التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 3-45

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5].
وعن عبد ابن ابن عمر، أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال:- "فهي الإسلام على خمس شهادة أن لا

إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".

الصلاة أقوى أركان الدين بعد كلمة التوحيد والرسالة وهي معدة بخمس لا يفرض أكثر منها، إلا أن ينذر صلاة، فتلزمه بنذره.
روى طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أهل "نجد" ثائر الرأس يسمع دوي صوته، ولا نفقة ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ فقال: "لا إلا أن تطوع" قال: "وصيام شهر رمضان" قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع".
وذكر له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: "لا إلا أن تطوَّع" قال: فأدبر الرجل؛ وهو يقول: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه؛ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أفلح إن صدق".
وأول ما فرض الله- تعالى- على هذه الأمة قيام الليل، ثم نسخ بهذه الصلوات، وكان الله- عز وجل- فرض ليلة المعراج على الأمة خمسين صلاة، ثم ردها إلى خمس وقال: "يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشرة، وذلك خمسون صلاة" [ثم ردها إلى خمس] ويروي: "هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدى

وهذه الصلوات مؤقتة يجب أداؤها في مواقيتها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء: 103] أي: فرضها مؤقتاً وأبين آية في المواقيت في القرآن قوله عز وجل: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] إلى آخر الآيتين.
قوله: "سبحان لله" أي: سبحوا الله؛ يعني: صلوا الله "حين تمسون" أراد: صلاة المغرب والعشاء.
"وحين تصبحون": صلاة الصبح "وعشيّاً": صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18] صلاة الظهر.
وروي في بيان المواقيت عن ابن عباس؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "أمَّني جبريل عند باب البيت مرتين؛ فصلَّى بي الظهر حين كان الفيءُ مثل الشراك، وصلَّى بي العصر حين كان كلُّ شيء بقدر ظله، وصلَّى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلَّى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلَّى بي الفجر حين حرِّم الطَّعام والشَّراب على الصَّائم، وصلَّى بي الغد الظُّهر حين كان كل شيء قدر ظلِّه، وصلَّى بي العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وصلَّى بي المغرب لوقته الأوَّل لم يؤخِّرها، وصلَّى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل، وصلى بي الفجر حين أسفر.
ثم التفت فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين وروي عن بريدة أن رجلاً سأل النبي- صلى الله عليه وسلم- عن وقت الصلاة، فقال: "صلِّ

معنا هذين" يعني: اليومين.
فصلَّى يومين، فذكر قريباً من معنى حديث ابن عباس وقال في المغرب في اليوم الثاني، وصلى بي المغرب قبل أن يغيب الشفق.

فصلٌ في بيان المواقيت روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم يحضر المغرب، ووقت المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس".
وعن أبي هريرة مثل معناه: الوقت للصلاة وقتان: وقت المقيم المترفه، ووقت غير المقيم المترفه.

أما وقت المقيم المترفه: [فأول وقت الظهر] يدخل بزوال الشمس؛ وهو أن تزول من الارتفاع إلى الانحطاط وتسهل معرفته بأن يقصد خشبة مستوية على مكان مستو من الأرض، فإذا طلعت الشمس يكون ظل كل شيء في جانب المغرب، فما دامت الشمس في الارتفاع، كان الظلُّ في الانتقاص، فإذا استوت الشمس في كبد السماء لا يبقى لشيء ظلٌّ في الصيف في بعض البلاد التي هي على خط الاستواء، فإذا زالت الشمس ظهر أدنى ظل في جانب المشرق، ودخل وقت الظهر، وفي أكثر البلاد يبقى لكل شيء ظل في وقت الاستواء في جانب المغرب، فإذا زالت الشمس تحول ذلك الظل إلى جانب المشرق، ودخل وقت الظهر، فأعلم رأس الظل المتحول من الخشبة المغصوبة علامة لمعرفة وقت العصر، ثم يمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله سوى الظل المتحول؛ النصف الأول منه للاختيار، والنصف الثاني للجواز، فإذا صار ظل الخشبة مثلها من موضع العلامة لا من أصل الخشبة، وزاد أدنى زيادة دخل وقت العصر، وتلك الزيادة من وقت العصر، ولكن قلَّما يعرف خروج وقت الظهر إلا بها.
وقال ابن المبارك وإسحاق: بعد ما صار ظلُّ كل شيء مثله بعد أربع ركعات وقت الظهر والعصر جميعاً.
وقال مالك: بعدما صار ظلُّ كل شيء مثله: دخل وقت العصر، ولا يخرج وقت الظهر حتى يصير ظل [كل] شيء مثليه؛ لأن جبريل- عليه السلام- صلَّى الظهر في اليوم الثاني حين صلَّى العصر في اليوم الأول.
قلنا: كان ذلك على التعاقب؛ لأنه صلاهما في وقت واحد؛ وذلك أنه ابتدأ العصر في اليوم الأول حين صار ظلُّ [كل] شيء مثليه؛ وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله.
وقال أبو حنيفة:- يمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ثم يدخل وقت العصر.
والأحاديث حجة علي.
ويمتد وقت العصر إلى غروب الشمس، فإلى أن يصير ظل كل شيء مثليه وقت الاختيار، وبعده وقت الجواز بلا كراهية إلى أن تصفرَّ الشمس.
ويكره تأخيرها إلى اصفرار الشمس بلا عذر؛ لما روى عن أنس عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس؛ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام؛ فنقر أربعاً؛ لا يذكر الله فيها إلا قليلا".

