التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 442-485

باب فرض الجهاد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية، [البقرة: 216] وقال جل ذكره: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] كان القتال مع المشركين - ممنوعاً [عنه] في ابتداء الإسلام، بل كان يلزمهم الصبر على أذى المشركين؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: 77]،

وقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ووجبت الهجرة على من قدر عليها، ومن لم يقدر عذره الله - تعالى- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ....﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا...﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 97/ 98]. وقطع الله الولاية بين من هاجر وبين من لم يهاجر، فقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] إلى أن فتحت مكة - ارتفع وجوب الهجرة من مكة إلى المدينة؛ رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال [يوم الفتح]: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم - فانفروا"؛ فأراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، وهي باقية في حق كل من أسلم في دار

الحرب، ولم يقدر على إظهار دينه، وقدر على الهجرة؛ فيجب عليه أن يهاجر إلى دار الإسلام؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، لا تتراءى ناراهما" ومن لم يقدر على الهجرة - لا تلزمه الهجرة، وإن كان قادراً عليها؛ ولكنه مُطاعٌ في قومه - يقدر على إظهار دينه، ولايخشى الكفار على نفسه، ولا الفتنة في دينه - لا تجب عليه الهجرة، ولكن يستحب له أن يهاجر، حتى لا يكون مكثراً لسوادهم فلا يؤمن أن يميل إليهم قلبه؛ وإذا استولى المسلمون على ذلك البلد - يسترق ولده.
ثم لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة - أذن الله عز وجل في القتال مع من قاتلهم، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]، ثم أبيح ابتداء القتال معهم؛ فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]، ثم أوجب الله

الجهاد؛ فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، وقال: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [التوبة: 41]، وقال: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: 39].
والجهاد اليوم فرض على الكفاية، إذا كان الكفار فارين من بلادهم، فإذا خرج من تقع بهم الكفاية - سقط الفرض عن الباقين.
واختلفوا في أن هل كان فرضاً على العين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -: منهم من قال: كان فرضاً على العين لقلة المسلمين، وكثرة المشركين؛ بدليل أن الله تعالى ألحق الوعيد بمن لم يجاهد، فقال: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: 39].
ومنهم من قال: كان فرضاً على العين لقلة المسلمين، وكثرة المشركين؛ بدليل أن الله تعالى ألحق الوعيد بمن لم يجاهد، فقال: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: 39].
ومنهم من قال: كان فرضاً على الكفاية، والوعيد لمن ترك إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن إجابته واجبة على كل من دعاه، وإن كان في الصلاة؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24].
فصل فيما يجب عليه الجهاد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ...﴾ [التوبة: 91] الآية وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17] الآية [النور: 61].
الجهاد مع المشركين [فرض في الجملة]؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ﴾

[البقرة: 216]، وهو ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية، ففرض العين: أن يدخل الكفار دار قوم من المسلمين، أو [ينزلوا] باب بلدهم، فيجب على المكلفين من الرجال من أهل ذلك البلد.
الجهاد؛ يستوي فيه الفقير والغني، والحر والعبد؛ للدفع عن أنفسهم وجيرانهم، وعلى العبيد الخروج بغير إذن ساداتهم؛ فهذا النوع معلى من قرب منهم: فرض على العين، وهو في حق من بعد فرض على الكفاية، فإن وقعت الكفاية بمن قرب [منهم]- لا تجب على من بعد، بل تستحب، فإن لم تقع بهم الكفاية - يجب على من بعد إذا لم يكن له عذر.
ولا يجوز لمن قرب من الكفار أن يؤخروا قتالهم مع الإمكان إلى أن يحضر الأبعدون، ثم من كان على أقل من مسافة القصر - عليه الخروج، إذا وجد الزاد وعلى من كان على مسافة القصر فأكثر: إذا وجد الزاد والراحلة.
وكذلك إذا دخلوا دار الإسلام، ولم يهجموا على بلد فعلى من دون مسافة القصر الخروج إلى جهادهم: إذا وُجد الزاد، وعلى من فوقها: إذا وجد الزاد والراحلة، ولا يدخل في هذا القسم العبيد، ولا الفقراء، لأن الله تعالى قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 41]، والفقير لا مال له، والعبد لا يملك نفسه؛ بل هو ملك للسيد، وخدمة السيد فرض عليه متعين، والجهاد - ههنا - فرض على الكفاية.
فأما النساء وغير المكلفين: من الصبيان، والمجانين، والضعفاء - فلا جهاد عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17].
وفرض الكفاية قسمان: أحدهما: يكون على المسمين، وهو ما ذكرنا؛ أن العدو إذا دخلوا دار الإسلام، فيفرض على من بعد منهم فرض كفاية، فإن قام به من تقع به الكفاية - سقط الفرض عن الآخرين، وإن قعد عنه كلهم - عصوا جميعاً، كرد السلام، والصلاة على الميت، ودفنه، والقيام بتعلم العلم، وفرض على الكفاية إذا سلم على جماعة فرد منهم واحد - سقط

الفرض عن الباقين، وإذا قام بدفن الميت والصلاة عليه من تقع به الكفاية، أو قام بتعلم العلم من تقع به الكفاية سقط الفرض عن الباقين؛ وألا - عصوا جميعاً؛ والدليل على أنه فرض على الكفاية قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ...﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95]، ذكر فصل المجاهدين، ثم وعد الحسنى لمن جاهد ولمن قعد، ولو كان فرضاً على العين - لم يكن يعد الحسنى لمن قعد وترك الفرض.
القسم الثاني: من فروض الكفاية: يكون على الإمام، وهو: أن يكون الكفار فارين من بلادهم، لم يقصدوا المسلمين ولا بلداً من بلادهم؛ فعلى الإمام ألا يُخلي كل سنة من غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه؛ حتى لا يكون الجهاد معطلاً، فإن فعل في كل عام مراراً - كان أفضل؛ لما فيه من قوة الإسلام، وقمع أهل الشرك، فإن لم يفعل، فأقله مرة في كلسنة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدع ذلك، ولأنه يحتاج إلى مالٍ يتعيش به، هو الجند؛ ولا وجه إلا من الجهاد.
قال الشافعي - رحمه الله-: ولا يدع ذلك في كل سنة إلا لضرورة أو عُذر؛ فالضرورة: أن يكون في المسلمين ضعف، وفي الأعداء كثرة؛ بخلاف الاصطلام لو ابتدأهم بالقتال؛ فهو مضطر إلى تركه.
والعذر أن يكون في الطريق ضيقٌ، وقلة علفٍ، فيؤخر على إدراك الغلة، أو يرجو مدداً يلحقهم، أو يرجو إسلام قوم، لو ترك قتالهم - فيجوز التأخير؛ كما أخر النبي -صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية.
وإنما يجب فرض الكفاية على من وجد أهبة الخروج: من الزاد والراحلة، ووجد نفقة الذهاب والروع له ولمن تلزمه نفقته، فإن لم يجد - فليس له أن يتطوع بالخروج، ويدع الفرض، وكل عذر يمنع وجوب الحج - يمنع وجوب الجهاد إلا الخوف؛ فإنه يمنع وجوب الحج، ولا يمنع وجوب الجهاد؛ [لأن الجهاد يجب مع الخوف].
فصلٌ: في الأعذار قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17].

