التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 229-289

ولو تيمم لفائتةٍ ظنها عليه؛ فبان أن لا فائتة عليه [لم يصح تيممه.
وبمثله لو توضأ لفائتة ظنها عليه، ثم بان أن لا فائتة عليه- يصح وضوؤه.
وكذلك لو ظن أن فائتة ظهر فتيمم له، ثم بان أنها عصر- لم يصح تيممه.
وبمثله] يصح وضوؤه.
والفرق: أن نية استباحة الصلاة في التيمم لازمةٌ من غير تعين، فإذا عين وأخطأ لم يجز؛ كما لو عين الإمام في الصلاة، أو في صلاة الجنازة عين الميت، وأخطأ- لم تصح صلاته.
وفي الوضوء نية استباحة الصلاة [عين الصلاة] غير لازمة؛ لأنه يجوز أن يعدل عنها إلى نية رفع الحدث؛ فالخطأ فيه لا يضر؛ كالمصلي إذا عين اليوم، وأخطأ- تصح صلاته.
وهذا بخلاف ما لو كانت عليه فائتتان؛ فتيمم لإحداهما، له أن يصلي به أخرى دون ما عينها؛ لأن ثم صح تيممه للتي عينها، وها هنا لم يصح تيممه لما عينها؛ لأنها لم تكن عليه.
ولو تيمم لأداء فرضين لم يصح تيممه؛ كما لو نوى أن يصلي الظهر خمس ركعات.
وقيل: يصح تيممه لواحدة منهما.
ولو تيمم لاستباحة الصلاة، واعتقاده أنه جنبٌ؛ فإذا هو محدثٌ، أو اعتقاده أنه محدثٌ؛ فإذا هو جنبٌ- لا يضر؛ لما ذكرنا أن ما لا تشترط نيته، فالخطأ فيه لا يضر.
ولو ظن المحدث أن حدثه بولٌ؛ فتوضأ بنية رفع حدث البول، ثم بان أن حدثه غائط أو نوم، أو الحائض ظنت أنها جنبٌ؛ فاغتسلت بنية رفع الجنابة، أو ظنت الجنب أنها حائضٌ فاغتسلت للحيض- يصح الوضوء والغسل؛ لأنه يعتقد ارتفاع الحدث عنه.
فإن فعل عالماً، فلا يصح؛ لأنه ينوي رفع ما لم يخله عالماً؛ فيكون عبثاً، بخلاف ما لو كان جاهلاً؛ لأن الجاهل [يعتقد جواز] الصلاة به؛ فيصير كأنه نوى استباحة الصلاة.
وقيل: يصح، ويلغو التعيين.
ولو أن جنباً ظن أنه محدثٌ؛ فاغتسل بنية رفع الحدث- ترتفع الجنابة عن وجهه، ويديه، ورجليه؛ لأنه غسلها على اعتقاد الوجوب، ولا ترتفع عن سائر الأعضاء.
ولو أن محدثاً ظن أنه جنبٌ؛ فاغتسل بنية رفع الجنابة؛ نظر: إن رتب أعضاء وضوئه - خرج عن الحدث، وغن لم يرتب فيه وجهان؛ بناء على أن الحدث هل يحل جميع البدن، أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يحل إلا الأعضاء الأربعة؛ بدليل أنه لا يجب إلا غسلها.
والثاني: يحل جميع البدن؛ لأنه ليس بعض البدن أولى بأن يحله الحدث من البعض؛ غير أن الله - تعالى- خفف عن عباده؛ فرفع الحدث عنهم بغسل هذه الأعضاء الظاهرة؛ لما أن الحدث يتكرر في اليوم مراراً، ويشق على الإنسان غسل جميع البدن، عند كل حدثٍ، بخلاف الجنابة؛ فإنها تقع في الأيام مرةً واحدة.
فإن قلنا: "يحل جميع البدن" يخرج عن الحدث؛ لأن الترتيب إنما يجب إذا اقتصر على غسل الأعضاء الأربعة، فإذا غسل جميع البدن، سقط عنه الترتيب؛ كما في الغسل.
فإن قلنا: "يحل الأعضاء الأربعة" لا يخرج عن الحدث.
[و] قال مالكٌ: "الخطأ في الحدث يمنع صحة الطهارة".
وقال ربيعة: "إن أخطأ من نوع إلى نوع، مثل: إن أخطأ من حدث البول إلى الغائط، أو من الحيض إلى الجنابة - تصح طهارته، وإن أخطأ من جنسٍ إلى جنسٍ؛ مثل: إن أخطأ من الحدث إلى الجنابة، أو [من] الجنابة إلى الحدث- لا يصح.
ووقت النية في حق المتوضئ عند غسل أول جزء من الوجه، ويستحب أن ينوي عند المضمضة والاستنشاق، وتستديم النية إلى أن يغسل جزءاً من الوجه.
فلو نوى عند غسل الوجه، ولم ينو قبله- صح وضوؤه، ولا يحصل له ثواب المضمضة والاستنشاق.
ولو نوى عند المضمضة والاستنشاق، وعزبت نيته قبل غسل شيء من الوجه- ففيه وجهان:

أحدهما- وهو الأصح-: لا يصح وضوؤه؛ لأن ما قبل غسل الوجه يصح الوضوء بدونه؛ فلا يكون محلاً للنية.
والثاني: يصح؛ لأنه نوى عند فعلٍ من أفعال الوضوء.
وقيل: إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شيءٌ من بشرة الوجه- صح وضوؤه، وإلا فلا.
وهذا ضعيف؛ لأنه وإن انغسل بعض من وجهه في المضمضة والاستنشاق فلم يغسله عن الفرض؛ بدليل أنه لا يجوز الاقتصار عليه، بل يجب غسله ثانياً عن الفرض.
ولو نوى عند غسل اليدين في الابتداء، ولم ينو عند المضمضة فقد قيل: فيه وجهان؛ كما لو نوى عند المضمضة، ثم عزبت نيته.
والمذهب: ألا يصح وضوؤه وجهاً واحداً؛ لأن غسل اليدين في الابتداء ليس من السنن المختصة بالوضوء، إنما أمر به؛ خيفة أن تكون أصابتها نجاسةٌ؛ فهو كما لو نوى عند الاستنجاء، ولم ينو بعده- لا يصح وضوؤه، ولو نوى عند غسل الوجه، ثم عزبت نيته قبل أن يتم وضوءه لا يضر؛ لأنه يشق عليه ذكر النية إلى آخر العبادة، وكذلك في الصلاة والصوم.
وأما استدامة النية حكماً شرط، وهو [أن] لا ينوي شيئاً آخر.
فلو نوى عند غسل اليدين التبرد والتنظف؛ نظر: إن كان ذاكراً للنية الأولى، يصح وضوؤه.
وكذلك لو نوى في ابتداء الوضوء رفع الحدث مع التبرد والتنظف- يصح وضوؤه؛ لأن ما يحصل بدون النية، فضمه إلى النية لا يفسدها؛ كما لو صلى فريضة، وقصد مع أداء الفريضة التعليم، أو كبر في الصلاة، ونوى معه الإعلام- يصح.
ولو ترك النية الأولى، ونوى التبرد والتنظف عند غسل اليدين- لا يصح ما غسل بنية التبرد والتنظف، وعليه أن يعيد ذلك بعد تجديد النية.
ولو كان ناسياً للنية الأولى- فهو كما لو رفضها- لا يصح ما غسل بنية التبرد والتنظف؛ على ظاهر المذهب.
وقيل: يصح وضوؤه؛ لأنه مستديمٌ للنية الأولى في حال النسيان؛ فلا يضر نية

التبرد والتنظف، وليس بصحيح؛ لنا نجعله مستديماً للنية الأولى حكماً إذا لم ينو شيئاً آخر.
وعلى هذا لو غسل المتوضئ أعضاءه إلا الرجل، فسقط في النهر؛ فغسلت رجله؛ فإن كان ذاكراً لنية الوضوء تم وضوؤه، وإن كان ناسياً لم يصح غسل الرجل عند الوضوء؛ على ظاهر المذهب ولو كان على عضوٍ من أعضاء وضوئه نجاسةٌ- فلا يصح غسله عن الوضوء ما لم يغسل النجاسة، ولو نواها تزول النجاسة، ولا يحسب عن الوضوء.
قال إمام الأئمة رحمه الله: "ورأيت أنه يُحسب عنهما".
ولو فرق النية على أعضاء الوضوء؛ فنوى عند غسل كل عضو رفع الحدث عن ذلك العضو- ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح وضوؤه؛ حتى ينوي في الابتداء رفع الحدث عن الجملة؛ كما لو فرق نية الصلاة على أفعالها.
والثاني: يصح.
وهذا أصح؛ لأن تفريق أفعال الوضوء جائز، فجاز تفريق النية على أفعالها، بخلاف الصلاة؛ فإن تفريق أفعالها لا يجوز، فلا يجوز تفريق النية على أفعالها والله أعلم بالصواب.
باب سنة الوضوء بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6].
إذا أراد الرجل أن يتوضأ؛ يبدأ فيسمى الله- تعالى-؛ لما روي عن سعيد بن زيدٍ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه".

والمراد [منه]: نفي الفضيلة لا نفي الجواز.
والتسمية سنةٌ، لو تركها يصح وضوؤه.
وقال أحمد رحمه الله: "لا يصح".
وقال إسحاق: "إن تركها عمداً لا يصح وضوؤه، ولو نسي التسمية في ابتداء الوضوء، سمى في أثنائه".
والسنة: أن يغسل يديه إلى الكوعين ثلاثاً في ابتداء الوضوء؛ سواء قام من النوم، أو لم يقم؛ غير أنه إن قام من النوم، يستحب ألا يغمس يديه في الإناء؛ حتى يغسلهما؛ لتوهم نجاسة أصابتهما، فلو غمس فيه قبل الغسل، ولم يعلم بها نجاسةً لم يضر الماء.

وإن لم يقم من النوم؛ فإن شاء غمس يديه في الإناء، وإن شاء صب عليهما [فغسلهما]؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده".
وقال الحسن: "يجب غسل اليدين في ابتداء الوضوء"؛ وهو قول إسحاق وقال أحمد: "إن قام من نوم الليل، يجب غسل اليدين، ثم بعد غسل اليدين يأخذ الماء بيمينه للمضمضة.
وقال في رواية المزني: "يغرف غرفة لفيه وأنفه".
وقال في رواية البويطي: "يغرف غرفةً لفيه، وغرفة لأنفه".
فمعنى رواية البويطي: أنه يغرف غرفةً؛ فيتمضمض بها ثلاثاً، ثم يغرف غرفة أخرى؛ فيستنشق بها ثلاثاً.
وهذا رواية علي- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واختلفوا في رواية المزني.
قيل: أراد به: يغرف غرفة واحدة؛ فيتمضمض بها ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً.
وقيل: أراد به: أنه يغرف غرفةً؛ فيتمضمض ويستنشق مرة، ثم يغرف غرفة أخرى؛ فيفعل مثل ذلك، ثم يغرف غرفة ثالثة كذلك وهذا رواية عبد الله بن زيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو الأصح.
والمضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل جميعاً.
وقال الحسن: "هما واجبان فيهما"؛ وهو قول ابن المبارك، وإسحاق.
وقال الثوري وأبو حنيفة: "واجبان في الغسل، سنتان في الوضوء" فنقيس الغسل على الوضوء؛ لأن غسل الوجه واجبٌ فيهما، والفم والأنف على الوجه.

