التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 137-182

باب أحكام المياه قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48].

وروي عن أبي هريرة قال: سأل رجلٌ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".

"والطهور" هو: المطهر؛ وهو اسم لما يُتطهر به؛ كـ"السحور": اسم لما يُتسحر به، "والفطور": اسم لما يتفطر به.
وقال مالكٌ: "الطهور: ما يتكرر منه التطهر كـ"الصبور": ما يتكرر من الصبر، و"الشكور": ما يتكرر منه الشكر؛ ولذلك جوز التطهر بالماء المستعمل".
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "الطهور هو الطاهر؛ ولذلك جوز إزالة النجاسة

بالمائعات الطاهرة.
والحديث حجة عليهما؛ لأنهم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته؛ فأجاب بقوله: "هو الطهور ماؤه".
فلولا أنهم عرفوا من الطهور المطهر لكان لا يزول إشكالهم بقوله: "هو الطهور ماؤه".
وكل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض، ولم يخالطه شيءٌ- يجوز التطهر به، على أي لون كان، وأي طعمٍ وريح كانا، ويجوز بماء البحر ومياه الآبار، والماء النز؛ عذباً كان أو ملحاً أو أُجاجاً، ويجوز بماء البرد والثلج؛ لأن الكل مطهر.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اغسلني بالماء والبرد والثلج".
فلو أمر البرد أو الثلج على أعضاء طهارته، فسال الماء- حصل الغسل وإن لم يسل، فلا يحصل به إلا مسح الرأس والخف.

ولا يكره التطهر بالماء المسخن بالنار؛ سواء كان مسخناً بنار الحطب، أو بنار السرقين؛ لأن السخونة بالحرارة، ولا نجاسة فيها؛ فإن كان شديد السخونة - يكره؛ لأنه يحرق، وربما لا يمكنه إسباغ الوضوء به.
ويكره بالمشمس في الأواني؛ لقول عمر - رضي الله عنه-: إنه يورث البرص،

ولكن لو تطهر به صحت الطهارة.
فأما ما حمي في الحياض والغدران، فلا يكره الوضوء به.
وقيل: إنما يورث البرص، إذا شُمِّسَ في أواني الصفر في البلاد الحارة، وكان الإناء مغطى الرأس، فالشمس بحرارتها المترادفة تستخرج من الصفر زهومةً يكون فيها تعلق الماء؛ كالهباء فاستعماله مرة بعد أخرى يورث البرص.
ولو تغير الماء؛ لطول المكث- جاز الوضوء به؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ من بئر "بُثضاعة"، وكان ماؤها كأنه نقاعةُ الحناء.
وكذلك لو وقعت بقرب الماء جيفةٌ، فنتن الماء منها - جاز التطهر به؛ لأنه لم يخالطه شيء.
ولا يجوز التطهر بماء الورد والخلاف ولا بماءٍ يسيلُ من عروق الأشجار، ولا

بالعرق الذي يسيل من بدن الحيوان؛ لأنه ليس بماءٍ مطلقٍ.
ولو وقع في الماء شيءٌ طاهرٌ، ولم يغيره- جاز التطهر به؛ قل الماء أو كثر، وكثر الخليط أم قل؛ حتى لو صُب في ماءٍ قليل رطلٌ من لبنٍ أو ماء وردٍ، ولم يتغير شيءٌ من أوصاف الماء- يجوز استعماله [كله] في الطهارة؛ لأن الخليط صار مستهلكاً فيه.
ومن أصحابنا من قال: إن كان الماء غير كافٍ لطهارته؛ فكمله بالخليط- لا تصح الطهارة به؛ لأن غسل بعض الأعضاء يحصل بغير الماء.
وإن كان كافياً لغسل أعضائه مرةً مرةً- يجوز التطهر به، واستعمال كله.
وأما إذا تغير أحد أوصاف الماء بما وقع: إما لونه، أو طعمه، أو ريحه- نظر: إن كان ما وقع فيه شيئاً يخالط الماء، ويمكن صون الماء عنه؛ مثل: الزعفران والعصفر والدقيق والخبز واللبن والخل ونحوها، أو سقط فيه شيء من الثمار، وكان التغير كثيراً؛ بحيث يضاف الماء إليه - لا يجوز التطهر به.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: يجوز التطهر به؛ فيقول: ماء مضاف إلى خليطٍ يستغنى عنه، فلا يجوز التطهر به؛ كالمرقة، وماء الحمص والباقلاء المُغلى فيه.
وإن كان التغير قليلاً؛ بحيث لا يضاف الماء إليه؛ بأن وقع فيه زعفرانٌ؛ فاصفر قليلاً، أو دقيق؛ فابيض قليلاً- يجوز التطهر به على الصحيح من المذهب؛ لأنه لم يسلب إطلاق اسم الماء.
وإن تغير الماء بخليطٍ لا يمكن صون الماء عنه؛ كالتراب والحصاة وأوراق الأشجار تقع فيه، أو نبت فيه العشب والطحلب؛ فغيره- يجوز التطهر به؛ لأنه لما لم يمكن صون الماء منه، وقع عفواً.
وكذلك لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ، أو نورةٍ، أو كحلٍ، أو وقع فيه شيءٌ منها فتغير، أو نبع من معادنها- يجوز التطهر به.
ولو طرح شيءٌ من هذه الأشياء في الماء قصداً [فغيره]؛ نُظر إن غيره عن خلقته بالصنعة؛ بأن طُبخت النورة، أو طرح فيه الآجر المسحوق، أو أحرقت الأوراق؛ فطرح فيه رماداً، أو أُغلي الطحلب في الماء - لا يجوز التطهر به.
وإن طرح فيه على خلقته؛ نظر: إن كان تراباً، جاز التطهر به؛ لأنه طهور؛ فلا يسلب طهورية الماء؛ كما لو صُبَّ على الماء ماء آخر.

وإن كان غير تراب؛ كالزرنيخ والنورة، أو الحجر المسحوق، أو الطحلب والعشب المدقوق، وطرح فيه - فعلى وجهين: أصحهما: لا يجوز التطهر به؛ لأن الاحتراز من القصد ممكن؛ كما لو وقع ما يمكن صون الماء عنه؛ فغيره.
والثاني: يجوز؛ لأنه لما لم يكن صونُ الماء منه في الأصل، كان عفواً.
نص عليه في رواية حرملة.
وأما الملح الجبلي؛ كالنورة، وأما ملح الماء إذا طرح في الماء؛ حتى غيره- يجوز التطهر به؛ لأنه ماء منعقدٌ؛ كالجامد.
ويجوز التطهر بماء الملاحة.
وقيل؛ الملح الجبلي والماء سواء؛ في أنه لا يسلب طهورية الماء؛ لأن طبع كل واحد طبع الماء، ألا ترى أنه يذوب في الماء.
وقيل: كلاهما سواء في أنه يسلب طهورية الماء؛ كما لو غلب عليه: نِفطٌ أو قارٌ أو كبريت، وليس كالجامد؛ لأنه يذوب في الشمس، والملح لا يذوب.
وهذا القائل يقول: لا يجوز التطهر بماء الملاحة.
والأصح هو الأول.
ولو وقع في الماء ما لا يختلط به؛ فغيره؛ كالدهن والعود والعنبر- يجوز التطهر به؛ لأنه تغير مجاورةٍ؛ كما لو كانت بقرب الماء جيفةٌ؛ فتغير الماء من نتنها، وكذلك الكافور الصلب الذي لا يذوب في الماء، إذا وقع فيه؛ فغيره- يجوز التطهر به، فإن ذاب فيه فغيره، لم يجز.
والقطران نوعان: نوع يخالط الماء كالدبس، فإذا غيره، لم يجز التطهر به.
ونوع يعلو الماء كالدهن، فلا يمنع التطهر به وإن غلب على الماء طعمه، أو ريحه.
ولو وقع في الماء ماء مستعمل، أو ماء ورد؛ لا رائحة له، أو مائع آخر؛ لا يخالف صفته صفة الماء - ففيه وجهان: أصحهما: هو أن الخليط إن كان قذراً- لو كان له لون، أو طعم، أو ريح مخالف للماء لغلب على الماء - فلم يجز التطهر به.
وإن كان أقل، يجوز.
والثاني: إن كان الخليط أكثر من الماء المطلق، أو مثله - لم يجز التطهر به، وإن كان أقل يجوز.

