القارئ بالأمِّي، وذلك إذا كان الإمام أرتَّ، وهو الذي يبدل الرَّاء بالتاء، أو ألثغَ، وهو الذي يبدل السين بالثاء، تصح صلاة من هو في مثل حاله خلفه.
ولو اقتدى بأحدهما من هو صحيح اللسان، أو الأرثّ مع الألثغ اقتدى أحدهما بالآخر، فهو كاقتداء القارئ بالأُمي؛ لأن كل واحد أمي في الحرف الذي لا يحسنه، ويكره إمامة التمتام والفأفاء، ولكن تصح الصلاة خلفهما؛ لأنهما لا يبدلان حرفاً بآخر، وهل يجوز اقتداء القارئ بالأمي؟ فيه قولان:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة، وهو قوله الجديد- لا يصح؛ لأن الإمام ناقص، كما لو اقتدى رجل بامرأة لا تصح.
وقال في القديم: يجوز؛ لأن القراءة رُكن من أركان الصلاة، فيجوز للقادر عليه أن يقتدي بمن هو عاجز عنه كالقيام يجوز للقائم أن يقتدي بالقاعد.
ونعني بالأُمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، وإن كان يحسن جميع القرآن سواها، وبالقارئ من يحسن الفاتحة وإن كان لا يحسن غيرها من القرآن، وهذا في أمي لا يطاوعه ولكن لم يأت عليه من الزمان ما يمكنه فيه التَّعلُّم، وإن مضى عليه زمان إمكان التعلُّم، فلم يتعلم عليه أن يصلي لحقِّ الوقت، ولا يصح الاقتداء به؛ لأن صلاته بشرط الإعادة كالمقيم إذا لم يجد ماء، فصلّى بالتراب أو من لم يجد ماءً ولا تراباً فصلى لحقِّ الوقت لا يصح الصلاة خلفه.
ولو أن رجلين كل واحد منهما يحسن نصف الفاتحة اقتدى أحدهما بالآخر، هل تصح صلاة المأموم؟ نظر إن كان كل واحد يحسن ما يحسن صاحبه يصح الاقتداء، وإن كان أحدهما يُحسن النصف الأول والآخر النصف الآخر، فلا يصح على أصحِّ القولين.
ولا يصح اقتداء الرجل بالمرأة لنقصان المرأة قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ألا لا تؤمَّنَّ امرأة رجلاً ولا أعرابي مهاجراً".
ويجوز اقتداء المرأة بالرجل، وبالمرأة، ويجوز اقتداء المرأة بالخُنثى المشكل، وإذا أم خنثى النساء، يتقدم عليهن؛ لاحتمال أنه رجل، ولا يجوز اقتداء الرجل بالخنثى؛ لاحتمال أن الخنثى امرأة، فلو فعل يجب على الرجل الإعادة، فإن لم يُعِد حتى بان الإمام رجلاً هل تسقط الإعادة عنه؟ فيه قولان.
وكذلك لا يجوز اقتداء الخنثى بالخنثى، لاحتمال أن الإمام امرأة، والمأموم رجل، وإذا اقتدى به يجب على المأموم الإعادة، فلو لم يعد حتى بانا رجلين أو امرأتين، أو بان الإمام رجلاً فهل يسقط الإعادة؟ فيه قولان:
أصحهما: لا تسقط؛ لأن الاقتداء لم يكن صحيحاً لاشتباه الحال.
والثاني: تسقط اعتباراً بما ظهر من بعد، وكذلك لا يجوز اقتداء الخنثى بالمرأة؛ لاحتمال أن الخنثى رجل، فلو فعل ولم يُعِد حتى بان الخنثى امرأة، فعلى القولين.
ولو صلى خلف إنسان ظنه رجلاً فبان امرأة أو خنثى يجب عليه الإعادة، وكذلك لو ظنَّه قارئاً فبان أمياً على قولنا: إن الصلاة خلف الأمي لا تصح، وكذلك لو بان مجنوناً وكذلك لو بان الإمام كافراً تجب الإعادة، بخلاف ما لو بان الإمام محدثاً أو جُنباً لا إعادة على المأموم؛ لأن الحدث ليس بنقض، ولأن الطهارة والحدث يتعاقبان، فقد يكون الرجل طاهراً، فيحدث من غير أن يطلع عليه، فلم ينسب المقتدي إلى التَّفريط، بخلاف الكُفر، فإن الغالب أن صاحبه يظهره، ومن كان على دين لا يتركه، فانتسب المقتدي إلى التفريط، بترك التفحُّص، فإن كان كفراً يسترُ كالزَّندقة، وكُفر القرامطة والدَّهرية ففي وجوب الإعادة وجهان:
أصحهما: لا إعادة عليه؛ لأنه قلَّ ما يطلع عليه، فإن صاحبه لا يظهره، وكذلك إن بان مرتداً؛ لأن المرتد يخفي كفره خوفاً من القتل، فإن كان قد علمه مرتداً فنسي تجبُ الإعادة، وإمامة الكافر لا تكون إسلاماً.
وعند أبي حنيفة إن صلى إماماً في الحضر يكون إسلاماً.
قلنا: لو كان إسلاماً لكان لا يفرق الحكم بين أن يفعله إماماً أو في جماعة أو وحده، كما إذا أتى بكلمة التَّوحيد يحكم بإسلامه، سواء أتى بها في جماعة أو وحده، وعكسه الصوم وأداء الزكاة لا يكون إسلاماً على أي وجه فعلها، ويجوز الصلاة خلف الفاسق وتكره.
وروي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "الصلاة واجبة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر".
ويجوز خلف ولد الزنا، وغيره أولى منه، ويجوز خلف أهل البدع والأهواء، والصلاة خلف المبتدع أشد كراهية منها خلف الفاسق؛ لأن فسق الفاسق يفارقه في الصلاة، واعتقاد المبتدع لا يفارقه، ويجوز خلف المخالفين في الفروع، ولا يكره حتى تجوز صلاة الشافعي خلف الحنفيّ، ولو صلى الحنفي على وجه، لا يراه الشافعي بأن أبدل الفاتحة بغيرها، أو لم يعتدل عن الركوع والسجود أو مس فرجه أو لمس امرأته، ولم يتوضأ، وعلمه الشافعي فاقتدى به هل يصح أم لا؟
قال الشيخ القفال: يصح اعتباراً باعتقاد الإمام؛ لأنا لا نقطع بخطئه.
وقال الشيخ أبو حامد: لا تصح اعتباراً باعتقاد المأموم؛ لأنه يعتقد فساد صلاة الإمام.
ولو صلى الحنفي على خلاف مذهبه بأن افتصد ولم يتوضأ، أو توضأ بما دون قُلّتين وقعت فيه نجاسة، فصلّى، هل يصح اقتداء الشافعي به؟.
على قول الشيخ القفال لا يصح اعتباراً باعتقاد الإمام.
وعلى قول الشيخ أبي حامد يصح اعتباراً باعتقاد المأموم.
ولو صلى شافعيٌّ صلاة الصبح خلف حنفي فإن مكث الحنفي بعد الركوع قليلاً قنت المأموم، وإن لم يمكث ليس له أن يشتغل بالقنوت، بل يتابعه، ثم سواء قنت أو لم يقنت هل يسجد للسهو إذا سلّم الإمام؟ إن اعتبرنا اعتقاد الإمام لا يسجد، وإن اعتبرنا اعتقاد المأموم يسجد؛ لأن اعتقاد المأموم أن الإمام لزمه سجود السهو بترك القنوت ولحقه سهوه، وعلى عكسه لو صلى الحنفيّ خلف شافعي، فلو وقف مع الإمام قائماً حتى قنت لا تبطل صلاته، ولو ترك الإمام القنوت ساهياً يسجد للسهو، ويتابعه المأموم، فلو ترك الإمام سجود السهو، على المأموم أن يسجد إن اعتبرنا اعتقاد الإمام يسجد، وإن اعتبرنا اعتقاد المأموم فلا يسجد.
فصلٌ
روي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلمنا يقول: "لا تبادروا الإمام إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعُوا، فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد".
يجب على المأموم متابعة الإمام، وهو أن يجري على أثره في الأفعال متأخراً عنه قال البراء بن عازب: كنا نصلي خلف النبي- صلى الله عليه وسلم- فإذا قال: سمع الله لمن حمده لم يحنِ أحد منا ظهره حتى يضع النبي- صلى الله عليه وسلم- جبهته على الأرض.
فإذا أتى بالأفعال مع الإمام يكره، وتفوته فضيلة الجماعة؛ لأنه مأمور بالمتابعة لا بالموافقة، ولكن تصح صلاته إلا تكبيرة الافتتاح، فإنه لو ابتدأها قبل فراغ الإمام منها لم يصح اقتداؤه به، ولو بدأ السلام معه فيه وجهان.
ولو تقدّم على الإمام بأن ركع قبلهُ أو سجد قبله لم يجز؛ لما روي عن أبي هريرة قال
محمد- صلى الله عليه وسلم-: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّل الله رأسه رأس حمار.
فلو أنَّ المأموم خالف الإمام، لا يخلو إما أن خالفه بالتقدم عليه، أو بالتأخر عنه، فإن خالفه بالتقدم عليه، نظر إن لم يسبقه برُكن كامل لا تبطل صلاته، مثل أن كان الإمام في القيام، فركع قبله، ولم يرفع حتى ركع الإمام، أو كان الإمام في الاعتدال عن الركوع، فسجد المأموم قبله، ولم يرفع حتى سجد الإمام لا تبطل صلاته؛ لأنها مخالفة يسيرة.
