فسقط بتحريك أو ريح: لم يضمن، وإن كان ما فيه جامداً، فشرقت عليه الشمس، فذاب، وخرج: هل يضمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يخرج بفعله؛ كما لو كان منتصباً، فهب ريح، فسقط.
والثاني: يضمن؛ لأن الشمس لا تخرجه، بل تذيبه، والخروج كان بسبب فعله.
ولو حل زقاً فيه جامد، فأوقد رجل، آخر بقربه ناراً، فذهب، أو كان الزق محلولاً، فأوقد رجل بقربه ناراً، فذاب، وخرج: هل يضمن موقد النار؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن هو ولا من حله؛ لأن الذي حل لم يوجد منه فعل موجب الضمان، وموقد النار لم يباشر.
والثاني: يضمن موقد النار؛ لأنه بإدناء النار منه مباشر، وكذلك: لو حله موقد النار، ثم أوقد بقربه ناراً، فذاب: هل يضمن؟ فيه وجهان.
ولو فتح زقاً منتصباً، فيه ذائب، فاندفق بعض ما فيه، ثم جاء آخر ونكسه حتى خرج باقيه: يجب ضمان ما خرج بعد التنكيس على الثاني.
ولو حل رباط سفينة، فغرقت- نظر: إن غرقت في الحال: ضمن؛ لأنها تلفت بفعله، وإن غرقت بعد ساعة- نُظر: إن كان بسبب حادث؛ كريح هبت: لم يضمن، وإن غرقت من غير سبب: فعلى وجهين.
فصلٌ في الاختلاف
إذا اختلف الغاصب والمالك في تلف المغصوب، فقال الغاصب: قد تلف، وقال المالك: بل هو باق: فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه يتعذر إقامة البينة عليه، فإذا هلك المغصوب في يد الغاصب، ثم اختلفا في قيمته، فقال المالك: قيمته عشرة، وقال الغاصب: بل خمسة: فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه غارم، والأصل براءة ذمته.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: ولا أقومه على الصفة، يعني: لو شهد الشهود أنها كانت توصف كذا: فالقول قول الغاصب، ولا يقومه على الصفة؛ لأنه قد يكون بتلك الصفة: لا يستملح.
فلو شهد شاهدان؛ كانت قيمته ألفاً، وادعى المالك أكثر: فالقول قول الغاصب في الزيادة، ولو قال المالك: لا أدري كم كانت قيمته: لا تسمع دعواه حتى يبين؛ فإن بين، فقال الغاصب: كان أنقص منه، ولا أدري كم كان: لا يقبل حتى يبين، وإن بين حلف عليه.
ولو شهد شاهدان: أن قيمتهما أكثر من خمسة، ولم يبينا: قال الشيخ القفال: يُقبل،
ولو قال: غصبت مني داراً بالكوفة، فقال: بل غصبت بالمدينة- نظر:
إن صدقه المدعي في دار المدينة: ثبت ذلك؛ فالقول قول المدعى عليه في نفي دار الكوفة، وإن أنكر المدعي داراً بالمدينة: ارتد برده، وهو مدع دار الكوفة؛ فالقول قول المنكر مع يمينه.
ولو باع رجل عبداً من رجل، ثم جاء رجل يدعي أنه ملكي غصبه مني البائع: فله أن يدعي على المشتري عينه، وهل له أن يدعي على البائع قيمته؟ قد قيل: فيه قولان؛ كما لو قال: هذه العين لفلان، لا بل لفلان: يسلم على الأول، وهل للثاني أن يدعي عليه القيمة؟ فيه قولان، والمذهب- ههنا-: أن المدعي يدعي القيمة على البائع قولاً واحداً؛ لأنه يدعي أنه تصرف في ملكه بالبيع، فإذا ادعى على البائع القيمة، فإن صدقه دفع القيمة إليه، ولا يُقبل قوله في إبطال حق المشتري.
ثم المدعي إذا ادعى العبد على المشتري، وصدقه المشتري: رد العبد إليه، واسترد الثمن من البائع، ورد المدعي القيمة إلى البائع، وإن كذبه المشتري: حلف، وبقي العبد له: فلو عاد العبد يوماً إلى البائع؛ بأن رُد إليه بعيب، أو بسبب آخر: دفعه إلى المدعي، واسترد القيمة، وإن كذبه البائع: حلف، ثم المدعي يدعي العبد على المشتري.
ولو ادعى المدعي أولاً على المشتري العبد: فإن صدقه: دفع إليه، ولا رجوع له على البائع بالثمن؛ لأنه أبطل حقه بالإقرار.
وإن كذبه المشتري: فإن أقام المدعي بينة: أخذ العبد، ورجع المشتري بالثمن على البائع، وإن لم تقم بينة: حلف المشتري، وبقي العبد له، ثم المدعي يدعي القيمة على البائع.
ولو نكل المشتري عن اليمين: حلف المدعي، وأخذ العبد، ولا دعوى له على البائع، ولا رجوع للمشتري على البائع بالثمن؛ لأنه أبطل حقه بالنكول، ولو صدقاه جميعاً: أخذ المدعي العبد، ورجع المشتري بالثمن على البائع، فإن كان المشتري قد أعتق العبد، ثم صدقاه: لا يبطل العتق بتصديقهما؛ لأنه حق الله عز وجل، وإن صدقهم العبد على ذلك: فللمدعي قيمته، ثم إن كانت قيمته في يدهما سواء، أو كانت في يد المشتري أكثر: غرم المدعي أيهما شاء، وقرار الضمان على المشتري، وإن كانت قيمته في يد البائع أكثر: فيرجع بالزيادة على البائع، دون المشتري، وبالأصل: يغرم أيهما شاء، والقرار على المشتري.
ولو كاتبه المشتري، ثم تصادقا؛ أنه للمدعي: يفسخ الكتابة؛ لأنه يقبل الفسخ، والعتق لا يقبل الفسخ؛ فهو كالاستيلاد لا يرد بتصادقهما، والله أعلم.