لا يجب الجهاد على المعذورين: من النساء وغير المكلفين: من الصبيان والمجانين ولا على الضعفاء.
وحده: أن من كان به علة لا يمكنه المحاربة معها والثبوت على الدابة إلا بمشقة شديدة - فلا جهاد عليه؛ فلا يجب الجهاد على النساء؛ لأنهن يضعفن عن القتال، سألت عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت هل على النساء جهاد؟ قال: نعم؛ جهاد لا شوك فيه: الحج والعمرة"؛ فدل أن الجهاد الذي فيه شوكٌ، وهو السلاح والقتال - لا يلزمهن، وكذلك: لا يجب على الخنثى المشكل؛ لأنه لا يدري أنه رجلٌ.
ولا يجب على الصبيان، والمجانين؛ لما رُوي عن علي

-[رضي الله عنه]-

، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: رُفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ".

وروي عن عبد الله بن الزبير؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد يوم بدر نفراً من الصحابة يستصغرهم" ولا يجب على الأعمى؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: 61]، ويجب على الأعور، والأعشى، وهو: الذي يُبصر بالنهار دون الليل، فإن كان في بصره سوء نظر: إن كان يدرك الشخص، وما يتقيه من السلاح - يلزمه الجهاد؛ وإلا - فلا يلزمه.
ولا يجب على الأعرج؛ لعجزه عن القتال؛ سواء كان أعرج الرجل الواحدة.
أو أعرج الرجلين، وعند أبي حنيفة: يجب على أعرج الرجل الواحدة] وإن كان الأعرج يمكنه القتال على الدابة، وله دواب - لا يلزمه؛ لأن الدواب، إذا هلكت - لا يمكنه الفرار، وإن أمكنه المشي - فيكون مشيه ناقصاً يشق عليه القتال والهرب، وإن كان به عرج يسير يقدر معه على الركوب والمشي والقتال - يجب عليه، ولا يجب على الأقطع والأشل؛ لأنه يحتاج في القتال إلى يد يضرب بها، ويتقي بها، وإن كان مقطوع أكثر الأصابع - لا يجب، وإن كان مقطوع الأقل - يجب، ولا يجب على المريض المثقل؛ للآية، ولعجزه عن [الصيال]، ويجب على من به حمى خفيفة، أو قليل صداع.
ولا يجب على الفقير الذي لا يجد ما يُنفق في طريقه فاضلاً عن نفقة عياله، ومن يلزمه نفقته؛ لقوله تعالى: ﴿... وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91].

وإذا كان القتال على مسافة القصر، ولم يقدر على مركوب يحمله - لا يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92] فإن بذل له الإمام مركوباً - يجب أن يقبل ويجاهد؛ لأن ما يعطيه الإمام حقه، وإن [بذله] غيره؛ لا يلزمه القبول؛ لأنه اكتساب مال تجب به العبادة؛ فلا يجب؛ كاكتساب المال للحج والزكاة، [وإن] كان عليه دين [حال] فليس له أن يجاهد بغير إذن غريمه؛ رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين".
وإن استتاب من يقضيه، بمال حاضر - جاز أن يخرج؛ لأن الغريم يصل على حقه في الحال، وإن كن من مال غائب - لم يجز؛ لأنه قد يتلف قبل وصوله إليه.

وإن كان الدين مؤجلاً - فوجهان، وقيل: إن لم يخلف وفاء - فليس له أن يخرج [إلا بإذن رب الدين، ولرب [الدين] منعه، وإن خلف وفاء - ففيه وجهان: أحدهما: له أن يجاهد] دون إذنه؛ لأنه يترك ما يقضي به الدين.
والثاني: ليس له إلا بإذنه، لأنه ربما يقتل ويتلف المال، فيضيع حق صاحب الدين، وهذا بخلاف ما لو أراد المديون سفراً آخر سوى الجهاد، والدين مؤجل - ليس لصاحب الدين منعه، وإن لم يبق من الأجل إلا يوم، لأن الظاهر من ذلك السفر السلامة، والمجاهد يعرض نفسه للقتل؛ طلباً للشهادة، وإذا قتل - يضيع حق صاحب الدين؟ ولو كان على أحدٍ من المرتزقة دين مؤجلٌ - فهل له الخروج بغير إذن من له الدين، إذا لم يخلف وفاء؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك؛ كغير المرتزقة.
والثاني: له ذلك؛ لأنه قد استحق عليه هذا الخروج بكتبه اسمه في الديوان، ولعله لا يمكنه أداء الدين إلا بما يجري عليه من الرزق، أو بما يصيب من الغنيمة.
وإن كان له أبوان مسلمان - لا يجاهد إلا بإذنهما، وكذلك: إذا كان أحدهما مسلماً- لا يجاهد إلا بإذنهما، وكذلك: إذا كان أحدهما مسلماً - لا يجاهد إلا بإذنه، لما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما [فجاهد]،وروي: فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما، ولأن الجهاد فرض

على الكفاية ينوب غيره فيه عنه، وبرُّ الوالدين متعين عليه؛ فلا يجوز تركه لفرض الكفاية.
وإن لم يكن له أبوان [وله جد أو جدة، فلا يجاهد إلا بإذنهما، كالأبوين، فإن كان له أبوان] وجد وجدة فهل يلزمه استئذان الجد مع الأب، واستئذان الجدة مع الأم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنهما محجوبان.
والثاني: وهو الأصح-: يلزم؛ لأن بر الجدة والجد لا يسقط بالأبوين، ولا تنقص شفقتهما بالأبوين.
وإن كان الأبوان كافرين - فله أن يجاهد بغير إذنهما؛ لأنه لا تطيب أنفسهما بقتال أهل دينهما.
وإن كانا مملوكين ففيه وجهان:

