بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] الآية.
العدة: اسم لمدة تربص المرأة لاستبراء رحمها، وهي تارة تكون بوضع الحمل، وتارة بالأشهر، وتارة بالأقراء:
فإن كانت المرأة حاملاً-: فعدتها بوضع الحمل، سواء وقعت الفرقة بالموت، أو في الحياة، لقوله عز وجل: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].
وإن كانت حائلاً- نظر: إن وقعت الفرقة بموت الزوج-: فيجب عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء كان قبل الدخول أو بعده.
وإن وقعت الفرقة في الحياة- نظر: إن كان قبل الدخول-: فلا عدة عليها، وإن كان بعد الدخول- نظر: إن كانت المرأة ممن لم تحض قط، أو بلغت سن الآيسات-: فعدتها ثلاثة أشهر.
وإن كانت ممن تحيض-: فعدتها ثلاثة أقراء.
والقرء، اسم يقع على الطهر والحيض جميعاً.
واختلفوا في أن المحسوب في العدة زمان الطهر أم زمان الحيض، والقروء المذكورة في القرآن ما هي؟
فعند الشافعي- رضي الله عنه-: هي الأطهار، وهو المروي عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعائشة؛ وهو مذهب الفقهاء السبعة، وهو قول الزهري، ومالك.
وذهب جماعة إلى أنها الحيض؛ وهو قول علي- رضي الله عنه- وابن عباس، وابن مسعود، وبه قال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، رضي الله عنهم أجمعين.
دليلنا: قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أي: لقبل عدتهن؛ كما قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] أي: في يوم القيامة.
أمر بالطلاق للعدة، وأجمعوا أن الطلاق المأذون فيه هو الطلاق في حال الطهر؛ فدل أن المحسوب من العدة هو زمان الطهر.
وفائدة الخلاف: أن مدة العدة- عندنا-، وعندهم أطول، حتى لو طلقها في حال الطهر: يحسب بقية الطهر قرءاً.
وإن حاضت عقيبة في الحال: فإذا شرعت في الحيضة الثالثة-: انقضت عدتها، وإن طلقها في حال الحيض: فإذا شرعت في الحيضة الرابعة-: انقضت عدتها.
وعند أبي حنيفة: ما لم تطهر من الحيضة الثالثة، إن كان في الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة، إن كان الطلاق في حال الحيض-: لا يحكم بانقضاء عدتها.
ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض-: تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل منه-: لا تنقضي حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، ويمضي عليها وقت الصلاة، وليس في كتاب الله ولا سنة الرسول شرط الغسل لانقضاء العدة.
وإذا شرعت في الحيضة الثالثة أو الرابعة-: تنقضي عدتها برؤية الدم؛ رواه المزني والربيع.
ولا يتوقف على مضي يوم وليلة، وتلك اللحظة لا تكون من صلب العدة، ولكن يتبين بها انقضاؤها.
وحكى البويطي: أن عدتها لا تنقضي حتى يمضي من الحيضة [الآخرة] يوم وليلة- فمن أصحابنا من جعل فيها قولين:
أصحهما: تنقضي برؤية الدم؛ لأن الله تعالى لم يوجب إلا ثلاثة قروء.
والثاني: يشترط مضي يوم وليلة؛ لتتحق أنه حيض.
ومنهم من قال على اختلاف الحالين، حيث قال تنقضي برؤية الدم، أراد: إذا رأت الدم على عادتها، وحيث شرط مضي يوم وليلة- أراد: إذا رأت على خلاف عادتها.
ولو قال لامرأته: أنت طالق في آخر طهرك، أو في آخر جزء من أجزاء طهرك-: هل يقع سنياً أم بدعياً؟ فيه وجهان.
وهل يحسب ذلك قرءاً؟ فيه وجهان يبنيان على أن القرء ماذا؟ فيه جوابان:
أحدهما: هو اسم الانتقال؛ فعلى هذا يحسب قرءاً بوجود الانتقال من الطهر إلى الحيض عقيب الطلاق، ويكون الطلاق سنياً.
والثاني: هو اسم لطهر احتوشه دمان؛ فعلى هذا لا يحسب قرءاً، ويكون الطلاق بدعياً؛ وهذا أصح؛ نص في "الأم" عليه.
وإذا استحيضت المعتدة- نظر: فإن كانت مميزة-: فأيام الدم القوي لها حيض، وأيام الدم الضعيف لها طهر، فإذا مضت لها ثلاثة أقراء على ذلك-: خرجت عن العدة.
وإن لم تكن مميزة- نظر إن كانت معتادة-: فتعتد بثلاثة أقراء؛ على قدر عادتها في الطهر والحيض، وإن كانت عادتها متباعدة مثلاً في كل سنة مرة: فإن كانت مبتدأة-: فإنها ترد إلى يوم وليلة في الحيض؛ على أصح القولين، وإلى ست أو سبع؛ على القول الثاني-: فهذا القدر لها حيض من كل شهر، وباقي الشهر طهر، ونعني بالشهر: ثلاثين يوماً.
وابتداؤه من أول ما رأت الدم، فلها في كل شهر قرء كامل.
وإن كانت ناسية لا تذكر شيئاً من حيضها، ولا من طهرها-: ففيه قولان:
أحدهما: كالمبتدأة.
والثاني وهو الأصح-: عليها أن تعمل بالاحتياط أبداً.
وعلى القولين جميعاً تنقضي عدتها في ثلاثة أشهر، حتى لا تبقى كالمعلقة أبداً، وتعتبر الأشهر في حقها بالأهلة، ويجعل حيضها في أول كل هلال؛ لأنا لا نجد في حقها أصلاً يعتبر به أولى من الأهلة؛ لأن الله تعالى جعلها مواقيت للناس، والغالب من عادات النساء أنهن يحضن في كل شهر مرة.
ثم المزني نقل، فقال استقبلنا بها الحيض من أول هلال يأتي عليها بعد وقوع الطلاق، فإذا هل هلال الرابع-: انقضت عدتها، وقال في رواية الربيع: فإذا هل هلال الثالث: انقضت عدتهان وليس على قولين، واختلفوا فيه:
منهم من قال: هي على حالين، فإن طلقها، وقد بقي من الشهر خمسة عشر فأقل-: فلا يحسب بقية ذلك الشهر قرءاً؛ لاحتمال أن كله حيض، ويشترط بعد شهر الطلاق مضي ثلاثة أشهر.
فإذا هل هلال الرابع-: انقضت عدتها.
وما ذكره في رواية الربيع، أراد به أنه إذا طلقها، وقد بقي من الشهر أكثر من خمسة عشر يوماً-: فيحسب بقية ذلك الشهر قرءاً؛ لأنا نتيقن أن جزءاً منه طهر.
فإذا هل هلال الثالث: انقضت عدتها.
ومنهم من قال- وهو الأصح-: إن بقية الشهر يحسب قرءاً، ون لم يبق منه إلا قليل، لأنا نجعل حيضها من ابتداء كل شهر، فلا يكون بعده إلا شهران، فحيث قال: إذا هل هلال الرابع حسب في العددة من الشهر الذي وقع فيه الطلاق-: فجعله مع الشهرين بعده ثلاثة.
وإن كانت المستحاضة ترى يوماً دماً، ويوماً نقاءً، أو يومين نقاءً، ثم دماً؛ بحيث لا يتخلل بين الدمين أقل الطهر-: فعدتها لا تنقضي في أقل من ثلاثة أشهر، سواء قلنا تلفق الدماء، أو لا تلفق، لأن الواجب عليها أن تعتد بثلاثة أقراء كوامل، والأطهار المتخللة بين الدماء؛ إن أعطينا لها حكم الطهر في وجوب الغسل والصلاة والصوم؛ على أحد القولين، لكن كل واحد ليس بطهر كامل، بل كلها طهر واحد يفرق بين الدماء، فيتم لها في كل شهر قرء، والله أعلم.
فَصْلُ
المعتدة إذا ارتفعت حيضتها بعد أن حاضت مدة قبل بلوغها سن الآيسات- نظر: إن ارتفعت من مرض، أو رضاع ولد، أو ولد بباطنها-: فعليها أن تعتد بالأقراء، وإن طالت المدة-: فينتظر زوال العلة، ثم تكمل المدة.
وإن ارتفعت لغير عارض-: ففيه قولان:
قال في الجديد- وهو المذهب: وبه قال علية العلماء-: عدتها لا تنقضي حتى يمضي بها ثلاثة أقراء، أو تبلغ سن الآيسات، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ كما لو كان انقطاع دمها لعارض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] وهذه ليست من الآيسات، ولا من اللائي لم يحضن.
وفي القديم قولان:
أحدهما: تتربص تسعة أشهر، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن الغالب أن الحمل لا يبقى في البطن أكثر من تسعة أشهر، ويروى هذا عن عمر، رضي الله عنه.
والثاني: تتربص أربع سنين، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن براءة الرحم لا تتيقن إلا بمضي أربع سنين.
فَصْلُ
إذا مات صبي لا يجامع مثله يجب على امرأته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر؛ لأنها تجب تعبداً؛ بدليل وجوبها قبل الدخول، فلو كانت امرأة هذا الصبي حاملاً-: لا تنقضي عدتها بوضع الحمل منه؛ لأن الحمل منه لا يتصور.
وكذلك: البالغ إذا مات أو طلق امرأته، وامرأته حامل بولد لا يحتمل أن يكون منه، بأن أتت به لدون ستة أشهر من يوم النكاح، أو أتت به لأكثر، ولكن لا يتصور وصول الزوج إليها-: فعدتها لا تنقضي بوضع الحمل.
وقال أبو حنيفة- رضي الله عنه-: إن كان الحمل بها ظاهراً يوم وفاته، أو طلاقه-: تنقضي عدتها بوضعه.
وإذا ثبت أن عدتها لا تنقضي بوضعه- فينظر في الحمل: إن كان من وطء شبهة-: فبعد وضع الحمل-: تعتد عن الزوج؛ لأن العدتين من شخصين لا تتداخلان.
وإن كان حملها من زنا- نظر: إن كانت عدة الزوج عدة طلاق، فإن كانت بالأشهر: فإذا مضى لها، ثلاثة أشهر قبل الوضع-: تنقضي عدتها، وإن كانت بالأقراء نظر: إن كانت المرأة لا ترى الدم على الحبل، أو كانت ترى، وقلنا: الدم الذي تراه الحامل لا يكون حيضاً-: فعليها أن تعتد عن الزوج بعد وضع الحمل بثلاثة أقراء.
وإن كانت ترى الدم على الحبل، وقلنا: الحامل تحيض-: فيحسب ذلك عن عدة الزوج على الصحيح من المذهب، وقيل: لا يحسب الحيض على الحمل عن العدة؛ لأنه لا يدل على براءة الرحم.
وإذا مات الممسوح: يجب على امرأته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، فإن مات أو طلق امرأته- وهي حامل- لا تنقضي عدتها بوضع الحمل على الصحيح من المذهب؛ لأنه لا يتصور منه الحمل.
وفيه قول آخر: أنه تنقضي عدتها بوضع الحمل؛ لاحتمال العلوق بالتساحق، أما من كان مسلول الخصيتين، وذكره باق- فهو كالفحل في أنه يب على امرأته عدة الطلاق، وإن كانت حاملاً تنقضي عدتها بوضع الحمل.
وإن كان الزوج مجبوباً وأنثياه سليمتان- نظر: إن ظهر بامرأته حمل-: يثبت نسبه منه، وتنقضي عدتها منه بوضعه، وإن لم يكن بها حمل: يجب عليها عدة الوفاة، ولا يجب عليها عدة الطلاق؛ لأنها تجب بالدخول، والدخول منه لا يتصور، والله أعلم بالصواب.
فَصْلُ
إذا طلق امرأته التي بلغت سن الإياس، وانقطع حيضها بعد الدخول بها-: يجب عليها أن تعتد بثلاثة أشهر؛ وكذلك التي لم تحض قط، وإن كانت في سن تحيض فيه النساء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4].
والاعتبار في بلوغها سن الآيسات: بنساء عشيرتها من قبل الأب والأم، فإذا بلغت سناً-: ينقطع فيها حيض نساء عشيرتها، وانقطع حيضها؛ فهي آيسة، وإذا انقطع قبلها-: لا تكون آيسة.