وقيل: هذا الوجه في الماء المستعمل, دون غيره من المائعات؛ لأن المتوضئ لا يمكنه الاحتزار من أن يقع في ماء وضوئه شيء مما ينفصل عن أعضائه.
ولا يجوز التطهر بشيء من الأنبذة؛ لأنه ليس بماء مُطلقٍ.
وجوَّز الأوزاعي: بجميع الأنبذة.
وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه -: يجوز بنبيذ التّمر خاصة إذا كان في السفر عادمًا للماء؛ وإن كان مطبوخًا مشتدًا.
وقال محمد بن الحسن: يجمع بين الوضوء والتيمم.
واحتجوا: بما روي عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ليلة الجنَّ: "ما في أدواتك؟ ". فقال نبيذٌ.
قال - عليه السلام -: "تمرةٌ طيبةٌ, وماءٌ طهورٌ" فتوضأ منه.

وهذا عند أهل النقل غير ثابت؛ لأنه رواية أبي زيد؛ وهو مجهول.

وقد صح عن علقمة, عن عبد الله بن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولئن ثبت لم يكن ذلك نبيذًا متغيرًا, بل كان ماء مُعدًّا للشرب, نبذ فيه تميرات؛ ليجتذب مُلوحة الماء.
يدل عليه أن الله - تعالى - قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] نقل من الماء عند عدمه إلى التيمم, فلا يتخللهما شيء آخر؛ كما قال في الكفارة: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [النساء: 92] نقل من الرقبة إلى الصوم, ثم لا يتخللهما شيء آخر.
وكل مائع لا يجوز الوضوء به والغسل, فإذا غسل به نجاسة لا تطهر؛ لأن الله - تعالى - خصَّ الماء بالتطهير؛ فلا يشاركه غيره.
وجوَّز أبو حنيفة - رحمه الله - إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة؛ مثل: الخل وماء الورد والرَيق ونحوها, سوى الدهن واللبن, لأنهما لا ينعصران من الثوب؛ فيقول: مائع لا يرفع الحدث؛ فلا يرفع الخبث؛ كالدهن واللبن.

فصلٌ في الماءِ الذي لا ينجس بوُقوع النَّجاسة فيه

روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخبث".
أما إذا وقع في الماء شيء نجس لا يخلو: إما أن يكون الماء راكدًا, أو جاريًا: فإن كان راكدًا؛ نظر: إن كان أقل من قلتين, ينجس؛ سواء تغير, أو لم يتغير؛ سواء كانت النَّجاسة مما يدركها الطَّرف, أو لا يدركها الطَّرف.

وإن كان الماء قلتين فكثر؛ نظر: فإن وقعت فيه نجاسة ذائبة, فلا ينجس, ما لم يتغير؛ حتى لو صُبَّ فيه كوز بول, ولم يظهر فيه تغير, جاز استعماله كله, وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه, ينجس؛ سواء كان التغير قليلًا أو كثيرًا.
والقلتان خمسُ قربٍ.
وبالوزن خمسمائة رطل؛ لأنه روي في الحديث إذا بلغ الماء قلتين بقلال هَجَرَ.
قال ابن جريج: رأيت قلال هجر؛ فالقلة تسع قربتين, أو قربتين وشيئًا.
فالشافعي - رحمة الله عليه - جعل الشيء نصفًا احتياطًا.

فتكون القلتان خمس قِربٍ, كل قربة خمسون منًّا.
وقيل: القُلتان ستمائة رطلٍ.
والأول أصح.
وهذا تحديد, أم تقريب؟ فيه وجهان: أحدهما: تحديدٌ؛ فإن انتقص منه قليلٌ, كان في حكم الماء القليل.
والثاني: تقريبٌ, حتى لو انتقص منه رطلٌ أو رطلان إلى ثلاثة, كان في حكم الكثرة, فإن انتقص أكثر من ثلاثة أرطال كان في حكم القلة؛ لأن الشيء قد يقع على أقل من النصف.
وجعله الشافعي - رحمه الله - نصفًا احتياطًا.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله -: حدُّ الماء الذي لا ينجس عشر في عشر في عمق شبر.
ومنهم من يقول: قدر ما لو حرَّك أحد طرفيه عند التوضؤ لا يتحرك الجانب الآخر.
وذهب الحسن والزُّهري, والنَّخعي, وعطاء, ومالك إلى أن الماء القليل لا

يَنجسُ بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغيرْ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الماء طهورٌ لا ينجسه شيءٌ إلا ما غير طعمه أو ريحه".

وهذا اختيار إمام الأئمة, وعندنا: هو محمولٌ على الماء الكثير؛ بدليل حديث ابن عمر.
وإذا نجس الماء القليل فوجه تطهيره أن يُكائر بماء طاهرٍ أو نجس حتى يبلغ قُلتين [فإذا بلغ قلتين] ولا تغير فيه - كان طاهرًا مُطهرًا؛ سواء كان الماء الذي صُبَّ عليه قليلًا أو كثيرًا.
فلو فرق بعده لا يعود نجسًا.
ولو صُبَّ عليه ماء طاهر حتى غلبه؛ فزال تغيره قبل بلوغه قُلتين, أو لم يكن فيه تغير فلوث بماءٍ آخر, ولم يبلغ قُلتين, هل يحكم بطهارته؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يطهر؛ لأنه ماء أقل من قلتين, وقد حَصَلتْ فيه نجاسة.
والثاني: [وهو] اختيار العراقيين: يطهر لأن الماء غمر النجاسة؛ كالأرض النجسة إذا صُبَّ عليها من الماء ما يغمر النجاسة, والماء القليل إنما ينجس إذا وردت عليه النجاسة, وهاهنا ورد الماء على النجاسة؛ [كما لو] صُبَّ ماءٌ قليل على ثوبٍ نجس لا يحكم بنجاسته.
فإن قلنا: يطهر, إنما يطهر إذا كان الماء الوارد أكثر منه, ثم هو بمنزلة غُسالة النجاسة طاهر غير مُطهرٍ.
وإن كان الماء الوار أقل منه, أو مثله - لم يطهر, إلا أن تبلغ قُلتين.

