مات، أو دق صدره، أو عصر خصيتيه، أو دفنه حيًّا؛ فمات - يجب القودُ؛ وهو: قول أكثر أهلِ العلم.

وقال طاوسٌ، والشعبي والنخعي: لا يجب القود، إلا أن يجرحه بمحددٍ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا أن عنده التحريق بالنار يوجب القود، وعندهم لا يوجبه، وحديث أنس حجةٌ عليهم؛ ولأنه قتلٌ حصل عمداً بما يقصد به القتلُ غالباً؛ فيوجب القود، كما لو قتله بمحددٍ، ولو غرز فيه إبرةً؛ فمات - نظر؛ إن غرز في مقتله من عين، أو قُرطِ أذنٍ، أو حلقٍ، أو خاصرةٍ، أو إحليلٍ - يجب القود، وإن غرز في غير مقتلٍ؛ كالفخذ والآلية، ونحوهما - فوجهان: [أحدهما]: قال ابن سريج: لا يجب القود، بل هو شبه عمدٍ؛ لأن الغالب منه السلامة؛ كما لو ضربه بسوط خفيف؛ فمات: وقال أبو إسحاق: يجب القود؛ وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله-؛ لأنها تمورُ في الباطن كالمسلة.
أما إذا غرزها في موضع لا يتألمُ به؛ مثل جلدة العقب - فلا يب به شيءٌ، ولو ضربه بعصا خفيفةٍ، أو سوطٍ، أو رماه بحجرٍ صغير، نظر؛ إن: والى عليه حتى مات - وجب القودُ.
وإن ضرب سوطاً، أو سوطين - نظر: إن كان المضروبُ صغيراً، أو مريضاً، يموتُ منه غالباً، أو كان قوياً صحيحاً، ولكن ضُربَ [على] مقتله كالأنثيين ونحوهما، أو كان في شدةِ حرٍّ، أو بردٍ، يحصل به القتلُ في ذلك الزمان غالباً - يجب القودُ وإن لم يكن شيءٌ من ذلك - فهو شبه عمدٍ؛ يجب به الدية.
أما إذا ضربه بما لا يحصل به؛ الموتُ أصلاً من قلمٍ، أو نحوه - فلا [يجب به] شيءٌ؛ لانا نعلمُ يقيناً أنه لم يمت منه، ولو خنقهُ، ثم تركه وهو حيٌّ إلا أن الخنق قد أثر فيه، [بحيث] نعلم أنه لا يعيشُ، أو كانت الحياةُ فيه مستقرةً، ولكن لم يزل متألماً ضمناً حتى

مات - وجب القودُ.
ولو أمسك حلقه، أو فمه إمساكاً لا يموت منه غالباً؛ فمات [فهو شبه عمدٍ.
ولو حبسه في بيتٍ؛ فمات] جوعاً، أو عطشاً - نُظر: إن لم يمنعه الطعام والشراب، غير أنه لم يأكل خوفاً، أو أمكنه الشراب فلم يفعل - لا ضمان على الحابس.
وإن منعه الطعام والشراب، ولم يمكنه السؤال - نظر: إن مات ي مُدةٍ يموتُ مثله فيها غالباً من الجوع أو العطش - يجب القود.
وإن كان لا يموتُ مثله فيها غالباً - نظر: إن لم يكن به جوعٌ وعطشٌ سابقٌ - فهو شبه عمدٍن ويختلف ذلك باختلاف حال المحبوس في القوة، والضعف، واختلاف الأزمنة.
إن كان به جُوع أو عطشٌ سابقٌ: اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: إن كان الحابس عالماً بجوعه السابق - يجبُ القودُ.
وإن كان جاهلاً فقولان: أحدهما: يجبُ القودُ؛ كما لو ضرب مريضاً بسوطٍ خفيفٍ، فمات، وهو جاهلٌ بمرضه - يجب القود.
والثاني: لا يجب؛ كما لو دفع رجلاً يمشي، فسقط على سكين وراءه، فمات، وهو به جاهلٌ - لايجب القود.
ومن أصحابنا من قال: إن كان جاهلاً لا يجب القودُ، وإن كان عالماً: ففيه قولان فإن قلنا: يجبُ القودُ عند العلم، فإذا عفا على الدية، يجب كمال الدية المغلظة في ماله.
وعند الجهل إن لم نوجب القود، فكمالها مغلظة على عاقلته.
وإن قلنا: لا يجب [القود] عند العلم - وهوا لأصح عندي - فيجب نصف الدية مغلة في ماله، وعند الجهل نصفها مغلظة على عاقلته، وليس كضرب المريض بالسوط الخفيف، حيث أوجبنا به القود، أو كمال الدية؛ لأن المرض ليس من جنس الضرب، والجُوعِ.

الثاني: [ما] هنا من جنسِ الأول؛ فكان زُهوقُ الروح بسببٍ واحدٍ بعضه لم يكن من صنعه.
قال - رحمه الله: نظيره لو ضرب جائعاً سوطاً مات به؛ لضعف جوعه - وجب القود.
ولو منعه الشراب، ولم يمنعه الطعام، غير أنه لم يأكل خوف العطش؛ فمات جوعاً: قال - رحمه الله: لا شيء عليه؛ لأنه مات من فعل نفسه، ولو حبسه في بيتٍ فانهدم عليه البيتُ، أو لسعته حيةٌ - لا ضمان عليه.
ولو أخذ زاده في مفازة، فمات جُوعاً، أوعطشاً - لا يجب عليه ضمانُ النفسِ؛ لأنه لم يُحدث فيه فعلاً.
وكذلك لو أخذ ثيابه، فمات برداً.
وكان [شيخي - رحمه الله] يقول: إذا عراه وحبسه في موضع، حتى مات برداً- يجب القود؛ كما لو حبسه عن الطعام فمات جُوعاً.
ولو غرقه في ماء حتى مات، أو تركه بعدما غرقه، وفيه حياةٌ، فمات بسببه - يجبُ القودُ.
ولو ألقاه في ماءٍ، فمات - نظر: إن كان صغيراً، أو زمناً، أو شد أطرافه حتى لا يمكنه الخروج - وجب القودُ.
وإن كان كبيراً سوياً، ولم يشده - نظر: إن كان ماءً لا ينجو منه بالسياحة -يجب [عليه] القودُ.
وإن كان ماءً قليلاً، لا يحتاج فيه إلى السباحة، فلا قود، ولا دية؛ لأنه أهلك نفسه، وإن كان يحتاج إلى السباحة، وينجو - نظر: إن كان لا يُحسن السباحة - يجبُ القودُ.
وإن كان يُحسنها، غير أنه حبسه موجٌ، أو ريحٌ - فلا قود، وهو شبه عمدٍ تجب به ديةٌ مغلظةٌ على العاقلة، وإن لم يحبسه شيءٌ، ولكنه لم يسبح فمات - فلا قود.
وفي الدية قولان:

أصحهما: [لا يجبُ]؛ كما لو حبسه، ولم يمنعه الطعام، غير أنه لم ياكل حتى مات.
والثاني: يجب، وهو شبهُ عمدٍ؛ لأن نفس الإلقاء في الماء جنايةٌ، والسباحةُ سببُ الخلاص، بخلاف الحبس؛ فإنه ليس بجناية قاتلة حتى ينضم إليه غيره، وهو الجوع، وهذا بخلاف ما لو جرحه رجلٌ، وأمكنه المداواةُ؛ فلم يفعل حتى مات - يجب القود على الجارح؛ لأنه لا تتحقق النجاة بالمداواة، وههنا تتحقق النجاة بالسباحة، فإذا لم يفعل، فقد أهلك نفسه.
ولو شد يديه ورجليه، وطرحه في ساحلٍ، فزاد الماءُ؛ فهلك - نظر: إن كانت الزيادة معلومةَ الوجود كالمد بالبصرة - يجب القودُ.
وإن كان قد يزيدُ، وقد لا يزيدُ - فهو عمدُ خطأٍ.
وإن كان في موضعٍ لا يزيدُ فيه الماء، فأدركه سيلٌ فزاد؛ فهو خطأٌ محضٌ.
وإن ألقاه في ماء فالتقمه الحوتُ - نظر: إن كان غير مخوفٍ ينجو منه بالسباحة - فلا قود، وتجب ديةٌ مغلظةٌ على عاقلته.
وإن كان الماء مخوفاً لا ينجو منه بالسباحة - ففيه قولان: أحدهما: نص عليه؛ أنه يجب القودُ؛ لأنه ألقاه في المهلكةِ حتى هلك.
والثاني: لا يجب؛ خرجه الربيعُ؛ لأن الهلاك كان بفعلِ غيره؛ كما لو رماه من شاهقٍ، فقبل أن يُصيب الأرض - قده رجل بنصفين -: كان القصاصُ على القادِّ، ولو افترسه سبعٌ قبل أن يصيب الأرض - لا ضمان على أحدٍ.
والأول [أصحُّ]؛ لأن الجناية قد تحققت من المُلقي بالطرح في مثل هذا الماء، وفي الرمي من الشاهق [الجناية] إنما تتحقق بإصابة الأرض ولم يوجد؛ بدليل أنه لا تجب الدية على الملقي من الشاهق، إنما تجب على القادِّ، وههنا: تجب على الملقي في الماء.
وقيل في الطرح في الماء المخوفِ: لو التقمه الحوتُ قبل أن يصيب الماء - لا شيء على الملقين والصحيح أنه لا فرق بين الحالتين، وقيل فيما لو ألقاه من الشاهق؟ فقبل أن يصيب الأرض - قده إنسان بنصفين: أن الضمان على الملقي دون القادِّ؛ ذكره أبو حامد، وليس بصحيح.
أما إذا رفع الحوت رأسه فألقمه الحوت - يجب القود؛ لا يختلف القولُ فيه.

ولو طرحهُ في نارٍ، ولم يمكنه الخروج منها؛ فمات، أو أخرجه بعدما أصابه منها، ولم يزل متألماً به حتى مات [يجب القود، وإن أمكنه الخروج، فلم يخرج حتى مات] أو كان يقول: إني أتمكن من الخروج، ولكن لا أفعل؛ فمات - فلا قود.
وفي الدية قولان: أصحهما: لا يجب؛ لأنه قتل نفسه.
والثاني: [يجب] على عاقلته؛ كما ذرنا في الماء.
فإن قلنا: لا تجب الديةُ - يجب عليه أرش ما نقصه حر النار إن أمكنه الخروج، لأن ذلك القدر حصل بفعله.
فلو اختلفا، فقال المُلقي: أمكنه الخروج، وقال الولي: لم يمكنه -فوجهان: أحدهما: القول قول الولي مع يمينه؛ لأن الجناية من الملقي حقيقةٌ.
الثاني: القول قول الملقي مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته، ولو أوجره سُمًّا قاتلاً، أو دواءً فيه سم قاتل؛ فمات - يجب القود، وإن كان سمًّا لا يُقتل غالباً، وقد يُقتل، فمات به - فهو شبهُ عمدٍ تجبُ به الدية على العاقلة، إلا أن يكون المسقي ضعيفاً، أو سقيماً بموت منه غالباً - فيجب به القود.
ولو اختلفا، فقال الولي: كان قاتلاً، وقال الساقي: لم يكن - فالقول قولُ الساقي مع يمينه، ثم هو شبه عمد، إلا أن يقيم الولي بينةً يشهدون أن مثله يقتل، أو تقارَّا على سمٍّ أنه كان منه، ثم شهد عدلان من أهل المعرفة [به أن مثله] يقتلُ؛ فيجب القود.
ولو أوجره سمًّا، فقتلهُ، ثم قال: لم أعلمه قاتلاً - فقولان أحدهما: يجب القود؛ كما لو جرحهُ فمات، وقال: لم أعلم أنه يموتُ منه.
والثاني: لا قود عليه، بل تجب الدية؛ لأنه مما يخفى.
ولو ألقمه طعاماً فيه سمٌّ قاتلٌ، فتناوله، وهو جاهلٌ، أو أضافه، فوضعه بين يديه،