والمبالغة سنة في المضمضة والاستنشاق.
إلا أن يكون صائماً؛ فلا يبالغ، لما روي عن عاصم بن لقيط بن حبرة، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء.
قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً".
والمبالغة في المضمضة: أن يأخذ الماء بفمه، ويديره فيه، ويبلغه إلى أقصى الحنك، ثم يمجه.

وفي الاستنشاق: يأخذ الماء بأنفه، فيبلغه إلى خياشيمه، ويمتخط بشماله، ثم يأخذ الماء بيديه؛ فيغسل جميع وجهه ثلاثاً.
وحد الوجه: من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
والبياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، ووتدا الأذن ليسا من الوجه؛ غير أنه لا يمكن تعميم الوجه بالغسل إلا بغسلهما، وموضع الصدغين من الرأس، والنزعتان من الرأس؛ وهو ما انحسر عنه الشعر من جانبي الرأس، ويستحب غسلهما.
وفي موضع التربيع وجهان: قال ابن شريج: "من الوجه".
وقال أبو إسحاق: "من الرأس".
فإن كان الرجل أصلع؛ بأن ذهب شعر مقدم رأسه؛ فموضع الصلع من الرأس.
وإن كان أغم، بأن انحط منبت شعره إلى الجبهة، فما على الاستواء من الوجه وغيره فمنبت الشعر؛ لأن الاعتبار بغالب الأحوال.
وقيل: إن اتصل شعره بالحاجب، فما على الاستواء من الوجه، وإن لم يتصل فوجهه من منبت الشعر.
وخمسه من الشعور على الوجه يجب غسل ظاهرها وباطنها في الوضوء والغسل، وإن كانت كثيفةً.
ويجب غسل البشرة التي تحتها؛ وهي الحاجبان، وأهداف العينين والعذارُ، والشاربُ، والعنفقة، وكذلك حكم الشعر النابت على الخدين؛ لأن الغالب من هذه الشعور الخفة، وكثافتها نادرة.
أما اللحية والعارض؛ نظر: إن كانت خفيفةً يجب غسل ظاهرها وباطنها.
وإن كانت كثيفة؛ وهو ألا ترى البشرة من تحتها- يجب إمرارُ الماء على ظاهرها، ولا يجب غسل باطنها في الوضوء، ويجب في الغسل؛ لأن مبنى الوضوء على التخفيف؛ لأنه يتكرر في اليوم مراراً، ومبنى الغسل على الاستقصاء لأنه يجب في الأيام مرة؛ فلا يشق عليه [مراراً] غسل باطنها في الأيام مرة.
وإن كان بعض لحيته خفيفاً، والبعض كثيفاً- يجب إيصال الماء إلى باطن الخفيف دون الكثيف.

وإذا نبتت لامرأةٍ لحيةٌ كثيفة، يجب إيصال الماء إلى باطنها؛ لأنه نادرٌ؛ كما إذا كثف شعر الذراع يجب إيصال الماء إلى ما تحته في غسل اليدين.
والخنثى المشكل فيه كالمرأة.
وفي ما استرسل من اللحية عن حد الوجه، أو خرج من العارض نحو الأذنين- قولان: أصحهما: أنه يجب إمرار الماء على ظاهرها؛ لأنه شعرٌ نابتٌ على الوجه؛ كشعر الخدين.
القول الثاني- وهو مذهب أبي حنيفة-: لا يجب؛ لأن الشعر النازل عن الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه؛ وكذلك النازل عن حد الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب الغسل.
ويستحب إدخال الماء في العين؛ نص عليه في "الأم"؛ لأن ابن عمر- رضي الله عنه- كان يفعله وليس بسنةٍ؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم ينقل عنه [أنه] فعله، بخلاف المضمضة، والاستنشاق؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يفعلها؛ ولأن باطن الفم والأنف يتغير، وداخل العين لا يتغير.
وتخليل اللحية سنةٌ؛ لما روي عن أنس؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماءٍ؛ فأدخله تحت حنكه، [فخلل به لحيته].
وقال: "هكذا أمرني ربي".
ثم

بعدها يفرغ من غسل الوجه، يجب عليه غسل اليدين مع المرفقين.
والسنة: أن يغسل يده اليمنى أولاً ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك، ويستحب أن يغسل ما فوق المرفق، ويمر يده إلى نصف العضد فما فوقه، وكذلك في غسل الرجلين إلى نصف الساق فما فوقه؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل".
وعن أبي حازم: قال: "كنت خلف أبي هريرة- وهو يتوضأ- فكان يمر يده حتى يبلغ إبطه.
فقلت: "يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ قال: سمعت خليلي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
وإن طالت أظافيره، وخرجت من رؤوس الأصابع- يجب غسلها قولاً واحداً.
فإن كان الرجل أقطع اليدين من الكوع، أو من نصف الساعد- يجب عليه غسل ما فوقه [مع المرفقين].
وإن كان أقطعهما من فوق المرفقين، فغسل اليدين عنه ساقط، ويستحب أن يمس موضع القطع الماء؛ إطالة للغرة.
وإن كان أقطعهما من المرفق، بأن أبين المفصل- نقل المزني- رحمه الله-: أن لا

فرض عليه فيهما.
ونقل الربيع: أن عليه غسل ما بقي.
فقد قيل: فيه قولان: أحدهما: يجب عليه غسل طرف عظم العضد؛ لأنه مغسولٌ في حال الصحة.
والثاني: لا يجب؛ وهو في حال الصحة مغسول تبعاً لا مقصوداً.
وقيل- وهو الأصح-: يجب عليه غسل طرف العضد قولاً واحداً، وفي نقل المزني: "خلل [أو] أراد به: إذا كان مقطوع طرف عظم العضد، فلا فرض عليه فيه.
ولو انقطعت جلدةٌ من ساعده، وبقيت متدلية على الساعد مثل آية عليها يجب عليه غسلُ جميعها، وغسل ما ظهر من تحتها.
وإن جاوز القطع المرفق، وبقيت متدلية على العضد- لا يجب غسل تلك الجلدة؛ لأنها صارت أصلاً في غير محل الفرض.
ولو انقطعت الجلدة من الساعد، فاتصل رأسها بالعضد؛ وهي متجافيةٌ- يجب أن يغسل من الجلدة ما في محاذاة المرفق والساعد؛ ظاهراً وباطناً، ولا يجب غسل ما فوق المرفق.
وإن اتصل ظاهر الجلدة بظاهر الساعد والعضد- لا يجب قلعها، بل يغسل ما ظهر منها إلى المرفق.
ولو تقطعت الجلدة من العضد، وبقيت متدلية على الساعد مثل آية عليها، لا يجب غسلها.
وإن جاوز القطع المرفق، وبقيت متدلية على الساعد- يجب غسل جميع الجلدة [ظاهرها وباطنها]؛ لأنها صارت أصلاً [في محل الفرض].
ولو انقطعت الجلدة من العضد، فاتصل رأسها بالساعد؛ وبقيت متجافية- فيجب أن يغسل منها ما في محاذاة المرفق والساعد: ظاهراً وباطناً.
وإن اتصل ظاهرها بظاهر العضد والساعد [لا يجب قلعها، بل يجب] غسل ما ظهر منها إلى المرفق [ولا يجب غسل ما فوق المرفق] ولو غسل ظاهر الجلدة، ثم زالت الجلدة، يجب غسل ما ظهر من تحتها؛ بخلاف ما لو أمر الماء على ظاهر لحيته الكثيفة، ثم خلقت لحيته- لا يجب غسل ما ظهر من تحتها؛ لأن جواز غسل ظاهر الجلدة

للضرورة، وقد زالت، وفي اللحية اكتفى بغسل ظاهرها لا لضرورة؛ لأن إيصال الماء إلى باطنها ممكن، بل لأنه الوجه المأثور بغسله، وقد أتى بما أمر به.
ثم بعد غسل اليدين، يجب عليه مسح الرأس، وحد الرأس: ما تشتمل عليه منابت الشعر المعتاد.
وفرض المسح يسقط عنه بما ينطلق عليه اسم المسح، وغن كان قدر شعرة واحدة في أي موضع شاء من الرأس؛ سواء مسح بأصبع واحدة، أو بخشبٍ، أو بخرقةٍ، أو غيرها.
وقال صاحب "التلخيص": "يجب عليه أن يمسح بقدر ثلاث شعرات" وعند مالك: [يجب] مسح جميع الرأس.
وعند أبي حنيفة: يجب مسح ربع الرأس.
[قال إمام الأئمة]: "وجب ألا يسقط الفرض عنه، إذا مسح أقل من قدر الناصية؛ لأن ظاهر القرآن يوجب التعميم، والسنة خصته بقدر الناصية؛ وهو ما روي عن المغيرة بن شعبة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- مسح بناصيته، وعلى عمامته.
ولم ينقل أنه - عليه

السلام- مسح أقل من هذا.
والروايات الصحيحة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -[أنه] مسح برأسه مرةً واحدة؛ وهو قول أكثر أهل العلم.
وحكاه أبو عيسى في "جامعه" عن الشافعي رحمه الله.
والمشهور من مذهب الشافعي: أن التكرار فيه مسنونٌ ثلاثاً بثلاث مياهٍ جددٍ؛ ويروى ذلك عن أنس؛ وهو قول عطاء.

والسنة في المسح: أن يغمس يديه في الإناء، أو يصب الماء عليهما، ولا يمسك الماء بيديه، ثم يضعهما على مقدم رأسه ملصقاً طرف إحدى السبابتين بالأخرى، واضعاً إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه.
ويحسب الذهاب والرد مرة واحدة؛ لأن بالذهاب تبتل بواطن شعور مقدم الرأس، وظواهر شعور مؤخره، وبالرد تبتل بواطن شعور المؤخر، وظواهر شعور المقدم.
فإن كان أمعط وله ذؤابةٌ مسترسلةٌ؛ فلا فائدة في الرد، ولو رد لا يحسب مرة أخرى؛ لأن البلل صار في حكم المستعمل؛ لحصول مسح جميع الرأس.
ولو مسح رأسه، فيقوم مقام المسح؛ لأنه مسحٌ وزيادة.
[وفيه وجه: أن الغسل لا يقوم مقام المسح] ولو وضع يده المبتلة على رأسه؛ ولم يحركها، أو قطر عليه قطرة ماء؛ ولم تسل- حصل المسح على الصحيح من المذهب.

وقال الشيخ القفال: "لا يحصل ما لم يحرك اليد، أو تسيل القطرة؛ لأنه مسٌّ.
وليس بمسح".
ولو مسح على أصول شعره، ولم يصل البلل إلى البشرة - جاز.
فإن مسح على شعر يزايل منبته؛ نظر: إن كان الموضع الممسوح من الشعر يخرج عن حد الرأس لو مد - لم يجز؛ كما لو مسح على الدؤابة المسترسلة.
وإن كان [الممسوح] لا يخرج عن حد الرأس- فوجهان: أصحهما: يجوز؛ لأنه غير خارج عن حد الرأس.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه زائل عن منبته؛ كالخارج عن حد الرأس.
وإن كان بعض رأسه محلوقاً، والبعض عليه شعرٌ- فهو بالخيار: إن شاء مسح على الشعر، وإن شاء على الموضع المحلوق.
ولو أدخل يده تحت شعره، ومسح على البشرة، ولم يمسح الشعر- يجوز، بخلاف ما لو أدخل يده تحت لحيته الكثة؛ فغسل بشرة الوجه، ولم يغسل ظاهر اللحية- لم يجز؛ لأنه مأمورٌ هناك بغسل الوجه، والوجه ما تقع به المواجهة، والمواجهة تقع بظاهر اللحية؛ فلم يجز ترك غسله.
ولو مسح على شعره، ثم حلقه، لا يجب إعادة المسح؛ كما لو توضأ، ثم قلَّم ظفره- لا يجب [عليه] غسل ما ظهر من تحته.
وإن كان على رأسه عمامةٌ، ولا يريد نزعها- يمسح بناصيته، ويستحب أن يمسح على العمامة؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ولو مسح على العمامة، ولم يمسح شيئاً من الرأس- لا يجوز.
وقال الأوزاعي، وأحمد: "يجوز إذا كان محنكاً؛ لحديث المغيرة.
فيقال: "إنما سقط الفرض عنه بمسح الناصية، ولا بمسح العمامة.
ثم بعد مسح الرأس، السنة: أن يمسح أذنيه؛ ظاهرهما وباطنهما ثلاث مرات بثلاث مياه جددٍ؛ فيدير المسبحتين في باطنهما يفضي بهما إلى الصماخين، ويمر الإبهامين على

ظاهرهما، فلو أمسك المسبحة وألإبهام عن مسح الرأس لمسح الأذنين- جاز.
وقال في رواية البويطي: "ويأخذ لصماخيه ماء على [حد مستوى] ماء الأذنين.
والأذنان ليستا من الوجه، ولا من الرأس.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه وجماعة: "هُما من الرأس؛ يمسحان بالبلل الفاضل عن مسح الرأس".
وقال الزهري: "هما من الوجه يغسلان معه".
وقال الشعبي: "باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس".
واحتج الشافعي- رضي الله عنه-: بأن البياض المستدير بالأذن لما لم يكن من ارأس مع قربه من الرأس، [واستوائهما في الخلقة؛ فالأذن مع بعدها من الرأس] واختلافهما في الخلقة أولى.
وهذا صحيح إن لم يثبت فيه حديث.
ويستحب مسح العنق تبعاً للرأس والأذن؛ إطالة للغرة: ثم بعده يجب عليه غسلُ الرجلين مع الكعبين، والسنة: أن يغسل أولاً رجله اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك.

والكعبان: هما [الكعبان] الناتئان من جانبي القدمين.

ومسح الرجل لا يقوم مقام الغسل؛ لأن كل من روى وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ذكر أنه غسل رجليه.

وروي عن عبد الله بن عمرو؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رأى قوماً، وأعقابهم تلوح؛ لم يمسها الماء.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".

وكيفية غسلهما: أن ينصبهما، ثم يصب الماء عليهما بيمينه، ويدلكهما بيساره، ويجتهد في ذلك العقب؛ خصوصاً في الشتاء؛ فإن الماء يتجافى عنها لخشونتهما.
وتخليل الأصابع سنةٌ، إذا كان الماء يصل إليها من غير تخليلٍ؛ فإن كانت الأصابع ملتفة؛ لا يصل الماء إلى باطنها؛ إلا بالتخليل يجب التخليلُ، ويخلل بخنصر يده اليسرى من باطن القدم؛ فيبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى.
وإن كانت على رجله شقوقٌ، يجب إيصال الماء إلى باطنها؛ فإن أذاب فيها شحماً، أو عجيناً، أو خضبت بالحناء يجب إزالة عين الحناء، والعجين، والشحم؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى البشرة.
ولو كانت لرجل يدان أو رجلان في جانب واحد؛ نظر: إن كان يبطشُ بهما، ويمشي بهما- يجب غسلهما، وإن كان يبطش بإحداهما، فهي أصليةٌ يجب غسلها مع المرفق والكعب.

أما الزائدة إن نبتت في محل الفرض: يجب غسلها؛ كالأصبع الزائدة، وإن نبتت فوق المرفق والكعب، يجب أن يغسل من الزائدة بقدر ما تحاذي المرفق والكعب الأصلية، دون ما فوقها حتى لو لم تصل الزائدة إلى المرفق والكعب الأصلية، لا يجب غسل شيء منها؛ [كسلعة] تكون على عضده.
قال الإمام [إمام الأئمة]: "إذا كانت الزائدة منبتها فوق الساعد والكعب، ولم يكن شيء منها متصلاً بمحل الفرض- لا يجب غسلها.
وإن كانت في محاذاة الفرض متدلية؛ كالجلدة التي انقطعت من عضده؛ فبقيت متدلية، فإن اتصل شيءٌ منها بمحل الفرض، يجب غسل ما في محاذاة محل الفرض ويستحب أن يقول بعد الفراغ من الوضوء- ما روي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين- فتحت له ثمانية أبواب [من] الجنة؛ يدخل من أيها شاء".
ويستحب: ألا يُنشف الأعضاء من بلل الوضوء والغسل؛ لما روي عن ميمونة قالت: "وضعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- غسلاً فاغتسل، فناولته ثوباً، فلم يأخذه؛ فانطلق وهو ينفض يديه [أراد به: المسح لا النفض المنهي عنه].

ولأنه أثر عبادة؛ فيستحب ألا يزيلها.
فإن فعل لم يكره؛ لما روي عن معاذ بن جبلٍ قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا توضأ، مسح وجهه بطرف ثوبه".
ويستحب: ألا يستعين بغيره على وضوئه لغير ضرورة، فإن فعل لم يكره؛ لأن المغيرة بن شعبة صب الماء على النبي - صلى الله عليه وسلم- حتى توضأ.
فإن صب عليه إنسانٌ، يستحب أن يقوم على يساره؛ لأنه أمكن وأحسن في الأدب.
ولو فرق وضوءه، أو غسله؛ نظر: إن كان التفريق يسيراً يجوز، وإن تفاحش؛ نظر: إن كان بعذرٍ؛ بأن نفد ماؤه؛ فطلب، أو خاف من شيء؛ فهرب- جاز- وإن كان بغير عذرٍ، فقولان: في الجديد- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله-: يجوز؛ كالتفريق اليسير، وكما لو كان بعذرٍ.
وفي القديم- وبه قال مالك-: لا يجوز؛ كما لو فرق أفعال الصلاة، لا تصح صلاته.
وحد التفريق المتفاحش: أن يجف العضو المغسول مع اعتدال الهواء، فإن تباطأ جفافه؛ لبرودة الهواء، أو تسارع إليه الجفاف؛ لحرارة الهواء- فلا عبرة به.

فإن جوزنا البناء، هل يجب تجديد النية عند البناء؟ فيه وجهان: الأصح: أنه يجب.
والترتيب في الوضوء واجبٌ؛ وهو أن يبدأ بغسل الوجه، ثم بعده يغسل يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه؛ كما ذكر الله تعالى.
فلو توضأ وترك الترتيب عاماً أو ناسياً، وصلى- لا تصح صلاته [كما لو ترك الترتيب في أفعال الصلاة- لا تصح صلاته].
وقال الثوري، وأبو حنيفة: "الترتيب سنةٌ؛ وهو قول أكثر أهل العلم [وإليه ميل إمام الأئمة].
ولو أنه غسل أعضاء وضوئه دفعة واحدة [لا] يصح وضوؤه [وقطع العراقيون؛ بأنه لا يجب إلا غسل الوجه].
ولو اغتسل المحدث بنية رفع الحدث، ولم يرتب أعضاء وضوئه- ففيه وجهان: إن قلنا: الحدث يحل جميع البدن، يخرج عن الحدث.
وإن قلنا: يحل الأعضاء الأربعة لا يخرج عن الحدث؛ لترك الترتيب.
وهو الأصح.
فعلى هذا لو انغمس في ماء، وخرج من غير مكثٍ- فهو كما لو غسل الأعضاء دفعة واحدة، وإن مكث يسيراً صح، لحصول غسلِ الأعضاء على الترتيب.
ولو أجنب رجل، ولم يحدث؛ بأن لف على قضيبه خرقة، وأولج في فرج امرأة [و] لم يمسها، أو احتلم قاعداً، أو أنزل بالنظر- يجب عليه الغسل، ولا ترتيب عليه في غسل أعضاء الوضوء.
فأما إذا كان جنباً محدثاً؛ سواء تقدمت الجنابة على الحدث، أو تقدم الحدث، فهل يدخل الحدث في الجنابة؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: يدخل؛ حتى لا يجب غسل أعضاء الوضوء إلا مرةً واحدة؛ عن الجنابة والحدث جميعاً، ولا يجب عليه الترتيب؛ لأنهما حدثان ترادفا؛ فتداخلا؛ كالحيض مع الجنابة؛ وكما أن العمرة تدخل أعمالها في الحج في القران.
والوجه الثاني: لا يدخل حتى يجب غسل أعضاء الوضوء مرتين: مرة عن الحدث مرتباً، ومرة عن الجنابة كيف شاء؛ لأن موجبها مختلف، فلا يتداخلان؛ كما أن حد الشرب لا يدخل في حد الزنا.

والوجه الثالث: يدخل فيه الغسل [والترتيب]؛ فلا يجب غسل أعضاء الوضوء إلا مرةً واحدة، ويجب الترتيب؛ لأن الغسل في الطهارتين موجودٌ؛ فتتداخلان، [و] لا ترتيب عليه في الغسل؛ وهو فرضٌ في الوضوء؛ فلا يسقط.
[قال صاحب "التلخيص" ولا يجوز تثليث الوضوء عمداً، إلا في هذه المسألة، وجوابه يخرج على ظاهر المذهب.
وحكى أبو حاتم القزويني وجهاً رابعاً: أنه يقتصر على الغسل؛ لأنه يحتاج أن ينوبهما؛ لأنهما عبادتان متجانستان: صغرى وكبرى؛ فدخلت الصغرى في الكبرى في الأفعال، دون النية؛ كالحج والعمرة].
وعلى هذا فرع ابن الحداد: لو أن جنباً غسل جميع بدنه إلا رجليه، ثم أحدث يجب عليه غسل الوجه، واليدين، و [مسح] الرأس مرتباً.
أما غسل الرجلين: فعلى الوجه الأول: لا يجب إلا مرة واحدة، إن شاء قدم [على] الأعضاء الثلاثة، وإن شاء أخر؛ لاجتماع الحدث والجنابة في الرجل؛ فسقط حكم الحدث.

وعلى الوجه الثاني: يجب غسل الرجلين مرتين؛ مرةً عند الحدث بعد الأعضاء الثلاثة، ومرةً عند الجنابة متى شاء.
وعلى الوجه الثالث: لا يجب غسلهما إلا مرةً واحدة بعد الأعضاء الثلاث.
وتقديم اليمنى على اليسرى في غسل اليد والرجل- سنةٌ في الوضوء، فلو قدم غسل اليسرى جاز لأن الله - تعالى- جمع بينهما في الذكر فقال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
وكذلك كل فعل مستحب؛ فالبداية فيه باليمين؛ كدخول المسجد يبدأ فيه بالرجل اليمنى [وإذا خرج يقدم اليسرى.
وعكسه دخول الخلاء يبدأ فيه بالرجل اليسرى]، وإذا خرج يقدم اليمنى.
وإذا سلم عن الصلاة يبدأ باليمين، وإذا لبس النعل، أو القميص، أو السراويل- يبدأ باليد اليمنى والرجل اليمنى، وفي النزع يبدأ باليسرى.
والمصافحة باليمين، والاستنجاء باليسار.
روي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يُحب التيامن ما استطاع؛ في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله".

وفرائض الوضوء ستةٌ: "النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح شيء من الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، والترتيب".
وفي القديم: الموالاة فريضة؛ فتصير سبعاً.
والسنن ثلاثة عشر: التسمية، وغسل اليدين إلى الكوعين، والمضمضة، والاستنشاق، والمبالغة فيهما، وتخليل اللحية، والبداية باليمنى في غسل اليد والرجل، وإطالة الغرة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين، وتخليل الأصابع، وغسل كل عضوٍ مرتين أو ثلاثاً، والموالاة على قوله الجديد".
وبعضنا يجعل التسمية، وغسل اليدين في الابتداء، وتخليل الأصابع، والغسلة الثانية من الهيئات، ويجعلها دون السنن.
ويكره أن يزيد غسل الأعضاء على الثلاث؛ لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "جاء أعرابيٌّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً.
ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا؛ فقد أساء، وتعدى، وظلم".
وتجديد الوضوء مستحبٌ؛ وهو أن يكون على الطهارة؛ فيتوضأ.

عن ابن عمر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من توضأ على طهرٍ، كتبت له عشر حسناتٍ".
وإنما يستحب التجديد إذا كان قد صلى بالوضوء الأول صلاةً؛ فرضاً أو نفصلاً.
فإن لم يكن قد صلى به، يكره التجديد؛ لأنه يصير كأنه زاد الوضوء على الثلاث.
ولو نذر أن يتوضأ.
قال القاضي حسين- رحمه الله-: "ينعقد، وعليه تجديد الوضوء بعدما صلى بالأول صلاة، فإن توضأ- وهو محدثٌ- لم يخرج عن نذره؛ لأنه واجب شرعاً وإن جدد الوضوء قبل أن يصلي بالأول- لم يخرج عن نذره.
ولو نذر التيمم لا ينعقد؛ لأنه لا يجدد.
وقال بعض أصحابنا: "لا يلزم الوضوء بالنذر؛ لأنه غير مقصود في نفسه؛ كما لو نذر التيمم لا ينعقد".
فصلٌ فيما يمنع منه المحدث قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ.... الآية﴾ [الواقعة: 77، 78، 79]. وروي عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن حزمٍ: ألا يمس القرآن إلا طاهرٌ.

لا يجوز للمحدث الصلاة، ولا الطواف، ويجوز له الاعتكاف، وقراءة القرآن.
ولا يجوز سجود التلاوة، ولا يجوز له حمل المصحف، ولا مس ما هو منسوب إليه من جلد، أو غلاف [أو] صندوق هو فيه، أو خريطة هو فيها.
وقال الحكم، وحماد: "يجوز للمحدث والجنب حمله ومسه".
وقال أبو حنيفة: "يجوز مسه إلا الموضع المكتوب".
وإن كان المصحف في صندوقٍ من الثياب، أو في عدلٍ من الأمتعة يجوز للمحدث

حمله.
نص عليه [عند أصحابنا]؛ وبه قطع أصحابنا بـ"العراق"؛ لأنه لا يقصد حمل المصحف.
وقيل لا يجوز؛ لأنه حامله.
ولو قرأ القرآن من مصحف بين يديه؛ من غير أن يمسه- يجوز.
ولو قلب أوراقه بخشبة، أو كتب القرآن من غير أن يحمل المكتوب، أو يمسه- فوجهان: أحدهما: يجوز؛ [وبه قطع العراقيون]؛ لأنه لم يمسسه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن ما فعله منسوبٌ إليه، ولا يجوز حمل لوحٍ كتب عليه القرآن.
وعلى المعلم تكليف الصبيان الطهارة؛ لحمل المصحف واللوح، وكتبة القرآن، فإن لم يفعل أثم المعلم.
وقيل: يجوز للصبيان حملها محدثين؛ لأن طهارتهم ناقصة؛ فلا معنى لاشتراطها.
ولو حمل المحدث كتاباً فيه آياتٌ متفرقةٌ من القرآن، أو كتب المحدث يجوز.
ولو حمل تفسير القرآن؛ نظر: إن كان القرآن بغير خط التفسير- لا يجوز؛ لأن القرآن فيه مقصودٌ، وإن كان الكل بخط واحدٍ يجوز.
ويجوز حمل ما نقش عليه آيةٌ من القرآن من درهمٍ، أو ثوبٍ، أو خشبةٍ.
ويكره تنقيش الجدر والثياب بالقرآن، وبأسماء الله تعالى.
ولا يجوز كتبة القرآن بالنقش النجس.
ولا تجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفر؛ لما روي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
وأما إذا كتب إليهم كتاباً، وكتب فيه آيةً من القرآن يجوز؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- كتب إلى

هرقل كتاباً، وكتب فيه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ... الآية﴾ [آل عمران: 64].
ويجوز تعليم الكافر القرآن إذا كان يرجو إسلامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6].
وقيل: لا يجوز؛ كما لا يجوز بيع المصحف [منه]؛ بخلاف الاستماع؛ لأن المستمع لا يتلقف ما يستخف به.
أما إذا رآه معانداً، لا يجوز تعليمه بحال.
وحيث جوزنا لا يجوز له حمل المصحف؛ لأنه غير طاهر.
فصلٌ فيما يمنع منه الجنب روي عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن".
كل ما يحرم على المحدث يحرم على الجنب، وزيادة شيئين: وهما قراءة القرآن، والاعتكاف؛ فلا يجوز للجنب، ولا للحائض، ولا للنفساء أن تقرأ شيئاً من القرآن، وإن كان كلمةً.
وجوز أبو حنيفة- رحمه الله- أقل من آية.
وقال مالك: "يجوز للحائض قراءةُ القرآن؛ لأنه ربما يمتد زمان حيضها فتنسى القرآن".

وقيل: هذا قول الشافعي- رحمه الله - في القديم.
أما إذا قال عند ابتداء أمر تبركا: "بسم الله"، أو عند الفراغ تيمناً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 1]، أو عند المصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، أو ركب دابة فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: 13] ولا يقصد قراءة القرآن- يجوز.
وكذلك لو تكلم بكلمة توافق نظم القرآن، أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة أو الإنجيل، أو ذكر الله - سبحانه- وسبح، أو صلى على النبي- صلى الله عليه وسلم- فجائز.
[و] قالت عائشة- رضي الله عنها-: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحيانه".
ولا يجوز للجنب المكث في المسجد، ولا للحائض؛ لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لا أحل المسجد لحائضٍ، ولا جنبٍ".

أما المرور في المسجد يجوز لهما، إذا كان للمسجد بابان؛ يدخل من واحد، ويخرج من آخر، وكانت الحائض قد شدت نفسها؛ بحيث لا يتلوث من دمها المسجد، أو كان بعد انقطاع دمها قبل العسر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43].
وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: "لا يجوز المرور".
وقال أحمد، والمزني: "يجوز للجنب المكث في المسجد؛ لأن المشرك لما لم يمنع من دخول المسجد، فالمسلم الجنب أولى".
قلنا: المشرك إنما لا يمنع إذا لم نتحقق جنابته، فإن تحققنا، فوجهان: أحدهما: يمنع؛ كما يمنع المسلم.
والثاني: لا يمنع؛ لأنه لا يعتقد تعظيم المسجد، فلا يؤاخذ بحرمته؛ بخلاف المسلم؛ كما أن المسلم يحد بشرب الخمر؛ لأنه يعتقد تحريمها، والكافر لا يحد.
ولو أجنب رجل والماء في المسجد- ليس له أن يدخل المسجد؛ فيغتسل فيه، بل إن كان معه إناء يتيمم، ويدخل المسجد؛ فيخرج الماء وإن لم يكن معه إناءٌ يصلي بالتيمم، ثم يعيد.
ولو احتلم في المسجد، خرج.
فإن خاف على نفسه، أو على ماله، أقام فيه؛ للضرورة.
فإن وجد تراباً غير تراب المسجد، تيمم للإقامة.
والله أعلم.

باب الاستطابة روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها لغائط، ولا بولٍ، وليستنتج بثلاثة أحجار.
ونهى عن الروث والرمة، وأن يستنجي الرجل بيمينه.
وإذا أراد قضاء الحاجة، يضع ما كان معه من شيءٍ عليه اسم الله - عز وجل-.
وإن كان في صحراء، يذهب حتى لا يراه أحد؛ لما روي عن جابر؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد البراز، انطلق حتى لا يراه أحدٌ.
ويستتر بشيء من شجر، أو حائط؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "من أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثباً من رملٍ فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم".

ولا يرفع ذيله؛ حتى يدنو من الأرض؛ لما روي عن أنس قال: "كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض".
ويطلب لبوله مكاناً ليناً، فإن كان صلباً، لينه بشجر أو غيره؛ حتى لا يرتد إليه البول؛ لما روي عن أبي موسى الأشعري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله" يعني: ليطلب لبوله مكاناً.
ولا يبول في مهاب الرياح ويبول قاعداً؛ لما روي [عن] عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال له: "لا تبل قائماً".
وهذا نهي تأديب، فإن كان به عذرٌ، أو كان المكان ضيقاً، فلا بأس به؛ لما روي

عن حذيفة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أتى سباطة قومٍ، فبال قائماً".

ويحترز عن قضاء الحاجة في الطريق، وتحت الأشجار المثمرة، وحيث يستظل الناس؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "اتقوا اللاعنين.
قالوا: وما اللاعنان، يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم".
ولا يبول في المستحم؛ وهو موضع الوضوء والغسل؛ لما روي عن عبد الله بن

مغفلٍ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- نهى أن يبول الرجل في مستحمه.
وقال: "إن عامة الوسواس منه".
ولا يبول في جحرٍ؛ لما روي عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- نهى أن يبال في الجحر.
قيل لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال:

إنها مساكن الجن.
وإن أراد دخول الخلاء قدم رجله اليسرى، وإذا خرج قدم اليمنى، وعند الدخول يقول ما روي عن أنس [قال]: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
وروي عن علي؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء- أن يقول: بسم الله".

وإذا خرج يقول ما روي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" يعني: أسألك غفرانك.
وإذا قعد لقضاء الحاجة، يعتمد على رجله اليسرى؛ لأنه أيسر لقضاء الحاجة، ويستر رأسه، ولا يذكر الله بلسانه، ولا يكلم أحداً، وإذا سلم عليه أحدٌ لا يرد [عليه] السلام، وإذا عطس لا يحمد؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يخرج الرجلان يرضبان الغائط كاشفين [عن] عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك".
وروي عن ابن عمر قال: "مر رجلٌ على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يبول، فسلم عليه؛ فلم يرد عليه".

ولا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها على قضاء الحاجة في الصحراء؛ لحديث أبي

جارٍ التحميل