ثم إن ركع، أو رفع قبل الإمام عمداً، لا يجوز أن يعود، فإن عاد بطلت صلاته؛ لأنه زاد ركناً، فإن رفع رأسه سهواً بأن سمع حساً ظن أن الإمام رفع رأسه فرفع، هل يجب أن يعود؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب حتى لو لم يُعِد بطلت صلاته، كما لو رفع رأسه لينتقل يجب عليه أن يعود.
والثاني: وهو الأصح لا يجب، بل إن شاء عاد، وإن شاء لم يُعِد بخلاف ما لو رفع رأسه لينتقل يجب أن يعود؛ لأنه لم يقطع الرُّكن، فلو كان هو في العود فرفع الإمام رأسه.
قال الشيخ: على الوجه الأول يضع جبهته، وعلى الوجه الآخر، وهو الأصح إن شاء وضع جبهته، وإن شاء عاد مع الإمام.
أما إذا سبق الإمام بركن كامل مقصود عمداً، مثل أن ركع قبل الإمام، فرفع رأسه، والإمام بعد في القيام بطلت صلاته، وكذلك لو كان الإمام في الاعتدال عن الركوع، فسجد المأموم قبله، ورفع بطلت صلاته.
ولو سبقه بركن غير مقصود، مثل أن كان الإمام في الركوع، فرفع قبله وسجد، أو كان الإمام في السجود الأول، فرفع قبله، وسجد الثانية هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تبطل؛ لأنه سبقه بركن كامل؛ لأن الاعتدال عن الركوع والقعود بين السجدتين ركنان في الصلاة.
والثاني: وهو المذهب لا تبطل صلاته؛ لأن الاعتدال عن الركوع تبعٌ للركوع، والقعود بين السجدتين تبع للسجود، وهو لم يسبقه بركن مقصود، كما لو رفع أو سجد قبله، ولم يزد عليه لا تبطل صلاته، هذا إذا خالف الإمام بالتقدم عليه.
أما إذا خالفه بالتخلف عنه، لا يخلو إما أن يتخلف عنه بغير عذر أو بعذر، فإن تخلف بغير عذر، مثل أن ركع الإمام، وهو في خلال قراءة السورة، عليه أن يقطعها أو يتابعه، فإن لم يفعل أو اشتغل بتسبيحات الركوع والسجود حتى سبقه الإمام، فهو كما لو تقدم على الإمام.
فإن سبقه الإمام بركن كامل مقصود، مثل أن ركع، ورفع، وهو بعد في القيام أو سجد ورفع، وهو بعد في الاعتدال بطلت صلاته.
وقيل: لا تبطل صلاته حتى يشتغل الإمام بركن آخر مقصود، مثل أن يدوم في القيام حتى يركع، ويرفع ويسجد، أو يدوم في الاعتدال عن الركوع حتى يسجد الإمام، ويرفع ويسجد الثانية، حينئذ تبطل صلاته، وهذا القائل يقول: يشترط أن يسبقه الإمام بركنين، ولا يشترط فراغه من الركن الثاني، بخلاف المأموم إذا سبق الإمام بركن كامل تبطل صلاته؛ لأن من شرط المأموم أن يجري على أثر الإمام، فتخلُّفه عنه بركن واحد لا يضر، ولا يجوز له التقدم عليه، فإذا تقدم بركن كامل بطلت، وإن سبقه بركن غير مقصود بأن دام في الركوع حتى رفع الإمام وسجد، أو دام في السجود حتى رفع الإمام رأسه وسجد الثانية، فالمذهب أن صلاته لا تبطل؛ لأن الإمام لم يسبقه بركن مقصود، كما ذكرنا في تقدم الإمام.
أما إذا تخلف عن الإمام بعذر بأن كان بطيء القراءة، فرفع الإمام، وهو في خلال الفاتحة، عليه أن يتمَّها، أو زُحِم عن بعض الأركان حتى سبقه الإمام، عليه أن يجري على أثره ما لم يسبقه بثلاثة أركان مقصودة، ولا يحسب فيها الاعتداء عن الركوع والقعود بين السجدتين على ظاهر المذهب، فإن زاد على ثلاثة أركان ففيه وجهان:
أحدهما: أن يجري على أثره أبداً، ويراعي نظر صلاة نفسه؛ لأنه معذور.
والوجه الثاني: الذي حُكي لنا أنه يخرج عن متابعته: لأن الاقتداء للموافقة، ولا يمكنه موافقة الإمام.
قال الشيخ: وهو صاحب الكتاب: الخروج عن المتابعة ثابت [له]، ويكون كمن خرج عن متابعة الإمام بالعذر، فإن اختار المقام على متابعته يجوز، ثم فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا أنه يجري على متابعته.
قال الشيخ: والثاني: أن يوافق الإمام في الركن الذي هو فيه، ثم يقضي ما فاته بعد ما سلّم الإمام، وهذا أصح كما قال الشافعي في الجمعة: إذا ازدحم المأموم عن السجود في الركعة الأولى، فلم يمكنه السُّجود حتى ركع الإمام في الثانية، ثم أمكنه السجود ففيه قولان:
أحدهما: يشتغل بالسجود.
والثاني: وهو الأصح يتابع الإمام في الركوع، ثم إذا سلَّم الإمام يقضي ركعة، كذلك ها هنا، وإذا سمع المسبوق بركعة حساً ظنَّ أن الإمام قد سلم فقام، وقضى ركعة، ثم بان الإمام لم يسلم لم يحسب له تلك الركعة، فإذا سلم الإمام قام وقضى ركعة، ولا يسجد للسهو؛ لأنه كان خلف الإمام، فلو سلم الإمام وهو قائم هل يقعد أو يمضي؟ فيه وجهان.
وفائدته: أنه لو لم ينتبه لتسليم الإمام في حال قيامه حتى صلى ركعة إن قلنا: عليه القعود لم تحسب له تلك الركعة، وإلا حسبت.
فإن قلنا: لا تحسب له تلك الركعة يسجد للسهو؛ لأنه زاد في صلاته بعد تسليم الإمام.
وإن قلنا: تحسب، فلا سجود عليه.
ولو سها الإمام في صلاته، فإن كان سهوه في قراءة فتح المأموم عليه، وجهر به حتى سمعه الإمام، وإن كان في فعل تركه سبَّح ليعلم، فإن لم يقع للإمام أنه سها، كأنه قام إلى ركعةٍ، وعنده أنها رابعته، وعند المأموم أنها خامسته، فنبهه لا يعمل الإمام بقول المأموم، لأنه شك في فعل نفسه، فلا يأخذه بقول غيره، كالحاكم إذا نسي حكمه، فشهد عنده شاهدان لا يأخذ به.
وقيل: إذا كان في القوم كثرة يركن القلب إليهم يقلدهم الإمام، وكذلك هل يُقلد
بعض المأمومين بعضاً؟ فيه وجهان إذا ثبت أن الإمام لا يأخذ بقول المأموم، فالمأموم هل يتابعه أم لا؟.
نظر إن كان سهو الإمام في ترك فرض بأن قعد وفرضه القيام، أو قام وفرضه القعود لا يجوز أن يتابعه؛ لأنه إنما يلزمه المتابعة في أفعال الصلاة، وما يأتي به ليس من أفعال الصلاة، وإن كان سهوه في ترك سُنَّة مقصودة بأن ترك التشهد الأول، أو القنوت، عليه متابعته؛ لأن متابعته فريضة لا يجوز أن يشتغل عنها بالسُّنَّةِ.
وإن نسي التسليمة الثانية، أو سجود السهو لا يتركه المأموم؛ لأنه يأتي به بعد سقوط المتابعة عنه.
فصلٌ
إذا أخرج المأموم نفسه عن متابعة الإمام فأتم صلاته هل تبطل صلاته؟ فيه قولان:
أحدهما: تبطل لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه".
والثاني: لا تبطل؛ لما روي عن جابر أن معاذاً كان يصلي مع النبي- صلى الله عليه وسلم- العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه، فصلى ليلة مع النبي- صلى الله عليه وسلم- ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح سورة "البقرة" فتنحَّى رجل من خلفه، فصلى وحده، فقالوا له: نافقت، فأتى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إنك أخَّرت العشاء، وإن معاذاً صلى معك، ثم رجع فأمَّنا، فافتتح سورة البقرة، فلما رأيت ذلك تأخَّرت وصلّيت، وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فأقبل النبي- صلى الله عليه وسلم- على معاذ فقال: "أفتّان أنت يا معاذٌ؟ أفتّانٌ أنت يا معاذ؟ اقرأ بسورة كذا" ولم يأمر الرجل بالإعادة لمفارقته الإمام.
واختلفوا في محل القولين.
منهم من قال وهو المذهب: القولان فيما إذا خرج عن متابعة الإمام بغير عذر، فإن نخرج بعذر بأن كان ضعيفاً لا يصبر على طول القراءة، أو عرض له شغل، أو قام الإمام إلى الخامسة، أو ترك سُنّة مقصودة كالتشهد الأول والقنوت لا تبطل صلاته قولاً واحداً لحديث معاذ.
وقيل: القولان فيما إذا خرج لعُذرٍ، فإن خرج لغير عذر تبطل صلاته.
وقيل: في الكل قولان.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته بكل حال، والحديث حُجّة عليه.
والله أعلم بالصواب.
بابُ موقف الإمام والمأمُوم روي عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة، والنبي- صلى الله عليه وسلم عندها، فقام من الليل
يُصلِّي، فقمت عن يساره، قال: فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشِّق الأيمن.
إذا كان مع الإمام رجل واحد يقوم على يمين الإمام، وكذلك الصبي، فإن قام عن يساره أو خلفه كُره، وصحّت صلاته.
وإن وقف على يساره ولم يعلم، علَّمه الإمام، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم بابن عباس.
