التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 44-84

وإن وجبت عليهما شاتان أو أكثر، فن لم يجد الفرض إلا في مال أحدهما، له أخذه منه، وإن وجد ما يجب على كل واحد منهما في ماله، ففيه وجهان: أحدهما - قاله أبو إسحاق-: يأخذ من كل واحد ما وجب عليه، وليس له أن يأخذ من مال الآخر.
وقال ابن أبي هريرة - وهو الأصح -: له أن يأخذ من أي المالين شاء؛ سواء وجد الفرض في نصيبهما، أو في نصيب أحدهما؛ لأنا جعلنا المالين بالخلط كالمال الواحد.
ولو كان بينهما مائة وخمسون شاة: لأحدهما مائة، وللآخر خمسون - عليهما شاتان، والثلثان على صاحب المائة، والثلث على الآخر؛ فإن أخذ الساعي [الشاتين] من صاحب المائة، رجع هو على صاحبه بقيمة ثلث الشاتين، ولايرجع بقيمة ثلثي شاة؛ لأن قيمة اشاتين تختلف.
ولو أخذهما من صاحب الخمسين، رجع هو على الآخر بقيمة ثلثي الشاتين لا بشاة وثلث، ولو أخذ من كل واحد شاة، رجع صاحب المائة على صاحب الخمسين بقيمة ثلث شاة، ورجع صاحب الخمسين عليه بقيمة ثلثي شاة.
ولو كان بينهما سبعون من البقر: لأحدهما أربعون، وللآخر ثلاثون - يجب فيها مسنة وتبيع، ولا نقول: تجب المسنة على صاحب الأربعين، والتبيع على صاحب الثلاثين، بل تجب المسنة والتبيع عليهما على صاحب الأربعين أربعة أسباعها، وعلى صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعها.
فلو أخذ الساعي الشاتين جميعاً من صاحب الأربعين، رجع هو على صاحب الثلاثين بثلاثة أسباعها، وإن أخذهما من صاحب الثلاثين، يرجع هو على الآخر بأربعة أسباعها، ولو أخذ المسنة من صاحب الأربعين، والتبيع من [صاحب] الثلاثين- رجع صاحب الأربعين بثلاثة أسباعها على صاحب الثلاثين، ورجع صاحب الثلاثين بأبربعة أسباع التبيع على صاحب الأربعين، ولو أخذ من صاحب الأربعين التبيع، ومن صاحب الثلاثين المسنة، رجع صاحب الأربعين بثلاثة أسباع التبيع على صاحبه، ورجع صاحبه عليه بأربعة أسباع المسنة.
فصلٌ: فيما إذا كانت الماشية متفرقة" إذا كانت ماشية الرجل متفرقة في القرى والبلاد، يجمع بين الكل في حق الزكاة؛ حتى

لو ملك مائتي شاة في مواضع؛ في كل موضع عشرة أو أقل أو أكثر؛ فإذا تم الحول، عليه شاتان.
أما إذا كان بعض ماله مختلطاً، والبعض منفرداً؛ نظر: إن كان المختلط أقل من نصاب، فلا حكم للخلطة، مثل: أن كان بين رجلين عشرون شاة مختلطة؛ لكل واحد عشرة، ولكل واحد بموضع آخر ما يتم به نصاب كل واحد منهما؛ فيجب على كل واحد زكاة الانفراد، وإن كان المختلط نصاباً؛ مثل: أن كان بينهما أربعون شاة مختلطة، ولأحدهما ببلد آخر أربعون؛ فكيف يزكيان؟ فيه قولان، وأصل القولين أن الخلطة خلطة ملك، أم خلطة عين؟ فيه قولان: أصحهما: أن الخُلطة خلطة ملك؛ لأن الخلطة تجعل المالين المال الواحد، ومال الواحد وإن كان متفرقاً يضم البعض إلى البعض؛ فها هنا نجعل كأن صاحب الستين خلط جميع الستين بعشرين صاحبه؛ فيجب عليهما شاة؛ ثلاثة أرباعها على صاحب الستين، وربعها على صاحب العشرين.
والقول الثاني: الخلطة خلطة عين؛ لأن الخلطة كاسمها؛ فلا يثبت حكمها غلا في القدر المختلط؛ فعلى هذا يجب على صاحب العشرين نصف شاة؛ لأن جميع ماله مختلط بعشرين، وفي أربعين شاة شاة؛ فيخصه نصف شاة، وماذا يجب على صاحب الأربعين المنفردة فيه خمسة أوجه: أصحها: عليه شاة، نص عليه؛ لأن بعض ماله منفرد، وبعضه مختلط؛ فيغلب حكم الانفراد، وجملته: ستون وفيها شاة.
والثاني: يجب عليه ثلاثة أرباع شاة؛ لأن جملة ماله: ستون، وبعض ماله مختلط بعشرين؛ فتكون جملته: ثمانين؛ فيكون في ستين منها ثلاث أرباع شاة.
والثالث- قاله أبو زيد والخضري: يجب عليه خمسة أسداس شاةٍ، ونصف سدس شاة، توجب في الأربعين المنفردة بحساب ما لو كان ل ماله منفرداً، ولو كان له منفرداً كان ستوناً، وفي ستين شاة؛ فيخص الأربعين منها ثلثاها، ويوجب في العشرين المختلطة بحساب ما لو كان الكل مختلطاً كان ثمانون، وفي ثمانين شاة شاة،

فيخص العشرين منها ربعها والثلثان مع الربع يكون أحد عشر سهماً من اثني عشر، وهو خمسة أسداس ونصف سدس.
والوجه الرابع: يجب عليه شاة وسدس؛ نوجب في الأربعين المنفردة بحساب ما لو كان الكل منفرداً؛ فيون ثلثي شاة؛ نوجب في العشرين المختلطة ما أوجبنا على شريكه، وهو نصف شاة؛ فيون شاة وسدس.
والوجه الخامس يجب عليه شاة، ونصف شاة للأربعين المنفردة، ونصف للعشرين المختلطة؛ وهو ضعيف؛ لأن ملك الرجل الواحد عند اتفاق الجنس لا يفرد بعضه عن بعض.
ولو كان بين رجلين أربعون مختلطة، ولكل واحد منهما أربعون ببلد آخر - فعلى هذا الاختلاف: فإن قلنا بالقول الأصح: وهو أن الخلطة خلطة ملك، يجب عليهما شاة على كل واحد نصفها؛ لأن جملة المال مائة وعشرون، وفيها شاة، ولكل واحد منهما نصفها.
وإن قلنا: الخلطة خلطة عين، فماذا يجب على كل واحد منهما؟ فعلى الأوجه الخمسة: أصحها: على كل واحد شاة؛ تغليباً لحكم الانفراد.
وعلى الوجه الثاني: يجب على كل واحد ثلاثة أرباع شاة؛ لأن جميع مال كل واحد ستون، وهي مختلطة بعشرين.
وإن قلنا في الصورة الأولى: إنه يجب على صاحب الأربعين المنفردة خمسة أسداس شاة ونصف سدس شاة - فهاهنا لا يجب على كل واحد منهما إلا خمسة أسداس شاة؛ نوجب في الأربعين المنفردة بحساب ما لو كان الكل منفرداً؛ فيكون ثلثي شاة، ونوجب في العشرين المختلطة بحساب ما لو كان الكل مختلطاً؛ فيكون مائة وعشرين، وفي مائة وعشرين شاة شاة فيخص العشرين منها سدس شاة.
وعلى الوجه الرابع: يجب على كل واحد شاة وسدس وفي الأربعين المنفردة ثلثا شاة وفي العشرين المختلطة نصف شاة.
وعلى الوجه الخامس: على كل واحد شاة ونصف شاة للأربعين المنفردة ونصف شاة للعشرين المختلطة.
ولو كان لرجل ستون شاة؛ فخلط بكل عشرين رجلاً له عشرون؛ فإذا تم الحول ماذا يجب على كل واحد منهم؟

إن قلنا: الخلطة خلطة ملك، يجب على صاحب الستين نصف شاة؛ لأن ماله مختلط بمال ثلاثة لهم ستون؛ فجملته: مائة وعشرون، وفيها شاة، وله نصفها، وفيما يجب على كل واحد من خلطائه وجهان: أحدهما - وهو اختيار صاحب "التقريب" -: يجب على كل واحد سدس شاة؛ فيضم ماله إلى مال خليطه، وخليط خليطه، وجملته: مائة وعشرون، ولكل واحد منهم سدسها.
والثاني: يضم مال كل واحد إلى مال خليطه دون خليط خليطه، فيصير كأنه خلط عشرين بستين من صاحبه، وجملته: ثمانون، وله ربعها؛ فيجب على كل واحد ربع شاة.
وإن قلنا: الخلطة خلطة عين، يجب على كل واحد من الخلطاء نصف شاة، وماذا يجب على صاحب الستين؟ فيه وجهان: أحدهما: عليه شاة بضم غنمه بعضها إلى بعض؛ وتجعل كأنها منفردة.
والثاني: يجب عليه ثلاثة أرباع شاة؛ لأنه لا يمكن ضم كل عشرين من غنمه إلى واحد من الثلاثة؛ فيضم الكل إلى واحد منها؛ فتصير ثمانين، وفيها شاة؛ فتكون في ستين منها ثلاثة أرباعها.
وذكر ابن الحداد: لو كان لرجل عشر من الإبل؛ فخالط بخمس منها رجلاً له خمسة عشر، وبخمس منها رجلاً آخر له خمسة عشر قال: على صاحب العشرة ربع بنت لبون، وعلى كل واحد من خليطيه ثلاث شياه؛ فخلط أحد القولين بالآخر؛ فإياب ربع بنت اللبون على صاحب العشرة جواب على قولنا: إن الخلطة خلطة ملك، وإيجاب الشياه على الخليطين جواب على قولنا: إن الخلطة خلطة عين، ونخرجها على القولين.
أما إن قلنا: إن الخلطة خلطة ملك، فعلى صاحب العشر ربع بنت لبون؛ لأن مجموع الأموال أربعون، وفيها بنت لبون، ولصاحب العشرة ربعها؛ فان عليها ربع بنت لبون، وفيما يجب على كل واحد من خليطيه؟ وجهان: أحدهما: على كل واحد ثلاثة أخماس بنت مخاض؛ فيضم مال كل واحد إلى مال خليطه دون خليط خليطه، فيكون خمسة وعشرون، وفيها بنت مخاض، ولكل واحد منهما ثلاثة أخماسها.
والثاني: يضم مال كل واحد منهما إلى مال خليطه، وخليط خليطه؛ فيجب على كل واحد ثلاثة أثمان بنت لبون.

وإن قلنا: الخلطة خلطة عين، يجب على كل واحد من الخليطين ثلث شاه؛ لأنا لا نضم ماله إلا إلى الخمسة المختلطة؛ فتكون عشرون؛ فيكون في خمسة عشر منها ثلاث شياه، وفيما يجب على صاحب العشرة وجهان: أحدهما: يجب على كل واحد شاتان يفرد ل خمسة من ماله عن الأخرى.
والثاني - وهو الأصح -: على كل واحد خمساً بنت مخاض؛ لأن ماله لا يفرد بعضه عن بعض، فيجعل كأنه خلط العشرة بخمسة عشر؛ فيكون خمسة وعشرون، وفيها بنت مخاض؛ فيقابل العشرة خمساها.
"فصلٌ: في الخلطة في غير المواشي" هل تثبت الخلطة في غير المواشي من الدراهم والدنانير والزروع والثمار؟ أما خلطة المشاركة؛ بأن ورثوها، أو اشتروها مشاعة ففيها قولان: قال في الجديد - وهو الأصح-: تثبت لأنهما كما يرتفقان بالخلطة في المواشي، لخفة المؤنة باتحاد الراعي والمرعى والمسرح- يرتفقان بالخلطة ي غيرها باتحاد الحارس والمتعهد؛ وكذا البيت وغيرها.
وقال في القديم: لا تثبت الخلطة فيها بخلاف المواشي؛ لأن لها أوقاصاً، ونصباً؛ فالخلطة إن ضرت رب المال مرة، نفعت أخرى، ولا وقص في الناض والمعشرات، فالخلطة تضر رب المال في النصاب الأول، ولا يثبت له نفع بإزائه فيما بعده.
وهل تثبت خلطة المجاورة في هذه الأشياء؟.
في الجديد بأن يكون لكل واحد صنف معلوم من نخيل، أو زرع في قطعة من أرض في حائط واحد، أو دراهم كل واحد في كيس أحرزها في صندوق واحد أو خزانة واحدة فيه قولان: أصحهما: تثبت خلطة المشاركة؛ لأنهما يرتفقان باتحاد الحارس والعامل والسقي والزرع ومكان الحفظ وغيرها.
والثاني: لا تثبت؛ لأن كل نخلة متميزة عن الأخرى في مكانها الذي تشرب منه، وإن اتحد الحارس والمجري؛ كالماشيتين إذا اتفقا في المراح، واختلفا في المشرب، لا يثبت بينهما حكم الخلطة، فإن قلنا: تثبت الخلطة فيها، فلو كانت نخيل موقوفة على جماعة معينين في حائط واحد فأثمرت؛ فإن بلغت مجموع أنصبائهم نصاباً، يجب عليهم الزكاة،

وإن لم يكن نصيب [كل] واحد إلا شيء قليل.
فإن قلنا: لا تثبت حكم الخُلطة، فلا زكاة على أحدٍ منهم؛ حتى يكون نصيبه على الانفراد نصاباً.
وفرعوا على قول ثبوت الخلطة لو استأجر أجيراً؛ ليتعهد نخله على ثمرة نخلة بعينها بعد خروج ثمرها قبل بدو الصلاح فيها، وشرط القطع؛ فلم يتفق القطع، حتى بدا الصلاح - فعلى الأجير عشر ثمرة تلك النخلة، إن كان في جميع الحائط خمسة أوسق، وإن لم يكن على تلك النخلة إلا قنوان فلو استأجر أجيراً؛ يرعى غنمه على شاة بعينها، فحال الحول والغنم كلها- يجب على الأجير زكاة تلك الشاة.
ولو أن جماعة ورثوا نخيلاً، أو اشتروها مشاعة وعيها ثمرة لم يبد صلاحها؛ فاقتسموها بعد ما أثمرت - نص على: أنه إن كان قبل بدو الصلاح، ثم بدا فيها الصلاح، فكل من بلغت حصته خمسة أوسق يجب عليه الزكاة، ومن لا فلا زكاة عليه.
وإن اقتسموا بعد بدو الصلاح، فعليهم العشر إن بلغ مجموع الحصص نصاباً، وإن لم يبلغ نصيب كل واحد نصاباً؛ لأنها كانت مجتمعة حالة وجوب الزكاة.
وأجاب على قولنا: إن الخلطة تثبت في الثمار، وأجاب على قولنا: إن القسمة إفراز حق.
فإن قلنا: القسمة بيع؛ وهو المذهب -لا تصح هذه القسمة؛ لن بيع الثمر بالثمر على رءوس الأشجار لا يجوز.
وإن اقتسموا مع الأشجار، فهو بيع مال الربا بجنسه مع غيره؛ فلا يجوز أيضاً.
باب من يجب عليه الزكاة روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة".

كل مسلم تام المِلك مَلك نصاباً من المال الزكوي حولاً كاملاً - يلزمه الزكاة؛ فيجب في مال الصبي والمجنون، ويخاطب الوليُّ بإخراجها من ماله، وهو قول عمر، وابن عمر، وعائشة، وجماعة من أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: الزكاة في مال الصبي والمجنون، وبالاتفاق يجب عليهما العشر وصدقة الفطر.
والحديث حجة عليه.
ولا يجب على الكافر؛ كما لا يجب عليه الصوم والصلاة وأما المرتد: فلا تسقط عنه ما وجب عليه حال في الإسلام، أما إذا جاء الحول على ماله في الردة، فهذا يُبنى على أن ملكه؛ هل يزول بالردة؟ فيه أقوال: إن قلنا: يزول ملكه فلا زكاة عليه، وإذا ارتد في أثناء الحول انقطع الحول، فإذا عاد إلى الإسلام ابتدأ الحول.
وإن قلنا: لا يزول ملكه، فلا ينقطع حوله، وعليه الزكاة إذا تم الحول، فإذا أخرج في حال الردة جاز؛ كما لو أطعم عن الكفارة؛ بخلاف الصوم لا يصح منه؛ لأنه عمل البدن؛ فلا يصح إلا ممن يكتب له، وإن مات في الردة يخرج من ماله.
وإن قلنا: ماله موقوف؛ فإن مات أو قتل في الردة، بان أن مِلكه كان زائلاً، ولا زكاة عليه.
وإن أسلم، بان أنه لم يزك، وعليه الزكاة.
ولا تجب الزكاة على المُكاتب؛ لأن مِلكه ضعيف؛ بدليل أنه لا يرث ولا يورث منه، ولا يعتق عليه قريبه؛ كالعبد المأذون له في التجارة؛ فإن عجز صار ما في يده للمولى، وابتدأ الحول، وإن عتق وبقي في يده المال الزكوي ابتدأ الحول من يوم عتق.

أما من نصفه حر ونصفه رقيق إذا ملك بنصفه الحر نصاباً -هل يجب عليه الزكاة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأنه ناقص بالرق كالعبد.
والثاني - وهو الأصح-: يجب عليه الزكاة؛ لأن ملكه بنصفه الحر تام.
ولو ملك رجل عبده مالاً زكوياً: فإن قلنا - بقوله الجديد؛ وهو المذهب -: إن العبد لا يملك، فزكاته على المولى.
وإن قلنا: بقوله القديم: إنه يملك، فلا تجب زكاته على أحد.
فصل: في الوقت الذي يجب فيه الصدقة روي عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إذا أتاكم المصدقُ، فلا يفارقنكم إلا عن رضى".

يجب على الإمام بعث السعاة لأخذ الصدقات؛ لأن جمعها وتفريقها على المستحقين - واجب عليه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة لأخذها؛ ولأن من الناس من لا يعرف ما يجب عليه، ومن يحب أن يصرف إليه فإذا بعث الإمام ساعياً، فلا يبعث إلا حراً عدلاً ثقةً؛ لأن هذه ولاية وأمانة؛ وليس العبد والفاسق من أهلهما، ولا يبعث إلا فقيهاً يعرف ما يؤخذ، وما لا يؤخذ، وقد يحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض له، وإنما يبعث السعاة في الوقت الذي يوافي حلول الحول على الأموال، إن اتفقت أحوالهم.
فإن كان ذلك في زكاة الثمار والزروع، فوقت وجوبها إدراك الثمار، واشتداد الحبات في الزروع؛ وذلك لا يختلف.
وإن كان في المواشي، واختلف أحوال الناس فيها، فيبعث في المُحرم؛ لأنه ول السنة الشرعية؛ شتاء كان أو صيفاً، فينبغي أن يكون خروجه قبل الحرم؛ حتى يوافي أرباب الأموال في أول المحرم، فلا يتأخر الأداء عن أول الحول ثم من تم الحول على ماله أخذ الساعي زكاته، ومن لم يتم حوله يستحب لرب المال تعجيل الزكاة، فإن لم يفعل لم يجبر عليه؛ فيقيم الساعي نائباً يأخذ صدقته إذا تم حوله، وينصرف.
ويأخذ صدقة المواشي على مياه أهلها إذا أوردوها الماء؛ ليس له أن يكلف أرباب الأموال جمع المواشي في البلد؛ لأن فيه مشقة عليهم، ولا عليه أن يتبع مراعيها في المفاوز؛ لأن فيه مشقة عليه.
وإن كان لرب المال ماءان أمره الساعي أن يجمعها عند أحدهما، وإذا حرنت الماشية في الربيع عن الماء بالكلأ، حصر الساعي عليهم؛ حيث كانت؛ قريبة أو بعيدة؛ فأخذ الزكاة في أفنيتهم في مُراحها؛ فإذا أراد إحصارها، جمعها في حيرة؛ يخرج منها واحدة بعد أخرى، وينصب في بابها خشبة ثبت كل شاة وصل غليها؛ ليكون أسهل في العدد، ويقف رب المال أو نائبه على باب الحظيرة، والساعي أو نائبة من الجانب الآخر يعدانها.
فإن اختلفا في الإحصاء؛ نظر: إن لم يكن في اختلافهما تكميل نصاب؛ بأن قال رب المال: مائة وعرة، وقال الساعي: مائة وعشرون؛ فلا معنى لهذا الاختلاف؛ لأن زكاة العددين واحد.
وإن كان فيه تكميل نصاب؛ بأن قال رب المال: مائة وعشرون، وقال الساعي: مائة وإحدى وعشرون -يُعاد الإحصاء ولو أخبره رب المال قبل الإحصاء بالعدد؛ وهو ثقة -قُبِل منه.

ويستحب إذا أخذ الزكاة، أن يدعو لرب المال؛ لقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ...﴾ [التوبة: 103] أي: ادع لهم.
روي عن عبد الله بن أبي أوفي قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان.
فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" وقيل: كان هذا اللفظ مخصوصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم-ليس لأحد أن يصلي على أحد إلا على الأنبياء، أو على آلهم تبعاً لهم أما أن يقول: اللهم صل على أبي بكر وعمر فلا، وجاز ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة حقه؛ فله وضعها فيمن شاء؛ كصاحب المجلس يرفع من أراد في مجلسه، ولا يفعله غيره.
قال الشافعي: أحب أن يقول آجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهوراً، وبارك لك فيما أنفقت.
باب تعجيل الصدقة روي عن علي؛ أن العباس سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل صدقته قبل أن تحل؛ فرخص له في ذلك.

كل مال يجب فيه الزكاة بالحول والنصاب يجوز تعجيلها بعد وجود النصاب قبل الحول.
وعند مالك - رحمه الله-: لا يجوز والحديث حجة عليه.
ووافقنا مالك في: أنه يجوز تعجيل كفارة اليمين قبل الحنث، وأبو حنفة يجوز تعجيل الزكاة، ولايجوز تعجيل الكفارة.

فنقول: هذا حق مالي أجل؛ للرفق، فصار تعجيله قبل محله كالدين المؤجل، ودية الخطأ، أما تعجل الزكاة قبل النصاب لا يجوز بالاتفاق.
مثل: أن ملك تسعة وثلاثين من الغنم؛ فعجل منها شاة، أو ملك مائة وتسعين درهماً؛ فعجل منها خمسة؛ حتى إذا أكمل النصاب، كان ذلك زكاته لم يجز؛ لأنه لم يوجد سبب الوجوب؛ كما لو أدى الثمن قبل وجوب البيع.
ولو عجل صدقة عامين، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يجوز؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تسلقت من العباس صدقة عامين".
والثاني- وهو الأصح -: لايجوز؛ لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، وتعجيل الزكاة قبل انعقاد الحول لا يجوز؛ كما لو عجل الزكاة قبل كمال النصاب.
وقوله: "تسلفت منه صدقة عامين" أي: مرتين، وصدقةمالين لكل واحد حول منفرد.

فإن قلنا: يجوز، إنما يجوز إذا ملك زائداً على نصاب واحد؛ بحيث يبقى في يديه بعد تعجيل الزكاة نصاب كامل؛ مثل: أن ملك اثنين وأربعين شاة أو أكثر؛ فعجل منها شاتين، فإن لم يملك الأربعين أو إحدى وأربعين فعلى وجهين: أحدهما: يجوز؛ كما لو عجل عن نصاب واحد صدقة عام يجوز.
والأصح: أنه لا يجوز؛ لأنه إذا عجل زكاته سنتين، ينتقص النصاب للسنة الثانية قبل دخولها؛ فيصير معجلاً للزكاة قبل النصاب.
ولو ملك نصاباً واحداً؛ فعجل زكاة نصابين؛ مثل: أن ملك ثمانين شاة؛ وهو يرجو حصول السخال منهن، وأخرج شاتين؛ حتى إذا كمل النتاج نصابين كانتا زكاتهما - جازت زكاة نصاب واحد، وفي زكاة السخال وجهان.
وكذلك: لو ملك خمساً من الإبل؛ فعجل منها شاتين؛ فتم الحول، وهن بالنتاج عشر -هل تجوز الشاة الثانية؟ فعلى وجهين: أصحهما: لا يجوز؛ لأنه تقديم الزكاة على النصاب.
والثاني: يجوز؛ لأن السخال جعلت كالموجودة في الحول في وجوب زكاتها إذا تم حول الأمهات، كذلك جعلت كالموجودة في تعجيل زكاتها.
ولو ملك أربعين شاة، فعجل منها شاة، ثم ولدت أربعين سخلة، وماتت الأمهات، وبقيت السخال -هل يجزئه ما أخرج عن زكاة السخال؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه عجل الزكاة عن غير السخال؛ فلا يجزئه عن السخال.
والثاني: تجزئه؛ لأنه لما كان حول الأمهات حول السخال، كانت زكاة الأمهات زكاة السخال.
ولو اشترى بمائتي درهم عرضاً للتجارة؛ فأخرج عنها زكاة أربعمائة، ثم حال الحول - والعرض يساوي أربع مائة - أجزأه؛ لأن الاعتبار في زكاة التجارة بآخر الحول؛ حتى لو اشترى سلعة تساوي مائة؛ فعجل زكاة مائتين؛ فحال الحول-وهي تساوي مائتين - جاز ما عجل عن الزكاة؛ على ظاهر المذهب، وإن لم يكن يوم عجل نصاباً؛ لأن الحول ينعقد.
أما المعشرات من الزروع يجوز إخراج زكاتها بعد اشتداد الحب في الزروع، وبدو الصلاح في الثمار، ولا يجوز قبل نبات الزرع، وقبل خروج الثمرة.
أما بعد ما تسنبل، وانعقد الحب بعد ما اشتد، وبعد خروج الثمرة قبل بدو الصلاح، أو بعد ما أطلعت النخلة هل يجوز؟ فيه وجهان.
قال ابن أبي هريرة: يجوز؛ كزكاة المواشي قبل الحول.

وقال أبو إسحاق - وهو المذهب-: لا يجوز؛ لأن العُشر يجب بسبب واحد؛ وهو اشتداد الحَب، وإدراك الثمرة، ولم يوجد، ولأنه لا نصاب له قبل الإدراك؛ فصار كما لو قدم الزكاة على النصاب.
أما صدقة الفطر يجوز تعجيلها بعد دخول شهر رمضان؛ فإن ابن عمر كان يبعث صدقة الفطر إلى الذي يجمع عده قبل الفطر بيومين؛ ولأن وجوبها بشيئين: برمضان، وبالفطر منه، وقد وُجد أحدهما؛ وهو دخول شهر رمضان.
وهل يجوز تعجيلها قبل دخول رمضان؟ فيه وجهان؛ كتعجيل صدقة عامين الأصح لا يجوز، فإذا عجل الزكاة فتلف ذلك المال في يد المسكين، أو أكله قبل الحول - يجعل ذلك كالباقي على ملك رب المال؛ حتى يحسب عن الزكاة يوم حلول الحول.
ولو عجل زكاة نصاب ثم تم بالنتاج نصاب آخر قبل الحول بيوم - يجب عليه أن يُخرج شاة أخرى؛ حتى لو ملك مائة وعشرين شاة؛ فعجل منها شاة؛ فهلكت الشاة في يد المسكين، أو أكلها، ثم نتجت واحدة قبل الحول-عليه شاة أخرى، ويجعل المعجلة كالقائمة؛ حتى يكون عددها مائة وإحدى وعشرين؛ فيجب فيها شاتان.
أما إذا ملك مائة وعشرين غير واحدة؛ فعجل منها شاة معلوفة، أو اشترى شاة؛ فأخرجها عن زكاتها - جاز، فلو نتجت واحدة قبل الحول؛ لايجب عليه شاة أخرى؛ لأن المعلوفة والمستفاد لا يتم بها النصاب، وإن جاز إخراجها في الزكاة.
ويشترط أن يكون المدفوع إليه يوم حلول الحول بصفة الاستحقاق، والدافع بصفة وجوب الزكاة عليه؛ حتى يحتسب عن الزكاة، فإن مات المدفوع إليه قبل حلول الحول، أو ارتد أو مات الدافع، أو هلك ماله؛ فأعسر، أو انتقص النصاب، أو ارتد على قولنا: إن ملك المرتد يزول -لم بحسب ما عجل عن الزكاة.
فإن أيسر المدفوع إليه؛ نظر: إن أيسر بما دفع إليه، أو به وبمال آخر- يحسب عن الزكاة؛ لأنه يدفع إليه الزكاة؛ ليستغني؛ فلا يجوز أن يكون غناه مانعاً من الإجزاء، وإن أيسر بمال آخر، لم يحسب عن الزكاة.
ولو خرج عن الاستحقاق بعد الحول؛ وقع الزكاة موقعه، وإن خرج عن الاستحقاق قبل الحول؛ بأن ارتد، أو أيسر، وعاد مستحقاً يوم حلول الحول - هل يسحب عن الزكاة؟ فيه وجهان:

أحدهما: يحسب، لأنه دفع إليه.
وهو بصفة الاستحقاق.
والثاني: لا يحسب؛ كما لو عجل زكاته، ثم هلك ماله قبل الحول، ثم استفاد مالاً آخر قبل الحول - لا يحسب الأول عن الزكاة.
وعند أبي حنيفة: الاعتبار بيوم الدفع، فإن كان يوم الدفع بصفة الاستحقاق، حسب عن الزكاة، وإن زال الاستحقاق بعده.
ولو عجل شاة عن مائة وعشرين شاة، ثم تبعت واحدة، قال: لاتجعل المعجلة؛ كالباقية، ولا يجب عليه شاة أخرى، فكل موضع قلنا: لا يحسب عن الزكاة، فهل له أن يسترد من المسكين ما دفع إليه؟ نظر: إن أخبر المسكين أنها زكاة معجلة، يسترد؛ كما لو عجل أجرة الدار، ثم انهدمت الدار قبل انقضاء المدة - يسترد ما عجل به، ون لم يخيره، وأطلق الدفع إليه، هل يسترد أم لا؟ نص في "الأم": إذا أعطي يسترد.
ونص في رب المال أنه إذا دفع بنفسه لا يسترد.
ومن أصحابنا من جعل فيهما قولين: أحدهما: يسترد: كما لو دفع مالاً إلى إنسان؛ على ظن أن عليه ديناً؛ فمل يكن - يسترد ما دفع إليه.
والثاني: يسترد: لأن الصدقة تنقسم إلى فرض وتطوع، فإذا لم تقع عن الفرض، تقع عن التطوع؛ كما لو أخرج زكاة ماله الغائب؛ على ظن أنه قائم؛ فبان تالفاً، يقع تطوعاً.
ومنهم من فرق؛ على ظاهر النص؛ فقال: يسترد الإمام دون رب المال؛ لأن رب المال يعطي من ماله الفرض والتطوع، فإذا لم يقع الفرض كان تطوعاً، والإمام لا يعطي من مال الغير إلا الفرض؛ فكان مطلق دفعه كالمتقيد بالفرض.
ومنهم من قال: لا فرق بين الإمام ورب المال، والمسألة على حالين؛ حيث يسترد، أراد به: إذا علم المسكين أنها زكاة معجلة وحيث قال: لا يسترد، أراد به: إذا لم يعلمه بالتعجيل؛ سواء أعلمه أنها زكاة مفروضة، أو لم يعلمه.
فعلى هذا: إذا اختلفا: فقال الدافع: أعلمتك، وأنكر المدفوع إليه - ففيه وجهان: أحدهما: القول قول الدافع مع يمينه؛ كما لو دفع ثوباً إلى إنسان، واختلفا: فقال الدافع: عارية، وقال القابض: هبة - فالقول قول الدافع مع يمينه.
والقول الثاني: القول قول المدفوع إليه مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على دفع ناقل للملك.
فحيث قلنا: يسترد إذا هلك مال رب المال؛ فلو أنه أتلف ماله، أو بعض ماله؛ حتى

انتقص النصاب -فهل له أن يسترد ما دفع إليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يسترد؛ كما لو هلك ماله بغير فعله.
والثاني: لا يسترد؛ لأنه مفرط بإتلاف المال؛ فحيث قلنا: يسترد؛ فإن كانت العين قائمة، أخذها، ودفع إلى المستحق.
وإن كان الدافع هو الإمام، أخذ، ودفع إلى آخر، ولا يحتاج إلى إذن جديد من جهة رب المال؛ وإن كانت العين تالفة في يد المدفوع إليه، لزمته قيمتها؛ إن كانت متقومة، ومثلها؛ إن كانت مثلية وتؤخذ من تركته إن كان قد مات.
وكيف تعتبر قيمتها؟ فيه وجهان: أحدهما: تعتبر بيوم التلف؛ كالعارية.
والثاني: بيوم الدفع؛ لأن ما حصل فيه من الزيادة حدث في ملكه؛ فلم يلزمه ضمانها.
وهل يحتاج الإمام في أخذ القيمة إلى إذن المالك؟ فيه وجهان؛ وإن كانت العين قائمة، لكنها تغيرت، لا يخلو: إما إن تغيرت بزيادة، أو نقصان: فإن تغيرت بزيادة؛ نظر: إن كانت متصلة؛ كالسمن والكبر، يستردها مع الزيادة.
وإن كانت منفصلة؛ كالولد واللبن، فهل يسترد الزيادة معها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل تبقى الزيادة للمسكين؛ لأنها حدثت في ملكه، كولد المبيعة يبقى للمشتري إذا رد الأصل بالعيب.
والثاني: له أن يسترد الزيادة؛ لأنه لماخرج عن الاستحقاق، ظهر أنه لم يملكه.
وإن تعين نقصان، هل يلزمه أرش النقصان؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ كما يلزمه ضمان العين.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه نقص حصل في ملكه؛ فلا يؤاخذ بضمانه.
أما إذا بان المدفوع إليه أنه لم يكن بصفة الاستحقاق يوم الدفع إليه؛ بأن كان رقيقاً أو كافراً أو غنياً - يسترد مادفع ليه بالزوائد المتصلة والمنفصلة، ويغرمه أرش النقصان، وإن كان يوم حلول الحول بصفة الاستحقاق؛ لأن الدفع لم يقع محسوباً؛ فحيث قلنا: لاتحسب عن الزكاة، فعلى رب المال إخراج الزكاة ثانياً، إن كان ما بقي في يده نصاباً، وإن كان أقل من نصاب، فإن قلنا: لا يسترد ما عجل، أو قلنا: يسترد، ولكن لو ضم إليه ذلك لا يبلغ نصاباً - فلا زكاة عليه وإن كان معه ما يبلغ نصاباً: فإن كان قائماً في يد من أخذه، عليه إخراج الزكاة ثانياً، وإن كان تالفاً فهو كالدين: إن كانت ماشية فلا زكاة عليه؛ لأن ما على المسكين قيمة الشاة؛ فلا يكمل به نصاب الماشية، وإن كان نقداً، فعلى قولي الزكاة في الدين.

ولو عجل من ألف شاة عشر شياه، ثم تلف ماله قبل الحول إلا أربعمائة غير عشرة، وما عجله قائم في يد المسكين- يضم المخرج إلى ما عنده على قولنا: إنه يسترد؛ حتى يصير أربعمائة؛ تحب من الزكاة أربع، ويسترد ستاً؛ لو عجل من خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض؛ فبلغت ماله بالنتاج ستاً وثلاثين قبل الحول - فعليه فيها بنت لبون، وصارت بنت المخاض في يد المسكين بنت لبون؛ يستردها ويخرجها ثانياً، أو يخرج بنت لبون أخرى.
قال الشيخ: فلو كان المخرج هالكاً، والنتاج لم يزد على أحد عشر؛ حتى كان مع المخرج ستاً وثلاثين، وجب ألا يجب بنت لبون؛ لأنا إنما نجعل المخرج كالقائم إذا كنا نحسبه عن الزكاة، وهاهنا لا نحسب عن الزكاة؛ فيصير كهلاك بعض المال قبل الحول.
ولو عجل الزكاة قبل الحول، لم يكن له أن يسترد من المسكين؛ لأنه تبرع بالتعجيل، كما لو عجل ديناً مؤجلاً، لا استرداد.
فصلٌ: فيما لو أخذ رب المال مالاً للمساكين رُوي عن أبي رافع؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسلف من رجل بكراً؛ فجاءته إبل الصدقة، فمرني أن أقضيه إياه.
فإذا أخذ رب المال مالاً للمساكين قبل حلول الحول؛ فلا يخلو: إما أن أخذه على جهة القرض، أو على جهة الزكاة، فإن أخذه على جهة القرض؛ لا يخلو: إما أن استقرض

بمسألة المساكين أو بغير مسألتهم: فإن استقرض بغير مسألتهم؛ نظر: إن لم يكن بهم حاجةٌ، فالقرض يقع للإمام، وعليه الضمان من خاص ماله، سواء تلف في يده، أو دفع إلى المساكين، ثم إن دفع إلى المساكين متبرعاً، لم يرجع عليهم؛ فإن أقرضهم، فكأنه أقرضهم من مال نفسه، ويرجع إليهم وإن كانت بهم حاجة؛ فاستقرض لهم؛ نظر: إن هلك في يد الإمام، يجب عليه الضمان من خاص ماله؛ بخلاف ولي اليتيم يستقرض ليتيم شيئاً لحاجته؛ فهلك في يده من غير تفريط - يكون الضمان على الصبي؛ لأنه يلي أمر متعين ليس من أهل التصرف؛ بدليل أنه يتصرف في ماله بالتجارة، وولاية الإمام في أخذ الزكاة على جماعة غير متعينين، وفيهم أهل رُشد لا يولي عليهم؛ بدليل أنه لا يتصرف في مالهم بالتجارة، ولا يجوز منع الصدقة عنهم من غير عذر.
وعند أبي حنيفة: يكون من ضمان المساكين؛ فيقضيه الإمام من مال المساكين؛ كولي اليتيم؛ وبه قال بعض أصحابنا؛ كما لو أخذ بعد الحول؛ فهلك عنده - يكون من ضمان المساكين.
والأول المذهب؛ حتى قال أصحابنا؛ لو كان مساكين قرية متعينين، وكلهم صغار، واحتلت أوالهم؛ فاستقرض لهم الإمام؛ فتلف في يده - لا ضمان عليه؛ كقيم الصبي يستدين له.
وإن أوصله إلى المساكين، فالضمان عليهم؛ فالإمام يون طريقاً فيه.
فإن حال الحول على أموال البائس والمسكين بصفة الاستحقاق - يقضيه الإمام من مال الصدقة، أو يجعله محسوباً للمقترض من الصدقة؛ حتى لو مات المسكين بعد الحول جاز للإمام قضاؤه من مال الصدق؛ لأن الاعتبار بيوم حلول الحول، وإن لم يكن يوم حلول الحول من أهل الصدقة بردة، أو موت أو استغناء بمال آخر - فليس للإمام قضاؤه من مال الصدقة، بل يقضي من مال نفسه، ثم يرجع على المسكين إن وجد له مالاً.
أما إذا استقرض للمساكين بمسألتهم، فالضمان عليهم؛ سواء تلف في يد الإمام، أو أوصله إليهم؛ كما لو استرض للغير مالاً يؤديه؛ فتلف في يده - يكون من ضمان الموكل؛ وهل يكون للإمام طريق فيه؟ نظر: إن علم المقرض به يستقرض للمساكين بمسألتهم، لا يرجع عليهم.
وإن ظن أنه يستقرض لنفسه، أو يستقرض للمساكين بغير مسألتهم - فله أن يرجع على الإمام، ثم الإمام يقضيه من مال الصدقة، أو يجعلها محسوبة عن زكاة صاحب القرض.
ولو دفع رب المال مالاً على الإمام فرضاً للمساكين من غير مسألتهم؛ فتلف في يد الإمام- لا ضمان على أحد؛ لأنه وكيل رب المال؛ كما لو دفع مالاً إلى إنسان؛ ليقرضه من آخر؛ فهلك عنده - لا يجب الضمان؛ وإن استقرض بمسألة رب المال والمساكين جميعاً؛ فهلك عنده، فمن ضمان من يكون عنده؟ فيه وجهان: أحدهما: من ضمان رب المال؛ لأن الخيار في الدفع والمنع إليه.

والثاني: يكون من ضمان الفقراء؛ لأن النفع فيه لهم، والضمان على من تكون له المنفعة كضمان العارية يكون على المستعير؛ لأن المنفعة له ولو أخذ الإمام المال من رب المال على جهة الزكاة المعجلة؛ حتى يحسبه عن الزكاة عند حلول الحول -فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الاستقراض؛ فإن أخذ بغير مسألة المساكين؛ لخلة أو حاجة بهم، ثم هلك في يده قبل الحول - ضمنه من مال نفسه لرب المال، وعلى رب المال إخراج الزكاة ثانياً، وإن أوصله إلى المساكين حبسه عن الزكاة، إن كانوا بصفة الاستحقاق يوم حلول الحول، وإن خرجوا عن الاستحقاق؛ إما الدافع أو المدفوع إليه، استرده من المدفوع إليه، وإن لم يوجد له مال ضمنه الإمام من مال نفسه؛ لأنه أخذه على أن يحتسب له من الزكاة؛ فإذا لم يحتسب، ضمنه.
وإن استعجله بمسألة الفقراء؛ فإن دفع إليهم وحال الحول - وهو بصفة الاستحقاق - وقع موقعه، وإن كانوا خرجوا عن الاستحقاق، يجب عليهم الضمان، وعلى رب المال إخراج الزكاة وإن تلف في يد الإمام قبل الحول، ضمنه من مال المساكين.
فإن لم يكن للمساكين مال، ففيه وجهان.
أحدهما: على رب المال إخراج الزكاة؛ لأن ما دفع لم يقع عن الصدقة.
والثاني: تسقط عنه الزكاة؛ لأن الإمام نائب المساكين، وقد أخذ منه، ولا ضمان على الإمام؛ لأنه أخذ بمسألة المساكين؛ فينر على هذا الوجه حتى يحول الحول على أموال أرباب المال؛ فيأخذ من أرباب الأموال لهم، ويصرفها إلى قوم آخرين عن جهة رب المال.
وإن تعجل الإمام بمسألة رب المال، فإن أوصلها إلى المساكين؛ فحال الحول - وهم بصفة الاستحقاق - وقع موقعه.
وإن خرجوا عن الاستحقاق، رجع رب المال على المساكين دون الإمام.
وإن هلك في يد الوالي من غير تفريط من جهته، فلا ضمان عليه، ولا على المساكين، ويجب على رب المال إخراج الزكاة ثانياً، إن تعجل بمسألة المساكين ورب المال، فمن ضمان من يكون؟ فيه وجهان.
وإن هلك المعجل في يد الإمام بعد حلول الحول، تسقط الزكاة عن رب المال؛ سواء استعجله الإمام، أو عجله رب المال؛ لأن الحصول في يد الإمام أو الساعي بعد الحول - كالوصول إلى المساكين؛ كما لو أخذه بعد الحول، ثم الإمام إن فرط في الدفع إليهم ضمن من مال نفسه، وإلا فلا ضمان على أحد.
"باب النية في إخراج الصدقة" رُوي عن عمر بن الخطاب؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الأعمال بالنيات".

الزكاة تفتقر إلى النية؛ لأنها عبادة؛ كالصلاة والصوم.
ومحل النية القلب؛ فلو نوى بقلبه، ولم يتلفظ باللسان جاز، ولو ذكر بلسانه ولم ينو بقلبه، لم يجز؛ على أصح الوجهين؛ كالصوم والصلاة.
وفيه وجه آخر: يجوز؛ لأنه تجزيء فيه النيابة؛ فلما ناب فيها شخص عن شخص، جاز أن ينوب فيه اللسان عن القلب.
ولا يلزم الحج؛ حيث تجزيء فيه النيابة، ويشترط فيه النية بالقلب؛ لأنه لا ينوب فيه من ليس من أهل الحج، وفي الزكاة ينوب عنها من ليس من أهل وجوب الزكاة عليه؛ فنه لو أناب عبداً أو كافراً بأداء الزكاة يجوز، ويجوز للمرتد إخراج زكاة ماله.
وكيفية النية: أن ينوي هذا فرض زكاة مالي، أو فرض صدقة مالي، أو فرض يتعلق بمالي، أو ينوي الصدقة المفروضة أو الواجبة.
ولو قال: صدقة مالي، أو الصدقة مطلقاً، لم يجز؛ لأن الصدقة قد تكون نفلاً؛ كما لو أعتق رقبة ونوى العتق مطلقاً، لا يقع عن الكفارة.
وقيل: لو نوى صدقة المال، أو صدقة مالي، جاز.
ولو قال: زكاة مال، جاز؛ لأن الزكاة اسم الفرض المتعلق بالمال؛ ولو نوى أن هذه زكاة، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ كما لو نوى الصدقة.
والثاني: يجوز؛ لأن الزكاة اسم للفرض.
ويجب أن ينوي عند الدفع إلى المستحق، أو إلى الإمام؛ فلو نوى قبل الأداء، أو حالة الإفراز، ولم ينو حالة الأداء- فيه وجهان: أحدهما: لايجوز؛ كما في الصلاة.
والثاني: يجوز؛ كالصوم، ولأن التوكيل في أدائه جائز، ويشق عليه أن يقرن النية بتفريق الوكيل.
ولو وكل وكيلاً بدفع الزكاة، ونوى حالة الدفع إلى الوكيل، جاز.
ون لم ينو حالة تفريق الوكيل؛ كما لو دفع إلى الإمام، ونوى أو لم ينو حالة الدفع إلى الوكيل ثم نوى - نظر: إن نوى قبل تفريق الوكيل جاز، وإن نوى بعده لم يجز؛ كما لو دفع بنفسه إلى الفقير، ونسي، ثم نوى بعده - لم يجز؛ ونية الوكيل لا تقوم مقام نيته.
ولو دفع إلى الإمام ولم ينو، فالمذهب: أنه لا يجوز؛ كما لو دفع إلى الوكيل، ونية الإمام لا تقوم مقام نيته.
وقيل: إذا دفع إلى الإمام ولم ينو، جاز؛ لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض؛ فاكتفى بهذا الظاهر عن النية.
والأول أصح؛ لأن الإمام نائب الفقراء.

ولو دفع إلى الفقير ولم ينو لم يجز، كذلك إذا دفع إلى نائبه.
ولو امتنع رب المال عن أداء الزكاة، فللإمام أن يأخذها منه كرهاً.
ثم إن نوى رب المال حالة أخذه، سقط عنه الفرض؛ ظاهراً وباطناً؛ وإن لم ينو رب المال؛ نر؛ إن نوى الإمام يسقط عنه الفرض ظاهراً؛ حتى لا يبنى عليه.
وهل يسقط في الباطن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يسقط؛ لأنه لم ينو، والباقي سقط، ونية الإمام تقوم مقام نيته؛ كنية الولي في إخراج زكاة اليتيم تقوم مقام نية المالك.
وإن لم ينو واحد منهما لم يسقط الفرض عنه في الباطن، وهل يسقط في الظاهر؟ فيه وجهان.
وكذلك المتغلبون كأهل البغي والخوارج إذا أخذوا الزكاة العشر كرهاً، لا تجوز في الظاهر، وهل تسقط في الباطن؟ وفيه وجهان؛ كالإمام يأخذ من الممتنع.
أما المساكين إذا أخذوا الزكاة من رب المال قهراً عند امتناعه، لا يسقط الفرض عنه؛ لأنهم ليس لهم ولاية القهر.
ولو كان ماله غائباً مثلاً: مائتا درهم، فأخرج خمسة، أو أربعون شاة؛ فأخرج شاة، فقال: إن كان مالي سالماً فهذا زكاته، وإلا فهو تطوع، فن كان سالماً جاز عن زكاته، وإلا كان تطوعاً؛ لأن إخراج الزكاة عن الغائب هذا يكون.
وإن لم يقله؛ حتى لو أخرج خمسة عن ماله الغائب، فبان ماله تالفاً كان تطوعاً، ولا استرداد له، إلا أن يشترط؛ فيقول: إن كان مالي سالماً فهذه زكاته، وإلا فأرجع، فإن بان تالفاً له الرجوع؛ كمن أعتق رقبة عن كفارته، ثم ظهر به عيب يمنع الجواز عن الكفارة لا يرد العتق.
فإن شرط؛ فقال: أعتقه عن كفارتي جاز، وإلا فهو رقيق؛ فظهر به عيب يمنع الجواز عن الكفارة- كان رقيقاً.
أما إذا أخرج خمسة؛ فقال: هذه زكاة مالي الغائب؛ إن كان سالماً، أو نافلة؛ فبان سالماً - لم يجز عن الكفارة؛ لأنه لم يجزم النية، بل رددها بين الفرض والتطوع.
ولا يجب تعيين النية في الزكاة؛ حتى لو كان نصابان من المال: أحدهما حاضر، والآخر غائب؛ مثل: أن ملك أربع مائة درهم مائتان حاضرتان، ومائتان غائبتان؛ فأخرج خمسة دراهم عن أحدهما، ولم يعين، ثم أخرج خمسة أخرى - جاز.
وكذلك لو ملك أربعين شاة، وخمساً من الإبل؛ فأخرج شاتين بنية الزكاة، ولم يعين - جاز.
ولو أخرج خمسة وقال: هذا عن مالي الغائب إن كان قائماً، وألا حق الحاضر، فإن كان الغائب قائماً وقع عنه، وألا وقع عن الحاضر.
ولو أخرج خمسة مطلقاً، ثم بان تلف أحد المالين، أو تلف بعده - له أن يحتسبها عن الآخر.
ولو عين عن أحد المالين، ثم بان تلفه، لم يكن له صرفه إلى الآخر.

ولو قال: هذه عن مالي الغائب أو الحاضر، يجوز؛ لأنه نوى عن الفرض، وإن لم يعين بخلاف ما لو قال: عن مالي، أو عن نافلة، لم يجز.
ولو أخرج خمسة، وقال: ن كان مات أبي، وورثت ماله، فهذه زكاته؛ فبان موت الأب - لا يحسب عن الزكاة؛ لأن الأصل حياة الأب؛ بخلاف الغائب إذا شك في تلفه؛ لأن الأصل ثم بقاء المال.
"فصلٌ: في إخراج القيم في الزكاة" لا يجوز إخراج القيم في الزكوات، إنما يجب ما ورد به الشرع.
وعند أبي حنيفة، يجوز أن يعطي أي جنس شاء؛ باعتبار القيمة؛ حتى يجوز البعير عن البعير، والكلب عن الشاة، وجوز شاة سمينة عن شاتين؛ باعتبار القيمة، ولم يجوز صاعاً جيداً عن صاعين رديئين، وقال: لأن الجودة لا قيمة لها في دواب الأمثال؛ بدليل أنه يجوز بيع صاع جيد بصاع رديء.
وجوز مالك أحد النقدين عن الآخر، ولا يجوز إخراج المكسر عن الصحاح إذا كان بينهما تفاوت، ويجوز إخراج الصحيح عن المكسر ويجب بوزن المكسر مثل: أن وجبعليه دينار مكسر، وخمس دوانق صحاح بمقابلة دينار مكسر - يجب عليه إخراج دينار، ولا يجوز أن ينقص عن الوزن؛ لفضل الصحيحة.
باب ما يسقط الصدقة عن الماشية لا يجب الزكاة في النعم، إلا أن تكون سائمة في حميع الحول؛ لما روي عن أنس؛ أن أبا بر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة؛ ولأن العوامل المعلوفة لا تقتني للنماء، إنما تقتنى للاستعمال؛ فلا يجب فيها الزكاة؛ كثياب البدن، ومتاع الدار؛ لأن علفها ربما يقوم بفوائدها، ووجوب الزكاة في المال؛ لحصول الفوائد.
أما العوامل والنواضح إذا كانت سائمة، هل يجب فيها زكاة؟ وهان: أصحهما: يجب؛ كغير العوامل.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يجب؛ لأن العمل ينقص الدر والنسل؛ وإن كانت سائمةن فعليها في أثناء الحول قصداً، وإن قل ينقطع الحول، على أصح الوجهين.

وقيل: لا ينقطع؛ حتى يبلغ العلف قدراً لا يبقى الحيوان دونه.
ولو علفها لا عن قصد؛ بأن ركب واحدة منها إلى البلد؛ لحاجة؛ فألقى بين يديها علفاً أو علفها يوماً أو يومين بعذر الثلج- فهل ينقطع الحول؟ فيه وجهان: أحدهما: ينقطع؛ لوجود العلف.
والثاني: لا ينقطع؛ كما لو لبس ثوب التجارة لا بنية القنية، لا تسقط الزكاة.
ولو كانت له سائمة؛ فنوى أن يعلفها، لا تصير معلوفة بمجرد النية؛ حتى يعلف.
وكذلك لو كانت له معلوفة، ونوى أن يسميها، لا تصير سائمة، حتى يسيمها.
ولو كانت له سائمة؛ فغصبها غاصب وعلفها، هل ينقطع الحول فيه وهان: أصحهما: ينقطع؛ لارتفاع شرط الزكاة؛ وهو السوم، كما لو ذبح الغاصب شاة من النصاب قبل الحول؛ حتى انتقص النصاب، انقطع الحول.
والثاني: لا ينقطع؛ كما لو غصب ذهباً وصاغ منه حلياً، لا ينقطع به الحول.
من قال بالأول، فرق بأن صياغة الغاصب محرمة؛ فمل يكن لها حكم، والعلف غير محرم؛ فقطع الحول؛ كعلف المالك.
وعلى عكسه: لو غصب معلوفة وأسامها الغاصب حولاً، وقلنا: يجب الزكاة في المال المغصوب؛ فهاهنا وجهان: أحدهما: تجب الزكاة؛ لأنها كانت سائمة حولاً، وإن لم يقصد المالك؛ كما لو غصب حنطة فزرعها، وجب العشر فيها.
والثاني: لا يجب؛ لأن المالك لم يقصد إلى إسامته، كما لو رتعت الماشية بنفسها، وليس كالحنطة؛ لأن القصد إلى الزراعة، ثم ليس شرط.
وكذلك قلنا: لو تبدد طعامه فنبت، وجب العشر فيه.
وقيل: إذا ضلت ماشية سنة فرتعت، ففي وجوب زكاتها وجهان: فإن قلنا: إذا أسامه الغاصب، يجب فيه الزكاة، فعلى من تجب؟ فيه وجهان: أحدهما: على الغاصب.
والثاني: على المالك؛ لأن نفع خفة المؤنة عائد إليه؛ فعلى هذا: إذا خرج المال، هل يرجع على الغاصب؟ فيه وجهان: ولا تجب الزكاة على المتولد بين الظباء والأغنام، ولا في المتولد بين البقر الأهلي والوحشي؛ لأنه لم يتمخض نعماً؛ ما لو ملك عشرين ضأناً وعشرين ظبياً.
وكما لا يسهم للبغل من الغنيمة؛ لأنه لم يتمخض فرساً.
وعند أبي حنيفة: إن كانت الأم من الأغنام، وتشبه خلق الشياه -يجب فيها الزكاة،

ولا تجب في غير النعم من الحيوانات؛ كالخيل والبغال والحمير والعبيد.
وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في الخيل إذا كانت كلها أو بعضها إناثاً - قال: يجب في كل فرس سائمة دينار.
والحجة عليه: ما روي عن أبي هريرة؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
وهل يجب في الماشية الموقوفة الزكاة، إن قلنا بظاهر المذهب -: إن الملك في الوقف زال إلى الله تعالى، فلا يجب.
وإن قلنا: للموقوف عليه، فيه وهان: أحدهما: يجب؛ كسائر أملاكه.
والثاني: لا يجب؛ لأن مِلكه عليها ضعيف؛ بدليل أنه لا يملك التصرف فيه.
"باب المبادلة بالماشية" إذا بادل المال الزكوي في خلال الحول، ينقطع الحول؛ سواء بادل بجنسه؛ كالإبل بالبقر، والغنم بالدراهم والدنانير، وكذلك لو بادل بعض النصاب؛ حتى بقي في ملكه أقل من نصاب؛ بخلاف حول التجارة - لا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة، والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر.
فإن

قصد بالمبادلة الفرار من الصدقة، يكره، وإلا فلا تكره، وفي المحالين ينقطع الحول.
وقال مالك: إن قصد بالمبادلة الفرار لا ينقطع الحول، وإن لم يقصد ينقطع، إلا أن يبادل بجنسه؛ فلا ينقطع.
وعند أبي حنيفة: مبادلة بعض النصاب بالجنس لا تقطع الحول؛ بناء على أصلين له؛ وهو أن نقصان النصاب في أثناء الحول عنده يقطع الحول، والمستفاد يبني حوله على حول ما عنده.
ولو بادل مبادلة فاسدة، لا ينقطع الحول؛ سواء سلم إلى المشتري، أو لم يسلم.
فإن علفها المشتري، فهو كعلف الغاصب، هل ينقطع الحول؟ فيه وجهان.
وإن كانت معلوفة؛ فأسامها المشتري، فهو كما لو أسامها الغاصب.
وإذا بادل مبادلة صحيحة، ثم رده المشتري بعيب، أو تقايلا قبل مضي الحول في يد المشتري - فالمردود عليه يستأنف الحول؛ سواء رد بعد القبض، أو قبله.
وعند أبي حنيفة: إن رد قبل القبض، أو بعده بقضاء القاضي، ينبني على الحول الأول.
ولو أقامت حولاً في يد المشتري، فقد وجبت عليه الزكاة؛ فإذا ردها بعيب قديم نظر: إن كان قبل أداء الزكاة، لم يكن له ذلك؛ لتعلق حق الزكاة بها؛ سواء قلنا: تتعلق الزكاة بالعين، أو بالذمة؛ لأن الساعي يجوز له أخذ الزكاة من عينها؛ كمن اشترى عبداً؛ فجنى في يده جناية، لم يكن له رده بعيب قديم يجده به؛ لتعلق أرش الجناية برقبته.
ولا فرق بين أن تكون سائمة تجب الزكاة في عينها، أو عرضاً للتجارة تجب الزكاة في قيمتها؛ لأنه إذا تعذر أخذها من المشتري تؤخذ من عينها، وإن كان المشتري أدى الزكاة؛ نظر: إن أدى من موضع آخر غير هذا المال، فله ردها بالعيب، وإن أدى من غير هذا المال، فهل له رد الباقي، واسترداد حصته من الثمن.
فعلى قولين؛ كما لو اشترى عينين، فهلكت أحداهما في يده، ووجد بالأخرى عيباً - هل له ردها؟ فيه قولان.
فإن قلنا: لا يرد، يسترد أرش العيب.
ولو باع المال الزكوي في خلال الحول، يشترط الخيار، ففسخ البيع إن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع، أو موقوف - ينبني على حوله، وبالبيع لم ينقطع الحول.
وإن قلنا: للمشتري، يستأنف البائع الحول.
ولو باع وقد قرب الحول؛ فتم الحول في زمان الخيار، فإن قلنا: الملك للبائع في زمان الخيار، تجب الزكاة على البائع، وإن تم البيع.
ثم هو كما لو باعه بعد وجوب الزكاة.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا زكاة على البائع، لأن ملكه قد زال قبل الحول،

فإذا فسخ البيع، يستأنف الحول.
وإن قلنا: الملك موقوف، فإن فسخ البيع تجب الزكاة على البائع، وإن تم فلا يجب على أحد، والمشتري يبتديء الحول.
أما إذا باع المال الزكوي بعد الحول، ووجوب الزكاة فيه [و] قبل أدائها - هل يصح، أم لا؟ إن قلنا: تتعلق الزكاة بالذمة، يصح بيعه، والمشتري بالخيار: بين فسخ البيع، وإجازته، لأن الساعي أخذ الزكاة من عينه، فإن أدى البائع الزكاة من موضع آخر، سقط خيار المشتري، وإن أخذ الزكاة من عينه، بطل العقد فيما أخذه الساعي، وفي الباقي قولان.
فإن قلنا: لا تبطل، فله الخيار إن كان جاهلاً بالحال، فإن أجاز لا يجب إلا بحصة ما بقي من الثمن.
وإن قلنا: تتعلق الزكاة بالعين، فالبيع باطل في قدر الزكاة، وفي الباقي قولان.
بناء على قولي تفريق الصفقة.
ولا نعني بقولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين: أن المساكين ملكوا واحداً منها بعينها، بل نعني به: أنهم ملكوا من الكل جزءاً يتعين ذلك بالإخراج في واحدة؛ كما يتعين حق الشريك بالقسمة.
فإن قلنا: يصح في الباقين فللمشتري الخيار: بين فسخ العقد في الباقي، وبين الإجازة بحصته من الثمن، فإذا أدى البائع الزكاة من موضع آخر لا يسقط خياره؛ لأن العقد لا ينقلب صحيحاً في قدر الزكاة.
وإن قلنا: بطل العقد في الكل، فلأي معنى بطل؟ فيه وجهان: أحدهما: لأنه جمع بين الحلال والحرام.
والثاني: لجهالة الثمن؛ لأن الثمن يوزع عليهما؛ باعتبار القيمة، فلا يدري حالة العقد كم يقابل ما يصح فيه العقد؟ ولو باع ثمر حائط وقد وجب فيه العشر؛ نظر: إن قال: بعتك إلا العشر يصح، وإن باع الكل، فهو كما ذكرنا.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، يصح البيع في الكل، وللمشتري الخيار، وإن أدى البائع العشر من موضع آخر سقط خياره.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، لا يصح، وهل يصح في الباقي؟ ترتب على الماشية.
إن قلنا هناك: يصح، فهاهنا أولى، وإلا فقولان؛ بناء على المعنيين: إن قلنا:

المعنى هناك: أنه جمع بين الحلال والحرام، فهاهنا لا يصح.
وإن قلنا: جهالة الثمن، يصح؛ لأنه معلوم بالحراثة؛ فيلزمه تسعة أعشاره، وله الخيار، وبأداء الزكاة من موضع آخر لا يسقط خياره، وفي الموضعين قول آخر: أنه إذا جاز العقد فيما صح فيه العقد يخير بجميع الثمن.
والأصح: أنه يخير بحصته، هذا إذا باع قبل الخرص، فإن باع بعد الخرص: إن قلنا: الخرص غيره، فهو كما لو باع قبل الخرص.
وإن قلنا: تضمين، صح بيع الكل؛ لأن حق المساكين صار في ذمته بالخرص.
ولا فرق في بيع الماشية التي وجبت فيها الزكاة بين أن يكون الواجب فيها من جنسها، أو من غير جنسها؛ مثل: خمس من الإبل يجب فيها شاة.
وحكم بيع مال التجارة إذا وجب زكاته حكم الثمار؛ على الصحيح من المذهب؛ بدليل سقوط الزكاة عن جميعها إذا هلك المال قبل إمكان الأداء، وقبل زكاة - التجارة، وزكاة المواشي إذا كانت صدقتها من غير جنسها لا يمنع البيع؛ والأول أصح.
ولو رهن ماشية وجبت فيها الزكاة فكالبيع: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، صح الرهن، وللمرتهن الخيار في فسخ البيع، إن كان الرهن مشروطاً وكان جاهلاً به، فإن أدى الزكاة من موضع آخر سقط خياره.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، لا يصح في قدر الزكاة أو في الباقي هل يصح ترتب على البيع.
إن قلنا: يصح البيع، يصح الرهن.
وإن قلنا: لا يصح البيع، ففي الرهن قولان؛ بناء على المعنيين.
إن قلنا: المعنى في البيع الجمع بين الحلال والحرام، لا يصح.
وإن قلنا: جهالة الثمن، يصح؛ لأنه لا عِوض للرهن؛ ليصير مجهولاً.
فإن قلنا: لا يصح الرهن، فإن كان الرهن مشروطاً في البيع، هل يبطل البيع ببطلان الرهن؟ فيه قولان.
فإن قلنا: لا يبطل، فللمرتهن الخيار إن كان جاهلاً، وبأداء الزكاة من موضع آخر لا يسقط خياره.
أما الماشية المرهونة إذا جال عليها الحول يجب فيها على الراهن الزكاة، فإن أدى من موضع آخر بقي الرهن فيها، وإن لم يؤد فللساعي أخذ الزكاة منها، فإن كانت الزكاة من غير

جنسها مثل خمس من الإبل - فيباع جزء منها في الزكاة.
ثم إذا أخذت الزكاة منها، فإن قلنا: تتعلق الزكاة بالذمة، يجب على الراهن أن يرهن قيمته مكانه، أو مثله إن كان مثلياً.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، لا يجب أن يرهن قيمته مكانه، ولا خيار للمرتهن؛ لأن استحقاق الزكاة طرأ على دوام الرهن؛ كما لو هلك الرهن بعد القبض.
"فصل في مسائل متفرقة" إذا اشترى نصاباً من الماشية، ولم يقبض؛ حتى مضى حول في يد البائع -هل يجب الزكاة على المشتري؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالمغصوب.
ومنهم من قال - وهو المذهب -: يجب عليه الزكاة؛ لأنه يقدر على أخذه من البائع فيها متى شاء؛ بخلاف المغصوب.
ولو أصدق امرأته نصاباً من الماشية مثلاً: أربعين شاة ملكتها المرأة بالعقد، فإذا مضى حول، تجب عليه الزكاة؛ سواء قبضت أو لم تقبض، دخل بها الزوج أو لم يدخل؛ وسواء قلنا: الصداق في يد الزوج مضمون عليه ضمان العقد، أو ضمان اليد، هذا هو المذهب.
وإذا قلنا: ضمانه ضمان العقد، يخرج فيه الطريق الذي ذكرنا في البيع قبض القبض؛ أنه على قولين؛ كالمغصوب.
وعند أبي حنيفة: إن كان قبل القبض لا يجب عليها زكاته؛ لأنه له نصفه لو طلقها.
قلنا: هذا المعنى موجود بعد القبض قبل الدخول، ويجب فيه الزكاة كذلك قبل القبض.
ثم إذا طلقها الزوج قبل الدخول؛ نظر: إن طلقها قبل الحول، عاد إلى الزوج نصفها، فإن لم يميزا فحكم الخلطة ثابت بينهما.
فإن تم الحول من يوم الإصداق، يجب على المرأة نصف شاة، وإذا تم من يوم الطلاق، يجب على الزوج نصف شاة.
وإن طلقها بعد الحول؛ نظر: إن لم تؤد المرأة الزكاة، عاد نصفها إلى الزوج شائعاً، ثم إذا جاء الساعي وأخذ من عينها شاة، رجع الزوج عليها بنصف قيمتها؛ لأن الزكاة كانت عليها.
فإن أدت المرأة الزكاة؛ نُظر: إن أدت من موضع آخر أخذ الزوج نصف الشاة، وإن أدت من عينها، فالزوج كيف يأخذ حقه؟ فيه أقوال: أحدها: يأخذ حقه فيما بقي مثلاً: كانت قيمة النصاب أربعين شاة فالزوج يأخذ عشرين شاة منها، وتجعل ما أخرجت عن الزكاة من نصيبها.

والثاني: يأخذ نصف ما بقي من الأغنام، ونصف قيمة الشاة التي أخرجت من الزكاة؛ لأن ما أخرجت كان من الحقين شائعاً.
والثالث: هو بالخيار: بين أن يأخذ نصف الباقي، ونصف ما أخرجت في الزكاة، وإن شاء ترك الأغنام إليها، وأخذ نصف قيمة الكل.
ولو ورث رجل مالاً جارياً في حول الزكاة؛ سائمة كانت أو مال تجارة - هل ينبني حول الوارث على حول الموروث؟ فيه قولان قال في الجديد - وبه قال أبو حنيفة -: لا بل يبتدئ الوارث الحول من يوم ملك؛ كما لو مله بشراء واتهاب؛ حتى لو كان مال تجارة، فلا ينعقد الحول؛ حتى يتصرف الوارث فيه بنية التجارة.
وقال في القديم ينبني حول الوارث على حول الموروث؛ لأنه يخلفه في الملك؛ حتى إذا تم حول الموروث، تجب الزكاة عليه؛ سواء علم الوارث، أو لم يعلم.
فإن قلنا: لا ينبني وكانت سائمة، ولم يعلم الوارث بموته؛ حتى مضى حول - فهل يجب عليه الزكاة، أم يبتدئ الحول من يوم علمه؟ فيه وجهان؛ بناء على أن القصد إلى السوم هل هو شرط؟ فيه وجهان.
ولو عجل زكاة ماله قبلا لحول، ثم مات، نص الشافعي على أن ورثته يقومون مقامه؛ فأجزأ عنهم ما أجزأ عنه.
وهذا جواب على قوله القديم: إن حول الوارث ينبني على حول الموروث.
أما على القول الآخر: لا يجزيء عنهم، وهذا خارج على قول من يجوز تعجيل صدقة عامين؛ فإذا مات الموروث، استأنف الوارث الحول، واحتسب بما عجل أبوه قبل الموت.
والأصح: أنه لا يحتسب، بل إذا تم الحول من يوم الموت، يجب عليهم الزكاة.
ولو أوصى لإنسان بنصاب من السائمة، فمات الموصي، وحال عليها الحول من يوم موته قبل قبول الموصى له - إن قلنا يملك الموصى له بالموت، يجب عليه الزكاة، ون كان لو رده يرتد؛ كما لو وهب لابنه سائمة، وسلم؛ فحال الحول عليها - يجب عليه زكاتها، وإن كان للأب الرجوع فيها.
وإن قلنا: الملك في الوصية مُراعى.
فإن قيل: [بان] بأنه ملك بالموت، فهل على الموصى لهم زكاته؟ فيه وجهان:

الأصح: لا يجب؛ لأن ملكه لم يكن مستقراً عليه.
وإن قلنا: يملك بالقبول، فلا زكاة على الموصى له.
ثم إن قلنا: قبل قبوله باق على مل الميت، فلا زكاة على أحد.
وإن قلنا: ملك الوارث؛ حتى يكون النماء له؛ فهل تجب الزكاة على الوارث؟ فيه وجهان: الأصح: لا تجب؛ لأنه قد أوجب الملك فيه لغيره.
"فصلُ: في الزكاة في الدين" إذا كان ماله ديناً على إنسان؛ نظر: إن كان غير لازم مثل: مال الكتابة، لا يلزمه زكاته؛ لأن ملكه غير تام عليه؛ فإن العبد يقدر على إسقاطه.
وإن كان لازماً؛ نظر: إن كان ماشية، فلا زكاة عليه فيها؛ لأن تعيينها وسومها شرط، وإن كانت دراهم، أو دنانير، أو عروضاً للتجارة -قال في القديم: لا زكاة فيها؛ لأنه ليس عليها حقيقة ملك؛ كملك المكاتب.
وقال في الجديد - وهو المذهب-: إنه ن كان على ملء، وفي مقدرته تجب عليه زكاته، ويجب الإخراج في الحال؛ ما لو كان ماله وديعة عند إنسان يجب عليه زكاته.
وعند أبي حنيفة: يجب، ولكن لا يجب الإخراج في الحال حتى يقبض.
وإن كان الدين مؤجلاً، فهل يجب عليه زكاته؟ فيه وجهان: أحدهما: حكمه حكم المغصوب، وفيه قولان.
والثاني: يجب عليه قولاً واحداً؛ لأن التأجيل كان بصيغة.
فإن قلنا: يجب، فلا يجب الإخراج ما لم يقبض، فإذا قبض أخرج لما مضى.
وإن كان الدين على معسر فهو كالمغصوب، وإن كان على جاحد؛ نظر: إن كان له بينة عاد له وإن لم يقدر على إثباتها؛ فهو كما لو كان على معسر.
وإن كان ماله غائباً، يجب عليه فيه الزكاة، ثم إن لم يكن الطريق منقطعة، يجب الإخراج في الحال، وإن كان منقطعاً فلا حتى يصل إليه.
وقيل: إن كان الطريق منقطعاً، فكالمغصوب.
فإن قلنا: لا تجب الزكاة في المغصوب والدين، فإن كان في يده أقل من نصاب، وما

يتم به النصاب مغصوب أودين، فلا زكاة عليه فيما في يده؛ حتى يقبض ما يتم به النصاب، ثم يبتدئ الحول.
وإن قلنا: تجب الزكاة في المغصوب والدين، أو كان ماله غائباً، ولكن لا يجب الإخراج، حتى يصل إليه، فإن كان في يده أقل من نصاب، أو قبض منهما أقل من نصاب - هل يجب إخراج زكاة ذلك القدر.
إن قلنا: إمكان الأداء شرط الوجوب، لا يجب؛ لأنه ربما لا يصل إليه الباقي.
وإن قلنا: شرط الضمان، يجب؛ لأن هلاك ما لم يصل إليه لا يسقط عنه زكاة القدر الذي في يده.
"فصلٌ: في الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ " ولو ملك رجل نصاباً من المال الزكوي، وعليه دين يستغرقه، أو ينقص المال عن النصاب - فالدين هل يمنع وجوب الزكاة فيه أم لا فعلى قولين.
قال في الجديد وهو المذهب: لا يمنع وجوب الزكاة؛ فيخرج الزكاة منها، والباقي للغرماء؛ لأنا إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، فالذمة تتسع لتعلق حقوق بها.
وإن قلنا: تتعلق بالعين، فالدين الذي في ذمته لا يمنع تعلق الحق بعين ماله؛ كما لو جنى عبده، يتعلق أرش الجناية برقبته، وإن كان عليه دين.
وقال في القديم وبه قال أبو حنيفة: الدين يمنع وجوب الزكاة؛ لأن المال الذي في يده بغرض الانتزاع من يده لحق الغرماء.
فإن قلنا: يمنع وجوب الزكاة، فلا فرق بين أن يكون الدين لله تعالى؛ كالعشر والكفارة والنذر، أو كان للعباد، وبين أن يكون حالاً أو مؤجلاً لمسلم أو ذمي أو مكاتب، وبين أن يكون من جنس مال الزكاة أو من غير جنسه؛ حتى لو ملك نصاباً من الإبل، ونصابا من البقر، ونصاباً من الغنم، ونصاباً من النقدين، وحصل له نصاب من الزروع والثمار وعليه دين لا من جنس واحد منهم انتقص على الكل، فإن خص كل واحد قدراً ينتقص النصاب به - لا زكاة عليه في شيء منها على هذا القول.
وقيل: إن كان الدين من جنس تلك النُّصب، يختص بجنسه، وإن كان له مال من مال الفيئة والعقار ما بقي بالدين، فيجب الزكاة في المال الزكوي قولاً واحداً، وكذلك إذا كان ماله أكثر من نصاب، ودينه لا يزيد على تلك الزيادة، يجب الزكاة في النصاب.
فإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة، فلو حجر عليه القاضي لحق الغرماء، هل

ينقطع الحول.
وهل يمنع الوجوب؟ فيه وجهان: أحدهما: يمنع قولاً واحداً؛ لأنه ضعف ملكه بامتناع الصرف؛ فصار ماله كمال المكاتب، وقد قال الشافعي - رحمه الله -: ولو قضى عليه، وجعل لهم ماله؛ حيث وجدوه لم يكن عليه زكاة؛ لأنه صار لهم.
والثاني: على قولين؛ ما قبل الحجر؛ لأن ملكه لم يزل بالحجر، وإن امتنع تصرفه؛ كالمرهون والمراد من النص: أن يتبع الحاكم ماله من الغرماء، وكان معلوماً له ولهم؛ فقد زال بالبيع ملكه، وانقطع الحول.
ولو كان له نصاب من الورق؛ فقال: لله علي أن أتصدق بهذا، أو بعشرة منها؛ فلم يتصدق بها؛ حتى مضى عليه حولٌ - هل يجب عليه زكاتها من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالدين هل يمنع الزكاة، وكما لو نذر مطلقاً أن يتصدق بعشرة.
ومنهم من قال هاهنا: لا يجب قولاً واحداً؛ لأن عين ذلك مستحق الصرف إلى المساكين.
ولو وجد رجل نصاباً من المال لقطة، نظر: إن أمسكها المالك، أو عرفها سنة؛ فظهر مالكها قبل أن يختار الملتقط التملك لا شيء على الملتقط وهل يجب على المال زكاته؟ فعلى قولي المغصوب.
وإن عرفها سنة، واختار تملكها، فزكاة الحول الأول هل تجب على المالك؟ فعلى القولين.
وأما زكاة سائر السنين بعد اختيار التملك، هل تجب على الملتقط فعلى القولين في أن الدين هل يمنع الزكاة؛ لأن قيمتها دين عليه.
الأصح: أنه يجب.
وهل يجب على المالك الزكاة في القيمة التي في ذمة الملتقط؟ فعلى قولي وجوب الزكاة؛ لأن قيمتها دين عليه.
الأصح: أنه يجب.
وهل يجب على المالك الزكاة في القيمة التي في ذمة الملتقط؟ فعلى قولي وجوب الزكاة في الدين.
وإذا وقعت الغنيمة في يد الإمام، يجب تعجيل قسمتها إذا لم يكن عذر؛ فإذا عجل قسمتها، فكل من أصابه نصاب من المال الزكوي ابتدأ الحول، ولم يتفق قسمتها؛ حتى مضى حول؛ نظر: إن كان قبل إقرار الخمس، فلا زكاة فيها؛ لأن الغانمين لم يملكوها في قول.
وفي قول: ملكوا ملكاً ضعيفاً؛ بدليل أنه يجوز للإمام أن يخص كل طائفة بنوع من المال، ولو ملكوها لم يجز إبطال حق بعضهم من نوع منها إلا برضاها.
أما بعد إقرار الخمس، فلا زكاة في الخمس؛ لأنه ليس لمالك متعين، أما الأربعة الأخماس؛ نظر: إن

أفرز الإمام نصيب كل طائفة، واختاروا تملكه، أو كانوا محصورين فجعلها لهم، واختاروا تملكه - يجب عليهم الزكاة إذا تم الحول، وكان مجموع النصباء نصاباً؛ كالمال بني الخلطاء، وإن لم يفرز نصيب كل طائفة، ولم يكونوا محصورين، فلا زكاة فيها؛ لأن كل واحد لا يدري ماذا نصيبه من الأعيان، وإن أقرروا وكانوا محصورين ولم يختاروا التملك - فهل عليهم الزكاة؟ فيه وجهان.
فصل إذا أكرى داره سنة بعشرين ديناراً، فبعد مُضي السنة يجب على الآجر الزكاة في الأجرة إن كانت عيناً، أو كانت ديناً، وقلنا بظاهر المذهب: إن الزكاة تجب في الدين.
ولو أجر داره أربع سنين بمائة وستين ديناراً، فبعد مُضي أربع سنين، تجب زكاة جميعها لأربع سنين؛ وهو ستة عشر ديناراً: وفي كيفية إخراجها قولان أصحهما يجب عليه أن يخرج كل سنة زكاة حصة ما مضى، ويوقف الأمر في الباقي؛ لاحتمال أن الدار تنهدم، فيجب عليه رد باقي الأجرة، فإذا سلمت حينئذٍ يؤدي عن الباقي حصة ما مضى.
بيانه: يؤدي عند تمام الحول الأول زكاة أربعين ديناراً؛ وهو دينار؛ لأن ملكه استقر على هذا القدر؛ فإذا مضى الحول الثاني يجب عليه زكاة ثمانين ديناراً لسنتين؛ وهو أربعة دنانير، ويحط عنه ما أدى؛ وهو دينار؛ فعليه ثلاثة دنانير.
فإذا مضى الحول الثالث عليه زكاة مائة وعشرين لثلاث سنين؛ وهو سبعة دنانير، ويحط عنه ما أدى؛ وهو أربعة دنانير فعليه خمسة دنانير.
فإذا مضى الحول الرابع استقر ملكه على الكل؛ فعليه زكاة مائة وستين لأربع سنين؛ وهو ستة عشر ديناراً، ويحط ما أدى؛ وهو تسعة دنانير؛ فعليه سبعة دنانير.
والقول الثاني - وهو اختيار المزني، والبويطي -: يجب عليه أن يؤدي كل سنة زكاة مائة وستين ديناراً؛ لأنه ملك كلها بالعقد، وإن كان يتوهم سقوط بعضها بانهدام الدار؛ كما أن المرأة يجب عليها زكاة الصداق قبل الدخول، وإن كانت تتوهم عود بعضه إلى الزوج بالطلاق.
ولو أكرى داره أربع سنين بعشرين ديناراً - فعلى القول الأصح -لا زكاة عليه ما لم تمض أربع سنين، ثم عليه نصف دينار، ويمضي حول لا ينبني عليه؛ لأنه لا يتم ملكه إلا على ريعها، إلا أن يكون له ذهب مع هذا الريع ناضاً؛ فيجب عليه زكاتها.
وعلى القول الآخر: إذا تم الحول الأول، عليه نصف دينار، ثم لا ينبني عليه بعده؛ لانتقاص النصاب، إلا أن يؤدي الزكاة من موضع آخر؛ فعليه كل سنة نصف دينار.

باب زكاة الثمار رُوي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسمل - قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من الثمر صدقة".
لا يجب العشر في الثمار، إلا في ثمر النخيل والكرم؛ لأن الشرع لم يرد إلا به؛ ولأنهما مما يعظم منفعتهما، فإنهما من الأقوات والأموال المدخرة المقتناة؛ كالأنعام.
ولا يجب في طلع النخل؛ لأنه ليس بثمر.
وعند أبي حنيفة: يجب في الثمار كلها من التين، والتفاح، والرمان، والسفرجل وغيرها، وفي جميع الخضراوات.

وعند أبي يوسف ومحمد: يجب في الثمار، ولا يجب في البقول والخضراوات.
وأوجب الشافعي في القديم العشر في: الزيتون والورس والقرطم وهو حب العصفر.
واختلف قوله في القديم في الزعفران والعسل، فقال: من أوجب العشر في الورس يحتمل أن يوجب في الزعفران لنهما طيبان ويحتمل ألا يوجب؛ لأن الورس شجر له ساق، والزعفران نبات؛ فإن أوجبنا في الورس والزعفران يجب في قليله وكثيره؛ لأنه لا يوسق.
ولا يجب في الزيتون حتى يكون خمسة أوسق، ويخرج من الزيتون.
ويجوز أن يخرج من الزيت؛ فإنه أنفع من الزيتون؛ فإن أوجبنا في العسل، يخرج من كل عشر قرب قربة.
والمذهب الأول: أنه لا يجب في شيء منها الزكاة، إلا في تمر النخيل والكرم، ويشترط فيه النصاب؛ وهو أن يون تمر النخل قدراً يحصل منه خمسة أوسق من التمر، وتمر الكرم قدراً يحصل منه خمسة أوسق من الزبيب.
والزكاة وجوبها بُدُرُّ الصلاح، والنصاب يعتبر بعد الجفاف، والوسق ستون صاعاً كل صاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث؛ فيكون الوسق؛ مائة وستون صاعاً، وجملة الأوسق الخمسة ثمانمائة من وهو للتحديد أو للتقريب؟ فيه وجهان: أحدهما: للتقريب؛ فإن انتقص منه شيء وإن قل لم تسقط الزكاة؛ لأن حمل البعير يزيد وينقص.
والثاني: للتحديد، فإن انتقص منه شيء - وإن قل - لا تجب الزكاة، ثم ما زاد على هذا يكون بحسابه.
ولا وقص للمعشرات بخالف المواشي؛ لأنا لو أجبنا فيما زاد على النصاب بحسابه في المواشي، تثبت الشركة لجماعة في شاة واحدة، ويعتبر واحد؛ وفيه ضرر على أرباب الأموال، ولا ضرر فيه على أرباب الثمار والزروع؛ لأنها تجزئ.
وعند أبي حنيفة: لا نصاب للمعشرات؛ حتى يجب في عشر ثمرات ثمرة، وفي عشر حبات حنطة حبة.
وأبو يوسف اشترط النصاب فإذا أثمرت نخلة عاماً، ولم يبلغ نصاباً، ثم أثمرت عاماً آخر - لا يضم ثمر العام الثاني إلى الأول في تكميل النصاب؛ وإن كان إطلاع ثمر العام الثاني قبل أن يجد تمر العام الأول.
وإن كانت له نخيل تثمر في كل عام مرتين، لا يضم الحمل الثاني إلى الأول؛ لأن كل حمل كثمرة عام آخر.
أما إذا أدرك بعض ثماره قبل بعض في عام واحد؛ مثل: أن يكون له نخيل تهامية ونخيل نجدية؛ فربما يدرك التهامية والنجدية بعد بُسر وبلح -فهل يضم أحداهما إلى الأخرى في تكميل النصاب؟ نظر: إن أطلعت النجدية قبل بدو الصلاح في التهامية، يضم؛ لأن النجدية موجودة يوم وجوب الزكاة في التهامية، وإن أطلعت النجدية

بعد بُدُو الصلاح في التهامية قبل جُذادها - ففيه أوجه: أصحها: لا يضم أحداهما إلى الأخرى؛ كثمرة عامين.
والثاني: يضم؛ كما لو أطلعت قبل بدو الصلاح في التهامية.
والثالث: إن أطلعت النجدية قبل بُلُغ التهامية أوان الجُذادِ يضم، وإن أطلعت بعده فلا يضم؛ كما لو أطلعت بعد الجُذَادِ فلا يضم؛ فحيث قلنا: يضم: فجُذتِ التهامية، ثم أطلعت التهامية ثانياً قبل جُذَادِ النجدية لا يضم، وإن كان قبل بُدُو الصلاح في النجدية؛ لأنا جعلنا النجدية من تمر العام الأول؛ حيث ضممناها إليها من الأول؛ فلا يضم إلى تمر عام آخر، ولا يضم التمر إلى الزبيب؛ لاختلاف الجنس، وإن كان في حائط أنواع من التمر من البردي والكبيس والجعرور يضم بعضها إلى بعض في النصاب، وكذلك أنواع العنب يضم بعضها إلى بعض.
ثم إن قل كل نوع منها أخذ الزكاة من الوسط، وإن كثر كل نوع منها نظر؛ إن كثر عدد الأنواع؛ بحيث يشق الأخذ من كل نوع أخذ من الوسط، وإن قل عدد الأنواع، وكثر كل نوع منها- أخذ من كل نوع بحصته، ولا تترك الأنواع إلى نوع واحد.
وإن كان في حائطه رطب؛ لا يصير تمراً، أو عنب؛ لا يصير زبيباً - يجب فيه العشر.
وكيف يعتبر نصابه؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط أن يكون الرطب قدراً لو كان يتجفف لحصل منه خمسة أوسق من التمر، وكذلك العنب؛ لأن اعتبار النصاب يكون بعد الجفاف؛ كالذي يصير تمراً.
والثاني: إذا كان الرطب أو العنب خمسة أوسق، يجب فيها الزكاة؛ لأنه ليس لهذه التمرة حالة جفاف، فلا يعتبر تلك الحالة ولا خلاف أنه يضم الذي لا يصير تمراً إلى الذي يصير تمراً في حق النصاب، وكذلك العنب الذي لا يصير زبيباً يضم إلى الذي يصير زبيباً.
"فصلٌ: في خرص الثمار" روي عن عتاب بن أسيد؛ أن رسول الهل - صلى الله عليه وسلم - قال: "في زكاة الكرم يُخرص كما

يُخرص النخيل فيؤدي زكاته زبيباً؛ كما يؤدي زكاة النخل تمراً".
الزكاة تجب فيتمر النخل والكرم ببدو الصلاح؛ وهو أن يظهر فيه أثر الحمرة والصفرة، وبتموه العنب، وفي الزروع باشتداد الحب.
وإذا بدا الصلاح في الثمار، يبعث الإمام من يخرصها على أربابها، والخرص يكون في الثمار لا في الزروع؛ لأنه لا يمكن الوقوف عليها.
ويشترط أن يكون الخارص مسلماً عدلاً عالماً بذلك الأمر.
وهل يكتفي بخارص واحد، أميشترط أن يكون اثنان؟ فيه قولان؛ كالقاسم:

أحدهما: يكتفي بالواحد؛ القائف والقاضي.
والثاني: يشترط اثنان؛ كالمقوم والمزكي.

روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سامى أهل خيبر على نصف التمر والزرع، وكان يبعث عبدالله بن رواحة، فيخرص بينه وبينهم.

وروي أنه كان يبعث مع عبد الله بن رواحة غيره فيطوف الخارص بالنخيل والكرم؛ فيرى جميع ثمارها لا يرى بعض الأشجار، ويقيس عليها الباقي؛ لأنها تتفاوت.
وإذا رأى الكل، يقول: رطب هذه النخيل كذا، ويحصل منه من الثمر كذا، وكذلك العنب.
ثم بعد الخرص يخلي بينها وبين المالك، فإذا صار تمراً أو زبيباً أخذ عُشرها.
ولا يجوز الخرص قبل بُدو الصلاح، وإذا بدا الصلاح في بعضه، فهو كما لو بدا في كله في جواز الخرص إن كان النوع واحداً.
وإن كان النوع مختلفاً؛ فبدا الصلاح في أحد النوعين، هل يجوز خرص الكل؟ فيه وجهان.
ولا يجوز بعد بُدُو الصلاح للمالك أن يأكل منه شيئاً، ولا أن يتصرف فيه ما لم يخرص عليه.
فإن لم يبعث الحاكم خارصاً، أو لم يكن حاكم، يتحاكم رب المال إلى عدلين يخرصان عليه.
والخرص تضمين؛ على أصح القولين، فبعد الخرص بقول الخارص

جارٍ التحميل