أحدهما: له أن يجاهد دون إذنهما؛ لأنه لا حكم لهما في أنفسهما؛ فلا يعتبر إذنهما لغيرهما.
والثاني: وهو الأصح عندي-: لا يجاهد إلا بإذنهما؛ لأن المملوك كالحر في البر والشفقة.
وإن كان الجهاد فرضاً متعيناً؛ بأن أحاط العدو بهم، أو هجموا على بلدٍ - فعليه أن يجاهد بغير إذن الأبوين، وصاحب الدين؛ لأن ترك الجهاد - ههنا؛ يؤدي إلى الهلاك.
فحيث قلنا: لايخرج إلا بإذن أهل الدين والأبوين؛ فخرج بغير إذنهم - عليه أن يرجع قبل حضور الوقعة والتقاء الزحفين، إلا أن يخاف على نفسه في الرجوع - فلا يرجع، وإن كان بعد حضور الوقعة - هل له أن يرجع؟ فيه وجهان: والثاني: لا يجوز أن يرجع؛ لأنه افترض عليه الجهاد بحضور الوقعة.
وإن خرج بإذن الأبوين وبإذن الغريم، ثم رجعا، أو كان الأبوان كافرين، فخرج بغير إذنهما، ثم أسلما، ولم يأذنا: فإن كان بعد حضور الوقعة - فلا يجوز أن يرجع؛ لأنه افترض عليه الجهاد، وإن كان قبل حضور الوقعة - عليه أن يرجع إلا أن يكون قد دخل دار الحرب، وخاف على نفسه من الكفار، أو يخشى انكسار قلوب المسلمين برجوعه - فليس له أن يرجع.
وإذا خرج العبد إلى الجهاد بإذن المولى - له أن ينصرف قبل حضور الوقعة؛ وبعده - فلا؛ لأن فيه ضرراً بالمسلمين.
ومن حدث به عُذرٌ: من مرض أو غيره - فله أن يرجع قبل حضور الوقعة؛ وبعده - لا يرجع.
قال الشيخ - رحمه الله -: عندي: إذا مرض - رجع، وإن قل سلاحه بعد حضور الوقعة - له أن يرجع، وإن مات فرسه: إن أمكنه أن يقاتل راجلاً - لا يرجع - وإلا - يرجع.
فصلٌ: في بعث السرايا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].

قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حُذافة؛ إذ بعثه النبي - صلى الله وعليه وسلم- في سرية.
ورُوي عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميراً على جيش أو سرية - أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً".
يكره الغزو بغير إذن الإمام، أو الأمير من قبله؛ لأن الإمام والأمير أعرف بأمر الغزو، ومصالحه من غيره.
فلو غزا قوم دون إذنه - جاز؛ لأنه ليس فيه أكثر من التعزير بالنفس، وذلك جائز في الجهاد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عمرو بن أمية الضمري، ورجلاً من الأنصار سرية وحدهما، وبعث عبد الله بن أنيس سرية وحده.
وإذا بعث الإمام سرية - يؤمر عليهم أميراً، ويأمرهم بطاعته، ويوصيه في حقهم.
رُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير - فقد أطاعني، ومن يعص الأمير - فقد عصاني.
وعلى الإمام أن يبدأ بقتال من يليهم من الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] ن ولأنهم أهدى إلى عورات المسلمين، والمؤنة في قتالهم أخف، فإن كان الخوف من الأبعد أكثر - بدأ بقتالهم، ويوادع من يليهم؛ حتى يأمن شرهم في الغيبة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وادع يهود المدينة، وغزا قريشاً.
ولا يجوز [استئجار المسلم] على الغزو، لأنه إذا حضر الوقعة يفترض عليه الجهاد، ولا يجوز أخذ الأجرة على أداء الفرض؛ كما لا يجوز استئجار الصيرورة على الحج؛ لأن الحج فرض عليه، وإذا أخذ الجرة عليه - رده، أما إذا جهز غازياً؛ فإن أعطاه مركوبه وسلاحه، أو الإمام دفع من بيت المال - فحسن؛ رُوي عن زيد بن خالد؛ أن

النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا".
وما يأخذه المرتزقة من مال الفيء - فهو حقهم، ليس بأجرة، ويجوز للإمام استئجار الذمي للجهاد، ولا يجوز ذلك لغير الإمام بغير إذنه، وتكون أجرته من خمس الخمس سهم المصالح، وهل يجوز استئجار العبد المسلم على الغزو للإمام أو لغيره؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه لا يفترض عليه [حضور الوقعة].
والثاني: لايجوز؛ لأنه قد يفترض عليه في الجملة؛ عند استيلاء الكفار على بلاد الإسلام.
ولو أكره الإمام جماعة من المسلمين على الغزو: فإن تعين عليهم الجهاد - فلا أجرة لهم، وإن لم يتعين عليهم - فعلى الإمام أجرتهم من حين أخرجهم إلى حضور الوقعة، ولا يجب لما بعده [أجرة الرجوع].
ولو أكره جماعة من أهل الذمة - عليه أجرتهم من حين أخرجهم إلى يوم خلاهم، ولاتجب أجرة الرجوع.
ولو أكره جماعة من العبيد - عليه أجرتهم من يوم أخرجهم إلى أن يعودوا إلى الموالي؛ لأن منفعة العبد - تُضمن باليد ويجوز للإمام أن يأذن للمشرك في الغزو؛ إذا رآه حسن الرأي في المسلمين، وأن يستعين بهم على قتال المشركين؛ إذا كان بالمشركين قوة ثم انضم بعضهم إلى بعض - قاومهم المسلمون؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - غزا يهود بني

قينقاع بعد بدر، وشهد معه صفوان حرب حنين، وهو مشرك، فإن لم يعرف منه حسن الرأي، لا يستعين به؛ روت عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى بدر، فتبعه رجل من المشركين قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع؛ فلن أستعين بمشرك ويمنع الإمام من الخروج من كان من أهل النفاق، ومن يخذل الجيش، ويرجف بهم، ويكاتب الكفار، ويتجسس لهم؛ قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] إلى أن قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: 47].

ويجوز أن يأذن للنساء في الخروج.
رُوي عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغزو بأم سليم.
ونسوة من الأنصار معه، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى.
وقالت أم عطية: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات؛ أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي لهم الجرحى، وأقوم على المرضى.
ويجوز أن يأذن لمن اشتد من الصبيان؛ لأن فيهم معونةً، ولا يأذن لمجنون، لأنه يعرضه للهلاك من غير منفعة.
ويتعاهد الخيل عند الخروج حتى لا يخرج إلا فرساً قوياً صالحاً للقتال، ويأخذ البيعة على الجيش ألا يفروا؛ لما روي عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فبايعناه تحت الشجرة [على ألا] نفر.
وينبغي أن يبعث الطلائع، ومن يتحسس أخبار الكفار؛ لما روي عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق: "من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، فقال: إن لكل نبي حوارياً، وحواريي الزبير.
ويستحب أن يخرج يوم الخميس؛ لما روي عن كعب بن مالك؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وقال: "قلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج في سفر إلا يوم الخميس، وقلما يقدم من سفر إلا ضحى، وكان يبدأ بالمسجد؛ فيركع ركعتين.
ورُوي عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم، بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشاً - بعثهم من أول النهار".

ويستحب أن يعقد الرايات؛ ويجعل تحت كل راية طائفة، ويجعل لكل قوم شعاراً حتى لا يقتل - بعضهم بعضاً في البيات؛ رُوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا بيتكم العدو - فليكم شعاركم: "حم لا ينصرون"، وعن سمرة بن جندب قال: كان شعار المهاجرين، عبد الله، وشعار الأنصار: "عبد الرحمن".
وقال سلمة بن الأكوع: غزونا مع أبي بكر زمن انبي - صلى الله عليه وسلم - فبيتناهم نقتلهم، فكان شعارنا تلك الليلة أمت أمت"، ويستحب أن يدخل دار الحرب بتعبئة الحرب؛ ليكون أحوط وأبلغ في إرهاب العدو.
وروي عن ابن عباس في قصة الفتح قال: أسلم أبو سفيان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس: "احبس أبا سفيان عن الوادي؛ حتى تمر به جنود الله، فحبسه، فمرت به القبائل على راياتها، حتى مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتيبة الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد".
وعن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، [وجعل الزبير على المجنبة اليسرى]، وجعل أبا عبيدة على البياذقة، وبطن الوادي".

وإذا كان العدو ممن لم تبلغهم الدعوة - لم يجز قتالهم؛ حتى يدعوهم إلى الإسلام؛ لأنه لا يلزمهم الإسلام قبل بلوغ الخبر إليهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]، وإن بلغتهم الدعوة - فالمستحب أن يعرض عليهم الإسلام، لما رُوي عن سهل بن سعد؛ أن

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر لعلي انفذ على رسل، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله [فيه]، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حُمرُ النعم.

ولو قاتلهم من غير أنا يعرض عليهم الإسلام - جاز؛ لأنهم علموه روى عن نافع قال: أغار النبي - صلى الله عليه وسلم - على بني المصطلق وهم غارون [به] ". ثم إن كانوا من الكفار الذين لا يجوز إقرارهم بالجزية - قاتلهم؛ حتى يسلموا؛ لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها - عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
وإن كانوا ممن يجوز إقرارهم بالجزية؛ قاتلهم حتى يسلموا، أو يبذلوا الجزية، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ على قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
ورُوي عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا أمر أميراً على جيش أو سرية - قال: إذا لقيت عدوك من المشركين - فادعهم على ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك - فاقبل - منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك - فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم على التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها - فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ويجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة ولا في الفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا - فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك - فاقبل منهم وكف عنهم، وإن هم أبوا - فاستعن بالله، وقاتلهم.
ويستحب أن يستنصر بالضعفاء؛ لما رُوي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم.

وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يستفتح بصعاليك المهاجرين".
ويستحب أن يدعو عند لقاء العدو؛ لما رُوي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب على المشركين، فقال: "اللهم، منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم، اهزم الأحزاب، اللهم، اهزمهم وزلزلهم".
وفي رواية: وانصرنا عليهم".
ورُوي عن أبي موسى؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خاف قوماً -[قال]: اللهم، إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، والله أعلم.
باب جامع السير قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ...﴾ الآية [التوبة: 111]. ورُوي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يُكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يتعب دماً اللون لون الدم، والريح ريح المسك".
الجهاد من فضائل الأعمال؛ قال الله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: 95]، وروي عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض".
وعن أبي هريرة قال: قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم - ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله؛ لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله".

وينبغي أن تكون نيته في الجهاد إعلاء كلمة الله، وإظهار دينه.
رُوي عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل للذر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل؛ لتكون كلمة الله هي العليا -: فهو في سبيل الله".
ويجب أن يصير على القتال؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ إلى قوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 45].
والصبر: سبب النصر والظفر والأجر؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66]، وروي عن عبد الله بن أبي وفى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أيامه التي لقي فيها انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس قال: "يأيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".
ويجب أن يقاتل المشركين حتى يسلموا، ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية.
فإن لم يفعلوا -: حل قتل رجالهم، وتسبي نساؤهم وذراريهم، وتغنم أموالهم.
ولا يجوز قتل نسائهم وصبيانهم، إذا لم يقاتلوا؛ لما رُوي عن ابن عمر؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل النساء، والصبيان".

فمن وقع في الأسر من نسائهم وصبيانهم صار رقيقاً، وكان حكمه حكم سائر أموال الغنيمة، خمسه لأهل الخمس، وأربعة أخماسه للغانمين، وكذلك حكم عبيدهم، إذا وقعوا في الأسر.
أما الرجال الأحرار العاقلون البالغون، إذا وقعوا في الأسر -: فالإمام فيهم بالخيار: بين أن يقتلهم صبراً، وبين أن يمن عليهم فيخلي سبيلهم، وبين أن يفاديهم، ويون مال الفدية في الغنيمة، وبين أن يسترقهم فيقسمهم كسائر أموال الغنيمة، ويختار منها ما هو أنفع للمسلمين.
وهل يحل قتل شيوخهم الذين لا قتال فيهم؟ نظر: إن كان شيخاً له رأي في الحرب -: جاز قتله؛ قُتل دريد بن الصمة يوم حنين، وهو ابن خمس ومائة سنة، وكان شيخاً لا يستطيع الجلوس، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكر قتله.
وإن لم يكن فيه رأيٌ، هل يجوز قتله؟ فيه قولان؛ وكذلك العسفاء الذين لا يقاتلون، والرهبان، وأصحاب الصوامع، والعميان، والزمنى الذين لا يرجى زوال زمانتهم، هل يجوز قتلهم؟ فيه قولان: أحدهما- وهو اختيار المزني، - رحمه الله-: لا يتركون ويقتلون؛ لأنهم كفار أحرار مكلفون؛ كالشبان.

والثاني: وبه قال أبو حنيفة، - رحمه الله-: لا يُقتلون؛ لأنهم لا يقاتلون؛ كالنساء، [والصبيان]؛ رُوي أن أبا بكر بعث جيشاً إلى "الشام"؛ فنهاهم عن قتل الشيوخ، وأصحاب الصوامع".
ومن قال بالأول أجاب بأنه: إنما نهى عن قتلهم؛ ليشغلوا بالهم، وهم المقاتلة؛ كما أنه نهى عن قطع الأشجار المثمرة، وقد كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قطع نخل بني النضير، ولكن نهى عنه؛ ليشتغلوا بالأهم؛ ولأنه كان يرجو إبقاء نفعها للمسلمين؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان وعدهم فتح "الشام".
فإن قلنا: يُقتلون-: جاز استرقاقهم وسبي ذراريهم، ونسائهم، [وأموالهم].
وإن قلنا: لا يُقتلون-: لا يجوز استرقاقهم، وسبي نسائهم، وأولادهم، واغتنام أموالهم، وقيل في سبي زوجاتهم، وجهان؛ كسبي زوجة المسلم، إذا كانت حربية.
وإذا ترهبت المرأة، هل يجوز استرقاقها؟ فيه قولان؛ بناء على قتل الرجل الراهب، ويتوفى في القتال قتل قريبه الكافر؛ فن النبي - صلى الله عليه وسلم - كف أبا حذيفة بن عتبة يوم بدر عن قتل أبيه، وكف أبا بكر يوم أحد عن قتل ابنه عبد الرحمن، فلو سمع، أباه أو قريبه يذكر الله أو رسوله بسوء -: لم يكره، وله أن يقتله؛ فإن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه، وقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "كان يسبك"؛ فلم ينكر عليه.
فصلٌ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ الآية [الأنفال: 15].
إذا التقى الصفان، وكان بمقابلة كل مسلم مشركان-: [فإنه] لا يجوز لأحدٍ من المسلمين أن يولي هره فراراً، فمن فعل فقد باء بغضب من الله؛ إلا أن يولي متحرفاً

لقتال، وهو: أن يكمن في موضع ليكر عليهم، أو كان القتال في مضيق فيولي دبره، ليتبعه العدو إلى موضع واسع؛ فيسهل عليه القتال.
أو متحيزاً إلى فئة، وهو: أن يذهب إلى طائفة من المسلمين قليلة أو كثيرة، ريبة أو بعيدة؛ ليستنجدهم، فلا يأثم إذا كان قصده هذا.
وكان في ابتداء الإسلام، إذا كان في مقابلة كل مسلم عشرة-: ما كان يجوز الفرار؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65] وخفف الله

تعالى، [فأوجب على كل مسلم مصابرة اثنين]؛ فقال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66].
قال ابن عباس: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر.
وإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا لهم هلكوا-: فيه وجهان: أحدهما: لهم أن يولوا ظهورهم، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 45].
والثاني- وهو الصحيح-: ليس لهم أن يولوا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45]، ولأن المجاهد إنما يجاهد ليقتل ويُقتل.

فأما إذا كان بمقابلة كل مسلم أكثر من مشركين-: فيجوز أن يولي ظهره فراراً، رُوي أن خالد بن الوليد رد الجيش من حرب مؤتة؛ لكثرة العدو، فقال الناس: هم الفرارون، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-:"بل هو الكرارون".
[ثم إن غلب على نهم أنهم لا يهلكون-: فالأفضل أن يثبتوا] وإن غلب على ظنهم: أنهم يهلكون-: ففيه وجهان: أحدهما: يلزمهم أن ينصرفوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. والثاني: يستحب أن ينصرفوا، ولا يلزم؛ لأنهم إن قتلوا فازوا بالشهادة.
وإن كان بمقابلة كل مسلم أقل من مشركين، ولكنه مريض، أو لم يكن له سلاح-: فله أن يولي ظهره.
وكذلك: لو مات فرسه، ولا يمكنه أن يقاتل راجلاً-: له أن يرجع؛ لأنه لا يجوز أن يستسلم للقتل.
ولو لقي رجل من المسلمين رجلين من المشركين في غير الحرب: فإن طلباه، ولم يطلبهما-: فله أن يولي عنهما؛ لأنه غير متأهب للقتال، وإن طلبهما، ولم يطلباه -: فيه وجهان: أحدهما: له أن يولي؛ لأن فرض الجهاد في الجماعة.
والثاني: لا يجوز أن يولي؛ لأنه مجاهد؛ كما لو كان مع الجماعة.
وإن كان الكفار في حصن-: جاز للإمام نصب المنجنيق عليهم، ويجوز أن يفعل أينما كانوا ما يهمهم بالهلاك من التحريق والتغريق، وإن كان فيهم نساؤهم وذراريهم؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - شن الغارة على بني المصطلق، وأمر بالبيات بالتحريق، ونصب المنجنيق على أهل الطائف.
روى عن الصعب بن جثامة؛ "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن أهل الدار يبيتون من

المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال: "هم منهم".
وإن كان فيهم مسلمون مستأمنون، أو أسارى، فهل يجوز أن يفعل بهم ما يعمهم بالهلاك من التحريق والتغريق ونصب المنجنيق؟ نظر: إن كان في حال التحام القتال، والخوف على المسلمين أن يظفر بهم الكفار-: يجوز؛ لأن حفظ المجاهدين أولى من حفظ من بأيديهم.
وإن لم يكن ذلك، أو كانوا في حصن، فهل يجوز أن يفعل بهم ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز، حتى لا يؤدي إلى تعطيل الجهاد؛ كما لو كان فيهم نساؤهم، وذراريهم.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة إليه بخلاف الذراري والنساء؛ فإنهم منهم.
وإن تترسوا بأطفالهم ونسائهم: فإن كان في حال التحام القتال-: جاز الرمي، ويتوقى الأطفال والنساء، ما أمكنه؛ لأنا لو تركنا رميهم لمثل ذلك، لتعطل أمر الجهاد.
وإن كان في غير حال الحرب، ففيه قولان أحدهما: يجوز الرمي حتى لا يتعطل الجهاد، ويتوفى الأطفال والنساء.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى قتل أطفالهم ونسائهم من غير ضرورة.
وإن تترسوا بمسلم - نظر: إن لم يكن في حال التحام القتال-: لا يجوز أن يضربه، فإن ضربه فقتله-: فهو كما لو قتل رجلاً في دار الحرب، إن علمه مسلماً - عليه القود، وإن نه كافراً: فلا قود عليه، وتجب الكفارة، وفي الدية قولان.
وإن كان في حال التحام القتال والاضطرار على الرمي بالخوف على نفسه، وهو يعلم أنه مسلم فيرمي الكافر، ويتوقى المسلم، [فإن توصل إلى إصابة الكافر من غير أن يصيب المسلم، فأصاب المسلم -: وجب عليه القود]، وإن لم يتوصل إلى ضرب الكافر إلا بضرب المسلم-: لا يجوز ضربه، فإن ضربه-: قيل: في وجوب القود قولان؛ كالمكره.
وقيل: يجب قولاً واحداً؛ لأنه ليس ههنا من يحيل بالحكم عليه غيره.

ولو قصد الكافر، فأصاب المسلم-: فهو خطأ؛ فلا قود عليه، وعليه الدية، والكفارة، وإن لم يعلم أنه مسلم: فإن قصده-: فلا قود، وعليه الكفارة، وفي الدية قولان، وإن قصد الكافر، فأصابه-: فلا دية، وتجب الكفارة.
وإن تترسوا بذمي أو مستأمن أو عبدٍ-: لا يجوز الضرب؛ كما ذكرنا، فإن ضرب، وقتله-: فكل موضع أوجبنا في المسلم القود أو الدية-: فتجب في الذمي والمستأمن الدية، وفي العبد القيمة؛ وإلا فالكفارة.
ولو تترس الكافر بترس مسلم، أو ركب فرسه، فرمى إليه واحد من المسلمين، فأتلفه: فإن كان في غير حال التحام القتال-: يجب عليه الضمان، وإن كان في حال الالتحام: فإن أمكنه ألا يصيب الترس، والفرس، فأصابه-: ضمن، وإن لم يمكنه إلا به: فإن جعلناه كالمكره- لم يضمن؛ لأن المكره في المال-: يكون طريقاً في الضمان، وههنا: لا ضمان على الحربين حتى يجعل المسلم طريقاً، وإن جعلناه مختاراً-: ضمن.
ولو قاتلونا على خيلهم، ولم نجد سبيلاً إلى قتلهم إلا بعقرها-: جاز عقرها؛ لأنها أداة لهم على قتالنا؛ لما روي: "أن حنظلة بن الراهب عقر بأبي سفيان فرسه، وسقط عنه، فجلس على صدره ليذبحه، فجاء ابن شعوب، فقتل حنظلة، واستنقذ أبا سفيان، ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل حنظلة".
ولو غنم المسلمون أموال المشركين، ونزلوا فتبعوا الكفار، وأدركوهم، فخاف المسلمون أن يغلبوا عليهم، فيأخذوا الأموال، أو كان المال للمسلمين، فخافوا أن يأخذوها -نظر: إن لم يكن المال حيواناً -: جاز للمسلمين إتلافها وتحريقها، حتى لا يتقوى بها الكفار على المسلمين، وإن كان المال حيواناً-: لم يكن لهم عقره إلا أن يكون مأكولاً، فيذبحوه للأكل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بح الحيوان إلا لمأكلة".
وعند أبي حنيفة: يجوز عقره، فإن دعت إليه الضرورة: بأن كان المال خيلاً، والكفار لا خيل لهم، وخافوا أن يأخذها الكفار، ويقاتلوهم عليها-: جاز لهم قتلها.
ولو أدركونا، وفي أيدينا نساؤهم وصبيانهم-: لا يجوز قتلهم، وإن خفنا أن يستردوهم.

وإن احتاج المسلمون إلى تخريب ديار الكفار، وقطع أشجارهم؛ ليفظروا بهم-: جاز لهم أن يفعلوا لك؛ لما روي عن ابن عمر؛ "أن رسول الله قطع نخل بني النضير، وحرق، وفي ذلك نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر 5].
وهل لهم أن يفعلوا ذلك لغير حاجة؟ نظر: إن لم يغلب على ظن المسلمين أنهم يملكونها-: جاز، وإن غلب على الظن أنهم يملكونها-: فالأولى ألا يفعلوا.
وهل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن أبا بكر- رضي الله عنه- نهى عن ذلك؛ ولأنها تصير غنيمة للمسلمين، فلا يجوز إتلافها.
والثاني: يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله.
فصلٌ: في الأمان رُوي عن علي- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المسلمون تتكافأ

دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم".
يجوز عقد الأمان للكفار، وهو قسمان: خاص، وعام.
فالأمان العام: هو أن يعقد الإمام لأهل الشرك بأسرهم في جميع الأقاليم؛ فلا يجوز ذلك إلا للإمام الأعظم إذا رأى المصلحة فيه، ولو بعث الإمام خليفة على إقليم مثل خراسان والشام ونحو ذلك-: فيجوز له عقد الأمان لمن يليه من الكفار من أهل ذلك الإقليم، وأهل تلك الناحية دون جميعهم؛ وكذلك: عقد الذمة.
والأمان الخاص: هو أن يؤمن شخصاً أو شخصين أو عشرة؛ فيصح ذلك من كل

مسلم مكلفٍ، رجلا كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً، سواء كان العبد مأذوناً في القتال أو لم يكن، روي عن أم هانيء قالت:"أجرت رجلين من أحمائي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد أمنا من أمنت".
وقال أبو حنيفة: إن كان العبد مأذوناً في القتال-: يصح أمانه؛ وإلا فلا، والحديث حجة عليه، حيث قال- صلى الله عليه وسلم -: "ويسعى بذمتهم أدناهم".
ولا يصح أمان الصبي، [والمجنون؛ لأنه لا حكم لقولهما، وإن كان الصبي مراهقاً.

ولا يصح أمان الكافر؛ لأنه متهم فيه؛ إذ ليس من أهل النظر للمسلمين.
ولو أمن عبدٌ مسلمٌ، وسيده كافر-: يجوز، ويجوز أمان المحجور عليه بالسفه.
وإن كان المسلم أسيراً في أيدي الكفار-: هل يصح أمانه؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه مسلم مكلف.
والثاني- وهو الأصح-: لا يصح أمانه في حق المسلمين، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه مقهور في أيديهم؛ فلا يكون أمانه على النظر للمسلمين؛ ولأن قضية الأمان: أن يكون المؤمن آمناً، والأسير في أيدي الكفار لا يكون آمناً، فعلى هذا: هل يكون ذلك أماناً بينه وبينهم حتى لا يجوز له أن يخونهم؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ كما لو دخل عليهم تاجراً مستأمناً.
والثاني: لا لأنه يصير آمناً منهم بالتخلية، فإذا لم يأمن هو منهم-: لم يكونوا آمنين منه بخلاف التاجر.

وكذلك: لو دخل مسلم دار الحرب مستأمناً، فأمن واحداً منهم-: لا يصح أمانه في حق كافة المسلمين، ويكون أمانا بينه وبينهم، حتى لا يجوز أن يغتالهم؛ لأنه في أمان منهم.
ولو أسر الإمام قوماً، فأمن واحد من المسلمين أسيراً منهم-: لا يصح أمانه؛ لأنه يبطل ما ثبت للإمام فيهم من الخيار بين الأمن والاسترقاق والفداء، فإن قال: كنت أمنته قبل الأسر -: لا يُقبل قوله؛ لأنه لا يملك الأمان في هذه الحالة، فلا يقبل إقراره.
ويصح الأمان بالقول؛ وهو أن يقول: أمنتك، أو أجرتك، أو أنت آمن أو مجار، أو لا بأس أو لا خوف عليك، أو لا تخف.
قال أنس لعمر - رضي الله عنهما - في قصة هرمزان: "ليس لك إلى قتله سبيل"، قلت له: "تكلم لا بس"، فأمسك عمر، وقال ابن مسعود: إن الله تعالى يعلم كل لسان، فمن أتى منكم أعجمياً، فقال: "مترس" فقد أمنه.
ويجوز بالإشارة؛ قال عمر - رضي الله عنه -: والذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أشار بإصبعه على مشرك، ثم نزل إليه على ذلك، ثم قتله-: لقتلته".
ويجوز الأمان بالكتابة، والرسالة؛ سواء أن الرسول مسلماً أو كافراً، حراً أو عبداً؛ روي عن فضيل بن زيد الرقاشي قال: "جهز عمر بن الخطاب جيشاً كنت فيهم، فحضرنا قرية من قرى رامهرمز، فكتب عبدٌ منا أماناً في صحيفة، وشدها مع سهم رمى به إلى اليهود، فخرجوا بأمانه، فكتب إلى عمر، فقال: "العبد المسلم رجلٌ من المسلمين ذمته ذمتهم".

ولو دخل رجل مشرك إلينا بأمان صبي أو مجنون: فإن عرف أن أمانه لا يصح-: حل قتله، واسترقاقه، وإن قال: ننته عاقلاً بالغاً، أو علمته صبياً، وظننت أن أمان الصبي جائز-: يقبل قوله، ولا يحل قتله، ولا استرقاقه، ويبلغ المأمن.
وإذا أمن مسلم كافراً-: يشترط علم المؤمن وقبوله، وقبوله أن يقول قبلت، أو سكت إذا بلغه الخبر، وإن كان في حال القتال -: يترك القتال، وإن رد-: لا يصح أمانه؛ فإن ثابت بن قيس الشماس أمن الزبير بن باطا يوم قريظة، فلم يقبله، فقتله".
وإذا قبل الأمان-: فهو لازم من جهة المسلم؛ لا يجوز له نبذه إلا بعذر، وهو جائز من جهة الكافر، متى شاء نبذه، وإذا جاء واحد من دار الكفر رسولاً إلى الإمام، فهو في أمان لا يجوز قتله؛ رُوي عن نعيم بن مسعود، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلين جاءا من عند مسيلمة:"أما والله، لولا أن الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما".
ولو أمن رجل امرأة كافرة؛ حتى لا تسترق-: هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن الاسترقاق في حقهن كالقتل في حق الرجال.
والثاني: لا يجوز؛ لأن فيه إبطال حق المسلمين.
وهذا بناء على ما لو صالح الإمام أهل حصن على مال أو على الجزية، وليس فيه إلا النساء والصبيان-: هل يجوز أم لا؟ فعلى قولين.
فصلٌ ولو أن علجاً كافراً دل الإمام على قلعة على أنه إن فتحها يعطيه جارية سماها، فعقد الإمام معه هذا العقد، أو ابتدأ الإمام، فقال للعلج: إن دللتني على حصن كذا، فلك منه جاريةٌ، سمى أو لم يسم -: يجوز، وإن كانت الجارية مجهولة غير مقدور عليها؛ لأنه يسامح في المعاملة مع الكفار بما لا يسامح مع غيرهم، وكذلك: لو قال للعلج: دلني على الحصن، ولك ثلث ما فيه-: جاز.
وإنما يجوز هذا العقد، إذا كان المشروط له مما يدله عليه، فإن شرط له من عند نفسه شيئاً-: لا يجوز مع الجهالة؛ مثل أن يقول: أدلك على حصن كذا؛ على أن تعطيني جارية من عندك، أو قال الإمام: إن دللتني فلك ثلث مالي-: لا يجوز، فإن شرط له شيئاً معلوماً،

فقال: إن دللتني، فلك مائة دينار-: يجوز، ويعطيه من بيت المال، وإن كان الدال مسلماً، فقال: أدلك على أن تعطيني جارية منها، أو ثلث ما فيها هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ كما لو كان الدال كافراً.
والثاني: لا يجوز؛ لأن هذا العقد فيه أنواع من الغرر، فلا يجوز مثله مع المسلمين، إنما يجوز مع الكفار؛ كعقد الذمة] ولأنه يفترض على المسلم الدلالة؛ فلا يجوز له أخذ العوض عليه؛ كما لا يجوز استئجار المسلم على الجهاد.
فإذا عقد هذا العقد مع العلج، فإذا لم يفتح الحصن-: لا شيء للعلج؛ لأن تقديره: من دلني على الحصن، وفتحه-: فله منها جارية؛ لأنه لا يقدر على تسليمها إلا بالفتح، فإن فتح الحصن، ولم يجد فهيا تلك الجارية-: فلا شيء للعلج؛ لأن المشروط له معدوم.
وإن وجدها دفعها إلى العلج، ولا حق فيها للغانمين، ولا لأهل الخمس؛ لأنه استحقها بسبب قبل الفتح، فإن وجدها، وقد أسلمت- نظر: إن أسلمت قبل الظفر-: لاتسلم غليه؛ لأن إسلامها يمنع استرقاقها، ويعطي قيمتها من بيت المال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صالح أهل مكة على أن يرد إليهم من جاءه منهم؛ فمنعه الله من رد النساء، وأمر برد مهورهن".
وإن أسلمت بعد الظفر عليها؛ فهي رقيقة - نُظر: إن كان قد أسلم العلج، أو كان الدال مسلماً، وجوزنا هذا العقد مع المسلم -: سلم الجارية إليه.
وإن لم يُسلم العلج، فإن قلنا: يجوز للكافر أن يشتري العبد المسلم -: تسلم إليه، ويجبر على إزالة الملك عنها، وإن قلنا: لا يجوز للكافر شراء العبد المسلم-: لا تدفع الجارية إليه، ويعطي قيمتها من بيت المال.
وإن أسلم العلج بعد ذلك-: لا يستحقها؛ لأنه أسلم بعد ما انتقل حقه إلى القيمة.
وإن ماتت الجارية- نظر: إن ماتت بعد الظفر-: أعطى العلج قيمتها، وإن ماتت قبل الظفر-: فيه قولان: أحدهما: يعطى إليه قيمتها؛ كما لو كانت قد أسلمت.
والثاني: لا يعطى؛ لأنه لم يقدر عليها؛ كما لو لم يكن فيها جارية.
هذا إذا فتح الحصن عنوة.

فأما إذا صالح الإمام أهل الحصن- نظر: إن كانت هذه الجارية خارجة عن الأمان؛ مثل: إن صالحهم على أن يكون صاحب الحصن وأهله في أمان، والباقون سبي، وهذه الجارية ليست من أهل صاحب الحصن-: [سلمت إلى العلج.
وإن كانت هذه الجارية من أهل صاحب الحصن]- يقال للعلج: أترضى بجارية أخرى من الحصن أو بقيمة الجارية: فإن رضي -: أعطى من بيت المال، وأمضى الصلح، وسلمت الجارية إلى العلج، وإن لم يرض - يقال لصاحب الحصن: أعطيناك ما صالحنا عليه غيرك من قبل؛ فإن لم تسلمها يُنبذ إليك عهدك، فارجع إلى الحصن، وأغلق الباب، فإذا رجع، ثم فتحنا الحصن-: نسلم الجارية إلى العلج؛ كما سبق.
وإن لم يحصل الفتح-: هل تجب القيمة للعلج؟ فيه قولان: أحدهما: بلى؛ لأن الإمام قد ظفر بها.
والثاني: وهو الأصح-: لا تجب؛ لأن الاستيلاء لم يتم؛ كما لو لم يفتح أصلا.
يخرج من هذه المسألة: أنه يجوز تبديل المؤمن؛ فإن عرضنا على صاحب الحصن: أن يعوضه عن الجارية، وأنه يجوز عقد الأمان لمجهولي العدد معلومي الحال.
فإذا صالحنا صاحب الحصن على أن يكون أهله في أمان، وإن لم نعرف عددهم-: فكذلك يجوز لمعلومي العدد مجهولي الحال؛ مثل: أن يصالح أهل حصن على أن يكون مائة نفر منهم في أمان، ثم يعينهم صاحب الحصن، فإن عد مائة، ولم يعد نفسه - جاز قتله.
فصلٌ: في حكم ما يجري في دار الحرب من محظورات الإسلام من ارتكب من المسلمين في دار الحرب جريمة موجبة للحد-: يجب عليه الحد.
وعند أبي حنيفة: لا يجب.
ثم قال الشافعي -رضي الله عنه- في موضع: تؤخر إقامته حتى يرجع إلى دار الإسلام.
وقال في موضع: يقام في دار الحرب، ولا يؤخر.
وليس على قولين، بل على حالتين؛ حيث قال: "لا يؤخر"، أراد به: إذا لم يخف فتنة المحدود وارتداده أو اجتراء الكفار على المسلمين.

وحيث قال: "تؤخر" أراد: إذا خاف شيئاً من ذلك.
ويجري الربا في دار الحرب في المعاملة بين المسلمين، وبين المسلم والحربي، سواء كان المسلم انتقل إليها من دار الإسلام أو أسلم، ولم يهاجر.
وعند أبي حنيفة: لا يجري الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي، ولا بين مسلمين لم يهاجرا، أو لم يهاجر أحدهما.
وأبو يوسف معنا.
وقال محمد بن الحسن: لا يجري بين المسلم والحربي، ويجري بين مسلمين وإن لم يهاجرا.
قلنا: أحكام الله - عز وجل - على العباد-: لا تختلف باختلاف الدار كالأوامر، فلو أسلم حربي، فقبل أن هاجر إلى دار الإسلام: قتله مسلم-: يجب عليه القود، وعند أبي حنيفة: لا يجب؛ فنقيس على المهاجر.
وقد ذكرنا حم الغنيمة، وما صار إلينا من أموال الكفار، وحكم من خان فيها، أو سرق شيئاً منها، أو وطيء جارية منها في كتاب "قسم الفيء" بعون الله تعالى وحسن توفيقه.
باب المبارزة روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "أنه بارز يوم الخندق عمرو بن عبد وُد".
وروي "أنه خرج يوم بدر من صف الكفار عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم فتية من الأنصار: عوف ومعوذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالو: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا ما لنا بكم حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب بالخروج إليهم، فخرجوا، فقتلوهم".

تجوز المبارزة في الحرب لمن كان شجاعاً، وكذلك: الإعلام، وهو أن يتعمم بعمامة سوداء، أو يتعصب بعصابة حمراء، ويعلم فرسه، سواء فعل بإذن الإمام أو دون إذنه؛ فإن ابنى عفراءوعبد الله بن رواحة خرجوا يوم بدر بغير إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يُنكر عليهم.
وأعلم حمزة يوم بدر.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز البراز إلا بإذن الإمام.
وإذا خرج مُشرك، ودعا على المبارزة-: يستحب أن يبرز إليه مسلم؛ لأنه إذا لم يبرز-: تضعف قلوب المؤمنين، ويجتريء الكفار عليهم.
وهل يجوز للضعيف أن يبارز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز؛ كما يجوز للضعيف أن يجاهد.
الثاني: لا يجوز؛ لأن المقصود من المبارزة إظهار القوة؛ وذلك لا يحصل من الضعيف.
فإن بارز مسلم مشركاً - نظر: إن لم يكن بينهما شرط -: جاز لكل واحد من المسلمين أن يرمي المشرك؛ لأنه حربي لا أمان له.
وإن شرطا ألا يعينهما غيرهما-: لا يجوز لأحدى الطائفتين أن تعين مبارزها، ما داما يتقاتلان.
فإن أثخن الكافر المسلم، وأراد قتله-: على المسلمين استنقاذ المسلم، ولهم قتل الكافر؛ لأن الشرط ألا يعينه حالة القتال، وقد ارتفع القتال، وكذلك: لو قتل المسلم الكافر وولى، أو ترك قتاله، فهرب، أو هرب المسلم منه-: جاز قتله؛ لأن الأمان قد ارتفع بترك القتال، إلا أن يكون الشرط أنه آمن إلى أن يرجع إلى الصف؛ فلا يتعرض له ما لم يصل إلى الصف، فإن ولى عنه المسلم، فتبعه ليقتله، أو ترك قتال المسلم، وقصد صف المسلمين-: جاز قتله؛ لأن نقض الأمان.
ولو خرج المشركون لإعانة صاحبهم-: كان حقاً على المسلمين أن يعينوا صاحبهم، ثم نظر: إن استعان المشرك المبارز بأصحابه، أو بدأ المشركون بمعاونته، فلم يمنعهم-: فقد نقض الأمان؛ فللمسلمين قتل المبارز، والأعوان جميعاً، وإن لم يستعن بهم، وكان يمنعهم، فلم يقبلوا منه-: قتلوا الأعوان دون المبارز؛ لأن المبارز على أمانه.

فصلٌ إذا أسر الكفار مسلماًن ثم أطلقوه من غير شرط-: فله أن يقاتلهم في النفس والمال جميعاً؛ لأنهم كفار لا أمان لهم، وإن أطلقوه على أنه في أمان منهم، ولم يستأمنوه-: فالمذهب: أنهم في أمانه؛ لايجوز أن يغتالهم؛ لأنهم لما أمنوه-: كانوا هم في أمان منه.
وقال ابن أبي هريرة: لا أمان لهم، وله أن يغتالهم؛ لأنهم لم يستأمنوه.
ولو قالوا له: لا نُطلقك حتى تحلف ألا تخرج إلى دار الإسلام، فحلف، وأطلقوه-: فمهما أمكنه الخروج يجب عليه أن يخرج، ولا كفارة عليه؛ لأن يمينه كانت يمين مُكره، ولا ينعقد؛ كما لو أخذ اللصوص رجلاً، وقالوا: لانتركك حتى تحلف ألا تخبر بمكاننا أحداً، فحلف، فتركوه، فأخبر بمكانهم-: لا كفارة عليه.
وإن كان حلف بالطلاق-: لا يقع إلا أنه إذا خرج إلى دار الإسلام-: لا يجوز أن يغتالهم بنفس ولا مال؛ لأنهم أمنوه؛ فكانوا في أمان منه، إلا أن يجعلوا الأمان له دون أنفسهم-: فله أن يغتالهم.
ولو كان لمسلم عين مال في أيديهم-: فله أخذها ليرد إلى المالك، سواء شرطوا أنهم في أمان منه أو لم يشترطوا.
ثم هل تكون تلك العين مضمونة عليه؟ من أصحابنا من قال فيه قولان؛ كما لو أخذ المغصوب من الغاصب ليرد إلى المالك.
وقال الشيخ القفال- رحمه الله-: لا يضمن ههنا؛ لأنه لم يكن مضموناً على الحربي؛ فلا ضمان على من أخذ منه؛ بخلاف المغصوب، فإنه مضمون على الغاصب؛ فيجب الضمان على من أخذ منه.
ولو حلف ابتداء من غير تحليفهم؛ أنه لا يخرج إلى دار الإسلام - نظر: إن كان مطلقاً -يلزمه أن يخرج، وعليه الكفارة؛ لأنه حلف مختاراً.
وإن كان محبوساً-: حلف أنه إن أطلق لا يخرج، فإذا خرج هل يلزمه الكفارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لأنه يمين إكراه، لا تلزمه الكفارة.
والثاني: تلزمه الكفارة؛ لأنه حلف مبتدئاً؛ فكان مختاراً.
ولو أطلقوه على أنه إذا خرج [إلى دار الإسلام]-: عاد إليهم، فإذا أتى إلى دار

جارٍ التحميل