وإن كان معه رجلان أو رجل وصبي قاما خلف الإمام صفاً واحداً، وإن كان معه امرأة قامت خلف الإمام، وإن كان رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه، والمرأة خلفهما وإن كان رجلان، أو رجل وصبي وامرأة، قام الرجلان أو الرجل والصبي خلف الإمام صفاً وقامت المرأة خلفهما؛ لما روي عن أنس قال: صليت أنا ويتيم خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيتنا وأم سليم خلفنا.
ولو كان معه رجل وامرأة وخنثى قام الرجل عن يمينه، والخنثى خلفهما، والمرأة
خلف الخنثى، فالخنثى يتخلف عن الرجل؛ لاحتمال أنه امرأة، ويتقدم على المرأة؛ لاحتمال أنه رجلٌ.
ولو كان خلفه جماعة من الرجال والنساء والصبيان، يقف الرجال خلف الإمام، ثم الصبيان ثم النِّسوان؛ لقوله عليه السلام: "ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهَى".
وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "خير صفوف الرِّجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرُّها أولها".
فلو وقف صبي في صف الرجال، ثم دخل رجل لا ينحِّيه، ولو وقفت امرأة يؤخرها الرجل إذا دخل، ولو وقفت المرأة بجنب إمام الرجال، أو اقتدت به يكره، ولكن تصح صلاته.
وقال أبو حنيفة: إذا اجتمعا في الرُّكوع بطلت صلاة الإمام والقوم جميعاً، ولو وقفت في صف الرجال، واقتدت به قال: تصح صلاة الإمام، وصلاة من أمامها وصلاتها، وتبطل صلاة رجل عن يمينها ورجل عن يسارها.
وقال في صلاة الجنازة: لا تبطل صلاة أحد، والدليل عليه ما روي عن عائشة قالت: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القِبلة كاعتراض الجنازة.
فإذا كان نوم المرأة بين يدي المصلي لا تبطل صلاته، فوقوفها بجنبه مصلّية أولى ألّا تبطل صلاته، ولو تقدَّم المأموم على الإمام فيه قولان:
أصحهما: وهو قوله في الجديد- لا تصح صلاة المأموم، لأن هذه المخالفة أبلغ من المخالفة في الأفعال.
وقال في القديم، وبه قال مالك: تصح صلاته؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن المأموم أقرب إلى الكعبة من الإمام، وذلك لا يمنع جواز الصلاة، كما لو وقفوا مستديرين بالكعبة يجوز وإن كان بعض المأمومين أقرب إلى الكعبة من الإمام، قلنا: لأن ثمَّ لم يتقدم المأموم
على الإمام في الجهة التي توجَّه الإمام إليها، فصحّت صلاتهم، وها هنا تقدَّم عليه في جهة الإمام فلم يجز، والاعتبار في التقدم بالعقب، فإن تحاذى العقبان، جاز، وإن تقدمت أصابع المأموم، أو موضع جبهته في السجود، وإن تقدم عقب المأموم على الإمام لا يجوز، وإن تأخرت أصابعه، أو موضع سجوده عنه.
ولو دخل رجل والإمام في الصلاة مع جماعة لا يقف منفرداً خلف الصف، بل يدخل في الصف إن وجد فُرجة، وإن لم يجد فُرجة في الصف الذي يليه، وفي الصف فُرجة فله أن يخرُق الصف ليقف في الفرجة؛ لأنهم فرّطوا بترك إتمام الصف الأول، ولو لم يجد فُرجة في الصف يجر إلى نفسه رجلاً من الصف يقف معه.
فلو وقف منفرداً خلف الصف، واقتدى بالإمام صحّت صلاته.
وقال النخعي، وحماد بن أبي سليمان.
[وأحمد، وإسحاق]: لا تصح صلاته، والدليل على جوازه ما روي عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم مشى إلى الصف، فذكر ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: "زادك الله حرصاً ولا تعُد" فالنبي- صلى الله عليه وسلم- لم يأمره بالإعادة مع أنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف وحده.
وإن كان مع الإمام رجل واحد واقف على يمينه، فدخل رجل، يتأخر المأموم قليلاً ليقف معه الداخل.
وقال الشيخ الإمام القفال: يتقدم الإمام قليلاً؛ لأنه يرى أمامه والمأموم لا يرى خلفه والسُّنَّة ألا يكون موقف الإمام أرفع من موقف المأموم؛ لما روي عن حذيفة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقف في مقام أرفع من مقامهم" أو نحو ذلك.
وكذلك لا ينبغي أن يكون موضع المأموم أرفع من موضع الإمام، لأنه إذا كره أن يعلو الإمام فأن يكره أن يعلو المأموم أوَّلي.
فإن أراد الإمام تعليم المأمومين أفعال الصلاة فالسُّنة أن يقف على موضع عال؛ لما روي عن سهل بن سعد قال: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المنبر، والناس وراءه، فجعل يصلّي عليه ويركع، ثم يرجع إلى القهقرى فيسجد على الأرض، ثم يعود إلى المِنْبَر، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "إنما صنعت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي".
والسُّنة للقوم أن يصلوا الصفوف ويتموا الصف الأول، ويقفوا بقرب الإمام، ويختاروا يمين الإمام؛ لما روي عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: "ألا تصفُّون كما تصُف الملائكة عند ربِّها" قلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمُّون الصفوف الأولى ويتراصُّون في الصف".
وروي عن البراء عن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول"، ويروى "إن الله وملائكته يصلون على مَيَامِنِ الصفوف".
فإن تباعدت الصفوف، أو بعُد الصف الأول عن الإمام، نظر إن كانوا جميعاً في مسجد واحد، صحت صلاتهم مع الإمام، وإن بعدوا عن الإمام أو اختلف بهم للبناء، وكان بين الإمام والمأمومين حائلٌ بأن كنا الإمام في صُفَّة المسجد، والقوم في صحنه، أو على سطحه، أو في بيت المسجد، أو على المنارة، والمنارة في المسجد، أو كان القوم في الصحن، والإمام في البيت، أو على السطح، تصح صلاتهم إذا علموا صلاة الإمام؛ لأن جميع المسجد موضع الصلاة، وقد جمع الكل.
وإن كان بين الإمام والمأموم نهرٌ في المسجد، نظر إن حفر النهر بعد بناء المسجد، فالنهر مسجد لا يمنع الاقتداء، وإن حفر قبله فهما مسجدان غير متصلين، فلا تصح صلاة المأموم حتى يتصل الصف من أحدهما بالثاني، وإن كانوا في غير المسجد، نظر إن كانوا في فضاءٍ مملوك أو موات، فإن كان بين المأموم أو بينه وبين الصف الآخر ثلثمائة ذراع.
وأقل،
صحت صلاته خلفه، وأخذ هذا التقدير من صلاة النبي- صلى الله عليه وسلم- بـ "ذات الرقاع" فإنه تنحى عن العدو بطائفة قدر رمية سهم، بحيث لا يصيبهم سهم العدو، فصلى بهم ركعة، ثم انصرفوا إلى وجه العدو في الصلاة، وهم كانوا في مصافّهم في حكم صلاة الإمام.
وهذا التقدير على طريق التقدير لا التحديد على ظاهر المذهب، حتى لو زاد ذراعٌ، أو ذراعان، أو ثلاثة يجوز، فإن زاد أكثر لم يجز، وهذه المسافة تعتبر من الصف الأخير، حتى لو وقف خلف الإمام صفوف، وبين كل صفين هذا القدر حتى امتد أكثر من فرسخ، والإمام يطيل الركوع والسجود حتى يتهيأ للقوم متابعته جاز.
وإن كان الصحراء بعضه ملكٌ رجل، والبعض ملك آخر، أو بعضه موقوف، فوقف الإمام في ملك هذا، والمأموم في ملك ذاك، أو في الوقف جاز، وإن لم يتصل الصف، وكذلك السطوح المستوية بعضها ملك رجل، والبعض ملك آخر، أو سطوح أبنية مختلفة.
وقيل: يشترط اتصال الصفوف من أحد الملكين بالثاني، وليس بصحيح.
ولو وقف الإمام على صعود في الصحراء، والمأموم في هبوط، أو على عكسه، يجوز إذا لم يكن بينهما أكثر من ثلثمائة ذراع، كما لو وقف بعضهم على دكَّةٍ، والبعض نازلاً عنها، جاز والطريق بين الصفين في الصحراء لا يمنع الاقتداء؛ لأن الصحراء كله طريق.
وإن كان بين الإمام والقوم أو بين الصَّفين نهر إن كان النهر صغيراً، بحيث يمكن الوثوب إلى الجانب الآخر لا يمنع الاقتداء، وإن كان كثيراً بحيث لا يعبر إلا بالقنطرة فعلى وجهين:
أصحهما: وهو المذهب لا يمنع الاقتداء كالسفينتين في البحر وقف الإمام في إحداهما، والمأموم في الأخرى يجوز، وإن كان بينهما ماء.
والثاني: يمنع إلا أن يكون عليه قنطرة، أو كان الماء قليلاً يمكن الوقوف في وسطه؛ لأنه حينئذ لا يمنع الاستطراق.
وإن أقيمت الجماعة في دار ينظر إن جمعت الإمام والمأموم بقعة واحدة من صحن، أو صُفَّة، أو بيت جاز الاقتداء على ثلثمائة ذراع من غير اتصال كالصحراء، وإن كان في الصَّحن دكّة أو سرير، وقف أحدهما عليه، والآخر نازلاً عنه جاز.
وإن اختلف بهما البناء، فلابد من اتصال الصف من أحد البناءين بالثاني، مثل أن كان الإمام في الصحن، وبعض المأمومين في صُفَّة على يمين الإمام، أو على يساره، يشترط أن يقف رجل في الصحن متصلاً بالصُّفَّة، ورجل على طرف الصفة متصلاً بمن في الصحن،
بحيث لا يكون بينهما موقف رجل، فإن كانت الفُرجة بينهما يسيرة بحيث لا تسع لموقف رجل لا يمنع الاقتداء، ثم كل من وقف في الصفة على ثلثمائة ذراع تصح صلاتهم، تبعاً لمن حصل به الاتصال.