وفيه قول آخر: أنه يعتبر إياس نساء العالم، وهي اثنان وستون ستة.
ولو ولدت امرأة لم تر حيضاً قبله، ولا نفاساً بعده، ولزمتها العدة-: ففي عدتها وجهان:
أحدهما: تعتد بالشهور؛ لظاهر الآية.
والثاني: لا تعتد بالشهور؛ بل هي كمن ارتفعت حيضتها في غير أوانه؛ لأنها لا تحمل إلا وهي من ذوات الأقراء، وكل موضع أوجبنا عليها الاعتداد بالأشهر فإن طلقها منجزاً: فينكسر الشهر الأول؛ لأنه- وإن طلقها في أول الشهر- فالتلفظ بكلمة الطلاق يستدعي مضي زمان شهر؛ إذ بعده يكون بالهلال؛ سواء خرج ناقصاً أو كاملاً، حتى لو طلقها بعد مضي خمسة أيام من الشهر-: تنقضي عدتها بعد مضي خمسة أيام من الشهر الرابع، إن خرج شهر الطلاق كاملاً.
وإن خرج ناقصاً-: فبعد مضي ستة أيام من الشهر الرابع: فإن أتت الساعة التي طلقها فيها من ليل أو نهار-: تنقضي عدتها.
وإن كان قد علق طلاقها بانسلاخ الشهر، أو قال: أنت طالق مع آخر جزء من آخر الشهر.
فإذا وقع الطلاق بانسلاخ الشهر-: تعتد بثلاثة أشهر كلها بالأهلة؛ لأن الشهر لا ينكسر ههنا.
وإذا اعتدت الصغيرة بالأشهر، ثم حاضت بعدها-: لا يجب عليها أن تعتد بالأقراء، وإن حاضت قبل مضي الأشهر الثلاثة-: عليها أن تعتد بالأقراء، وإن بقي من الشهر ساعة-: وجب؛ لأنها قدرت على الأصل قبل الفراغ من البدل؛ كالمتيمم: يجد الماء في خلال التيمم: يجب أن يتوضأ، ثم هل يحسب ما مضى قرءاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن سريج: يحسب؛ لأنهطهر بعده حيض، فكان كطهر قبله حيض.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق-: لا يحسب كذات الأقراء، إذا اعتدت بقرء، ثم أيست-: عليها أن تعتد بثلاثة أشهر، ولا يحسب ما مضى شهراً.
وبعض أصحابنا قالوا: هذا بناءً على أن القرء اسم لماذا؟ وفيه جوابان:
أحدهما: اسم للانتقال؛ يقال: قرأ النجم؛ إذا انتقل من برج إلى برج، فعلى هذا: يحسب قرءاً؛ لوجود الانتقال.
والثاني: اسم لطهر احتوشه دمان؛ فعلى هذا: لا يحسب قرءاً.
أما الآيسة: إذا عاودها الدم قبل انقضاء الأشهر الثلاث: يجب عليها أن تعتد بالأقراء، ويحسب ما مضى قرءاً.
ولو عاودها الدم بعد انقضاء الأشهر: فهل يجب عليها أن تعتد بالأقراء؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ كالصغيرة إذا رأت الدم بعد الأشهر.
والثاني: وهو المذهب-: يجب عليها أن تعتد بالأقراء، سواء رأت الدم بعد ما نكحت أو قبله، وإن كانت نكحت-: فالنكاح باطل؛ بخلاف الصغيرة، لأن الصغيرة جوز لها الاعتداد بالأشهر؛ لعلة أنها لا تحيض، وذلك لا يرتفع بحيضها من بعد، والآيسة جوز لها؛ لعلة الإياس، وبان برؤية الدم أنها لم تكن آيسة.
وقيل: القولان فيما إذا لم تكن قد نكحت، فإن كانت قد نكحت، ثم رأت الدم-: لا يبطل النكاح، ولا يجب عليها الاعتداد بالأقراء، فحيث قلنا: يجب عليها أن تعتد بالأقراء، فإن رأت الدم مرة، ثم لم يعاودها الدم- يجب عليها استئناف الاعتداد بثلاثة أشهر، والله أعلم.
فَصْلُ
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] الآية.
المعتدة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل، سواء انفصل الولد عنها حياً أو ميتاً، ولو أسقطت سقطاً ظهر فيه خلق الآدميين من سن أو ظفر، أو ظهر فيه التخطيط-: تنقضي العدة به.
وإن أسقطته بضرب ضارب-: يجب على الضارب به الغرة والكفارة.
وإذا أسقطت أمة من سيدها-: تصير به أم ولد له، ولو ألقت مضغة لم يظهر فيها شيء من خلق الآدميين-: يرى القوابل، فلو قال أربع نسوة من أهل العدالة والمعرفة: إنه لحم الولد، وقد ظهر فيه تخطيط باطن-:
[تتعلق بها هذه الأحكام، فإن قلن هو لحم ولد، ولكن لم يظهر فيه تخطيط]، أو شكن في ظهور التخطيط-: نص على أن العدة تنقضي به، ونص على أن الجارية لا تصير أم ولد له، ولا يجب على الضارب الغرة به، إذا ألقته بضربه، واختلف أصحابنا فيه:
منهم من جعل في ثبوت هذه الأحكام قولين:
أحدهما: لا يتعلق بها شيء من هذه الأحكام؛ لأنها تتعلق بالولد، ولا يتناوله اسم الولد؛ كما لو ألقت علقة.
والثاني: تتعلق به هذه الأحكام بقول القوابل: إنه لحم الولد؛ كما لو قلن: ظهر فيه التخطيط.
ومنهم من قال- وهو للأصح-: "لا يتعلق به شيء من هذه الأحكام، ما لم يتبين فيه شيء من خلق الآدميين ظاهراً أو باطناً يعلمه أهل الصنعة، ونصه في العدة محمول عليه.
ومنهم من فرق بين هذه الأحكام على ظاهر النص، فقال: لا تجب الغرة؛ لأن الأصل براءة ذمته؛ فلا تنشغل إلا باليقين.
وأمومة الولد لا تثبت؛ لأن ثبوتها بحرية الولد، ولم يوجد الولد حتى يحكم بحريته.
أما العدة تنقضي؛ لأنها تنقضي [بدون اللحم، وهو] الدم، فباللحم أولى.
ولو شكت القوابل: أن هذا لحم ولد أم دم جامد: فلا يتعلق به شيء من هذه الأحكام.
ولو اختلف الزوجان، فقالت: أسقطت ما ظهر فيه خلق الآدميين، وأنكر الزوج، وكان ما أسقطت بائناً-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها مؤتمنة-: في العدة.
وإذا رأت الحامل الدم على الحبل: لا تنقضي به عدتها.
وإن جعلناه حيضاً؛ لأنه لا يدل على براءة الرحم، بخلاف زمان الإرضاع، إذا رأت فيه الدم-: تنقضي عدتها، وإن كانت حاملاً بولدين، فوضعت أحدهما-: لا تنقضي به عدتها.
[وإن جعلناه حيضاً؛ لأنه لا يدل على براءة الرحم] حتى لو كان الطلاق رجعياً-:
يجوز للزوج مراجعتها قبل وضع الثاني ولو طلقها-: يقع الطلاق.
وكذلك: لو كانت حاملاً بولد، فخرج بعضه-: لا تنقضي عدتها ما لم ينفصل الكل.
وإذا كانت المرأة تعتد بالأقراء أو بالأشهر، فظهر بها حمل من الزوج-: عليها الاعتداد بوضع الحمل؛ لأن وضع الحمل دليل على براءة الرحم من جهة القطع، والأقراء من جهة الظاهر، فإذا جاء القطع-: سقط حكم الظاهر.
أما إذا عرتها الريبة قبل مضي الأقراء والأشهر-: لا يجوز لها أن تنكح بعد مضيها، حتى تزول الريبة، فإن نكحت: فباطل.
ولو عرتها الريبة بعد انقضاء العدة- نظر: إن كان بعدما نكحت لا يحكم ببطلان النكاح؛ لاتصال حق الزوج الثاني به، إلا أن يتحقق الحمل يوم النكاح؛ فيحكم ببطلانه.
وإن كان قبل النكاح-: فالأولى ألا تنكح حتى تزول الريبة، فلو نكحت-: ففيه قولان:
أحدهما: لا يصح ما لم تزل الريبة، كما لو عرتها الريبة قبل مضي الأقراء.
والثاني: يكون موقوفاً على تبين الحمل، فإن وضعت لأقل من ستة أشهر-: بانت أنها كانت حاملاً، ولم يصح النكاح، ولو راجعها الزوج بعد مضي الأقراء قبل زوال الريبة-: لا خلاف أنه يتوقف على اليقين، والله أعلم.
فَصْلُ
إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً بخلع، أو استيفاء ثلاث طلقات، أو فسخ الناكح بعيب، أو لاعن عنها، ولم ينف الحمل، ثم أتت بولد لأربع سنين فأقل من وقت الفراق- فهو يلحق بالزوج، سواء أقرت بانقضاء العدة أو لم تقر إلا أن ينفيه باللعان.
وأن أتت به لأكثر من أربع سنين-: فهو منفي عنه بلا لعان، سواء أقرت بانقضاء عدتها أو لم تقر.
وعند أبي حنيفة: يلحقه إن أتت به لأكثر من ستة أشهر إلى سنتين، إذا لم تقر بانقضاء عدتها، فإن أقرت بانقضاء عدتها، ثم أتت به لأقل من ستة أشهر-: يلحقه، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر-: لا يلحقه، وبه قال ابن سريج: أنها إذا أقرت بانقضاء العدة، ثم أتت
بولد لستة أشهر فصاعداً-: لا يلحقه؛ كالأمة: إذا صارت فراشاً بالوطء، فاستبرأها سيدها، ثم أتت بعد الاستبراء بولد لستة أشهر فصاعداً-: لا يلحقه.
والأول المذهب؛ لأن فراش النكاح أسرع ثبوتاً وأبطأ ارتفاعاً، فإنه يثبت بمجرد العقد، ويثبت فيه النسب بالإمكان؛ بخلاف فراش ملك اليمين.
أما إذا طلق امرأته طلاقاً رجعياً-: فمدة أربع سنين من أي وقت تعتبر؟ فيه قولان:
أصحهما: من وقت الطلاق؛ كما في حق البائنة.
والثاني: تعتبر من وقت انقضاء العدة؛ لأن خصائص النكاح لا تزول بالطلاق الرجعي؛ فزمان الرجعة كزمان صلب النكاح.
خرج منه أنها [لو] أتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت انقضاء العدة-: لا يلحقه، وإن أتت به لأربع سنين فأقل من وقت الطلاق: يلحقه.
وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق ولأربع سنين فأقل من وقت انقضاء العدة-: هل يلحقه؟ فعلى قولين.
فإن قلنا: تعتبر من وقت الطلاق-: فهي كالبائنة؛ لا يلحقه، سواء أقرت بانقضاء العدة أو لم تقر.
وإن قلنا: تعتبر من وقت انقضاء العدة-: فإن أقرت بانقضاء العدة، ثم أتت بعد الإقرار بولد لأكثر من أربع سنين-: لا يلحقه.
وإن لم تقر بانقضاء عدتها-: فمن أصحابنا من قال: يلحقه، وإن مضت سنون كثيرة، وليس بصحيح، بل إذا مضت بعد الطلاق ثلاثة أشهر، ثم أربع سنين-: فلا يلحقه ما لم تلد بعده؛ لأن الغالب أن العدة تنقضي بثلاثة أشهر؛ فكل موضع ألحقنا به النسب-: نجعلها معتدة إلى أن تضعه، وللزوج الرجعة، إن كان الطلاق رجعياً، ولها النفقة والسكنى.
ولو قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فأتت بولدين- نظر: إن كان بينهما أقل من- ستة أشهر-: لحقاه جميعاً، ووقعت طلقة بالأول، وانقضت عدتها بالثاني.