فأكل، أو جعله في دنٍّ ماء على الطريق، فشرب منه إنسانٌ؛ فمات ففي القود قولان: أصحهما: يجب؛ كما يجب على المكرهِ.
والثاني: لا شيء عليه: لا قود، ولا دية؛ لأنه تناول باختياره.
وكذلك لو قال:"كُل"، وفيه شيء من السُّمِّ، ولكن لا يضرن فأكل؛ أما إذا وضعه بين يدي صبي لا يعقل، أو مجنونٍ، فتناول؛ فمات - يجب القودُ؛ كما لو قال لصبي: اقتل نفسك؛ فقتل - يجب القود على الآمر.
ولو جعل السم في طعام غيره، فأكله صاحب الطعام جاهلاً فمات - فقد قيل: هو كما لو أضافه؛ فوضع بين يديه وقيل لا قود ولا دية على الفاعل؛ لأنه لم يُغره، إنما أتلف طعامه بإدخال السم فيه، فيغرم قيمةَ الطعام، ولو وجعل السم في طعام نفسه، فدخل رجلٌ داره بدون إذنه [فأكله]، فمات فلا شيء عليه؛ لأنه لا صُنع له في إهلاكه.
ولو أنهشه حيةً، أو عقرباً، أو أخذ ذنبها فقربها منه: ضغطها، أو لم يضغطها؛ فلدغته، فمات - يضمن ثم ينظر: عن كانت مما تقتل [غالباً] مثل أفاعي مكة، وعقارب نصيبين يجب القودُ.
وإن كان لا يقتل غالباً فقولان: أصحهما: يشبه عمدٍ، وفيه قول آخر: يجب به القود؛ لأنها تجرح، والجراحة، وإن صغرت: إذا حصل منها الهلاك - يجب به القود؛ وكذلك لو أخذ سبعاً مما يُقتل به غالباً فأنهشه، أو جعله معه في وعاءٍ فقتله - يجب القود.
ولو حبسه في بئرٍ، أو في بيتٍ فيه حياتٌ، وعقارب؛ ربطه، أو لم يربطه، فلسعته حيةٌ، أو عقربٌ؛ فمات - لا يجب الضمان، سواء كان الموضع ضيقاً، أو واسعاً؛ لأن الحية، والعقرب تهرب منه الآدمي فهو لم يُلجئها إلى قتله، إنما قتلته باختيارها؛ كما لو أمسك إنساناً حتى قتله آخر - لم يجب القصاص على الممسك؛ بل يجب على القاتل، وكذلك لو ألقى

عليه حيةٌ، أو ألقاه عليها؛ شده، أو لم يشده، فقتله - لا ضمان عليه، سواء كان في مضيقٍ أو في صحراء.
فأما إذا حبسه في موضع فقتله - نظر: إن كان في موضعٍ ضيقٍ من بئر، أو بيتٍ صغيرٍ - يجب القودُ؛ لان السبع يقصد الآدمي إذا اجتمع معه في مضيقٍ؛ فكان هو مُلجئاً للسبع إلى قتله، بخلافِ الحية والعقرب.
وإن كان في موضع واسع، أو ألقى [عليه] سَبُعاً في صحراء، أو أغرى عليه كلباً، أو شدهُ فطرحهُ في مسبعةٍ، أو بين يدي سبُعٍ، فقتله - فلا ضمان عليه؛ لأن السبع يهرب من الإنسان إذا وجد سعةً؛ فلم يُلجئه إلى قتله، سواءٌ كان المطروحُ صغيراً، أو كبيراً.
وقال أبو حنيفة: إذا حمل صبياً إلى مسبعة، فأكله سبعٌ - يجب الضمانُ، فكل موضعٍ أوجبنا القود بقتل السبع: فلو جرحه جراحةً خفيفةً، لا يموت منها غالباً؛ فمات - فهو شبهُ عمدٍ، وكان شيخي [القاضي] رحمه الله يقول: إذا أغرى عليه سبُعاً عقوراً في صحراء، لا يمكنه الهرب منه، فقتله - يجب القودُ؛ لأن فعله مضافٌ غليه؛ بدليل حل الصيد.
ولو سلم صبياً إلى سابح ليعلمه السباحة، فغرق - ضمن ديته؛ لأنه سلم إله ليحتاط في حفظه، وهو شبه عمد؛ كما لو ضرب المعلم [الصبي] للتأديب فهلك - ضمن.
ولو سلم البالغ نفسه إليه؛ ليعلمه السباحة، فغرق - لم يضمن؛ لأنه في يد نفسه، فعليه أن يحتاط لنفسه.
ولو تلوط بصبي فمات، أو أكره امرأة بكراً فافتضها فماتت - يجب القود.
ولو قتل رجلاً بسحرٍ يقتل غالباً - يجب القودُ، ولا يمكن إثباتُ القتل بالسحر إلا بإقرار الساحر، حتى لو شهد الشهود أنه قتله بالسحر - لا يُقتل ما لم يشهدوا على إقراره، فإن قال الساحر: سحرته، وسحري يقتل غالباً - يجب القودُ، وإن قال: سحرته، وسحري قد يقتل، وقد لا يقتل- والغالب انه لا يقتل - فهو شبهُ عمدٍ؛ تجب الدية مغلة في ماله؛ لأنه [قد] ثبت بإقراره، إلا أن تصدقه العاقلة؛ فتكون عليهم.
وإن قال: سحري يقتل [يقينا]، ولكني سحرت باسم غيره، فوافق اسمه - فهو خطأ؛