ولو وقف في الصُّفة رجل، أو جماعة قدَّام من حصل به الاتصال، واقتدى بالإمام في الصحن لا يجوز، وإن كان خلف الإمام؛ لأن صلاة من في الصفة إنما تصح تبعاً لمن حصل به الاتصال، فلا يجوز أن يتقدّم عليه، وإن وقف خلفه من حصل به الاتصال يجوز، حتى فرَّع القاضي رحمه الله قال: لو كبَّر من في الصُّفة بعد تكبير الإمام، وقبل أن يكبر من حصل به الاتصال لا تصح.
قال الشيخ: لأن المبادرة بالتكبير أبلغ في المخالفة من التقدم في الوقوف، وإن كانت الصُّفة التي وقف فيها المأموم وراء الإمام، فيشترط أن يقف رجلٌ أو صف في آخر الصحن متصلاً بالصُّفة، وصفّ في أول الصفة، بحيث لا يكون بينهم وبين مَن في الصحن أكثر مما يكون بين الصفين من ذراعين أو ثلاثة أذرع، وهو قدر إمكان السجود، ثم لو كان في الصفة بيت، ووقف بعضهم في البيت يشترط اتصال الصف من الصُّفة بالبيت، وهو أن يقف رجل في الصفة، ورجل في البيت متصلين بالعتبة، وإن كانت العتبة عريضة تسع لموقف رجل، فلا يحصل الاتصال حتى يقف عليها رجل متصل برجل في الصُّفة، ولا يشترط اتصال صف البيت والصفة بالواقفين بجنب العتبة.
ولو وقف بعضهم على سطح، أو على طرف صُفَّة مرتفعة، والإمام في الصَّحن، نظر إن كان ارتفاعه بحيث لا يحاذي رأس من في الصحن رجل مِن على السطح لم يصح اقتداء مَن على السطح به، وإن كان حضيضاً بحيث يُحاذي رأس من في الصحن رجل من على السطح جاز إذا حصل الاتصال، وهو أن يقف رجل على طرف السطح، ورجل في الصحن متصلاً به، وحكم المدارس والخانات والرِّباطات حكم الدُّور.
وذكر العراقيون من أصحابنا أن اختلاف البناء لا يمنع الاقتداء في شيء، كما في المساجد، إلا أن يكون بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، فإن كان بينهما حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز للحائل الذي يمنع الاستطراق.
والثاني: يجوز؛ لأنه يشاهدهم، كما لو كان معهم.
وإن كانوا في البحر، والإمام في سفينة، والمأموم في أخرى، نظر إن كانتا مكشوفتي الرأس صح الاقتداء، إذا كان بينهما ثلثمائة ذراع كالدِّكَّتين في الصحراء، غير أن المستحب ألا يقتدى به، حتى تكون إحدى السفينتين مشدودة بالأخرى، أو كان الريح رخاءً، بحيث يأمَنُ من تقدم سفينة المأموم، فإن اقتدى به، ثم تقدمت سفينة المأموم بطلت صلاته، إلا أن يرد في الحال كالدَّابَّة التي يصلي النافلة عليها إذا خرجت عن الطريق، وإن كانت السفينتان مسقفتين، يشترط اتصال الصف من إحداهما بالأخرى كالبيتين، والسفينة الكبيرة التي فيها بيوت كالدار، وحكم السُّرادقات في الصحراء حكم السفن المكشوفة في البحر، والخيام كالبيوت.
ولو وقف الإمام في المسجد والمأموم خارج المسجد في فضاء غير مملوك من مواتٍ متصل بالمسجد، وفي حريم المسجد، وهو موضع متصل بالمسجد لمصلحة يطرح فيه الثلج والقمامة، فلا يكون مسجداً تصح صلاة المأموم وإن لم يتصل به الصف من المسجد؛ لأنه كالمسجد في الإباحة، وإنما يجوز بشرطين:
أحدهما: ألا يكون بينه وبين المسجد حائل.
والثاني: أن يقف على ثلثمائة ذراع فأقل وتعتبر ثلثمائة ذراع من آخر خط المسجد على ظاهر المذهب؛ لأن المسجد مبني للصلاة، ولذلك جوَّزنا صلاة المأموم فيه، وإن بعد عن الإمام.
وقال صاحب "التلخيص": يعتبر من آخر صف المسجد، وإن لم يكن في المسجد غير الإمام، وإن كان للمسجد حريم، ووراءه مواتٌ، فوقف المأموم في الموات يجوز على ثلثمائة ذراع، ويعتبر من آخر خطة المسجد على الوجه الأصح.
وقيل: من الحريم.
وقيل: من آخر صف في المسجد.
وإن كان الموات والحريم منفرداً عن المسجد بجدار.
نظر إن كان للمسجد باب مفتوحٌ ووقف المأموم في مقابلة الباب على ثلثمائة ذراع جاز، ثم لو اتصل، وخرجوا عن محاذاة الباب لا يضر، وإن لم يكن ثمَّ باب، أو كان مردوداً، أو لم يقف أحد في مقابلة الباب لم يصح الاقتداء والدرائز الصغير لا تمنع الاقتداء، والحجَلَةَ الكبيرة التي تمنع الاستطراق تمنع الاقتداء وإن كان يرى الناس في المسجد، وإن كان الفضاء المُتصل بالمسجد مملوكاً فوقف المأموم فيه، أو وقف في طريق متصل بالمسجد، فلا يصح حتى يتصل الصف من المسجد بالفضاء، والطريق؛ لأنه يفارق المسجد بخروجه عن الإباحة.
وكذلك لو وقف الإمام على سطح المسجد، والمأموم على سطح متصل به يشترط اتصال الصف من سطح المسجد بالسطح المملوك، فإن لم يتصل لم يجز، ولأنه لم يجمعهم حرمة المكان، ولا حرمة الاتصال.
وكذلك لو وقف المأموم في دار مملوكة بجنب المسجد يشترط اتصال الصف، وهو أن يقف رجل في آخر المسجد متصلاً بعتبة الدار، وآخر في الدار متصلاً بالعتبة، بحيث لا يكون بينهما موقف رجل، فإن لم يكن كذلك لا يجوز.
روي عن عائشة أنها قالت لنسوة يصلين في حجرتها: لا تصلِّين بصلاة الإمام فإنَّكُن دونه في حجاب.
وإن كان بجنب المسجد فضاء غير مملوك، ووراء الفضاء ملك، فوقف واحد في الفضاء على ثلثمائة ذراع يجوز، فإن وقف واحد في المِلك يشترط اتصال الصف من الفضاء بالمِلك.
ولو وقف الإمام في المسجد، والمأموم على سطح بجنب المسجد، غير سطح المسجد، نظر إن كان الجدار للمسجد، فوقف عليه رجل، ووقف بجنبه غيره، حتى خرج إلى السطح الملك جاز، وإن لم يكن الجدار للمسجد، فلا يجوز إلا أن يكون السطح حفيضاً بحيث يحاذي رأس من في المسجد رجل من على السطح، ووقف واحد من المسجد بجنب السطح، وآخر على طرف السطح، بحيث لا يكون بينهما موقف رجل، وكذلك لو وقف في سرداب مملوك بجنب المسجد، ولو وقف على جبلٍ مشرفٍ على المسجد، بحيث ترى صلاة الإمام، أو للقوم في المسجد، وهو في مواتٍ، نظر إن لم يكن بين المسجد، وبين موقفه ملكٌ جاز على ثلثمائة ذراع، وإن كان بينهما مواضع مملوكة لم يجز إلا باتصال الصف.
وكذلك لم يجوِّز الشافعي الصلاة على أبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد؛ لأن بينهما دوراً وحوائل والله أعلم.
باب صفة الأئمة
روي عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً، ولا يؤمَّ الرَّجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرُمته إلا بإذنه.
الخصال المعتبرة في الإمامة ستَّة: الورع، والفقه، والقراءة، والهجرة، والسن، والنسب، فالمكتسب من هذه الخصال، الورع، والفقه، والقراءة والسن والهجرة مقدمة على غير المكتسب وهو السن، والنسب.
ومن الخصال المكتسبة تقدم الورع حتى إن الأورع الذي يحسن فرائض الصلاة أولى بالإمامة من الأفقه والأقرأ؛ لأن الإمامة سفارَّةٌ بين الله وبين الخلق، فأولاهم بها أكرمهم عند الله- تعالى- يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فإن استويا في الورع، فالأفقه أولى من الأقرأ، وهو قول عطاءٍ ومالك، والأوزاعي.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق: الأقرأ أولى لظاهر الحديث.
قلنا: إنما قدم النبي- صلى الله عليه وسلم- الأقرأ: لأن الصحابة كانوا يتعلمون العلم أولاً، ثم القرآن، فقرَّاؤهم كانوا فقهاء، وفي زماننا يتعلمون القرآن أولاً، ثم يتعلمون الفقه، فلا يكون كل قارئ فقيهاً وإنما قدمنا الفقه على القراءة؛ لأن ما يجوز به الصلاة من القراءة محصور، وما يقع من الحوادث في الصلاة لا يحصى، فالفقيه أهدى إليها، وأعرف بها من القارئ، فإذا استويا في الفقه، فالأقرأ أولى ممن هو أقدم هجرة وإسلاماً، فإذا استويا في القراءة، فالذي هو أسلم، وهاجر أولاً أولى من الأسنِّ والأنسب، وكذلك المسلم الأصلي أولى من الذي أسلم بعد الكُفرِ، فإن استويا في الإسلام والهجرة، فالأسنّ والأنسب أولى، فإن كان أحدهما أسنَّ، والآخر أنسب بأن كان شيخ عجمي، وشاب قرشي، ففيه قولان.
في الجديد: الأسن أولى؛ لما روي عن مالك بن الحويرث قال: قال لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "صلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدكم وليؤمَّكم أكبرُكم".
ولأن السن فضيلة في نفسه، والنَّسب في آبائه.
وقال في القديم النسب أولى؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش"، وقال: "قدموا قريشاً".
وإن استويا في السن والنسب، ولكن أحدهما أقدم إسلاماً، فهو أولى من الآخر، فإن كان الآخر أسنّ وأنسب، ففيه قولان:
أحدهما: الذي أبوه أقدم إسلاماً أولى، كما لو أسلما بأنفسهما.
والثاني: الأسنّ والأنسب أولى؛ لأنه فضيلة في ذاته، ثم بعد هذه الخصال يقدم من فيه زيادة فضيلة من نظافة الثوب، وطيب الصناعة، وحسن الصوت، وحسن الوجه ونحوهما، وإذا اجتمع هؤلاء، والسُّلطان أو نائبه حاضر، فهو ومن قدمه أولى من غيره، وإن كانت هذه الخصال في غيره، كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج.
وإذا اجتمع مع إمام المسجد، فإمام المسجد أولى، كان لابن عمر مولىً يصلي في مسجد، فحضر فقدمه مولاه فقال ابن عمر: أنت أحقُّ بالإمامة في مسجدك.
وإذا اجتمع هؤلاء في دار إنسان، فصاحب الدَّار أولى بالإمامة منهم.
قال ابن مسعود: من السُّنة ألا يؤمَّهم إلا صاحب البيت، ويعني بصاحب الدار ساكن الدَّار، سواء كان يسكنها بإجارة أو عارية حُرّاً كان أو عبداً، حتى لو اجتمع مالك الدَّار مع المستأجر، أو المستعير، فالمستأجر والمستعير أولى بأن يتقدّم، أو يقدم من شاء، ولا يتقدم غيره بغير إذنه، فإن كان يسكنها عبد وسيده حاضر، فالسيد أولى.
وإن كان العبد مأذوناً في التجارة، فإن كان العبد مع غير السيد، فالعبد أولى، وإن كان الدار للكاتب وسيِّده حاضر، فالمُكاتب أولى، وإن كانت الدار مشتركة بين رجُلين، فإن كان أحدهما حاضراً فهو أولى، وإن كانا حاضرين لا يتقدم غيرهما إلا بإذنهما، ولا يتقدم أحدهما إلا بإذن الآخر، وإن كان أحدهما حاضراً، والمستعير من الآخر فهو كحضورهما.
وإذا كان السُّلطان أو نائبه حاضراً، أو الحاكم، فهو أولى من صاحب البيت بالتقدم
والتقديم، والخليفة أولى ممن دونه من الوُلاة.
وروي عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة لا تُجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخطٌ، وإمام قومٍ وهم له كارهون".
وهذا إذا كره القوم إمامته لمعنى غير محمود في الشرع مثل أئمة الظلم، أو من يغلب عليها، وهو غير مستحق لها، فإن لم يكن شيء من ذلك، وكان مستحقاً للإمامة، فاللوم على من كرهه، وإن كرهه بعض القوم، نظر إن كرهه الأقل، فلا تكره إمامته حتى يكرهه أكثر القوم؛ لأن أحداً لا يخلو ممن يكرهه.
والله أعلم.
باب صلاة المسافر
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101] الآية.
روي عن يعلى بن أُميَّة قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس، فقال عمر: عجبت مما عجبت، فسألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: "صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
رخص السفر ثمانية: أربعة منها لا يجوز إلا في السَّفر الطويل، وهي قصر الصلاة، والفطرُ في شهر رمضان، والمسحُ على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن، والجمع بين صلاتين.
وأربعة يجوز في السَّفر الطويل والقصير جميعاً، وهو التيمُّم عند عدم الماء، وأكلُ الميتة، وترك الجمعة، وصلاة النَّافلة إلى الطريق على أصح القولين.
وحدُّ السفر الطويل هو ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي، فتكون خمسة عشر فرسخاً وثلث، كل ثلاثة أميال فرسخ.
وقال في موضع: ثمانية وأربعون ميلاً، فتكون ستة عشر فرسخاً، وهو الاحتياط وقال
في موضع: أربعة برد، وكل بريد يكون أربعة فراسخ، ويكون ذلك مسيرة يومين.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: حدُّ السفر الطويل مسيرة ثلاثة أيام، ودليلنا ما روي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين يفطران في أربعة برد.
وقال عطاء لابن عباس: اقصُر إلى "عرفة" قال: لا ولكن إلى "جدة" "وعسفان" والطائف".
قال مالك: بين "مكة" "والطائف" "وجدة" "وعسفان" أربعة برد، ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والرحال، وفيما دونه لا تتكرر.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: وأحب ألا يقصر في أقل من ثلاثة أيام، إنما قال ذلك للخروج عن الخلاف، ولا فرق بين أن يكون سفره في برٍّ أو بحر، والخوف ليس بشرط لجواز القصر.
قال ابن عباس: سافر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين "مكة" "والمدينة" آمناً لا يخاف إلا الله يصلي ركعتين.
والقصرُ والفِطر رخصتان يجوز أن يتم الصلاة، ويصوم رمضان، وهو قول عثمان، وابن مسعود؛ لما روي عن عائشة قالت: كل ذلك فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قصر الصلاة،
وأتم، إلا أن الصوم أفضل من الفطر إذا كان لا يجهده الصوم.
أما الصلاة ففيها قولان:
أحدهما: إتمامها أفضل كالصوم.
والثاني: وهو الأصح القصر أفضل؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم- "فاقبلوا صدقته" ولأن فيه قبول الرخصة مع فراغ الذمة، بخلاف الصوم، فإنه إذا أفطر تبقى ذمته مشغولة بالقضاء، وغسل الرِّجل أفضل من المسح على الخف؛ لأن المسح على الخف بدل، والإتيان بالأصل أولى، كما لو وجد في السفر ما يباع بأكثر من ثمن المثل، له أن يصلي بالتيمم، فلو اشترى الماء وتوضأ كان أفضل.
وقال أكثر أهل العلم: القصر واجب في السفر لا يجوز الإتمام، وهو قول عمر، وعليّ، وابن عمر، وابن عباس، وبه قال مالك، وأبو حنيفة- أن فرض المسافر ركعتان، حتى لو صلَّى أربعاً لا تصح صلاته.
وعند أبي حنيفة: إن لم يقعد في الثانية بطلت، وإن قعد فالأخريان نفل.
قال الشافعي: وأكره ترك القصر رغبة عن السُّنة، أراد به إذا كان يجد الرجل في نفسه من القصر، كراهية، فيواظب على الإتمام، يكره له الإتمام، وكذلك المسح على الخفَّين، وسائر الرخص إذا كان يثقل عليه، فالأولى أن يأخذ بالرخصة حتى تزول عنه تلك الكراهية، ثم إن شاء أخذ بالعزيمة، ولا يجوز القصر إلا في صلاة الظهر والعصر والعشاء بردّها إلى ركعتين، أما صلاة الصبح والمغرب، فلا يقصران؛ لأنه لم يرد به الشرع.
والمقيم إذا نوى السفر يصير مسافراً لمجرد النية، ولا يجوز له أن يترخص حتى يخرُج؛ لأن الله- تعالى قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ [النساء: 101] علق جواز القصر على الضرب في الأرض، بخلاف المسافر إذا نوى الإقامة في موضع الإقامة يصير مقيماً، وإن لم يمسك عن المشي؛ لأن الأصل في الإنسان الإقامة، فيعود إليها بمجرد النيَّة، والسفر عارض لا يثبت حكمه إلا وجود فعل السفر، نظيره مال القُنُية لا يصير للتجارة بالنيَّة حتى ينضم إليها التصرف، وينقطع حكم التجارة بمجرد نيَّة القُنْية.
ويجب أن ينوي الخروج إلى مسافةٍ يقصر فيها الصلاة، ويفارق بنيان البلد أو القرية
التي فيها، والمواضع المنسوبة إليها من السور والمقابر المتصلة بها حتى يجوز له القصر، وإذا بلغ خرابات البلد، فإن كان وراءها عمران، فحتى يفارقها، وإن لم يكن وراءها عمران، فله أن يقصر فيها؛ لأنها صارت مهجورة، ولا يجوز الجمعة فيها، ولا يشترط مجاوزة المزارع.
وإن كانت قريتان متصلتان لا انفصال بينهما، فيشترط مفارقتها، وإن كان بينهما
انفصال، فإذا فارق قريته جاز له القصر بين القريتين، وإن كان من أهل الخيام فحتى يفارق البيوت المتلاصقة والمتنابذة، ويفارق فناء خلته من مطرح الرَّماد، وملقى السِّماد، ومتحدث النادي، وملعب الصبيان، ومعاطن الإبل، وإن كان مستقره على صعود، فحتى يهبط، أو في هبوط فحتى يصعد، ولا يشترط أن تغيب البيوت والخيام عن بصره، وإن كان مسافراً في البحر والساحل متصل بالبلد، فحتى يركب السفينة وتجري.
وإن كانت السفينة كبيرة لا تتصل بالساحل، ويُنقل المتاع إليها بالزوارق، فله أن يقصر في الزورق، فكل موضع شرطنا مفارقته لجواز القصر، فإذا عاد من سفره، وبلغ ذلك الموضع صار مقيماً لا يجوز له القصر.
وإذا اتصلت السفينة بالساحل، والساحل متصل بالبلد لم يجز له القصر.
وإذا فارق البلد، ثم عادل حاجة من تجديد طهارة، أو عيادة مريض، أو حمل متاع نسيه، نظر إن كان ذلك بلد إقامته أو بلداً نزله، فنوى فيه إقامة أربع عاد مقيماً ولا رخصة له حتى يفارقها ثانياً، وكذلك لو نوى أن يعود لمثل هذا الشغل صار بالنية مقيماً.
أما إذا لم يكن مقيماً في تلك البلدة، فبالعود إليها لا يصير مقيماً، وله أن يقصر فيها.
أما إذا كان قد نوى إقامة أربع، فنوى الخروج [إلى قرية] لحاجة على أن ينصرف فيجعل ذلك البلد طريقاً، ويرجع إلى بلده له أن يقصر إذا فارق هذا البلد؛ لأن الإقامة قد زالت بنيَّة السفر.
ولو ركب السفينة، فسارت، وثبت له حكم السفر، ثم هبَّت ريح، فردَّت السفينة إلى مقرها لا ينقطع حكم السفر، حتى لو كان في خلال الصلاة بنيَّة القصر، جاز له القصر، بخلاف ما لو عاد إلى البلد لشغل؛ لأن ثمَّ عاد إلى بلد إقامته باختياره، ورجوع السفينة لم يكن باختياره.
وقال في رواية البويطي: فإن خرجوا من البلد، وأقاموا في موضع حتى يجتمعوا، أو يخرجوا لم يجز لهم الترخص؛ لأنهم لم يقطعوا بالسفر، فإن قالوا: ننتظر يومين وثلاثة، فإن لم يخرجوا سرنا جاز لهم القصر؛ لأنهم قطعوا بالسفر.
ويشترط أن ينوي سفراً يبلغ مسافة القصر، فإن لم يقصد ذلك، بل خرج هائماً على وجهه لا يدري أين يذهب، أو خرج لطلب غريم، أو عبد آبق لا يدري موضعه لا يجوز له أن يقصر، وإن سار مائة فرسخ.
وكذلك البدويّ إذا رحل منتجعاً، على أنه متى وجد مكاناً معشباً أقام، لم يجز له القصر، فإن وجد الغريم، أو العبد الآبق، وعزم على الرجوع إلى بلده، فإن كان من ذلك الموضع إلى بلده، مسافة القصر، له أن يقصر، وإن كان أقل فلا يقصر.
وإن خرج لطلب الغريم، وموضعه معلوم، وكان على مسافة القصر، له أن يقصر، وإن خرج فنوى مسافة القصر، ثم نوى أنه إن وجد غريمه، أو عبده رجع، نظر إن نوى هذا قبل أن يفارق عمرانات البلد فلا رخصة؛ لأنه غير النية قبل أن انعقد له حكم السفر، وإن نواه بعد مفارقة عمرانات البلد، ففيه وجهان:
أحدهما: لا قصر له، كما لو كانت هذه النية في الابتداء.
والثاني: وهو الأصح- له القصر إلى أن يجد الغريم أو العبد، فإذا وجده صار مقيماً؛ لأنه انعقد له سبب الرُّخصة، فبتغير النية لا يتغير حتى يوجد المغير للنية، وكذلك لو نوى الخروج إلى مسافة القصر، ثم بعد ما فارق البلد نوى أن يقيم في بلد دون مقصده الأول، نظر إن كان من مخرجه الأول إلى مقصده الثاني مسافة القصر، جاز له أن يقصر ما لم يدخل مقصده الثاني، وإن كان من مخرجه الأول إلى مقصده الثاني أقل من مسافة القصر، هل له أن يقصر إلى مقصده الثاني؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كما لو أنشأ السفر إلى هذا المقصد، لا يجوز له القصر.
والثاني: وهو الأصح- له أن يقصر ما لم يدخل مقصده الثاني؛ لأنه انعقد له سبب الرُّخصة، فلا تتغير ما لم يوجد غيره، كما ذكرنا في طلب الغريم.
ولو نوى الخروج إلى بلد لا يقصر إليه الصلاة، ثم بعد الخروج نوى أن يجاوز إلى بلد تقصر إليه الصلاة، فابتدأ سفره من حين غيَّر النيَّة، فإن كان من هذا الموضع إلى مقصده الثاني مسافة القصر، جاز له أن يقصر، وإن كان أقل فلا يجوز له.
ولو نوى بلداً لا تبلغ مسافة القصر، وعزم أن ينصرف في يوم، أو يومين لا يباح له القصر وإن كان مسافة الذِّهاب والرجوع تبلغ مسافة القصر.
وإن نوى بلداً تبلغ مسافة القصر، وفي عزمه الانصراف في يومين، أو ثلاثة أيام، هل يصير مقيماً بدخول مقصده؟ فيه قولان:
أحدهما: يصير مقيماً؛ لأن مسافة الرجوع منقطعة عن مسافة الذهاب.
والثاني: وهو المذهب لا يصير مقيماً، وله القصر في أيام مقصده، كما في الانصراف؛ لما روي عن أنس قال: خرجنا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- من "المدينة" إلى "مكة"، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى "المدينة" قيل له: أقمتم بـ "مكة" شيئاً؟ قال أقمنا بها عشراً.
فلا فرق على ظاهر المذهب بعد ما نوى مسافة القصر بين أن يدخل مقصده إذا لم يُرد إقامة أربع، وبين أن يدخل بلداً على طريقه، فإن كان في عزمه أن يقيم في مقصده أربعة أيام، فبدخوله يصير مقيماً.
وإن لم يكن في عزمه إقامة أربع، فجاوز أربعاً، ففيه أقوال ستأتي إن شاء الله عزَّ وجلَّ.
وإن نوى الخروج إلى مسافة القصر، فقبل أن يدخل مقصده نوى أن يجاوزه إلى بلد آخر، فلا يصير مقيماً بدخول مقصده الأول، فله أن يقصر فيه؛ لأنه بناء سفر على سفر.
وإن نوى المُجاوزة بعد دخول مقصده، فقد صار مقيماً بدخول مقصده، فلا يجوز له القصر حتى يخرج عن مقصده الأول، ويشترط أن يكون بين مقصده الأول والثاني مسافة القصر.
وإذا سافر العبد بسير المولى، أو المرأة بسير الزوج، ولم يعرفا مقصد المولى والزوج لا يجوز لهما القصر.
ولو نوى العبد أو المرأة مسافة القصر، فلا عبرة بنيتهما؛ لأنهما تحت أمر المولى والزوج، فلو عرفا مقصد المولى والزوج إلى مسافة القصر، جاز لهما القصر، فإن نوى المولى والزوج الإقامة لا يثبت حكم الإقامة للعبد والمرأة.
قال أبو حنيفة: للعبد أن يترخص تبعاً للسيد، وإن لم يعرف مقصده، وبإقامته يصير مقيماً، وكذلك المرأة مع الزوج.
وإذا سار الجندي بسير الأمور، ولم يعرف مقصد الأمير، لا قصر له، فلو نوى هو بنفسه مسافة القصر جاز له القصر؛ لأنه ليس تحت يد الأمير، ولو نوى مسافة القصر، ثم في خلال الطريق نوى الرجوع، أو ردد النيَّة بين أن يرجع، أو يمضي صار مقيماً في الحال، فإن رجع لا قصر له، إلا أن يكون من مرجعه إلى بلده مسافة القصر، وإن مضى فلا قصر له، إلا أن يكون من ذلك الموضع إلى مقصده مسافة القصر.
ولو كان له إلى مقصده طريقان: أحدهما يبلغ مسافة القصر، والآخر لا يبلغ، فسلك الأبعد، ينظر إن سلك لغرض من سهولة، أو أمنٍ أو نزهةٍ، أو قصد زيارة، أو عيادة، له أن يقصر، وإن سلك الأبعد لغير غرضٍ، فهل له القصر؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، وهو اختيار المزني- له أن يقصر؛ لأنه سفر مباح، كما لو لم يكن له طريق سواه.
والثاني: لا قصر له؛ لأنه طوَّل الطريق على نفسه لغير غرض، كما لو سلك الأقرب، وجعل يضرب يمنة ويسرة حتى طال الطريق لا قصر له.
أما إذا كان كلُّ واحد من الطريقين مسافة القصر، وأحدهما أطول، فسلك الأطول جاز له القصر، وإن طال مقامه في سلوكه.
فصلٌ
إذا دخل المسافر بلداً، ونوى إقامة ثلاثة أيام، أو ثلاثة ونصف لا يصير مقيماً، وله القصر، وإذا نوى أربعة أيام، أو تنجيز حاجة لا تنجَّز إلا في أربعة أيام يصير في الحال مقيماً، وهو قول عثمان، وبه قال سعيد بن المُسيب، ومالك؛ لأن المسافر لا يدوم سيره ليلاً ونهاراً، بل يستريح قليلاً، وما دون الأربع في حد القِلّة، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "يُقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً فإذا زاد على الثلاث كان في حدِّ الإقامة".
وقال أبو حنيفة، والثوري: له القصرُ ما لم ينوِ إقامة خمسة عشر يوماً.
إذا ثبت أن الأربع مدة الإقامة، فهل يحسب يوم الدخول، أو يوم الخروج؟ ففيه وجهان:
أحدهما: يحسب، كما في مسح الخُفّ يحسب يوم الحدث ويوم نزع الخفّ.
والثاني: وهو الأصح- لا يحسب حتى لو دخل البلد يوم السَّبت أول النهار، وعزم على أن يخرج يوم الأربعاء آخر النهار، لا يصير مقيماً؛ لأن العادة أن المسافر لا يداوم على مسير جميع النهار، إنما يسير في كلِّ يوم بعضه، فهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار، فلم يُحسب في مدة الإقامة.
روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دخل "مكة" عام حجّة الوداع يوم الأحد، وخرج يوم الخميس إلى "منى" كل ذلك يقصر.
