كتاب الخلع
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229].
ورُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن امرأة ثابت بن قيس قالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعيب عليه في خُلق ولا دينٍ، ولكني أكره الكفر في الإسلام.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت: "أقبل الحديقة وطلقها تطليقةً".
إذا اختلعت المرأة نفسها من زوجها على مالٍ: إما على صداقها، أو على مالٍ آخر من جنس الصداق، أو غير جنسه، أقل منه أو أكثر، فخالعها الزوج عليه -صح الخلع، ووقعت
البينونة، وسقط الصداق عن الزوج إن كان الخلع على الصداق.
وإن كان على مالٍ آخر لزمها المال، سواء كان ذلك في حال الخصومة والشقاقِ، أو عند حُسن الحال، إلا أنه عن كان ذلك الخلع في حالة الخصومة والشقاق، أو كانت المرأة تكره صحبة الزوج، ولا يمكنها القيام بحقوقه فخرجت، فاختلعت نفسها، أو ضربها الزوج للتأديب، فاختلعت نفسها لم يكره.
وإن كان الحال حسناً واختلعت نفسها لما فيه من قطع سبب الوصلة.
وإن كان الزوج يكره صحبتها، فنسي عشرتها، ويمنعها بعض حقها حتى ضجرت، فاختلعت نفسها - بأثم الزوج به، ولكن تقع البينونة مع الكراهية.
ومن أصحابنا من قال: منع الحق إكراهٌ، فإذا منع شيئاً من حقها حتى اختلعت نفسها - وقع الطلاق رجعياً، فلا يلزمها المال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ِ [البقرة: 232] قال ابن عباس - رضي الله عنه: هذا في الرجل تكون له المرأة، ويكره صحبتها، ولها عليه مهرٌ، فيضادها لتفتدي به فعلى هذا إن زنت المرأة فمنعها الزوج حقها لتختلع على شيء من مالها - ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز، ولا تستحق العوض الأول.
والثاني: يجوز وتستحق العوض؛ بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
أما عن أكرهها الزوج بالضرب ظُلماً حتى اختلعت نفسها، فقالت: طلقني على ألفٍ، فطلقها الزوج عليه - لم يصح الخلع، ثم إن لم يسم [الزوج] المال، بل قال: طلقتك يقع رجعياً.
وإن قال: طلقتك عليها لا يقع شيءٌ ما لم تقل المرأة بخياره.
ولو قال الزوج ابتداءً: طلقتك على ألف، ثم أكرهها بالضرب حتى قبلت - لم يقع شيء.
إذا ثبت أن الخلع جائزٌ، فإن كانت المفارقة على المال بصريح لفظ الطلاق، أو بكنايةٍ من كنايات الطلاقِ مع النية - فهو طلاق ينتقص به العدد.
وإن كان بلفظ الخلع فيه قولان: أحدهما: وهو الأصح، وهو قول عمر، وعلي وابن مسعود، وأكثر الصحابة، رضي الله عنهم - والفقهاء رحمهم الله الخلع طلاق ينتقص به العدد.
وقال في القديم: هو فسخ لا ينتقص به العدد، إلا أن ينوي به الطلاق، وهو قولُ
عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس- رضي الله عنهم.
وإن جعلناه فسخاً لا تدخل الكنايةُ كما لا يصح تعليقه.
وقيل: كنايات الطلاقِ كنايةٌ فيه، ولفظ الفسخ صريحٌ فيه.
وإن جعلناه طلاقاً، فهو صريح أو كناية فيه قولان:
أحدهما: كنايةٌ.
والثاني، وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله صريح وهو الأولى للعادة الجارية به.
ويصح بجميع كنايات الطلاق إذا نوى به، ولفظ المفاداة كلف الخلع على أحد القولين: لورود القرآن به.
وإن خالعها ولم يذكر المال، فإن جعلناه طلاقاً يقع رجعياً، قبلت أو لم تقبل، وإن جعلناه فسخاً فإن لم تقبل فلا يقع شيء، وإن قبلت فعلى وجهين: أحدهما: هكذا لا يقع شيء.
والثاني: يقع بائناً، وعليها مهرُ المثل؛ لأن الخلع موضوعٌ لإيحاب العوض، فإطلاقه يجعل كشرط عوض مجهول.
فلو أضاف الخلع إلى عُضوٍ من أعضائها؛ بان قال: خالعت يدك أو رجلك على كذا فقبلت، فإن جعلناه طلاقاً، وقع ولزمها المال.
وإن جعلناه فسخاً لا يصح.
ويصح الخلع مع الأجنبي إن جعلناه طلاقاً؛ لأن الطلاق مما ينفرد به الزوج، فإن جعلنا الخلع فسخاً فلا يصح؛ لأن الفسخ من غير علةٍ لا ينفرد به الزوج، فإن جعلنا الخلع فسخاً، فنوى به الطلاق - كان طلاقاً.
وقيل: لا يصير طلاقاً، بل يكون فسخاً، لأن كل لفظ كان صريحاً في حكم يختص بالنكاح لا يصير كناية في حكم آخر، كالطلاق لا يصير كناية عن الظهار، ولا الظهار عن الطلاق.
ولو قالت المرأة: طلقني على ألفٍ، فقال الزوج: طلقتك، أو فارقتك، أو سرحتك تقع البينونة، واختلف لفظاهما سواء سمى الزوج المال، أو لم يسم لأن كلامه يترتب على قولها، وهي قد سمت المال.
ولو قال الزوج: ابنتك أو بنتك فإن نوى له الطلاق يقع، ولزممها المال، وإن لم ينو لا يقع.
ولو قالت المرأةُ: أبني على ألفٍ، فقال الزوجُ: ابنتك أو بنتك، إن نويا الطلاق تقع البينونة ولزمها المالُ، وإن لم ينويا أو لم ينو الزوج لا تقع شيء، وإن لم تنو المرأة، ونوى الزوج؛ نظر إن سمى الزوج المال لا يقع، وإن يُسم يقع الطلاق رجعياً.
وقيل: لا يقع [شيء]، لأن كلامه يترتب على قولها وقولها لغوٌ.
فإن جرى بينها [الخلع] نظر إن جرى من الجانبين، فقالت: خالعني على ألفٍ، فقال: خالعتك، تقع البينونة، وعليها الألف.
وإن وُجد لفُ الخلع من أحد الجانبين - نظر إن وجد من جهة الزوج؛ بأن قالت المرأة: طلقني على ألفٍ، فقال الزوج: خالعتك، فإن قلنا: الخلع فسخ [الطلاق] لا يقع شيءٍ، لأنه لم يُجبها إلى ما سألت.
وإن قلنا: الخلعُ صريح الطلاق يقع، ولزمها المال، وكذلك إن قلنا: كناية، فنوى [الطلاق] إن لم ينو لا يقع شيء وإن وُجد لفظ الخلع من جهتها؛ بأن قالت: خالعني على ألفٍ، فقال الزوج: طلقتك.
فإن قلنا: الخلع فسخ، لا يصح الخلعُ؛ لأنه لم يُجبها إلى ما سألت والزوج مبتديء للطلاق، فإن سمى المال لا يقع شيءٌ ما لم تقبل المرأة، وإن لم يسم يقع الطلاق رجعياً.
وإن قلنا: الخلع صريح للطلاق وقعت البينونة، ولزمها المال.
وكذلك إن قلنا: كناية [ونوت المرأة]، وإن لم ينو فلا حكم لقولها، والزوج مبتديء للطلاق.
فصل في أن الخلع يقطع الرجعة
الخلعُ يقطع الرجعة، لأنه له حكم المعاوضات، فإذا تسلم الزوج العوض انقطع حقه عن المراجعة، فإن خالعها على مسمى صحيح؛ بأن خالعها على عين مالٍ ملكها الزوج، وإن كان على مال موصوف في ذمتها ثبت له عليها المسمى.
وإن خالعها على مالٍ مجهولٍ أو على خمرٍ أو خنزير تقع البينونة، وعليها مهرُ مثلها؛ كما لو باع شيئاً بيعاً فاسداً، أو هلك المبيع في يد المشتري عليه قيمة المبيع.
وعند أبي حنيفة: إذا خالعها على مالٍ مجهولٍ، سقط صداق النكاح، وإن خالعها على خمرٍ أو خنزير، ولا شيء عليها، ولو شرط في الخلع شرطاً فاسداً، بأن خالعها على أن لا عدة عليها، ولا نفقة لها وهي حامل، أو على أن يُطلق ضرتها، فالشرط لاغٍ، والبينونة
واقعةٌ، وعليها مهر المثل.
فالشرط الفاسد يؤثر في المسمى؛ كما لو شرط في النكاح شرطاً فاسداً يصح النكاح ويفسد المسمى، ويجب على الزوج مهر المثل.
ولو خالعها على ألف درهم مطلقاً ولم يصف، ينصرف إلى نقد البلد.
وإن كان في البلد نقودٌ مختلفةٌ ينصرف إلى أعمها؛ كما في البيع.
وإن استوى الكل في الزواج بطل المسمى، يوجب مهر المثل.
ولو قال: طلقتك بدينار على أن لي عليك الرجعة فقبلت، ففي المسألة قولان.
أقيسهما، وهو اختيار المُزني رحمه الله: تقع البينونة.
ويفسد الشرط، وعليها مهر المثل؛ كما لو خالعها على مائة دينار، وعلى أنه متى شاء رد المائة وراجعها فقبلت، تقع البينونة، ويفسد الشرط، وعليها مهر المثل.
