التهذيب في فقه الإمام الشافعيكتاب الضحايا

قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، قال عكرمة وعطاء: فصل لربك صلاة العيد، وانحر نسكك.
الأضحية: سنة مستحبة، وهي اسم للنعم التي تذبح يوم الأضحى، وثوابها جزيل؛ روي عن عائشة- رضي الله عنها-؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم؛ إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً".
وروي عن أنس؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين؛ يطأ على صفاحهما ويذبحهما بيده، وييقول: "باسم الله والله أكبر".

وليست الأضحية بواجبة؛ لما روي أن أبا بكر وعمر- رضي الله عنهما- كانا لا يضحيان؛ كراهية أن يرى أنها واجبة، وعند أبي حنيفة: هي واجبة على كل مقيم ملك نصاباً من أحد النقدين أن يضحي عن نفسه، وعمن يلزمه نفقته.
ويستحب لمن أراد الأضحية؛ إذا دخل عشر من ذي الحجة.
لما روي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل العشر، فأراد أحدكم أن يضحي- فلا يمس من شعره ولا من [بشره شيئاً] ". ولا تجوز الأضحية إلا من النعم، وهي: الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: {لِيَذْكُرُوا

اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}، ولا يجوز من الإبل والبقر والغنم دون الثنية، والثني من الإبل: ما استكمل خمس سنين، وطعن في السادسة ومن البقر والمعز: ما طعن في الثالثة، وتجوز من الضأن الجذعة، وهي التي استكملت سنة، وطعنت في الثانية، وأجذعت سناً من قبل، وتجوز فوق الثنية، ويجوز فيها الذكر والأنثى؛ كما في العقيقة ويستحب أن يختار أعظمها وأسمنها وأحسنها؛ فالبعير أحب إلينا من البقر، والبقر أحب إلينا من الغنم؛ لأنهما أكثر لحماً، والضأن أحب إلينا من المعز؛ [لأن لحمه أطيب] والعفراء أحب إلينا من السوداء لأنها أحسن؛ قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: 32] هو استسمان الهدي واستحسانه وإذا ضحى بشاة- فهو أفضل من أن [يشارك ستة في بدنة أو بقرة، وكذلك لو ضحى بسبع شياه- فهو أفضل من أن] يضحي ببدنة أو ببقرة؛ لأن- لحم الشاة أطيب، وعدد إراقة الدم أكثر، وقيل: إن البدنة والبقرة أولى من سبع شياه، لأن اللحم فيها أكثر، فلو ضحى بشاة واحدة سمينة كان أفضل من شاتين دونهما في السمن، قال الشافعي- رضي الله عنه- في الأضحية: استكثار القيمة مع استقلال العدد- أحب إلي من استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفي

العتق: استكثار العدد مع استقلال القيمة-[أحب إلي من استكثار القيمة مع استقلال العدد]؛ لأن المقصود من الأضحية: اللحم ولحم السمين أوفر وأطيب، والمقصود من العتق: تكمل حال الشخص وتخليصه عن ذل الرق؛ فتخليصه لجماعة من الذل أفضل من تخليص واحد.
ويشترط أن تكون الأضحية سليمة من العيوب، وهو كل عيب يضر باللحم؛ روي عن البراء بن عازب؛ ان النبي- صلى الله عليه وسلم- سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده، وقال: أربعاً، وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصرم ن يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "العرجاء البين ظلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تتقي" وإنما قال: "البين ظلعها [كالعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها]؛ لأنه إذا كان به أدنى عرج أو عمش أو عجف أو مرض- يجوز، ولا تجوز مقطوعة [شيء من] الأذن، وإن قل؛ لأن فيه نقصان اللحم، ولا مقطوعة الذنب؛ روي عن علي- رضي الله عنه- قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء" قيل لأن فيه نقصان اللحم "ولا مقطوعة الذنب، ولا الخرقاء".

قوله: "نستشرف العين والأذن" يعني أي نضحي بواسع العينين- طويل الأذنين، والمقابلة: ما قطع طرف أذنها؛ والمدابرة: ما قطع جانب منها، والشرقاء: مشقوقة الأذن، والخرقاء: مثقوبة الأذن.
وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: إن قطع من أذنه أقل من الثلث- يجوز.
وقال أبو يوسف يجوز مقطوع نصف الأذن، وهل يجوز مشقوق الأذن ومثقوبة والموسوم؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه ليس فيه نقصان.
والثاني: لا يجوز؛ لأن موضع الشق، والوسم يتصلب؛ فلا يمكن أكله؛ فكان كالمقطوع، ولو ضحى بشاة لم يخلق لها أذن أو آلية، أو بعير لم يخلق له ذنب- لا يجوز؛ كما لو كان مقطوع هذه الأعضاء، فإن كانت لها أذن صغيرة أو آلية صغيرة [أو ذنب