وإن كان بينهما ستة أشهر فأكثر-: طلقت بالأول، وهل يلحقه الثاني أم لا؟ نظر:
إن كان الطلاق بائناً: فالثاني منفي عنه بغير اللعان؛ لأنه لا يتصور العلوق به في النكاح؛ بخلاف ما لو لم يكن الطلاق معلقاً بالولادة: يلحقه الولد إلى أربع سنين؛ لاحتمال العلوق في النكاح.
ولو كان الطلاق رجعياً-: فهل يلحقه الثاني؟ إن قلنا: يعتبر أربع سنين من وقت
الطلاق-: لا يلحقه؛ كما في البائنة، وإن قلنا: يعتبر من وقت انقضاء العدة-: يلحقه، إذا أتت به لأربع سنين فأقل من وقت ولادة الأول.
ولو أتت بثلاثة أولاد- نظر: إن كان الكل حملاً واحداً؛ بأن كان بين الأول والثالث أقل من ستة أشهر-: لحقه الكل، وطلقت بالأول، وانقضت عدتها بالثالث.
وإن كان بين الأول والثاني أقل من ستة أشهر، وبين الثاني والثالث أكثر من ستة أشهر-: لحقه الأولان، وانقضت عدتها بالثاني، ولا يلحقه الثالث، سواء كان الطلاق بائناً أو رجعياً؛ لأن العلوق بالثالث لا يتصور في النكاح، ولا في العدة.
وإن كان بين الثاني والأول أكثر من ستة أشهر، وبين الثاني والثالث أقل-: لحقه الأول، وهل يلحقه الآخران؟ نظر:
إن كان الطلاق بائناً-: فلا يلحقه الآخران، وإن كان رجعياً-: فعلى القولين.
وإن كان بين الثاني والأول أكثر من ستة أشهر، وبين الثاني والثالث كذلك-: فالثالث منفي عنه.
وأما الثاني: إن كان الطلاق بائناً-: فمنفي عنه، وإن كان رجعياً-: فعلى القولين.
قال الشيخ: إن كان بين الأول والثالث أكثر من ستة أشهر، وبين كل اثنين أقل من ستة أشهر-: فالثاني مضموم إلى الأول، وهما حمل واحد يلحقانه، والثالث منفي عنه.
وكل موضع قلنا: لا يلحقه الثاني-: لا تنقضي عدتها به، ونصه أن عدتها تنقضي به أراد به: إذا ادعت المرأة على الزوج أنه راجعها بعد الطلاق، أو وطئها بشبهة، والولد منه، فالقول قول الرجل في أنه لم يراجعها ولم يطأها، فتنقضي عدتها بوضعه؛ لأن بزعمها أن الولد منه، كما لو نفى الرجل حملها باللعان-: تنقضي عدتها بوضعه؛ لأن بزعمها أنه منه.
وإذا أتت المعتدة بالولد لأكثر من أربع سنين، وادعت أن الزوج راجعها إن كان الطلاق رجعياً، أو نكحها، إن كان الطلاق بائناً، أو وطئها لشبهة، والولد منه- نظر:
إن صدقها الزوج على استحداث الفراش، وأنكر أن يكون الولد منها، بل قال: استعرته أو التقطته فالقول قوله مع يمينه؛ كما في صلب النكاح؛ فإن نكل عن اليمين-: حلفت، ولحقه الولد، إلا أن ينفيه باللعان.
وإن أقر أن الولد منها، وأنكر استحداث الفراش-: فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه يحلف على البت أنه لم ينكحها، ولم يطأها، فإن حلف-: انتفى عنه باللعان.
وإن نكل حلفت المرأة، ولحقه الولد، إلا أن ينفيه باللعان، وإن ادعت على الوارث
بعد موت الزوج أن مورثك راجعني أو نكحني-: فالقول قول الوارث مع يمينه، وهو بمنزلة المورث إلا أنه يحلف على العلم، فيقول: لا أعلم أن مورثي نكحك أو وطئك، وإذا نكل، وحلفت المرأة-: لحقه، ولا يمكنه نفي الولد باللعان، بخلاف المورث: كان له نفيه.
إذا ثبت أن الولد يلحق الزوج المطلق إلى أربع سنين-: فذلك إذا لم تستحدث المرأة فراشاً، فإن نكحت المرأة بعد انقضاء عدتها، ثم أتت بولد- نظر: إن أتت به لدون ستة أشهر من يوم نكاح الثاني-: جعل كأن النكاح لم يوجد.
فإن كان لأربع سنين فأقل من وقت طلاق الأول-: فهو ملحق بالأول، وإن كان لأكثر-: فمنفي عنهما.
وإن أتت به لستة أشهر فأكثرمن يوم نكاح الثاني-: فهو للثاني.
وإن كان لأقل من أربع سنين من يوم طلاق الأول؛ لأن فراش الأول قد انقطع بالثاني، ولو وطئت في العدة بالشبهة، أو نكحت في العدة، فوطئها الزوج جاهلاً بتحريمه، فأتته بولد لستة أشهر فأكثر من يوم إصابة الثاني، ولأربع سنين فأقل من وقت طلاق الأول-: يرى القائف، فلو وطئت بالشبهة بعد انقضاء عدتها من الأول-: فهل ينزل منزلة النكاح الصحيح في قطع فراش الأول؟ فيه وجهان:
أصحهما: بلى؛ حتى لو أتت بولد لستة أشهر فأكثر من وقت الوطء: يلحق الواطئ وإن كان لدون أربع سنين من وقت طلاق الأول.
والوجه الثاني: لا يقطعه؛ كما لو وطئت بالشبهة في العدة حتى لو أتت بالولد لستة أشهر فأكثر من وقت الوطء لأربع سنين فأقل من وقت الطلاق: يرى الولد القائف- فبأيهما ألحقه: التحق به.
وإذا غاب الرجل عن زوجته فطلقها، أو مات في الغيبة، ثم أتاها الخبر بعد مدة-: تكون عدتها من وقت الطلاق والموت لا من وقت بلوغ الخبر إليها، سواء ثبت موته أو طلاقه بخبر مستفيض، أو سمعته من ثقة حر أو عبد، رجل أو امرأة؛ وهو قول عامة العلماء.
روى عن علي أن عدتها من وقت بلوغ الخبر إليها.
وقال عمر بن عبد العزيز: إن ثبت موته ببينة-: فعدتها من وقت الموت، وإن ثبت بالسماع-: فمن وقت العلم.
فَصْلُ
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] الآية.
إذا وقعت الفرقة بين الزوجين في الحياة قبل الدخول-: لا يجب عليها العدة، فلو طلقها، واختلفا في الإصابة، فقال الزوج: أصبتها-: فلي الرجعة، وأنكرت المرأة-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم الإصابة.
ولو أقام الزوج بينة على إقرارها بالإصابة-: فلا يقبل إلا من رجلين؛ لأن مقصوده إثبات الرجعة، والرجعة لا تثبت إلا برجلين عدلين.
وإن قالت المرأة: أصبتني؛ فعليك تمام المهر، وأنكر الزوج-: فالقول قوله مع يمينه، فلو أقامت المرأة رجلاً وامرأتين، أو شاهداً واحداً وحلفت معه على إقراره بالإصابة-: يقبل؛ لأن مقصودها إثبات المال، والمال يثبت برجل وامرأتين وبشاهد ويمين.
ولو أنكر الزوج الإصابة، وحلف عليها، فأتت المرأة بولد لستة أشهر فأكثر من وقت النكاح، ولدون أربع سنين من وقت الطلاق-: يلحقه النسب، إلا أن ينفيه باللعان.
وهل يحكم بالإصابة حتى يجب كمال المهر؟
نقل المزني: أنه يجعل مصيباً، وعليه كمال المهر.
قال الربيع: وفيه قول آخر: أنه لا يجعل مصيباً؛ لاحتمال أنها استدخلت ماءه فعلقت منه، ولا يجب به كمال المهر؛ فحصل قولان:
أحدهما: القول قوله، ولا يجب إلا نصف المهر؛ لاحتمال العلوق بالاستدخال، والإتيان فيما دون الفرج.
والثاني: القول قولها مع يمينها، ويجب كمال المهر؛ لأن الغالب أن العلوق يكون بالإصابة، ويندر بالاستدخال؛ فقد يقوى به جانبها.
فإن قلنا: القول قولها-: فلا رجعة للزوج؛ لأنه منكر للإصابة، فقوله على نفسه مقبول، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب/ عدة الأمة
قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "يُطَلِّقُ العَبْدُ تَطْلِيقَتْينِ، وَتَعْتَدُّ الأَمَةُ
حَيْضَتَيْنِ" والتي لاَ تَحِيضُ شَهْرَيْنِ أَوْ شَهْراً وَنِصْفاً.
الأمة إذا لزمتها العدة: فإن كانت حاملاً-: فانقضاء العدة بوضع الحمل؛ كالحرة.
وإن كانت حائلاً- نظر: إن لزمتها عدة وفاة الزوج-: فعليها أن تعتد شهرين وخمس ليال؛ على نصف الحرة.
وإن فارقها الزوج في الحياة بعد الدخول- نظر: إن كانت من ذوات الأقراء-: تعتد بقرأين؛ لأن القرء الواحد لا يتنصف، فتكمل كالطلاق، وإن كانت من ذوات الأشهر-: فعلى قولين:
أحدهما: تعتد بشهرين؛ لأن الأشهر بمقابلة الأقراء.
والثاني: تعتد بشهر ونصف؛ لأن الشهور تقبل التنصيف؛ بخلاف الأقراء؛ كما تعتد عن الوفاة بشهرين وخمس ليالي.
وخرج قول من استبراء أم الولد: أنها تعتد بثلاثة أشهر؛ لأن الماء لا يظهر أثره في الرحم بدون ثلاثة أشهر.
ولو وطئت أمة بنكاح فاسد أو بشبهة نكاح-: عليها أن تعتد بقرأين؛ كما في النكاح الصحيح، وإن وطئت بشبهة ملك اليمين-: تستبرئ بقرء واحد.
فَصْلُ
إذا عتقت الأمة في خلال العدة- نظر: إن كانت رجعية-: ففي الجديد- وهو المذهب-: يجب عليها أن تكمل عدة الحرائر.
وفي القديم قولان.
وإن كانت بائنة-: ففي القديم: تقتصر على عدة الإماء، وفي الجديد قولان.
وعند أبي حنيفة: إن كانت رجعية-: تكمل عدة الحرائر؛ لأن زمان الرجعة كزمان صلب النكاح.
وإن كانت بائنة: تقتصر على عدة الإماء، وهذا أصح الأقوال على مذهبنا؛ كما أن الرجعية إذا مات عنها زوجها-: تنتقل إلى عدة الوفاة، والبائن لا تنتقل.
ولو طلق العبد زوجته الأمة طلاقاً رجعياً، فعتقت في خلال العدة: فإن اختارت الفراق: تبني على عدتها أم تستأنف؟ حكمه حكم ما لو طلق الرجعية، وفيه طريقان.
وإن أخرت الاختيار حتى راجعها الزوج، ثم اختارت قبل الدخول-: فهو كما لو
راجعها، ثم طلقها قبل الدخول-: هل يجب استئناف العدة؟ وفيه قولان:
فإن قلنا: تستأنف العدة في هاتين الصورتين-: عليها عدة الحرائر.
وإن قلنا: تبني-: ففي الجديد: تكمل عدة الحرائر.
وفي القديم: قولان؛ لأنها رجعية.
وإن كانت بائنة، فعتقت-: لا خيار لها لارتفاع النكاح بينهما، وتبني على عدتها.
وكذلك: لو نكحها الزوج بعد العتق، ثم طلقها قبل الدخول-: تبني على عدتها.
ثم في القديم: تقتصر على عدة الإماء.
وفي الجديد: قولان.
بَابُ عِدَّةِ الوَفَاةِ
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234].
رُوِيَ أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةَ وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنْصْفِ شَهْرٍ، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ الله- صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: "قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي من شِئْتِ".
إذا مات رجل-: يجب على امرأته عدة الوفاة، سواء مات قبل الدخول أو بعده، ثم إن كانت حاملاً-: فعدتها بوضع الحمل، وإذا وضعت: حلت.
وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة، فإن كانت حائلاً-: فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء كانت من ذوات الأقراء أو لم تكن، صغيرة كانت أو كبيرة، فإن كان بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة أيام-: فالشهر الثاني والثالث والرابع يكون بالأهلة، وإن خرجت ناقصة-: فتكمل الشهر الأول بالخامس ثلاثين يوماً، ثم تضم إليها عشرة أيام، حتى يأتي
الوقت الذي مات فيه الزوج من اليوم الأول، فإن مات وقد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام؛ فيكون بعد ذلك الشهر أربعة أشهر بالأهلة، وتكمل العشر من الشهر السادس [فترد الكسر إلى العشر]، وإن كانت محبوسة، ولم يكن هناك من يخبرها بالأهلة-: اعتدت بأربعة أشهر وعشر بالأيام، وهو مائة وثلاثون يوماً، وإذا تمت أربعة أشهر وعشراً-: انقضت عدتها، وإن لم تر عادتها من الحيض فيها.
وعند مالك: لا تنقضي حتى ترى عادتها من الحيض في تلك الأيام.
وإذا طلق زوجته، ثم مات- وهي في العدة- نظر: إن كان الطلاق بائناً-: فإنها تكمل عدة الطلاق، ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، وإن كانت حاملاً-: قال الشيخ: لا تسقط نفقتها.
فإن كان الطلاق رجعياً-: تسقط عدة الطلاق، وعليها أن تعتد عدة الوفاة من يوم موته أربعة أشهر وعشراً، وعليها الإحداد، ولا نفقة لها في العدة، وقال أبو حنيفة: المبتوتة في المرض يلزمها عدة الوفاة، ولا تسقط عدة الطلاق، فتعتد بأبعدهما انقضاءً؛ غير أن عدة الطلاق ثلاث حيض من يوم الطلاق، وعدة الوفاة من يوم الموت.
وإذا طلق إحدى امرأتيه، ومات قبل البيان: فمن كانت منهما حاملاً-: تنقضي عدتها بوضع الحمل.
ومن كانت حائلاً، فإن كان قبل الدخول بها-: تعتد بأربعة أشهر وعشر؛ لأن كل واحدة بين أن تكون مطلقة: فلا عدة عليها، وبين أن تكون زوجة؛ فعليها الاعتداد بأربعة أشهر وعشر.
وكذلك: إذا كان بعد الدخول بها، ولكنها من ذوات الأشهر؛ لأنها بين أن تكون مطلقة-: فعدتها بثلاثة أشهر، وبين أن تكون زوجة-: فبأربعة أشهر وعشر؛ فتأخذ بالاحتياط.
وإن كانت من ذوات الأقراء-: فعليها أن تعتد بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر، أو ثلاثة أقراء؛ أوجبنا الأقراء؛ لاحتمال أن الفرقة وقعت بالطلاق، وأوجبنا الأشهر لاحتمال أنها وقعت بالموت، إلا أن الأقراء تحسب من وقت اللفظ، والأشهر من يوم الموت، حتى لو مضى منها قروء بعد اللفظ، ثم مات الزوج-: تعتد بأربعة أشهر وعشر، فيها قرءان.
هذا إذا عين واحدة بقلبه.
أما إذا لم يعين واحدة بقلبه، ومات قبل التعيين-: فإن قلنا: لو عين تكون عدتها من وقت اللفظ-: فالحكم هذا.
وإن قلنا: عدتها من وقت التعيين-: فعليها أن تعتد بأقصى الأجلين من وقت الموت، ولا تحسب ما مضى من الأقراء في حال الحياة.
هذا إذا كان الطلاق بائناً، وإن كان الطلاق رجعياً-: عليها أن تعتد من وقت الموت بأربعة أشهر وعشر، عين أو لم يعين، لأن الرجعية إذا مات زوجها-: تنتقل إلى عدة الوفاة.
ولو نكح رجل نكاحاً فاسداً، ففرق القاضي بينهما، فإن فرق القاضي بينهما، أو مات الزوج قبل الدخول بها-: فلا عدة عليها، وإن كان بعد الدخول - نظر: إن كانت حاملاً-: فعدتها بوضع الحمل، وإن كانت حائلاً-: فعدتها بثلاثة أقراء، إن كانت من أهلها، وإن لم تكن-: فثلاثة أشهر، سواء فارقها الزوج أو مات عنها، وتكون عدتها من وقت التفريق؛ لأن الفراش به يزول.
وقيل من آخر الوطئات؛ وليس بصحيح.
والتفريق: أن يفرق القاضي بينهما أو يتفقا على التفريق، أو يطلقها على أن النكاح صحيح، أو يموت عنها، فإن غاب عنها- نظر:
إن لم يكن في عزمه أن يعود-: فمن وقت الغيبة.
وإن كان في عزمه أن يعود-: فلا/ تكون مدة الغيبة من العدة حتى يتفرقا قطعاً.
ولو وطئ امرأة بالشبهة، وأحبلها، ثم نكحها، ثم مات قبل الوضع-: هل تنقضي عدة الوفاة بوضع الحمل؟ فيه وجهان لابن سريج:
أحدهما: لا تنقضي.
والثاني: تنقضي بأقل الأجلين من وضع الحمل، أو مضي أربعة أشهر.
قال الشيخ: وكذلك: لو طلقها بعد الدخول-: هل تنقضي العدتان بالوضع؟ فيه وجهان.
بَابُ مُقَامِ المُطَلقَّةِ فِي بَيْتِهَا
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
وأراد بالفاحشة: أن تبدو على أحمائها، فيحل إخراجها، وتسقط سكناها كالناشزة، فعليها أن تعتد في بيت أهلها؛ وهو قول ابن عباس.
وقال ابن مسعود: المراد بالفاحشة: أن تزني، فتخرج، ويقام عليها الحد ثم ترد إلى منزلها.
جملة المعتدات قسمان: معتدة عن فرقة النكاح، ومعتدة عن غير النكاح:
أما المعتدة عن فرقة النكاح- لا تخلو: إما أن كانت عن فرقة الحياة، أو عن فرقة الوفاة:
فإن كانت عن فرقة الحياة- لا تخلو: إما أن كانت عدتها عن فرقة الطلاق، أو عن غير الطلاق: فإن كان عن فرقة الطلاق- نظر: إن كانت رجعية-: فإنها تستحق النفقة والكسوة والسكنى، حاملاً كانت أو حائلاً؛ لأنها في معنى الزوجات، ونعني بالسكنى مؤنة السكنى.
وإن كانت بائنة بخلع أو ثلاث طلقات-: فلها السكنى، حاملاً كانت أو حائلاً.
وقال ابن عباس: لا سكنى لها؛ وهو قول أحمد وإسحاق، ولا تستحق النفقة والكسوة، إن كانت حائلاً، وإن كانت حاملاً-: تستحقها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
وقال أبو حنيفة: تستحق النفقة، حاملاً كانت أو حائلاً.
وإن كانت عدتها عن غير فرقة الطلاق نظر: إن كان ملاعنة- فهي كالمطلقة ثلاثاً: تستحق السكنى، وتستحق النفقة والكسوة، إن كانت حاملاً.
وإن فسخ أحدهما النكاح بعيب وجد بصاحبه، أو بغرور-: فهي كالموطوءة بالشبهة.
وإن كانت الفرقة بسب رضاع أو صهرية أو خيار عتق-: فقد قيل: هي كالموطوءة بالشبهة.
والمذهب: أنها كالمطلقة ثلاثاً؛ لأنها لم تكن بسبب كان موجوداً يوم العقد، ولا بسبب يستند الفسخ إليه، فيجعل مفسوخاً من أصله؛ بدليل وجوب المسمى، وفي العيب والغرور-: كان بسبب في العقد ولذلك وجب مهر المثل.
أما المعتدة عن فرقة الوفاة-: فلا نفقة لها، ولا كسوة، حاملاً كانت أو حائلاً، وهل تستحق السكنى؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تستحق السكنى، وهو قول علي.
وابن عباس وعائشة- رضي الله عنهم- ومذهب أبي حنيفة، واختيار المزني.
والثاني: تستحق؛ وهو قول عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأم سلمة- رضي الله عنهم- ومذهب مالك.
واختلافُ القَوْلَيْنِ مِنْ حديثِ فُرَيْعَة بنْتِ مَالكٍ أخت أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ- رضي الله عنهم- قُتِلَ زَوْجُهَا، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ الله- صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي؛ فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَنْزِلٍ يَمْلُكُهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم- "نَعَمْ" فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الحُجْرَةِ، أَوْ فِي المَسْجِدِ دَعَانِي، فَقَالَ: "امْكُثِي فِي بَيْتِكِ، حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ".
واختلفوا في تنزيله: قيل: لم يوجب في الابتداء، ثم أوجب؛ فصار الأول منسوخاً.
وقيل: أمرها بالمكث في بيتها أمر استحباب لا وجوب.
أما المعتدة من غير فرقة النكاح؛ كالموطوءة بالشبهة، وبالنكاح الفاسد-: فلا سكنى لها، وسكنت حيث شاءت.
أما النفقة والكسوة: فإن كانت حائلاً-: لا تستحقها.
وإن كانت حاملاً-: فقولان؛ بناءً على أن النفقة في المطلقة للحامل للحمل أو للحامل؟ وفيه قولان:
أصحهما: أنها للحامل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6]، أضاف النفقة إليهن إلا أنه اختص بحالة الحمل؛ لأن الزوج مستمتع برحمها في حالة الحمل؛ فصار كصلب النكاح؛ والدليل عليها: أنها تتقدر بحالها، ولها المطالبة والإبراء.
والقول الثاني: أنها للحمل؛ بدليل أنها لا تستحق في حال الحيال.
فإن قلنا: للحامل-: فلا تستحقها الموطوءة بالشبهة، والنكاح الفاسد، والمفسوخة نكاحها بالعيب والغرور.
وإن قلنا: للحمل: فلهن النفقة، فحيث قلنا: لا سكنى للمعتدة: إما من وطء الشبهة، أو في عدة الوفاة على أحد القولين، فتبرع الزوج أو الوارث بها-: أسكنها حيث شاء؛ صيانة لمائه، وحفظاً لنسبه.
فَصْلُ
يجب على المعتدة ملازمة البيت، ولا يجوز لها الخروج لغير ضرورة أو حاجة، وإن أذن لها الزوج في الخروج؛ لما فيه من حق الله تعالى.
ولو أرادت الخروج-: للزوج منعها؛ صيانة لمائه، وإن كان [الزوج] ميتاً-: فلورثته منعها عن الخروج؛ لأنهم يقومون مقام الزوج في حفظ النسب ودفع السكنى، فلو خرجت لغير حاجة-: عصت، ولكن لا يمتنع انقضاء عدتها، فإن اضطرت إلى الخروج بأن خافت هدماً أو حريقاً أو غرقاً-: فلها أن تخرج؛ سواء كانت العدة عن طلاق أو وفاة، وكذلك: لو كانت تتأذى من الجيران، ولم تكن الدار حصينة-: فلها الانتقال عنها.
وإن كانت بها حاجة من شراء طعام، أو بيع غزل، أو شراء قطن أو نحو ذلك: نظر: إن كانت رجعية-: فليس لها الخروج؛ لأن على الزوج كفايتها، وإن كانت بائنة-: فلا يجوز لها الخروج بالليل؛ لأن الليل زمان السكون لا زمان الاكتساب، فأما بالنهار-: فيجوز في عدة الوفاة؛ لما روي عن مجاهد؛ أن رجالاً استشهدوا بأحد، فقالت نساءهم: يا رسول الله، إنا نستوحش في بيوتنا، فنبيت عند إحدانا، فأذن لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كانت وقت النوم تأتي كل امرأة إلى بيتها.
أما في عدة البينونة-: هل يجوز لها الخروج بالنهار للحاجة؟ فيه قولان:
قال في القديم: لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
وقال في الجديد- وهو الأصح-: يجوزُ؛ لَمَا رُوِيَ عَنْ جابر قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلاَثاً، فَخَرَجَتْ تَجُدُّ نَخْلاً، فَنَهَاهَا رَجُلُ، فَأَتَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرتْ لَهُ، فَقَالَ: "اخْرُجِي فَجُدِّي نَخْلَكِ، لَعَلَّكِ أَنْ تُصْدَقِي مِنْهُ، أَوْ أَنْ تَفْعِلِي خَيْراً".