تجب الدية مخففة في ماله، إلا أن تصدقه العاقلة فتكون عليهم.
وإن قال: قصدت المصلحة - فهو شبه عمدٍ، وقيل: خطأ، وإن قال: مرضَ من سحري، ولم يمت منه- فهو موضع القسامة، [يحلف المدعي].
ولو صاح برجل غافل، أو مُراهقٍ على طرفِ سطحٍ أو بئرٍ، أو شجرٍ، فسقط، ومات، أو زال عقله - لا ضمان عليه، سواءٌ واجهه به، أو جاء من ورائه على غفلةٍ منه؛ لان الغالب أنه يتماسك.
وقال ابن أبي هريرة: إن صاح به من ورائه على غفلةٍ صيحة شديدةً - تبج الدية على عاقلته مغلة.
والأول أصح.
أما إذا صاح بصبي صغير، أو مجنون، أو امرأة ضعيفةٍ أو من ضعف عقله على طرف سطح، أو على وجه الأرض، فسقط فمات، أو كان صبياً؛ فزال عقله - تجب الدية، سواءٌ واجهه به، أو صاحب [به] من ورائه، وكذلك لو لم يقصده بالصياح، بل صاح على صيد؛ أو لا على شيء، فهلك به صبيٌّ أو مجنونٌ، وسواءٌ صاح في ملكه، أو [في] غير ملكه، ثم إن قصده بالصياح، فالدية مغلةٌ على العاقلة، وإلا فمخففة.
وكذلك: لو صاح بنائمٍ، فمات، أو زال عقلُه.
وقال صاحب "التلخيص": إن صاح إلى صيد، فمات به صبي، أو مجنون: إن [كان الصائح محرماً، أو] كان في حرمٍ - تجب الدية على عاقلته؛ لأنه متعدٍّ، وإن لم يكن في حرم ولا إحرامٍ - لا يضمن.
وعلى هذا القياس: لو صاح في ملكه، فهل به صبيُّ، أو مجنونٌ - لا يضمن، والمذهبُ: أنه يضمن، سواء كان في الإحرام، أو في ملكه، أو لم يكن؛ لأن ما كان جناية، فلا يختلف بالملك وغيره.
كما لو رمى في ملكه، فأصاب إنساناً - ضمن.
[وكذلك: إذا شهر سيفه على صبي، أو امرأةٍ، أو هدده؛ فمات، أو زال عقله، أو على مجنونٍ؛ فمات - تجب الدية على عاقلته، وإن كان على عاقلٍ بالغٍ - لم يضمن].

وكذلك لو ذُكرتِ امرأةٌ بسوءٍ عند الإمام؛ فبعث إليها فاستدعاها، فألقت جنينها - يجب الضمان على عاقلةِ الإمام.
رُوي أنعمر أرسل إلى امرأةٍ، فأجهضت ذا بطنها؛ فضمنه عمر - رضي الله عنه - أما الأم إذا ماتت به - لا يجب ضمانها؛ لأن العادة لم تجر أنها تموتُ بمثله.
ولو ذُكر رجلٌ بسوء، فاستدعاه، فمات - لم يضمن؛ لأن الغالب أن الرجل لا يموت منه.
ولو أرسل إليها رجلٌ على لسان الإمام، ففزعت، فألقت الجنين، فالضمان على عاقلة المرسل.
ولو طلب رجلاً بالسيف، فهرب، فألقى نفسه من سطح أو في بئر، فمات - لا ضمان على الطالبِ؛ لأن المطلوب هو الذي قتل نفسه، وإن سقط فيه - نُظر: إن كانت البئر مكشوفة، والمطلوبُ بصيراً، وكان نهاراً - لا يضمن.
وإن كانت البئر مغطاةً، أو كانت مكشوفة، والمطلوبُ أعمى، أو كان ليلاً، فسقط من السطحِ، أو في البئر، أو في ماء؛ فمات - فهو شبه عمدٍ؛ تجب الدية على عاقلة الطالب؛ إلا أن يكون الأعمى عالماً؛ فهو كالبصير.
ولو كان المطلوب صبياً، أو مجنوناً، هل يضمن؟ فيه وجهان؛ بناءً على أن عمده عمدٌ، أم خطأٌ؟ إن قلنا: عمد، لم يضمن، وإن قلنا: خطأ، ضمن.
ولو انخسف به السطح - لم يضمن، بصيراً، كان أو أعمى؛ بخلاف ما لو كانت البئرُ مغطاة، فسقط فيها - ضمن بكل حال؛ لأن الطالب ألجأه إلى وطء البئر؛ بخلاف السطح، ولو عرض له في طلبه سبعٍ، فأكله - لم يضمن؛ لأن القاتل غيره؛ إلا أن يُلجئه الطالب إلى موضع السبعٍ؛ فيضمن، ولو حفر بئراً على طريق أعمى، فتردى فيها - وجبت الدية على عاقلته، وقيل: يجب القود، ولا يصح.

فصل إذا قطع مريء رجلٍ وحلقومه، أو قطع حشوته، وأبانها، من جوفه أو جرحه جراحةً لا يبلغ أحدٌ إلى مثلها، فيعيش إلا عيش المذبوح، ثم جاء آخر، وحز رقبته - فالأول قاتل، وعليه القصاص في النفس، أو كمال الدية، ولا شيء على الثاني إلا التعزير؛ كما لو حز رقبة ميتٍ، بخلاف ما لو قتل مريضاً صار إلى أدنى الرمقِ - يجب عليه القودُ؛ لأن المريض قد يبرأ، ومن صار بالجرح إلى حالة المذبوح لا يعيش، وتلك الحالة حالة اليأس التي لا يصح فيها شيءٌ من تصرفاته ولا وصيته، وصار ماله لوارثه.
ولو مات له قريبٌ فيها لايرثه، ولا يصح فيها إسلام الكافر، [ولو] جرت فيها كلمةُ الكفر على لسان مسلم لا يحكم بردته، ولو صار مسلمٌ بالجرح إلى هذه الحالة، فأسلم فيها ابنه الكافر - لا يرثه.
فأما إذا قطع حشوته، ولم يُبنها من جوفه، أو قطع من المريء والحلقوم [أحدهما] ثم حز آخر رقبته يجب القصاص في النفس على الثاني، وعلى الأول أرش جراحته، أو القصاص في العضو الذي قطعه؛ لأنه لم يصر بجرح الأول إلى حالة المذبوح، وإن كان يتحقق أنه يموتُ منه بعد يوم أو يومين، حتى يصح في تلك الحالة تصرفه، ووصيته وإسلامُ الكافر؛ فإن عمر- رضي الله عنه - أوصى بوصايا في مثل هذه الحالة، فنقضت الصحابة وصاياه من بعده.
وكذلك لو أوجره سمًّا مجهزاً؛ فقبل زُهوقِ الروح حز آخر رقبته - فالقاتل هو الأول، وإن لم يكن مجهزاً، فالقاتل هو الثاني، وإن لم يعرف أنه هو صار إلى حالِ المذبوح بجرحِ الأول - سُئلَ أهلٌ العلم، فإن قالوا صار إليها، فالقاتلُ هو الأولُ، وإلا فالثاني.
ولو قطع يد إنسان إلى الكوع، ثم جاء آخرُ وقطع ساعده من المرفق - نُظر: إن وقف؛ فعلى الأول القصاص في اليد، أو نصف الدية وعلى الثاني: الحكومة، ولا قصاص إلا أن يكون له ساعدٌ بلا كفٌ فيقطع.
وإن سرت الجناية إلى النفس - نظر: إن قطع الثاني بعد اندمال الأول - فعلى الأولِ القصاصُ في اليد، أو نصف الدية، وعلى الثاني القصاص في النفس أو كمال الدية، وإن قطع

