قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] وروي عن عائشة قالت: كانوا يصومون يوم عاشوراء قبل أن يُفرض
رمضان، فلما فرض الله رمضان، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه".
صوم رمضان فريضة على كل مسلم مكلف مقيم قادر طاهر، وهو أحد أركان الإسلام، وكان صوم يوم عاشوراء واجباً؛ فنسخ بصوم شهر رمضان؛ وحين نزل صوم شهر رمضان، جعل الله القادر مخيراً بين أن يصوم، وبين أن يفطر، ويفتدي.
وقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 185] وذهب ابن عباس إلى أن الآية غير منسوخة؛ وهي في الشيخ الكبير الذي لا يستطيع، يفطر ويفدي، وكان يقرأ:
"وعلى الذين يطوقونه فدية" أي: يكلفون الصوم، ولا يطيقونه؛ فعليهم الفدية.
ولا يصح الصوم إلا بالنية؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-:"إنما الأعمال بالنيات" ولأنه عبادة، فتفتقر إلى النية؛ كسائر العبادات.
ثم إن كان الصوم فرضاً، فلا يصح إلا بنية من الليل قبل طلوع الفجر؛ سواء كان صوم رمضان، أو صوم نذر، أو كفارة.
وعند أبي حنيفة: يصح صوم رمضان، والنذر المعين بنية من النهار قبل الزوال.
والحجة عليه: ما روي عن حفصة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له".
ولأنه صوم مفروض، فأشبه صوم القضاء والفارة.
ولو نوى مع طلوع الفجر، فوجهان:
الأصح: لا يجوز؛ لأن طلوع الفجر أسرع من نيته؛ فيقع جزء من النية بالنهار.
وأما صوم التطوع يجوز بنية من النهار قبل الزوال؛ لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كان يدخل على أزواجه فيقول: "هل من غداء"؟ فإن قالوا: لا، قال: إني صائم".
وقال المزني: لا يجوز صوم النفل إلا بنية من الليل.
والحديث حجة عليه، ولأنحكم النفل أخف من حكم الفرض؛ ألا ترى أن [أداء] صلاة النفل تجوز قاعداً مع القدرة على القيام، ولا يجوز أداء الفرض قاعداً؛ مع القدرة على القيام.
ولو نوى صوم التطوع بعد الزوال، لايصح، وروى حرملة قولاً: أنه يجوز؛ لأنه تطوع؛ فمن شاء زاد، ومن شاء نقص.
والمذهب الأول؛ لأنه قد فات معظم النهار؛
كالمسبوق إذا أدرك الإمام بعد ما رفع رأسه من الركوع، لا يكون مدركاً للركعة؛ لأنه فاته معظم الركعة.
وإذا نوى صوم التطوع بالنهار، رفعن أي وقت يصير صائماً؟ فيه وجهان:
أحدهما: من وقت النية؛ لأن العبادة لا تسبق النية.
والثاني- وعليه الأكثرون -: من أول النهار؛ لأن صوم بعض النهار لا يصح.
وعلى الوجهين جميعاً إن كان قد جامع في أول النهار ثم نوى، لا يصح صومه؛ لأن الإمساك من أول النهار شرط.
فإن جعلناه صائماً من وقت النية؛ كصلاة الجمعة انعقادها بالشروع فيها، ويشترط تقدم الخطبة عليها؛ ليصح شروعه في الصلاة.
ولا يصح نية صوم الغد قبل غروب الشمس، وبعده يجوز في جميع الليل؛ بخلاف الصلا يشترط أن يقرن النية بالتكبير؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، والشروع في الصوم يحصل بطلوع الفجر، ويشق عليه مراعاة طلوع الفجر؛ حتى يقرن به النية.
ولو نوى بالليل، ثم أكل بعده، أو شربن أو جامع - لا تبطل نيته؛ لأن هذه الأفعال تُضاد الصوم، ولاتضاد النية.
ويجب أن ينوي في كل ليلة من رمضان صوم الغد، وكذلك في الكفارة.
وعند مالك: لو نوى في الليلة الأولى صوم جميع الشهر، أو في الكفارة نوى في الليلة الأولى صوم الشهرين - جاز.
قلنا: صوم كل يوم عبادة على حدة؛ لأنه يتخلل اليومين زمان يُضاد الصوم؛ وهو زمان الليل؛ كالصلاتين يتخللهما الصيام؛ فلابد لكل واحد من نية جديدة.
ويجوز صوم التطوع بنية مطلقة، أما صوم الفرض يجب فيه تعيين النية؛ فيقول بقلبه: نويت أن أصوم غداً من فرض هذا الشهر، فإن قال: نويت أن أصوم غداً من الفرض، أو من فرض رمضان - ففيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لم يعين هذا الشهر.
وقيل: يجوز؛ لأن هذا الشهر لا يقبل غير فريضة.
ولو قال: نويت أن أصوم غداً من رمضان هذا الشهر، فوجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنه لم ينو الفرض، ولو نوى في رمضان أن يصوم غداً عن نذر أو قضاء كفارة أو تطوع - لم يصح؛ لا عن رمضان، ولا عن ما نوى؛ مسافراً كان، أو مقيماً.
وقال أبو حنيفة: تعين صوم رمضان ليس بشرط، فلو نوى صوم الغد مطلقاً، أو عن تطوع، يقع عن رمضان.
ولو نوى قضاء أو نذراً أو كفارة.
قال: إن كان مقيماً يقع عن رمضان، وإن كان مسافراً يقع عما نوى؛ فيقيس صوم رمضان عن صوم القضاء والكفارة في تعيين النية.
ولو نوت الحائض بالليل صوم الغد قبل انقطاع دمها، ثم انقطع بالليل - هل يصح صومها بتلك النية؟ نظر: إن كانت مبتدأة؛ يتم لها خمسة عشر بالليل، أو معتادة عادتها خمسة عشر - يصح، وإن كانت معتادة عادتها أقل من خمسة عشر، وتتم عادتها بالليل - فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن العادة معمول بها.
والثاني: لا يجوز؛ لأن العادة قد تختلف؛ فلا تكون نيتها مجزومة، وإن لم يكن لها عادة، أو كانت لها عادة مختلفة، لا يصح.
ولو شك في النية؛ فتذكر بعد ما مضى أكثر النهار، أنه نوى، صح صومه؛ كما لو شك في نية الصلاة، فتذكر قبل إحداث ركن.
ولو نوى الصائم الخروج من الصوم، أو قال: أبطلت الصوم، أو تركت النية- هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أصحهما: يبطل، للصلاة؛ لأن النية شرط في جميعه، فإذا رفض النية في أثنائه، بقي الباقي بلا نية.
والثاني: لا تبطل؛ وبه قال أبو حنيفة؛ بخلاف الصلاة؛ لأنها أفعال تباشر، فلا تصير عبادة، إلا بالنية، ما يأتي به بعد رفض النية فعل بلا نية؛ فلم يصح والصوم مجرد كف - كان القياس أن يصح بلا نية، غير أنا شرطنا النية، لتتميز عن العادة، وقد وجدت النية.
فإن قلنا: تبطل، فإن كان هذا في خلال صوم قضاء أو منذور، فرفض نية الفرضية- هل يبقى نفلاً؟ فيه وجهان.
وكذلك لو نوى الانتقال إلى صوم آخر، لا ينتقل إليه.
وهل يبطل ما هو فيه؟ فعلى وجهين.
فإن قلنا: يبطل؛ فإن كان في غير رمضان، هل يبقى نفلاً؟ فيه وجهان.
وإذا قال: إذا جاء فلان خرجت عن صومي، فإذا جاء فلان، فعلى وجهين.
فإن قلنا: يخرج إذا جاء فلان، ففي الوقت هل يخرج؟ فعلى وجهين كالصلاة.
"فصلٌ: في رؤية الهلال"
رُوي عن ابن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا؛ حتى تروا الهلال، ولا تفطروا؛ حتى تروه.
فإن غُم عليكم، فاقدروا له".
ويروي: "فإن غُم
عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين".
يجب صوم رمضان برؤية الهلال، أو باستكمال شعبان ثلاثين، ولا يجوز تقليد
المُنجم في حسابه؛ لا في الصوم، ولا في الإفطار.
وهل يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه فيه وهان.
أحدهما: يجوز؛ لقوله عليه السلام: "فاقدروا له" ولأن القمر يعرف وقوعه بعد الشمس بالحساب.
والثاني: لا يجوز أن يعمل بقوله؛ لأن الشرع علق الحمك برؤية الهلال، ومعنى قوله: "فاقدروا له": هو كمال الثلاثين.
وإذ رأى الهلال بالنهار يوم الثلاثين، فهو لليلة المستقبلة؛ سواء رأى قبل الزوال، أو بعده.
وقال أبو يوسف: إذا رأى قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، واليوم من الشهر الثاني.
ولو رأى الهلال ببلد، ولم ير ببلد آخر؛ نظر: إن كان البلدان متقاربين، وجب على أهل البلدين الصوم والفطر رؤية أحد البلدين.
وإن كانا متباعدين؛ بأن كان بينهما مسافة القصر، فهل يجب على أهل البلد الذين لم يروا الهلال الاقتداء بالذين رأوا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما لو قربت المسافة.
والثاني- وهو الأصح -: لا يجب؛ لأن سير القمر يختلف ذا تباعدت البلدان، فلكل بلد حكم رؤية أنفسهم.
والدليل عليه: ما روي عن كُريب قال: رأينا الهلال بـ "الشام" ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة.
فقال: أنت رأيت؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية.
فقال: لكنا رأينا ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم؛ حتى يكمل العدد، أو نراه.
قلت: ولا تكفي رؤية معاوية؟ قال: هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وإذا رأى الهلال ببلد، ثم انتقل إلى بلد آخر رأى فيه الهلال بعده بيوم، وقلنا: لا يلزم أحد البلدين حُكم الآخر - فالمنتقل غليه له حكم البلد المنتقل عنه، إذا
كمل ثلاثين: نفطر؛ كمن أجر يجب الكراء بنقد البلد المنتقل عنه.
وقال الشيخ القفال: حكمه حكم المنتقل إليه.
روي أن ابن عباس أمر كُريباً حين قدم "الشام" أن يقتدي بأهل "المدينة".
وإذا شهد عدلان على رؤية الهلال، يحكم به في الصوم والفطر جميعاً، ولا يشترط فيه العدالة الباطنة.
وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال، لا يحكم به.
وإذا شهد على هلال رمضان هل يحكم به؟ فيه قولان: أقيسها، وهو اختيار المزني: لا يحكم به، كما في هلال شوال.
والثاني: لا يحكم به؛ احتياطاً لأمر الصوم.
روي أن علياً شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان، فصام، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان.
ولا فرق: بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة.
وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة يثبت بقول واحد، وإن كانت السماء مصحية يشترط الاستفاضة؛ وهو أن يشترط عدد القسامة.
فإن قلنا: يقبل قول الواحد، فلا يقع الطلاق المعلق، والعتق المعلق بهلال رمضان،
ولا يحل به الدين؛ لأن هذه الأشياء تثبت بقول الواحد.
فإن قلنا: تثبت بقول الواحد، فيشترط أن يكون ذلك الرجل عدلاً، ولا يثبت بقول صبي، ولا فاسق.
وهل يثبت بقول عبد، أو امرأة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت؛ لأن ما يثبت بقول الواحد، يقبل فيه قول العبد والمرأة؛ كما في رواية الأخبار، وهذا طريقه الخبر؛ لأن هذا أمر يستوي فيه المخبر والمخبر، والشهادة ما يكون الشاهد منه بريئاً.
والثاني - وهو الأصح -: لا يثبت؛ لأنها شهادة فرع؛ بدليل أنه يشترط فيه لفظ الشهادة، ولاتقبل من شاهد الفرع مع حضور شاهد الأصل؛ بخلاف الأخبار؛ فنه لو روي خبراً عن حاضر يسمع، ولا يقبل من المراهق، وروايته مسموعة؛ على أحد الوجهين.
وهل يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة؟ فيه قولان؛ كالحدود.
وقيل: يثبت قولاً واحداً؛ لأنه لا يسقط بالشبهة؛ بخلاف الحدود؛ كما تثبت الحقوق المالية التي هي لله - عز وجل - مثل الزكاة، وإتلاف بواري المسجد وغيرها.
فإن قلنا: تثبت، فما حكم عدد الفرع؟
إن قلنا: لا يثبت الأصل إلا بعدلين، فحكم شهود الفرع في العدد حكم سائر الشهادات.
وإن قلنا: يثبت الأصل برجل واحد.
فإن قلنا: طريقه طريق الأخبار، ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل من واحد؛ كالرواية تُقبل من واحد عن واحد.
والثاني - وهو الأصح-: لا تُقبل إلا من اثنين؛ لأنه ليس بخبر من كل وجه؛ بدليل أنه لا يقبل فيه: أخبرني فلان عن فلان؛ أنه رأى الهلال؛ حتى يقول: أشهد على شهادة فلان.
وإن قلنا: ليس طريقه طريق الأخبار، فلابد من رجلين يشهدان على شهادة شاهد الأصل، ولو شهد عدلان على رؤية هلال رمضان، فصام الناس بشهادتهما ثلاثين يوماً، ولم يروا الهلال ليلة الحادي والثلاثين - يجب عليهم أن يفطروا من الغد، سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة.
وغلط ابن الحداد؛ حيث قال: إن كانت السماء مصحية، يجب عليهم أن يصوموا.
أما إذا شهد واحد على هلال رمضان، وقلنا: يحكم به، فصاموا ثلاثين يوماً، ثم لم يروا الهلال - نظر: إن كانت السماء مغيمة، فعليهم أن يفطروا من الغدو إن كانت مصحية، ففيه وجهان.
ومنهم من لم يُفصل بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة.
قال: وفيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لهم الإفطار؛ لأن الفطر لا يثبت بقول الواحد.
والثاني: لهم أن يفطروا؛ لأن ثبوت الفطر في ضمن الصوم؛ كالنسب والميراث لا يثبت بشهادة النساء على الانفراد.
ولو شهدن على الولادة، يثبت في ضمنه النسب والميراث.
ومن رأى هلال رمضان وحده، يجب عليه أن يصوم، وكذلك لو رأى هلال شوال وحده، يجب عليه أن يفطر؛ حيث لا يراه أحد؛ لأنه إذا ظهر الفطر عرض نفسه للتهمة، وعقوبة السلطان، وإذا صام برؤيته وحده، فأفطر بالجماع يجب عليه الكفارة.
وقال الحسن وعطاء: لا يصوم برؤيته وحده، ولا يفطر.
وقال أبو حنيفة: يصوم برؤيته وحده، ولا يفطر، وإذا صام برؤيته وحده، فإذا جامع قال: لا كفارة عليه؛ لأن فطر الناس شبهة في سقوط الكفارة عنه.
وكذلك قال: لو صام بنية من النهار؛ فجامع، لا كفارة عليه.
فنقول: فطر لا يكون شبهة في حقه؛ من عرف طلوع الفجر، لزمته الكفارة، وإن لم يعرفه غيره؛ كما لو أفطر أهل قرية بعذر المرض، وهو صحيح صائم؛ فجامع -لزمته الكفارة، وإن لم يعافه غيره.
وإذا رُؤي رجل يطعم يوم الثلاثين من رمضان بلا عُذر - يعزر عليه، فلو شهد أنه رأى الهلال، لا يقبل؛ لأنه متهم في شهادته بإسقاط التعزير عن نفسه.
أما إذا شهد أولاً، فردت شهادته، ثم أكل، لا يعزر؛ ما لو توجه الحكم على رجل فروي فيه خبراً على وفق دعواه لا تقبل، وإن كان عدلاً، فإن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً فلم يؤذن له، فانصرف فدعاه فسأله، فروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الاستئذان ثلاثاً" فلم يعتمده؛ حتى شهد عليه غيره.
ولا يجوز أن يصوم يوم الشك عن رمضان؛ وهو يوم الثلاثين من شعبان.
إذا وقع الشك في رؤية الهلال؛ بأن وقع في ألسن الناس أن الهلال قد رؤي، ولا
يقول عدل: إني قد رأيت، أو تقول جماعة من العبيد والصبيان والفُساق: إنا قد رأيناه - فلا يجوز لأحد أن يصوم هذا اليوم عن رمضان، ولا عن تطوع لا سبب له؛ لما روي عن عمار بن ياسر قال: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -. فإن صامه عن قضاء، أو نذر نذره من قبل، أو عن كفارة، أو وافق تطوعاً كان يصومه - فلا يكره؛ لما روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقدموا شهر رمضان بصيام، إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم".
ولو نوى صوم يوم الشك عن تطوع لا سبب له، هل يصح؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يصح؛ لأنه منهي عنه، وفعله معصية؛ كما لو صام يوم العيد.
والثاني: يصح؛ لأن هذا اليوم قابل للصوم في الجملة؛ بخلاف يوم العيد.
وكذلك لو نذر صوم يوم الشك، هل ينعقد نذره؟ فيه وجهان
فإن قلنا: ينعقد، صام يوماً آخر، فن صام في هذا اليوم، يخرج عن نذره.
ولو نوى ليلة الشك أن يصوم غداً من رمضان، فبان بعد ما أصبح أنه من رمضان لا يصح صومه؛ لأنه شرع فيه على الشك، وعليه القضاء؛ كما لو أصبح مفطراً، ثم ثبت بشهادة الشهود؛ أنه من رمضان يلزمه إمساكه بقية النهار، وعليه القضاء.
ولو عقد بقلبه من غير شك؛ أن غداً من رمضان، ونوى وسمع من ثقة؛ أنه رأى الهلال، أو سمع من زوجته، أو جاريته؛ أني رأيت الهلال؛ وهو يثق بقولها، أو شهد عند القاضي عدل، فلم يحكم القاضي بقوله، ثبت دقه عند رجل فنوى وصام - صح صومه، وعليه أن يصوم بقوله.
ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غداً من رمضان إن ثبت، وإن لم يثبت فهو مفطر أو متطوع؛ فبان من رمضان- لم يصح صومه؛ لأن الأصل كان بقاء شعبان؛ فنيته لم تستند إلى أصل في الصوم.
ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان أني صائم غداً من رمضان إذا كان منه، وإن لم يكن فمفطر؛ فبان أنه من رمضان - صح صومه؛ لأن الأصل بقاء رمضان، ومطلق نيته كان يقع هكذا.
أما إذا نوى ليلة الثلاثين من رمضان أني أصوم غداً من رمضان إن كان منه، أو أفطر؛ فكان من رمضان - لم يصح صومه؛ لأنه لم يجزم النية، كما لو نوى أن يصوم أو لا يصوم، لا يصح صومه.
وإذا اشتبه على الأسير شهر رمضان، يجب أن يجتهد فيصوم شهراً بالاجتهاد؛ كما يجتهد في القبلة، وفي وقت الصلاة؛ حتى لو صام شهراً من غير اجتهاد، لم يصح؛ وإن وافق شهر رمضان.
وإذا اجتهد، وصام شهراً؛ نظر: إن وافق شهر رمضان، أو شهراً بعد رمضان -صح صومه، ثم إذا وافق شهراً بعد رمضان، يكون قضاء أم أداء؟ فيه جوابان:
أحدهما: يكون قضاء؛ لأنه أتى به بعد الوقت.
والثاني: يكون أداء، وجعل ما بعد الوقت وقتاً للعذر؛ كما لو جمع بين الظهر والعصر في وقت العصر، يكون أداء.
وفائدته: تتبين فيما لو كان شهر رمضان ثلاثين، وهذا الشهر الذي صامه ناقص، هل يلزمه إتمام ثلاثين أم لا؟
إن قلنا [قضاء] يجب عليه إتمام ثلاثين.
وإن قلنا: أداء، لا يجب؛ كما لو صام في رمضان، وكان ناقصاً، وعلى عكسه لو كان شهر رمضان ناقصاً، وهذا كامل، هل يجوز أن يفطر يوماً منه، أم لا؟
إن قلنا: قضاء، يجوز؛ لأن الواجب عليه قضاء تسع وعشرين.
وإن قلنا: أداء، لا يجوز، بل يجب إتمامه.
وإن وافق شوال يجب عليه قضاء يوم العبد، وإن وافق ذي الحجة يجب قضاء يوم العيد، وأيام التشريق.
وعلى الوجهين: إذا جامع لا كفارة عليه؛ لأنه لا يون له حرمة شهر رمضان.
وإن وافق شهراً قبل رمضان؛ نظر: إن علم ورمضان بين يديه أو بعضه، فعليه أن يصومه.
وإن لم يعلم؛ حتى مضى رمضان، هل يجزيء ما صام عن رمضان؟ فيه قولان: قال في القديم: يجزئه؛ لأنه بالاجتهاد كالحجيج إذا أخطؤوا فوقفوا يوم الثامن يكون محسوباً.
وقال في الجديد - وهو الأصح - لا يجزئه؛ لأن العبادة لا تسبق الوقت؛ كما لو اجتهد في وقت الصلاة؛ فوافق قبل الوقت، لا تصح صلاته.
والقولان يبنيان؛ على أنه إذا وافق شهراً بعد رمضان يون قضاء أو أداء.
إن قلنا: يكون قضاء، فلا يصح؛ لأن القضاء لا يسبق الوقت.
وإن قلنا: أداء، لا يصح؛ لأنه لما جاز أن يصير ما بعد الوقت كالوقت للعذر، كذلك ما قبله جاز أن يصير كالوقت؛ كما في الجمع بين الصلاتين؛ يصير وقت إحدى الصلاتين وقتاً للأخرى؛ قدم أو أخر.
"فصلُ: في وقت الدخول في الصوم والخروج منه"
قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] والمراد من الخيط الأبيض: طلوع الفجر.
يدخل الصائم في الصوم بطلوع الفجر، ويخرج منه بغروب الشمس.
وروي عن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقبل الليل - من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم.