ولأنها معتدة بائنة؛ فجاز لها الخروج بالنهار للحاجة؛ كالمتوفى عنها زوجها، إن وجب عليها حق- نظر: إن أمكن استيفاؤه في منزلها-: لا تخرج، وإن كان حداً-: توجه عليها، أو توجه عليها يمين في دعوى، فإن كانت برزة-: تخرج ويقام عليها الحد،
وتحلف، ثم ترد إلى منزلها، وإن كانت مخدرة-: بعث الحاكم إليها من يقيم الحد عليها، ويحلفها في منزلها، والله أعلم.
فَصْلُ
روي أن فاطمة بنت قيس بت زوجها طلاقها، فأمرها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، قال ابن المسيب: كان في لسانها ذرابة، فاستطالت على أحمائها.
وكل امرأة أوجبنا لها على الزوج السكنى-: فيختص ذلك بالوضع الذي وجد فيه الفراق، إن كان ملكاً للزوج لقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أراد به بيتاً تسكنه المرأة لا بيتاً تملكه؛ بدليل أنه جوز إخراجها عند البذاءة، ولا يجوز إخراجها عن ملكها؛ بسبب البذاءة فإن بذت على أحماءها-: تسقط سكناها، وعليها أن تعتد في بيت أهلها، وإن كانت البذاءة من الأحماء-: فإنهم ينقلون، ويتركون المسكن لها، وهذا إذا كانت مع الإحماء في دار واحدة، وهي واسعة تسع جميعهم، وإن كانت الدار ضيقة لا تسع لهم جميعاً-: ينقل أهل الزوج، وتترك الدار للمرأة.
وإن كانت هي في دار، وأهل الزوج في أخرى-: فلا تنقل عنها بالبذاءة.
وإن كانت الدار تسكنها بكراء-: فعلى الزوج الكراء.
وإذا انقضت مدة الإجارة، أو كانت عارية، فرجع المعير، أو انهدمت الدار، أو كان في جوار الفسقة يخشى عليها-: فعلى الزوج نقلها إلى موضع آخر قريب منها، وفي العارية: إن طلب المعير الكراء-: فعلى الزوج الكراء، وإن طلب أكثر من أجرة مثلها-: فله نقلها، وإن كان الزوج نزل على أبي زوجته: فإن رضي أب المرأة بإقرارها في منزله؛ وإلا نقلها الزوج إلى دار قريب منها، ويتحرى أقرب المواضع إلى ذلك الموضع؛ كالزكاة إذا لم يكن في بلد وجوبها من يستحقها-: نقلها إلى أقرب البلاد إليه، وإن كان المسكن للمرأة-: لزمها أن تعتد فيه، ولها طلب الزوج بأجرة المسكن، لأن سكناها عليه، وعليه أن يسكنها دار تليق بحالها، وتصلح لمثلها في السعة والضيق، ويعتبر حالها يوم الطلاق، قال الله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ [الطلاق: 6] الآية.
فإن طلقها، وهي في دار ضيقة لا تليق بحاله فإن رضيت بها؛ وألا فعلى الزوج أن ينقلها إلى أوسع منها، وإن كانت في دار أرفع مما تستحقه: فإن رضي الزوج بتركها؛ وألا نقلها إلى دار تليق بحالها.
وليس للزوج أن يساكنها في تلك الدار، وإن كانت واسعة، إلا أن يكون معها محرم
لها من الرجال، أو معه ذوات محرم له؛ فيجوز مع الكراهية؛ لأنه يشق الاحتراز عن وقوع البصر عليها.
وإن كانت فيها حجرتان، أو لها علو وسفل [و] لم يكن ممر أحدهما على الآخر-: ينفرد كل واحد بالمرافق والمطبخ والمستحم، فسكن كل واحد حجرة، وأغلقت دونه الباب، أو سكن أحدهما العلو، والآخر السفل-: جاز كالدارين المتجاورين.
وإن كانت الدار ملكاً للزوج، فأفلس، أو مات بعد الطلاق، وعليه دين-: لا تباع تلك الدار في الدين، حتى تنقضي عدتها؛ لأنها استحقت سكناها، فكان حقها مقدماً في السكنى على حق الغرماء والورثة، كالدار المكراة، فلو بيعت الدار، سواء كان الزوج مفلساً أو لم يكن-: هل يصح بيعها أم لا؟ نظر:
إن كان عدتها بالأشهر-: ففي صحة البيع قولان؛ كبيع الدار المكراة.
فإن قلنا: يصح-: تقع مدة العدة مستثناة، وإن كانت تعتد بالأقراء أو بوضع الحمل-: فلا يصح البيع؛ لأن مدة انقضائه مجهولة.
وإن كانت لها عادة مستقيمة في الأقراء أو وضع الحمل؛ لأن العادة قد تختلف؛ كما لو باع داراً، أو استثنى منفعتها مدة مجهولة-: لا يصح هذا، إذا سبق الطلاق.
فأما إذا حجر على الزوج، ثم طلقها-: فالمرأة تضارب الغرماء بالسكنى، فيستأجر لها بحقها مسكن تسكن فيه؛ لأن حقها- وإن ثبت بعد حقوق الغرماء- إلا أنه يستند إلى سبب متقدم، وهو الوطء في النكاح، وكذلك: إذا لم يكن للزوج دار-: فالمرأة تضارب الغرماء بالسكنى، سواء كان الطلاق بعد الحجر أو قبله، ثم إن كانت عدتها بالأشهر-: تضارب الغرماء بكراء مثل تلك المدة؛ وكذلك: إذا كانت عدتها بالأقراء أو بوضع الحمل؛ ولها عادة مستقيمة في الأقراء والحمل.
ثم إن انقضت عدتها في أقل من ذلك-: ردت الفضل.
وإن امتدت أكثر من ذلك-: أخذت الفضل من الغرماء؛ كما لو ظهر غريم آخر-: زاحمهم.
قال الشيخ- رحمه الله-: فإن لم تظفر بالغرماء-: ترجع على المفلس بعدما أيسر.
وإن كانت عادتها مختلفة-: ضاربتهم بالأقل، ثم إن جاوزت-: أخذت الزيادة من الغرماء، أو من المفلس إذا أيسر.
ولو مات الزوج في خلال عدتها-: لا تسقط سكناها.
والمتوفى عنها زوجها: إذا قلنا: تستحق السكنى؛ فإن كانت الدار ملكاً للزوج-: لم يكن لورثة الزوج قسمتها، ما لم تقض عدتها؛ كمن اكترى داراً من جماعة-: لم يكن لهم قسمتها، فإن أرادوا التمييز؛ بأن يعلموا عليها بخطوط من غير نقض شيء فإن قلنا: القسمة إقرار حق جاز.
وإن قلنا: بيع-: فهو كالبيع على ما ذكرنا.
وإن لم تكن الدار ملكاً للزوج-: فعلى الوارث أن يكتري داراً من تركته تسكنها المرأة، فإن لم يكن له وارث اكتراها السلطان من تركته، فإن لم يكن له مال-: عليها أن تعتد في بيت أهلها، ولا تجب السكنى على الوارث، ولا على أحد، غير أنه يستحب للإمام إن كان في بيت المال فضل مال: أن يكتري لها داراً تسكنها حسبة؛ خصوصاً إذا كانت تتهم بريبة.
وإن كان الزوج غائباً، فإن كانت له دار-: فهي أحق بها، وإن لم يكن له مال-: يكتري عليه الحاكم من ماله داراً، إذا لم تجد من يتطوع بالمنزل، فإن لم يكن له مال-: يستقرض عليه؛ فإذا رجع-: عاد إليه، فإذا أذن لها في أن تكتري عليه-: جاز، ون اكترت بغير إذن الحاكم-: لا ترجع، وإن لم تقدر على الاستئذان من الحاكم-: رجعت عليه، إن نوت الرجوع، وإن لم تنو فلا، وكذلك-: في حال النكاح، لأن السكنى لا تصير ديناً في الذمة، حتى لو اكترت منزلاً سكنته مدة، ثم طلبت، فإنما يكون لهاحق من يوم طلبت؛ بخلاف النفقة: تصير ديناً؛ لأن النفقة بإزاء التمكين، وقد وجد؛ فلا تسقط بترك الطلب، والسكنى؛ لتحصين مائه حيث يشاء الزوج، ولم توجد.
فَصْلُ
إذا ثبت أن المرأة تعتد في الدار التي وقعت فيها الفرقة، فلو أذن لها زوجها في الانتقال من منزل إلى منزل آخر، ثم مات الزوج أو طلقها- نظر: إن مات أو طلق بعد الانتقال-: اعتدت في المنزل المنتقل إليه، سواء نقلت متاعها أو لم تنقل، وإن كان قبل الخروج من المنزل الأول-: تعتد في المنزل الأول، وإن نقلت متاعها.
وعند أبي حنيفة: تعتد في المنزل الذي فيه متاعها.
وعندنا: الاعتبار بالبدن؛ لأن العدة على البدن؛ حتى لو خرجت إلى المنزل الثاني، وعادت لنقل المتاع، أو لحاجة أخرى-: اعتدت في المنزل الثاني، كما لو خرجت إلى دار
جارها، وإن كانت في الطريق بين المنزلين-: ففيه وجهان:
أحدهما: تعتد في المنزل الثاني، وهو الأصح؛ لأنها مأمورة بالمقام فيه ممنوعة من الأول.
والثاني: لها الخيار بين أن تعتد في المنزل الثاني، وبين أن تعود إلى المنزل الأول، فتعتد فيه؛ لأنه لم يكن لها قرار في أحد المنزلين، وإن كان قد أذن لها بالخروج إلى موضع لنزهة أو أمر للانتقال-: عادت إلى المنزل الأول، واعتدت فيه.
ولو أذن لها في الانتقال إلى بلد، ثم طلقها أو مات عنها- نظر: إن كان قبل خروجها عن عمرانات هذا البلد-: عليها أن ترجع وتعتد ههنا.
وإن كان بعد دخول البلد المنتقل إليه-: تعتد هناك، وإن كان بعد خروجها عن عمرانات هذا البلد، قبل دخول البلد المنتقل إليه-: فعلى الوجهين؛ كما ذكرنا في الدارين:
أصحهما: تعتد في المنتقل إليه.
والثاني: هي بالخيار، إن شاءت رجعت فاعتدت ههنا، وإن شاءت اعتدت في المنتقل إليه.
أما إذا كان في سفر تجارة، أو حج، أو زيارة، أو نزهة، أو سافر بها ثم مات، أو طلقها- نظر: إن كان قبل الخروج عن عمرانات هذا البلد-: فعليها أن تعتد ههنا.
وإن كان بعد الخروج عن عمرانات هذا البلد-: فهي بالخيار، إن شاءت رجعت واعتدت ههنا، وإن شاءت مضت في سفرها، واعتدت ذاهبة وجائية.
وقال الإصطخري: إن كان بعد الخروج من منزلها قبل مفارقة العمران-: فهو كما لو كان بعد مفارقة العمران، ولها الخيار بين المضي والرجوع.
والأول أصح.
فإن اختارت المضي في سفرها، أو كان موت الزوج، أو طلاقها بعد دخول البلد الذي [قصدته-: ففي الزيارة أو النزهة-: لا تقيم أكثر من ثلاثة أيام مقام السفر، وإن كان لقضاء حاجة] تقيم إلى قضائها.
وفي الحج: تقيم إلى قضاء الحج، فإن قضت حاجتها في أقل من ثلاثة أيام-: لها أن تقيم ثلاثة أيام، وإن كان موته أو طلاقه بعد ثلاثة أيام أو بعد قضاء الحج-: عليها أن تعود في الحال.
وإن لم تجد رفقة، أو كان الطريق مخوفاً-: فلها أن تقيم هناك، وتعتد.
وإن وجدت الرفقة، وكان الطريق آمناً، ولكنها علمت أن عدتها تنقضي في الطريق-: ففيه وجهان:
أحدهما: ترجع؛ لأنها غير مأمورة بالمقام.
والثاني: تمكث حتى تنقضي عدتها؛ لأن المقام أستر لها؛ بخلاف ما لو علمت أن عدتها لا تنقضي في الطريق؛ لأنها تقدر على أن تعتد بعض العدة في مكانها.
وإن كان الزوج قدر لها مدة المقام شهراً أو شهرين-: فهل لها أن تقيم ذلك القدر أم لا تزيد على ثلاثة أيام؟ فيه قولان: أصحهما- وهو اختيار المزني-: لها أن تقيم تلك المدة؛ لأنها مأذونة فيه.
والثاني: لا تزيد على مقام السفر؛ لأنه لا معنى لإذن الزوج بعد زوال سلطانه بالموت، أو بالطلاق؛ فلو أذن لها بالخروج من منزل إلى منزل، أو من بلد إلى بلد، فطلقها بعد الخروج، واختلفا، فقال الزوج: أذنت للنزهة؛ فعليك الاعتداد في الدار المنتقل عنها، وقالت: بل للنقلة؛ فعلي الاعتداد في الدار المنتقل إليها-: نص على أن القول قولها مع يمينها، ونص فيما لو كان الخلاف بين المرأة ووارث الزوج بعد موته: أن القول قول الوارث مع يمينه.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على قولين:
أحدهما: القول قول الزوج والوارث؛ لأن الأصل عدم النقلة.
والثاني: القول قولها؛ لاتفاقها على الإذن.
ومنهم من قال: هن على حالين؛ إن اختلفا في اللفظ، فقالت المرأة: تلفظت بالنقلة، وقال: بل قلت اخرجي للنزهة-: فالقول قوله مع يمينه، وإن اتفقا على أن اللفظ كان مطلقاً، فقال الزوج: أردت للنزهة، وقالت: أردت للنقلة-: فالقول قولها مع يمينها؛ لأن ظاهر الإذن للنقلة، والله أعلم.
فَصْلُ
البينونة إذا لزمتها العدة، وأهلها أهل نجعة يتنقلون-: فلها أن تنتقل معهم؛ لأن الانتقال في حقهم كالمقام في حق غيرهم.
فإن أرادت أن تقيم في موضع مأمون حتى تنقضي عدتها-: فلها ذلك، ولو ارتحل بعض أهل الحي إلا أهلها، ولأهلها منعة-: ليس لها أن ترتحل؛ لأنه لا ضرر عليها في
المقام، وإن ارتحل أهلها، دون أهل الحي، وفيمن بقي منعة-: فهي بالخيار بين أن تقيم وتعتد في بيتها، وبين أن تنتقل مع أهلها؛ لأنها تستوحش دونهم.
وإن هرب أهلها، وفيمن بقي من الحي منعة-: ليس لها أن تنتقل إذا لم تخف ما خاف منه أهلها؛ لأن الغالب في الهرب أنهم يعودون إذا أمنوا.
ولو لزمتها العدة، وهي في دار الحرب-: لزمتها الهجرة والخروج إلى دار الإسلام؛ لأنها تخاف على نفسها ودينها بالمقام فيهم.
ولو طلق زوجته في السفينة، أو مات عنها- نظر: إن خرج بها مسافراً-: فهي كالمسافرة، إن شاءت عادت إلى منزلها، وإن شاءت مضت ولم تقم إلا مقام السفر، ثم رجعت، فإن لم يكن لها منزل سوى السفينة؛ كالملاح-: فالسفينة كالدار.
وإن كان فيها بيوت ترافقها متميزة-: اعتدت في بيت منها.
وإن كانت صغيرة- نظر: إن كان معها محرم-: خرج الزوج، واعتدت هي فيها، وإن لم تكن-: خرجت هي، واعتدت في أقرب المواضع إليها؛ لأنه لا يمكنها المقام في السفينة وحدها.
وإن لزمتها العدة، وهي محرمة: فإن كان وقت الحج واسعاً، أو كانت محرمة بعمرة-: عليها أن تقيم وتعتد، ثم تمضي في حجها وعمرتها.
وإن كان الوقت ضيقاً-: عليها أن تمضي في حجها معتدة؛ لأن الإحرام سبق وجوب العدة.
وإن أحرمت بعدما لزمتها العدة-: فليس لها الخروج، وإن كان الحج فرضا ًعليها، بل تقيم فتعتد؛ لأن العدة سبقت الإحرام، ثم من بعد انقضاء العدة، فإن كانت محرمة بعمرة-: أتمت عمرتها، وإن كانت محرمة بحج، والوقت باق-: أتمته، فإن فات الوقت-: تحللت بعمل العمرة، وعليها الدم والقضاء.
ولو أذن لها زوجها في الإحرام، فقبل أن أحرمت: طلقها، ثم أحرمت-: فهو كما لو لم يتقدم الإذن؛ فعليها أن تقيم وتعتد، والله أعلم.
بَابُ الإِحْدَادِ
رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أُمِّيِ المُؤْمِنِينَ- رَضِيَ الله عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ الله- صلى الله عليه وسلم- قَالَ:
"لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَث لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً".
الإحداد على الميت هو إظهار التفجع والقلق وتغيير اللباس؛ وذلك لا يجوز على
ميت فوق ثلاث إلا المرأة: فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشراً، وهو أن تتخلى عما تدعو إليه شهوتها من الزينة والطيب، وذلك واجب على المرأة في عدة وفاة الزوج.
أما المعتدة من الطلاق: إن كانت رجعية-: فلا إحداد عليها، ولها أن تضع ما يميل قلب الزوج إليها؛ ليراجعها.
وإن كانت بائنة بخلع، أو استيفاء ثلاث طلقات، أو فسخ بعيب-: فهل عليها الإحداد؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو قول سعيد بن المسيب، ومذهب أبي حنيفة-: عليها الإحداد؛ كالمتوفى عنها زوجها.
والثاني: لا يجب؛ لأن اليأس لم يقع عن معاودة الزوج إياها كالرجعية.
أما المعتدة عن وطء الشبهة والنكاح الفاسد-: فلا إحداد عليها؛ كأم الولد.
وقيل المفسوخة نكاحها كالموطوءة بالشبهة، ويجب الإحداد على الأمة والذمية والصغيرة والمجنونة، إذا مات زوجها، ويمنع الولي الصغيرة والمجنونة عما تمنع عنه العاقلة البالغة.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد على هؤلاء.
وكيفية الإحداد ما رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم- قَالَ "لاَ تُحِدُّ امْرَأَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشراً، وَلاَ تَلْبَسُ مَصْبُوغاً إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلاَ تَكْتَحِلُ وَلاَ تَمَسُّ طَيباً إِلاَّ إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةُ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ"؛ فلا يجوز للحادة الطيب، ولا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن، كان فيه طيب أو لم يكن؛ لأَنَّ فِيهِ تَزْيينَ الشَّعْرِ، ويجوزُ لها تدهينُ بدنها بدُهْن لا طِيبَ فِيه؛ كالشَّيرَج ونحوه.
وإن كان فيه طيب؛ مثل دهن الورد والبنفسج والبان-: فلا يجوز؛ وكذلك: لا يجوز لها أكل طعام فيه طيب، فإن نبتت لها لحية-: لا يجوز لها تدهينها،-[وإن لم يكن فيه طيب]، لأن اللحية- وإن كانت قبيحة للنساء-: ففي تدهينها نوع زينة.
ولا يجوز أن تكتحل بكحل فيه طيب، وإن لم يكن فيه طيب- نظر: إن كان أسود-: لا يجوز؛ لأن فيه زينة.
فإن اضطرت إليه-: تكتحل ليلاً، وتمسحه بالنهار.
ولو استعملت الكحل الأسود في غير الحاجب والعين-: يجوز؛ وكذلك: لا يجوز لها أن تكتحل بالصبر، وهو شيء أصفر يحسن العين.
روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- دخل على أم سلمة، وهي حادة على أبي سلمة، وقد جعلت على عينها صبراً، فقال: "ما هذا، يا أم سلمة؟ " قالت: هو صبر لا طيب فيه، قال: "اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار".
وأما الكحل الفارسي الأبيض: يجوز أن تكتحل به ليلاً ونهاراً؛ لأنه لا زينة فيه، ولا يجوز لها استعمال الدمام، وهو شيء يطلى به الوجه للتحسين؛ وكذلك: الغمرة والإسفيداج.
ولا يجوز لها أن تختضب، ولا أن تلبس الحلي من القرط والخاتم والخلخال أو نحوها.
ولا يجوز لبس الحرير والديباج والوشي، ويجوز لها لبس البيض من الثياب من أي شيء كان من قطن أو كتان أو إبريسم، وإن كانت خشنة ناعمة؛ وكذلك: لبس الصوف والوبر والخز على أي لون كان، إذا لم تصبغ؛ لأن حسنها من أصل الخلقة لا لزينة أدخلت عليه.
أما الثياب المصبوغة-: فعلى ثلاثة أقسام:
قسم لا يراد به الزينة، وهو: الأسود، والكحلي يفعل ذلك لمصيبة، والوسخ؛ فيجوز لها لبسه؛ سواء كان الثوب من إبريسم أو غيره.
وقسم يراد به الزينة؛ كالأحمر والأصفر الصافي؛ فلا يجوز لها لبسه.
قال أبو إسحاق: إنما يمنع إذا صبغ بعد النسج، فأما إذا صبغ غزله، ثم نسج- فلا تمنع منه.
والمذهب: أنه يحرم لبسه كيفما صبغ؛ للاتفاق على تحريم لبس الوشي والديباج؛ وذلك مما يصبغ غزله، ثم ينسج.
وقسم متردد، وهو: الأخضر والأكهب والأزرق، فإن كانت مشبعة تضرب إلى السواد-: لا يحرم عليها لبسه.
وإن كانت صافية تضرب إلى الحمرة-: يحرم لبسه، وإن كان على الثوب الأبيض [طراز وعلم، فإن كان كبيراً-: لا يجوز لبسه، وإن كان صغيراً-: فوجهان:
أحدهما: يجوز لبسه؛ لأنه زينة قليلة].
والثاني: لا يجوز، كما لا يجوز لبس قليل الحلي ولا كثيرة.
ويجوز للحادة التنظف بالاغتسال والاستحداد وتقليم الظفر، وغسل الرأس بالسدر، والامتشاط؛ لأنها ممنوعة من التزيين، لا من التنظيف، ويجوز لها كنس البيت، وتزيينه بالفرش، والجلوس عليها إذا لم يكن ديباجاً، لأن الإحداد على البدن لا على المكان.
ولو تركت المرأة الإحداد-: تقضي عدتها، ولكنها تعصي الله بتركه، والله تعالى أعلم بالصواب.
بَابُ اجْتِمَاعِ الْعِدَّتَيْنِ
العدتان إذا كانتا من شخص واحد يتداخلان، إذا كانتا من جنس واحد؛ مثل: أن طلق زوجته، ثم وطئها في العدة جاهلاً، إن كان الطلاق بائناً، وإن كان رجعياً، فوطئها جاهلاًأو عالماً-: فيجب عليها أن تعتد من وقت الوطء بثلاثة أقراء، إن كانت من ذوات الأقراء، أو بثلاثة أشهر، إن لم تكن من أهل الأقراء، ويدخل فيها بقية عدة النكاح.
ويجوز له أن ينكحها في جميع ذلك، إذا لم يكن قد استوفى عدد الطلاق، وإن كان طلاق النكاح رجعياً-: يجوز له مراجعتها في قدر ما بقي من عدة النكاح، ولا رجعة له بعد ذلك.
وإن كانت العدتان من جنسين؛ مثل: أن وطئها في عدة النكاح فأحبلها-: فعليها أن تعتد بوضع الحمل، وهل يدخل فيه بقية عدة الطلاق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يدخل؛ لأنهما عدتان من شخص واحد فيتداخلان؛ كما لو كانتا بالأقراء، أو بالأشهر.
والثاني: لا تدخل، لأنهما جنسان؛ كالحدود: لا تتداخل عند اختلاف الجنس.
فإن قلنا: يتداخلان-: فتنقضي العدتان بوضع الحمل، وهل له مراجعتها قبل وضع الحمل، إن كان الطلاق رجعياً؟
من أصحابنا من قال: يجوز؛ لأنها في عدة الطلاق، وإن وجبت عدة أخرى؛ كما لو كانت العدتان من جنس واحد-: يجوز له مراجعتها في بقية عدة الطلاق.