الثاني قبل اندمال الأول - فعليهما القود في النفس.
وعند أبي حنيفة: يقتلُ الثاني دون الأول؛ لأن القطع الثاني أعدم محل القطع الأول، فانقطعت سرايته؛ كما لو حز الثاني رقبته.
قلنا: إن انقطع محلهُ لم ينقطع أثره؛ لأن ألم القطع الأول قد انتشر في أعضائه، وانضم إليه ألمُ القطع الثاني، فتعاونا على إزهاق الروح، فهو كما لو أجاف إنساناً، ثم جاء آخر ووسع تلك الجائفة، فمات - يجب عليهما القود في النفس، وليس كما لو حز رقبته، لأنه يعدم ألم الأول وأثره.
فصل في اجتماع الجراحات نم شخصٍ واحدٍ إذا جرح رجلاً جراحاتٍ مثل: إن قطع يديه، [ورجليه]، وجب ذكره، وأنثييه عمداً - نظر: إن وقفت هذه الجراحات - فللمجني عليه أن يقتص عنها.
وإن عفا فله أربع دياتٍ، ولو أراد أن يقتص عن بعضها، أو يأخذ ديةَ بعضها - فله ذلك.
وإن لم تكن للجراحات أروشٌ مقدرةً، فوقفت ففيها حكومات، وإن سرت الجراحات إلى النفس - فالوليُّ: إن شاء، قطع أطراف الجانين فإن لم يسر، حز رقبته، وإن شاء ترك قطع الأطراف وحز رقبته، ولا شيء له من الدية، وإن عفا فلا يجب له إلا [دية] النفس؛ لأن الأطراف تابعةٌ للنفس؛ إذ لا بقاء لها بعد فوات النفس، فإذا صارت الجراحة نفساً، ووجب بدلها - سقط بدلُ الطرف.
ولو قطع أطرافه قصاصاً، ثم عفا عن النفس على الدية - سقط القود عن النفس، ولا دية له؛ لأنه لم يكن له إلا دية واحدة وقد استوفى ما يقابله [كمال الدية؛ حتى لو كان الجاني قطع يديه ورجليه؛ فمات منه، وقطع الولي يدي الجاني، وعفا عن الباقي؛ على الدية - لا دية له؛ لأنه قد استوفى ما يقابله] ديةٌ كاملةٌ.
وإن عفا على غير جنس الدية، هل تجب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تجب؛ ما لا تجب الدية.

والثاني: تجب؛ لأنه عوض آخر يأخذه في مقابلة ما يدع من القصاص.
ولو قطع إحدى يديه، وعفا عن الباقي على الدية- لا يجب إلا نصف الدية، لأنه قد استوفى ما يقابله نصف الدية.
ولو قطع أطراف رجلٍ، ثم عاد فحز رقبته -نظر: إن حز رقبته بعد اندمال الأطراف - فعليه ديات الأطراف ودية النفس.
فلو قطع الأطراف؛ فله أن يعفو عن النفس، ويأخذ ديتها.
ولو عفا عن النفس، وأراد أخذ ديات الأطراف - له ذلك؛ لأنها قد استقرت بالاندمال، فلا تدخل في بدل النفس.
ولو عاد الجاني، وحز الرقبة قبل اندمال الأطراف- فللولي أن يقطع أطرافه، ويحز رقبته.
فلو عفا لاتجب إلا دية النفس، لأنها وجبت قبل أن يستقر بدل الأطراف، فيدخل فيها بدلُ الأطراف؛ كما لو سرت الجراحات إلى النفس، فإن حز الرقبة لا يجب بدل الطرف، ولو قطع الأطراف، وعفا عن النفس على الدية - لا دية له.
وقال ابن سُريج: إذا قطع أطرافه، ثم حز رقبته قبل الاندمال - لا يدخل بدل الأطراف في بدل النفس؛ كما لو حز الرقبة بعد اندمال الأطراف، حتى لو قطع الأطراف - له أخذ دية النفس.
ولو عفا عن الكل - عليه ديات الأطراف، أو مع دية النفس، والأول المذهبُ؛ حتى لو قطع الولي إحدى يدي الجاني، ثم عفا - فهو موقوفٌ.
فإن سرت يد الجاني إلى النفسِ - لا شيء للولي، وإن وقف، فله نصف الدية.
هذا إذا اتفق قطعُ الأطرافِ وحر الرقبة في العمدية والخطإ.
فإن اختلفا فهل يدخل بدلُ الطرفِ في النفس فيه وجهان: أحدهما: يدخل؛ كما إذا كانا عمدين، أو خطأين.
والثاني: لا يدخل؛ لأن التداخل من قضية الاتفاق لا من قضية الاختلاف، ولأن من

يستحق عليه الدية في العمد غير من يستحق عليه الدية في الخطإ.
بيانه: إذا قطع يد رجل خطأ، ثم حز رقبته عمداً قبل الاندمال فللولي أن يقتله قصاصاً، وليس له قطع يده، فإذا قتله قصاصاً؛ فإن قلنا: [الحكم للنفس - لا شيء له من الدية].
وإن قلنا: لا يدخلُ بدل الطرف فيه يأخذ نصف الدية لليد من العاقلة، ولو عفا عن النفس: فإن قلنا: الحكم للنفس فلا يجب إلا ديةٌ مغلظةٌ في ماله [للنفس].
وإن قلنا: لا يسقط بدل الطرف - فتجب ديةٌ مغلظةٌ في ماله للنفس، ونصف دية مخففة على العاقلة لليد.
وعلى عكسه: لو قطع يده عمداً، ثم حز رقبته قبل الاندمال خطأ - يجوز للولي قطع يده.
ثم إن قلنا: الحكمُ للنفس [يأخذ نصف الدية مخففة من عاقلته.
وإن قلنا: لا يدخل - فيأخذ منهم مال دية النفس، وإن عفا عن قطع اليد.
فإن قلنا: الحكم للنفس]- فلا يجب إلا ديةٌ مخففةٌ على العاقلة للنفس.
وإن قلنا: لا يدخل - فتجب دية النفس على العاقلة مخففة، ونصف دية مغلظة في ماله لليد.
أما إذا قطع أطراف إنسانٍ، ثم جاء آخر، وحز رقبته، سواء حز بعد اندمال الأطراف، أو قبله - فعلى الأول ديات الأطراف، وعلى الثاني ديةُ النفس؛ لأن فعله يثني على فعل نفسه، لا على فعل غيره.
كما لو هتك الحرز، وأخرج المال في دفعات حتى بلغ نصابا ً- قطع، وإن أخرج بعض النصاب غيره - لم يقطع، وهذا بخلاف ما لو جاء الثاني فجرحه قبل الاندمال الأول، ولم يحز رقبته، فمات من الكل - لا تجب إلا ديةٌ واحدةٌ عليهما نصفان؛ لأن جرح الثاني غير موحٍ؛ فالقتل حصلمنهما، وحز الرقبة موحٍ؛ فلا صُنع للآخر في القتل.

فصل في حصول القتل بجنايات مختلفةٍ قد ذكرنا أنه إذا جرح إنساناً جراحةً، أو قطع منه طرفاً، ثم جاء هو أو غيره، فجرحه جراحة موحيةً بأن حز رقبته عمداً - ثبت القصاص في النفس على من حز الرقبة، سواء كانت الجراحةُ الأولى، وقطع الطرف عمداً، أو خطأ.
وإن لم تكن واحدةٌ منهما موحيةً - نظر: إن كانت كلُّ واحدة منهام: لو انفردت بزهوق الروح موحية للقود في النفس- فالاجتماع لا يمنع القصاص، سواءٌ كانتا من شخص واحد، أو من شخصين.
وإن كانت إحداهما غير مضمونةٍ بالقود: فإن كانتا من شخص واحد- لا يثبت القود في النفس؛ مثل: إن قطع إحدى يدي رجلٍ عمداً، ثم قطع الأخرى خطأ، فمات منهما - لا يثبت القود في النفس، ويثبت في الطرف الذي [قطعه] عمداً، وعلى عاقلته نصف ديةٍ مخففة.
وإن عفا عن قطع الطرف - فنصف الدية مغلة في ماله، ونصفها مخففة على عاقلته.
ولو قطع مسلمٌ يد ذمي، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى، [أو قطع حر يد عبدٍ، فعتق، ثم قطع يده الأخرى]، ومات من رايتهما - لا يجب القود في النفس، ويجب في الطرف الذي قُطع بعد الإسلام والحرية، وإن عفا فتجب دية حر [مسلم] في ماله، وإن اقتص من الطرف - فنصف الدية.
ولو قطع ذمي يد ذمي، فأسلم الجارحُ، ثم قطع يده الأخرى، ومات منهما - فلا قود في النفس، ويثبت في الطرف الأول، [وإذا] عفا فدية ذمي في ماله، وكذلك لو قطع - فقيمته.
ولو قطع مسلمٌ يد حربي أو [يد] مرتدٍّ، فأسلم، ثم قطع يده الأخرى، ومات منهما، أو قطع يد إنسانٍ قصاصاً، أو سرقه، ثم قطع يده الأخرى ظلماً، أو قطع يد قاصده ثم بعدما ولى قطع يده الأخرى، أو العادل قطع يد الباغي في القتال، ثم بعد التوبة قطع يده الأخرىن أو قطع السيد يد عبده، ثم أعتقه، وقطع يده الأخرى أو حربي قطع يد مسلم، ثم أسلم القاطع،

فقطع يده الأخرى، ومات منهما [جميعاً]- لا يثبت القود في النفس في [هذا الموضع]، وثبت في الطرف الذي قطعه، وعند العفو: تجب نصف الدية مغلظةً في ماله.
وإن كانت الجنايتان من شخصين، فمات منهما، وإحداهما غيرُ مضمونةٍ بالقود - نُظر: إن كانت إحداهما عمداً، والأخرى خطأ - فلا قود على واحد منهما في النفس، وعلى العامد القصاص في الطرف الذي قطعه، وعند العفو: تجب نصف الدية مغلظة في مال العامد، ونصفها مخففة على عاقلة الجاني الخاطئ.
وكذلك إذا كانت إحدى الجنايتين عمداً، والأخرى شبه عمدٍ؛ لأن النصف الذي يجب على العاقلة مغلظة.
وإن كانت الجنايتان عمدين: محضين، وإحداهما لا توجب القود؛ مثل: إن شارك الأب أجنبيًّا في قتل الابن - فلا قود على الأب، بل عليه نصف الدية مغلظةً في ماله، ويجب على الأجنبي القودُ في النفس.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: لا قود على شريك الأب؛ كما لا يجب على شريك الخاطيء.
دليلنا: نقول: جرحُ الروح بجنايتين عمدين مضمونتين؛ فامتناع وجوب القصاص على أحد الشريكين - لا يمنع وجوبه على الآخر، كما لو رمى راميان سهمين إلى إنسان، فمات أحدُ الراميين قبل الإصابة، ثم [أصابه] السهم - يجب القصاص على الثاني؛ يؤيده: أنه لو عفا عن أحد القاتلين لا يسقط القود عن الثاني؛ كذلك ههنا.
و [قد] قال بعضُ أصحابنا: القصاص ههنا وجب على الأب، ثم سقط بعفو الشرع؛ فلا يسقط عن شريكه، وليس كشري الخاطيء؛ لأن الروح هناك لم تخرج بجناية عمدٍ محضٍ، والخطأ شبهة في فعل الخاطيء؛ بدليل أنه يوصف به الفعل، فيقال: فعلٌ خطأٌ، والفعلان مجتمعان في محلٍّ واحدٍ؛ فصار فعلُ الخاطيء شبهة في حق العامد، وشبهة الأبوة ليست في الفعل، بل في ذات الأب، وذاته متميزة عن ذات الشريك، فلا تورثُ شبهة في حق الأجنبي.

وعلى هذا: لو شارك حرٌّ عبداً في قتل عبدٍ، أو مسلمٌ ذميًّا في قتل ذميٍّ - لا قود على الحر، والمسلم؛ ويجب على العبد والذميِّ.
وكذلك لو جرح مسلمٌ ذميًّا، فأسلم المجروحُ، ثم جرحه آخر، أو جرح حر عبداً، فعتق، ثم جرحه آخر حرٌّ، أو عبدٌ، ومات منهما - يجب القودُ على الثاني دون الأول.
أما إذا جرح ذمي ذميًّا، فأسلم المجروح، ثم جرحه مسلمٌ.
أو جرح عبدٌ عبداً، فعتق المجروحُ، ثم جرحه حر، ومات منهما - يجب القود عليهما؛ لأن كل واحدٍ من الجرحين عمدٌ موجبٌ للقود.
ولو شارك بالغٌ صبيًّا في قتل إنسانٍ، أو شارك عاقلٌ مجنوناً - نُظر: إن كان الصبي لا يعقل عقل مثله، والمجنون لم يكن له تمييزٌ، فلا قود على واحدٍ منهما في النفس؛ كما لو شارك عامدٌ مخطئاً، وإن كان الصبيُّ يعقلُ عقلَ مثله، والمجنون له تمييزٌ - فلا قود على الصبي والمجنون، وهل يجب على شريكهما؟ فعلى قولين؛ بناءً على أن عمد الصبي عمدٌ أو خطأ؟ وفيه قولان: إن قلنا: عمده خطأ، فلا قود على شريكه؛ كشري الخاطيء.
وإن قلنا: عمده عمدٌ - يجب، وهو الأصح؛ كشريك الأب، فأما إذا كانت إحدى الجنايتين مضمونة دون الأخرى؛ مثل: إن جرح حربي مسلماً، ثم جرحه مسلمٌ، ومات منهما، أو جرح قاصده، [فثاب]، فجرحه آخر، أو قطعت يد إنسان سرقةً، أو قصاصاً، ثم جرحه آخر، ومات منهما، هل يجب القود على الثاني في النفس؟ قولان: أحدهما: يجب؛ لأن الروح خرج بجنايتين عمدين؛ كشريك الأب.
والثاني: لا يجب؛ بل عليه نصف الدية؛ بخلاف شريك الأب؛ لأن فعل الأب مضمون بالدية، [وفعل الحربي، وقطع السرقة، والقصاص غير مضمونٍ].
فأثر في حق الشريك، بل هو أخف حالاً من شريك الخاطيء؛ لأن فعل الخاطيء - مضمون [بالدية]، ثم أثر في حق الشريك، وههنا: فعلُ الأول غير مضمون، فأولى أن يؤثر.
وكذلك: لو جرح مسلمٌ مرتداً، أو حربيًّا، ثم أسلم المجروح، فجرحه آخر.

أو جرح ذميٌّ حربيًّا، ثم عقد المجروح الذمة، فجرحه ذميٌّ آخر؛ فمات منهما - لا شيء على الأول.
وهل يجب القود على الثاني في النفس، أو لا يجب إلا نصف الدية؟ فيه قولان: وكذلك: لو جرح رجلٌ عبده، ثم جرحه عبدٌ آخر في حال رقه، أو بعد عتقه جرحه حرٌ، أو عبدٌ، ومات منهما - لا ضمان على المولى، وهل يجب على الآخر القود في النفس؟ فيه قولان: وكذلك: لو جرح نفسه، وجرحه آخر، أو لدغته عقربٌ أو حيةٌ، أو جرحه سبعٌ، وجرحه آدميٌّ؛ فمات منهما.
فهل يجب القود في النفس على من شاركه في قتل نفسه، وعلى شريكه [السبع]- فيه قولان.
وقيل: يجب القود على شريك السيد؛ لأن فعل السيد مضمونٌ بالكفارة، إن لم يكن مضموناً بالدية - فهو كشري الأب؛ وكذلك من شاركه في قتل نفسه إذا أوجبنا الكفارة على من قتل نفسه، والأول أصح.
وقيل: شريك السبع شريك الخاطيء - لا قود عليه؛ لأن [فعل] السبع لا يوصف بالعمد؛ لأن العامد من له رويةٌ قبل الفعل، وفكرة بعد الفعل، ولا يكون هذا في السباع.
فإن أوجبنا القود على شريك السبع، فلا فرق بين أن يقصده السبع بالجرح، أو لا يقصده، إذا كان جرحه مما يموتُ منه الرجل غالباً، فإن كان جرحه مما لا يموت منه والرجل غالباً - فلا قود على شريكه في النفس.
ولو جرحه كلبان وآدميٌّ، أو جرحه سبع وحيةٌ وآدميٌّ؛ فمات، فكم يجب على الآدمي من الدية؟ [فيه] وجهان أحدهما: النصفُ؛ كما لو جرحه سبعٌ واحدٌ جرحين وآدمي.
والثاني: وهو الأصح: عليه ثلث الدية؛ كما لو جرحه ثلاثة نفرٍ.
ولو رمى رجلانِ سهمين إلى مسلمٍ في صف الكفار، علم أحدهما أنه مسلم، ولم يعلم