والقول الثاني: المال مردودٌ؛ ويقع الطلاق رجعياً؛ لأن الجمع بينهما - وهو ثبوت الرجعة مع المال لا يمكن؛ فأثبتنا الأقوى، وهو الرجعة، لأن الرجعة تثبت شرعاً والمال يثبت بالشرط.
ولو خالعها على منفعة معلومة من خياطة ثوبٍ، أو رضاعٍ ولدٍ مدة معلومة - يجو، ويلزمها ذلك العمل.
فإن مات الولد في مدة الإرضاع، هل له إبداله بولدٍ آخر، سواء كان الولد منها؛ أو من غيرها؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن عقد تعلق بعين، فيبطل بتلفها؛ كما إذا ماتت الدابة المكراة يبطل العقد.
والثاني: له الإبدال؛ لأن العقد يتناول الإرضاع وهو باقٍ، وإنما مات المستوفي؛ كما لو اكترى دابة ليركبها، فمات المكتري، أو ليحمل عليها صبياً فمات الصبي؛ لا يُبطل [الإجارة]، ويركبها وارثه، أو يحمل عليها صبياً آخر.
فإن جوزنا لإبدال، فلم يبدل مع الإمكان، بطل حقه، ولا شيء له عليها؛ كما لو اكترى دابةً فقبضها، ولم ينتفع بها مدة الإجارة - تستقر عليه الأجرة.
وفيه وجه آخر: أن عليها بقدرِ ما يقابل المدة الباقية من مهر المثل، لأن تلك المنفعة في ضمانها.
وإن قصر الزوج في الاستيفاء؛ كالمبيع إذا تلف في يد البائع - ينفسخ البيعُ، سواء تمكن المشتري من القبض أو لم يتمكن.
فإن لم يمكنه الإبدال وقلنا: لا إبدال له - انفسخ العقد فيما بقي من قوة الرضاعِ، وعليها بقدر ما بقي من مهر مثلها، ولا ينفسخ فيما مضى، فلا فسخ له.
ولو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين، نظر إن تبين قدر ما ينفق عليه في كل يوم من الطعام وبين كسوته على شرط السلم - فهذا جمعٌ بين الإجارة والبيع وسلم على آجال مختلفةٍ.
وفي صحة كل واحدٍ قولان: أصحهما: جوازه.
والثاني: لا يصح المسمى، وعليها مهر المثل، فإن جوزوا فإن شرط فيه شرطاً مجهولاً، أو شيئاً لا يجوز السلمُ فيه من طعامٍ مطبوخٍ، أو ثوب محشو فسد المسمى، والشرط، وعليها مهرُ المثل لا يختلف القول فيه، فإن كان الكل معلوماً وجوزنا؛ فإنها تصرف المشروط عليها من الطعام والكسوة إلى الصبي.
وإن فضل من المقدر شيء عن الولد كان للزوج.
وإن كان الولد رغيباً احتاج إلى زيادة، فعلى الزوج.
وإن مات الصبين وقلنا: لا يجوز الإبدالُ - انفسخ العقد في الإرضاع والحضانة، والمذهب: أنه لا ينفسخ في المشروط عليها من الأطعمة والكسوة، فيجب عليها صرف ذلك إلى الزوج على مر الأيام؛ لأنه كان مؤجلاً عليها، ويجب عليها من مهر المثل بقدر ما يقابل أجرة الإرضاع والحضانة للمدة الباقية بعد توزيع المهر على منفعة جميع المدة، وعلى جميع ما شرط عليها من الطعام والكسوة على أصح القولين.
وعلى الثاني: يجب أجرة مثل المدة الباقية، ولو خالعها على عبدٍ بعينه، فخرج مستحقاً، أو وجد به عيباً فرده، أو تلف قبل التسليم يرجع عليها بمهر المثل على أصح القولين، وفيه قول آخر: أنه يرجع بقيمة العبد صحيحاً، وكذلك لو خالعها على ثوب يعينه على أنه هروي، أو غرته المرأة، فقالت: هذا الثوبٌ هروي، فخالعني عليه فخالعها عليه فبان مروياً، أو على ثوب على أنه قطني فبان كتاناً - ملكه الزوج، ولكن له الرد، كما لو وجد به عيباً، ويرجع عليها بمهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني يرجع بقيمة ثوب هروي أو قطني.
وإن وجد به عيباً بعدما هلك في يده، أو تعيب في يده، ولم يمكنه الرد - يرجع بقدر النقصان من مهر المثل على القول الأصح.
وعلى القول الآخر بقدر ما انتقص من قيمته.
أما إذا قال الزوج: خالعتك على هذا الثوب وهو هروي فقبلت، فبان مروياً - لا رد له، لأنه اغتر بنفسه.
قال الشيخ: وكذلك لو قال: على هذا الثوب الهروي.
ولو قال: خالعتك على هذا العبد المغصوب، فقبلت - تقع البينونة، ويرجع عليها بمهر المثل قولاً واحداً؛ لفساد المسمى؛ كما لو خالعها على خمرٍ أو خنزير.
فصل فيما لو طلق امرأته رجعياً ثم طلقها في العدة
إذا طلق امرأته طلاقاً رجعياً ثم طلقها في العدة -يقع، وكذلك لو خالعها في عدة الرجعة يصح، ويلزمها المال؛ لأن أحكام النكاح بينهما باقيةٌ، وإن حرم الوطء.
أما المختلعة إذا طلقها زوجها في العدة لا يلحقها الطلاق، لأنها صارت أجنبية منه بالخلع، وعند أبي حنيفة: المختلعة يلحقها صريحُ بطلاقِ ما دامت في العدة.
وبالاتفاق لو طلق المختلعة بلفظ الكناية، أو طلقها على مالٍ، أو أرسل الطلاق فقال: كل امرأة لي طالقٌ - فلا يقع عليها، فلما كانت كالأجنبية - في هذه الأنواع من الطلاق، فكذلك في سار أحكام النكاح من الظهار، والإيلاء، واللعان، وغيرها.
كذلك في ألا يلحقها صريح الطلاق قياساً على المنقضية عدتها ولو علق طلاق امرأة بصفةٍ؛ بأن قال: إن دخلت الدار، أو كلمت فلاناً، فأنت طالقٌ، أو إذا جاء وقت كذا، فوجد ذلك في صُلب النكاح، أو في عدة الرجعية - يقع.
وإن وجد بعد البينونة لا يقع وتنحل اليمين، حتى إذا نكحها بعد ذلك، ثم وجد ذلك المعنى ثانياً - لايقع الطلاق، وإن لم يوجد ذلك المعنى حتى بانت منه، ثم نكحها، ثم وجد - نظر؛ إن بانت منه بثلاث طلقات، ثم نكحها بعد زوج آخر، ثم وجد لا يقع على الجديد، وهو المذهب وفي القديم قولان.
والمذهب: أن لا يقع؛ لأنه قد استوفى ما علق من الطلاق، وإن بانت بأقل من ثلاث، ثم نكحها، ثم وجد ذلك المعنى - هل يقع الطلاق أم لا؟ في القديم: يقع.
وفي الجديد قولان:
أحدهما: وهو اختيار المُزني رحمه الله، لا يقعُ، ولا يعود اليمين في النكاح الثاني: لأنه تخلل بين التعليق ووجود الصفة حالةٌ لا يقع فيها الطلاق، فارتفع حكم اليمين.
والقول الثاني وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة: يقع؛ لأن التعليق، ووجود الصفة كانا جميعاً في الملك، وكذلك حكم الإيلاء والظهار.
وإذا وجد في ملكٍ، هل يعود حكمه في نكاح آخر إن كان بعد استيفاء الطلقات الثلاث؟ لا يعود على قوله الجديد.
وفي القديم قولان.
وإن كان قبل استيفاء الطلقات الثلاث في القديم يعود.
وفي الجديد على قولين.
وكذلك حكم العتق إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه أو وهبه وأقبضه، ثم دخل - لا يعتق، وتنحل، اليمين حتى لو ملكه بعد ذلك، ثم دخل لم يعتق، فإن لم يدخل حتى ملكه، ثم دخل - هل يعتق.
في القديم: يعتق.
وفي الجديد: على قولين.
أما إذا علق ذميٌّ عتق عبده الذمي بصفة، ثم أعتقه فنقض العهد فسبى واسترق، وقلنا: يبطل ولاء الذمي فيملكه سيده الأول، ثم وجدت الصفة لا يعتق على قوله الجديد، كالمنكوحة إذا طلقها ثلاثاً، ثم نكحها لا يعود اليمين؛ لأنه تخلل في الموضعين بين التعليق ووجود الصفة حالة مانعة من إحداث الملك.
وإذا قال لامرأته أنت طالقٌ ثلاثاً في كل سنةٍ واحدة، أو أنت طالقٌ في كل سنةٍ واحدة - يقع من الطلاق في الحال طلقة واحدة، لأنها من السنة ليلاً كان أو نهاراً.
ثم إن أراد به السنة العربية، فإذا أهل هلالُ الحرم وقعت طلقةٌ أخرى، وإن لم يكن بقي من سنة اليمين إلا قليلٌ، بأن كان في آخر ذي الحجة.
وإن لم يُرد به السنة العربية، بل أراد كل سنةٍ اثني عشر شهراً، أو أطلق - فلا تقع أخرى، ما لم يمض من وقت اللفظ اثنا عشر شهراً، ويصير إلى مثل ذلك الوقت الذي تلفظ به.