ولو نوى المسافر إقامة أربعة أيام في غير موضع الإقامة في مفازةٍ أو سفينة هل يصير مقيماً؟ فيه قولان:
أظهرهما: يصير مقيماً؛ لأنه نوى الإقامة.
والثاني: لا يصير مقيماً؛ لأنه ليس موضع الإقامة، وكذلك لو نوى إقامة أربعة أيام على حرب، فعلى قولين:
أصحهما: لا يقصر كالأمن، وليست هذه المسألة أن يقيم على حرب، على أنه متى انقضى خرج في قول لا يقصر.
والثاني: له أن يقصر؛ لأن الإقامة في الحرب ليست إليه، وأصله أن الاعتبار بالنيَّة، أو بالموضع، وهذا بناءً على ما لو دخل المسافر بلداً له به أهل ومال وعادته المقام- مجتازاً هل يصير بدخوله مقيماً؟ فيه قولان:
أحدهما: يصير مقيماً لأنه موضع إقامته.
والثاني: لا لأنه لم ينو الإقامة، فإن قلنا: يصير مقيماً لا يجوز له القصر ما لم يخرج عن هذا البلد، ويقصد مسافة القصر، إن قلنا هناك: يصير مقيماً؛ لأنه موضع إقامته، فها هنا لا يصير مقيماً؛ لأنه ليس موضع الإقامة.
وإن قلنا: لا يصير مقيماً لعدم النيَّة، فها هنا يصير مقيماً لوجود النيَّة.
ولو دخل بلداً على أنه يخرج في يومين أو ثلاثة، وزاد مقامه على أربعة أيام من غير
أن يعزم المقام، أو قصد تنجيز شغل يتنجَّز في يومين أو ثلاثة [أيام]، فامتدَّ، أو لم يجد الرُّفقة، فله أن يقصر إلى أربعة أيام، فإن جاوز الأربع، نصَّ على أنه يتم، ونصَّ فيما لو كان على حرب خائفاً أنه يقصر سبعة عشر، أو ثمانية عشر.
قال في "الإملاء" له أن يقصر ما لم يجمع مكثاً، اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: في المسألة ثلاثة أقوال خائفاً كان أو آمناً:
أحدها: إذا جاوز أربعاً أتمّ، كما لو عزم على إقامة أربع؛ لأنه مدة الإقامة.
والثاني: له أن يقصر سبعة عشر، أو ثمانية عشر يوماً؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- أقام في حرب هوازن سبعة عشر، أو ثمانية عشر يقصر.
والثالث: له أن يقصر أبداً ما لم ينو إقامة أربع.
روي أن ابن عمر أقام بـ "أذربيجان" ستة أشهر يقصر، وهو اختيار المُزنيّ.
ومنهم من قال: الآمن لا يقصر أكثر من أربعة أيام، والأقوال الثلاثة في المُحارب؛ لأن للحرب أثراً في تغيير صفة الصلاة، بدليل أنه يجوز في حال المحاربة ترك الركوع والسُّجود والقِبلة.
أحدها: إذا جاوز أربعاً أتمَّ.
والثاني: يقصر ما لم يمض مدة إقامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بـ "مكة"، واختلفوا في مدة إقامته، روى عمران بن حصين ثمانية عشر يوماً، واختلفت الرواية عن ابن عباس في مقام
النبي- صلى الله عليه وسلم- بـ "مكة" عام الفتح، روي أنه أقام تسعة عشر، وروى سبعة عشر وروى خمسة عشر، فاعتمد الشافعي رحمه الله على رواية عمران بن حصين في ثمانية عشر لسلامتها من الاختلاف.
والقول الثالث: يقصر أبداً؛ لما روي عن جابر أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أقام بـ "تبوك" عشرين يوماً يقصر، هذا كله إذا نوى الإقامة لقضاء حاجةٍ الغالب قضاؤها في ثلاثة أيام، له أن يقصر أربعة أيام، فإن زاد فعلى الاختلاف، فإن احتمل قضاؤها في ثلاثة أيام، واحتمل في أكثر، فهل له أن يقصر؟ فعلى قولين.
فصلٌ
لا يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة حتى ينوي القصر حالة الشروع في الصلاة، فلو أطلق النية لزمه الإتمام.
وعند أبي حنيفة: لا يحتاج إلى نيَّة القصر؛ لأن القصر عنده عزيمة، فلو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، ثم نوى الإتمام، أو ردَّد النية بين أن يُتم، أو يقصر، أو نوى الإقامة، أو كان في سفينة، فاتصلت السفينة ببلد الإقامة لزمه الإتمام، وإن كان قبل السلام بلحظة؛ لأن العبادة إذا اشترك فيها السفر والحضر يغلب حكم الحضر؛ لأنه الأصل، كما لو شرع في الصلاة مقيماً فجرت السفينة، لم يجز له القصر.
ولو شكَّ في نية القصر لزمه الإتمام، وإن تذكر في الحال قبل إحداث فعل أنه نوى القصر؛ لأن حالة الشك كحالة عدم النيَّة.
وإذا تأدّى جزء من الصلاة على التمام لزمه الإتمام، وكذلك لو شك أنه ابتدأ الصلاة مقيماً، أو في السفر يجب الإتمام.
ولو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، ثم أفسدها، له أن يقصرها، ولو شرع فيها بنية الإتمام [أو] مطلقاً، أو اقتدى بمقيم، ثم أفسدها لم يجز له أن يقصرها بعده؛ لأنه التزم الإتمام بالشروع الأول.
وكذلك لو شرع مقيم في الصلاة فأفسدها، ثم خرج إلى السفر لم يجز قصرها ولو شرع بنية الإتمام، أو اقتدى بمقيم، أو متمٍّ، ثم بان أنه كان محدثاً لم يلزمه الإتمام؛ لأن الشروع لم يكن صحيحاً.
ولو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، ثم قام إلى الثالثة ساهياً، ثم تذكر يجب أن يعود، ويسجد للسهو، ويسلّم، فلو نوى الإتمام، عليه أن يقعد، ثم يقوم.
وقيل: له أن يمضي قائماً، فلو صلى على السهو ركعتين، ثم تذكر فبدا له أن يُتمّ
يجب، عليه أن يصلّي ركعتين أخريين، ولو قام إلى الثالثة عامداً قبل أن ينوي الإتمام أو الإقامة، بطلت صلاته.
ولو اقتدى مسافر بمقيم، أو مسافر متمّ لحظة، لزمه الإتمام، ولو اقتدى بمن لم يدر أنه مقيم أو مسافر، فقال: إن كان مسافراً قاصراً قصرت، وإلا أتممت، فبان الإمام مسافراً قاصراً، لزمه الإتمام؛ لأنه كان شاكاً في كونه مسافراً، والأصل هو الإقامة.
وبمثله لو اقتدى بمن علمه مسافراً، لكنه شك في نيَّته، فعلّق نيته على نيته، فقال: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت، جاز، فإن قصر إمامه جاز له أن يقصر معه؛ لأن الظاهر أن المسافر يقصر، ولا يمكنه الوقوف على حقيقة نيَّته، فجاز التعليق عليها، فلو أحدث الإمام وخرج، فإن أخبره أني كنت نويت القصر، فله أن يقصر، وإن لم يخبره، وشكّ في حاله، لزمه الإتمام؛ لأنه شاكٌ في جواز الرُّخصة.
ولو قام هذا الإمام إلى الثالثة، نظر إن علم المأموم أنه نوى الإتمام، عليه الإتمام، وإن علم أنه ساهٍ، وقل ما يعرف إلا أن يكون الإمام حنفياً لا يرى الإتمام، فلا إتمام عليه، بل إن شاء خرج عن متابعته، وسجد للسهو وسلّم، وإن شاء انتظره حتى يعود.
وإن شك في حاله أنه قام ساهياً أو متمّاً، عليه الإتمام، وإن بان ساهياً، وليس له أن يخرج عن متابعته، فيقصر؛ لأن قيامه في أحد المحتملين للإتمام، ويتقوى هذا الجانب بأن الأصل عدم السهو.
ولو افتتح الصلاة خلف مسافر قاصر بنيَّة القصر، ثم شك في نية إمامه، فله أن يقصر إذا قصر إمامه؛ لأن هذا الشك لو اقترن بالشروع لم يمنع القصر، وبمثله لو شك أن إمامه مقيم، أو مسافر، لزمه الإتمام، وإن بان مسافراً، ولو اقتدى بمتمًّ، أو بمن شك في سفره، فبان الإمام محدثاً، لزمه الإتمام، وإن كان إمامه مسافراً قد نوى القصر؛ لأنه التزم الإتمام بالاقتداء به، وإن اقتدى بمن علمه مسافراً، فبان مقيماً محدثاً، نظر إن بان كونه مقيماً، أو لزمه الإتمام وإن بان كونه محدثاً أو لا، أو بانا معاً لم يلزمه الإتمام؛ لأن اقتداءه به لم يصح، ولأنه اعتقده مقيماً فلم يلزمه حُكم صلاته.
ولو اقتدى بمن علمه مسافراً، ثم فسدت صلاته، أو صلاة إمامه بحدث أو غيره، ثم بان أنه كان مقيماً، عليه الإتمام، لأن اقتداءه به كان صحيحاً، ولو اقتدى مسافر بمقيم، ونوى القصر تنعقد صلاته، وتلغو نيَّة القصر، بخلاف المقيم إذا شرع في الصلاة بنيَّة القصر لا تنعقد صلاته؛ لأن المقيم ليس من أهل القصر، والمسافر من أهله، إنما لزمه الإتمام
لعارض، فلا يضره نيَّة القصر، كما لو شرع في الصلاة، ثم نوى الإتمام يتمها، فإن قيل: كيف يحصل له الركعتان الأخريان وهو لم ينوهما؟.