الآخر أن في الصف مسلماً، فأصاباه فمات - هل يجبُ القودُ على العالم منهما؟ حكمه حكم شريك السيد؛ لأن فعل الجاهل مضمونٌ بالكفارة، ولو جرحه رجلٌ، فداوى المجروحُ جرحه بالسمِّ؛ بأن وضعه عليه، أو شربه للتداوي؛ فمات - نظر: إن كان السمُ مجهزاً للقتل - فلا قود على الجارح في النفس، بل عليه ضمان الجرح، أو القصاص في الطرف الذي قطعه، كما لو حز المجروح رقبةَ نفسهِ.
وإن لم يكن السم مجهزاً - نظر: إن كان مما لا يتقل غالباً - فلا قود على الجارح في النفس؛ كشريك الخاطئ، بل عليه نصف الدية، أو القصاص في الطرف.
وإن كان مما يقتلُ غالباً - نظر: إن جهل المجروحُ أنه قاتل - فكذلكك.
وإن علمه قاتلاً - نص على أنه لا قود على الجارح في النفس قيل: هو ما لو جرح نفسه، وجرحه غيره، وقيل لا قود عليه قولاً واحداً؛ لان المداوي قصد الإصلاح؛ فشريكه كشري الخاطيء، عليه نصف الدية.
ولو خاط المجروح جرحه [فمات] نظر: إن خاط في لحم ميتٍ، فعلى الجارح القودُ في النفس، أو كمال الدية، كذلك: لو داواه بما لا يضر، أكواه بما قال أهل البصر: إنه لا يضر من تكميد بصوفة ونحوه، وإن خاط في لحم حيٍّ - نظر: إن قصد الخياطة في لحم ميتٍ، أو في جلدٍ، فوقع في لحم [حي]، فلا قود على الجارح في النفس؛ كشريك الخاطيء، بل عليه نصفُ الدية، أو القصاص في الطرف الذي قطعه.
وإن قصد الخياطة في لحم حيٍّ للمصلحة، فكالتداوي بالسم الذي يقتل غالباً.
ولو خاط أجنبيُّ جرح المجروح، أو داواه بسم غير موحٍ - نظر: إن فعل بأمره.
فهو كما لو خاط بنفسه، ولا شيء على الخياط، وإن فعله بغير أمره - فهما قاتلان؛ عليهما القودُ في النفس.
وإن أخطأ في الجلد إلى اللحم - فهما شريكان في القتل؛ أحدهما عامدٌ، والآخرُ مخطيءٌ.

وإن فعله الإمامُ - نظر؛ إن كان المجروحُ عاقلاً بالغاً - فالإمامُ كالأجنبي.
وإن [كان] صبيًّا، أو مجنوناً - فهو كما لو كان سلعةً فقطعها الإمام، وجرحه آخر؛ فمات منهما - ففيه قولان: أحدهما: يجبُ عليهما القودُ.
والثاني: لا قود على الإمام بقطع السلعة، بل عليه الديةُ؛ فعلى هذا: لا قود على شريكه؛ لأنه شاركه في فعل عُدَّ خطأ.
ولو قطع إصبع إنسانٍ فتآكلت، فقطع المجنيُّ عليه فه، خوفاً من السراية - نظر: إن لم تتآكل إلا رأس الجراحة - فليس على الجاني إلا القصاص في الإصبع، وأرشها إن وقف.
فإن سرى إلى النفس [ومات] فعلى الجاني نصف الدية، وهل عليه القصاص في الإصبع، ودية أربع أصابع.
وإن سرى إلى النفس؛ فإن كان المجني عليه قطع في لحم ميته، فعلى الجاني القصاص في النفس، أو ديةٌ كاملة.
وإن قطع في لحم [حي]- فهو كخياطة الجُرح.
ولو جرح عضواً لإنسان، فداواه المجروحُ، فتآكل العضو، فسقط - نظر: إن داواه بما زعم أهل العلم أنه لا يأكل - فعلى الجاني ضمان العضو، وإن داوى بما تأكل - فليس على الجاني إلا أرش الجراحة.
فلو قال الجاني: داويته بما يأكل - فالقول قول المجني عليه مع يمينه، لأن الجناية متحققة، والأصل عدم سبب آخر.

قال الشيخ- رحمه الله -: ويحتمل أن يقال: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءةُ ذمته عن سوى أرش الجراحة، ونيره: لو قطع يد إنسان، فمات، فقال الجاني: قتل نفسه؛ فليس عليَّ إلا نصفُ الدية، وقال الولي، بل مات بسراية قطعك -[ففيه] وجهان: أصحهما: القول قول الوليِّ مع يمينه؛ لأن الجناية منه [حقيقة].
والثاني: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
فصل في تغير أحوال المجني [عليه] من الجناية والسراية كل جناية لا يكون ابتداؤها مضموناً في حق الآدمي - فلا يجب الضمانُ بتغير الحال في الانتهاء، وإن كان ابتداؤها مضموناً - فالاعتبار في قدر الضمان بالانتهاء.
وإن تغير الحال إلى الهدر فلا يجب إلا ضمان الجراحة، أما في القصاص في النفس، وفي تحمل العقل يعتبر الطرفان والواسطةُ؛ لأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهة، ويحمل العقل مؤاخذة غير الجاني للتناصر، فإن لم يكن من أحد الطرفين من أهله - لا يحمل: بيانه: لو جرح مرتداً، أو حربياً، فأسلم، ثم مات بالسراية - فلا قود عليه، ولا دية، ولا كفارة.
كما لو جرح حربيٌّ مسلماً، ثم أسلم، أو عقد الذمة، ثم مات المجروحُ بالسراية - لا شيء عليه، وكذلك لو جرح قاصده في الدفع، ثم تاب، فمات، أو جرح قاتل أبيه، ثم عفا، أو قطع يد إنسان سرقةً، أو قصاصاً، فمات بالسراية - لا [شيء عليه، وكذلك: لو جرح عبد نفسه، ثم أعتقه، فمات بالسراية - لا] قود عليه، ولا دية أما إذا جرح عبد غيره، فعتق، ومات بالسراية، أو جرح ذميًّا، فأسلم، ومات بالسراية وجب عليه دية حر مسلم؛ لأن ابتداء الجناية كان مضموناً؛ فيعتبر الانتهاء في قدر الضمان، وهو في الانتهاء حرٌّ مسلمٌ، ولا يجب القود إن كان جارح العبد حرًّا، وجارح الذمي مسلماً، وعند أبي حنيفة - رحمه الله -[عليه] العتق بقطع السراية حتى لو قطع يد عبد، فعتق، ثم سرى - لا يجب إلا دية اليد:

جارٍ التحميل