ولو كوثر ذلك بماء وردٍ أو عرقٍ؛ حتى بلغ قُلتين يحكم بطهارته, ولو كُثر بماء مُستعمل عاد مُطهّرًا على أصح الوجهين.
ولو غُمس كوزُ ماءٍ نجسٍ لا تغير فيه في قلتين من الماء - ذكر شيخنا القاضي فيه وجهين: أحدهما: يطهر؛ لأنه اتصل بماء كثير.
والثاني - وهو الأصح -: لا يطهر؛ لأن الاختلاط - حقيقة - لم يوجد؛ بدليل أن صفة ماء الكوز لا تزول بهذا القدر.
فأما الماء الكثير إذا نجس بالتغير, فطهارته بزوال التغير, فإن زال بطول الزمان, أو بهبوب الرياح عليه, أو بنبات العُشب تحته - عاد مطهرًا؛ وكذلك لو صُبَّ عليه ماء آخر, أو نبع من تحته ماءٌ؛ حتى زال التغير, ولو أُخذ منه بعضه حتى زال التغير؛ نُظر: إن كان الباقي بعد زوال التغير قُلتين - كان طاهرًا, وإن كان أقل من قُلتين فهو نجس.
ولو طرح فيه تراب, أو جبس, أو نورةٌ غير مطبوخة؛ حتى زال التغيرُ - ففيه قولان: أصحهما: [لا] يعود طاهرًا؛ كما لو طرح فيه مسكٌ, أو زعفرانٌ, أو كافورٌ, إو نورةٌ مطبوخة لم يطهر.
والثاني - وهو الأصحُ عند العراقيين -: يطهر؛ كالماء الكثير الكدورة بهذه الأشياء إذا وقعت في الماء الكثير نجاسةٌ جامدة - وهي قائمة فيه - لا يحكم بنجاسته على ظاهر المذهب إذا لم يتغير منها الماءُ, وله أن يأخذ الماء من أيِّ موضعٍ شاء, ولو قرب من النجاسة.
وقال أبو إسحاق, وهو صاحب "التلخيص": "إن بعُد عن النجاسة بقدر قُلتين, فهو

طاهر, وما دونه نجسٌ.
والأول أصح؛ لأنه لو نجس بمجاورة تلك النجاسة قدر قلتين - لنجس ما وراء القُلتين بمجاورة القُلتين, وأدّى ذلك إلى الحكم بنجاسة ماء البحر بتغيُّره.
وإن كان الماء قدر قُلتين لا يزيد عليه, فوقعت فيه نجاسة جامدة - فعلى قول أبي إسحاق, وصاحب "التلخيص": وهو نجس.
وإن أخرجت النجاسة منهما كان طاهرًا.
وعلى المذهب الأصح: هو طاهر.
وإن أُخذ منه شيء في إناء دفعة واحدة؛ فالمأخوذ - وباطن الإناء طاهر, وظاهر الإناء وما بقي من الماء نجسٌ؛ لأن النجاسة فيه؛ وهو أقل من قلتين.
وإن أخذت النجاسة مع شيء من الماء في [إناء] دفعة واحدة؛ فباطن الإناء وما فيه نجس, وظاهر الإناء وما بقى من الماء طاهر.
وقال أبو حنيفة: إن وقعت في بئرٍ نجاسةٌ ذائبةٌ, يُنزح جميع مائها.
وإن ماتت فيها فأرةٌ, أو ما في جرمها, نزح عشرون دلوًا.
وإن ماتت حمامةٌ, أو سنَّورٌ, أو ما في جرمها - فأربعون دلوًا.
وإن مات ما هو أكبر منها من شاةٍ, أو حمارٍ ونحوه - ينزح جميع مائها.
وإن بقيت فيها الفأرة, أو وقع فيها ذنبها - نزح جميع مائها.
أما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ؛ لا يخلو: إما إن كان الماءُ كثيرًا, أو قليلًا: فإن كان كثيرا؛ بأن كان في عُرض النهر قدر قُلتين؛ [فإن] وقعت فيه نجاسةٌ [ذائبة] واستهلكت فيه؛ فهو طاهر, وإن كانت النجاسةُ جامدةً تجري مع الماء؛ فما فوقها ودونها

طاهر, والجرية التي فيها النجاسة طاهرة؛ على الصحيح من المذهب.
وعلى قول أبي إسحاق, وصاحب "التلخيص": ما قرب من النجاسة في عرض النهر وتحتها إلى قلتين - نجس.
وإن كان الماء [الجاري] قليلًا وقعت فيه نجاسةٌ؛ نظر: إن كانت ذائبةً وتغيرت؛ فالجرية المتغيرة نجسةٌ, [وهي كالنجاسة الجامدة] التي تجري مع الماء وإن لم يتغير منها الماء - فمحلُّ النجاسة نجسُ أيضًا.
وقال في القديم: "الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير"؛ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله, واختيار إمام الأئمة.
وإن كانت النجاسة جامدة؛ نُظر: إن كانت تجري مع الماء؛ فمحل النجاسة من الماء والنهر نجس, وما دونه طاهرٌ؛ لأن النجاسة لم تصل إليه, والجرية التي تعقب النجاسة تغسل المحل؛ فهو في حكم غُسالة الجنابة؛ حتى لو كانت النجاسة نجاسة كلبٍ أو خنزيرٍ؛ فلا بد من سبع جريات تجري عقبيها, ثم ما وراءها طاهر.
وإن كانت النجاسة واقفةً والماء يجري عليها, أو كان الماء يجري بها, ولكن جري الماء أشد؛ فمحل النجاسة نجس, وما فوقها طاهر؛ لأنه لم يصل إلى النجاسة؛ كما لو صُبَّ ماء من إناء على نجس لا ينجس الماء الذي في الإناء.
وما دونها نجس, وإن بعد عن النجاسة بأكثر من قلتين؛ لأن كل جريةٍ من الماء الجاري في حكم المنفصل عن صاحبه, لا يتكثَّر بعضه بالبعض, ولذلك لم ينجس ما فوقها, فإذا اجتمع في موضع قلتان كان طاهرًا, وكذلك إذا اتصل بماء كثير مجتمع في فضاء يطهر وإن لم يختلط به؛ بأن كان هذا كدرًا, وذلك ماء صافٍ يتبين منه؛ لأن الاجتماع [قد] وجد.
وإن كانت النجاسة واقفة في هذا الماء القليل والماء يترادُّ عنها فالموضع الذي يترادُّ إليه الماء نجس.
وإن كان في وسط النهر حفر عميق؛ نظر: إن كان الموضع ضيقًا لا يجري فيه الماء سريعًا؛ فهو كالماء الراكد, وإن كان [الموضع] واسعًا, وجريُ الماء فيه سريع؛ فله حكم الماء الجاري, وإن كان على شط النهر حُفرةٌ يدخلها الماء من ساقية, ويخرج من أخرى إلى