ومنهم من قال: لا يجوز؛ لأن عدة الطلاق قد سقطت؛ فعدتها بوضع الحمل، وهي عدة الوطء:
قال الشيخ: إن قلنا: يجوز مراجعتها، فإذا طلقها-: يلحقها الطلاق، وإذا مات أحدهما-: يرثه الآخر.
وإن قلنا: لا يجوز مراجعتها-: فلا يلحقها الطلاق، ولا يتوارثان.
وإن قلنا: لا تتداخل العدتان-: فلا تنقضي عدتها إلا بأقصى المدتين من مضي الأقراء أو وضع الحمل، ثم إن كانت المرأة لا ترى الدم على الحبل، أو كانت ترى الدم، وقلنا: ليس ذلك بحيض-: فهي معتدة بالحمل عن الوطء إلى أن تضع، وإذا وضعت-: فعليها أن تكمل بعد وضع الحمل بقية عدة الطلاق، ويجوز له مراجعتها في بقية عدة الطلاق بعد وضع الحمل، وهل له مراجعتها قبل الوضع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها في عدة وطء الشبهة.
والثاني: يجوز؛ لأنها لم تكمل عدة الطلاق.
وإن كانت ترى الدم على الحبل، وقلنا: ذلك حيض-: كانت عدتها من الطلاق بالأقراء، ومن الوطء بوضع الحمل، فإن تمت الأقراء قبل الوضع-: فقد انقضت عدة الطلاق، ويجوز للزوج مراجعتها قبل مضي الأقراء، ولا يجوز بعده؛ لأنها في عدة الوطء، وإن وضعت الحمل قبل تمام الأقراء، فقد انقضت عدة الوطء، وعليها أن تتم بقية عدة الطلاق.
قال الشيخ- رحمه الله-: ويجوز له المراجعة قبل الوضع وبعده، إلى أن تتم الأقراء وجهاً واحداً؛ لأنها إذا كانت ترى الدم على الحبل، وجعلناه حيضاً-: فزمان الحمل محسوب في عدة الطلاق؛ كما إذا انقضت الأقراء قبل الوضع-: جازت المراجعة قبل مضي الأقراء، وإذا طلقها يلحقها الطلاق، وإذا مات أحدهما يرثه الآخر، وإذا مات الزوج تنتقل إلى عدة الوفاة.
هذا إذا حدث الحمل من الوطء، فأما إذا طلقها، وهي حامل، ثم وطئها قبل وضع الحمل-: فعدة الطلاق- ههنا- بالحمل، وعدة الوطء بالأقراء.
فإن قلنا: يتداخلان-: تنقضي العدة بوضع الحمل، ويجوز للزوج مراجعتها، إن كان الطلاق رجعياً، ما لم تضع الحمل.
وإن قلنا: لا يتداخلان- نظر: إن كانت لا ترى الدم على الحبل، أو كانت ترى الدم، وقلنا: ليس ذلك بحيض-: فعليها أن تعتد بعد وضع الحمل بثلاثة أقراء، وللزوج مراجعتها قبل وضع الحمل، ولا يجوز بعده؛ لأنها في عدة الوطء، وإن كانت ترى الدم على الحبل، وجعلناه حيضاً-: فالأقراء محسوبة عن عدة الوطء، وللزوج الرجعة إلى أن تضع الحمل، فإن وضعت الحمل قبل انقضاء الأقراء-: أتمت ما بقي من عدة الأقراء، ولا رجعة فيها، أما العدتان من شخصين-: فلا يتداخلان.
وعند أبي حنيفة، ومالك: يتداخلان.
بيانه: امرأة في عدة رجل من نكاح أو وطء شبهة، ثم وطئها رجل آخر بشبهة، أو نكحها، فوطئها جاهلاً بالحال، فقد اجتمع عليها عدتان: عدة من الأول، وعدة من الثاني، فعليها أن تعتد من كل واحد منهما.
روي عن عمر- رضي الله عنه- أنه حكم بذلك، ولأنهما حقان مقصودان لآدميين؛ فلا يتداخلان كالدينين، وفي العدة معنى العبادة، والعبادتان لا تتداخلان؛ كالصومين والصلاتين، ثم لا يخلو: إما أن يكون بها حمل أو لم يكن: فإذا لم يكن بها حمل-: يجب عليها أن تكمل عدة الأول، ثم تستأنف العدة من الثاني، ثم إن كان الثاني وطئها بشبهة-: فمن وقت التفرق عن ذلك الوطء يتبنى على عدة الأول ثم تستأنف من الثاني.
وإن كان الثاني نكحها، فما دامت في فراش الثاني-: لا يكون ذلك الزمان محسوباً عن عدة واحد منهما، وإن مضت بها أقراء، ومتى تنقطع عدة الأول؟
المذهب: أنها لا تنقطع، ما لم يطأها الثاني؛ لأن النكاح فاسد لا تصير المرأة به فراشاً، ما لم يوجد الوطء.
وقال الشيخ القفال الشاشي: تنقطع بنفس النكاح؛ لأنها أعرضت عن عدة الأول بالناح، ثم متى تعود إلى عدة الأول؟ فالمذهب أنها تعود إليها من وقت التفريق بينهما.
وقال الشافعي- رضي الله عنه-: من آخر الوطئان، فإذا أكملت عدة الأول-: ابتدأ العدة من الثاني، وإنما قدمنا حق الأول؛ لأنه أسبق، وإن كان طلاق الزوج رجعياً-: يجوز له مراجعتها قبل إكمال عدته، وكما راجعها-: سقطت عدته، وشرعت في عدة الثاني.
وإن كان الطلاق بائناً-: فهل يجوز له أن ينكحها؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجوز؛ لأنها في عدته؛ كما جازت له مراجعتها، ثم كما نكحها-: تسقط عدته، وتبتدئ العدة من الثاني.
والوجه الثاني: لا يجوز أن ينكحها؛ لأنه نكاح لا يتعقبه الحل؛ لأنه كما نكحها-: تشرع في عدة الثاني، بخلاف الرجعة؛ لأنه إمساك بحكم الدوام-: فلا يشترط فيه الحل؛ كما أن ابتداء نكاح المعتدة والمحرمة: لا يجوز، ولو لزمتها العدة في دوام النكاح، أو أحرمت-: لا يرتفع النكاح.
ولو وطئت المرأة بالشبهة في نكاح رجل، ثم طلقها زوجها، فأي العدتين تقدم؟ فيه وجهان:
أحدهما: عدة الوطء؛ لأنها أسبق، فإنها وجبت بالوطء، وعدة الزوج بالطلاق.
والثاني: تقدم عدة الزوج؛ لأن وجوبها بسبب أقوى؛ وهو النكاح، وكان النكاح سابقاً.
وقال الشيخ: فإن كان النكاح فاسداً، فوطئها الناكح أو وطئت بالشبهة، ثم فرق بينهما-: تقدم عدة الوطء بالشبهة وجهاً واحداً؛ لأن عدته تكون من وقت الوطء، وعدة الناكح من وقت التفريق.
وإن كان بها حمل-: فتقدم عدة من يكون الحمل منه.
فإن كان من الزوج: فإذا وضعت-: انقضت عدته، وابتدأت عدة الثاني بالأقراء بعد الطهر من النفاس.
ويجوز للزوج مراجعتها قبل الوطء، إن كان الطلاق رجعياً.
وإن كان بائناً أو كان من وطء شبهة-: فهل يجوز أن ينكحها؟ فعلى وجهين.
وإن كان الحمل من الثاني: فإذا وضعت-: خرجت من عدته، ثم تبني على عدة الزوج فتكملها، وبعد الوضع يجوز للزوج مراجعتها في بقية العدة، وإن كان الطلاق رجعياً، فإذا طلقها-: يقع، وإذا مات أحدهما-: يرثه الآخر، وإذا مات الزوج-: تنتقل إلى عدة الوفاة.
فأما قبل الوضع-: هل يجوز له مراجعتها، إن كان الطلاق رجعياً-: جاز، وإن كان بائناً؟
فالصحيح من المذهب: أنه لا يجوز، لأنها ليست في عدته.
وقيل: يجوز؛ لأن عدته لم تنقض، والزوجية قائمة في الرجعية.
قال الشيخ- رحمه الله-: وإذا طلقها الزوج قبل وضع الحمل-: يقع، إن كانت رجعية، وإذا مات أحدهما-: يرثه الآخر، وإذا مات الزوج-: تنتقل إلى عدة الوفاة، حتى إذا وضعته-: تعتد عن الزوج عدة الوفاة، وإن كان لا يصح رجعته؛ لأنا نجعل زمان الرجعة كزمان صلب النكاح.
ولو أن منكوحة وطئت بالشبهة-: لزمتها العدة، ثم لا يستبيح الزوج وطأها في العدة، ولو طلقها-: يقع، ولو مات أحدهما-: يرثه الآخر، ولو مات الزوج-: يجب عليها عدة الوفاة، ولو نكحها الواطئ قبل الوضع-: لا يصح، وإن كانت في عدته؛ لأن حق الزوج باق عليها، وإن كان الحمل منفياً عنها بأن أتت به لأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، ولدون ستة أشهر من وطء الثاني، فوضع الحمل لا يكون محسوباً عن عدة واحد منهما-: فبعد الوضع تكمل عدة الأول، ثم تستأنف العدة من الثاني.
وإن كان الحمل يحتمل أن يكون من كل واحد منهما، فإذا وضعت-: يرى القائف، فإن ألحقه بالزوج-: انقضت عدتها منه، وتبتدئ العدة من الثاني.
وإن ألحقه بالثاني-: انقضت عدتها منه بالوضع، وتبني على عدة الأول، فتكملها، وإن لم يكن قائف أو أشكل عليه أو ألحقه بهما، أو نفاه عنهما، أو مات المولود-: فعليها أن تعتد بعد وضع الحمل بثلاثة أقراء؛ فتنقضي عدة أحدهما بوضع الحمل، وعدة الآخر بالأقراء.
ثم لا يخلو: إما أن كان طلاق الزوج رجعياً أو بائناً، فإن كان رجعياً، وأراد مراجعتها-: يحتاج [إلى أن يراجعها مرتين-: مرة قبل الوضع ومرة بعده في بقية الأقراء: فإن كان بقي قرءان من عدة الأول، حين وطئها الثاني-: يراجعها في القرأين، فلو راجعها مرة واحدة-: لم تحل، لاحتمال أن العدة التي راجعها فيها من الثاني إلا على الوجه البعيد الذي يقول: إن الحمل إذا كان من الثاني-: يصح مراجعة الأول قبل الوضع-: فحينئذ: إذا راجعها مرة واحدة قبل الوضع-: يحل.
أما إذا راجعها مرة واحدة بعد الوضع في القرأين-: فلا تحل وجهاً واحداً؛ لاحتمال أن الحمل منه- وإن انقضت عدته- فلو راجع مرة واحدة قبل الوضع، ثم بان أن الحمل منه، أو راجع بعد الوضع في القرأين، ثم بان أن الحمل من الثاني-: فهل تصح رجعته؟ فعلى وجهين؛ بناءً على ما لو باع مال أبيه؛ على ظن أنه حي؛ فبان أنه قد مات وانتقل المال إليه-: هل يصح أم لا؟ فيه وجهان.
أما إذا كان الطلاق بائناً، فنكحها مرة واحدة: إما قبل الوضع أو بعد الوضع في القرأين-: لم يصح، ولو نكحها مرتين-: فعلى وجهين، بناءً على ما لو خالع زوجته، فوطئت بالشبهة في العدة، ولم تحبل-: هل للزوج أن ينكحها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما تجوز الرجعة.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه نكاح لا يتعقبه الحل: فإن قلنا هناك: يصح-: فههنا: يصح؛ وألا فلا يصح؛ لاحتمال أن الحمل من الأول؛ فلم يصح نكاحه قبل الوضع؛ لكون عدة الثاني في ذمتها، ولم يصح بعد في القرأين؛ لكونها في عدة الثاني، أما الواطئ الثاني: إذا نكحها قبل وضع الحمل أو بعده في القرأين-: فلا يصح؛ لأن حقهطرأ على دوام حق الأول؛ فكان حق الأول أقوى؛ لكونه سابقاً، فإن نكحها بعد الوضع في القرء الثالث-: يجوز؛ لأن الحمل: إن كان من الأول-: فهي في عدة الثاني، وإن كان الحمل من الثاني-: فهي خلية.