فإذا مضت سنةٌ لا تخلو من ثلاثة أحوالٍ: إما ألا تكون المرأة في نكاحه، أو كانت في نكاحه بحكم العقد الأول بأن كان قد راجعها، أو كانت تحته بعقدٍ آخر.
فإن لم تكن في نكاحه فلا تقع الثانية، حتى لو لم ينكحها حتى [مضت] السنون الثلاث، ثم نكحها - لا يقع بفوات وقت الطلاق.
وإن كانت تحته بحكم العقد الأول؛ بأن كان قد راجعها بعد الطلقة الأولى، وامتدت عدتها، فكانت في عدة الرجعة - وقعت طلقة أخرى بدخول السنة الثانية.
فإن كانت تحته بنكاح جديد؛ بأن انقضت عدتها من تلك الطلقة، ثم نكحها؛ فعلى مولى عود اليمين، فإن قلنا: يعود، فلو نكحها ولم يبق من السنة الثانية إلا ساعة - تقع طلقةٌ، ثم إذا دخلت السنة الثالثة تقع الطلقة الثالثة.
ولو قال: أنت طالقٌ ثلاثاً في كل يوم واحدةٌ؛ فإن قاله بالليل لايقع حتى يطلع الفجر، ون قاله بالنهار يقع في الحال طلقةٌ، ثم إذا طلع الفجر من اليوم الثاني تقع طلقةٌ أخرى، فلا يمهل حتى يجيء من اليوم الثاني الوقت الذي طلق فيه بالأمس، بخلاف السنة حيث لا تقع الثانية ما لم يأت من السنة الثانية وقت الطلاق، لأن لسنة تحسب بمضي الشهور، فهو اسمٌ لاثني عشر شهراً، واليوم لا يحسب بمضي الساعات؛ لأنه يغمض، فهو اسم لما بين الطلوع إلى الغروب في العادة.
فصل في أن الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح
رُوي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملكٍ" لا يجوز تعليق الطلاق بالنكاح، مثل أن قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت طالقٌ، فإذا نكحها فلا يقع الطلاق.
وكذلك لو عمم فقال: كل امرأةٍ أنكحها فهي طالقٌ، فنكح امراة لا تطلق؛ وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم.
وكذلك حكم العتق.
ولو قال: إن ملكتُ عبد فلانٍ فهو حرٌّ، او كل عبدٍ املكه فهو حرٌّ، فملك عبداً - لا يعتق.
وكذلك لو قال: كل عبدٍ أملكه فهو مدبرٌ، أو قال العبد بعينه: إن ملكتك فأنت مدبرٌ فملكه-، لا يكون مدبراً، بخلاف ما لو قال: إن شفي الله مريضي فلله علي عتق عبدٍ ولا عبد له - يلزمه النذر؛ لأنه التزامٌ في الذمة، ويجوز أن يلتزم في ذمته ما لا يملكه، وليس يتصرف في ملك الغير؛ بدليل أنه إذا ملكه لا يعتق عليه ما لم ينشيء إعتاقه.
أما إذا عين عبداًن فقال: لله عليَّ أن أعتق عبد فلانٍ - نظر إن لم يقل: إن ملكته لا يلزمه، وإن قال: إن ملكته فوجهان:
أحدهما: لا يلزم تعليق العتق.
والثاني: يلزم؛ لأنه التزامٌ في الذمة.
وعند أبي حنيفة: يصح تعليق الطلاق بالنكاح، وتعليق العتق بالملك، وإذا نكح وملك وقع، سواء عم أو خص، وهو قول الشعبي والنخعي.
وعند مالك، إن عم لم يقع وإن خص وقع، والحديث حجة عليهم.
وسل ابن عباس رضي الله عنه عن هذه المسألة، فاحتج بقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] رتب الطلاق على النكاح، وبالاتفاق لو قال لأجنبية: إن دخلت [الدار] فأنت طالقٌ ولم يضف إلى النكاح أو قال لعبدٍ فلان: إن كلمت فلاناً فأنت حر ولم يضف إلى الملك، ثم نكحها، فدخلت [الدار] وملك العبد فلم بعده - لم تطلق ولم يعتق، فنقيس عليه بأنه يمين بالطلاق سبق النكاح، فلا يصح
[كالمطلق]، ولو قال لامرأته: إن بنت مني ونكحتك فأنت طالقٌ، فبانت ثم نكحها.
هل تُطلق؟
قيل: هي على قولي عود اليمين.
والمذهب: أنها لا تُطلقُ قولاً واحداً؛ لأنه لم يعقد اليمين على ذلك الملك.
ولو قال عبد لامرأته: إن عتقت فأنت طالقٌ ثلاثاً، أو قال: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ ثلاثاً، فدخلت بعد العتق - تقع الثلاث.
وإن لم يكن مالكاً للطلقة الثالثة حالة اليمين؛ لأنه كان مالكاً لأصل الطلاق وذلك الملكُ باق؛ بدليل أن الثالثة تقع، وإن لم يضفه إلى حالة العتق.
ولو علق عبد طلقتين بصفة، أو مجيء الغد، فعتق قبل وجود الصفة ومجيء الغد - ملك الثالثة، حتى لو وجد الصفة أو جاء الغد وقعت طلقتان وله الرجعة.
وكذلك قال أصحابنا: إذا وقعت الطلقتان والعتق معاً.
يملكُ الثالثة - مثل إن قال العبد لامرأته: أنت طالقٌ ثنتين مع إعتاق مولاي إياي، فأعتقه المولى طُلقت ثنتين، وله الرجعة.
وكذلك لو قال العبد لامرأته، إذا اء الغدُ فأنت طالقٌ طلقتين؛ فقال سيد العبد: إذا جاء الغد فأنت حر، فإذا جاء الغد عتق ووقعت طلقتان، وله الرجعة.
وكذلك لو قال العبد لامرأته: إذا مات مولاي فأنت طالقٌ طلقتين، وقال له المولى: إذا مت فأنت حر، فمات - وقعت طلقتان، وله الرجعة.
وإن كان الزوج قد قال: أنتِ طالق قبل موته طلقتين، فإذا مات المولى طلقت المرأة قبله طلقتين، ولا رجعة له؛ لأنه استوفى طلقتين في الرق والله أعلم بالصواب.
باب مخاطبة المرأة بما يلزمها من الخلع
اعلم أن الخلع إذا جعلناه فسخاً، فهو معاوضة من الجانبين لا يتعلق فيه؛ لأن تعليق الفسوخ لا يصح.
وإن جعلناه طلاقاً وطلق صريحاً على مالٍ - فهو في جانب الرجل ينتهي إلى المعاوضة، وإلى تعليق الطلاق.
وفي جانب المرأة معاوضة تنزع إلى الجعالة، ثم في جانب الزوج يغلبُ حكم المعاوضة في مسائل ويغلبُ حكم التعليق في مسائل، ويُراعى معنى الشبهين في مسائل:
أما ما يغلب فيه حكم المعاوضة إذا قال: طلقت أو أنت طالقٌ على ألفِ، يشرط قبولها في مجلس التواجب، حتى لو طال الزمان بين الإيجاب والقبول، أو اشتغل بينهما
بكلام آخر، ثم أجابت - لا يقعُ، ويجوز للزوج الرجوعُ قبل [قبولها]، وإذا أوجب عدداً فقبلت بعضه؛ مثل أن قال: طلقت ثلاثاً بألفٍ، فقالت: قبلت واحدة بثلث ألفِ، أو قال: طلقتك بألفٍ، فقالت: قبلت بخمسمائة أو بالفين - لا يقع كما لو قال: بعتك هذا العبد بألفٍ، فقال: اشتريت ثلاثةٍ - لا يصح.
ولو قال لامرأتين: طلقتكما، أو خالعتكما بألفٍ، أو أنتما طالقان على ألفٍ، وقبلت أحداهما لا يقع عليها شيء، كما لو قال: بعتكما هذا العبد بألفٍ فقال أحدهما: قبلتُ - لا يصح.
قال الشيخ: وكذلك لو قال لامرأتين: طلقت إحداكما بألف، ولم يُعتق، فقالتا: قبلنا - لا يقع.
أما ما [يقع] فيه حكم التعليق إذا قال متى، أو متى ما، أو أي وقت أوحين، أو أي زمان أعطيتني ألفاً فأنت طالقٌ، فمتى أعطت الألف - ملكها الزوج وطُلقت، ولايختص الإعطاء بالمجلس ولا رجوع للزوج قبل الإعطاء.
وكذلك لو قال: متى ضمنت لي ألفاً فأنت طالقٌ، أو قال: متى شئت فأنت طالقُ على ألف، فمتى ضمنت أو شاءت طلقت ولزمها الألفُ، ولا يختص الضمان والمشيئة، بالمجلس، ولارجوع للزوج قبل الضمان والمشيئة.
وأما ما يُراعى فيه معنى الشبهين إذا قال: "إن" أو "إذا" أعطيتني ألفاً فأنتِ طالقٌ، أو قال: إن ضمنت لي ألفاً، أو قال: إن شئت فأنت طالقٌ على ألف - يشترط الإعطاء والضمان والمشيئة في مجلس التواجب؛ كما في المعاوضات، ولا رجوع للزوج قبل الإعطاء والضمان والمشيئة، كما في التعليقات.
وقيل له الرجوع قبل الإعطاء والضمان في المشيئة؛ كما في المعاوضات.
وأما من جانب المرأة معاوضة تنزع إلى الجعالة، حتى يجوز لها الرجوع قبل جوابه بكل حالٍ، لأن كلاً يقبل الرجوع.