النهر، فماء الحفرة في حكم الراكد، لا يتكثر بماء النهر، وغن كان متصلاً به.
فإن وقعت فيه نجاسة- وهو أقل من قلتين - ينجس.
وإن وقعت في إحدى الساقيتين نجاسة؛ نظر: إن كان جري الماء فيها سريعاً، فله حكم الماء الجاري، ولا يتكثر بماء النهر ولا بماء الحوض، وإن لم يكن جري الماء فيها سريعاً، فهو كالراكد.
أهـ. فَصْلٌ فِي المِيَاهِ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهَا الدَّوَابُّ روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه سئل: "أيتوضأ بماء أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها".
سؤر جميع الحيوانات طاهر، إذ لم يصب فيها نجاسة، إلا سؤر الكلب، والخنزير، فإنه نجس.
وكذلك كل حيوان أحد أبويه كلبٌ أو خنزير، إذا ولغ في ماء ليل، أو في مائع آخر؛ قلَّ أو كثر، ينجس الإناء وما فيه.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله-: سؤر السباع نجس، إلا سؤر الهرة.
وعنده: سؤر سباع الطير وحشرات الأرض مكروه، وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه.
فإن لم يجد ماء سواه، جمع بين الوضوء به والتيمم.
وحديث جابر حُجةٌ عليه.
أهـ. فلو دمى فمُ رجل أو دسع البعير بجرته، ثم شرب من ماء قليل- ينجس ذلك الماء.
ولو أكلت هرة فأرة، ثم ولغت في ماء قليل؛ فقد قيل: لا ينجس؛ لتعذر الاحتراز عنه،

والصحيح أنه ينجس إذا ولغت فيه.
قيل: إن غابت عينه يحتمل ورودها على ماء كثير، ثم عادت فولغت في ماء قليل؛ هل ينجس؟ فيه وجهان: أحدهما: ينجس؛ لأنا تيقنا نجاسة فمها؛ فلا يزول ذلك اليقين بالشك.
والثاني: لا ينجس؛ لاحتمال أنها حين غابت ولغت في ماء كثير، فطهر فمها؛ فلا يحكم بنجاسة هذا الماء بالشك.
أ. هـ. ولو مات حيوان في ماء قليل، أو في مائع آخر؛ فإن كان كثيراً؛ نظر: إن كان حيواناً تؤكل ميتته؛ كالسمك والجراد، لا ينجس ما مات فيه.
وإن كان لا تؤكل ميتته؛ نظر: إن كانت له نفس سائلة؛ كالفأرة والعصفور ونحوها، نجس ما مات إلا الآدمي؛ فإن فيه قولين؛ بناء على [نجاسته بالموت].
وإن لم تكن له نفسٌ سائلة؛ كالذباب والنمل والعقرب والزنبور والخنفساء ونحوها- ففيه قولان: أصحهما- وهو قول أبي حنيفة، ومالكٍ، وأكثر أهل العلم رحمهم الله-: لا ينجس ما مات فيه؛ لتعذر الاحتراز عنه.
وروي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله، ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه شفاءً، وفي الآخر داء".

فأمر بغمس الذباب في الطعام، وقد يموت الذباب فيه، ولو كان ينجس الطعام، لكان لا يأمر بغمسه فيه.
والقول الثاني- وهو القياس-: أنه ينجس، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بغمس الذباب فيه وطرحه، لا بقتله، وإنما أمر به، قطعاً لهم عن عادتهم؛ لأنهم كانوا يستقذرون طعاماً يقع فيه الذباب.
ولو مات حيوانٌ في طعامٍ نشؤه فيه؛ مثل: دود الخل يموت فيه، أو البقةُ على رأسه تموت فيه؛ فلا ينجسه.
فإن أخرج، ثم رد إليه، فمات فيه، أو طرح في مائعٍ آخر؛ فمات فيه، هل ينجسه أم لا؟ فعلى القولين.
فإن قلنا: لا ينجسُ، فلو كثر حتى تغير منه الماء ففيه وجهان: أحدهما: ينجس؛ لأنه ماءٌ تغير بالنجاسة.
والثاني: لا ينجس؛ لأن ما لا ينجس الماء القليل بوقوعه فيه، لا ينجسه، وإن تغير؛ كالسمك.
وبعض أصحابنا: جعلوا في نجاسة الحيوانات التي ليست لها نفسٌ سائلة بالموت- قولين؛ وهذا القائل يجعل في نجاسة بزرِ دود القز قولين؛ وليس بصحيحٍ، بل المذهب أنها تنجس بالموت؛ لا يختلف القول فيه؛ [وبه قطع العراقيون].
وبزر دود القز نجسٌ، لا يجوز بيعه، ولا ضمان على متلفه؛ كالسرقين، إنما الاختلاف في نجاسة ما يموت فيه من المائعات؛ لعموم البلوى، وتعذر الاحتراز منه.
ولو وقع حيوانٌ سوى الكلب والخنزير، أو المتولد من أحدهما في ماء قليل، أو مائع آخر؛ فخرج حياً لا ينجسه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- أمر بمقلِ الذباب في الطعام، ولم يحكم بنجاسته.

فَصْلٌ فِي التَّحَرِّي فِي المِيَاهِ المُشْتَبَهَةِ إذا اجتمع من الماء أوانٍ: بعضها طاهرٌ، وبعضها نجس، واشتبه عليه، له أن يجتهد؛ فأيها أدى اجتهاده إلى طهارته، توضأ به؛ سواء كانت الغلبة للأواني الطاهرة، أو النجسة.
وكذلك الثياب إذا اشتبه عليه فيها الطاهر من النجس، يجتهد.
وهل له أن يأخذ بغلبة الظن، من غير أن يجد نوعاً من الدليل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، حتى يرى نوعاً من الدليل من نقصان في أحد الإناءين، أو حركة، أو بلل على طرفه، أو أثر قدم الكلب قريباً منه؛ يستدل به على أن الكلب شرب منه؛ كما في القبلة إذا اشتبهت عليه، لا يجوز أن يأخذ فيها بغلبة الظن من غير دليل؛ وبه قطع العراقيون.
والثاني- وهو الأصح-: يجوز؛ بخلاف القِبلةِ؛ لأن لها علامات ظاهرة تدل عليها، ولا دليل على طهارة الماء إلا غلبة الظن؛ فإن لم يغلب على ظنه طهارةُ واحد منها، ولم يكن معه ماء طاهر بيقين- يصلي بالتيمم، ثم يعيد؛ لأنه صلى بالتيمم، ومعه ماء طاهر.
وكذلك في الثوبين، إذا لم يؤد اجتهاده إلى طهارة واحدة منها يصلي عرياناً، وأعاد.
وإن أراق الأواني، أو خلط البعض بالبعض؛ حتى نجس الكل- صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه؛ لأنه ليس معه ماء طاهر، ولا يجعل كإراقة الماء سفهاً؛ لأن إراقته- ها هنا لغرض؛ وهو الخلاص عن الاجتهاد، ومن أراق الماء لغرضٍ، وصلى بالتيمم- لا تجب عليه الإعادة.
أما إذا اجتهد وأدى اجتهاده إلى طهارة أحدها، ثم أراقها، أو أراق الذي أدى اجتهاده إلى طهارته- فهو كما لو [أراقه سفهاً].
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "لا يجوز الاجتهاد في الأواني، إلا أن تكون الغلبة للطاهر؛ فنقيس على الثياب؛ فإن الاجتهاد فيها جائز، وإن كان عدد النجس فيها أكثر، وكذلك الاجتهاد في القبلة جائز، وإن كانت جهةُ الصواب فيها أقل.
وإذا استعمل أحد الإناءين بالاجتهاد، يُستحب له أن يريق الآخر، إلا أن يخاف

العطش؛ فله أن يمسك؛ ليشربه إذا اضطر إليه.
فإن لم يرقه، فله أن يصلي بالوضوء الأول، ما لم يُحدث.
فإذا أحدث؛ نُظر: إن بقي من الماء الأول شيءٌ، عليه أن يجتهد ثانياً؛ فإن أدى اجتهاده إلى طهارة الأول توضأ به، وإن أدى اجتهاده إلى طهارة الثاني لا يجوز أن يتوضأ بواحد منها؛ لأنه يصير مستعملاً للنجاسة باليقين، بل يتيمم ويصلي؛ بخلاف القبلة إذا اجتهد، وصلى إلى جهة [ثم تغير] اجتهاده في صلاةٍ أخرى إلى جهةٍ غيرها يصلي إلى الجهة الثانية؛ لأن ترك القبلة بالعذر جائزٌ، ولا يجوز الوضوء بالماء النجس بحالٍ، فإذا صلى بالتيمم يعيد؛ لأنه تيمم ومعه ماءٌ طاهرٌ.
وقيل: لا يُعيد؛ لأنه ممنوع من استعمال ما معه من الماء كما لو حال بينه وبين الماء سبعٌ صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه.
والأول أصح، ولا تجب إعادة الصلاة الأولى؛ لأنا لو أوجبنا الإعادة نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وذلك لا يجوز.
وإن لم يبق من الماء الأول شيءٌ، فلا اجتهاد عليه حتى لو غلب على ظنه بدليل أرجح من الأول؛ أن الطاهر هو الثاني، فلا ينقض الأول من غير يقين، بل يصلي بالتيمم، ولا إعادة عليه.
وقيل: إذا أدى اجتهاده إلى طهارة الثاني، يصلي بالتيمم، ويعيد؛ لأنه صلى بالتيمم، ومعه ماءٌ يعتقد طهارته.
والأول المذهب؛ لأنه ممنوع من استعماله؛ فإن تيقن أنه استعمل النجس، عليه أن يغسل ما أصابه من ذلك الماء، ويعيد الصلاة.
وإن كانت الأواني خمساً: واحد منها نجسٌ، واشتبه عليه؛ فإنه يجتهد عند كل حدثٍ حتى يستعمل منها أربعاً، ثم لا يجوز استعمال الخامس؛ فإن كان واحدٌ من الخمس طاهراً، فإذا استعمل واحداً بالاجتهاد، لا يجوز استعمال غيره؛ لأنه يصير مستعملاً للنجاسة باليقين.
فإذا اشتبه عليه إناءان؛ فانصب أحدهما قبل الاجتهاد، هل له أن يتوضأ بالثاني من غير اجتهادٍ؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه ماءٌ واحد شك في نجاسته؛ فالأصل أنه طاهر.

والثاني: لا يجوز- وهو الأصح عند العراقيين- كما في حال بقائهما، بل يجتهد، فإن أدى اجتهاده إلى طهارة القائم؛ توضأ به، وإن أدى إلى طهارة الهالك؛ صلى بالتيمم، ولا إعادة عليه.
وإذا اشتبه عليه ماءان، ومعه ماء آخر طاهر بيقين؛ فهل له الاجتهاد في الماءين المشتبهين [أم لا]؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو الأصح: يجوز.
وقيل: لا يجوز؛ لأن الطاهر باليقين؛ كالنص، ولا يجوز الاجتهاد مع وجود النص.
والأول أصح؛ لأن النص ليس في موضع الاشتباه الذي هو محل الاجتهاد.
وكذلك إذا اشتبه عليه ثوبان، ومعه ثوبٌ طاهر بيقين ومعه من الماء ما يغسلُ به أحد الثوبين، هل له الاجتهاد؟ فيه وجهان.
وكذلك إذا كان معه مزادتان في كل واحدةٍ قُلةٌ من الماء، ونجس أحدها، هل له الاجتهاد، أم يجمع بينهما حتى يتيقن الطهارة؟.
فيه وجهان.
وكذلك لو أدى اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين، ثم غسل ما أدى اجتهاده إلى نجاسته يجوز أن يصلي في كل واحدٍ منهما على أصح الوجهين.
ولو لبسهما، وصلى فيهما، يجوز؛ كما لو صلى في واحدٍ منفرداً.
وقال أبو إسحاق: "لا يجوز، وتجب الإعادةُ؛ لأنه كالثوب الواحد تيقن نجاسته، وشك في زوالها.
وهل يجوز للأعمى الاجتهاد في الأواني؟ فيه قولان: قال في رواية حرملة: "لا يجتهد كما في القبلة".
وقال في "الأمام" وهو الأصح [عند المراوزة]: "يجوز؛ لأنه يعرف النجاسة بالشم

والذوق، أو نقصانٍ يجده في أحد الإناءين، أو حركةٍ توجد فيه؛ يعرف أن الكلب شرب منه.
فإن قلنا: يجوز، فلم يجد دلالة على الأغلب عنده؛ فهل له التقليد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن من ظن من أهل الاجتهاد في شيء لم يكن له أن يقلد [فيه] كالبصير.
والثاني: يجوز؛ لأنه مما يُعرف بالبصر وبغيره، فإذا لم يغلب على ظنه ثبت أن معرفته تعلقت بالبصر، فكان كالقبلة.
وكل طعامين طاهرين نجس أحدهما، واشتبه عليه مثل إناءين من لبنٍ، أو خلٍّ، أو نحوهما؛ فله أن يتحرى فيهما؛ كالماء، ثم يحل له أكل ما أدى اجتهاده إلى طهارته، وإن كان أحدهما نجس الأصل؛ مثل إناءين: أحدهما ماء، والآخر بولٌ؛ فاشتبه عليه؛ فالمذهب أنه لا يجوز له التحري فيهما، وبه قطع العراقيون؛ لأن النجس منهما ليس له أصلٌ في الطهارة، بخلاف الماء النجس، ولكن يُصلي بالتيمم، ثم يعيد على أصح الوجهين.
وقيل: يجوز التحري فيهما كالماء الطاهر مع النجس، ولكن لا يجوز أن يأخذ [بغلبة] الظن من غير دلالة، بخلاف الماء الطاهر والنجس؛ على أحد الوجهين.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله -: يجوز التحري إذا كانت الغلبة للماء، وكذلك إذا اشتبه عليه ماءٌ مطلقٌ، وماء وردٍ؛ فالمذهب أنه لا يتحرى؛ وبه قطع العراقيون؛ لأن ماء الورد ليس له أصل في التطهر، ولكن يتوضأ بكل واحد منهما.
وقيل: هو كما لو كان أحدهما ماء مطلقاً، والآخر مستعملاً، وإن كان أحدهما ماء مطلقاً، والآخر مستعملاً؛ فهذا مبنيٌّ على أنه إذا اشتبه عليه ماءٌ طاهر ونجس، ومعه ماء طاهرٌ بيقين؛ هل له الاجتهاد، أم لا؟ إن قلنا: لا يجوز؛ لأن له سبيلاً إلى يقين الطهارة؛ فهاهنا لا يجتهد بل يتوضأ بكل واحدٍ منهما.
وإن جوَّزنا هناك، فها هنا يجتهد؛ فأيهما أدى اجتهاده إلى أنه الماء المطلق، توضأ به.
وإذا اشتبه [عليه] لبنُ بقرٍ ولبن أتانٍ، أو خمرٌ وخلٌّ، أو شاة مذكاةٌ وميتة