فإذا غربت الشمس دخل وقت صلاة المغرب، ولها وقت واحد أم وقتان؟ فيه قولان: قال في الجديد: لها وقت مقدر بالفعل؛ وهو أن يتطهر، ويستر عورته، ويؤذن ويقيم، ويصلي خمس ركعات.
وقيل: قدر ركعتين بين الأذان والإقامة؛ وهذا قول مالك، والأوزاعي: أن لها وقتاً واحداً؛ لأن جبريل- عليه السلام- صلَّاها في اليومين في وقت واحد.
وقال في القديم: لها وقتان تمتدُّ إلى وقت غيبوبة الشفق؛ النصف الأول للاختبار، والنصف الثاني للجواز؛ وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وأحمد وإسحاق قال الشيخ إمام الأئمة: وهذا أصح؛ لحديث بريدة، أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلاها في يومين في وقتين وهذا متأخر ناسخ لحديث ابن عباس، ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إذا غاب الشفق، دخل وقت العشاء، والشفق الذي يدخل بغيبوبته وقت العشاء، وهو الحُمرة التي تعقب غروب الشمس؛ وهو قول عمر- رضي الله عنه- وعليِّ وأكثر أهل العلم.
وقال الأوزاعي، وأبو- حنيفة: هو البياض الذي تعقب الحمرة؛ وهو قول عمر بن عبد العزيز ويمتد وقت العشاء إلى طلوع الفجر الصادق.
وإلى متى يمتد وقت الاختيار وفيه قولان: أصحهما: إلى ثلث الليل؛ لحديث جبريل والثاني، وبه قال الثوري وابن المبارك، وأبو حنيفة إلى نصف الليل وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه" ثم بعد ذهاب ثلث

الليل، أو نصفه وقت الجواز إلى طلوع الفجر الصادق.
والفجر فجران: كاذب، وصادق.
فالكاذب يطلع أولاً مستطيلاً نحو السماء، ولا يخرج بطلوعه وقت العشاء ولا يدخل وقت الصبح، ولا يحرم الطعام والشراب على من يريد الصوم، ثم يغيب ذلك، ويطلع بعده الفجر الصادق مستطيراً ينتشر عرضاً في الأفق، فبطلوعه يدخل وقت الصبح، ويحرم الطعام والشراب على الصائم؛ وهو أول النهار.
روي عن سمرة بن جندب قال.
قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن المستطير في الأفق" ويمتد وقت الصبح إلى طلوع الشمس، وإلى أن يسفر وقت الاختيار، وبعده وقت الجواز بلا كراهية، تأخيرها بلا عذر إلى طلوع الحمرة.

فصل: في تسمية صلاة المغرب والعشاء والصبح روي عن عبد الله المزني، عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: قال:- "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال: فتقول الأعراب: هي العشاء".
وعن عبد الله بن عمر؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم [المغرب قال: فتقول الأعراب]: هي العشاء".
إلا أنهم يعتمون بالإبل".
وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هي العشاء إلا أنهم يعتمون بالإبل".
يعني يؤخرون ردها إلى المعاطن.
ويكره تسمية المغرب: عشاء، وتسمية صلاة العشاء: عتمة؛ للحديث.
قال الشافعي- رحمة الله عليه-: وسمى الله- عز وجل- صلاة الصبح قرآن الفجر؛ فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78] وسماها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صبحاً في قوله: "من أدرك من الصبح ركعة، فقد أدرك الصبح".
فلا أحب أن تسمى بغير هذين الاسمين؛ فلا يقال: صلاة الغداة ولا غير ذلك.

فصل: [في وقت الصلاة] روي عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة في أول وقتها".
الصلاة تجب بأول الوقت، وتستقر بمضي إمكان فعل الصلاة مع الطهارة؛ غير أنه لو أخرها إلى آخر الوقت، فأداها في الوقت جاز، ولم يأثم.

وقال أبو حنيفة: الصلاة تجب بآخر الوقت؛ غير أنه لو صلى في أول الوقت، يسقط الفرض عنه.
ولو أخر الصلاة عن أول الوقت بلا عذر، فمات قبل الأداء لا يموت عاصياً؛ على أصح الوجهين؛ بخلاف ما لو أخر الحج بعد الوجوب، فمات قبل إمكان الأداء- يموت عاصياً؛ لأ، وقت الحج العمر، وآخر العمر غير معلوم، فكان التأخير متاحاً به؛ بشرط أن يبادر الموت، وآخر الوقت في الصلاة معلوم، فلم ينتسب إلى التفريط إذا لم يؤخر عن الوقت.
وقيل: في الصلاة لا يموت عاصياً، وفي الحج وجهان؛ والفرق ما ذكرنا؛ والأول أصح ولو أخر الصلاة بلا عذر إلى حالة لا يمكنه أداء جميعها في الوقت كان عاصياً.
ولو شرع فيها حين يمكنه أداء جميعها في الوقت، غير أنه مدها بطول القراءة؛ حتى خرج الوقت- لم يأثم؛ وهل يكره؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، لإخراجه بعض الصلاة عن الوقت بلا عذر.
والثاني: لا يكره.
لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: قرأ سورة "الأعراف" في صلاة المغرب، ولاشك في خروج الوقت قبل تمامها.
وعن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- أنه طوَّل القراءة في صلاة الصبح؛ فلما سلم، قيل له: كادت الشمس أن تطلع.
فقال: "لو طلعت ما وجدتنا غافلين".
ولو صلى صلاة بعضها في الوقت، وبعضها خارج الوقت- نظر: إن صلى في الوقت ركعة، فالكل أداءٌ على الصحيح من الذهب؛ لما روي عن أبي هريرة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من أدرك من الصبح ركعة فقد أدرك الصلاة".
وقيل: ما صلى في الوقت أداء، وما صلى بعده قضاء، حتى لا يجوز للمسافر قصر تلك الصلاة على قول من لا يجوز قصر القضاء.
وإن صلى في الوقت أقل من ركعة، فالكل قضاء.
وقيل: ما صلى في الوقت أداء.

ولو طلعت الشمس في خلال الصبح لا تبطل صلاته؛ لما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس- فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس- فليتم صلاته".
وقال أبو حنيفة: إذا طلعت الشمس في خلال الصلاة، تبطل صلاته؛ وبالاتفاق لو غربت في صلاة العصر، لا تبطل.
[والله أعلم].
فصل: "في تعجيل الصلوات" روي عن عائشة قالت: ما صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلاة لوقتها الأخير مرتين؛ حتى قبضه الله عز وجل.
أداء الصلاة في أول وقتها أفضل من تأخيرها إلى آخر الوقت؛ لما روي عن ابن عمر؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله".
قال الشافعي- رضي الله عنه-: رضوان الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون عن المقصرين.

وفي صلاة العشاء قولان: أحدهما: تعجيلها أفضل كسائر الصلاة.
والثاني: تأخيرها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل ونصفه".
وإذا اشتد الحر، فالإبراد بصلاة الظهر أفضل، لما روي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اشتد الحر، فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم" والإبراد فضيلة في حق من يصلي بالجماعة في مسجد تنتابه الناس من البعد؛

وهو أن يؤخر عن الوقت قليلاً؛ بقدر ما يحصل للحيطان ظل يمشي فيه القاصد إلى الصلاة فتصلَّى في آخر أول الوقت، ولا تؤخر إلى آخر الوقت.
وقليل الإبراد رخصة؛ فلو تحمل المشقة، وصلى في أول الوقت- كان أفضل؛ والأول أصح.
ولو صلى في بيته وحده، أو كانوا مجتمعين في مسجد كبير؛ فصلوا جماعة، فلا يبردون؛ لأنهم لا يلحقهم المشقة في التعجيل.
وقيل: يبردون؛ لوجود الحر؛ وهل يبرد لصلاة الجمعة؟ فيها وجهان:-.
أحدهما: بلى؛ كما يبرد الظهر في سائر الأيام.
والثاني: لا يبرد؛ لأن الإبراد؛ لتتكامل الجماعة [أفضل]، والناس يبتكرون إلى الجمعة؛ فتتكامل الجماعة في أول الوقت.
وعند أبي حنيفة: تأخير الصلاة إلى آخر الوقت أفضل إلا الصبح بـ "مزدلفة" يصلونها بغلس واحد؛ والحديث حجة عليه.
وروي عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى "المدينة"، والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب وكان يستحب أن يؤخر العشاء، ولا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها وكان ينقتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالسنين إلى المائة.
وسئل جابر عن صلاة النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: كان يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخَّر، والصبح بغلس.

فصل: روي عن أنس؛ أن أبا موسى الأشعري صلى بهم الصبح بليل، فأعاد بهم الصلاة، ثم صلى فأعاد ثلاث مرات.
إذا اشتبه وقت الصلاة على رجل مقيم أو غيره يجتهد، والبصير والأعمى فيه سواء؛ لأن الأعمى يعرفه بالأعمال والواجبة والأوراد.
فإن لم تكن دلالة، يؤخر إلى أن يغلب على قلبه دخول الوقت، والاحتياط أن يؤخر إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخره عنه، خرج الوقت؛ فإن صلى بلا اجتهاد أو شاكاً؛ بأن لم يغلب على قلبه دخول الوقت، يجب عليه الإعادة، وإن وافق الوقت.
وإن صلى بالاجتهاد، ثم بان؛ أنه صلى قبل الوقت يجب الإعادة وإن بان؛ أنه صلَّ بعد الوقت، صحَّت صلاته، وكانت قضاء؛ حتى لو كان مسافراً وصلاها قاصراً، يجب إعادتها تامة؛ على قول من لا يجوز قصر الغائية.
وقيل: يكون أداء، وصار ما بعد الوقت كالوقت؛ لأجل الضرورة، ولا يجب القضاء على من قصرها.
والأول أصح.
ولو أخبره عدل بدخول الوقت؛ نظر: إن أخبره عن مشاهدة؛ بأن كان قد رأى الشمس قد زالت، أو الفجر [قد طلع] أو بالشفق قد غاب- يجب قبول قوله، وإن أخبره عن اجتهاد، لا يقلده، بل يجتهد بنفسه، وكذلك لو صلى بالاجتهاد، ثم أخبره عدل عن مشاهدة أنك صليت قبل الوقت- عليه الإعادة وإن أخبره عن اجتهاد، فلا إعادة عليه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.

وهل يجوز تقليد المؤذن العدل العالم بالمواقيت؟ فيه وجهان:-.
أصحهما: يجوز.
نص عليه؛ لما روي عن الحسن؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم".
فصل: في وقت الأذان روي عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا؛ حتى ينادي ابن أم مكتوم".
لا- يحسب الآذان- لصلاة الوقت قبل دخول وقتها، إلا أذان الصبح؛ فإنه يحسب قبل طلوع الفجر عند أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة، والثوري: لا يحسب وحديث ابن عمر حجة عليه والمعنى فيه: أن تعجيل الصلاة في أول الوقت مستحب، ووقت الصبح يدخل وأكثر الناس نيام، فقلنا: يؤذن قبل طلوع الفجر؛ لتنبيه النوام، ويستعدوا للصلاة، فيدركوا أول الوقت.

وإذا أذن قبل الوقت، يؤذن قريباً من السَّحر؛ يقدم على الوقت بمقدار سبع الليل؛ على سبيل التقريب، ولا يحسب قبله.
وقيل يحتسب بعد ذهاب وقت اختيار العشاء، وليس بصحيح، لأنه يؤدي إلى

اشتباه أذان الصبح بأذان العشاء.
ويستحب أن يكون مؤذنان: أحدهما يؤذن قبل طلوع الفجر، والآخر يؤذن بعده؛ كما كان للنبي- صلى الله عليه وسلم.
ثمن من أذن أولاً، فهو أولى بالإقامة؛ فإن كان المؤذن واحداً، يستحب أن يؤذن مرتين: مرة قبل طلوع الفجر، ومرة بعده.
فإن اقتصر على مرة واحدة جاز، وبعد الفجر أولى.
وإن اقتصر على ما قبله، جاز، ولا تحسب الإقامة إلا بعد دخول الوقت؛ لأنها الافتتاح الصلاة، ولا يجوز الافتتاح قبل الوقت.
فصل: [في وقت العذر والضرورة] روي عن أبي هريرة، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:- من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس- فقد أدرك العصر.
أما وقت غير المغيم المترفه فقسمان: وقت عذر، ووقت ضرورة.
أما وقت العذر: هو أن يجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء بعذر سعر، أو عذر مطر؛ فيضطر إلى أن يجمع بينهما في وقت الأولى، فجميع وقت الظهر يكون وقتاً للعصر، إلا بمقدار أربع ركعات.
من أوله.
وإن قصر الصلاة، فمقدار ركعتين من أوله، لأن تقديم أداء العصر على الظهر لا يجوز إذا جمع بينهما في وقت الظهر، وكذلك جميع وقت المغرب يكون وقتاً للعشاء، إلا مقدار ثلاث ركعات من أوله.
وإن جمع بينهما في وقت الثانية؛ فهل يجوز تقديم العصر على الظهر في الأداء، وتقديم العشاء على المغرب؟ فيه وجهان: أصحهما: يجوز، فعلى هذا يكون جميع وقت العصر وقتاً للظهر، [وجميع] وقت العشاء وقتاً للمغرب، وإن لم يجوز تقديم الثانية على

الأولى في الأداء، فجميع وقت العصر وقت للظهر، إلا مقدار أربع ركعات من آخره، وإن قصر، فمقدار ركعتين.
وأما وقت الضرورة: هو الوقت الذي يصير فيه من أهل وجوب الصلاة عليه بزوال العذر، مثل: أن يبلغ صبي، أو يفيق مجنون، أو مغمي عليه، أو تطهر حائض أو نفساء؛ وقد بقي من الوقت مقدار ركعة- تلزمه تلك الصلاة.
وفي معناه الكافر يسلم، وإن لم يكن معذوراً بالكفر، وإن زال العذر؛ وقد بقي من الوقت قدر تحريمة [ركعة] أو أقل [من ركعة]، هل يلزمه تلك الصلاة؟ فيه قولان:-.
قال في القديم- وهو اختيار المزني- لا تلزمه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من أدرك ركعة من الصبح، فقد أدرك الصلاة" وهذا لم يدرك ركعة.
وقال في الجديد:- تلزمه تلك الصلاة؛ لأنه أدرك جزءاً من الوقت؛ كما لو أدرك قدر ركعة.
والمراد من الحديث: أنه إذا أدى ركعة في الوقت، يكن مدركاً للوقت، وإذا أدى أقل من ركعة لا يكون مدركاً للوقت، وها هنا تلزمه الصلاة قضاء؛ كما يلزم النائم ثم إذا زال العذر قبل طلوع الشمس بعد طلوع- الفجر- لا يلزمه إلا صلاة الصبح وإذا زال قبل غروب الشمس، فعلى قوله الجديد: تلزمه صلاة الظهر والعصر بإدراك تحريمة قبل الغروب.
وكذلك إذا زال قبل طلوع الفجر بقدر تحريمة، تلزمه صلاة المغرب والعشاء جميعاً؛ لأنهما صلاتان كان وقت إحداهما وقتاً للأخرى في العذر، فكذلك في الضرورة، ولا يشترط إدراكه إمكان الطهارة.
وفي القديم: لا تلزمه الصلاة بإدراك أقل من ركعة، وإذا أدرك مقدار ركعة قبل الغروب، هل يلزمه الظهر مع العصر أو أدرك قبل طلوع الفجر مقدار ركعة، هل يلزمه المغرب مع العشاء؟ في القديم قولان: أحدهما: يلزم؛ لأن وقتهما في العذر واحد، فكذلك في الضرورة.
والثاني: لا يلزم حتى يدرك مع هذه الركعة قدر إمكان الصلاة الأخرى، فيشترط أن يدرك من وقت العصر قدر خمس ركعات، حتى يلزمه الظهر والعصر، ومن وقت العشاء قدر أربع ركعات حتى يلزمه المغرب والعشاء؛ ثلاث ركعات للمغرب، وركعة للعشاء، وهل يشترط في القديم إدراك إمكان الطهارة قولان:

الأصح: لا يشترط، لأن الطهارة لا تختص بالوقت.
وعند أبي حنيفة: لا يلزم الظهر بإدراك وقت العصر، ولا المغرب بإدراك وقت العشاء، وإنما تجب عليه الصلاة بعد زوال العذر إذا امتدت سلامة الحال إلى أن يمضي إمكان فعل الطهارة والصلاة.
فإن زال العذر في وقت العصر، ثم عاوده العذر؛ بأن أفاق مجنون، ثم عاوده الجنون، أو بلغ صبي ثم جن أو طهرت حائض ثم جنت، أو أفاقت مجنونة ثم حاضت، نظر: إن عاوده العذر بعد إمكان ثماني ركعات تلزمه صلاة الظهر والعصر.
ولو عاوده قبل إمكان أربع ركعات، لا تلزمه الصلاة، وإن عاوده بعد إمكان أربع ركعات، تلزمه صلاة العصر دون الظهر، إلا أن يكون مسافراً؛ فتلزمه الصلاتان لإمكان القصر، وإن زال العذر في وقت العشاء، ثم عاوده بعد إمكان أربع ركعات تلزمه صلاة العشاء.
قال الشيخ: ولا تلزمه المغرب؛ لأنه لم يدرك إمكان الصلاتين، والوقت لصلاة العشاء، فهو أولى بالوجوب.
وإن عاوده بقدر إمكان ثلاث ركعات.
قال الشيخ رضي الله عنه: يجوز أن تلزمه صلاة المغرب؛ فإنه لم يصر مستحقاً للعشاء وكان يتوقف فيه القاضي رحمه الله؛ لأن المغرب إنما لزم تبعاً للعشاء، فإذا لم تلزمه العشاء لم يلزمه المغرب.
والإغماء كالجنون، في أنه إذا استغرق جميع وقت العذر، والضرورة تمنع وجوب الصلاة.
وعند أبي حنيفة: لا تسقط الصلاة بالإغماء ما لم يزد على يوم وليلة.
فأما إذا أدرك شيئاً من أول الوقت، ثم جن أو أغمي عليه، أو حاضت المرأة، نظر: إن كان بعد مضي إمكان فعل الصلاة، يستقر عليه الفرض؛ حتى لو شرع في الصلاة في أول الوقت، وطول القراءة، فجن في خلالها، أو حاضت المرأة.
ولو خفف القراءة أمكنه إتمامها- يلزمه القضاء.
ولو أدرك من أول وقت الظهر مقدار ركعتين؛ وهو مسافر- لزمته الصلاة؛ لأنه لو قصر أمكنه أداؤها.
ولو أدرك أكثر من وقت الظهر، لا يلزمه العصر، أو أدرك أكثر وقت المغرب، لا تلزمه العشاء لأنه لم يمكنه أداء العصر والعشاء في هذا الوقت؛ غلاف ما لو أدرك وقت الثانية، تلزمه الأولى، ولو كان مسافراً، لا تلزمه الثانية بإدراك وقت الأولى وإن أمكنه الجمع؛ لأن الجمع رخصة لا تلزم.
ولو شرب مسكراً، أو زال عقله، أو شرب دواء؛ فزال عقله وهو عالم بأنه يزيل العقل- يلزمه قضاء الصلوات والصوم الذي فاته وأقل زوال

العقل، أو السُّكر: قال الشافعي رضي الله عنه: أن يختلط عقله؛ فيذهب عنه بعض ما لم يكن يذهب عنه قبل، وإن قل، ثم يتوب إليه.
ولو شرب شراباً لا يراه مسكراً؛ فسكر؛ نظر إن كان يعرف أنه من جنس المسكر، ولكن يظن أن ذلك القدر لا يسكر؛ لقلة- يلزمه قضاء الصلاة.
ولو لم يعلم أنه من جنس المسكر، لا يلزمه القضاء؛ كما في الإغماء.
ولو وثب، أو تدلَّى من موضع؛ فزال عقله- نظر: إن فعل لحاجة، لا يجب قضاء الصلاة، وإن فعله عبثاً، أو لغير حاجة، يجب؛ بخلاف ما لو ألقى نفسه من شاهق، فتكسرت رجله، فصلى قاعداً- لا قضاء عليه؛ على الأصح؛ لأن سقوط الصلاة عن العاجز عزيمة وعلى من زال عقله رخصة، ولا رخصة للعاصي، ولا يجب على الحائض قضاء الصلوات، ويجب على المرتد قضاء ما فاته في الردة من الصلوات.
وعند أبي حنيفة: لا يجب قضاؤها قال:- وما فات في الإسلام يسقط بالردة قضاؤها وهذا لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى إغراء من كثرت عليه الفوائت على الردة؛ طلباً لفراغ ذمته؛ وذلك محال.
ولو حاضت المرتدة، لا يجب عليها قضاء صلوات أيام الحيض.
ولو جُنَّ المرتد، يجب عليه قضاء صلوات أيام الجنون؛ لأن سقوط الصلاة عن الحائض عزيمة، فإنها تكلف بترك الصلاة، وعن المجنون رخصة، والمرتد عاص؛ فلا رخصة له.
ولو جنَّ السكران، يجب عليه أن يقضي من الصلوات قدر ما يمتد زمان السكر، ولا يجب عليه قضاء ما زاد عليه من أيام جنونه؛ بخلاف الجنون المتصل بالردة؛ لأن زمان الردة يمتد وهو في زمان الجنون مرتد؛ فيجب عليه القضاء، وزمان السكر لا يمتد فهو في حال جنونه غير سكران، فلم يجب القضاء.
ولو شربت المرأة دواء حتى ألقت الجنين، ونفست- لا يجب عليها قضاء الصلوات؛ على الصحيح من المذهب.
وقيل: يجب القضاء؛ كالعاصي بشعره لا يترخص.
والأول المذهب؛ لأن سقوط الصلاة عن النفساء عزيمة؛ كالمرتدة إذا حاضت، لا قضاء عليها.

فصلٌ: فيمن تجب عليه الصلاة روي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق".
وتجب الصلاة على كل بالغ، عاقل، طاهر.
أما الصبي والمجنون، فلا صلاة عليهما، وكذلك الحائض والنفساء.

أما النائم إذا فاتته صلوات، يجب عليه القضاء؛ لما روي عن أبي قتادة؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا نسي أحدكم صلاة، أو نام عنها- فليصلها إذا ذكرها".

والكافر الأصلي مخاطب بالشرائع، إلا أنه إذا أسلم، لا يجب عليه قضاء الصلوات التي تركها في حال الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وذلك لأن في إيجاب القضاء عليه تنفيره عن الإسلام؛ فعفي عنه، ولا يؤمر أحد، ممن لا صلاة عليه بها، إلا الصبي، فإنه إذا بلغ سبع سنين، يؤمر بالصلاة، ويضرب على تركها إذا بلغ عشراً، لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مروا أولادكم بالصلاة؛ وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها؛ وهم أبناء عشر سنين وفرِّقوا بينهم في المضاجع".

فيجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة، والصلاة، والشرائع بعد بلوغ سبع سنين، وأن يأمروهم بها، حتى يعتادوا [أداءها].
فإذا بلغوا عشراً، يضربوهم على تركها؛ تأدباً؛ لاحتمال البلوغ في هذا السن بالاحتلام، ولأنه يحتمل الضرب في هذا السن.
وفيه: دليل على أن الختان قبل العشر لا يجوز؛ لأن ألمه فوق ألم الضرب، ويؤمر بالصوم في السن الذي يؤمر بالصلاة، إذا كانت الأيام قصاراً والصبي يطيقه وأجرة تعليم الفرائض في مال الابن، فإن لم يكن له مال؛ فعلى الأب فإن لم يكن له أب فعلى الأم.
وهل يجوز إعفاء الأجرة من مال الصبي على تعليم ما سوى الفاتحة من القرآن، والأدب والعلم؟ وجهان ولو صلى صبي في أول الوقت؛ فبلغ، والوقت باق، يستحب أن يعيد الصلاة، ولا يجب على ظاهر المذهب.
ولو بلغ في خلال الصلاة بالسن، يجب أن يتمها، ولا قضاء عليه؛ كما لو بلغ في خلال الصوم، أتمه، ولا قضاء عليه؛ لأنه أدى وظيفة وقتها بشرائطها؛ كالأمة إذا صلت مكشوفة الرأس، ثم عتقت، والوقت باق لا تجب عليها الإعادة.
وقال ابن سريج: إذا بلغ بعد الفراغ منها والوقت باق، تجب [عليه] الإعادة.
ولو بلغ في خلالها، استحب أن يتمها، ثم يجب أن يعيدها؛ وبه قال أبو حنيفة.
ولو صلى مسافر وعبدٌ صلاة الظهر يوم الجمعة في أول الوقت، ثم أقام المسافر، وعتق العبد قبل فوات الجمعة- لا يجب عليها الجمعة.
ولو صلى صبي صلاة الظهر، ثم بلغ قبل فوات الجمعة، هل تجب عليه الجمعة؟ فيه وجهان: أصحهما: لا تجب؛ لأنه أدى وظيفة وقته؛ كالمسافر والعبد.
والثاني:- وبه قال ابن الحداد: يجب، لأنه كان مأموراً بحضور الجمعة؛ كما كان

مأموراً بأصل الصلاة، وقد ترك ما أمر به، بخلاف المسافر والعبد، فإنهما كانا مأمورين بصلاة الظهر لا بالجمعة، وقد أياه.
فصل: فيمن فاته وقت الصلاة روي عن أبي قتادة قال: "ذكروا للنبي- صلى الله عليه وسلم- نومهم عن الصلاة، فقال: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة؛ فإذا نسي أحدكم صلاةً، أو نام عنها- فليصلها إذا ذكرها".
من فاتته صلاةٌ عن وقتها بنسيان، أو نوم- فلا إثم عليه، ووقت قضائها موسعٌ، ويستحب أن يقضيها حين ذكر.
وقيل: يجب قضاؤها حين ذكر؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "فليصلها إذا ذكرها".
وإذا فاتته صلوات، فيستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء؛ فلو ترك الترتيب في قضائها، جاز.
ولو دخل عليه وقت فريضة، وتذكر فائتة؛ نظر: إن كان في الوقت سعة، يستحب أن يبدأ بالفائتة، ولو بدأ بصلاة الوقت جاز، وإن ضاق الوقت؛ بحيث لو بدأ بالفائتة، فات الوقت يجب أن يبدأ بصلاة الوقت؛ حتى لا تفوت.
ولو تذكر الفائتة بعدما شرع في صلاة الوقت، أتمها، ثم قضى الفائتة بعدها ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها، ولا يجب.
وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يزد على صلوات يوم وليلة، حتى لو تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة تركها اليوم، بطل فرض الوقت، فيقضي الفائتة،

ثم يعيد صلاة الوقت، إلا أن يكون الوقت ضيقاً، فلا تبطل.
ولو فاتته صلاة لا يدري عينها، يجب عليه قضاء خمس صلوات.
ولو نسي صلاتين أو ثلاث صلوات من يوم وليلة، لا يدري عينها- لا يجب إلا قضاء خمس [صلوات]؛ لأن الفرض لا يخرج عنها.
ولو نسي صلاتين من صلوات يومين؛ نظر: إن علم أنهما مختلفتان، لا يجب إلا قضاء خمس صلوات.
وإن علم أنهما متفقتان، أو شك فيه- يجب عليه قضاء عشر صلوات، ومن ترك صلاة متعمدة حتى خرج وقتها، لا يصير كافراً ما لم يجحد وجوبها، ووقت قضائها مضيق؛ فيؤمر بالقضاء؛ فإن لم يفعل، يستتاب؛ كما يستتاب المرتد، فإن لم يفعل يقتل؛ وهو قول مكحول، وحماد بن زيد، ومالك.
وسواء كان يقول: لا أصل، أو يقول: أصلي، ولا يفعل، وهل يمهل ثلاثاً؟ فيه قولان؛ كالمرتد وإن ترك صلاة الظهر لا يقتل؛ حتى يخرجها عن وقت العذر والضرورة؛ بأن تغرب الشمس.
وكذلك لو ترك المغرب لا يقتل حتى يطلع الفجر.
وقيل: لا يقتل ما لم يترك ثلاث صلوات.
وقال النخعي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وغسحاق: يكفر بترك الصلاة عمداً؛ وبه قال قليل من أصحابنا؛ لما روي عن جابر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة".
وهذا عند الآخرين محمول على الوعيد، أو على ترك الجحود.

وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: تارك الصلاة لا يقتل، بل يحبس، ويضرب؛ كتارك الصوم؛ وهو قول الزهري، وبه قال المزني.
ويقتل تارك الصلاة بحز الرقبة، ثم يغسل، ويصلَّى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين؛ كالمقتول في الحد.
وقال صاحب "التلخيص": تنخس فيه حديدة ويقال له: قم فصلِّ، فإن قام ترك، وإن لم يقم زيد في النخس، حتىي صلِّيَ، أو يموت.
فإن مات لا يصلَّى عليه، ولا يغسَّل، ولا يكفَّن، ويدفن؛ فيسوى قبره.
وإن أراد الإمام معاقبته، فقال: صليت في بيتي، يصدق.
ولو أسلم كافر في دار الحرب، ولم يصلِّ مدَّة، ثم خرج إلينا وادعى الجهالة بوجوب الصلاة يجب عليه قضاؤها.
وعند أبي حنيفة: لا يجب، كما لو ارتكب ما يوجب الحدَّ، وادعى الجهالة بالتحريم لا يحد؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات والفرض لا يسقط بالجهل.
[والله أعلم].
"بابُ الأذان" أقام النبي- صلى الله عليه وسلم- بـ "مكة" بعد الوحي ثلاث عشرة سنة يصلِّي بلا أذان ولا إقامة؛ فلما هاجر إلى "المدينة"، اهتم بالصلاة كيف يجمع الناس لها فقيل: انصب راية عند حضور الصلاة؛ فلم يعجبه ذلك، فذكر له القُنْعُ، يعني: الشبُّور؛ فلم يعجبه.
وقال: "هو من أمر اليهود".
فذكر له الناقوس.
فقال: "هو من أمر النَّصارى" فانصرف عبد الله بن زيد؛ وهو مهتم لهم النبي- صلى الله عليه وسلم- فأرى الأذان في منامِهِ.
قال أنس بن مالك: ذكر النار والناقوس؛