ولو قالت: طلقني بألف، أو على ألف أو لك ألف، أو على أن أضمن لك ألفاً، أو وأضمن لك ألفاً أو قالت: إن طلقتني فلك ألفٌ، فطلقها - يقع ويجب عليها الألف.
ويجب أن يُطلقها في مجلس التواجب كما في المعاوضات، ويصح بهذه الألفاظ كما في الجعالة أو قال: إن رددت عبدي فلك كذا، أو رد عبدي وأضمن لك كذا، فرده يستحقه؛ كما لو جزم وقال: رد عبدي بكذا، بخلاف البيع، فإنه لو قال: إن بعتني عبدك فلك علي كذا، أو بعني وأضمن لك كذا، فقال: بعت - لا يصح.
ولو قال: بعني بكذا فقال: بعت - يصح؛ لأن [أمر] الطلاق مبناه على الغلبة والاتساع؛ ولذلك جاز تعليقه، فحل المعلق من الطلاق محل المنجز من البيع.
وعلى هذا لو قالت المرأة: طلقني ثلاثاً بألفٍ فطلق واحدة تستحق ثلث الألف؛ كما في الجعالة، ولو قال: رد عبيدي الثلاثة بألف، فرد واحداً -يستحق ثلث الألف.
إلا أن التطليق هاهنا في مجلس التواجب شرط، كما في المعاوضات، ورد العبد في المجلس ليس بشرط، ولو كانت له امرأتان فقالتا: طلقنا بألفٍ فطلق إحداهما- يقع عليها دون الأخرى.
ولو قالت: طلقني بألفٍ، فقال: طلقتك بخمسمائة - يقع.
ولو طلق بألفين لا يقع.
وحكم العتق على المال حكمُ الطلاق من جانب السيد ينتهي إلى المعاوضة والتعليق، ومن جانب العبد إلى المعاوضة والجعالة، ولو قال: أنت طالق وعليك ألفٌ - نظر إن لم يتقدم منها استيجاب يقع الطلاق رجعياً، قبلت أو لم تقبل؛ لأنه نجز [غيجاب] الطلاق، ثم عطف عليها استيجاب المال، فلا يلزم؛ قبلت أو لم تقبل؛ لأنه نجز [إيجاب] الطلاق، ثم عطف عليها استيجاب المال، فلا يلزم؛ كما لو قال طلقت وعليك حجٌ، بخلاف المرأة إذا قالت: طلقني وعليَّ ألفٌ فقال: طلقتك -يقع بائناً وعليها الألف؛ لأن المرأة لا تنفرد بالطلاق، وإنما يكون من جهتها التزام المال، فحمل ذلك منها على ما يكون من جهتها، والرجل ينفرد بالطلاق، فحمل ذلك [منه] على ما ينفرد به.
أما إذا تقدم منها استيجاب بالبدل؛ بأن قالت: طلقني على ألفٍ، فقال الزوج: طلقتك وعليك ألفٌ - تقع البينونة، وعليها الألف، لأنه لو اقتصر على قوله: طلقت بانت منه، ولزمها المال.
ولو قالت طلقني المرأة بالبدل، ولم تسم شيئاً، فقال الزوج: طلقتك وعليك ألف - فهو كما لو قال مبتدئاً: طلقتك على ألفٍ ليقدم الاستيجاب، فإن قبلت وقعت البينونة وعليها الألف، وإن لم تقبل لا يقع شيء.
وإن قال الزوج في جوابها: طلقتك بالبدل، وطلقتك مطلقاً يقع بائناً، وعليها مهر المثل.
ولو تقدم منها استيجابٌ بلا بدل، بأن قالت: طلقني فقال الزوج: طلقتك وعليك ألفٌ - يقع رجعياً ولا شيء عليها.
ولو قال لها: طلقتك على ألفِ درهمٍ عن شئت، فإن شاءت في مجلس التواجب وقعت البينونة، ولزمتها الألفُن وإن شاءت بعده لا يقع.
والإعطاء في المجلس [ليس بشرط].
وكذا لو أعطت ولم تشأ، أو قالت: قبلتُ أو ضمنتُ - لا يقع.
ولو قالت المرأة: طلقني على ألفٍ، فقال الزوج: طلقتك على ألفٍ إن شئت - فلا يكون هذا جواباً لها؛ لأنها سألت طلاقاً جزماً، ويكون الزوج مبتدئاً، فإن شاءت في المجلس طلقت، وإلا فلا تطلق.
ولو قال: إن ضمنت لي ألفاً فأنت طالقٌ، فقالت في المجلس، ضمنت - طلقت ولزمها الألف.
ولو أعطت أو قالت: شئت - تقع، لأن الطلاق معلق بالضمان ولم يوجد.
ولو ضمنت خمسمائة لا يقع، ولو ضمنت ألفين يقع، بخلاف ما لو قال: طلقتك على ألف، فقبلت على ألفين - لم يقع؛ لأنه محض معاوضةٍ، فيشرط فيه الاتفاق بين الإيجاب والقبول، وقوله: "إن ضمنت" تعليق بصفة الضمان، فقد وُجدت الصفة والزيادة.
وإن قال: إن أعطيتني ألف درهم فأنتِ طالقٌ يُشترط الإعطاء في المجلس، فإن أعطت في مجلس التواجب طلقت، وملك الزوج المال، وإن أعطت أقل من ألفِ لا تطلق، وإن أعطت ألفين طلقت ويملك الزوج منها ألفاًن والزيادة أمانة عنده.
وإن أعطت ألفاً مغشوشة لا يقع، إلا أن تعطى قدراً تكون منه النقرة الخالصة ألف درهم ثم يردها إلى الزوج، ويطالبها بألف خالصةٍ.
ولو أعطت ألفاً من النقرة غير أنها خشنة، أو سوداء، أو رديئة من جهة السكة - وقع الطلاق، والزوج بالخيار إن شاء رضي بها، وإن شاء ردها وطالبها بالجيد، إلا أن يكون نقد البلد ذلك، فلا رد له.
قال الشيخ: وإن كان نقد البلد مغشوشاً فأعطت ألفاً منها - يقع؛ لأن الطلاق ينصرف إليه.
ولو أعطت يبرأ غير مضروبٍ - لا يقع، لأنه [لا يطلق] عليه اسم الدراهم.
ولو أعطت ألفاً مغصوبة لا يقع، لأنه يريد تملكيني ألفاً.
ولو أتت بالألف فامتنع الزوج من أخذها، فوضعت بين يديه - طلقت وملكها الزوج، لأن الإعطاء حاصل.
فإن أخذ منها كرهاً لم تطلق؛ لأن الإعطاء لم يوجد، وإن قال: إن قبضت، أو أخذت منك ألفاً فأنت طالقٌ، فهو محض تعليق.
فإن أخذ منها طوعاً، أو كرهاً طلقت رجعياً، وعلى الزوج رده، ولو وضعت بين يديه لم تُطلق.
ولو قال: متى أعطيتني ألف درهم فأنتِ طالقٌ، لا يشترط الإعطاء في المجلس، فمتى أعطت طُلقت وملكها الزوج، لأن حرف "متى"، و"متى ما" للتأخير.
ولو قال: إن أعطيتني عبداً أو ثوباً ووصفه، فأعطت على تلك الصفة مملوكاً لها- طلقت، وملكه الزوج، وإن أعطت على غير تلك الصفة لا يقع، وإن لم يصف، بل قال: إن أعطيتني عبداً فأنت طالقٌ، فأعطت في المجلس عبداً مملوكاً لها، طلقت -لوجود الصفة، ولا يملكه الزوج- للجهالة بالأوصاف، وعليها مهر المثل.
وكذلك لو قال: إن أعطيتني عبداً تركياً فأنت طالقٌ، فأعطت هندياً - لا يقع، ولو أعطت تركياً طلقت، ولا يملكه الزوج للجهالة بسائر الأوصاف، وعليها مهر المثل، وكذلك لو أعطت مدبراً، أو معلقاً عتقه بصفة أو عبداً معيباً زمناً - يقع الطلاق، وعليها مهر المثل.
ولو أعطت مكانتها لم يقع.
وكذلك لو أعطت عبداً مغصوباً أو مشتركاً بينها وبين غيرها - لا يقع.
وقيل: إذا أعطت عبداً مغصوباً، أو مشتركاً - يقعُ؛ لأنه ليس فيه إلا أن الزوج لا بصحيح.
والمذهب الأول أنه لا يقع الطلاق، بخلاف ما لو قال: إذا أعطيتني خمراً أو خنزيراً أو ميتة فأعطت طُلقت، وعليها مهر المثل؛ لأن هذه الأشياء مما لا تملك، واللف يتناول غير محلول، والعبد مما يملك، فاللفظ يتناول ما يكون مملوكاً لها.
فإن أعطت خمراً أو خنزيراً أو مغصوباً - ففيه وجهان:
أصحهما: يقع؛ لأن مطلق ذكره انصرف إلى ما لا يُملك.
والثاني: لا يقع؛ لأنه ينصرف إلى ما يكون في يدها.
ولو قال: إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق، أو هذا الثوب فأعطته طُلقت وملكه الزوج، ثم إن وجد الزوج به عيباً فرده أو خرج مستحقاً يرجع عليها بمهر المثل على أصح القولين.
وعلى الثاني بقيمة العبد صحيحاً، حتى لو قال لامرأته الأمة: إن أعطيتني ثوباً فأنت طالق، فأعطته ثوباً - لم تطلق لأنها أعطت ما لا تمتلك.
فإن قال: هذا الثوب فأعطت طُلقت، وفيما عليها؟ قولان.