  • فالمذهب أنه لا يجوز له التحري فيه؛ وبه قطع العراقيون؛ كما لو اختلطت امرأة من محارمه بنساء محصوراتٍ، لا يجوز أن ينكح واحدة منهن بالاجتهاد.
    وقيل: يجوز أن يطعم واحداً بالاجتهاد؛ لأن الميتة تُباح عند الضرورة، أما إذا اختلطت امرأةٌ من محارمه بنساء غير محصوراتٍ- جاز له أن ينكح واحدةً منهن، حتى لا يؤدي إلى سد باب النكاح عليه؛ بخلاف ما لو اختلطت زوجته بأجانب، لا يجوز وطء واحدة منهن بالاجتهاد؛ لأنه لم يستبح الوطء بالاجتهاد، وها هنا يستباح بالعقد.
    ولو اختلطت شاةٌ له بشاءِ الغير، أو حمامةٌ بحمام الغير، له أن يأخذ واحدة منها بالاجتهاد، ثم إن نازعه من في يده؛ فالقول قول صاحب اليد.
    ولو نجس موضعٌ من بدنه أو ثوبه، وخفي عليه، يجب عليه غسل جميع بدنه، ولا يجوز غسلُ موضعٍ منه بالتحري لأنا تيقنا حصول النجاسة فيه؛ فلا يزول إلا باليقين، بخلاف ما لو نجس أحد الشيئين؛ لأنه إذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحدهما، رده إلى الأصل، فلو أصاب يده المبتلة بعض ذلك الثوب، لا يجب غسل اليد؛ لأنا لم نتيقن أن يده أصابت محل النجاسة.
    ولو شق الثوب نصفين لا يجوز التحري؛ لاحتمال أن يكون الشق في محل النجاسة؛ فتكون القطعتان نجستين؛ ولو نجس أحد كُميه، أو إحدى يديه، أو إحدى أصبعين؛ هل يجوز له التحري؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كالثوبين؛ قاله ابن سُريج.
    والثاني - وهو الأصح-: لا يجوز؛ لأنه شيء واحد، كما لو نجس موضع من الثوب وأشكل.
    ولو فصل أحد الكمين من القميص، يجوز التحري بالاتفاق؛ كالثوبين.

ولو نجس مكان في صحراء، واشتبه يتحرى.
ولو نجس مكان من بيتٍ أو بساط، واشتبه عليه: قيل: له الاجتهاد، فيصلي على الموضع الذي أدى اجتهاده إلى طهارته، ويتيمم من الموضع الذي أدى اجتهاده إلى طهارته من الأرض؛ كالصحراء، أو كالبيتين نجس أحدهما.
وقيل: لا يجوز التحري، وهذا أصح؛ كالثوب الواحد ينجس موضع منه.
ومن رأى ماءً قليلاً في إناءٍ أو وهدةٍ، وشك في طهارته- يجوز التطهر به، وإن وجده شديد التغير؛ لاحتمال أن يكون تغيره لطول المكث، والأصل طهارته.
ولو بالت ظبيةٌ في ماء بلغ قلتين، فوجد منه طعم البول، أو ريحه، وشك أن تغيره منه، أو من شيءٍ آخر- فهو نجسٌ.
نص عليه من أصحابنا من قال بنجاسته على الإطلاق؛ وإليه ذهب صاحب "التلخيص".
ومنهم من قال: "صورته: أن يكون رأي الماء قبل البول غير متغير، ثم رآه عقيبه متغيراً؛ فإن لم يكن رآه قبل بول الظبية، أو بعد العهد بين رؤيته، وبين بول الظبية- فهو على طهارته.
وإن ورد على ماءٍ؛ فأخبره عدلٌ بنجاسته- يجب قبول قوله؛ رجلاً كان أو امرأة؛ حراً كان أو عبداً؛ لأن خبر هؤلاء مقبولٌ.
ثم إن كان المخبر عالماً يعتقد مذهبه، لا يجب أن يستفسره، وإلا فيجب؛ لأنه قد يكون ممن يرى نجاسة سؤر السباع.
ولا يقبل فيه قول كافرٍ، ولا فاسقٍ، ولا صبيٍّ صغيرٍ، ولا مجنون.
وإن أخبر مُراهق، فيه وجهان عند المراوزة: الأصح: يُقبل.
ولو أخبره أعمى، يقبل قوله.
ولو أخبره عدلٌ بطهارته، وعدلٌ بنجاسته: قال شيخنا الإمام إمام الأئمة: يُحكم بنجاسته؛ لأن عند من يخبر بالنجاسة زيادة علم.

وإذا اشتبه عليه إناءان؛ فأخبره عدل بنجاسة أحدهما بعينه، يأخذ بقوله.
وإن أخبره عدلٌ [بنجاسة أحدهما] لا بعينه، له أن يجتهد.
وإن أخبره عدل؛ بأن الكلب ولغ في هذا دون ذاك، وأخبره آخر؛ أن الكلب ولغ في ذاك دون هذا، يحكم بنجاستهما؛ لاحتمال أنه ولغ فيهما في وقتين.
وإن أضافا إلى وقت معين؛ بأن قال أحدهما: ولغ في هذا دون ذاك في وقت كذا، وقال الآخر: ولغ في ذاك دون هذا في ذلك الوقت.
قال الإمام إمام الأئمة: سبيله الاجتهاد؛ لأن النجاسة حقيقة في أحدهما لا بعينه.
فَصْلٌ في المَاء المُسْتَعْمَل روي عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالاً أخذ وضوء

رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء؛ فمن أصاب منه شيئاً يمسح به، ومن لم يصب [منه شيئاً] أخذ من بلل يد صاحبه.
الماء المستعمل في الوضوء والغسل طاهرٌ غير مطهر، لا يزال به الحدث ولا الخبث، وليس بنجسٍ؛ لأنه ماء طاهرٌ لاقى محلاً طاهراً؛ كما لو غسل به ثوباً طاهراً.
وقال الحسن، والزهري، والنخعي، ومالك: "هو مطهر، أما ما انفصل عن أعضاء المتوضئ في الغسلة الثانية والثالثة، وفي المضمضة والاستنشاق، وتجديد الوضوء، والمستعمل في غسل الجمعة والعيدين- مطهر على أصح الوجهين؛ لأنه لم يرفع حدثاً، ولا خبثاً؛ كالمنفصل في الغسلة الرابعة.
وكما لو غسل به ثوباً طاهراً، أو استعمله للتبرد والتنظف - يكون مطهراً، وكذلك لو غسل ثوباً عن نجاسةٍ، وطهر بغسلة واحدة، يستحب أن يغسله ثلاثاً، والمنفصل في المرة الثانية، والثالثة مطهر على الأصح.
وفيما اغتسلت به الذمية من الحيض وجهان: أحدهما: طهور؛ كالماء الذي توضأت به الكافرة.
والثاني: غير طهور؛ لأن غسلها صحيح؛ لغشيان الزوج، ووضوءها لا يصح.
قال الإمام إمام الأئمة: "وما توضأ به الصبي غير طهورٍ؛ لأنه يجوز أن يصلي [بذلك الوضوء] إذا بلغ".
ولا يحكم باستعمال الماء ما لم ينفصل عن محل الغسل، ولو جمع الماء المستعمل ح تى بلغ قلتين- عاد مطهراً؛ على أصح الوجهين؛ كالمياه النجسة إذا جمعت حتى بلغت قلتين.

وقيل: لا يعود مطهراً [لأن كل ماء طاهر] لا يجوز التطهر به عند القلة، فلا يجوز عند الكثرة؛ كماء الورد.
فأما الماء المستعمل في غسل النجاسة يكون حكمه حكم المحل بعد انفصال الماء عنه.
وسيذكر إن شاء الله في فصل غسل النجاسات.
باب الأواني وتطهير النجاسات روي عن ابن عباس؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" كل حيوان (لا تؤكل ميتته) ينجس بالموت، إلا الآدمي، [فإنه] لا ينجس بالموت؛ على أصح القولين.
وكل حيوان ينجس بالموت يطهر جلده بالدباغ؛ وهو ما سوى الكلب والخنزير؛ وهو قول عليِّ، وابن مسعود.
وأما الكلب والخنزير وما تولد منهما، أو من أحدهما- فلا يطهر جلدهما بالدباغ؛ لأن تأثير الدباغ في دفع نجاسته حصلت بالموت، والكلب والخنزير نجسان في حال الحياة؛

فلا يؤثر الدباغ في تطهير جلدهما.
وقال أبو حنيفة: "يطهر جلد الكلب بالدباغ.
وقال الأوزاعي، وابن المبارك، وأبو ثور: "لا يطهر إلا جلد ما يؤكل لحمه، ويروى ذلك عن عمر رضي الله عنه.
والدباغ إنما يحصل بما تدبغ به القرب من: القرظ والشب، أو ما يقوم مقامهما من: العفص وقشور الرمان، ونحوها من دواء فيه عفوصةٌ ينشف فضول الجلد، ويزيل ذهومته، ويحوله من طبع اللحوم إلى طبع الثياب؛ بحيث لا يفسد.
والتجفيف بالتراب والشمس لا يكون دباغاً؛ خلافاً لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث جعله دباغاً، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، حتى تجوز الصلاة عليه ومعه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة.
قالت سودة - رضي الله عنها -: ماتت لنا شاةٌ، فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننبذ

فيها حتى صار شناً.
وما تناثر من الأدوية عن الجلد في الدباغ نجس، فإذا دبغ الجلد لا يجب غسله بالماء بعده؛ على أصح الوجهين؛ لأنه طهارة تحصل بالانقلاب؛ فلا يفتقر إلى الماء؛ كالخمر إذا تخللت.
ويحكم بطهارة ما تشرب الجلد من الأدوية؛ كالخمر إذا تخلل، يحكم بطهارة أجزاء الدن.
وقيل: يجب غسله بالماء بعد الدباغ.
ولو دبغ الجلد بدواء نجس، يندبغ، ويجب غسله بالماء؛ لأن نجاسة الدواء نجاسةٌ أجنبية لم تحصل من مجاورة الجلد؛ فلا تزول بانقلاب الجلد؛ كالخمر إذا وقعت فيها نجاسةٌ أجنبية، لا تطهر بالانقلاب.
ويجوز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بشاةٍ ميتةٍ لمولاة ميمونة فقال: "هلا أخذتم إهابها؛ فدبغتموه، فانتفعتم به".
فقالوا: إنها ميتة.
فقال عليه السلام: "إنما حرم أكلها".

ولا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ، ويجوز بعد الدباغ؛ على القول الجديد، وهو الأصح؛ لأنه جلد طاهر كجلد المذكاة.
وقال في القديم: "لا يجوز بيعه؛ لأن الأصل تحريم الميتة؛ غير أن الشرع أباح الانتفاع بجلدها بعد الدباغ، فلا تتعدى الإباحة منه، وهل يحل أكله بعد الدباغ؟ نظر: إن كان جلد ما لا يؤكل لحمه لا يحل؛ لأن الذكاة لا تبيحه، فلا يبيحه الدباغ.
فإن كان جِلْد ما يؤكل لحمه، ففيه قولان: أحدهما: يحل أكله؛ لأنه جلدٌ طاهر كجلد المذكاة.
والثاني قديماً: لا يحل؛ لقوله - عليه السلام-: "إنما حرم أكلها".
ومن قال بالأول قال: أراد به أكل ما يؤكل جنسه؛ وهو اللحم.
فصلٌ قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.... الآية﴾ [يس: 78، 79]. الصوف، والشعر، والريش، والسن، والقرنُ، والعظم - فيها حياة تموت بموت الحيوان، وتنجس بنجاسة الأصل، ولا تطهر بالدباغ، حتى لو دبغ جلد ميته، وعليه شعرٌ يطهر الجلد، ولا يطهر الشعر.
وهذا هو المذهب.
وحكى الربيع بن سليمان الجيزي [قولاً] أن الشعر يطهر تبعاً للجلد، وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه-: لا حياة في شيء من هذه الأشياء، ولا ينجس بموت الحيوان.
والآية حجة عليه في العظم.
وقال مالك: "في العظم حياة، ولا حياة في الشعر".
وقيل: للشافعي - رضي الله عنه- قول مثله، فعلى هذا شعور جميع الحيوانات طاهرة في جميع الأحوال، إلا شعر الكلب والخنزير، وما تولد من أحدهما؛ فإنه نجس في عموم الأحوال.

فإن قلنا بالمذهب الصحيح: إن في الشعر حياةً؛ فشعور جميع الحيوانات طاهرة في حال حياتها.
كعينها إلا في الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما.
فإذا انفصل شعر الحيوان عنه في حياته، أو انفصل ريش الطائر، نظر: إن كان غير مأكول اللحم؛ فهو نجس إلا شعر الآدمي فإنه طاهر في عموم الأحوال؛ لكرامته على ظاهر المذهب.
وقيل في نجاسة شعر الآدمي بعد الانفصال عنه: قولان؛ بناءً على نجاسة بدنه بالموت.
فإن قلنا بنجاسته، فإذا سقطت منه شعرةٌ أو شعرتان؛ فصلى فيها، أو سقطت في ماء وضوء يعفى عنها؛ لقلتها، وتعذر الاحتراز عنه، فإن كثرت لم يُعف عنه؛ كدم البرغوث.
والأول أصح: أن شعر الآدمي طاهرٌ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق شعره، ناوله أبا طلحة؛ حتى قسمه بين أصحابه.
وحكى إبراهيم البلدي، عن المزني؛ أن الشافعي- رضي الله عنه - رجع عن تنجيس شعر الآدمي.