صغير] جاز، وإن لم يكن لها ضرع أو كانت يابسة الضرع- يجوز؛ لأن العجل يجوز، ولا ضرع له، وفي مقطوعة الضرع وجهان.
قال الشيخ- رحمه الله- ينبغي ألا يجوز؛ كمقطوعة الآلية ويجوز الخصي والموجوء؛ فإنه روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ضحى بكبشين أملحين موجوءين ولأن لحمه يكون أطيب، والخصيبة لا تؤكل؛ ولا تجوز منتثرة الأسنان، ويجوز مكسور سن أو سنين، وتجوز الجلحاء، والتي لا قرن لها، ومكسور القرن دمي أو لم يدم، وقال مالك- رحمه الله- إن دمي- لم يجز، ولا تجوز التولاء، وهي المجنونة، ولا الجرباء؛ لأن الجرب يفسد اللحم.
ووقت الأضحية، إنما يدخل إذا ارتفعت الشمس يوم النحر قيد رمح، ومضى بعده قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين؛ فمن ذبح قبله- فهو لحم قدمها لأهله- لا يحسب من الأضحية؛ روي عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من ذبح قبل الصلاة فإنما [يذبح] لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين".
وإذا ذبح بعد هذا الوقت- يحسب؛ سواء صلى الإمام أو لم يصل؛ لا فرق فيه بين أهل البلد وأهل السواد، وبين المسافر والمقيم، ويمتد وقته إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق ويجوز في ليالي أيام التشريق.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأهل البلد الذبح ما لم يفرغ الإمام من صلاة العيد، فإن ل م يصل- فحتى نزول الشمس، وأما أهل السواد والمسافرون- قال: جاز لهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر من يوم النحر، وعنده: وقته يوم النحر ويومان بعده، وعند مالك: لا يجوز الذبح في ليالي التشريق.
ويستحب أن يذبح أضحيته بيده؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ذبح بيده، فإن عجز- أمر غيره بذبحه، والأولى: أن يجعله إلى مسلم؛ فإن جعله إلى امرأة حائض أو نفساء يجوز، وهي أولى من الكتابي، فإن أمر به كتابياً- جاز، وإذا جعله إلى غيره- يستحب أن يشهده؛ فإنه روي عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة- رضي الله عنها-: "قومي إلى أضحيتك؛ فاشهديها؛ فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك".

ويذبح بسكين حاد؛ لما روي عن شداد بن أوس؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله كتب عليكم الإحسان في كل شيء؛ فإذا قتلتم- فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم- فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته".
والسنة: أن ينحر البعير قائماً على ثلاث معقولاً ركبته، فإن لم يمكن، فباركاً، وتضطجع البقرة والشاة على جنبها الأيسر، وتشد قوائمها الثلاث، وتترك رجلها اليمنى.
وتوجه الذبيحة إلى القبلة حالة الذبح، قيل: يوجه مذبحها، وقيل: جميع بدنها ويسمي الله عز وجل، ويقول: "اللهم منك وإليك؛ فتقبل مني"، بعني"، يعني: هذه نعمة منك وسقتها إليك، ولو صلى على النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكره.
وعند أبي حنيفة: يكره.
وإذا ذبح- يكره أن يبين رأسه حالة الذبح، وأن يبالغ في القطع؛ حتى يبلغ النخاع، بل بعد قطع الحلقوم والمرئ.
يتركه حتى تفارق الروح، ولا يسلخه ما لم يسكن، وروي عن عمر رضي الله عنه- أنه قال: "لا تعجلوا الأنفس أن تزهق، ونهى عن النخع".
ولو نذر رجل أضحية معينة لله، فقال: "علي أن أضحي بهذه البدنة، أو هذه الشاة"- يصح ويزول ملكه عنها، ولا يجوز له بيعها، ويجب أن يذبحها يوم النحر، أو في أيام التشريق؛ فلو هلك قبل يوم النحر- فلا شيء عليه، ولو أهلكها- يجب عليه أن يشتري

بقيمتها مثلها؛ فيذبحها يوم النحر، [ولو ذبحها قبل يوم النحر- عليه أن يتصدق بلحمها، وعليه بدلها، يذبحها يوم النحرن ولو تعيبت قبل يوم النحر- ذبحها يوم النحر]، ولا شيء عليه، ولو نذر أضحية في ذمته، ثم عين في واحدة فقال: "لله علي أن أضحي بهذه عما في ذمتي"، فكذلك يلزمه أن يذبحها يوم النحر أو أيام التشريق، فإن تلفت المعيبة قبل يوم النحر- فالأصل في ذمته، وإن تعينت قبل يوم النحر- له أن يتملكها، والأصل في ذمته، وقد ذكرناها في آخر كتاب الحج بعون الله عز وجل.
وتشترط النية في الأضحية، فإن لم يكن عين من قبل- يجب أن ينوي حالة الذبح، وإن كان قد نذر معيناً أو عين عما في الذمة- فهل يحتاج إلى النية حالة الذبح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحتاج، ويكفيه النية السابقة.
والثاني: يحتاج؛ لأن الأولى كانت للتعيين لا للذبح.
وإن وكل بالذبح، فينوي عند الدفع إلى الوكيل، أو حين يذبح الوكيل.
ولو ولدت الأضحية الواجبة؛ سواء كانت معينة أو عينها عما في الذمة- يجب أن يذبح معها ولدها، وله أن يشرب من لبنها [بعد] ما فضل عن ري ولدها، وله أن يأكل من أضحية التطوع، وكم يأكل؟ فيه قولان: أحدهما: النصف؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28].
والثاني- وهو الأصح-: الثلث؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]، جعلها لثلاثة.
وإذا تصدق بقليل منها، وأكل الباقي- جاز.
أما المنذورة- هل يجوز أن يأكل منها؟ فيه قولان: إن قلنا: مطلق النذر يحمل على أقل إيجاب الله تعالى- لا يجوز؛ وإلا - فيجوز، وإن جوزنا الأكل

-[فكم يأكل]؟ فعلى القولين.

ولا يجوز للعبد ولا المدبر ولا أم الولد- التضحية؛ لأنه لا ملك لهم؛ فإن أذن له سيده [فيه]-

جاز، وتقع عن السيد، ولا يجوز للمكاتب أن يضحي بغير إذن السيد،

وهل يجوز بإذنه؟ فعلى قولين؛ بناءً على أن تبرعاته بإذن المولى- هل تنفذ؟ فيه قولان.
ولو ضحى عن الغير بغير أمره- لا يجوز عنه، وكذلك عن ميت إلا أن يكون قد أوصى به، والله أعلم.
باب العقيقة روي [عن الحسن] عن سمرة.
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "الغلام مرتهن لعقيقته؛ تذبح عنه يوم السابع، ويسمى ويحلق رأسه"، وعن أم كرز قالت: سمعت

النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، ولا يضركم ذكراناً كن أو إناثاً".

العقيقة: سنة، وهو اسم لما يذبح عن المولود، وعند أبي حنيفة: هي بدعة، لما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم - سئل عن العقيقة، فقال: "لا نحب العقوق"، والمراد من الحديث: أنه

كره تسميتها بهذا الاسم، بل تسميتها: "نسيكة" أو "ذبيحة" كما نهى عن تسمية صلاة العشاء: "عتمة"؛ فقد روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه عق عن الحسن والحسين.

والمستحب: أن يعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة، وكان الحسن وقتادة لا يريان عن الجارية عقيقة، وعن ابن عمر: يعق عن كل واحدة بشاة، وبه قال مالك.
والشاة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز سليمة من العيوب؛ كما في الأضحية.
ويذبحها يوم السابع من ولادة المولود، فإن ذبح قبله- يجوز؛ لأن السبب موجود، وهو الولادة، ويجوز أن يأكل منها، ويتصدق، ولا يجوز أن يبيع شيئاً منها؛ لأنه ذبحها قربة إلى الله تعالى؛ كالأضحية.
ويستحب ألا يتصدق بلحمها نياً؛ بل يطبخه، ويبعث إلى المساكين بالصحائف، ولو دعا إليه قوماً- جاز ولا يكسر عظامها؛ تفاؤلاً بسلامة أعضائه؛ بل يفصل مفاصلها؛ قال الشافعي- رضي الله عنه-: "ويطبخها بحموضة"؛ لعله ذهب إلى قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "نعم الإدام الخل"، وقيل: لا يطبخها بحموضة؛ تفاؤلاً بحلاوة أخلاقه،

ويستحب أن يحلق رأس الصبي بعد ذبح العقيقة، ويكره أن يحلق بعضه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى عن القزع، ويلطخ رأسه بالزعفران، ويكره أن يلطخ بدم العقيقة وكان ذلك من عادة أهل الجاهلية، وإذا حلق رأسه- يستحب أن يتصدق بزنة شعره ذهباً أو ورقاً؛ روي أن فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزنت شعر الحسن والحسين- رضي الله عنهم- وزينب وأم كلثوم فتصدقت بزنته فضة.
ومن ولد له مولود- يستحب أن يؤذن في أذنه؛ روي عن أبي رافع قال: رأيت النبي- صلى الله عليه وسلم - أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة، وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يؤذن في اليمنى، ويقيم في اليسرى؛ [إذا ولد له صبي.

ويستحب أن يحنك المولود]، وهو أن يمضغ التمر فيدلك بحنك الصبي داخل فمه؛ روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم، ويحنكهم".
ويستحب أن يسمى يوم السابع؛ قال الشيخ- رحمه الله-: فإن سمى قبله- يجوز؛ لما روي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم"، ويستحب تسمية السقط؛ لحديث جاء فيه.

بسم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل