لرب المال ضمنتك نصيب المساكين من الرُّطب؛ لتعطي مكيلة خرصي، ويقبله رب المال.
ثم بعد الخرص يجوز لرب المال بيع كله، وأكل كله وحق المساكين في ذمته.
وفيه قول آخر: أن الخرص غيره؛ لأنه ظن؛ فلا يصير به حقهم في ذمته.
فعلى هذا: لا يتصرف المال إلافي تسعة أعشارها.
والأول أصح.
وعند أبي حنيفة: لا حكم للخرص، وربما يقولون: الخرص تخويف لرب المال.
الحديث حجة عليه.
ولو أصابت الثمار جائحة، أو سرق من الشجرة، أو من الجرين قبل الجفاف - نظر: إن سرق الكل، أو ذهب الكل بجائحة، فلا زكاة عليه؛ وإن ذهب البعض؛ نظر: إن كان الباقي نصاباً، فعليه زكاة ما بقي، وإن كان أقل من نصب يُبنى على أن إسكان الأداء شرط الوجوب، أم شرط الضمان
إن قلنا: شرط الوجوب، لا زكاة عليه.
وإن قلنا: شرط الضمان، يجب عليه حصة ما بقي من الزكاة.
أما إذا سرق بعد الجفاف، وإن كان الأداء، أو ترك في الجرين أكثر من العادة؛ حتى سرق - يجب عليه زكاة الكل؛ كما لو ضيعه حتى سرق؛ فإن ادعى رب المال هلاك الثمرة؛ نظر: إن ادعى بسبب خفي من سرقة، أو جائحة أصابت بعض ماله، قُبِلَ قوله مع يمينه؛ واليمين مستحبة أم واجبة؟ فيه وجهان.
فإن ادعى أمراً ظاهراً من نهب، أو غارة، أو جائحة عامة، وعرف ذلك - صدق بلا يمين؛ وإن لم يعرف، لم يقبل قوله إلا ببينة.
وإن عرف، ولم يعم، واحتمل أنه لم يصبه - حلف.
وإن ادعى إجحافاً في الخرص؛ نظر: إن ادعى أن الخارص تعمد ذلك لم يقبل؛ كما لو ادعى على الحاكم الميل وعلى الشاهد الكذب - لا يقبل إلا ببينة.
وإن ادعى أنه غلط في الخرص؛ نظر: إن لم يتبين المقدار لم يسمع، وإن تبين نظر؛ إن ادعى غلط محتملاً؛ مثل: أن ادعى في مائة وسق غلط خمسة أوسق، يقبل، فإن أبهم أحلف.
واليمين مستحبة، أم واجبة؟ فيه وجهان.
وإن ادعى نقصاناً فاحشاً لا يقع بمثله الغلط؛ كالثلث والربع - لا يقبل، ويحط عنه القدرُ المحتمل؛ على أصح القولين.
وقيل: لايحط؛ دعواه محال.
ولو ادعى بعد الكيل غلطاً في الخرص يسيراً بقدر ما يقع بين الكيلين - فهل يحط؟ فيه وجهان:
أصحهما: يحط؛ لأن الكيل يقين، والخرص تخمين، والإحالة على الخرص أولى.
والثاني: لا يحط؛ لاحتمال أنه وقع في الكيل، ولعله لو كيل ثانياً وفي؛ كما لو اشترى حنطة مكايلة، وباعها مكايلة، فانتقص بقدر ما يقع بين الكيلين -لا يرجع على الأول؛ لأنه كما احتمل أنه لنقص في الأول، احتمل أنه لزيادة في الثاني.
ولو أن رب المال أهلك الثمرة قبل الجفاف، أو أكلها؛ نظر: إن فعل قبل بُدُو الصلاح، فلا زكاة عليه، إلا أنه إن قصد به الفرار من الصدقة كُره، وإن لم يقصد الفرار، بل أراد الأكل والإطعام، أو التخفيف عن الشجرة - فلا يكره.
وإن فعل بعد بُدُو الصلاح، ضمن حق المساكين.
ثم ينظر إن كان بعد الخرص: فإن قلنا: الخرص تضمين، ضمن عشرة للمساكين تمراً، وإن قلنا: الخرص غيره، ضمن قيمة عشرة رطباً.
وإن كان قبل الخرص، ضمن قيمة عشرة رطباً قولاً واحداً؛ لأن قبل الخرص لا يصير التمر في ذمته للمساكين، وعُزر على هذا الاستهلاك إن كان عالماً.
وقيل: إذا قلنا: الخرص تضمين، يجب عشرة تمراً؛ ل، الثمرة لما بدا صلاحها فإذا تلف، فهو الذي منع الخرص؛ فصار كما لو أتلفه بعد الخرص.
فأما إذا كان رطباً لا يصير تمراً؛ فأتلفه بعد الخرص أو قبله - يجب قيمة عشرة رطباً قولاً واحداً؛ لأنه ليس له حالة جفاف؛ حتى نوجب التمر.
ولو أصاب حائطه عطش يعلم أنه لو ترك الثمرة على الشجرة احتلبت ماءها وضربها في قابل فله قطع الثمرة؛ لأن المساكين إن تضرروا به في الحال، انتفعوا في قابل.
ثم المستحب أن يخبر الإمام؛ حتى يبعث من يقطع بمحضره؛ فيكون نائباً عن المساكين؛ لأن الثمرة مشتركة بينه وبين المساكين، ثم يأخذ حق المساكين.
ثم قال الشافعي: ويؤخذ ثمن عشرها، أو عشرها مقطوعة: فمن أصحابنا من قال: يتخير الإمام بينهما؛ فيختار باجتهاده ما هو أنفع للمساكين.
ومنهم من قال وهو الأصح-:
ليس هذا على طريق التخيير، بل هو تعليق القول؛ وهو بناء على أن القسمة بيع أم إفراز حق؟
إن قلنا: إفراز حق أخذ عشرة.
وإن قلنا: بيع، فلا يجوز قسمته؛ فيباع الكل، ويأخذ الإمام عشر ثمنه؛ وكذلك العِنب الذي لا يصير زبيباً، والرطب الذي لايصير تمراً، أخذ الإمام عشرة مقسوماً: إن قلنا: القسمة إفراز حق.
وإن قلنا: بيع، أخذ كله؛ فيكون عشرة للمساكين على الشيوع، ثم باعه مع المالك، وأخذ عشر ثمنه مقسوماً على هذا القول يجب عليه رده، ويكون شرياً في بيعه؛ كما ذكرنا.
ولو اشترى نخلة مثمرة، أو ورثها قبل بُدو الصلاح؛ فبدا فيها الصلاح بعد الشراء والإرث بيوم - يجب عليه العشر.
ولو باع نخلة مثمرة من ذمي قبل بُدو الصلاح؛ فبدا الصلاح في يد المشتري، ثم ردها بعيب - لا تجب الزكاة على أحد؛ لأن الثمرة كانت للذمي يوم بدو الصلاح، والذمي لا زكاة عليه.
ولو باعها من مسلم، فبدا الصلاح في يد المشتري، ثم وجدبها عيباً - لا رد له إلا برضا البائع؛ لأنه تعلق بها حق الزكاة، فإن أدى الزكاة من موضع آخر له الرد؛ ولو باعها بشرط الخيار للبائع؛ فبدا الصلاح في زمان الخيار: إن قلنا: المِلك في زمان الخيار للبائع، فالزكاة عليه وإن تم البيع، وإن قلنا: للمشتري فالزكاة عليه، وإن فسخ البيع، وإن قلنا: موقوف، فإن تَمَّ البيع فالزكاة على المشتري، وإن فسخ فعلى البائع.
ولو اشترى ثمرة قبل بُدو الصلاح يشترط القطع؛ فلم يتفق القطع؛ حتى بدا فيها الصلاح - فقد وجب فيه العشر.
فإن رضيا بالترك ترك، والعشر على المشتري، وإن لم يتراضيا لا تقطع الثمرة؛ لضرر المساكين.
ثم فيه قولان:
أحدهما: يفسخ البيع؛ لتعذر إمضاء البيع، فإن البائع يطالب بالقطع لشرطه، والقطع متعذر لحق المساكين؛ وهذا قول مخرج.
والقول الثاني- وهو الأصح -: لا ينفسخ البيع؛ لأنه عيب لحق المبيع بعد المبيع، بل إن لم يرض البائع بالترك يفسخ البيع بينهما.
وإن رضي البائع، وأبي المشتري، ففيه قولان:
أحدهما: يفسخ البيع؛ لأنه اشتراها بشرط القطع، وقد يعذر؛ كالبائع إذا لم يرض يفسخ.
والثاني- وهو الأصح -: لا يفسخ، ويجبر على الترك؛ لأن القطع لحق البائع؛ حتى
لا تحتلب الثمرة ماء الشجرة، وإذا رضي بالترك ترك.
ولو رضي البائع، ثم رجع له ذلك؛ لأن برضاه أعاره النخل من المشتري، وله الرجوع عن العارية؛ فحيث قلنا: ينفسخ البيع ففسخ، على من يجب العشر؟ فيه قولان:
أصحهما: على المشتري؛ لأن بدو الصلاح كان في ملكه ما لو رده بعيب بعد بدو الصلاح.
والثاني: على البائع؛ لأن الفسخ كان بشرطه؛ فصار كما لو لم يخرج عن ملكه.
فإن قلنا: يجب على المشتري، فإذا جاء الساعي، وأخذ من غيره الثمرة، فللبائع أن يرجع على المشتري بما أخذ.
ولو مات رجل، وله نخيل مثمرة؛ سواء كانت مطلعة أو مؤبرة لم يبد فيها الصلاح، وعليه دين؛ فبدا فيها الصلاح - يجب العشر على الورثة؛ لأنها ملكهم قبل أن تباع في الدين؛ بدليل أنهم لو أرادوا إمساكها، وأداء الدين من موضع آخر - يجوز.
وإن لم يؤد الورثة الزكاة من موضع آخر، أو لم يكن لهم مال؛ فتقدم الزكاة على حق سائر الغرماء؛ سواء قلنا: الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة؛ كالمرهون إذا وجب فيه الزكاة تقدم حق [سائر] المساكين على حق المرتهن.
ثم بعد أداء الزكاة ن لم يف الباقي بالدين، فعلى الورثة أن يغرموا قدر الزكاة من أموالهم للغرماء.
قال الشافعي - رحمه الله -: هذا على قولنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، فلا يغرمون؛ كما ذكرنا في الرهن.
باب زكاة الزرع
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وروي عن أبي سعيد الخدري؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس في حَب ولا ثمرة صدقة؛ حتى تبلغ خمسة أوسق".
ولا يجب العشر في شيء من الزروع، إلا فيما يُقتات غالباً فيما يزرعه الآدميون، ويدخرونه؛ مثل: الحنطة والشعير والدخن، والذرة، والأرز، والمنج، واللوبيا والفول والعدس والعلس؛ وهو الحنطة الشامية تكون في كمام حبتان والسلت، وهو
الشعير العاري يكون لونه لون الحنطة، وطبعه طبع الشعير في البرودة.
أما ما لا ينبته الآدميون، وإن كان يقتات في بعض الأوقات؛ كالقت وحب الحنظل والبزور البرية - فلا زكاة فيها؛ كما لا يجب في الحيوانات الوحشية من الظباء وبقر الوحش، وكذلك ما لا يكون قوتا، وإن أنبته الآدميون؛ كالبقول وبزورها والإسيبوش والسمسم والحلبة والجلجلان وبزر الكتان والبطيخ والقثاء والفجل والسلق والجزر والقنبيط وبزورها - فلا زكاة فيها، وكذلك
الترمس؛ وهو يشبه الباقلي؛ غير أنه أصفر منه.
والعصفر والكرسف لا شيء فيها.
وعند مالك: في كل ما يعم منفعته ويدخر؛ كالسمسم، والحلبة، وبزر الكتان، والقطن.
وعند أبي حنيفة: يجب في جميع الخضروات، وكل ما ينبته الآدميون، إلا الحشيش والحطب والقصب الفارسي.
أما قصب السكر: قالوا: يجب فيه العشر.
ونحن إنما لم نوجب في غير القوت؛ لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخذ من غيرها.
ووجوب الزكاة يكون عند اشتداد الحَب، وآداؤه يون بعد الجفاف والتنقية.
والنصاب فيه شرط؛ وهو أن يكون خمسة أوسق بعد التنقية.
والأرز والعلس يدخران مع العشر؛ فلا يجب العشر في واحد منهما؛ حتى يكون خمسة أوسق دون العشر؛ لأنهما لا يُطبخان مع العشر، ولا يؤكلان معه؛ فالعشر منهما بمنزلة التين في الحنطة.
أما الذرة والحنطة فيهما العشر إذا كان خمسة أوسق مع العشر الذي هو نخالة؛ لأنهما
يُطحنان مع ذلك العشر، ويؤكلان مع تلك النخالة.
وإذا حصل نصاب من الحب، فما زاد يكون بحسابه، وإن كان قليلاً؛ كالثمار.
ولا يضم صنف من الحبوب إلى صنف آخر في تكميل النصاب، ويضم الأنواع بعضها حكم الصورة الثانية حكم ما لو زرع في سنة مراراً في فصول مختلفة وفيه أقوال.
وقال ابن سريج: صورة هذه المسألة في الذرة زرعت فنبت، والتفت؛ فغطى بعضها بعضاً؛ فسنبل ما أصابته الشمس، وحصد، ثم تسنبل ما كان مغطى - ضم الثاني إلى الأول؛ لأن الكل زرع واحد.
وقال ابن إسحاق: حكمه حكم زرع فصلين.
وفيه أقوال: وشبه الشافعي - رحمه الله - مسألة الكتاب بما لو اختلف ابتداء البذر؛ بأن بذر البعض، وبذر البعض بعده بشهر - ضم الثاني إلى الأول.
"فصلٌ: في قدر الصدقة"
روي عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سُقي بالنضح نصف العُشر".
يجب في المسقي من الثمار والزروع بماء السماء والبئر الذي يخرج الماء إليه بطبعه من غير أن يحمل إليه مؤنة ثقيلة - العشر، وكذلك في البعل؛ وهو الذي يشرب بعرقه؛ فإن احتاج في سقيه إلى مؤنة ثقيلة، يجب فيه نصف العشر؛ كالمسقي بالنواضح والدواليب؛ وكذلك ذا كان يُسقى من قناة أوعين تكثر مؤنتها؛ بأن كانت لاتزال تنهار ويصوب ماؤها؛ فتحتاج إلى استحداث حفر- فهو كالبئر التي ُنزح منها بالسواقي.
أما إذا لم يكن لها مؤنة أكثر من مؤنة الحفر الأول، وكسحها في بعض الأقات - فسبيله سبيل النهر في وجوب العُشر؛ وذلك لأن مبنى الزكاة على أن المؤنة إذا كثرت خف الواجب، وإذا خفت كثر الواجب؛ وكذلك وجبت الزكاة في الماشية السائمة دون المعلوفة.
وإن كان الزرع يسقى بالجاري، أو بماء السماء مرة، وبالنضح أخرى - نظر: فإن استويا؛ بأن كان نصف عيشه بماء السماء، ونصفه بالنضح- ففيه ثلاثة أرباع العُشر، وإن كان أحدهما أكبر ففيه قولان:
أحدهما: الاعتبار بالأكثر، وإن كان أكثر عيشه بماء السماء ففيه العشر، وإن كان بالنضح فنصف العشر.
والثاني - وهو الأصح-: يقسط على السقيات.
وإن كانثلثا عيشه بماء السماء، وثلثها بالنضح - فعليه خمسة أسداسه العشر: ثلثا
العشر، وثلث نصف العشر، والاعتبار في معرفة الأكثر بالمدة أم بعدد السقيات
فيه وجهان مثل: أن كان من يوم الزراعة إلى الإدراك ثمانية أشهر، احتاج في ستة أشهر؛ وهو زمان الشتاء والربيع إلى سقيتين، يسقى فيهما بماء السماء، وفي شهرين؛ وهو زمان الصيف إلى ثلاث سقيات، يسقى إلى بعض عند إيقاف الحبس.
وقال مالك: يضم القطنية بعضها إلى بعض، ويضم الحنطة إلى الشعير؛ ولا يُضمان إلى القطنية.
وعندنا: لا يضم؛ لأن كل واحد صنف آخر منفرد باسم خاص؛ كما لا يضم الثمر إلى الزبيب، والعلس لا يضم إلى الحنطة ولا إلى الشعير؛ على الوجه الأصح؛ لأنه صنف آخر.
وقال صاحب التقريب: يضم إلى الحنطة؛ لأن لونه لون الحنطة.
وقيل: يضم إلى الشعير؛ لأن طبعه طبع الشعير.
والأول المذهب.
ولا يضم زرع عام إلى زرع عام آخر في النصاب؛ كما ذكرنا في الثمار.
وإن كان زرعاً يُزرع في سنة واحدة مراراً؛ كالذرة يزرع في أوقات مختلفة في خريف وصيف وربيع -هل يضم بعضها إلى بعض فيه أربعة أقوال:
أحدها: لا يضم، وزروع الفصول كزروع السنين.
والثاني: إن اجتمع زرع الكل في سنة واحدة، ضم بعضها إلى بعض، وإن كان حصاد الثاني خارج السنة، ونعني بالسنة: اثني عشر شهراً بالعربية؛ فينبغي أن يكون من وقت الزرع الأول إلى زرع الثاني أقل من ثاني عشر شهراً؛ لأن الزراعة هي الأصل، والحصاد فرع، والاعتبار بالأصل أولى.
والثالث: الاعتبار بوقت الحصاد.
وإن اجتمع الحصادان في سنة واحدة ضم، وإن كان زرع الأول خارجاً من السنة؛ لأنه حالة الوجوب؛ فاعتباره أولى.
والرابع: يشترط أن يكون الزرعان والحصادان في وقت واحد؛ وهو أن يكون بين زرع الأول وحصاد الثاني أقل من اثني عشر شهراً.
قال الشافعي: والذرة تزرع مرة؛ فتخرج وتحصد، ثم تستخلف في بعض المواضع - فهو زرع واحد.
واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة: منهم من قال - وهو الأصح -: أراد به الذرة الهندية تزرع؛ فتسنبل، ثم تحصد سنابلها، ويبقى ما فيها؛ فيخرج منها سنابل أخر.
والثاني: يضم إلى الأول؛ لأنه زرع واحد؛ بخلاف النخلة إذا حملت في سنة مرتين،
لا يضم الثاني إلى الأول؛ لأنها أصل يبقى؛ فتثمر سنين.
والذرة زرع لا يبقى سنين، فإذا خرج من ساقها؛ فيكون في حكم الأول مضموماً إليه؛ كزرع تعجل إدراك بعضه، وتأخر إدراك بعضه.
ومنهم من قال: أراد به غير الهندية من الذرة تسنبل؛ فتقع العصافير على سنابلها، أو على سنابل الهندية؛ فتتبين حباتها، أو تتبين بالريح، ثم تنبت تلك الحبات المنثورة في تلك السنبلة؛ فالكل زرع واحد.
ومن قال بهذا، قال في الصورة الأولى: لا يضم الثاني إلى الأول؛ كالنخلة تثمر مرتين في سنة، لا يضم الثاني إلى الأول.
ومن قال بالأول، قال بالنضح.
فمن اعتبر عدد السقيات، قال عليه نصف العشر؛ لأن عدد السقيات بالنضح أكثر، ومن اعتبر الزمان قال: عليه العشر؛ لأن مدة السقي بماء السماء أطول، وإن جهل عدد الذي سقي بل واحد منهما جعلا نصفين، فعليه ثلاث أرباع العشر.
ولو زُرع زَرع على الماء الجاري، فانقطع الماء؛ فاحتيج إلى سقيه بالنضح، أو زرع على النضح؛ فجاء السيل فسقي به - فهل يتعين حكم مازرع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يعتبر؛ لأن الأصل ما زرع عليه، وما حدث نادر؛ فعلى هذا: إن كان مزروعاً على ماء السماء، ففيه العشر، وإن كان على النضح، فنصف العشر، ولا عبرة بما حدث من بعد.
والثاني - وهو الأصح -: يتغير، ثم الاعتبار بالأغلب، أم يقسط؟ فعلى القولين.
وإذا أراد الساعي أخذ العشر كان تسعة آصع لرب المال وصاع للمساكين وفي نصف العشر أن لرب المال تسعة عشر صاعاً ثم صاعاً للمساكين؛ وإنما بدأنا بالمالك؛ لأن حقه أكثر؛ ولأن نصيب الماسكين يظهر بنصيب رب المال.
فإن لم يكن لرب المال شيء، فما زاد يُكال للمساكين، ولا يؤخذ العشر من الزرع، إلا بعد الجفاف والدياسة والتنقية من التبن؛ كما لا يؤخذ من ثمر النخل والكرم إلا بعد الجفاف.
وإن أخذ قبله عليه رده؛ إن كان قائماً، أو قيمته؛ إن كان تالفاً، ويأخذ اليابس.
"فصلٌ: فيما إذا زرع أرضاً وعليها خراج"
إذا زرع أرضاً، وعليها خراج بحق؛ وذلك يكون في موضعين:
أحدهما: أن يفتح الإمام بلداً عنوة، وصارت أراضيها للغانمين؛ فأبدلهم الإمام عنها،
ووقفها، وضرب عليها خراجاً معلوماً؛ كما فعل عمر - رضي الله عنه - بسواد "العراق".
والثاني: أن يفتح البلد صلحاً؛ على أن تكون الأراضي للمسلمين، وأهلها الكفار يسكنونها بخراج معلوم يؤدون - فالأراضي فيء للمسلمين والخراج الذي ضرب عليهم الإمام بمنزلة أجرة الأرض لا يسقط بإسلامهم، فمن زرع من المسلمين أرضاً من هذه الأراضي، يجب عليه الخراج إذا جاء وقته، ويجب عليه عشر الزرع.
وعند أبي حنيفة؛ لا يجب عليه العشر، والخراج يمنعه.
وكذلك لو اكترى أرضاً للزراعة فزرع، يجب على المتكري عندنا الكراء، وعشر الزرع.
وعند أبي حنيفة: يجب العشر على المكري؛ لأن العشر عنده؛ حق الأرض، وعندنا: هو زكاة الزرع؛ فهو كما لو اكترى حانوتاً للتجارة، يجب عليه كراء الحانوت مع زكاة التجارة لا يمنع أحدهما الآخر، كذلك هاهنا.
ويخرج هذا على أن الذمي والمكاتب لا يجب عليهما العشر، وكذلك الضيعة الموقوفة على المسجد والرباط؛ فزرعها القيم لا عشر في زرعها.
وكذلك لو وقف بستاناً على الفقراء، أو على المسجد - لا يجب العشر في ثماره.
وعند أبي حنيفة: يجب العشر في هذه المواضع.
"باب زكاة الذهب والورق"
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] وقال ابن عمر: كل مال يؤدي زكاته، فليس بكنز؛ وإن كان مدفوناً، وكل مال لا يؤدي زكاته، فهو كنز، وإن لم يكن مدفوناً.
وروي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".
وعن أنس؛ أن أبا بكر تب له فريض الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "وفي الرفة رب العشر".
لا تجب الزكاة في الورق؛ حتى يبلغ خمس أواقٍ؛ وهي مائتا درهم؛ كل أوقية أربعون
درهماً، فإذا بلغتها ففيها خمسة دراهم؛ وهي ربع العشر، وما زاد فبحسابه، والاعتبار بوزن "مكة"؛ كل درهم ستة دوانق كل عشرة دراهم منها سبعة مثاقيل ذهب.
ولا تجب الزكاة في الذهب؛ حتى تبلغ عشرين مثقالاً، فإذا بلغتها ففيها نصف دينار؛ وهو ربع العشر، وما زاد فبحسابه، ولا وقص للدراهم والدنانير؛ كالثمار.
وعند أبي حنيفة: لها أوقاص، وقال: لا شيء في الدراهم بعد المائتين ما لم يبلغ أربعين درهماً؛ فحينئذٍ فيها درهم، ولا في الدنانير بعد العشرين؛ حتى تبلغ أربعة دنانير.
وأبو يوسف معنا، وليس المواشي؛ لأن الأوقاص فيها الاحتراز عن إيجاب الشقص، وفيه ضرر، ولا ضرر في إياب الشقص في التقدير؛ وسواء كان الذهب أو الورق مطبوعاً أو تبراً أو سبيكة، ولا يجب؛ حتى يملك مائتي درهم نقرة خالصة، أو عشرين ديناراً ذهباً خالصاً.
فإن انتقص منه شيء وإن قل، لا زكاة فيه، وإن كان يروج رواج الوازنة وأكثر.
وعند مالك: إن كان النقصان قدراً يتسامح فيه مثل حبة ونصف دانق - تجب الزكاة، وإن كان أكثر فلا يجب، إلا أن يروج رواج الوازنة نصاباً.
ولا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر؛ كما لا يملك نصاب التمر بالزبيب.
وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة: يضم أحدهما إلى الآخر في النصاب، ثم عند مالك وأبي يوسف: يضم من طريق الإجزاء، وعند أبي حنيفة: يضم إلى طريق القيمة، ويعتبر بأسرعهما نصاباً، ويشترط أن يكون النصاب كاملاً من أول الحول إلى آخره؛ حتى لو انتقص النصاب في خلال الحول، ثم مكل استأنف الحول من يوم كَمُل النصاب.
وعند أبي حنيفة: النصاب شرط في أول الحول وآخره في جميع أموال الزكاة، فإذا انتقص النصاب في أثناء الحول، لا ينقطع الحول.
والخبر حجة عليه؛ حيث قال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وما زاد بعد نقصان النصاب لم يحل عليه الحول؛ فلا يجوز إيجاب الزكاة فيه، وإن كانت دراهمه أو دنانيره مغشوشة، فلا زكاة فيها؛ حتى يكون قدراً يحصل منها نصاب خالص، فإن كان قدراً يحصل فيها مائتا درهم خالصة؛ فأخرج الزكاة من المغشوشين - يجوز، ويجب أن يخرج قدراً يكون فيه خمسة دراهم نُقرة خالصة.
ويكره للرجل إمساك الدراهم المغشوشة؛ لئلا يغر بها غيره.
وعند أبي حنيفة: إذا ملك مائتي درهم مغشوشة، تجب عليه الزكاة إن كانت الغلبة
النقرة، وإن كان بعض دراهمه أجود وبعضها أردأ؛ بأن كان أسود أو أصلب؛ وكلها نقرة - يضم بعضها إلى بعض في النصاب، وتخرج الزكاة من كل بحصته فإن كانت كبيرة مختلطة لا يمكنه التمييز بين الجيد والرديء، أخذ من الوسط، ولو أعطي الجيد عن الرديء، كان أفضل.
ولو أعطي الرديء عن الجيد، لا يسقط عنه الفرض؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267].
وإن كان له ذهب مخلوط بعضه، فإن عرف قدر كل واحد منهما، أخرج زكاتهما، وإن لم يعرف ميزه بالنار، وأخذ بالاحتياط؛ فيخرج الزكاة عن كل واحد منهما على أكثر ما يتوهم.
ولا يكفي في الاحتياط أن يُجعل القدر المشكوك فيه ذهباً؛ فيخرج عنه زكاة الذهب؛ لاحتمال أنه فضة.
ولايجوز الذهب عن الفضة، بل يخرج عن القدر المشكوك فيه زكاة الذهب والفضة جميعاً.
فإن كانت له فضة ملطوخة على لجام، أو مُموهاً بها سقف بيت - نظر: إن كان لو عرض على النار لا يحل منه شيء، فهو مستهلك لا زكاة فيه، وإن كان يحصل منه نصاب، أو يحصل منه شيء، وعنده ما يتم به النصاب- يجب عليه الزكاة.
"باب زكاة الحُلي"
روي عن عائشة؛ أنها كانت تلي بنات أختها يتامى في حجرها لهن الحلي؛ فلا تخرج منه الزكاة.
وعن ابن عمر؛ أنه كان يحلي بناته وجواريه الذهب؛ فلا يخرج منه الزكاة.
الحلي المُتخذ من الذهب والفضة، إن كان محظوراً يجب فيه الزكاة؛ سواء كان محظوراً بعينه؛ كالأواني والقوارير والقصاع والملعقة والمجمرة والسرير والخوان، أو كان محظوراً لبسه؛ كالرجل يتخذ حلي النساء؛ ليلبس، أو يلبس غلمانه، أو المرأة تتخذ حُلي الرجال؛ لتلبس بنفسها، أو تلبسه جواريها، أو تعيره من النساء.
أما الحلي المُباح، هل يجب فيه الزكاة، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ وهو قول ابن عمر، وعائشة، وجابر؛ وبه قال الشعبي، ومالك، ولأنه مُعد لاستعمال مباح؛ كالعوامل من الإبل والبقر.
أحدهما: لا يجب؛ وهو قول ابن عمر، وعائشة، وجابر؛ وبه قال الشعبي، ومالك، ولأنه معد لاستعمال مباح؛ كالعوامل من الإبل والبقر.
والثاني: يجب؛ وهو قول عمر، وابن مسعود، وابن عباس؛ وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والزهري، والثوري، وأبو حنيفة؛ لما رُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن امرأتين أتتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وفي أيديهما سواران من ذهب.
فقال لهما: "أتؤديان زكاته" قالتا: لا.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتحبان أن يسوركما الله بسوار من نار؟ " قالتا: لا.
قال: "فأديا زكاته".
ولأنه من جنس الأثمان؛ فأشبه ما لو كان معداً للقنية، لا للاستعمال.
فمن الحلي المباح أن تتخذ المرأة لنفسها عقداً أو خاتماً أو سواراً، أو خلخالاً من ذهب أو فضة، وهذه الأشياء حرام للرجال إلا خاتم الفضة.
فإن اتخذ الرجل أسنان خاتمه من ذهب، أو سناً واحدة - فهو حرام.
فإن اتخذ من فضة مموهة بذهب فيه وجهان.
ولو اتخذ الرجل حلية سيفه، أو سكينه الذي هو للحرب، أو رمحه، أو منطقته من فضة - فمباح، ولا يجوز من الذهب؛ وهو حرام في حق النساء؛ سواء كان من ذهب أو فضة.
فإن اتخذ الرجل حلية السرج واللجام أو بُرة الناقة من الذهب- فحرام، وإن اتخذه من فضة فوجهان:
أحدهما: مُباح؛ كحلية المنطقة والسيف.
والثاني- هو الأصح، والمنصوص -: أنه لا يباح؛ لأن هذه حلية الدابة؛ بخلاف - جلية السيف والمنطقة؛ فإنها حلية الرجل في الحرب.
وهل يجوز تحلية المصحف بالذهب فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كسائر الكتب.
والثاني - يجوز؛ وبه قال أبو حنيفة، إكراماً للمصحف.
ولا يجوز تمويه سقف المسجد بالذهب، ولا أن يتخذ له قنديل أو مسرجة منهما.
ولا يجوز تحلية سكين العلم والمهنة والمقراض والمقلمة والدواة والمرآة بالذهب.
وهل يجوز بالفضة فيه وجهان
أحدهما: يجوز؛ كالسيف.
والثاني: لا يجوز؛ لأنها ليست آلة الحرب.
والتطبيب القليل في الإناء للزينة مكروه؛ وهو في وجوب الزكاة كالمحرم.
قال الشيخ: والأولى أن يكون كالمباح.
ولو قُطع أنفه، أو قلعت سنة؛ فاتخذ أنفاً وسناً من ذهب أو فضة - جاز.
وكذلك لو قطعت أُنملته.
ولو قطعت يده، أو أصبعه، لايجوز أن يتخذها من ذهب، أو فضة؛ لأنها لا تعمل.
فإن قلنا: لا زكاة في الحلي، فإن انكسر الحلي؛ نظر: إن كان الكسر يسيراً يمكن التحلي به مع ذلك الكسر - فلا زكاة فيه، وإن بان البعض عن البعض؛ بحيث لا يمكن التحلي به إلا بالإصلاح- نظر: إن أرصده لا للإصلاح ففيه الزكاة، ويبدأ الحول من يوم الانكسار، وإن أرصده للاصلاح، ففيه وجهان:
أحدهما: يجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس بحلي، فهو كورق يريد أن يتخذ منه حُلياً يجب فيه الزكاة.
والثاني: لا يجب؛ لأنه كان حلياً، ويرصده للإصلاح؛ كما لو كان الكسر يسيراً.
ولو اتخذ الرجل حُلي النساء لجواريه ونسوانه، أو ليعير من النساء، أو اتخذت المرأة حلي الرجال لزوجها وبنيها وغلمانها- فهو مباح.
ولو اتخذ الرجل حلي النساء - ولا نية له - أو المرأة حلي الرجال؛ ولا نية لها - ففيه قولان:
أحدهما: يجب الزكاة؛ لأن الظاهر أنه يتخذه لنفسه.
والثاني: لاتجب؛ لأن الاتخاذ مباح؛ فلا شغل شغل الذمة بالشك.
ولو ورث رجل حلي النساء؛ فأرصده لنفسه، أو لغلمانه، أو روث حلي الرجال؛ فأرصده لنسائه جواريه، أو ورثت امرأة حلي الرجال؛ فأرصدته لنفسها، أو لجواريها، أو بناتها، أو ورثت حلي النساء؛ فأرصدته لغلمانها- فهو حرام تجب فيه الزكاة.
ولو أمسك الرجل حلي النساء لزوجته وجواريه، أو المرأة أمسكت حلي الرجل لزوها وغلمانها - فمباح.
فإن غير النية؛ لبعده إلى الحظر، يستأنف الحول من وقت تغيير
النية.
ولو اتخذت المرأة لنفسها خلخالاً ثقيلاً أو سواراً خارجاً عن العادة في الوزن، وقلنا: لا زكاة في الحلي -فيه وجهان:
أحدهما: لا زكاة فيه؛ كما لو اتخذت عدداً من الخلاخيل.
والثاني: يجب؛ لأنه قيد، وليس بزينة، وإنما أبيح لها الزينة.
ولو اتخذ لصبي حلياً، يجوز.
قال الشافعي: ويزين الصبيان بالصبغ والحلي.
ولم يفصل بين أن يكون من ذهب أو فضة، ثم في وجوب الزكاة قولان.
قال الشيخ: اتخاذه من الذهب، أو ما لا يجوز استعماله بعد البلوغ يوجب أن يكون محظوراً؛ لأن الصبي وإن كان لا يعصي بلبسه لصغره، فالولي مأمور بمنعه عنه؛ حتى لا يعتاده.
وكل حلي حرمناه على الذكور، فهو محرم على الخنثى؛ لجواز كونه رجلاً.
وهل عليه الزكاة؟
قيل: تجب للتحريم.
وقيل: فيه قولان؛ كالحلي المباح؛ لأن التحريم غير حقيقة.
ولو اتخذ حُلياً مباحاً، وأجره ممن يجوز، هل تجب فيه الزكاة؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجب؛ لأنه معد لطلب النماء؛ كما لو اشترى حلياً للتجارة.
والثاني: هو على قولين: لأن ما يحصل من الأجرة شيء قليل؛ فلا يؤثر في إيجاب الزكاة؛ كأجرة العوامل من الإبل والبقر؛ فهو كما لو اتخذه للإعارة.
وكل موضع أوجبنا الزكاة في الحلي، فيجب في وزنه، لا في قيمته؛ حتى لو كان وزنه خمسمائة، وقيمته ألف -تجب عليه زكاة خمسمائة؛ فيجعل ربع عشرة للمساكين - كما قلنا- في الرطب الذي لا يصير تمراً.
وقال ابن سُريج: تخرج زكاته بالقيمة من موضع آخر.
وكل حُلي مباح لبسه لبعض الناس، فمن كسره يضمن الصنعة، وكل حلي لا يباح لأحد من الناس؛ فمن كسره هل يغرم صنعته فيه وجهان.
ولا تجب الزكاة في اليواقيت والفيروزج واللاليء وحلية البحر، ولا في شيء من الجواهر غير الذهب والفضة، ولاتجب في المسك والعنبر، إلا أن تكون للتجارة.
وقال أبو يوسف يجب في العنبر الخمس؛ وهو شيء دسره البحر.
"باب زكاة التجارة"
رُوي عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماساً قال: مررت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعلى عنقي أدمة أحملها.
فقال عمر: ألا تؤدي زكاتها يا حماس.
فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه التي على ظهري، وأهبة في القرظ.
فقال: ذلك مال فضع فوضعتها بين يديه فحسبها فوجدها قد وجبت فيها الزكاة؛ فأخذ منها الزكاة.
زكاة التجارة واجبة في جميع الأموال عند أكثر العلماء؛ وهي ربع العشر، وتبج في القيمة؛ حتى لا يجوز إخراجها عن العين.
وعلق القول في القديم في وجوب زكاة التجارة، فلم يوجب في قول؛ وبه قال داود.
فإن قلنا يجب، فهل يجب في العين، أم في القيمة فعلى قولين آخرين في القديم:
أحدهما: يخرج ربع عشر القيمة.
والثاني: يخرج ربع عشر العين، والمذهب وجوبها، ويجب في القيمة، والحول والنصاب فيه شرط.
وهل يشترط كمال النصاب في جميع الحول؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: يشترط؛ كما في المواشي والنقود.
والثاني: يشترط في أول الحول وآخره؛ فإن انتقص في خلال الحول، لا يضر؛ وهو قول أبي حنيفة.
والثالث - وهو المذهب-: ايشترط النصاب، إلا في آخر الحول؛ حتى لو اشترى بدراهم شيئاً للتجارة، انعقد الحول.
فإذا تم الحول وقد بلغ قيمة ما في يده نصاباً؛ يلزمه الزكاة؛ لأن زكاة التجارة تجب بالقيمة، ويشق مراعاة النصاب في القيمة في جميع الحول؛ لأنها تختلف باختلافرغبات الناس بخلاف المواشي والنقود؛ فإن زكاتها تجب في العين؛
فيمكن حفظها إلى آخر الحول.
فإن قلنا: يشترط النصاب في آخر الحول، فقومنا العرض في آخر الحول؛ فلم يكن قيمته نصاباً - هل يبتدئ الحول الثاني؟ فيه وجهان:
أصحهما: يلي، ويسقط حكم الحول الأول؛ حتى لو كمل النصاب بعده، لا زكاة عليه ما لم يتم الحول الثاني، وكان نصاباً في آخره؛ كالنتاج الحاصل في الحول الثاني لا يحسب في الحول الأول.
والوجه الثاني: لا يسقط حكم الحول الأول، بل متى بلغت قيمته نصاباً بعد شهر أو شهرين، تجب الزكاة، ثم يبتديء الحول الثاني؛ لأن قيمته إذا بلغت نصاباً في اثني عشر شهراً، أخذنا منه الزكاة، وكذلك في أربعة عشر شهراً، ولا ينعقد حول التجارة إلا بشرطين:
أحدهما: أن العقد يُعقد معاوضة.
والثاني: أن ينوي حالة العقد أنه يتملكه للتجارة؛ فلو كان له غرض للقنية، فنوى أنه للتجارة، أو اشترى لا للتجارة، ثم نوى بعد ذلك أنه للتجارة - لا يصير للتجارة ما لم يبعه بنية التجارة؛ بخلاف ما لو كان له غرض للتجارة؛ فنوى أنها للقنية، صار للقنية، وانقطع الحول.
والفرق: أن القنية أصل في الأموال، والتجارة عارضة؛ فمجرد النية يعود إلى الأصل، ولا يزول الأصل بمجرد النية، ما لم يضم إليه فعل التجارة.
كالمقيم لا يصير مسافراً لمجرد النية ما لم يوجد فعل السفر؛ لأن الإقامة هي الأصل، والمسافر يصير مقيماً بمجرد النية.
ولو اشترى عرضاً بنية التجارة بنقد لا بعرض أو بدين حالاً أو مؤجلاً - انعقد حول التجارة في حقه، وفي حق شريكه إذا لم ينوه، ثم بعده إذا بادل عرض التجارة، لا يحتاج إلى نية جديدة عند كل ترف.
فلو باع عرضاً بعرض، ونوى المتبايعان جميعاً التجارة - صار ما قبض كل واحد منهما للتجارة؛ فلو تقابلا ذلك البيع أو ترادا بالعيب، لا يبطل حكم التجارة.
ولو اتهب شيئاً بنية التجارة، أو قبل الوصية، أو ورث مالاً، أو استقرض، ونوى التجارة - فلا يصير للتجارة؛ لأنه لم يملكه بطريق التجارة.
ولو اتهب بشرط الثواب بنية التجارة، يصير للتجارة.
ولو صالح عن دين له في ذمة إنسان على عرض بنية التجارة - كان للتجارة؛ سواء كان
ذلك الدين ثمناً، أو قرضاً، أو بدل إتلاف.
أما إذا صالح عن دم العمد على مال، أو خالع زوجته على مال أو أودع أحداً على مال، ونوى التجارة، أو المرأة نكحت على صداق، ونوت التجارة في الصداق، أو أجر نفسه أو ماله على مال بنية التجارة - فهل يكون للتجارة؟ فيه وجهان:
أحدهما - وبه قال أبو يوسف -: بلى؛ لأنه ملكه بعقد معاوضة؛ بدليل ثبوت الشفعة في هذه العقود؛ فيقوم العرض في آخر الحول بنقد البلد.
والثاني - وبه قال محمد بن الحسن -: لا يكون لها؛ لأنه لم يملكه بعين مال.
وعلى هذا: لو كان الرجل يتصرف في المنافع، بأن كان يستأجر المستغلات بنية التجارة؛ ولو أجرها، هل يجب عليه زكاة التجارة؟ فيه وجهان.
ولو بادل مال التجارة بمنفعة دار، هل ينقطع الحول؟ فيه وجهان.
ولو باع عرضاً للقنية لا بنية التجارة؛ فرد عليه بالعيب، أو فسخ البيع؛ فنوى التجارة عند الاسترداد - لا يصير للتجارة لأن الفسخ ليس بتجارة.
فصلٌ: في انبناء حول الربح على حول الأصل
إذا باع عرض التجارة بعرض لا ينقطع الحول، وإن كان فيه ربح، فحول الربح ينبني على حول الأصل، فإذا تم حول الأصل تقوم العروض التي في يده.
فإن كانت قيمتها نصاباً، عليه أن يزكي عن الكل، وإن كان فيه ربح كبير؛ حتى لو اشترى عرضاً بمائتين؛ فصار قيمته قبل الحول بيوم ثلثمائة فأكثر؛ إما بزيادة في نفسها، أو بارتفاع السوق - عليه زكاة جميع قيمتها، إذا مضى اليوم وتم الحول.
وإن ظهر الربح بعد الحول؛ بأن كانت قيمته يوم الحول مائتين، فصارت بعده ثلثمائة: إما بارتفاع السوق، أو بأن عين إنسان فباعه منه بثلثمائة، يكون الربح مضموناً إليه في الحول الثاني؛ كالنتاج الحاصل بعد الحول؛ هذا إذا لم يصر المال ناضاً.
فإن صار ناضاً؛ نظر: إن صار ناضاً من غير جنس رأس المال؛ بأن كان قد اشترى بالدراهم، فصار ناضاً دنانير - تقوم الدنانير بالدراهم، وإن كان فيه ربح يبنى حول الربح على حول الأصل؛ كالعروض.
أما إذا صار المال ناضاً من رأس جنس رأس المال، وفيه ربح؛ مثل: أن اشترى عرضاً بمائتي درهم، فباعه في خلال الحول بثلثمائة، فتم الحول، وهي في يده، أو اشترى بها عرضاً قيمته ثلثمائة، فهل يبنى حول الربح على حول الأصل؟ فيه قولان:
أحدهما: ينبني؛ كما لو لم يصر ناضاً، وحول النتاج ينبني على حول الأصل - فعليه
أن يزكي عن ثلثمائة عند تمام الحول.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينبني، بل يستأنف للربح حول من وقت ما نض، فإذا تم حول الأصل يزكي عن المائتين، ثم إذا مضى حول من وقت ما نض يزكي عن المائة؛ لأن هذا الربح لم يحصل من غير النصاب؛ فهو كالمستفاد بالكسب من موضع آخر يستأنف له الحول؛ بخلاف النتاج؛ فإنه حصل من غير ماله؛ بدليل أن النتاج حصل في يد الغاصب، يجب عليه رد النتاج.
وإذا غصب مالاً فربح فيه، لا يجب عليه رد الربح؛ على أصح القولين، وليس كما لو لم ينض؛ لأن الربح هناك كامن لم يتميز عن الأصل، والزكاة تجب في القيمة، وقيمة الثاني والأول جنس واحد.
وعلى هذا: لو اشترى بمائة درهم عرضاً للتجارة، فباعه بعد ستة أشهر بثلثمائة، واشترى بها عرضاً؛ فتم الحول؛ وهو في يده قيمته ستمائة؛ إن قلنا: يضم الربح إلى الأصل، يجب عليه ستمائة.
وإن قلنا: لا يضم، تجب عليه زكاة ثلثي السلعة؛ وهو أربعمائة؛ لأن ثلثي السلعة يشتري بمائتي الأصل، ثم بعد مضي ستة أشهر أخرى يتم حول الربح؛ فيخرج زكاة الثلث الباقي.
وعلى هذا لو ملك مائتي درهم؛ فاشترى بها عرضاً للتجارة، ثم أربعة أشهر من يوم ملك الأصل نضت العروض بثلثمائة؛ فاشترى بها عرضاً فبعد أربعة أشهر نضت أربعمائة؛ فحال الحول وهي في يده، أو صرفها إلى عرض وقيمتها أربعمائة - إن قلنا: يضم الربح إلى الأصل، يجب عليه زكاة أربعمائة.
وإن قلنا: لايضم، ففي آخر الحول من يوم ملك المائتين يزكي عن المائة، ثم بعد أربعة أشهر يُزكى عن مائة، ثم بعد أربعة أشهر أخرى يزكى عن المائة الأخرى، فإن بقي ذلك العرض في يده لم يزد ولم ينقص، هكذا يزكي عن مائتين، ثم بعد أربعة أشهر أخرى يزكي عن مائة، ثم بعد أربعة أشهر أخرى يُزكى عن مائة.
فرع ابن الحداد على هذا؛ إذا ملك عشرين ديناراً؛ فاشترى بها من ساعته عرضاً للتجارة، ثم بعد ستة أشهر بأربعين ديناراً، واشترى بها سلعة باعها بعد الحول بمائة؛ إن قلنا: يضم الربح إلى أصل المال، يجب عليه أن يُزكى عن المائة.
وإن قلنا: لا يضم، يجب عليه زكاة خمسين؛ لأنه اشترى هذه السلعة بأربعين؛ عشرون منها ربح، وربح على العشرين ستين نصفها يتبع أصل ماله؛ وهو عشرون، فخرج زكاة الأصل وربحه؛ لأن ربحه كان كامناً وقت حلول حوله، ثم بعد ستة أشهر أخرى يجب
عليه زكاة عشرين؛ لأنها نضت ربحاً في خلال الحول، ولا يضم إليه ربحه؛ لأنه صار ناضاً قبل تمام حوله، ثم بعد ستة أشهر أخرى يُزكي عن ثلاثين.
فإن كانت الخمسون الأولى في ملكه، فقد تم حولها ثانياً، فعليه خراج زكاتها مع هذه الثلاثين.
ولو اشترى عرضاً أقل من نصاب؛ مثل: أن اشترى بمائة درهم، أو بعشرة دنانير؛ فباعه بعد ستة أشهر بمائتي درهم، وبقيت عنده إلى آخر الحول من يوم الشراء الأول - فإن قلنا: حول الربح على حول الأصل يجب عليه زكاة مائتين.
وإن قلنا: لا ينبني، عليه زكاة مائة الأصل؛ لأنه ون لم ينك نصاباً فهو في حكم النصاب ما لم يبعه، ثم إذا مضت ستة أشهر أخرى، تم حول المائة الثانية - فعليه زكاتها.
هذا إذا قلنا بظاهر المذهب: إن النصاب شرط في آخر الحول دون أوله.
أما إذا قلنا: يشترط في جميع الحول؛ فابتدأ حوله من يوم البيع، فإذا تم زكي عن الكل.
ولو اشترى عرضاً بنصاب من الدراهم، فصار ناضاً في خلال الحول بأقل من نصاب - نظر: إن نض بغير جنس رأس المال؛ مثل: أن يشتري بمائتي درهم، فصار ناضاً بعشرة دنانير - لا ينقطع الحول.
فإذا تم الحول يقوم الدنانير بالدراهم، وإن نض بجنس ما اشترى بأقل من نصاب، هل ينقطع الحول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينقطع؛ كما لو نض بغير جنسه.
وكما لو انتقص قيمة العرض، ولم ينض.
والثاني: ينقطع؛ لأن الحول انعقد على غير الدراهم، وقد انتقص نصابها؛ بخلاف ما لو نض من غير جنس رأس المال؛ لأن الحول تم لم ينعقد على عينه، إنما انعقد على قيمته، ونقصان القيمة في خلال الحول لا يضر في زكاة التجارة.
ولو اشترى بمائتي درهم عرضاً للتجارة؛ فباعه بعشرين دينار، فتم الحول وهي في يده يقوم الدنانير بالدراهم؛ كالعروض فإن كانت قيمتها نصاباً من الدراهم أخرج الزكاة، وإن لم تبلغ قيمتها نصاباً نم الدراهم - فهل يسقط حكم الحول، أم لا؟ يسقط؛ حتى إذا بلغت قيمته بعد ذلك بأيام نصاباً يلزمه الزكاة؛ فعلى ما ذكرنا من الوجهين: فإن قلنا: يسقط، ويبتدئ الحول، فهل تنتقل الزكاة منا لدراهم إلى الدنانير؟ فيه وجهان:
أحدهما: لاتنقل؛ كما لو كان عرضاً، ولم يبلغ قيمته نصاباً، لا ينتقل إلى نقد البلد.
والثاني: ينتقل، وبطل حق الدراهم؛ حيث لم يبلغ قيمة ما في يده نصاباً، والدنانير في نفسها نصاب، واعتبار نفسها أولى من اعتبار قيمتها.
فإن قلنا: تنتقل الزكاة إلى الدنانير، فمن أي وقت يحسب حول الدنانير؟ فيه وجهان:
أحدهما: من وقت التقويم؛ لأن حول الدراهم بطل عند التقويم.
والثاني: من وقت ما نضت العروض نصاباً من الدنانير؛ لأن ملك العشرين حصل له من ذلك الوقت.
فصلٌ: في بيان الحول
إذا اشترى عرضاً للتجارة بنصاب من أحد النقدين إما بمائتي درهم، وبعشرين ديناراً؛ فابتدأ الحول من يوم ملك تلك الدراهم، أو الدنانير، وحول التجارة ينبني على حول النقد؛ لأن زكاتهما واحد؛ فإن وجوب الزكاة في النقدين بكونهما مرصد للتجارة، فليس صرفهما في التجارة إلا جعلهما مبهمة بعد ما كانا معينة؛ فهو كما لو أقرض دراهم من مليء.
وكذلك لو كان له في ذمة إنسان نصاب من أحد النقدين، وقلنا: تجب الزكاة في الدين؛ فاشترى منه به عرضاً للتجارة - ينبني حول التجارة على حول الدين، وكذلك لو كانت له سلعة للتجارة؛ فباعها بنصاب من أحد النقدين بنية القنية انبنى حول النصاب على حول التجارة في وجوب الزكاة.
أما إذا اشترى بأقل من نصاب من أحد النقدين، أو بعرض من ثوب، أو متاع عرضاً للتجارة- ينعقد الحول من يوم الشراء.
ولو اشترى بنصاب من السائمة عرضاً للتجارة، فالمذهب: أن حول التجارة يكون من وقت الشراء، وينقطع حول السائمة، ولا ينبني حول التجارة على حول السائمة؛ لأن زكاتهما مختلفة، وزكاة النقد والتجارة متفق؛ وهو ربع العشر؛ ولأن زكاة التجارة في القيمة، والقيمة تكون في النقدين.
وقال الإصطخري: ينبني حول التجارة على حول السائمة؛ لأن الشافعي قال: ولو اشترى عرضاً للتجارة بدراهم، أو دنانير، أو بشيء يجب فيه الصدقة من الماشية - لم يقوم العرض؛ حتى يحول الحول من يوم أفاد الثمن، والمراد من النص عند الآخرين: أن يملك الماشية؛ فكما ملكها صرفها إلى عرض التجارة؛ فلا يكون بين ملك الماشية، وشراء العرض فضل.
ولو اشترى عرضاً للتجارة بنصاب من أحد النقدين في الذمة، وله مائتا درهم أو عشرون ديناراً نقدها في ثمنه ينقطع حول النقد، وينبني حول التجارة من يوم الشراء؛ لأن هذه الدراهم والدنانير لم يتعين الصرف فيها؛ سواء نواه، أو لم ينوه.
ولو ملك رجل نصاباً من أحد النقدين؛ فبادله بجنسه، أوبادل الدراهم بالدنانير - نظر: إن لم يكن الرجل صيرفياً بعقد نية التجارة، ينقطع الحول، وإن كان صيرفياً بادله بنية التجارة، فهل ينقطع الحول؟ فيه قولان:
قال في القديم: وبه قال أبو حنيفة: لا ينقطع الحول؛ كما لو اشترى بها عرضاً للتجارة.
وقال في الجديد: ينقطع الحول، ويبتديء الحول على ما اشترى؛ لأن التغابن لا يجري في مبادلة النقد بالنقد، ولا يكثر الربح فيه، والتجار لا يعدونه من باب التجارة، ولا يطلبونبه الربح؛ فهو كما لو بادله لا بنية التجارة؛ ولأن السلعة بيع للدراهم والدنانير في التجارة؛ بدليل أنه يقوم السلعة بها، فجاز أن ينبني حولها على حول الأصل.
أما النقود فلا يتبع بعضها بعضاً؛ فلا ينبني حول بعضها على بعض.
"فصلٌ: في التقويم"
زكاة التجارة تجب في القيمة، وبماذا يقوم ماله في آخر الحول؟ لا يخلو: إما أن يكون أصل ماله الذي اشترى به مال التجارة من جنس النقدين، أو لم يكن: فإن كان من جنس النقدين؛ لا يخلو: إما أن كان نصاباً، أو لم يكن؛ فإن كان نصاباً؛ مثل: أن اشترى بمائتي درهم، أو بعشرين ديناراً عرضاً للتجارة - يقوم في آخر الحول بجنس ما اشترى، فإن بلغ نصاباً أخرج الزكاة، وإلا فلا زكاة عليه.
وإن كان الجنس الآخر هو نقد البلد، ولو قوم به بلغ نصاباً؛ فلا ينظر إليه؛ حتى لو اشترى بمائتي درهم عرضاً، فكان في آخر الحول في يده عشرون ديناراً يقوم بالدراهم؛ كالعرض.
فإن بلغت قيمتها نصاباً من الدراهم زكى من الدراهم، وإن لم تبلغ فلا زكاة عليه.
ولو باع العرض بعد الحول بالدنانير، يقوم العرض بالدراهم لا الدنانير؛ لأنه كان في يده يوم حلول حول العرض، وفي منقول المزني - رحمه الله - خلل.
فإن كان رأس ماله أقل من نصاب من أحد النقدين؛ بأن اشترى بمائة درهم أو بعشرة دنانير، ففي آخر الحول ماذا يقوم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقوم بجنس ما اشترى؛ كما لو اشترى بنصاب منها.
والثاني: يقوم بنقد البلد؛ كما لو اشترى بعرضٍ؛ لأن ما دون النصاب كالعرض في أنه لا زكاة فيه.
وإن كان أصل ماله سلعة اشترى بها عرضاً للتجارة، ففي آخر الحول يقوم ما في يده بنقد البلد، فإن بلغ نصاباً، زكى، وإلا فلا زكاة عليه.
وإن كان في البلد نقدان، يقوم بأغبهما، فإن كان سواء يقوم بما هو أنفع للمساكين فإن كان التقويم بأحدهما يبلغ نصاباً، وبالآخر لا يبلغ - يقوم بالذي يبلغ نصاباً، وإن استويا فيه ففيه ثلاثة أوجه
أحدهما: يقوم بأيهما شاء؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
والثاني: يقوم بالدراهم؛ لأنها أكثر استعمالاً.
والثالث: يقوم بنقد أقرب البلاد إليه، وإن كان رأس ماله كلا النقدين؛ مثل: أن اشترى بمائتي درهم وعشرين ديناراً عرضاً للتجارة صفقة واحدة ففي آخر الحول يقوم ما اشترى بالدراهم بالدراهم، وما اشترى بالدنانير يقوم بالدنانير، وطريق معرفته: أن يقوم أحد النقدين بالآخر يوم الشراء، فإن كان قيمة مائتي درهم عشرين ديناراً، فيومئذ علمنا أن شراء نصفه وقع بالدراهم، وشراء النصف بالدنانير.
فن كان قيمة مائة درهم عشرة دنانير، علمنا أن شراء الثلث وقع بالدراهم، وشاء الثلثين [وقع] بالدنانير؛ فيقوم الثلث بالدراهم، ويقوم الثلثان بالدنانير.
فإن بلغ نصاباً، زكى، وإلا فلا زكاة عليه، ولا يضم أحدهما إلى الآخر، وحول كل واحد يعتبر من يوم ملك ذلك النقد.
وإن كان رأس ماله أقل من نصاب من النقدين؛ مثل: أن اشترى بمائة درهم وعشر دنانير عرضاً، ففي آخر الحول إن قلنا: ما دون النصاب كالعرض يقوم الكل بنقد البلد.
وإن قلنا: يقوم بجنس ما اشترى، فما اشتراه بالدراهم يقوم بها، وما اشتراه بالدنانير يقوم بها؛ كما ذكرناه.
ولو اشترى بمائتي درهم وعشرة دنانير، فحول ما يقابل الدراهم يكون من يوم ملك النصاب، وحول ما يقابل الذهب من يوم شراء العرض.
فإذا تم الحول من يوم ملك الدراهم، يقوم ما يقابل الدراهم بها، ثم إذا تم الحول من يوم شراء العرض، يقوم ما يقابل الدنانير، وبماذا يقوم؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: بالدنانير، لا يكمل نصاب أحدهما بالآخر، لا يضم أحدهما إلى الآخر.
وإن قلنا: يقوم بنقد البلد، ونقد البلد دراهم، يضم أحدهما إلى الآخر.
وكذلك لو اشترى بمائتي درهم وبعرض، فما يقابل الدراهم يقوم بالدراهم، وما يقابل العرض يقوم بنقد البلد، فإن كان نقد البلد دراهم يضم أحدهما إلى الآخر، وإن كان دنانير فلا يضم.
ولو اشترى بنصاب من الدنانير: نصفها صحاح ونصفها مكسر، وبينهما تفاوت - يقوم ما يخص الصحاح بالصحاح، وما يخص المُكسر بالمكسر.
ولو ملك مائتي درهم؛ فاشترى بمائة منها عرضاً للتجارة - يقوم في آخر الحول بجني ما اشترى وجهاً واحداً؛ لأنه اشتراه ببعض ما انعقد الحول عليه.
قال الشيخ: وابتداء الحول من يوم ملك الدراهم.
ولو ملك مائتي درهم؛ فاشترى بها عرضاً للتجارة، ثم بعد مُضي ستة أشهر من يوم ملك الدراهم، ورث مائة؛ فاشترى بها عرضاً للتجارة، فحول هذه المائة من يومورثها.
قال الشيخ: فإذا تم حول الأصل يقوم، فن لم يبلغ نصاباً يضم إليه المستفاد؛ حتى تؤخذ الزكاة من الأصل، لا من المستفاد؛ لأن النصاب في مال التجارة شرط في آخر الحول؛ فكان في آخر الحول نصاباً مع المستفاد، ثم إذا تم حول المستفاد من يوم ورثه، يقوم العرض الذي في يده بالفضة؛ لأن الشراء وقع بما انعقد الحول عليه؛ لأنه كما ورثها انعقد الحول عليها بالضم إلى مال التجارة، فإذا قومناه فلم يبلغ نصاباً إلا بالضم إلى الأول - يضم؛ حتى تؤخذ الزكاة من المستفاد.
فرع لابن الحداد: لو اشترى شقصاً مشفوعاً بعشرين ديناراً للتجارة؛ فحال الحول، وقيمته مائة دينار - يجب عليه زكاة مائة، ويأخذ الشفيع بعشرين.
ولو اشترى بمائة؛ فحال الحول، وقيمته عشرون - عليه زكاة عشرين واحدة الشفيع بمائة.
فصلٌ: في اجتماع زكاتين
إذا اشترى للتجارة ما يجب الزكاة في عينه؛ مثل: أن اشترى نصاباً من السائمة، ونخيلاً للتجارة؛ فأثمرت، أو أرضاً مزروعة؛ فأدرك الزرع - فلا يجب زكاة العين والتجارة جميعاً، وأيهما يغلب؟ فيه قولان:
أصحهما: زكاة العين؛ لأنها أقوى؛ فإنها مُجمع عليها، وزكاة التجارة مختلف في وجوبها.
والثاني - وهو قوله القديم فيه: قال أبو حنيفة: تغلب زكاة التجارة؛ لأنها أعم وأنفع للمساكين.
واختلفوا في محل القولين: منهم من قال: القولان فيما إذا لم يسبق حول أحدهما؛ بأن اشترى بمال لا يجب فيه الزكاة نصاباً من السائمة للتجارة، ينعقد الحول من يوم الشراء؛ فلا يختلف حول زكاة العين والتجارة.
أما إذا سبق حول أحدهما، يغلب السابق؛ مثل: أن اشترى بمال التجارة نصاباً من
السائمة، أو كان له نصاب من أحد النقدين ستة أشهر؛ فاشترى به نصاباً من السائمة بنية التجارة - يغلب زكاة التجارة؛ لأن حولها من يوم ملك الثمن؛ وهو سابق.
ولا يتصور أن يسبق حول زكاة العين في السائمة؛ لأن المبادلة فيها تقطع الحول.
قال الشيخ: يتصور في الثمار؛ وهو أن يشتري نخيلاً للتجارة؛ فبدا الصلاح في ثمارها قبل أن يحول حول التجارة - تغلب زكاة العين؛ لأن السابق وجد بسبب وجوبه، وليس هناك معارض.
ومنهم من قال: في الكل قولان؛ سواء سبق حول أحدهما، أو لم يسبق.
وهذا أصح؛ حتى لو اشترى خمساً من الإبل بمائتي درهم، أقامت عنده ستة أشهر - ففي قول: عليه زكاة العين؛ وهو شاة إذا تم الحول من يوم الشراء.
وفي قول: عليه زكاة التجارة إذا تم حول الثمن.
فإن قلنا: يغلب زكاة التجارة، فلا عبرة بنقصان النصاب في أثناء الحول، فإذا تم الحول يقوم ثمن النخل والجذع وأرض الجذع وفي الزرع تقوم الأرض والزرع، وفي السائمة تقوم مع درها ونسلها وصوفها، وما اتخذ من لبنها.
فإن بلغت نصاباً، أخرج ربع عشرها، وإن لم تبلغ نصاباً، فهل يصار إلى زكاة العين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنا أعرضنا عنها.
والثاني - وهو الأصح -: تؤخذ زكاة العين إن كان نصاباً، لأن سقوط زكاة العين لأجل زكاة التجارة؛ وهي غير واجبة: فعلى هذا يخرج العُشر من الزرع والثمار في الحول؛ لأنه لا حول لها بعد بدو الصلاح، واشتداد الحب.
أما السائمة: هل يجب إخراج زكاتها في الحال، أم يستأنف لها الحول من وقت التقويم؟ فيه وجهان: فإن قلنا: تغلب زكاة العين، يجب عليه إخراج العشر من الثمار والزروع، إن بلغت خمسة أوسق، وإخراج السنين الواجبة من السائمة والسخال تضم إلى الأمهات، فإذا أخذنا زكاة السائمة لا يبقى لإيجاب زكاة التجارة موضع، فإذا أخذنا زكاة العين من الثمار والزروع، هل تجب زكاة التجارة في قيمة جذع النخلة وبين الزرع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن المقصود منها الثمار والحب، وقد أخذنا زكاتها.
والثاني: تجب؛ لأن هذه الأشياء لا يجب فيها زكاة العين؛ فيبقى فيها زكاة التجارة.
وأما أرض النخيل، وأرض الزرع، فهل تجب في قيمتها زكاة التجارة؟ قيل: فيه وجهان: كالجذع.
وقيل: تجب وجهاً واحداً؛ بخلاف الجذع والتبن؛ لأن الثمرة والحب خارجاً من عين الجذع والتبن؛ فكان المخرج عن الكل بخلاف الأرض؛ فإن الجذع والتبن مودع فيهما.
فإن أوجبنا زكاة التجارة في هذه الأشياء، فلم تبلغ نصاباً - هل نضم فيه الثمرة والزرع إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه قد أدى زكاتهما.
والثاني: يضم ليكمل نصاب التجارة، وفي النخيل حتى يعقد قدر ما يخص النخيل، لا لإيجاب الزكاة فيه مرة أخرى.
ولو انتقصت سائمة في النصاب في أثناء الحول، ينتقل إلى زكاة التجارة، وهل ينبني حول التجارة على قولي زكاة العين، أم يستأنف الحول؟ فيه وجهان هذا كله في اجتماع النصابين.
أما إذا اشترى نخيلاً أو أرضاً مزروعة للتجارة، فخرجت أقل من خمسة أوسق، أو اشترى من السائمة أقل من نصاب بنية التجارة - يجب عليه زكاة التجارة، إذا تم الحول وقيمتها نصاباً قولاً واحدا؛ لأن زكاة العين لا تجب هاهنا؛ ما لو اتهب نصاباً من السائمة بنية التجارة، عليه زكاة العين إذا تم حولها؛ لأن حول التجارة لم ينعقد بالاتهاب.
فلو اشترى أقل من نصاب من السائمة بنية التجارة، فبلغت بالنتاج نصاباً في خلال الحول، وكانت قيمته أقل من نصاب في آخر الحول - من أصحابنا من قال: لا زكاة عليه؛ لأن الحول انعقد على زكاة التجارة؛ فلا يبدل.
ومنهم من قال: ينتقل إلى زكاة العين، فعلى هذا حولها يعتبر من يوم تم النصاب بالسخال، أو من وقت نقصان قيمتها عن النصاب؟ فيه وجهان.
فإذا اشترى نصاباً من السائمة للتجارة، ثم اشترى بعدها بعد ستة أشهر عرضاً.
إن قلنا: زكاة التجارة تغلب، لا ينقطع الحول.
وإن قلنا تغلب زكاة العين، ينقطع الحول، ويبتديء حول التجارة من يوم شراء العرض.
ولو اشترى أرضاً للتجارة، وزرعها ببذر للقنية، يجب عليه العشر في الزرع قولاً واحداً، وزكاة التجارة في الأرض قولاً واحداً.
وإذ كان له رقيق للتجارة، يجب عليه زكاة فطرهم مع زكاة التجارة، لنهما حقان يجبان بسببين مختلفين: أحدهما: حق المال،
والآخر: حق البدن؛ وهو زكاة الفطر؛ فإنها طُهرة للصائم عن الرفث واللغو.
وكذلك يجب على الأحرار؛ فلا يتداخلان كجزاء الصيد في الإحرام، والقيمة إذا كان الصيد مملوكاً لا يتداخلان.
وعند أبي حنيفة: لا تجب صدقة الفطر في رقيق التجارة.
"بابزكاة مال القراض"
إذا دفع ألف درهم قراضاً إلى رجل؛ حتى يتصرف فيها، ويكون الربح بينهما نصفين، فإذ حال أطول عليه، وفيه ربح، فزكاة رأس المال تكون على رب المال، وزكاة الربح على من تكون؟
هذا ينبني على أن العامل هل يملك نصيبه من الربح بنفس الظهور، أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -: يملك بنف سالظهور؛ لأنه شرط له نصف الربح، وقد حصل؛ كما في المساقاة يملك العامل نصيبه من الثمار بنفس الخروج.
والقول الثاني- وهو الأصح.
وهو اختيار المزني -: لا يملك إلا بعد المُقاسمة؛ كما في الجعالة يستحق العامل الجعل بعد الفراغ من العمل؛ ولأنه لو ربح على الألف ألفاً، ثم خسر؛ حتى عاد إلى الألف - لا يكون للعامل فيه شيء.
ولو ملك نصف الربح، وصار ربع المال له، لكان بالنقصان لا يبطل حقه عن ربع الباقي؛ لأن من ملك شيئاً زائداً ملكه ناقصاً؛ كما لو مات رجل عن زوجة وأخ، كانت التركة بينهما أرباعاً؛ فلو هل أكثر التركة، لا يبطل حق الزوجة عن ربع الباقي؛ وكما في المساقاة، لو هلك بعض الثمرة، لا يبطل حق العامل عن الباقي؛ فلما سقط هاهنا حق العامل بهلاك الربح، دل أنه لم يملك شيئاً منه.
فإن قلنا: لا يمل إلا بعد المُقاسمة، فزكاة الجميع تكون على المال، وحق الربح ينبني على حول الأصل، ثم إذا أخرج الزكاة من مال القراض فما حكم المخرج؟ فيه وجهان:
أصحهما: يحتسب من الربح؛ كالمؤن التي تلزم المال من أجرة الدلال والكيال.
وقد نص الشافعي - رحمه الله - على أن صدقة فطر عبيد القراض تكون من مؤن المال.
والوجه الثاني: يجعل؛ كأنه استرد طائفة من المال؛ فيكون من الربح، ورأس المال جميعاً؛ حتى إن كان رأس المال ألفاً والربح خمسمائة؛ فيكون ثلثا المخرج من رأس المال وثلثه من الربح، والوجهان يبنيان؛ على أن الزكاة تتعلق بالعين، أو بالذمة.
إن قلنا: يتعلق
بالعين؛ فهو كسائر المؤن.
وإن قلنا: بالذمة، فكأنه استرد بعض المال.
وإن قلنا: يملك العامل نصيبه من الربح بنفس الظهور، فيجب على رب المال زكاة رأس المال، وزكاة نصيبه من الربح.
ولا يجب عليه زكاة نصيب شريكه وهل تجب على العامل زكاة نصيب نفسه؟ اختلف أصحابنا فيه.
قيل: فيه قولان؛ كالمال المغصوب؛ لأن العامل لا يقدر على النصيب كيف شاء؛ المغصوب.
وقال صاحب "التقريب": يجب قولاً واحداً؛ لنه يصل إليه متى شاء بالفسخ، فهو كدين له على مليء.
فإن أوحد نصاباً ومجموع المال نصاب، فمن أثبت الخلطة في النقدين، تجب عليه الزكاة، ومن لم يُثبت فلا توجب، إلا أن يكون له من جنسه [ما يكمل به] نصيبه معه نصاباً، فتجب عليه زكاة نصيبه، ولا يجوز للعامل [الأخذ] من مال القراض.
فلو فعل، فهو كما لو أتلف بعض المال، ولا [له أن يأخذ] من موضع آخر في الحال؛ لأنه لا يدري هل يسلم له الربح، أم لا؟ ويخرج لما مضى وقيل: يجب الإخراج في الحال؛ لأنه يصل إليه متى شاء رب المال [و] يكون من يوم ملك رأس المال، إن كان رأس المال [باقياً وإن] لم يكن، فمن وقت الشراء للتجارة، وحول حصته من الربح يبني [على حول الأصل] وحول العامل يكون من وقت ظهور أدنى شيء من الربح، وإن كان أحدهما ذمياً أو مكاتباً، والآخر حُراً مسلماً - نظر: إن كان [ذلك] بعد المُقاسمة.
فإن قلنا: يملك بنفس الظهور، فلا زكاة على [العامل]، ويجب على رب المال زكاة رأس المال، وحصته من الربح إن بلغت نصاباً.
وإن لم تبلغ، فلا تكمل بنصيب العامل؛ لأن حكم الخلطة لا يكون بين الحر المسلم؛ وبين الذمي والمكاتب.
ون كان رب المال ذمياً مكاتباً: ن قلنا: لا يملك العامل إلا بعد المقاسمة، فلا زكاة [في المال؛ لأن جميعه ملك الذمي وإذا لم يبلغ] نصاباً فعلى الاختلاف الذي ذكرناه.
والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم: رب يسر ووفق للخير
باب زكاة المعدن والركاز
رُوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقطع لبلال بن الحارث المُزني معادن القبلية؛ وهو من ناحية الفرع؛ فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.
المَعْدنُ: اسم للمال المخلوق في الأرض.
والرِّكازُ: المدفون، ولا شيء فيما يستخرج من المعدن، إلا في الذهب والفضة.
وعند أبي حنيفة يجب من كل جوهر يتطبع ويصير على المطرقة؛ كالحديد والنحاس؛ قياساً على الذهب والفضة.
فتقول: كل مال لو ورثه، لا يبتدئ الحول عليه، ولا يتكرر الحق فيه إذا بقي من ملكه، فإذا استخرج من المعدن لا يجب فيه شيء؛ كالفيروزج، ثم ماذا يجب في الذهب والفضة المستخرجين من المعدن؟ فيه ثلاثة أقوال:
أصحهما: ربع العشر؛ لحديث بلال بن الحارث.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة -: يجب فيه الخمس؛ لأنه يب فيه الحق بالوجود؛ كالركاز.
والثالث - وبه قال مالك -: إن وجد ندرة مجتمعة من غير تعب ومؤنة، ففيه الخمس وإن أصابه بتعب، ومؤنة، ففيه ربع العشر؛ لأن المؤنة إذا كثرت، قل الواجب، وإذا قلت المؤنة كثر الواجب؛ كالزرع المسقي بالسماء يجب فيه العشر، وفي المسقي بالنضح نصف العشر؛ لكثرة المؤنة.
فإن قلنا: يجب فيه ربع العشر، فيشترط فيه النصاب، لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض؛ كالزرع.
وهل يشترط فيه الحول؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يشترط؛ كما في الثمار والزروع.
والثاني: يشترط؛ كسائر الزكاوات.
وإن قلنا: الواجب فيه الخمس، لا يشترط فيه الحول.
وفي النصاب قولان؛ كالركاز.
وعلى القولين: مصرفة مصرف الصدقات.
وقيل: إذا قلنا: فيه الخمس، فمصرفه مصرف الفيء؛ الخمس لأهله، والباقي له؛ وبه قال أبو حنيفة أن مصرفه مصرف الفيء.
وإذا اشترطنا النصاب؛ فليس من الشرط أن يكون المستخرج في نفسه نصاباً، بل إذا استخرج قدراً، وله مال لو ضم إليه بلغ نصاباً، يجب عليه إخراج ربع عشر المستخرج على قولنا: إن الحول ليس بشرط فيه؛ مثل: أن ملك تسعة عشر ديناراً، واستخرج من المعدن ديناراً - يجب أن يخرج ربع العشر من الدينار المستخرج في الحال، ثم إن أخرج ربع العشر من موضع آخر غير هذه العشرين - ينعقد الحول على العشرين.
وإن قلنا: الحول يشترط في المستخرج من المعدن، فلا شيء عليه في الحال، وينعقد الحول عليه في الكل بإخراج الدينار.
وإن قلنا: الواجب في المعدن الخمس، يجب عليه إخراج الخمس من هذا الدينار في الحال، وإن قلنا: النصاب شرط؛ لأنه مع ما عنده وكذلك الركاز إذا وجد أقل من نصاب، وعنده ما يكمل به نصاب.
وإن قلنا: النصاب شرط دون الحول، فأصابه دفعات، هل يضم البعض إلى الكل في تكميل النصاب نظر: إن كان العمل متتابعاً، والنيل غير منقطع، ضم البعض إلى البعض، ولا يشترط بقاء ما استخرج في ملكه.
وإن لم يقطع العمل، ولكن حضر المعدن فلم يجد
النيل؛ نظر: إن كان يسيراً يوماً أو يومين، ثم وجد، ضم الثاني إلى الأول، ون طال الزمان ففيه قولان:
قال في الجديد - وهو الأصح -: يضم؛ لأن نيل المعدن لا يدوم.
وقال في القديم - وبه قال مالك: لا يضم: كما لو قطع العمل، والمعدن غير حافر، ثم عاد؛ نظر: إن قطع لغير عذر، لا يضم الثاني إلى الأول؛ طال الزمان أو قصر.
وإن قطع لعذر من: مرض، أو هرب عبد، أو بعذر أذاه - ضم ما يجد بعد زوال العُذر إلى ما قبله؛ طال الزمان أو قصر.
ولا فرق بين أن يون المعدن في موات، أو في ملكه في وجوب الحق فيما يستخرج منه.
وعند أبي حنيفة: إن كان في ملكه، لا يجب فيه الحق.
وإن استخرجه من معدن في ملك الغير، فهو لصاحب الملك، فإذا أخذه المالك أخذ منه الحق؛ ويجب حق المعدن بالوجود؛ على ظاهر المذهب الذي يقول: إن الحول فيه ليس بشرط، ويجب الإخراج بعد التمييز؛ كما أن عُشر الزرع يجب إخراجه بعد التنقية؛ فلو أخرج قبل التمييز عن الحجر والتراب، لا تقع عن الزكاة، والساعي ضامن لما أخذه، وعليه رده.
وإن تلف؛ فن اختلفا في مقداره، فالقول قول الساعي مع يمينه؛ لأنه غارم، ولو ميزه الساعي، ثم حسبه المال عن الزكاة، جاز، ومؤنة التمييز على المالك، إلا أن يتبرع به الساعي، فلو تلف بعضه قبل التمييز في يد المالك، فهو كتلف بعض المال قبل الإمكان.
فصلٌ: في الركاز
رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يجب في الركاز الخُمس" والباقي للواجد وله شرطان:
أحدهما: أن يجده مدفوناً في موات لم يجر عليه ملك مسلم، أو القلاع العادية، والقرى القديمة التي لم تكن عامرة لأهل الإسلام، ولا لأهل العهد.
والثاني: أن تكون بضرب الجاهلية.
والحول فيه ليس بشرط؛ لأن الحول في الأموال الزكوية بحصول النماء اولفائدة، والركاز نفسه فائدة.
وهل يشترط فيه النصاب وهل يختص بالنقدين؟
قال الشافعي - رحمه الله -: لو كنت أنا الواجد لخمست القليل والكثير، والذهب والفضة وغيرهما.
فمن أصحابنا من قال هذا تعليق القول منه، وجعل في اشتراط النصاب، وفي وجوب الحق في غير الذهب والفضة قولين.
ومنهم من قال- وهو الأصح-: بشرط النصاب، ولا يجب في غير الذهب والفضة قولاً واحداً، وما قاله الشافعي - رضي الله عنه - احتياط؛ للخروج عن الخلاف.
فإن قلنا: النصاب ليس بشرط، يخرج الخمس عن قليله وكثيره، والباقي للواجد.
وإن قلنا: النصاب شرط، فإن وجد أقل من نصاب، ولم يكن عنده ما يكمل به النصاب - فكله للواجد.
وإن كان عنده ما يكمل به النصاب، ضم إليه؛ لإخراج الخمس من الركاز ولو وجد مائة، وعنده نصاب من جنسه، ووجد الركاز مع تمام الحول في النصاب الذي عنده - يجب إخراج الخمس من الركاز، وربع العُشر من النصاب؛ لأن الحول لا يعتبر في الركاز في النصاب.
ومصرف خمس الركاز مصرف الصدقات.
وقيل: إذا قلنا: لا يعتبر النصاب، ولا يختص بالنقدين، فمصرفه مصرف الفيء.
والأول المذهب.
ولو وجد الركاز بضرب الإسلام، فهو لقطة؛ في أي موضع وجد؛ كما لو كان على وجه الأرض.
وقال الشيخ القفال: لا يكون لقطة؛ لأنه محرز بالدفن؛ كالإبل الممتنعة من السباع، توجد في صحراء - تدخل بالأخذ في ضمانه والأول المذهب.
وإن لم يعرف أنه من ضرب الجاهلية بأن ضرب مثله في الإسلام والجاهلية، أو كان إناء أو حلياً لم يدر أنه من دفن الجاهلية أو الإسلام - فالمنصوص أنه لقطة؛ تغليباً لحكم الإسلام.
ومن أصحابنا من قال: هو ركاز؛ لأن الموضع الذي وجده فيه يشهد له، وإن وجده في قرية مسكونة، أو في خربة جرى عليها ملك في الإسلام، أو في العهد، أو في ميناء، أو في مسجد، أو كان في موات، لنكه شيء لا يبقى مدفوناً من وقت الجاهلية - فهو لقطة.
فإن وجده في ملك غيره، فهو لمالكه إن ادعاه بلا يمين، بأي ضرب كان.
فإن لم يجد مالكه فللورثة، وإن لم يدعه مال الدار، كان لمن تلقى المالك الملك من جهته؛ هكذا حتى يرجع إلى من أحياها.
وإن وجده في ملك نفسه؛ نظر: إن كان هو الذي أحياها، فهو ركاز.
وإن ملكها من غيره، دفع إلى من يملكها منه.
فإن تنازع فيه مُكترى الدار أو مستعيرها مع مالكها، كان للمكتري أو للمستعير؛ لأن اليد له، وإن وجده في أرض موقوفة، فهو لمن في يده الأرض.
وإذا وجد العبد ركازاً أو استخرج من المعدن شيئاً، فهو لسيده يخرج الحق منه، والباقي له.
وإذا وجده، أو استخرجه مكاتب، له فهو له، ولا حق عليه فيه؛ كما لا زكاة عليه في ماله.
وإذا وجده أو استخرجه ذمي في دار الإسلام، فلا حق فيه؛ لأنه ليس من أهل وجوب
الزكاة، ويمنع الذمي من أخذ المعدن والركاز من دار الإسلام؛ كما يمنع من إحياء الموات.
باب زكاة الفطر
رُوي عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس؛ صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبدٍ، ذكر أو أنثى من المسلمين.
زكاة الفطر فريضة على كل مسلم؛ صغيراً كان أو كبيراً؛ ذكراً كان أو أنثى، حُراً أو عبداً، إذا ملك فضلاً عن قوته يوم العيد وليلته
وعند أبي حنيفة: هي واجبة، وليست بفريضة.
والحديث حجة عليه.
ولا تجب على الكافر.
وفي المرتد أقوال: كما في زكاة المال.
وهل تجب على المكاتب فطرة نفسه؟ فيه وجهان:
أصحهما - وهو المذهب -: لا تجب؛ كما لا تجب عليه زكاة ماله؛ لأن ملكه ضعيف.
والثاني: تجب في كسبه؛ كما أن نفقته تكون في كسبه.
وكما يجب على المسلم فطرة نفسه، يجب عليه فطرة كل مسلم يلزمه نفقته ابتداء عند القدرة؛ لما رُوي عن ابن عمر قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون فيجب عليه فطرة من تلزمه نفقته من الوالدين وإن علوا، والمولودين وإن سفلوا، وإن كانوا معسرين صغاراً أو مجانين أو زمنى.
فإن كانوا موسرين، فلا تجب فطرتهم، فإن كانوا عقلاء كباراً غير زمني.
فإن كانوا موسرين، فلا تجب فطرتهم، فإن كانوا عقلاء كباراً غير زمني، ففي وجوب فطرتهم قولان.
ولا تجب فطرة الجنين، ولا تجب فطرة غير الوالدين والمولودين من الأقارب؛ كالإخوة، وبني الإخوة، والأعمام، والأخوال؛ كما لا تجب نفقتهم.
ويجب على الزوج فطرة زوجته غنية؛ كانت أو فقيرة، حرة كانت أو أمة أو مكاتبة؛ كما يجب نفقتها.
وعند أبي حنيفة: لا يجب فطرة الزوجة على الزوج.
والحديث حجة عليه.
ويجب فطرة خادم الزوجة، وفطرة زوجته الرجعية.
أما فطرة المبتوتة الحامل إن قلنا:
النفقة للحمل، لا تبج.
وإن قلنا: للحامل، تجب.
ولا تجب فطرة الناشزة، ولا تجب فطرة الزوجة الأمة إذا لم يئويها سيدها معه بيتاً بل فطرتها على سيدها.
وهل تجب فطرة زوجة الأب المعسر الزمن، وفطرة أم ولد الأب؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ كما يجب نفقتها.
والثاني - وهو الأصح-: لا يجب؛ بخلاف النفقة، لأنه بسبب فقد النفقة يثبت لها سخ النكاح، ثم يجب على الابن تزويجه، وبسبب فقد الفطرة لا يثبت لها الفسخ.
ولا يجب على العبد فطرة زوجته؛ حرة كانت أو أمة.
وهل يجب على المكاتب فطرة زوجته؟ فعلى وجهين؛ كفطرة نفسه.
المذهب: أنه لا يجب.
ويجب على السيد فطرة عبيده وإمائه، وفطرة المدبر، وفطرة أم الولد، والمعلق عتقة بالصفة؛ كما يجب نفقتهم، ويجب فطرة عبده المرهون، والجاني، والمغصوب، والذي في إجارة الغير، وعبده الآبق والغائب إذا علم حياته.
وإذا شك في حياته فقولان:
أحدهما: يجب؛ لأن الأصل حياته.
والثاني: لا تجب؛ لأن الأصل براءة ذمته.
ويجب الإخراج في الحال؛ لأنها لا تجب لمعنى النماء؛ بخلاف زكاة المال، ويجب فطرة العبد المأذون له في التجارة وعبيده، ولا يجب على المولى فطرة مكاتبه، ولا عبيد مكاتبه.
وهل يجب على المكاتب فطرة عبيد نفسه؟ فعلى وجهين؛ كفطرة نفسه.
ولا تجب فطرة العبد الموقوف على أحد، وكذلك قيم المسجد إذا اشترى عبداً لخدمة المسجد، لا تجب فطرته.
ويجب فطرة العبد المشترك على السادات؛ على كل واحد بقدر ملكه.
وعند أبي حنيفة: لا يجب فطرة العبد المشترك.
ومن نصفه حر، ونصفه رقيق، إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، فيجب نصف فطرته على مولاه، ونصفها في ماله، إن ملك بنصفه الحر نصف صاع فاضلاً عن نصف قوته ليوم الفطر وليلته، وإن كان بينه وبين السيد مهايأة فهذا من المؤن النادرة، هل تدخل في المهايأة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تدخل؛ فيكون عليهما في أي يوم كان.
والمذهب: أنه تدخل في المهايأة.
فإن أهل هلال شوال في نوبة السيد، فعليه جميع فطرته، وإن أهل في نوبة العبد، فعليه جميعها.
وكذلك العبد المشتر إذا كان بين السيدين مهايأة.
إذا ثبت أن فطرة الزوجة والعبد على الزوج والمولى، فالوجوب يلاقيها، ثم يتحمل عنها الزوج والمولى، أم لا في الزوج والمولى ابتدأ؟ فيه قولان:
أحدهما: يلاقي الزوجة والعبد؛ لأن في الحديث: "عُلَى كل حر وعبد" دل على أن الوجوب يلاقي العبد.
والثاني: يلاقي الزوج والسيد؛ لأنه قال:"عن الحر والعبد ممن تمونون" دل على أن الوجوب على من تمونون.
وكل إذا وجبت فطرته على قريبه، فالوجوب يلاقي المؤدي أو المؤدى عنه؟ فيه قولان:
وفائدته: تتبين فيما إذا كان الزوج معسراً، وهي غنية، لا يجب على الزوج فطرتها، وهل تجب عليها فطرة نفسها؟
إن قلنا: الوجوب يلاقيها، يجب؛ لأنه ليس هاهنا من يتحمل عنها.
وإن قلنا: يلاقي الزوج، لا يجب.
فإن كانت الزوجة أمة، والزج معسر، فهل يجب على سيدها فطرتها؟
فيه قولان؛ كالحرة.
وقيل - وهو الأصح -: يجب قولاً واحداً؛ لأنها لا تخرج عن قبضه المولى بالتزويج؛ بدليل أنه يجوز أن يسافر بها، ولا يجبر على تسليمها إلى الزوج، بل هو متبرع بتسليمها؛ فلا يسقط بذلك ما وجب عليه من الزكاة، والحرة غير متبرعة بالتسليم؛ لأنه يجب عليها تسليم نفسها؛ فسقطت الفطرة، وكذلك العبد لا يجب عليه فطرة زوجته.
وهل يجب عليها فطرة نفسها، إن كانت حرة؟ قيل: فيه قولان؛ كما لو كان الزوج حراً معسراً.
وقيل: يجب قولاً واحداً؛ لأن الزوج ليس من أهل أن يخاطب بالفطرة.
وإن كانت زوجة العبد أمة، فالمذهب: أنه يجب على سيدها فطرتها، وكذلك إذا كان الزوج مكاتباً وقلنا: لا يجب عليه فطرة نفسه، فحكم زوجته حكم زوجة العبد.
ولا يجب على المسلم فطرة عبد الكافر، ولا قريبه الكافر، ولا زوجته الذمية؟ لحديث ابن عمر قال: "على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين" ولأنها لتطهير المؤدي عنه، والكافر ليس ممن يطهر بالصدقة.
وعند أبي حنيفة: يجب على المسلم فطرة عبده الكافر، وهل يجب على الكافر فطرة عبده المسلم وأم ولده المسلمة؟ إن قلنا: الوجوب يُلاقي المولى، لا يجب.
وإن قلنا: يلاقي العبد، ثم يتحمل عنه المولى، يجب.
وقيل: في وجوب فطرة المسلم على قريبه الكافر قولان، كالعبد المسلم.
ولو تكلف من وجبت فطرته على قريبه، فأخرجها من موضع آخر بغير إذن من عليه، أو أخرجت المرأة فطرتها دون إذن الزوج - هل يجوز أم لا؟
إن قلنا: الوجوب يلاقيها، ثم يتحمل الزوج والقريب، يجوز؛ لأنهما أخرجا ما وجبت عليهما.
وإن قلنا: يلاقي الزوج والقريب، لا يجوز؛ كما لو أخرج زكاة ماله عنه بغير إذنه.
وإذا أهل شوال، وله أب معسر فقبل أن يخرج الابن فطرته أيسر الأب - إذا قلنا: الوجوب يلاقي الأب، فعليه فطرة نفسه، ولا يجب على الابن.
وإن قلنا: يلاقي الابن ابتداء، فعلى الابن فطرة الأب.
"فصلٌ: فيمن لا يلزمه إخراج صدقة الفطر"
من لم يفضل عن قوته وقوت عياله، ومن تلزمه نفقته لليلة الفطر ويومه - شيء - لا يجب عليه فطرته وفطرة غيره.
وإن فضل قدر صاع من أي جنس من المال، كان عليه فطرة نفسه، ولا يجب فطرة غيره؛ حتى لو أخرج ذلك الصاع عن غيره، يكون فرضه في ذمته.
فإن فضل عن قوته بعض صاع، هل يلزمه إخراجه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ كما في الفارة إذا وجد نصف رقبة، لا يجب إعتاقه.
والثاني- وهو الأصح -: يلزمه إخراجه؛ لأن صدقة الفطر تتبعض؛ كما لو مل نصف عبد، يلزمه بسببه نصف صاع، والكفارة لا تتبعض.
ولو كان له عبد محتاج إلى خدمته، هل يباع بعضه في صدقة الفطر عن العبد، وعن نفسه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، وهو كالمعدوم؛ كما في الكفارة.
والثاني: يباع؛ كما يباع في الدين؛ بخلاف الكفارة، فإن لها بدلاً.
والأول أصح؛ فإن الشافعي نص على أنه لو كان لابنه الصغير عبدٌ، وهو محتاج إلى خدمته - يجب على الأب نفقه ذلك العبد وفطرته.