أما إذا قال: إن أعطيتني هذا العبد المغصوب، فأنت طالقٌ فأعطته طلقت، وعليها مهر المثل قولاً واحداً؛ لفساد التسمية.
ولو قال إذا أعطيتني هذا الثوب وهو هروي، فأنت طالقٌ، فأعطت ولم يكن هروياً - لا يقع.
فصل فيما لو قالت المرأة طلقني ثلاثاً
إذا قالت المرأة: طلقني ثلاثاً بألفٍ، أو على ألفٍ، أو لك ألفٌ؛ أو طلقني ثلاثاً ولك ألفٍ فطلقها واحداً - يستحق ثلث الألفِ.
وإن كانت عنده بطلقةٍ واحدة فقالت: طلقني ثلاثاً بألف فطلقها واحدة يستحق جميع الألف؛ لأن حرمة الثلاث قد حصلت بهذه الطلقة.
وعند المزني: لا يستحق إلا ثلث الألفِ.
وإن كانت عنده بطلقتين، فإن طلقها طلقتين استحق الألف، وإن طلقها واحدة استحق ثلث الألف، وجملته: أنها إذا سألت عدداً من الطلاق على مال، فإن أجابها الزوج إلى ما سألت، أو حصل مقصودها - استحق جميع المسمى، وإن لم يحصل مقصودها يوزع المال المبذول على الطلاق المسؤول، حتى لو كانت عنده ثلاث طلقات، فقالت: طلقني أربعاً بألف، فإن طلقها أربعاً أو ثلاثاً يستحق الألف، وإن طلقها واحدةً يستحق ربع الألف أو طلقها اثنتين فنصف الألف.
ولو قالت: طلقني ثلاثاً بألفٍ، فقال: أنت طالقٌ ثلاثاً واحدة بألف [يقع الثلاثة ويستحق ثلث الألف؛ لأنه تطوع باثنتين، ولو تطوع بالثلث كان لا يستحق شيئاً.
ولو قال: أنت طالقٌ طلقة بألف وطلقتين مجاناً - يقع واحدةٌ بألف] ولا يقع الأخريان؛ لأنها بانت بالأولى، فلا يلحقها الأخريان.
وإن قالت طلقة مجاناً وطلقتين بألف، وكان بعد الدخول - وقعت الأولى مجاناً، والأخريان بثلثي الألف.
فإن قيل: وجب أن يستحق كل الألف لأنه حصل مقصودها.
قال الشيخ: ذلك إذا وقع المملوك من الطلاق بإزاء الألف؛ لأن المال من جهتها بمقابلة ما يملك الزوج عليها، وههنا لم يقع ما ملك عليها بإزاء الألف، بل أوقع البعض مجاناً.
وإن قالت: طلقني واحدة بألفٍ، فطلقها ثلاثاً وقع الثلاث واحدة منها بألف، وكذلك لو صرح فقال: أنت طالقٌ ثلاثاً واحدة بألف؛ كما لو أبق له ثلاثة أعبدٍ فقال: من رد عبدي الفلاني فله ألفٌ، فرد رجلٌ الثلاث - يستحق الألف، وكان متطوعاً برد الآخرين.
ولو قال: أنت طالقٌ ثلاثاً بألف، فالظاهر هكذا أنه تقع الثلاث، ويستحق الألف.
وقيل: تقع الثلاث، ولا يستحق إلا ثلث الألف؛ لأنه جعل الألف بمقابلة الثلث، فلم يقع في مقابلة ما سألته المرأة إلا ثلث الألف.
وقيل: لا يقع إلا واحدةٍ بثلث الألف، لأنه أوقع الآخرين بالعوض، ولم يوجد من جهتها قبولٌ.
ولو قال لها في هذه الصورة: أنت طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ واحدة بألفٍ، سُئل فإن قال: أردت الأولى بألف وقع الأولى بالألف، ولا يقع الآخران، وإن قال: أردت بالألف في مقابلة الثانية وقعت الأولى مجاناً، والثانية بالألف؛ لأنها رجعية ولا تقع الثالثة، وإن قالت: أردت بالألف من مقابلة الثالثة وقعت الأوليان مجاناً، والثالثة بالألف.
وإن قال: أوقعت الثلاث كلها بالألف وقعت الأولى بثلث الألف، ولا تقع الأخريان، لأنها بانت بالأولى.
قال رضي الله عنه: ولو لم تكن له نية تقع الأولى بألفٍ؛ لأنه جواب قولها ولا تقع الأخريان، وإن كانت غير مدخولٍ بها، وأراد الألف في مقابلة الثانية [وقعت الأولى وبانت منه] ولاتقع الثانية ولا تستحق المال، ولو لم يكن بقي له عليها إلا طلقة، فقالت: طلقني ثلاثاً بألفٍ واحدة أحرم علي بها الآن، واثنتان إذا نكحتني بعد زوج آخر فطلقها، تقع واحدة بمهر المثل، ويفسد المسمى بهذا الشرط.
فصل فيما لو كانت له امرأتان فقال طلقتهما
وإن كانت له امرأتان فقال: طلقتهما على ألفٍ، فقبلتا في مجلس التواجب طلقتا، وفيما يجب عليهما؟ قولان: أحدهما: يوزع المسمى على مهور أمثالهما.
والثاني: على كل واحدةٍ منهما مهر مثلها، ويفسد المسمى؛ لأنما يخص كل واحدة منهما حالة العقد مجهولٌ ولو تراخى قبول إحداهما عن حالة العقد فهو كما لو لم تقبل واحدة منهما لا يصح [الخلع] في حق الأخرى.
وكذلك لو ارتدت أحداهما قبل القبول، وكان قبل الدخول بها، أو ارتدتا ثم قبلتا بعد الردة، وكان قبل الدخول بإحديهما، وأسلمت الأخرى، أو كان بعد الدخول بهما وعادت إحداهما إلى الإسلام في العدة دون الأخرى وإن كان بعد الدخول بهما لا يقع الطلاق عليهما فقبلتا في مجلس التواجب بعد الردة ثم جمعهما الإسلام- صح الخلع في حقهما جميعاً.
ولو قال الزوج لها: طلقتكما على ألفٍ، إن شئتما، فشاءتا في مجلس التواجب طلقتا، ولزمهما المال.
ففي قولٍ: يوزع المسمى على مهر أمثالهما.
وفي الثاني على كل واحدةٍ مهرُ مثلهما.
وإن تراخت مشيئة أحديهما عن مجلس التواجب فلا يقع الطلاق على الأخرى كما لو لم تشأ واحدةٌ منهما.
ولو ابتدأت المرأتان فقالتا: طلقنا على ألفٍ، فطلقهما في مجلس التواجب [طُلقتا]، وفي صحة المسمى قولان كما ذكرنا بخلاف ما لو قالت واحدةٌ منهما: طلقني وضرتي على ألأف فطلقها يجب المسمى على القائلة قولاً واحداً لأن الملتزمة للمال واحدة.
فإن طلق أحديهما في إحدى الصورتين يقع عليها الطلاق بائناً.
وفيما عليها؟ قولاً:
أصحهما: عليها مهرُ مثلها.
والثاني: عليها حصتها من المسمى بعد التوزيع على مهر المثل.
ولو ارتدت أحداهما قبل القبول، ثم قبلتا وكان قبل الدخول، أو كان بعد الدخول ولم تُسلم حتى انقضت العدة - وقع الطلاق على المسلمة- دون المرتدة، كما لو قبلت أحداهما.
فصل
ولو قالت المرأة لزوجها: خُذ هذه الألف على أن تطلقني بعد شهر - لا يصح؛ لأن [السلم] في الطلاق يجوز فإن أخذ الألف وطلقها بعد شهر، نظر إن كان عالماً بفساده وطلقها مبتدئاً وقع الطلاق رجعياً، وإن كان جاهلاً وطلقها على ذلك العوض - وقع بائناً وعليها مهر المثل.
وكذلك لو قالت على أن تطلقني إلى شهر متى شئت، فطلقها قبل الشهر، إلا أن ههنا إذا طلقها بعد الشهر يقع رجعياً، ولا يستحق شيئاً؛ لأن شرطها إلى الشهر.
ولو قالت: طلقني على هذه الألف إلى رأس الشهر، على معنى أنها تعود زوجة بعد شهر فطلقها - وقع بائناً، وعليها مهر المثل للشرط الفاسد.
ولو قالت: علق طلاقي برأس الشهر، أو بصفة أخرى على ألفٍ، فقال لها الزوج: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالقٌ، أو قال: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ- فعلى قولين: أحدهما: يصح، وعليها الألف في الحال، وإذا جاء رأس الشهر، أو وُجدت الصفة وقع الطلاق بائناً؛ لأنه لما جاز أخذ العوض على تنجيز الطلاق، جاز على تعليقه.
والثاني: ذكره الربيع: أن العوض يفسد؛ لأن فيه معنى المعاوضة، فلا يصح تعليقها، ويقع الطلاق عند وجود الصفة بائناً، وعليها مهر المثل.
قال الشيخ: وكذلك لو قالت إذا جاء رأس الشهر وطلقتني، فلك عليَّ ألفٌ، فيه وجهان:
أحدهما: إذا طلقها عند رأس الشهر يقع، وعليها المسمى.
والثاني: يجب مهر المثل، وكذلك لو قال الزوج مبتدئاً: إذا جاء رأس الشهر، فأنت طالقٌ على ألف، فقبلت فقولان:
أحدهما: يقع عند رأس الشهر على ألف.
والثاني: بمهر المثل؛ لأنه طلاقٌ، وفيه معنى المعاوضة، ويصح تعليق الطلاق، ولا يصح تعليق المعاوضة، فيؤثر ذل في فساد التسمية.
ولو فوض الطلاق إلى امرأته، فقال لها: طلقي نفسك، أو قال: طلقيني من نفسك إن شئت -يصح، وهو في حكم التمليك على القول الجديد، وهو المذهب حتى يختص التمليك بمجلس التواجب فلو طلقت نفسها بعد زمان لا يقع.
وقال في القديم: هو توكيلٌ، ولا يختص التطليق بالمجلس؛ كما لو قال لأجنبي.
طلق امرأتي فطلق بعد مدة يقع.
وعلى القولين لو رجع الزوج قبل أن تطلق نفسها، ثم طلقت نفسها - لا يقع بخلاف ما لو قال لها: أنت طالقٌ إن شئت لا يصح روعه؛ لأنه تعليقٌ لا يقبل الرجوع، وهذا تعويض فيقبل الرجوع، فإن قال طلقي نفسك إن شئت، فقالت: طلقت منك يقع، وله الرجوع قبل قولها: طلقت.
ولا فرق بين أن يقول لها: طلقي نفسك، وبين أن يقول: وكلتك فطلقي نفسك، فيختص التطليق بمجلس التواجب على المذهب الصحيح.
ولو قال لها: طلقي نفسك على ألف، أو قال: طلقي نفسك على ألف إن شئت، فقالت في المجلس [طلقت] وقع بائناً، وعليها الألف، وكذلك لو قال لها: طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفاً، فقالت في المجلس، ضمنت وطلقت، أو طلقت وضمنت، أو قالت: طلقت نفسي على ألف درهم يقع ويجب المسمى، ولا يشترط الإعطاء في المجلس، ولو قال لها: إذا جاء رأس الشهر فطلقي نفسك، فعلى قولين:
أحدهما: لا يصح، ولو طلقت نفسها بعد شهر، لا يقع؛ لأن فيه معنى التمليك، وتعليق التمليك لا يجوز؛ كما لو قال: ملكتك هذه العين إذا جاء رأس الشهر والثاني: يصح، كما لو وكل رجلاً ليطلق زوجته بعد شهر يصح.
فإن جوزنا فإذا قال: إذا مضى شهر فطلقي نفسك إن ضمنت لي ألفاً، أو قال: طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفاً بعد سنة، فإذا طلقت نفسها على ذلك بعد مضي المدة يقع، ولزمها الألفُ.
وحكمُ تعويض العتق إلى العبد حكم، وتفويض الطلاق.
فصل في الخلع مع الأجنبي
الخلع مع الأجنبي جائزٌ.
فإذا قال رجلٌ لآخر: طلق امرأتك على ألف درهم عليَّ وقال: إن طلقتها فلك عليَّ ألف، فطلق في المجلس - يستحق الألف - عليه.
ولو قال: طلق امرأتك على ألف فطلق أحداهما يقع بائناً، وعليه مهر المثل على القول الأصح، وحكم الزوج مع الأجنبي كحكمه مع المرأة، في أنه في جانب الزوج ينزع إلى المعاوضة وإلى التعليق.
وفي جانب الأجنبي، ينزع إلى الحوالة.
وإذا قال الزوج للأجنبي: طلقتُ امرأتي وعليك ألف، يقع رجعياً، ولا يستحق المال.
ولو قال الأجنبي: طلق امرأتك وعليَّ ألف [أو لك ألف] وطلق يقع بائناً وعليه الألفُ؛ كما في حق المرأة؛ وكما لو قال لرجل؛ أعتق أم ولدك وعلي ألف، أو لك ألف، فأعتق - عتقت، وعلى القائل الألف.
قال الشيخ: ولو اختلعها عبدٌ يتعلق بدلُ الخلع بذمته؛ كما لو اختلعت الأمة نفسها.
ولو اختلعها سفيهٌ يضع رجعياً؛ كما لو اختلعت السفيهة نفسها، ولو اختلعها الأجنبي على مالها: لا يخلو إما أن يكون بإذنها، أو غير إذنها.
فإن كان بغير إذنها؛ بأن قال: طلق امرأتك عَلَى [عبدها] هذا أو على صداقها، أو قال: على أنك بريء من صداقها فطلقها الزوج يقع رجعياً، سواء كانت المرأة صغيرة أو بالغة، بكراً أو ثيباً، سواء كان القائل أب المرأة أو غيره، ولا يلزم المال، بخلاف المرأة إذا قالت: طلقني على هذا العبد المغصوب فطلقها - يقع بائناً، وعليها مهر مثلها.
والفرق أن منفعة البُضع تعودُ إليها والزوج لم يتبرع بإزالة ملكه إليها مجاناً فلزمها المالُ، والأجنبي لا تصير له منفعةٌ البضع بالاختلاع لكنه متبرعٌ بأداء المال لتخليصها عن رق الزوجية.
وقد أبطل تبرعه بإضافة المال إليها، حتى لو قال الأجنبي: طلقها على هذا العبد المغصوب أو على عبد زيدٍ، أو على هذا الخمر فطلق يقع رجعياً، ولا تلزمه المالُ.
ولو قال الأجنبي: طلقها على هذا العبد فطلق، والعبد ملك المرأة، لكنه لم يضف إليها - يقع الطلاق بائناً [وعلى الأجنبي مهر المثل] سواءٌ كان الزوج عالماً بأن العبد للمرأة أو لم يكن، لأنه لم يبطل تبرعه بالإضافة إليها، وقد يقدر الزوجُ على انتقال الملك إليه منها، فإن قال
الأجنبي: طلقها على صداقها، أو على أنك بريء من صداقها، أو أنا ضامنٌ لها فطلقها يقع بائناً وعليه مهر المثل؛ لأنه التزم المال بشرط الضمان، أما إذا اختلعها الأجنبي بإذنها بأن قالت: سل زوجي يُطلقني على ألف [درهم]، سواءٌ قالت: عليَّ أولم تقل: عليَّن فيكون الأجنبي وكيلاً من جهتها، فإذا اختلعها على ألفٍ يلزمها المال، ثم الوكيل إذا أضاف إليها رجع الزوج عليها بالمال، وإن لم يضف فيرجع على الوكيل، ثم الوكيل يرجع عليها.
ولو قال أجنبي للمرأة: سلي زوجك يُطلقك على ألفٍ، نظر إن لم يقل: عليَّ فاختلعت نفسها على ألف [يلزمها المال، ولا يجب على الأجنبي شيء.
وإن قال: سلي زوجك يطلقك على ألفٍ عليَّ، فاختلعت نفسها على ألفٍ] على الأجنبي، أو على ألف مطلقاً، ونوت عليه يجب المال على الأجنبي.
ولو قال أجنبي لأجنبي: سل فلاناً أن يطلق زوجته على ألفٍ ففعل، فهو كما لو قال للمرأة: إن قال الموكل: على ألف عليَّ رجع الوكيل عليه، وإن لم يقل: عليَّ لا يرجع.
فصل فيمن يصح منه الخلع والاختلاع
لا يصح الخلع من الصبي والمجنون، كما لا يصح منها البيع والشراء.
ولو خالع العبد أو المحجور عليه بالسفه امرأته يصح بغير إذن المولى والولي وإن كان على أقل من مهر المثل؛ لأنهما يملكان الطلاق مجاناً فعلى مال قليل أولى.
ثم المرأة ليس لها أن تدفع المال إلى العبد، أو إلى السفيه، وإن كان الخلع وقع على عين مال فيأخذها الولي والمولى [من العبد والسفيه] وإن كانت قائمة، وإن كانت تالفةً رُع على المرأة بمهر المثل في قول.
وفي الثاني بقيمة العين؛ إذ لا فرق بين الاستحقاق وبين التلف قبل الوصول إلى المستحق.
وإن كان الخلع على بدل في الذمة، فدفعت إلى العبد والسفيه، فللولي والمولى الرجوع على المرأة بالمسمى، والمرأة تسترد من العبد والسفيه ما دفعت إليهما إن كان قائماً، وإن كان هالكاً في أيديهما رجعت على العبد بعد العتق، ولا رجوع لها على السفيه بحالٍ؛ لأنها ضيعت حظ نفسها بالدفع عليه؛ كالعبد إذا اشترى شيئاً بغير إذن سيدهن فهلك في يده.
كان حق البائع في ذمته حتى يعتق، والسفيه إذا اشترى فهل في يده لا شيء عليه
بحال، لأن الحجر على العبد بحق السيد، فإذا زال حق السيد بالعتق ضمن ما هلك في يده بالمعاملة، والحجر على السفيه لحق نفسه، فإذا لم يضمنه في الحال لا يضمنه في ثاني الحال.
والمُكاتب إذا خالع زوجته على مالٍ - وإن قل - جاز وإن لم يأذن فيه المولى، وتعطى المرأة بدل الخلع إليه؛ لأن له ملكاً.
ولا يصح اختلاع السفيهة، فإذا خالع الرجل امرأته المحجور عليها بالسفه؛ فقال: طلقتك أو خالعتك على ألف فقبلت يصح الطلاق رجعياً، سواء اختلعت بإذن الولي، أو بغير إذنه، ولا يلزمها المال؛ لأنها ليست من أهل التزام المال وإن لم يقبل لا يقع.
وكذلك لو قال لها: طلقتك على ألفٍ إن شئت، فما لم تشأ في المجلس لا يقع؛ لأنه لم ينجز طلاقها، إنما علقه على معنى فوجد منها كما لو علق طلاقها بصفة لا يقع قبل وجودها، فإن شاءت في المجلس وقع الطلاق رجعياً، وكذلك لو قالت المحجور عليها ابتداء.
طلقني على ألف، فقال: طلقت يقع رجعياً.
ولو كانت تحته امرأتان محجورٌ عليهما، فقال لهما الزوج طلقتكما على ألف فقبلتا في المجلس، أو قال الزوج: أنتما طالقان على ألف إن شئتما، فشاءتا في المجلس وقع الطلاق عليهما رجعياً.
فإن قبلت أحداهما دون الأخرى، أو شاءت أحداهما في التعليق بالمشيئة لا يقع شيء.
فلو كانت أحداهما محجوراً عليها، فقبلتا أو شاءتا - وقع الطلاق على المحجور عليها رجعياً، وعلى الأخرى بائناً وعليها مهر مثلها على القول الأصح.
وإن قبلت أحداهما أو شاءت لا يقع شيء.
ولو قالتا: ابتداء: طلقنا على ألف فطلقهما - يقع على المحجور عليها رجعياً، وعلى الأخرى بائناً.
ولو طلق أحداهما يقع ثم إن طلق المحجور عليها يقع رجعياً، وإن طلق الأخرى يقع بائناً، وعليها مهر مثلها على الأصح.
ولو قال لامرأته الصبية المراهقة: أنت طالقٌ إن شئت أو قال: علي ألف إن شئت، فلم تشأ - لا يقع شيء، وإن شاءت فوجهان:
وكذلك لو قال لها: أنت طالق على ألف، فإن لم تقبل لا يقع شيءٌ وإن قبلت فوجهان:
أصحهما يقع طلقة رجعية؛ كما في حق المحجور عليها.
والثاني: لا يقع شيءٌ، لأنه حكم لمثبتها؛ كما لو قال ذلك لصبيته لا تعقل أو المجنونة فقالت: شئت لا يقع.
ولو اختلعت الأمة نسها من زوجها وقعت البينونة سواء كان بإذن المولى أو دون إذنه، ثم إن كان دون إذن المولى، فمهر المثل في ذمتها حتى تعتق؛ كالعبد إذا نكح بغير إذن المولى، ووطيء يتعلق مهر المثل بذمته، وإن اختلعت بإذن المولى نظر إن أطلق الإذن فبدل الخلع يتعلق بكسبها، إن كان قدر مهر مثلها أو أقل، وإن كان أكثر فالزيادة على مهر المثل تتعلق بذمتها وقدر مهر المثل يتعلق بكسبها، وإن لم يكن لها كسب يتعلق بذمتها حتى تعتق وإن كانت مأذونة في التجارة، فيتعلق بما في يدها - كما ذكرنا في صداق النكاح وإن بيَّن السيد مالا نظر إن دفع إليها عيناً لتختلع نفسها عليها ففعلت- ملكها الزوج، وإن لم تدفع، بل قالت: اختلعي نفسك على ألف، ففعلت - يتعلق بكسبها.
وإن اختلعت بأكثر منها تعلق الفضل بذمتها.
وإن قال: اختلعي نفسك بما شئت، فاختلعت نفسها بأكثر من المثل، تعلق الكل بكسبها.
أما المُكاتبة إذا اختلعت نفسها؛ نظر إن اختلعت بغير إذن [المولى] أو بإذنه، وقلنا: تبرع المكاتبة بإذن المولى لا ينفذ؛ فهي الأمة [لا يتعلق] مهر المثل بذمتها تؤديه بعد العتق.
وإن اختلعت بإذنه، وقلنا: تبرعه بإذن المولى ينفذ، ويكون في كسبها، إن اختلعت على مال في الذمة وإن اختلعت على عين في الذمة ملها الزوج.
وإذا ارتد الزوجان أو أحدهما بعد الدخول، فخالعها الزوج في العدة يكون موقوفاً، فن جمعها الإسلام في العدة بان أن الخلع كان صحيحاً بالمسمى.
وإن لم يجمعهما الإسلام [في العدة] بان أن الخلع كان فاسداً.
ولو خالع المريض زوجته يصح، وإن كان بدون مهر المثل؛ لأنه لو طلقها مجاناً يقع؛ لأنه لا يتوهم بقاء منفعة البُضع للوارث لو تعجل الموت؛ كما لو أعتق أم ولده في مرضه لا يعتبر عتقها من الثلث.
ولو اختلعت المرأة نفسها في مرض موتها - صح الخلع، ثم إن اختلعت بمهر مثلها أو أقل فلا يعتبر من الثلث، وإن اختلعت بأكثر منه فتلك الزيادة وصية للزوج تعتبر من الثلث، ولا يكون كالوصية للوارث؛ لأن الزوج بالخلع يخرج من أن يكون وارثاً، وهذا بخلاف المكاتبة حيث جعلنا بدل الخلع من حقها كالتبرع وإن كان قليلاً، وههنا [لم نجعل] قدر مهر المثل في حق المريضة التبرع؛ أن باب التصرف على المريض أوسع منه على المُكاتب؛ لأن له
ملكاً حقيقياً؛ بدليل أنه يصرف ماله إلى ما يشتهي، ويتزوج أربع نسوةٍ، وتجب عليه نفقة الموسرين، والمكاتب لا يزيد على قدر الحاجة، ونفقته نفقة المعسرين، فعل بدل المال في حق المكاتبة التبرع وإن كان قليلاً.
وإذا اختلعت المريضة نفسها على عبدٍ قيمته مائة، ومهر مثلها خمسون صح الخلع، ثم إن لم يكن عليها دينق وخرجت المحاباة من الثلث كان العبد كله للزوج.
وإن لم يخرج من الثلث نظر إن كان عليها دين يستغرق قيمة العبد - فلا تصح المحاباة، وللزوج نصف العبد، وهو قدر مهر مثلها، وهو بالخيار إن شاء أمسك نصف العبد، وإن شاء فسخ المسمى، لأن العقد قد شقص عليه، ويضارب الغرماء بمهر المثل.
وإن لم يكن عليها دينٌ ولكنها أوصت بوصايا - فهو بالخيار إن شاء أخذ نصف العبد، وضارب أهل الوصايا في النصف الثاني، وإن شاء فسخ وأخذ مهر المثل مقدماً على الوصايا، ولا حق له في الوصية، لأنه وصية له من نكاح ضمن المعاوضة، فإذا رد المعاوضة بطل حقه من الوصية.
وإن لم يكن عليها دينٌ ولا وصية، ولم يكن لها سوى ذلك العبد - والزوج بالخيار لأجل التشقيص: إن شاء أخذ ثلثي العبد، لأن نصفه مهر مثلها، وثلث الباقي وصيةٌ له، وإنشاء فسخ وأخذ مهر مثلها خمسين.
فصل في التوكيل
التوكيل بالخلع جائزٌ من الجانبين جميعاً، لأنه معاوضة كالبيع ولو وكل رجلاً واحداً فلا يتولى الوكيل طرفي العقد، بل يتولى عن أحدهما، ويتولى غيره عن الآخر، ثم الزوج إن وكل عبداً أو سفيهاً يجوز، ولا يشترط إذن الولي والمولى؛ لأنه لا يتعلق بالوكيل عهدة في الخلع ولو وكل مسلمٌ ذمياً يجوز، لأن الذمي قد يُخالع المسلمة، فإن المرأة إذا أسلمت، وتخلف الزوج مخالعتها في العدة، ثم جمعهما الإسلام في العدة كان الخلع صحيحاً.
ولو وكل امرأة جاز، وكذلك لو وكلها بتطليق زوجته على أصح الوجهين؛ كما لو فوض الزوج إليها تطليق نفسها.
ولو وكلت المرأة بالاختلاع رجلاً، أو امرأة أو ذمياً - يجوز قال الشيخ: وإن وكلت عبداً أو أمة يجوز، ثم إن كان التوكيل بإذن المولى [قال الشيخ] فإن أضاف البدل إليها رجع الزوج عليها، وإن لم يضفه يتعلق بكسبه، ثم إذا أدى رجع السيد عليها، وإن وكلت
دون إذن المولى، نظر إن وكلت بالاختلاع على عين لها ملكها الزوج، وإن كان على مال في الذمة نظر إن أضاف إليها رجع الزوج عليها، ولا رجوع له على العبد.
وإن لم يضف إليها رجع الزوج على الوكيل بعد العتق، ثم هو يرجع عليها إن نوى الروع قال رحمه الله: وإن وكلت سفيها، ولم يجز، وإن أذن الولي فإن فعلت واختلعها السفيه - وقع الطلاق رجعياً، ثم الوكيل بالخلع لا يخلو إما إن كان من جهة الزوج أو من جهة المرأة.
فإن كان من جهة الزوج نر إن قدر مالاً فقال: خالعها على ألف درهم، فخالعها الوكيل على ألف وأكثر صح الخلع، ولزمها المسمى.
وإن خالعها على أقل ما سمي، أو على غير جنس ما سمي، أو ذكر فيما سمي أجلاً لايقع الطلاق؛ كما لو وكل وكيلاً ببيع شيء بألفٍ فباعه بأقل، أو بغير جنس ما سمى لا يصح البيع.
فإن أطلق التوكيل، ولم يقدر مالاً فخالعها الوكيل على قدر مهر المثل، أو أكثر من حبس نقد البلد حالاً يصح، يلزمها المسمى.