قيل: رجع عن تنجيس شعر الآدمي خاصة؛ لكرامته؛ كما حكم بطهارة لبنه مع تحريم أكل لحمه.
وقيل: "رجع عن تنجيس جميع الشعور، سوى الكلب والخنزير؛ كما صح عنده أن لا حياة فيها.
فأما إذا انفصل عن حيوانٍ يؤكل لحمه شعره، أو ريشةٌ في حياته - فهو طاهر، سواء جُز، أو نتف، أو سقط - وإذا انفصل من الحيوان - سنه أو ظفره أو قرنه - يكون نجساً؛ سواءً انفصل عما يؤكل لحمه، أو لا يؤكل، إلا من الآدمي؛ فإن حكمه إذا انفصل عن حكم ميته فأما ما يؤكل لحم ميتته؛ كالسمك والجراد، فإذا انفصل عظمٌ منه، أو جزء في حياته؛ فهو طاهر كميتته.
وإذا انقطع جناح طائر مأكول اللحم في حياته فما عليه من الشعر نجس (تبعاً لميته).
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: شعور جميع الحيوانات [وعظمها] طاهرة في جميع الأحوال إلا من الخنزير؛ فيقول: جزء من الميتة؛ فيكون في حكم الأصل كسائر الأجزاء، فإذا ذبح حيوان يؤكل لحمه؛ فشعره وعظمه وجلده بعد الذكاة طاهر؛ كلحمه، وما لا يؤكل لحمه فذكاته كمؤته.
وعند أبي حنيفة ومالك - رحمهما الله -: جلد ما لا يؤكل لحمه بعد الذكاة طاهر؛ كما بعد الدباغ؛ فيقول: الذكاة وضعت لإباحة اللحم، فإذا لم تفد هذه الذكاة إباحة اللحم، لا تفيد طهارة الجلد؛ كذكاة المجوسي.
فصلٌ في استعمال النجاسات روي عن عبد الله بن عكيم قال: "أتانا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "ألا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ، ولا عصب".

قيل: الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ.
وفي إسناد الحديث ضعفٌ.
واختلف نصوص الشافعي - رحمه الله - في استعمال النجاسات: فقال هاهنا: ولا يدهن في عظم.
قيل: منع من استعمال الدهن في عظم الفيل؛ لأنه نجسٌ بملاقاةِ عظم الفيل.

وقال في الصلاة: "ولا يصل ما انكسر من عظمه، إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكياً".
وقال في موضع: "ولا تدهن السفن بشحوم الخنازير".
فهذه النصوص [تدل على] أنه لا يجوز استعمالها.
وقال في صلاة الخوف: "ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير؛ من جلد قردٍ، أو فيل".
وقال في موضع: "لو عجن بماء نجس، أطعم نواضحه وكلابه".
وقال: "ويزيل الأرض بالسماد".
وقال: "لا بأس أن يوقد بعظم الميتة".
وقال: "ويسجر التنور بالعذرة".
وهذه النصوص تدل على جواز استعمالها.
وقال في موضع: "ولا يحل أكل زيتٍ ماتت فيه فأرة.
وفي استصباحه قولان.
فمن أصحابنا من جعل في استعمال النجاسات قولين: أحدهما: لا يجوز؛ لأنها محرمةٌ.
والثاني: يجوز؛ كما يجوز لبس ثوب أصابته نجاسة، والتحريم في الأكل.
والصحيح من المذهب التفصيلُ؛ وهو أنه لا يجوز استعمال شيءٍ منها في بدنه، ولا في ثياب بدنه.
والحديث محمولٌ على هذه المواضع، إلا عند الضرورة؛ وهو أن يخاف على نفسه من حرٍ أو بردٍ، ولم يجد إلا جلد خنزيرٍ، أو ميتة فليلبسه؛ كما يأكل الميتة إذا خاف الهلاك من الجوع.
وأما استعمالها في غير بدنه من دوابه أو غيرها؛ نظر: إن كانت النجاسة مغلظةً، وهي نجاسة الكلب والخنزير- فلا يجوز.
وإن كانت مخففة يجوز.
وعلى هذا التفصيل تخرج النصوص كلها.
وفي الاستصباح بالزيت النجس قولان: أصحهما: يجوز؛ لأنه لا يستعمل في بدنه.

والثاني: لا يجوز؛ لأن السراج يقرب من الإنسان، فلا يؤمن أن يصيب بدنه أو ثيابه.
وإذا انكسر عظمٌ من عظامه؛ فجبره بعظمٍ طاهر - يجوز، ولو جبره بعظم نجس، ينزع إن كان لا يخاف هلاك نفسه، ولا تلف عضوه، وإن لحقه أذى.
فإن لم ينزع أجبره السلطان على نزعه، سواء اكتسى اللحم، أو لم يكتس.
فإن مات، لم ينزع؛ لأن التكليف سقط بالموت.
هذا هو المذهب.
فإن كان يخاف من النزع تلف نفسه، أو عضوه- لا ينزع؛ لأن إبقاء الروح بالشيء النجس جائز؛ كما يباح أكل الميتة عند الضرورة.
وقيل: ينزع؛ لأنه حصل بفعله.
والأول المذهب.
وكذلك يجوز أن يرقعه بعظمٍ نجسٍ، إذا لم يجد عظماً طاهراً، وخاف التلف.
ولو داوى جرحه بدواءٍ نجس، أو فتح موضعاً من بدنه، وجعل فيه دماً والتحم، أو خاط بخيطٍ نجس- فكالعظم يجب إخراجه.
وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: "إن اكتسى العظم لحماً، لا ينزع؛ كما لو شرب نجساً، لا يكلف أن يتقيأ.
ومن أصحابنا من قال: يجب أن يتقيأ والمنصوص في صلاة الخوف أنه كالعظم.
وقيل: لا يجب؛ لأنه صار.
[في معدن] النجاسة.
ولو وصلت المرأة شعرها بشعرٍ نجس، يقطع، ولا تصح صلاتها ما دام معها.
ولو وصلت بشعر طاهر، تصح صلاتها فيه.
وهل يجوز فعله أم لا؟ نظر: إن وصلت بشعرٍ آدمي، لا يجوز؛ لأن من كرامة الآدمي ألا ينتفع بشيءٍ منه بعد موته، بل يدفن؛ ولأنها إن وصلت بشعر رجلٍ، لا يجوز لها النظر إليه إن لم يكن محرماً.
وإن وصلت بشعر امرأة، لا يجوز لزوجها النظر إليه، وإن كان بشعر حيوان فلا يجوز لغير ذات الزوج، ولا لذات الزوج بغير إذن زوجها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- لعن الواصلة والمستوصلة؛ ولأنها بهذا الفعل تغر زوجها.

وإن فعلت بإذن الزوج، فوجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لظاهر الحديث.
والثاني: يجوز؛ لأنه زينةٌ، والزينة جائزة لها؛ لاستمالة قلب الزوج، وكذلك تغمير الوجه، والخضاب بالسواد.
وتطريف الأصابع لا يجوز لها بغير إذن الزوج، وبإذنه وجهان عند إمام الأئمة، وعند شيخنا: الأصح لا يجوز.
أما الخضاب بالحناء فمستحبٌ لها.
فصلٌ في بيان النجاسات روي عن عبد الله بن مسعود في الاستنجاء؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يأتي بثلاثة أحجارٍ قال: "فأتيته بحجرين وروثةٍ؛ فألقى الروثة وقال: "إنها ركسٌ".
بول جميع الحيوانات، ودمها، وروثها، وقيؤها نجس، وكذلك ذرق الطيور كلها؛ سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم.

جارٍ التحميل