ونفقة الولد وحضانته على من ألحقه به القائف، فإن لم يكن قائف-: فتكون عليهما جميعاً إلى أن يوجد القائف، أو يبلغ الصبي، فينسب إلى أحدهما، فإذا انتسب إلى أحدهما-: غرم الثاني ما أنفق الثاني عليه، وإذا مات الصبي: فثلث ماله للأم، والباقي يوقف بين المتداعبين حتى يصطلحا.
وإن كان للأم ولدان آخران-: فلها السدس من ميراثه، والباقي موقوف بين الواطئين.
وإن كان لأحد الواطئين ولدان-: فكم للأم من الميراث؟ فيه وجهان:
أحدهما: الثلث؛ لأن الأخوين مشكوك فيهما، هل هما أخواه أم لا؟
والثاني: لها السدس؛ لأنه اليقين.
أما نفقة المرأة في حال احتمال الولد بينهما على من تجب؟ أما قبل الوضع: لا نفقة لها على واحد منهما؛ لأنا لا نعلم أن الولد لمن؟ فإذا وضعت الحمل- نظر: إن ألحقه القائف بالأول-: فهل عليه نفقة زمان الحمل؟ نظر:
إن كان في فراش الثاني إلى أن وضعت: فلا نفقة لها؛ لأنها كالناشزة، وإن فرق القاضي بينهما قبل الوضع-: فعليه نفقتها من وقت التفريق إلى وضع الحمل.
وإن لم تكن في فراش الثاني بأن كان وطؤها بشبهة-: فعلى الأول نفقتها من حين طلقها إلى أن وضعت الحمل.
وإن ألحقه القائف بالثاني-: فلا يجب على الأول نفقة زمان الحمل؛ إنما تجب عليه نفقة القرأين بعد الوضع، إن كان الطلاق رجعياً، وهل تجب على الثاني نفقة زمان الحمل؟
إن قلنا: النفقة للحمل، وتصير ديناً-: تجب، وإن قلنا: للحامل فلا تجب.
وإن لم يلحقه القائف بواحد منهما-: فلا نفقة لها على الثاني، أما الأول: فإن كان طلاقه بائناً-: فلا نفقة عليه أيضاً؛ لأنا لا نعلم أن الحمل منه، وإن كان طلاقه رجعياً، وإن كان في فراش الثاني-: لا نفقة لها، وإن فرق بينهما-: فعلى الأول الأقل من نفقتها من يوم التفريق إلى الوضع، أو نفقتها في مدة القرأين بعد الوضع؛ لأنه اليقين.
ولو نكحت المتوفى عنها زوجها بعد مضي شهرين من عدتها، وأصابها جاهلاً، وأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، ولا قائف-: فإن عدتها بوضع الحمل تنقضي من أحدهما لا بعينه؛ فعليها أن تعتد بعد وضع الحمل بشهرين وعشر ليال فيه ثلاثة أقراء عليها قضاؤها؛ فإن مضت الأقراء قبل مضي شهرين وعشر ليال-: تكمل شهرين وعشر ليال؛ لاحتمال أن الحمل من الواطئ، وإن مضى شهران وعشر ليال قبل إتمام ثلاثة أقراء؛ لاحتمال أن الحمل من الزوج-: فعليها الاعتداد عن الواطئ.
ولو تزوجت حربية حربياً في العدة، فوطئها، ثم أسلما قبل انقضاء العدة-: هل تتداخل العدتان؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يتداخلان؛ فعليها أن تعتد من الأول ثم من الثاني.
والوجه الثاني: وهو الأصح-: يتداخلان؛ لأن حق الحربي أضعف؛ فإن عرضه وماله عرضة للنهب والإبطال؛ فجاز إسقاط حقه؛ ألا ترى أنهما لو أسلما بعد انقضاء العدة يقران على ذلك النكاح، والله أعلم.
فَصْلُ
إذا خالع زوجته بعد الدخول، ثم نكحها في العدة-: تنقطع عدتها في الحال.
وقال ابن سريج: لا تنقطع عدتها ما لم يطأها؛ كما لو نكحها أجنبي في العدة-: لا تنقطع العدة ما لم يطأها، وليس هذا بصحيح؛ لأن الزوج إذا نكحها-: يصح النكاح، وتصير المرأة فراشاً بالعقد، فلا يبقى مع الفراش عدة؛ ولأنه لا يجوز أن تكون زوجة له، وتعتد منه؛ بخلاف الأجنبي؛ لأن نكاحه في عدة الغير فاسد؛ فلا تصير المرأة فراشاً له ما لم يطأها؛ فلم تنقطع العدة إلا بالوطء.
إذا ثبت أن عدته تنقطع بالعقد: فإن طلقها [نظر: إن كانت حاملاً] تنقضي عدتها بوضع الحمل، وإن كانت حائلاً: فإن مسها، ثم طلقها-: عليها إكمال العدة، وإن طلقها
قبل المسيس: فيجب عليها إتمام ما بقي من العدة الأولى، ولها نصف المهر.
وعند أبي حنيفة: عليها إكمال العدة، ولها إكمال المهر.
قلنا: هذا نكاح جديد وجد فيه الطلاق قبل المسيس-: فلا يوجب العدة وكمال المهر؛ كما لو نكح غيرها، فطلقها.
قال الشيخ: ولو نكحها في العدة، ثم مات الزوج قبل الدخول بها يجب عليها عدة الوفاة، وتدخل فيها بقية العدة الأولى؛ لأن عدة الطلاق تسقط بوجوب عدة الوفاة؛ كما لو مات عن الرجعية.
أما إذا طلق امرأته طلاقاً رجعياً، فراجعها، ثم طلقها- هل عليها استئناف العدة؟ لا يخلو: إما أن كانت حائلاً أو حاملاً.
فإن كانت حائلاً- نظر:
إن مسها، ثم طلقها-: يجب عليها استئناف العدة، وإن طلقها قبل المسيس-: ففيه قولان:
أصحهما- وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني-: يجب عليها استئناف العدة؛ لأنها بالرجعة-: عادت إلى حكم النكاح الأول؛ فهذا طلاق صادف نكاحاً وجد فيه قبل الدخول؛ فيجب عليها كمال العدة؛ كما لو ارتدت بعد الدخول، ثم أسلمت، ثم طلقها-: تستأنف العدة.
والثاني: تبنى على العدة الأولى، فتكملها؛ لأنها كانت محرمة عليه بالطلاق الأول؛ فصار كما لو أبانها ثم نكحها في العدة، ثم طلقها قبل الدخول-: لا يجب عليها الإتمام ما بقي من العدة الأولى.
وإن كانت حاملاً، فراجعها، ثم طلقها- نظر: إن طلقها قبل وضع الحمل-: فعدتها تنقضي بوضع الحمل؛ سواء مسها أو لم يمسها، وإذا وضعت الحمل بعد ما راجعها، ثم طلقها- نظر:
إن كان قد مسها-: يجب عليها استئناف العدة، سواء مسها قبل وضع الحمل أو بعده، وإن لم يمسها-: ترتب على الحائل: إن قلنا: الحائل تستأنف العدة-: فههنا: تستأنف العدة بالأقراء.
وإن قلنا هناك: تبنى-: فههنا وجهان:
أحدهما: لا عدة عليها؛ لحصول براءة الرحم بالوضع.
والثاني: عليها أن تعتد بالأقراء.
أما إذا لم يراجعها، بل طلقها في عدة الرجعية، أو لاعن عنها- نظر:
إن كانت حاملاً-: تنقضي عدتها بوضع الحمل، وإن كانت حائلاً-: تعتد بالأشهر، أو بالأقراء، فهل عليها استئناف العدة اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: فيه قولان؛ كما لو راجعها، ثم طلقها قبل المسيس، لأن الطلاق معنى لو طرأ على الزوجية-: أوجب عدة، فإذا طرأ على الرجعية-: أوجبها كالوفاة، وللشافعي - رضي الله عنه- ما يدل على هذا؛ لأنه قال: يلزمه أن يقول: ارتجع أو لم يرتجع سواء.
ومنهم من قال- وهو اختيار المزني، وبه قال أبو إسحاق، وهو الأصح-: إنها تبنيعلى عدتها قولا ًواحداً؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا رجعة؛ فصار كما لو طلقها طلقتين من وقت واحد فقال: أنت طالق وطالق، ولو طلق امرأته طلاقاً رجعياً؛ فلم يفترقا، وجعل يستفرشها، ويمسكها، ويخالطها مخالطة الأزواج-: فلا يحكم بانقضاء عدتها، وإن مضت بها أقراء؛ كما لو نكحت زوجاً غيره في العدة-: فزمان استفراشه لا يحسب عن العدة.
أما إذا كانت حاملاً، فوضعت: تقضي عدتها.
أما إذا كان الطلاق بائناً، وكان الزوج يخالطها أو يباشرها، ويطؤها-: لا يمنع انقضاء العدة؛ لأن وطأها زنا، والزنا لا يمنع انقضاء العدة.
بَابُ امْرَأَةِ المَفْقُودِ وَعِدَّتِهَا
إذا غاب رجل عن زوجته، وانقطع خبره، وخفي أثره-: لا يجوز للمرأة أن تنكح زوجاً آخر، حتى يأتيها يقين طلاقه أو وفاته، ثم تعتد وتنكح؛ يروى ذلك عن علي - رضي الله عنه- وهو قول أكثر أهل العلم، وهو المذهب.
وقال في القديم: بعد ما خفي أثره-: تتربص المرأة أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشراً، ثم لها أن تنكح؛ وهو قول عمر- رضي الله عنه-.
وقال أبو حنيفة: تصبر حتى يبلغ سن الزوج مائة وعشرين سنة، ثم تعتد عدة الوفاة، ثم تنكح.
فتقول: لما لم يجز الحكم بموته بعد انقطاع خبره في قسمة ماله وعتق أم ولده-: لم يجز الحكم بموته في فراق زوجته.
فإن قلنا بقوله القديم-: فمدة أربع سنين من أي وقت تعتبر؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: من حين أمرها الحاكم بالتربص؛ لأنه مجتهد فيه؛ كمدة العنة.
والثاني: من حين انقطاع خبره، وهو الأصح.
فإذا نكحت على قولنا القديم، ثم عاد الزوج-: فهو بالخيار بين أن يفسخ النكاح، ويستردها، وبين أن يتركها، ويأخذ مهر المثل من الزوج الثاني.
وأما على القول الجديد: إذا نكحت: فنكاحها باطل، فلو قضى قاض بصحة النكاح بعد زمان التربص: هل ينقص قضاؤه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينقص؛ لأنه كان بالاجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد.
والثاني: ذكره الشافعي- رضي الله عنه-: أنه ينقص؛ لأنه حكم مخالف للقياس الجلي، وهوأن يجعل الرجل حياً في حكم المال، ميتاً في حكم النكاح، فلو تزوجت ثم بان أن المقصود كان ميتاً وقت الحكم بالفرقة-: ففي القديم: يثبت النكاح، وهل يحكم بصحته في الجديد؟ فعلى وجهين؛ بناءً على ما لو باع مال أبيه على اعتقاد أنه حي، فبان أنه كان ميتاً، وصار المال له-: ففي صحة البيع وجهان.
ونفقة المرأة دائرة على الزوج الغائب، ما لم تنكح، فإذا نكحت على أن الزوج ميت، أو بأمر الحاكم بعد زمان التربص-: سقطت عنه نفقتها؛ كما لو نشزت-: سقطت نفقتها.
فإذا فرق القاضي بينهما- فلا نفقة لها ما دامت في عدة الثاني.
وإذا خرجت من عدته، ورجعت إلى بيت الزوج الغائب-: فهل تستحق النفقة على الغائب قبل بلوغ الخبر إليه؟ فوجهان.
وإذا رجع الغائب-: فهي زوجته؛ جاز له وطؤها بعد انقضاء عدة الثاني، فلو أتت بولد- نظر:
إن أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، ولأربع سنين فأقل من غيبة الأول-: فهو للأول.