وإن خالعها على غير نقد البلد، أو على أقل من مهر المثل أو مؤجلاً ففيه قولان:
أصحهما: لا يقع الطلاق، كما لو وكل بالبيع، فباع الوكيل بأقل من ثمن المثل، أو بغير نقد البلد أو نسيئة لا يصح، وكما لو قدر ما لا فنقص منه.
والقول الثاني: يقع، ويجب عليها مهر المثل؛ كما في جانب المرأة إذا خالف وكيلها لا يمنع وقوع الطلاق، ويجب مهر المثل، بخلاف ما لو قدر مالاً فنقص عنه؛ لأن تلك المخالفة أفحش.
وقيل: القول الآخر هو أن الزوج بالخيار بين أن يقر الخلع على ما عقده الوكيل، وبين أن يرد العوض، ويكون رجعياً، فهذا مخرج على قوله القديم الذي يجوز وقف العقود والأول أصح كالوكيل بالبيع لا فرق فيه بين أن ينقص عما قدره الموكل، وبين أن ينقص عن ثمن المثل عند إطلاق التوكيل في أن البيع لا يصح.
وإن كان الوكيل من جهة المرأة نظر إن قدرت مالاً فقالت: اختلعني على كذا، فاختلعها [الوكيل] على ذلك القدر، أو على أقل منه - صح، ثم إن أضاف الوكيل إليها فلا شيء على الوكيل، ويرجع الزوج عليها، إلا أن ضمن الوكيل، فله أن يطالب أيهما شاء، وإن لم يضف إليها رجع الزوج على الوكيل، ثم الوكيل يرجع عليها إذا أدى بنية الرجوع، وإن اختلعها الوكيل على أكثر مما قدرته بأن قدرت ألفاً، فاختلعها على ألفين - تقع البينونة، وخلاف الوكيل المرأة لا يمنع وقوع الطلاق.
وعند المُزني: خلاف وكيل المرأة يمنع وقوع الطلاق كخلاف وكيل الزوج.
قلنا: وكيل الزوج إذا خالف إنما لا يقع الطلاق؛ لأن المالك للطلاق هو الزوج، فلا ينفذ من نائبه على خلاف ما أذن فيه، والمرأة غير مالكة للطلاق، إنما إليها بدل المال، فلا يمكن رد البينونة، بخلاف وكيلها ومالكها فإنه قد أوقعها بمهر المثل، ثم الوكيل إن أضاف المال إليها، فلا شيء على الوكيل لأنه خرج عن العهدة بالإضافة، ويرجع الزوج على المرأة بمهر المثل على أصح القولين، سواء كان أقل مما سمت له أو أكثر، لأن بدل الخلع إذا فسد يوجب مهر المثل.
وفيه قولٌ آخر: أن على المرأة أكثر الأمرين، إما الألف التي سمت، أو مهر المثل، إلا أن يزيد مهر المثل على الألفين؛ فلا يجب تلك الزيادة، كما لو اكن أقل من الألف لا ينقص عن الألف؛ لأنها رضيت.
وإن أضاف [الوكيل] إليها ما سمي، وقال: علي أني ضامنٌ، فعليه جميع المسمى ولا يرجع عليها إلا بما تمت وكذلك لو لم يضف الوكيل إليها فعليه جميع ما سمى وإن لم يضمن، فلا يرجع عليها إلا بما سمت، وكذلك لو خالعها الوكيل فاختلعها على غير نس ما سمت تقع البينونة، حتى لو أمرته أن يختلعها على ثوب دفعته إليه فاخعتلها الوكيل على ألف، ولم يضف إليها، أو أضاف فقال: علي ألف من مالها، وأنا ضامن - يجب عليه الألف، ولا يرجع عليه إلا بقيمة الثوب.
وإن اختلعها على ألف، وأضاف إليها، ولم يقل: أنا ضامنٌ - رجع الزوج، عليها بمهر المثل على الأصح.
وعلى الثاني بالأكثر من مهر المثل، أو قيمة الثوب.
ولو اختعلها على ذلك الثوب وثوب من عنده - صح، ولا يرجع عليها بشيء.
وأما إذا أطلقت المرأة التوكيل، نظر إن اختلعها الوكيل على مهر المثل، أو أقل من جنس نقد البدل صح، ولزم المسمى حالاً كان أو مؤجلاً، لأن في الأجل نفعاً لها، ثم إن أضاف إليها رجع الزوج عليها، وإذا لم يضف رجع على الوكيل، ثم الوكيل يرجع عليها.
وإن اختلعها بأكثر من مهر المثل، أو بغير نقد البلد، أو على متاع، تقع البينونة، ثم إن لم يضف إليها أخذ الزوج من الوكيل ما سمي، وهو يرجع عليها بمهر المثل، وإن أضاف إليها فلا شيء على الوكيل، وعلى المرأة فهو المثل، وكذلك لو اختلعها الوكيل على خمر أو خنزير وقعت البينونة، وعليها مهر المثل، سواء أطلقت الإذن أو نصت على الخمر.
فصل في الاختلاف
إذا اختلف الزوجان في أصل الخلع، فقالت المرأة: خالعتني وأنكر الزوج - فالقول قوله مع يمينه، لأن الأصل بقاء الخلع والنكاح.
ولو اتفقا على الخلع واختلفا في بدل [الخلع] إما في قدره، أو جنسه، أو وصفه، أو قال أحدهما: كان الخلع على عين، وقال الآخر: كان على مال في الذمة، أو قال الرجل: كان حالاً، وقالت المرأة: كان مؤجلا؛ فإنهما يتحالفان، وإذا تحالفا لا ترد البينونة، ويجب عليها مهر المثل كالمتبايعين إذا اختلفا فتحالفا.
وكذلك لو اختلفا في المنصوص بأن خالعها على ألف مطلقاً، ثم قال الزوج: عنيناً الدنانير، وقالت المرأة: عنينا الدراهم، أو قالت: لا أعلم ما أردت يتحالفان.
وكذلك إذا كان الخلع مع الأجنبي فاختلف الزوج مع الأجنبي يتحالفان، ويجب على الأجنبي مهر المثل.
ولو قال الزوج: عنيت الدراهم وأنت عنيت الفلوس، فلم يقع الطلاق- نظر إن كذبته وقالت: عنيت الدراهم أيضاً - لم يقبل قول الرجل، لاتفاقهما على صورة الخلع، وعلى المرأة مهر المثل، للاتفاق على وقوع البينونة.
فإن صدقه يحكم في الظاهر بوقوع الفرقة، وعليها مهر المثل، ولا يقع في الباطن إن كان صادقاً.
ولو اختلفا في أصل البدل، فقال الزوج: طلقت على ألف، فقال: بل طلقتني مجاناً - فالبينونة واقعة على قول الزوج، والقول قول المرأة مع يمينها في ألا يلزمها المال.
فإذا حلفت لا شيء عليها، ولا يقبل قوله في سقوط نفقتها وسكناها، وكذل لو قال: طلقت بعوض، سألتني في المجلس فقالت: طلقتني بعد مضي زمان الخيار بانت بإقراره، والقول قولها في المال؛ لأن الأصل براءة ذمتها.
وكذلك لو قال الزوج: خالعتك معك، وقالت: بل مع أجنبي فلا يلزمني المال، إنما المال على الأجنبي - فالبينونة واقعة، والقول قولها مع يمينها في نفي المال عنها، ولا شيء [للرجل] على الأجنبي، لأنه مقر أن الخلع لم يكن معه.
ولو اتفقا على أن القبول كان منها، ولكنها قالت: أمرني فلان بالاختلاع على ألف عليه وقلت: طلقني على ألف على فلان فطلقتني عليه، وقال الزوج: اختلعت من قبل نفسك- يتحالفان وعليها مهر المثل؛ لأنهما تقارا على أن العقد جرى بينهما.
ولو قالت: طلقني ثلاثاً بألف، وقال الرجل: بل واحدة - فالقول قول الرجل في الطلاق ويتحالفان، وعليها مهر المثل، لأنهما اختلفا فيما يقابل البدل من المبدل، وكذلك لو قال الزوج: طلقت وحدك على ألف، وقالت: بل طلقتني وضرتي - يتحالفان وعليها مهر المثل.
وإن قالت: سألتك ثلاث طلقات بألف، فطلقتني واحدة - فلك ثلث الألف، وقال الزوج: بل سألت واحدة - تحالفا، ولو قال الزوج: لا، بل طلقتك ثلاثاً فالثلاث واقعة بزعمه، ويتحالفان في البدل، وعليها مهر المثل.
ولو خالعها على مال، ثم اختلفا، فقال الزوج: كنت مكرهة فليَّ الرجعة، وأنكرت المرأة الإكراه - لا يُقبل قوله [في الظاهر]، وعليه رد المال.
وإن ادعت المرأة الإكراه وأنكر الزوج - فالقول قوله مع يمينه، وعليها المال، فلو قامت بينة على الإكراه عليه رد المال ولا رجعة له لإقراره بوقوع البينونة، فإن لم يوجد منه الإنكار صريحاً، بل سكت وأقيمت عليه البينة وإن كان الإنكار من جهة وكيله، فأقيمت البينة عليه -رد المال، وله الرجعة والله أعلم بالصواب.
تم الجزء الخامس، ويليه الجزء السادس
وأوله: "كتاب الطلاق"
التهذيب في فقه الإمام الشافعي
تأليف الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي المتوفي سنة 516 هـ تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء السادس
يحتوي على الكتب التالية الطلاق- الرجعة- الإيلاء- الطهارة - اللعان العدد - الرضاع - النفقة
منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم