التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 486-491

الإسلام-: لا يجوز أن يعود إليهم، ولا يدعه الإمام أن يعود إليهم، ولا كفارة عليه للإكراه.
وقال الزهري، والأوزاعي: يجب أن يعود حتى لا يصير ذلك ذريعة لحبس الأساري.
ولو شرطوا عليه أن يعود، أو يبعث إليهم مالاً-: لا يجوز أن يعود، ولا يجب أن يبعث المال، ويستحب أن يبعث المال.
وعند الزهري والأوزاعي: يجب أن يعود، ويبعث المال.
ولو اشترى الأسير من الكفار شيئاً بأضعاف ثمنه، أو بمثل ثمنه، أو باعوا منه فرساً ليركبه ويأتي به دار الإسلام- نظر: إن اشتراه طوعاً-: لزمه جميع الثمن، وإن أكرهوه عليه-: لم يصح، وعليه رد ما اشترى؛ كما لو أكرهه مسلم على الشراء.
وقيل: هو كبيع مال الغير بغير إذنه: في "الجديد": باطلٌ، وترد العين.
وفي "القديم": موقوف.
فإذا دخل دار الإسلام: إن شاء رد، وإن شاء أجاز، وأعطى الثمن.
وقيل: يصح، ويلزمه الثمن قولاً واحداً؛ لأنه معاملة مع أهل الشرك، فيجوز فيها ما لا يجوز في معاملة المسلمين.
وفداء الأسير جائز؛ فلو قال الأسير: أطلقوني على كذا، ففعل، وقال الكافر: افتد نفسك على هذا المال، ففعل-: لزم؛ لأنه غر مكره، فلو قال مسلم لكافر: أطلق أسيرك، ولك عليَّ ألف، فأطلقه-: يجب عليه الألف، كما لو قال: أعتق أم ولدك على ألف، ففعل-: يجب الألف.
ومن فدى أسيراً بماله، من غير مسألة الأسير-: لا يرجع على الأسير بشيء.
ولو قال الأسير: "افدني بكذا" بشرط أن يرجع، ففدى-: يرجع عليه، وإن لم يشترط الرجوع-: هل يرجع؟ فيه وجهان: أصحهما: يرجع.
ولو فدى الأسير نفسه بمال، ثم استولى عليه المسلمون-: هل يرد إلى الأسير؟ فيه وجهان: أحدهما: يرد؛ لأنه كان مقهوراً في أدائه؛ كما لو غصبوا من مسلم شيئاً، ثم استولى عليه المسلمون-: يجب رده.

والثاني: لا يجب [رده]، بل هو غنيمة؛ لأن الكافر ملكه.
فصلٌ إذا حاصر الإمام قلعة؛ فنزل أهلها على حكم حاكم-: جاز؛ لأن بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لقد حكمت بحكم الملك".
ويجب أن يكون الحاكم مسلماً حراً ذكراً عاقلاً بالغاً عدلاً عالماً؛ لأنه ولايةٌ كولاية القضاء.
ويجوز أن يكون أعمى؛ لأن ما يوجب الحكم بينهم مشهور يدرك بالسماع، كالشهادة فيما طريقه الاستفاضة: تصح من الأعمى، ويكره أن يكون الحاكم حسن الرأي فيهم، ولكن يجوز حكمه؛ [لأنه عدل في الدين.
وإن نزلوا على حكم حاكم يختاره الإمام-: جاز؛ لأنه لا يختار إلا من يجوز حكمه].
وإن نزلوا على حكم حاكم يختارونه- لم يجز إلا أن يشترط أن يكون على الصفات التي ذكرناها، وإن نزلوا على حكم اثنين - جاز؛ لأنه تحكيم في مصلحة طريقها الرأي؛ فجاز أن يجعل إلى اثنين؛ كالتحكيم في اختيار الإمام.
وإن نزلوا على حكم من لا يجوز حكمه-: ردوا إلى القلعة، وكذلك: لو نزلوا على حكم حاكم، فمات، أو على حكم اثنين، فمات أحدهما-: ردوا إلى القلعة.
ولا يحكم الحاكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين من القتل، أو الاسترقاق، أو المن، أو الفداء.
وإن حكم بعقد الذمة، وأخذ الجزية-: ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنهم نزلوا على حكمه.
والثاني: لا يجوز: لأنه عقد معاوضة؛ فلا يجوز من غير رضاهم.
وإن حكم الحاكم أن من أسلم منهم استرق، ومن أقام على الكفر قتل-: جاز، ثم إن أراد الإمام أن يسترق من حكم بقتله-: لم يجز؛ لأنه لم ينزل على هذا الشرط.

وإن حكم عليهم بالقتل، ثم رأى الإمام أن يمن عليهم -: جاز؛ لأن سعد بن معاذ؛ حكم بقتل رجال بني قريظة، وسأل ثابت بن قيس الأنصاري أن يهب له الزبير بن باطا اليهودين فوهب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.
وإن حكم باسترقاقهم-: لم يجز أن يمن عليهم إلا برضا الغانمين؛ لأنهم صاروا مالاً لهم.
وإن حكم بما لا يوافق الشرع؛ مثل: إن حكم بقتل الصبيان، والنسوان-: لم ينفذ.
ولو استنزلهم على أن ما يقضي الله فيكم، نفذته-: لم يجز؛ لأنهم لا يعرفون حكم الله، عز وجل: رُوي عن بريدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال: وإن حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله-: فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا"، والله أعلم.
باب فتح السواد سواد "العراق"فتحت في زمن عمر عنوة، وصارت [أراضيها] للغانمين، فاستطاب عمر - رضي الله عنه- أنفسهم بمال عوضهم عنها، وضرب عليها خراجاً معلوماً، ولولا أن الغانمين ملوها-: لم يكن عمر - رضي الله عنه- يعوضهم عنها.
وعند أبي حنيفة: يتخير الإمام في العقار المغنوم بين أن يقفها؛ كما فعل عمر بسواد "العراق"، وبين أن يترك إلى الكفار؛ كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعقار "مكة"، وبين أن يقسمها بين الغانمين، كالمنقول.
وعندنا، يقسم العقار؛ المنقول.
"ومكة" فتحت صلحاً، وفي سرد قصة الفتح بيان أنها مفتوحة صلحاً، وسواد "العراق" قسمها عمر بين الغانمين، ثم عوضهم عنها باستطابة أنفسهم.
قال جرير بن عبد الله البجلي: "كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم عمر ربع السواد، فاشتغلوا ثلاث سنين".
قال جرير: "فقدمت على عمر، فقال عمر: لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم، ولكني أرى أن تردوا على الناس؛ ففعلوا" وإنما فعل عمر ذلك، خوفاً من أن يشتغل الناس بالزراعة والحرث؛ فيختل أمر الجهاد.

قال جرير: فعاضني عمر من حقي نيفاً وثمانين ديناراً، ومعى امرأة يقال لها: أم كرز، فقالت: شهد أبي القادسية، وثبت سهمه، ولا أسلمه حتى تملأ كفي دنانير، وفمي لآليء، وتُركبني ناقة حمراء، ففعل عمر، فتركت حقها".
وحد سواد "العراق" من "عبادان" إلى "الموصل" طولاً، ومن "القادسية" إلى "حلوان" عرضاً.
قال الشافعي: هو اثنان وثلاثون ألف [ألف جريب.
وقال أبو عبيد: ستة وثلاثون ألف ألف جريب، ولا تدخل فيه البصرة، وإن كانت داخلة في حد السواد؛ لأنها كانت أرضاً سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص، وعتبة بن غزوان، بعد الفتح.
واختلف أصحابنا فيما فعل عمر بأراضي السواد.
قال ابن سريج: باعها من أهلها، وما يؤخذ من الخراج ثمن منجم يؤدون كل سنة شيئاً، بدليل أن من زمن عمر إلى زماننا تباع تلك الأراضي، وتبتاع من غير إنكار [أحد]؛ فعلى هذا: لا يجوز أن يُزاد على ما وضع [عمر]، ولا ينقص.
وقال الأكثرون: وقفها عمر على المسلمين، والخراج المضروب عليها أجرة منجمة يؤدونها كل سنة؛ نص عليه في "سير الواقدي"؛ فيجوز أن يزاد عليها وينقص عنها.
فإن قلنا: إنه كان بيعاً-: فيجوز لأهلها بيعها، وهبتها، ورهنها.
وإن قلنا: كان وقفاً-: لا يجوز بيعها، ولا هبتها، ولا رهنها، وإنما تنقل من يد إلى يد.
وعلى الوجهين: يجوز إجارتها.
فإن قيل: إذا جعلتموه بيعاً-: كيف يجوز البيع بثمن إلى أجال غير معلومة؟: قلنا: قد يجوز للإمام أن يفعل في أموال الكفار ما لا يجوز في أموال المسلمين؛ لما يرى فيه من المصلحة.
فإن قلنا: إنه وقف-: فهل تدخل المنازل في الوقف؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل جميعها في الوقف.

والثاني: لم يدخل فيه إلا المزارع؛ لأن دخولها في الوقف يؤدي إلى خرابها.
د فأما الثمار التي فيها، فهل يجوز لمن هي في يده الانتفاع بها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ بل يأخذها الإمام للأرض؛ فيبيعها، ويصرفها في المصالح.
والثاني: يجوز؛ لأن الحاجة تدعو إليه؛ كما في المساقاة، وما يؤخذ من هذه الأراضي-: فلمصالح المسلمين يجوز صرفها إلى أهل الفيء والصدقات، والفقراء والأغنياء؛ على ما يراه الإمام، ومن الأهم فالأهم.
وروي الشعبي في قدر الخراج: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعث عثمان بن حنيف -رضي الله عنه- فجعل على كل جريب شعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب القصب والشجر ستة دراهم، وعلى جريب الكرم ثمانية دراهم، وعلى جريب النخل عشرة دراهم، وعلى جريب الزيتون اثني عشر درهماً.
وروى أبو مجلز: "أن عثمان بن حنيف فرض على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية".
ولو أراد الإمام: أن يقف أرضاً من الغنيمة اليوم بطيبة أنفس الغانمين، أو بمال يرضيهم به، كما فعل عمر - رضي الله عنه-: يجوز، ومن لم يطب به نفساً-: فهو أحق بماله.
أما ما فُتحت من أراضيهم صلحاً-: ففيه مسألتان: أحداهما: أن يصالحهم على أن تكون الأراضي للكفار، وهم يؤدون عن كل جريب في كل سنة كذا؛ فهذا جائز، والمضروب عليهم جزية، بشرط أن يكون المضروب عليهم قدراً يبلغ في حق كل حالم ديناراً [فأكثر]، ولا يؤخذ من أراضي الصبيان، والنسوان، والمجانين؛ لأنه لا جزية عليهم.
وهل يجب أن يؤدوا ذلك عن الموات؟ نظر: إن كانوا يمنعوننا عنه-: يجب.
وإن كانوا لا يمنعوننا عنه- فلا يجب، ومن أحياه-: يملكه.
ولو أنهم أحيوا منه شيئاً بعد الصلح-: لا يجب عليهم أن يؤدوا [منه إلا أن يشترط عليهم أن يؤدوا] عما يحيوا؛ فيجب، وإذا أسلموا- يسقط عنهم ذلك بالإسلام، ويجوز

لهم بيع تلك الأراضي ورهنها؛ لأنها ملكهم.
ولو اشترى مسلم أرضاً من تلك الأراضي-: [فلا خراج عليه، ومصرف ذلك المال مصرف الفيء؛ لا حق فيه لأهل الصدقات].
المسألة الثانية: أن يصالحهم على أن تكون الأراضي للمسلمين، وهم يسكنونها، ويؤدون كل سنة عن كل جريب كذا؛ فهذا جائز، ويكون إجارة، والمال المضروب عليهم أجرة الأرض، ويجب عليهم مع تلك الأجرة الجزية، وتجوز تلك الأجرة، قلت أو كثرت، ولا يشترط أن تبلغ في حق كل حالم ديناراً، ويؤخذ من أراضي الصبيان، والنسوان، والمجانين، ويؤخذ من الموات، عن كانوا يمنعوننا عنه، وإلا فلا تسقط تلك الأجرة عنهم بإسلامهم.
وإذا وكلوا مسلماً بإعطائه-: يجوز، وفي الصورة الأولى: هو كالتوكيل بإعطائه الجزية، ومصرفه - أيضاً - مصرف الفيء، ولا يجوز لهم بيعها، ولا رهنها؛ لأنهم لا يملكونها.
ولو استأجر مسلم أرضاً من هذه الأراضي-: يجوز في الصورتين جميعاً؛ لأن الرقبة؛ إن كانت لهم-: فيجوز لهم إجارتها، وإن كانت للمسلمين-: فهم مكترون، ويجوز الاكتراء من المكتري.

جارٍ التحميل