ويجوز للصائم الأكل، والشرب، والمباشرة بالليل إلى طلوع الفجر.
ولو شك في طلوع الفجر، يكره له الأكل والشرب والجماع بعده، فإن فعل جاز؛ لأن الأصل بقاء الليل؛ بخلاف ما لو أكل شاكاً في غروب الشمس يقضي، ويلزمه القضاء إذا لم يتبين؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار؛ فإن بان أنه أكل بعد غروب الشمس، فلا قضاء عليه.
لو أكل شاكاً في طلوع الفجر؛ فبان أنه كان طالعاً - نقل المزني؛ أن عليه القضاء؛ كما لو أكل شاكاً في غروب الشمس، فإذا هي لمتغرب.
فمن أصحابنا من وافقه؛ فقال في الموضعين: يجب القضاء؛ وهو قول مالك.
ومن أصحابنا من قال: إذا أكل شاكاً في طلوع الفجر؛ فبان طالعاً، لا قضاء عليه؛ لأن الأصل كان بقاء الليل؛ بخلاف ما لو أكل شاكاً في غروب الشمس؛ فبان أنها لم تغرب، يجب القضاء؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار، وتحريم الأكل.
والشافعي لم يلزمه القضاء إذا بان الفجر طالعاً، بل قال: واجب تأخير السحور، فإذا خشي الفجر أمسك، وأحب تعجيل الفطر؛ فإذا بان أن الشمس لم تغرب، أعاد.
فحيث قلنا: يجب القضاء، فإن كان قد جامع، قضى، ولا فارة عليه في الموضعين جميعاً؛ لأن كفارة الجماع تسقط بالشبهة فيه.
ولو طلع الفجر، وفي فيه طعام، يجب أن يلفظه، فإن ابتلعه فسد صومه، ولو أمسكه ساعة، ثم لفظه، لا يفسد صومه.
ولو طلع الفجر- وهو جامع وعلم به-يجب أن ينزع في الحال؛ فإن نزع في الحال، لا يفسد صومه.
قال المزني - رحمه الله - وزفر: عليه القضاء؛ لأن المفسد قارن انعقاد الصوم؛ فمنع الانعقاد.
قلنا: النزع ترك للجماع، فلا يفسد الصوم؛ كما لو حلف لا يلبس ثوباً، وهو لابسه، فنزعه - لا يحنث.
وإن نزع ثم أولج ثانياً، فسد صومه، وعليه القضاء والكفارة.
وإن مكث، ولم ينزع، فسد صومه، وعليه القضاء.
ونص على أنه: يلزمه الكفارة.
وقال في "الإملاء": إذا قال لامرأته: إذا قربتك، فأنت طالق ثلاثاً؛ فإذا غيب الحشفة، طلقت ثلاثاً، وعليه النزع.
فلو مكث، لم يذكر هناك وجوب المهر.
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من جعل فيهما قولين:
أحدهما: يجب هناك المهر، ويجب هاهنا الكفارة، كما لو نزع وأولج.
والثاني: لا يجب واحد منهما؛ لأن ابتداء الفعل كان مباحاً.
ومنهم من فرق بينهما - وهو الأصح - فقال: هاهنا يجب الكفارة؛ لأن ابتداء هذا الفعل لم يتعلق به الكفارة، فجاز أن يتعلق بانتهائه حتى لا يخلو الجماع في نهار رمضان
عمداً عن الكفارة، وهناك يعلق المهر بابتداء الفعل؛ لأن مهر النكاح يقابل جميع الوطئات؛ فلم يجب بدوامه مهر آخر.
وعند أبي حنيفة: لاتجب الكفارة.
ولو أصبح الرجل جُنُباً من جماع، أو احتلام، ووقع غسله بالنهار - صح صومه.
روي عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يُدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم.
وكذلك الحائض إذا طهرت بالليل ونوت الصوم، ولم تغتسل؛ حتى طلع الفجر - صح صومها.
فصلٌ: فيما يُبطل الصوم
روي عن عبد الله بن عمر قال: "من استقى وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء، فلا قضاء عليه".
وروي عن أبي هريرة مرفوعاً: "الصائم إذا تقيأ عمداً بطل صومه".
ولأي معنى بطل؟ قيل: لنفسه؛ الإنزال يبطل الصوم، وإن لم يصل به إلى جوفه شيء.
وقيل: لأن القيء لا يخلو: من أنا يعود شيء إلى البطن، فإذا تعمد القيء، جعل كأنه تعمد الابتلاع.
فأما إذا ذرعه القيء، فلا يبطل صومه.
وجملته: إذا وصل شيء من الخارج إلى أحد جوفي التغذي بالاختيار مع ذكر الصوم، يبطل صوم الصائم، وأحد جوفي التغذي: الدماغ، والثاني؛ البطن، وهذا يطرد، ولا ينعكس بالحيض، وإنزال المني، والجماع، والقيء، والجنون، والإغماء؛ فإنها تبطل الصوم؛ وإن لم يصل بها شيء إلى جوف التغذي.
خرج من هذا: إذا أكل شيئاً متعمداً وإن قل، أو شرب، أو استعط، أو قطر شيئاً في أنفه، أو أذنه؛ حتى وصل إلى الدماغ، أو احتقن، أو قطر في إحليله شيئاً فوصل إلى المثانة - فسد صومه.
وقيل: إذا صب في أذنه شيئاً لا يفسد صومه، وإن ظهر أثره في الدماغ؛ لأنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ، وإنما يصل إليه من المسام؛ كما لو اكتحل لا يبطل صومه وإن وجد طعمه.
وكذلك لو ابتلع ما لا يؤكل من حصاة، أو درهم، أو استف تراباً - بطل صومه.
والحلق كالجوف؛ فوصول الواصل إليه كالوصول إلى الجوف.
ولو قطر في إحليله شيئاً، ولم يصل إلى المثانة، وأدخل فيه ميلاً - هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه لم يصل إلى جوف التغذي؛ هو المثانة؛ كما لو وضع في فيه شيئاً.
والثاني: يبطل؛ كما لو وصل إلى حلقه، ولم يصل إلى المعدة.
وإن كان على بطنه جائفة، أو على رأسه مأمومة؛ فوضع عليها دواء؛ فوصل إلى جوفه، أو إلى خريطة دماغه - بطل صومه؛ وإن لم يصل إلى باطن الأمعاء، أو إلى باطن الخريطة، سواء كان الدواء رطباً أو يابساً.
وعند أبي حنيفة: إن كان الدواء يابساً، لا يبطل صومه.
ولو شق بطن نفسه، أو شق غيره بإذنه، يبطل صومه.
وإن فعل بغير أمره، لا يبطل.
وعند أبي حنيفة: إذا شق بطن نفسه، لا يبطل صومه، ولو شق فخذه، أو كان على فخذه جراحة؛ فوضع عليه دواء؛ فوصل إلى مُخهِ - لا يبطل صومه؛ لأنه ليس جوف التغذي.
ولو كان به باسورٌ؛ فخرجت مقعدته، ثم عادت، لا يبطل صومه.
فإن ردها بإصبعه، ففيه وجهان:
الأصح: لا يبطل؛ لنه مضطر إليه؛ كما لا يبطل طُهر المستحاضة بخروج الدم.
ولو ابتلع الريق، لا يبطل صومه؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه.
وإن خرج إلى ظاهر فمه، فرده وابتلعه، بطل صومه.
وإن أخرج لسانه وعليه ريق، ثم رده؛ فابتلعه، ففيه وجهان ولو جمع الريق في فمه، فابتلعه، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه وصل جوفه من معتده؛ كم لو ابتلعه متفرقاً على العادة.
والثاني: يبطل؛ لأن الاحتراز عنه ممكن، كما لو قلع ما بين أسنانه فابتلعه.
ولو دميت لثته؛ فابتلع الدم، أو الريق المتغير، بطل صومه.
ولو بزق الدم؛ حتى عاد الريق أبيض، لا يجوز ابتلاعه؛ لأنه نجس ولو ابتلعه، فالمذهب: أنه يبطل صومه.
وقيل: لا يبطل؛ لأن ابتلاع الريق مباح، وتلك النجاسة حكمية؛ كما لو ذاق شيئاً؛ فوصل الطعم إلى حلقه.
ولو قتل خيطاً مصبوغاً؛ فتغير ريقه؛ فابتلعه، بطل صومه.
ولو قلع النخامة من صدره، أو جذبها من رأسه؛ فحصلت في فمه؛ فابتلعها - بطل
صومه، وإن لم تصل من حلقه إلى فمه: بحيث يمكنه أن يبزقها، لا يبطل وكذلك لو نزلت من رأسه، فلم يشعر بها؛ حتى وصلت إلى حلقه - لم يبطل صومه.
وداخل الفم والأنف في حكم الظاهر في بعض الأحكام؛ وهو وجوب غسله إذا نجس، وأنه لو ابتلع منه نخامة، أو خرج إليه القيء، يبطل صومه.
ولو وضع فيه شيئاً لا يبطل، وفي حكم الباطن من حيث إنه لا يجب غسله في غسل الجنابة، ولو ابتلع منه الريق، لا يبطل صومه.
ولو ابتلع طرف خيط، والطرف الآخر خارج، يبطل صومه.
ولو ابتلع بالليل، فأصبح وأحد طرفيه خارج، فإن تركه كذلك، لا تصح صلاته، وإن نزعه أو ابتلعه، بطل صومه؛ فالأولى أن ينزع أو يبتلع؛ حتى تصح صلاته، ثم يقضي الصوم؛ لأن الصوم يترك للقضاء؛ فإن نزعه وهو نائم، لم يبطل صومه.
ولو وصل إلى جوفه غبار الطريق، أو غربلة الدقيق، أو طارت ذبابة في حلقه - لا تبطل صومه؛ لأنه مضطر إليه.
ولو فتح فاه؛ حتى وصل الغبار إلى جوفه، ففيه وجهان:
أصحهما: لا يبطل؛ لأن الاحتراز عنه لا يمكن؛ فوقع عفواً.
فلو أكل ناسياً، لا يبطل صومه؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي وهو صائم؛ فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه".
وإن أكل كثيراً، ففيه وجهان:
أحدهما: يبطل صومه؛ لأنه ناسٍ؛ كما لو أكل قليلاً.
والثاني: يبطل؛ لأن الاحتراز عن الكثير ممكن في الغالب.
وإن أكل جاهلاً؛ بأن الأكل يبطل الصوم، فلا يعذر، إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام، أو ناشئاً ببادية لا يعرف الأحكام؛ فلا يبطل صومه.
ولو أوجر الطعام كرهاً، أو نائماً، لا يبطل صومه.
وكذلك لو جومعت المرأة كرهاً وإن خوف حتى أكل بنفسه، أو خوفت المرأة حتى مكنت من نفسها؛ فوطئت - ففيه قولان:
أحدهما: لا يبطل صومه؛ لأنه مكره، كما لو أوجر الطعام.
والثاني: يبطل؛ لأنه فعل ما ينافي في الصوم؛ لدفع الضرر؛ كما لو شرب دواء لدفع المرض، أو شرب لدفع العطش.
ولو أعمي على الصائم، وقلنا: لا يبطل الإغماء؛ فأوجر دواء لصلاحه - هل يبطل صومه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل؛ كغير المغمي عليه إذا أوجر كرهاً.
ولو تمضمض؛ فوصل الماء إلى جوفه، واستنشق؛ فوصل الماء إلى دماغه - هل يفسد صومه؟ نقل المزني فيه قولين.
واختلف أصحابنا في محل القولين: فمنهم من قال- وهو الأصح -: إن القولين فيما إذا لم يبالغ، فإن بالغ بطل صومه؛ لأن المبالغة منهي عنها.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم- للقيط بن صُبرة: "بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً".
ولو كان وصول الماء إلى الباطن بالمبالغة لا يبطل الصوم، لم يكن للنهي عن المبالغة معنى.
ومنهم من قال: هي على قولين: بالغ، أو لم يبالغ:
أحدهما: يبطل صومه؛ وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار المزني؛ لأنه وصل الماء إلى جوفه بفعله مع ذكر الصوم.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره؛ كغبار الطريق.
ولو دمي فمه؛ فغسله؛ فوصل الماء إلى جوفه، فكالمضمضة.
ولو غل فمه تبريداً، أو مضمض أربعاً؛ فوصل الماء إلى جوفه في المرة الرابعة، فإن بالغ بطل صومه، ون لم يبالغ ترتب على المضمضة؛ فهذا أول بوجوب القضاء؛ لأنه غير مأمور به.
ولو كان بين أسنانه شيء من الطعام، فابتلعه، فسد صومه.
وإن جرى به الريق من غير قصد، نقل المزني: أن لا قضاء عليه، ونقل الربيع: أن عليه القضاء.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كما لو وصل الماء إلى جوفه في المضمضة.
ومن أصحابنا من قال: لا قضاء عليه قولاً واحداً؛ لأن الأكل كان مباحاً له؛ فوصوله إلى جوفه كان بسبب مباح.
وهذا القائل يقول: إذا مضمض، ولم يبالغ، فوصل الماء على جوفه - لا قضاء عليه.
ويُكره للصائم التسوك [بعد الزوال]؛ لما فيه من إزالة الخلوف، ولا يكره قبله؛ فلو استاك فوصل شيء من رطوبة السواك إلى جوفه، فسد صومه، وإن وصل الطعم إلى جوفه لم يفسد.
ويكره له مضغ العلك؛ لأنه يحلب الفم، ويجففه، ويزيل الخلوف.
ثم إن كان مستعملاً، لا يبطل الصوم.
وإن كان جديداً يتفتت فوصل منه شيء إلى الجوف بطل صومه؛ كما لو وضع في فمه سُكرة؛ ثم ابتلع الريق، فسد صومه.
ويجوز للصائم أن يكتحل، وأن يضع الدهن على رأسه، وأن ينزل في الماء وينغمس فيه ولو وجد أثراً في باطنه.
ويجوز أن يحتجم؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم.
ويجوز أن يُقبِّل زوجته؛ غير أنه يكره للشباب؛ خوفاً من حركة الشهوة، ولا يُكره للشيخ، وتركه أولى.
روي أن عائشة قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقبِّل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه.
أما على من تحركه الشهوة تحرم القبلة.
وإذا جامع الرجل امرأته بالنهار عمداً، بطل صومه.
فإن كان في نهار رمضان، يجب عليه القضاء والكفارة العظمى؛ وهو عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً؛ كما في كفارة الظهار.
والدليل: ما روي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هلكت قال: "ما شأنك؟ " قال: واقعت أهلي في رمضان قال: "تستطيع عتق رقبة؟ " قال: لا.
قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا.
قال: "فهل تستطيع أن تُطعم ستين مسكيناً؟ " قال: لا.
قال: "اجلس" فجلس فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر" العرق: المكيل الضخم.
قال: "خُذ هذا فتصدق به".
قال: أعلى أفقر منا؟ فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه.
قال: "أطعمه عيالك".
وعند مالك: كفارة الجِماع على التخيير.
وإن جامع ناسياً، لا يبطل صومه؛ كما لو أكل ناسياً، وكذلك إن كان نائماً؛ استدخلت المرأة ذكره، لا يبطل صومه؛ كما لو احتلم.
ولو جامع الرجل مكرهاً؛ فهل يتصور إكراه الرجل على الوطء؟ فيه وجهان:
إن قلنا: لا يتصور؛ حتى يجب عليه الحد إن كان في زنا، فهاهنا يفسد صومه، وعليه الكفارة.
وإن قلنا: يتصور، فهل يبطل صومه؟ فيه قولان؛ كما لو أكره على الأكل: فإن قلنا: يبطل صومه، لا كفارة عليه؛ لأنها تسقط بالشبهة.
ولو زنا أو تلوط أو أتى بهيمة في نهار رمضان، فعليه القضاء والعقوبة والكفارة، أنزل، أو لم ينزل.
أما المرأة الصائمة إذا جُومعت وهي مُكرهة، أو نائمة لا يبطل صومها؛ وإن كانت طائعة، بطل صومها.
وفي الكفارة قولان:
أحدهما - وبه قال أبو حنيفة-: يجب عليها الكفارة؛ ما تجب الكفارة على الرجل فعلى هذا: إن كان الزوج صائماً عليهما كفارتان، وإن كان مفطراً فعليها الكفارة دونه، وإن كان أحدهما موسراً فعلى الموسر العتق، وعلى الآخر الصوم.
والقول الثاني - وهو الجديد -: إذا جامعها زوجها؛ وهو صائم، لا يجب إلا كفارة واحدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الأعرابي إلا برقبة واحدة.
فعلى هذا: تلك الكفارة على الرجل وجانبها خلو، أم يجب عليها والزوج يتحمل عنها؟ فيه قولان:
أحدهما: هي على الرجل وجانبها خلو؛ لأنه غُرم مالي يختص بالجماع؛ فيجب على الرجل؛ كالمهر.
والثاني: هي عليها، والزوج يتحمل عنها؛ كثمن ماء الاغتسال.
وفائدته: تتبين في أنا إن قلنا: جانبها خلو، فلا كفار على المرأة؛ سواء كان الزوج صائماً أو مفطراً أو نائماً؛ فاستدخلت فرجه، أو وطئت بالشبهة، أو بالزنا.
وإن قلنا: الزوج يتحمل عنها، فإنما يتحمل إذا وجبت عليها الكفارة، فإن كان الزوج مفطراً أو ناسياً، أو استدخلت ذكره، فيجب عليها الفارة، ولا يتحملها الزوج.
وكذلك إذا كان الزوج مجنوناً؛ فوطئها، لا يتحمل الزوج؛ لأنه لا كفارة عليه.
وكذلك
لو زنا بامرأة، أو وطئها بالشبهة عالماً بالصوم، فعليها الكفارة، ولا يتحمل الواطيء عنها؛ لأن التحمل يكون بالملك؛ ولا ملك هاهنا.
وكذلك إذا كانت كفارتهما الصوم، فلا يتحمل الزوج عنها؛ لأن الصوم لا يجزيء فيه التحمل، بل يجب على كل واحد صوم شهرين.
وإن كانت كفارة أحدهما بالعتق، وكفارة الآخر بالإطعام، ففيه وجهان:
أحدهما: إذا أتى الزوج بما عليه، سقط عنها.
والثاني: يجب على كل واحد أن يُكفر بما عليه؛ لأن التحمل كالتداخل؛ فلا يجزيء عند اختلاف الجنس.
وقيل: إن كان الرجل من أهل العتق، وهي من أهل الصوم أو الإطعام؛ فأعتق الزوج رقبة - يجوز عنهما؛ لأن من فرضه الصوم أو الإطعام يجوز إعتاقه.
وإن كانت المرأة أمة، فهي من أهل الصوم لا يجوز غعتاقه عنها، وإن كان هو من أهل الصوم، والمرأة من أهل العتق والإطعام - يجب على الرجل كفارتان: يصوم عن نفسه، ويطعم أو يعتق عنها؛ لأن النيابة تجزيء في الإطعام والإعتاق.
وإن كان الرجل من أهل الإطعام، وهي من أهل الصوم، أطعم هو عن نفسه، وعليها الصوم؛ لأنه لا يُجزيء فيه النيابة.
ولو باشر امرأته فيما دون الفرج؛ أو لمسها بشهوة، أو قبلها إن لم ينزل لا يبطل صومه، وإن أنزل بطل صومه، ولا كفارة عليه؛ لأن الكفارة تجب بالجماع ولم يوجد.
وإن أنزل بنظر أو فكرة، لا يبطل صومه؛ كما لو احتلم.
وكذلك لو جامع قبل طلوع الفجر؛ فأخرج مع الفجر؛ فأنزل - لا يبطل صومه؛ لأن الفعل كان مباحاً؛ وهو مضطر إلى الإنزال.
ولو استمنى بيده، بطل صومه، ولا كفارة عليه.
ولو جامع في يوم واحدٍ مراراً، لا يجب إلا كفارة واحدة؛ لأن الفطر قد حصل بالجماع الأول، والثاني لا يصادف الصوم؛ كما لو أفطر بالأكل، ثم جامع أو فأخذ؛ فأنزل، ثم أولج - لا كفارة عليه.
ولو جامع في يومين عليه كفارتان؛ سواء وجد الجِماع الثاني بعد ما كفر عن الأول، أو قبله.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن كفر عن الأول، لا يجب إلا كفارة واحدة.
وبالاتفاق لو جامع في عامين عليه كفارتان؛ وإن أكل الصائم ناسياً؛ فظن أن صومه قد بطل، فجامع بعده عامداً - يبطل صومه بالجماع، ولا كفارة عليه؛ لأنها تسقط بالشبهة.
وكذلك لو شك في النية؛ فجامع، ثم تذكر أنه كان قد نوى - يجب عليه القضاء، ولا كفارة عليه.
ولو أصبح المسافر صائماً؛ فأفطر بالجماع، والمريض الذي يباح له الفطر أصبح صائماً، ثم جامع: إن نوى الترخيص، لا كفارة عليه، وإلا فوجهان:
أصحهما: لا كفارة عليه؛ لأن الفطر مباح له؛ فيصير شبهة في سقوط الكفارة.
وكذلك الصحيح إذا أصبح صائماً؛ فمرض ثم جامع، لا كفارة عليه إن نوى الترخيص.
أما المُقيم إذا أصبح صائماً؛ فسافر، ثم جامع، يجب عليه الكفارة؛ لأن الفطر لا يباح له إذا أصبح مقيماً.
أما المقيم الصحيح إذا أصبح صائماً؛ فأفطر بالجماع، ثم سافر في آخر النهار، أو مرض مرضاً يبيح الفطر - لا تسقط عنه الفارة.
وعند أبي حنيفة: يسقط بالمرض.
أما إذا أفطر بالجماع؛ فجن في آخر النهار، أو المرأة أفطرت بالجماع، وقلنا: يلزمها الكفارة، فحاضت في آخر النهار- هل يسقط عنه الكفارة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تسقط؛ كما لو مرض؛ أو سافر في آخر النهار.
والثاني: تسقط؛ لأن الحيض والجنون في آخر النهار بعدم الصوم في أوله؛ بخلاف المرض والسفر.
"فصلٌ: في الفطر الذي يوجب الفدية"
من أفطر في رمضان بغير جماع من غير عذر، يجب عليه القضاء، ويعصي الله - تعالى - ويعزره السلطان، ولكن لا تجب الكفارة العظمى.
وهل تجب الفدية الصغرى؛ وهي أن يطعم عن كل يوم مسكيناً مُداً من الطعام؟ فيه وجهان:
أصحهما: يجب؛ لأنها لما وجبت على المرضعة مع كونها معذورة، فلأن يجب على غير المعذور أولى.
وقال أبو حنيفة: إن تناول ما يقصد أكله، يجب عليه الكفارة العظمى، وإن ابتلع حصاة أو نواة، لا يجب.
وقال مالك: كل فطر يعصي به، يجب فيه الكفارة العظمى، إلا القيء؛ فإن الطبع لا يميل إليه.
وعندنا: يختص ذلك بالجماع؛ لورود الشرع به؛ فلا يُقاس عليه سائر أنواع الفطر؛ كما لا يقاس عليه سائر أنواع الفطر؛ كما لا يقاس عليه القيء، وابتلاع الحصاة مع استوائهما في بطلان الصوم، ووجوب القضاء.
والمرأة الحامل، أو المرضعة إذا أجهدها الصوم، لها أن تفطر، ثم تقضي ولا فدية عليها؛ كالمريض.
وإن كان خوفها على الولد من الصوم، فلها أن تفطر، ثم تقضي، وعليها الفدية لأنه فطر بسبب إحياء نفس عاجزة عن الصوم؛ كالشيخ الهِمُّ يفطر ويفدي.
والفدية: هي أن يطعم كل يوم مسكيناً مداً من الطعام من غالب قوت البلد، ولا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد.
سُئل ابن عمر عن المرأة إذا خافت على ولدها؛ فقال: تفطروتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من الحنطة؛ وهذا قول مال وسفيان وأحمد.
وفي الحامل قول آخر: أن لا فدية عليها؛ لأن ضرر الجنين متصل بها، بخلاف المرضعة؛ فكانت الحامل كالمريض.
وعند أبي حنيفة: لا فدية عليها؛ وهو اختيار المزني.
وإن كانت المرضعة مسافرة أو مريضة؛ فأفطرت إن نوت بالفطر الترخص بعذر السفر والمرض - فلا فدية عليها، وإلا فوجهان؛ كالمسافر يفطر بالجماع.
ولو أفطر لتخليص غريق، جاز، وعليه القضاء.
وفي الفدية وجهان
أحدهما: يجب؛ كما تجب على المرضعة.
والثاني: لا تجب؛ لأن فطرة ليس لإحياء نفس عاجزة عن الصوم؛ فإن الغريق غير عاجز.
والشيخ الكبير الذي يُجهده الصوم، له أن يفطر؛ وهل يلزمه الفدية؟ فيه قولان.
وكذل المريض الذي لا يرجى زوال مرضه-قال في القديم - وبه قال مالك -: لا فدية عليه؛ كالمريض الذي مرضه مرجو الزوال.
وقال في الجديد - وهو المذهب -: يجب عليه الفدية؛ فيطعم عن كل يوم مسكيناً مُداً من الطعام؛ روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة.
ولو خرج رمضان تسعاً وعشرين، لا يجب عليه إلا تسعة وعشرون مُداً.
ولو فاته صوم في صبائه، ولم يقض؛ حتى كبر وعجز، تجب الفدية قولاً واحداً؛ وإن كان الشيخ الكبير معسراً، هل يلزمه الفدية إذا قدر؟ فيه قولان؛ كالمكفر إذا لم يقدر على شيء، ثم قدر- هل يلزمه الكفارة؟ فيه قولان.
ولو أن عبداً كبيراً أفطر بعذر الكبر، ثم مات من قبل أن أعتق، فلا فدية عليه، وإن أعتق ترتب على الحر المعسر إذا أيسر إن قلنا: لا يجب، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أن العبد لم يكن وقت الفطر من أهل الفدية؛ بخلاف الحر.
ولو أفطر الكبير بعذر الكبر، ثم قدر على الصوم لا يلزمه الصوم؛ بخلاف المعضوب إذا أحج الغير، ثم قدر، يلزمه يحج في قول؛ لأنه كان مخاطباً بالحج، لا بأداء المال، والشيخ الكبير لم يكن مخاطباً بالصوم، بل كان مخاطباً بالفدية.
قال الشيخ: عندي إذا قدر قبل أن يفدي، يجب عليه أن يصوم، وإن قدر بعد ما فدي؛ فيحتمل أن يكون كالحج؛ لأنه كان مخاطباً بالفدية على توهم أن عُذره غر زائل، وبان خلافه؛ المعضوب لم يكن مخاطباً؛ بأن يحج بنفسه، إنما كان مخاطباً بأن يحج الغير عنه على توهم أن عذره غير زائل.
"فصلٌ: فيما يبيح الفطر"
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184].
صوم شهر رمضان فريضة على كل مسلم عاقل بالغ إذا كان مقيماً قادراً؛ حُراً كان أو عبداً؛ رجلاً أو امرأة، إذا كانت طاهرة؛ فالكافر لا يصح صومه، وإذا أسلم لا قضاء عليه؛ لقوله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] والمرتد لا يصح صومه، وإذا عاد إلى الإسلام يجب عليه القضاء، ولا يجب على الحائض والنفساء، إذا طهرتا يجب عليهما القضاء.
قالت عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
ويجوز الفطر بعذر المرض والسفر وشرط السفر وشرط المرض أن يجهده الصوم، ويلحقه به ضرر يشق عليه
احتماله.
أما المرض اليسير الذي لا يجهده، فلا يبيح الفطر.
ثم إن كان المرض مطبقاً، له ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع فإن كان محموماً حالة الشروع فيه، له ترك النية، وإلا فيجب أن ينوي من الليل، ثم إذا أخذته الحمى بالنهار أفطر.
وشرط السفر أن يكون ستة عشر فرسخاً، ويكون مباحاً؛ فيجوز له أن يفطر فيه.
ولو صام كان أفضل، إلا أن يجهده الصوم، فالأول أن يفطر؛ لما روي عن جابر قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمان غزوة تبوك [إذ] مر برجل في ظل شجرة يرش الماء عليه فقال: ما بال هذا" قالوا: صائم.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "ليس من البر الصيام في السفر".
والدليل على أنه يتخير بين الصوم والفطر إذا كان قادراً: ما روي عن أبي سعيد الخدري.
قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام، ومنا من أفطر؛ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
ولو أصبح صائماً في السفر، جاز له أن يفطر، وإن كان يعرف أنه يصل إلى مقصده قبل الغروب؛ لما روي عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى "مكة" عام الفتح في رمضان؛ فصام؛ حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس معه.
فقيل: يا رسول الله، إن الناس شق عليهم الصيام.
فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشربه والناس ينظرون إليه.
ولو أصبح صائماً في السفر، فلم يفطر، حتى دخل عُمرانات البلد - لم يجز له أن يفطر، وكذل المريض إذا أصبح صائماً، ثم بريء في خلال النهار، لايجوز أن يفطر.
ولو أصبح صائماً في الحضر، ثم خرج إلى السفر، لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم؛ فلو فعل، عصى الله؛ من دخل في الصلاة مقيماً، ثم سافر في خلالها، لا يجوز له قصرها، ولو جامع فيه، يجب عليه الكفارة.
وعند أبي حنيفة: لا تجب.
وعند أحمد، والمزني: يجوز له أن يفطر.
ولو نوى المقيم بالليل، ثم خرج إلى السفر قبل طلوع الفجر- نظر: إن فارق عُمرانات البلد قبل طلوع الفجر، له أن يفطر؛ لأن ابتداء صومه كان في السفر، وإن فارقها بعد طلوع الفجر، لا يجوز أن يفطر.
ولا يجب على الصبي والمجنون صوم رمضان؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم -: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي؛ حتى يبلغ، وعن المجنون؛ حتى يفيق، وعن النائم؛ حتى يستيقظ" ويؤمر الصبي بعد بلوغه سبع سنين إذا أطاق الصوم، ويضرب على تركه إذا بلغ عشر سنين؛ كالصلاة.
وإذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون بعد مضي أيام من رمضان -يجب عليه أن يصوم ما بقي منه، ولا يجب عليه قضاء ما مضى.
وعند أبي حنيفة: إذا أفاق المجنون، وقد بقي جزء من رمضان، لزمه قضاء جميع الشهر.
أما إذا بلغ الصبي؛ نظر: إن كان نوى من الليل، ثم بلغ في خلال النهار بالسن، أو بالاحتلام - يجب عليه إتمام صوم ذلك اليوم، ولا يجب قضاؤه.
وقيل: يستحب له إتمام ذلك اليوم، ويجب القضاء؛ لأنه لم ينو الفرض؛ فهو كتطوع شرع فيه يستحب إتمامه؛ والأول أصح.
فلو جامع في ذلك اليوم بعد البلوغ، تجب الكفارة عليه، ولو جامع قبل البلوغ؛ فلا كفارة عليه؛ بخلاف المراهق إذا جامع في الحج يجب عليه الفدية؛ لأن المال في الحج ألزم؛ ولذلك قلنا: إذا جامع ناسياً يفسد حجه في قول، وفي الصوم لا يبطل.
وإن لم يكن قد نوى الصوم من الليل؛ أكل أو لم يأكل، هل يلزمه قضاء ذلك اليوم؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزمه؛ كما تلزمه الصلاة إذا أدرك شيئاً من الوقت.
والثاني: لاتلزمه؛ بخلاف الصلاة؛ لأنه يمكنه الشروع في الصلاة في الوقت، ولا يمكنه الشروع في الصوم في الوقت؛ فهو كما لو زال العذر بعد ذهاب الوقت لا يلزمه القضاء.
أما المجنون إذا أفاق في خلال النهار، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ قيل: فيه قولان؛ كالصبي.
وقيل: لا يجب هاهنا قولاً واحداً؛ لأنه لم يكن مأموراً بالصوم في أول النهار، والصبي كان مأموراً به.
ولو أسلم كافر في خلال النهار، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟
قيل: فيه قولان؛ كالصبي.
وقيل: يجب قولاً واحداً؛ لأنه كان مخاطباً بالصوم في أول النهار.
بخلاف الصبي؛ فإنه لم يكن مخاطباً.
أما إذا أغمي على الرجل أياماً من رمضان، أو جميع الشهر؛ فإذا أفاق، لزمه القضاء؛ بخلاف المجنون؛ لأن الجنون يزيل العقل؛ فزال عنه الخطاب، والاغماء لا يزيل العقل، بل يغشيه؛ فهو كالمرض؛ ولذلك يجوز الإغماء على الأنبياء عليهم السلام، ولا يجوز الجنون عليهم.
وقال ابن سريج: الاغماء كالجنون؛ في أنه إذا استغرق النهار لا يجب القضاء؛ كما في الصلاة يستوي الإغماء والنون في إسقاط القضاء إذا استغرق الوقت.
قلنا: إنما فرقنا بين الصلاة والصوم في الإغماء؛ لأن الصلوات تتكرر في الأيام، وربما يمتد زمان الإغماء؛ فيشق عليه القضاء، والصوم لا يتكرر في السنة، فلا يشق عليه القضاء ما فات منه، ولذلك أوجبنا قضاء الصوم على الحائض، ولم نوجب قضاء الصلاة.
وعلى المغمي عليه القضاء؛ فإن نوى من الليل، ثم أغمي عليه في النهار، هل يبطل صومه نص في الصوم على أنه إذا كان مفيقاً في جزء من النهار، يصح صومه.
وقال في الظهار: إذا كان مفيقاً حالة طلوع الفجر، صح صومه.
وقال في "اختلاف الحديث": إذا حاضت المرأة، أو أغمي عليها، يبطل صومها؛ ففيه
دليل على أنه إذا كان مُغمى عليه في جزء من النهار وإن قل، لا يصح صومه؛ كالحيض إذا وجد في جزء من النهار يبطل الصوم.
وقال المزني: صح صومه، وإن استغرق الإغماء جميع النهار إذا كان قد نوى من الليل؛ كما لو نام جميع النهار يصح صومه.
وخرج ابن سريج قولاً من الظهار أنه يشترط أن يكون مفيقاً في طرفي النهار وقت طلوع الفجر، ووقت غروب الشمس.
فمن أصحابنا من جعل المسألة على خمسة أقوال، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد؛ وهو أنه إذا كان مفيقاً في جزء من النهار يصح صومه؛ كما قال هاهنا.
وما ذكر في الظهار ليس المراد منه تعيين حالة طلوع الفجر، بل قصده بيان إفاقته في جزء من النهار.
وجوابه في اختلاف الأحاديث يرجع إلى الحيض، والقولان الآخران ليسا للشافعي - رضي الله عنه -.
وقيل: المسألة على قول واحد؛ أنه يشترط أن يكون مقيماً حالة طلوع الفجر؛ لأنه أول حالة الشروع في الصوم؛ كالنية في الصلاة يعتبر أولها.
وما قال في الصوم أراد به: الجزء الأول من النهار.
وجوابه في اختلاف الأحاديث: راجع إلى الحيض.
أما ما ذكره المزني أنه وإن استغرق جميع النهار يصح صومه؛ كما لو نام جميع النهار.
وقال أبو الطيب بن سلمة إذا نام جميع النهار، ولم ينتبه في جزء منه - لا يصح صومه؛ كما لو أغمي عليه جميع النهار.
والمذهب: أنه يصح صوم النائم؛ بخلاف الإغماء؛ لأن الإغماء يزيل الخطاب؛ ولذلك لا يجب عليه قضاء الصلوات، والنوم لا يزيله؛ فإنه إذا نبه تنتبه؛ فلم يسقط عنه القضاء.
ولو جُن الصائم في خلال النهار، فقد قيل: هو كالإغماء.
والمذهب: أن صومه يبطل؛ لأن الجنون مناف للصوم؛ فإنه يزيل العقل، ولا يجب عليه قضاء ذلك اليوم ولو نوى بالليل، ثم شرب دواء فزال عقله، فان زائل العقل بالنهار - هل يصح صومه ترتب على الإعماء: إن قلنا هناك: لا يصح، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والأصح: أن عليه القضاء؛ لأنه كان بصنعه ولو ارتد الصائم، أو حاضت المرأة الصائمة، بطل صومها، وعليها القضاء.