فذكر اليهود والنصارى؛ فأمر بلالاً؛ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة.
الأذان والإقامة مشروعان لفرائض الأوقات، ويستحب أن يؤذن ويقيم قائماً، مستقبل القبلة، لا يزيل قدميه عن موضعهما إلا بعجزٍ؛ فيقعد، أو كان راكباً مسافراً؛ فيؤذِّن قاعداً ويلوي عنقُه في الحيعلتين من غير أن يزيل قدميه عن مكانهما؛ لما روي عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح؛ فأذَّن فلمَّا بلغ حيَّ على الصَّلاة، حيّ على الفلاح- لوى عنقه يميناً وشمالاً، ولم يستدبر.

وكيفيته: أن يلتفت يميناً؛ فيقول: حيَّ على الصَّلاة مرتين، ثم يلتفت شمالاً؛ فيقول حيَّ على الفلاح مرتين.
وقيل: يقول: حيَّ على الصلاة مرة عن يمينه، ومرة عن يساره، وكذلك حيَّ على الفلاح.
والأوَّل أصحُّ.
ولا يلتفت في سائر الكلمات؛ لأن الحيعلة دعاء وخطابٌ مع الناس؛ فيلتفت ليسمع أهل النواحي؛ كما يلتفت في الصلاة عند السلام دون غيره، ولا يلتفت في الإقامة؛ لأن المقصود منها إعلام الحاضرين.
وقيل: يلتفت؛ كما في الأذان.
ولو أذَّن قاعداً، أو مستدبر القبلة- حسب أذانه.
والترجيع في الأذان سنَّةٌ؛ وهو أن يأتي بالشهادتين مرتين مرتين.
يخفض بهما صوته، ثم يمد [بهما] صوته؛ فيأتي بهما مرتين أخريين؛ روي عن أبي محذورة قال: ألقى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه؛ فقال: "قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله.
ثم قال: ارجع؛ فمد من صوتك: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح؛ الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله".

وعند أبي حنيفة: لا يُرَجِّعُ.
والحديث حجة عليه؛ فلو ترك الترجيع، يحسب آذانه؛ كما لو ترك التثويب في أذان الفجر.
ويستحب للمؤذن أني ضع مسبِّحتيه في صماخي أذنيه، لما روي عن عون بن أبي حجيفة، عن أبيه قال: رأيت بلالاً يؤذن وأصبعاه في أذنيه.

ويستحب أن يؤذن متطهراً؛ لأنه يدعو الناس إلى الصلاة؛ فينبغي أن يكون هو بصفة تمكنه أن يصلي؛ ولأنه يستحب أن يصلي بعد الأذان ركعتين؛ لما روي عن عبد الله بن مغفل عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "بين كل أذانين صلاة"، ثم قال في الثالثة: "لِمَن شاء".
فلو أذَّن، أو أقام محدثاً، [أو جُنباً] يحسب أذانه مع الكراهية.
وأذان الجُنُب أشد كراهية من آذان المحدث؛ لأن الجنابة، أغلظ؛ فإنها تمنع قراءة القرآن.
والمُكْثَ في المسجد، وإقامة المُحدث أشد كراهية من أذان المحدث؛ لأن الإقامة تعقبها الصَّلاة؛ فهو إذا ذهب ليتطهر بعدها، يشقُّ على القوم انتظاره.
ولو أحدث في خلال أذانه أئمَّهُ، فلما توضأ، وبنى جاز إذا لم يطل الفصلُ.
ويستحب رفع الصوت بالأذان ما أمكنه ما لم يجهده؛ روي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطبٍ ويابس".
ويرفع صوته في الإقامة، دون ما يرفع في الأذان؛ لأنَّ الإقامة للحاضرين، فلو أذَّن سِرّاً؛ بحيث لم يسمع إلا نفسه لم يحسب أذانه للجماعة، ويحسب إذا أراد أن يصلي

منفرداً ويستحبُّ أن يؤذن على مكان مرتفع، ليكون مؤته أبلغ إلى الإسماع؛ كان بلال يؤذِّن على ظهر بيت امرأة من بني النجار بيتها أطول بيت حول المسجد.
أما الإقامة: فلا يحتاج فيها إلى مكان عال؛ لحصول الإعلام بالأذان.
ويستحب ألا يتكلم في أذانه، ولو سلَّم عليه رجل، يجيب بالإشارة، ولا يشمِّت العاطس؛ فإذا فرغ، ردَّ السلام، وشمَّت العاطس.
ولو عطس هو حمد الله في نفسه، وبنى فلو رد السلام، أو شمَّت في خلاله، أو تكلَّم بما فيه مصلحةٌ- لم يكره؛ لأنه ليس بأكثر من الخطبة، وقد تكلَّم النبي- صلى الله عليه وسلم- في الخطبة وإن تكلم في الأذان، أو نام، أو سكت- بنى على أذانه إن كان يسيراً؛ فإن طال، استأنف، ولو أغمي عليه في خلال أذانه فأفاق، والفصل قريب بنى.
ويستحب أن يستأنف، بخلاف ما لو تكلَّم يسيراً، لا يستحبُّ الاستئناف، لأنه بالإغماء خرج من أن يحسب أذانه.
ولو ارتد في أذانه والعياد بالله- ثم أسلم- نصَّ على أنه لا يبني ونص في المعتكف إذا ارتدَّ، ثم أسلم؛ أنه يبني على اعتكافه: فمنهم من جعل فيهما قولين: أحدهما: يبني؛ كما لو تكلم.
والثاني: يستأنف؛ لأنه عبادة واحدة؛ فتبطل بالرِّدَّة؛ كالصلاة، والحج.
ومنهم من قال: يجوز البناء، حيث لم يجوز أراد به إذا طال زمان الرِّق ولو ارتد بعد الفراغ من الأذان، ثم أسلم؛ فأقام- جاز.
ويستحب أن يؤذن غيره، ويقيم؛ لأن ردته تورث شبهة في حاله.
ولو أغمي عليه في خلال أذانه، وارتد- ليس لغيره أن يبني على أذانه؛ على الصحيح من المذهب.
وخرج قول من الخطبة: نه يبني.
والأوَّل هو المذهب؛ بخلاف الخطبة؛ لأنها كلام مع الحاضرين؛ والأذان لإعلام الغائبين؛ فاختلاف الأصوات فيه يؤدي إلى التباس الأمر على السامعين.
ويستحبُّ أن يؤذِّن مترسلاً؛ وهو أن يأتي بكلماته منفصلاً مبيِّناً من غير تمديد مجاوزٍ للحدِّ، ولا تغنِّ ولا تطريب ويقيم مدرجاً؛ وهو أن يأتي بكلماتها حدراً من غير تفصيل.
لما روي عن جابر؛ أنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لبلال: إذا أذَّنت فترسَّل، وإذا أقمت فاحدُر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشّارب من شربه،

والمعتصرُ إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتَّى تروني قد قمت.
فلو أذَّن مدرجاً، وأقام مترسلاً يحسب أذانه.
ولو ترك الترتيب لم يحسب، حتى يرجع إلى حين تركه؛ مثل: أن قدَّم: "حي على الفلاح" يعيده بعد "حي على الصلاة".
ولو زاد في الأذان ذكراً، أو زاد في العدد لم يفسد أذانه.
ويستحبُّ للمؤذِّن أن يقعد بين الأذان الإقامة قعدة؛ لانتظار الجماعة، وأن يتحول عن موضع الأذان إلى غيره للإقامة؛ فإن في رؤيا عبد الله بن زيد قال: رأيت رجلاً عليه ثوبان خضران، فقام على جذم حائط، فأذَّن ثم قعد قعدة، ثم استأخر غير بعيد، ثم قال: تقول إذا أقمت للصلاة فذكر الإقامة.

والتثويب سنَّة في أذان الصُّبح؛ وهو أن يقول بعد الفراغ من الحيعلتين: الصَّلاةُ خيرٌ من النوم، مرتين.
وكرهه في الجديد؛ لأن أبا محذورة لم يحكه.
فمن أصحابنا من جعله على قولين.
والصحيح: أنه سنةٌ قولاً واحداً.
روي ذلك عن عمر، وابن عمر، وبه قال ابن المبارك، وأحمد.
والشافعي إنما كرهه في الجديد؛ لأنه لم يبلغه عن أبي محذورة، وقد ثبت عن أبي محذورة؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال له: "فإن كان صلاة الصُّبح، قلت: الصلاة خيرٌ من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله".

وعن بلال، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لا تثويب في شيء من الصلاة، إلا صلاة الفجر وإذا أذن للصبح مرتين، وثوَّب في الأول لا يثوب في الثاني؛ على أصح الوجهين.

فصلٌ: فيما يشرع له الأذان من الصلوات روي عن مالك بن الحويرث قال: قال لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي؛ فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم وليؤمَّكم أكبرُكُم".
الأذان والإقامة مشروعان لفرائض الصلوات، إذا أديت في مواقيتها؛ وهما سنتان مؤكدتان.
وقيل: هما فرضان على الكفاية في موضع من البلد، أو موضعين وأكثر على قدر سعة البلد؛ بحيث يبلغ النِّداءُ جميع البلد، فإن تركوا قوتلوا عليه، لأنه شعار الإسلام.
وإن قلتا: إنه سنَّة، فإذا اجتمع أهل بلد على تركه؛ هل يقاتلون عليه؟ وكذلك صلاة العيد.
فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه ليس بفرض.
والثاني: بلى؛ لأنه من شعار الإسلام والدِّين.
ولا أذان ولا إقامة للصَّلاة المنذورة، ولا لشيء من السُّنَةِ؛ سواء كانت تؤدَّى جماعة أو فُرادى، إلا أن ينادى فيما يؤدي جماعة من

السنن؛ مثل: صلاة العيدين، والخسوفين، والاستسقاء: الصلاة جامعة، وينادى في صلاة التَّراويح: الصلاة جامعة إذا صلِّيت جماعة.
ولا أذان، ولا إقامة لصلاة الجنازة، ولا قول: الصلاة جامعة، إذا صُلِّيَت جماعة.
والإقامة سنَّة لقضاء الفائتة، وهل يسن لها الأذان؟ فيه ثلاثة أقوال: قال في "الأم": لا يؤذَّن لها؛ وهو قول الأوزاعي، وإسحاق؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: حبنا يوم الخندق عن الصلاة؛ حتى كان بعد المغرب هوياً من الليل فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بلالاً، فأقام الظهر؛ فصلّاها، ثم أقام العصر؛ فصلاها، ثم أقام المغرب؛ فصلّاها، ثم أقام العشاء؛ فصلّاها.

وقال في القديم: يؤذِّن لها ويقيم؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد؛ لما روي عن أبي قتادة؛ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان في سفر فقال: "احفظوا علينا صلاتنا" يعني: صلاة الفجر، فضرب على أذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس، فقاموا فساروا هنية، ثم نزلوا فتوضَّأوا وأذّن بلال، فصلُّوا ركعتي الفجر، وركبوا.

جارٍ التحميل