قال الشيخ- رحمه الله-: بنيَّة القصر لا ينتفي الإتمام، بدليل أنه إذا صار مقيماً باتصال السفينة بدار الإقامة يلزمه الإتمام، وإن لم ينوِ.
ولو شك المسافر هل نوى الإقامة أم لا، أو دخل بالليل بلداً شكّ هل هذا مقصده أم لا؟ فلا يجوز له القصر؛ لأن الأصل وجوب الصلاة عليه تامةً، وهو يشك في سبب الرُّخصة، وجواز القصر كما لو شك في بقاء مدة المسح لا يجوز له المسح.
ولو صلى الظُّهر بنيَّة القصر خلف مسافر يصلّي العصر بنيَّة القصر، جاز له أن يقصر.
ولو صلّى خلف من يُصلّي المغرب مقيماً، كان أو مسافراً، لا يجوز له القصر.
ولو صلى خلف من يصلي الصبح مقيماً كان أو مسافراً، هل له القصر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لاتفاق الصلاتين في العدد.
والثاني: وهو الأصح والمذهب- لا يجوز؛ لأنه اقتدى بمتمٍّ.
ولو صلّى خلف من يصلي الجمعة، قيل: إن قلنا: الجمعة ظُهر مقصور، له أن يقصر.
وإن قلنا: فرض آخر، فكالصُّبح.
والمذهب أنه لا يجوز له القصر، سواء قلنا: الجمعة ظهر مقصور، أو فرض آخر؛ لأن صلاة الإمام صلاة مقيم، بل هو أولى من الصبح؛ لأن الجمعة في السفر لا تجوز.
ولو اقتدى جماعة من المسافرين والمقيمين بمسافر قاصر، فإذا سلّم الإمام أتم المقيمون صلاتهم؛ لما روي عن عمران بن حُصين قال: غزوات مع النبي- صلى الله عليه وسلم- وشهدت معه الفتح، فأقام بـ "مكة" ثمانية عشر ليلة لا يُصلّي إلا ركعتين، يقول: "يا أهل البلد صلُّوا أربعاً فأنا سفرٌ".
فلو رَعف الإمام، وتقدم مقيم خليفة، فكل من دام من المسافرين على مُتابعة الخليفة يجب عليه الإتمام، ومن أتم صلاته منفرداً، فلا إتمام عليه، وإذا عاد الإمام واقتدى بخليفته، فكذلك عليه الإتمام، وإن صلى منفرداً له أن قصر.
فصلٌ
إذا فاتته صلاة في الحضر فقضاها في السفر لا يجوز له قصرها اعتباراً بحالة الفوات؛ لأنه ثبت في ذمته صلاة تامة.
وقال المزني: له أن يقصر، كما لو فاتته صلاة في حالة القدرة، ثم مرض جاز له أن يقضيها قاعداً اعتباراً بحالة القضاء.
قلنا: لأن إزالة المرض ليس إليه، فربما يموت، والصلاة في ذمته، وقطع السفر وإتمام الصلاة بيده، فيلزمه الإتمام، فلو فاتته صلاة في السفر، هل يجوز قضاؤها قصراً؟ فيه قولان:
أصحها: وهو قوله في الجديد- لا يجوز؛ سواء قضاها في السفر، أو في الحضر، والوقت شرط لجواز القصر كما في الجمعة.
وقال في القديم: يجوز قضاؤها قصراً، سواء قضاها في السفر، أو في الحضر، وبه قال أبو حنيفة اعتباراً بحالة الفوات.
وقال في الإملاء: إن قضاها في السفر جاز قصرها، وإن قضاها في الحضر، فلا يجوز، فعلى هذا إن كان قد تخلل بين السفرين إقامة، هل يجوز له القصر؟ فيه وجهان.
فإن قلنا بقوله الجديد: إن الوقت شرطٌ لجواز القصر، فلو شرع في الصلاة بنيَّة القصر، فخرج الوقت في خلالها، نظر إن كان قد صلى ركعة في الوقت، جاز له قصرها، وإن صلى أقل من ركعة، يجب إتمامها.
وقال صاحب "التلخيص": يجب عليه الإتمام، وإن صلى في الوقت ركعة، كما في الجمعة إذا خرج الوقت قبل أن يسلم، يجب عليه أن يصلي أربعاً، والأول أصح؛ لأن الجمعة أكدت بشرائط من العدد والجماعة والخُطبة، ودار الإقامة، والقصر لم يؤكد بشيء منها، وكذلك لا يشترط أداء جميعها في الوقت.
ولو أن مقيماً أخَّر الصلاة من أوَّل الوقت، ثم سافر في آخر الوقت قبل خروج الوقت، جاز له قصر تلك الصلاة؛ لأن الوقت باقٍ.
وقال ابن سُريج: لا يجوز له القصر؛ لأن الصلاة تجب بأول الوقت، وهو كان مقيماً في أول الوقت، ألا ترى أن المرأة إذا حاضت بعد إمكان فعل الصلاة في أول الوقت يلزمها تلك الصلاة؟.
قلنا: أصل الصلاة وجوبها بأول الوقت، ومقدار يستقر عليه بآخره، كما في الجنابة يعتبر أصل الضمان بحالة الجنابة، ويعتبر المقدار بالمال.
فصلٌ
الأخذ بالرُّخصة إنما يجوز إذا كان سفره طاعةً، أو كان مباحاً كتجارة أو نزهة أو زيارة أو نحوها، فإن كان سفرة معصية، مثل أن خرج لقطع الطريق، أو هرب العبد من مولاه، أو المرأة من زوجها، أو هرب من غريمه مع القدرة على أداء حقه، فلا رخصة له في هذا السفر.
وقال أبو حنيفة: يجوز للعاصي بسفره أن يترخص قلنا: الرخصة إنما جوزت للمسافر تخفيفاً، عليه، وإعانة له على تحمُّل المشقة، والعاصي لا يجوز إعانته على ما هو فيه، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
إذا ثبت أنه لا يترخص، فلا يجوز له قصر الصلاة، ولا فطرُ شهر رمضان، ولا الجمع بين الصلاتين، ولا المسح على الخُفّ ثلاثة أيام، ويجوز أن يمسح يوماً وليلة؛ لأنه في
حكم المقيمين وقيل: لا يجوز، والأول المذهب.
وإذا عدم الماء يجب عليه أن يصلي بالتيمم، ويجب عليه الإعادة؛ لأنه في حم المقيم.
وقيل: لا يجب؛ لأنه صلى بالتيمم، حيث يعدم الماء غالباً، والأول المذهب.
ولو كان معه ماء، ويخاف العطش لا يجوز أني صلي بالتيمم حتى يتوب، فإن لم يتُب، وتوضأ به ومات عطشاً كان عاصياً من وجهين:
أحدهما: لعصيانه.
والثاني: لإعانته على قتل نفسه، حيث لم يتُب حتى يتوصل إلى الشرب.
وكذلك لو اضطر إلى أكل الميتة لا يجوز له أكلها حتى يتُوب، بخلاف المقيم العاصي؛ لأن احتياجه إلى الميتة ليس لما يتعاطاه من المعصية.
وقيل: المقيم المضطر إذا كان عاصياً لا يجوز له أكل الميتة ما لم يتُب.
وإذا خرج إلى سفر مباح، غير أنه يرتكب المعاصي في الطريق جاز له الترخص؛ لأن الرخصة سبب السَّفر المباح، وسفره مباح.
ولو أنشأ سفر معصية، ثم تاب، فمن ذلك الموضع ابتدأ سفره، فإن كان من ذلك الموضع إلى مقصده مسافة القصر، جاز له القصر بعده، وإلا فلا.
ولو أنشأ سفراً مباحاً، ثم غير النيَّة إلى المعصية، فهل له الترخص؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لو أنشأ السفر بهذه النية.
والثاني: له ذلك؛ لأن سفره انعقد على الإباحة.
ولو جرح رجل في قطع الطريق، وخاف الهلاك من استعمال الماء، هل له أن يصلي بالتيمم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا حتى يتُوب، فإن لم يتُب وغسل الجرح، ومات كان عاصياً من وجهين.
والثاني: وهو الأظهر- له التيمم؛ لأنه غير عاصٍ باستدامة الجرح، وهل يعيد؟ وجهان.
ولو ألقى نفسه من شاهق، أو وثب لاعباً فتكسَّرت رجله وصلى قاعداً، هل عليه القضاء إذا برئ؟ ففيه وجهان:
أحدهما: يجب كما لو زال عقله بالإلقاء.
والثاني: وهو الأصح- لا يجب؛ لأن سقوط القيام عن العاجز عزيمة، وعمن زال عقله رخصة، ولا رخصة للعاصي.
فصلٌ: في الجمع بين الصلاتين
روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كنا على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء.
يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر الطويل يروى ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقال النخعي، وأبو حنيفة: لا يجوز الجمع بحال إلا في الحج يجمع بين الظهر والعصر بـ "عرفات" وبين المغرب والعشاء بـ "مزدلفة"، والحديث حُجة لمن أجازه، ولا يجوز في السفر القصير على ظاهر المذهب، ولا يجوز الجمع بين العشاء والصبح، ولا بين الصبح والظهر، ولا بين العصر والمغرب، وفي الجمع هو مخير، إن شاء قدم العصر إلى وقت الظهر، فجمع بينهما في وقت الظهر، وإن شاء أخَّر الظهر إلى وقت العصر، يجمع بينهما في وقت العصر، وكذلك المغرب مع العشاء إذا بقي المسافر في منزل يوماً أو يومين أو ثلاثة، فله الجمع، ولكن الأفضل أني صلي الصلوات في أوقاتها، فإن كان سائراً، فالمستحبُّ أن يفعل كما فعل الرسول- صلى الله عليه وسلم-.
روي عن معاذ بن جبل أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان في غزاة "تبوك" إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى ينزل العصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء.