التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 349-396

والبلوغ.
والحرية.
والعفة من الزنى.
حتى لو قذف ذمياً أو صبياً أو مجنوناً أو عبداً أو شخصاً قد زنى مرة- لا يجب الحد على قاذفه، ولكن يعزر للأذى.
نما يجب الحد على القاذف، إذا كان عاقلاً بالغاً، سواءٌ كان مسلماً أو ذمياً، أو معاهداً، ثم إن كان حراً-: عليه جلد ثمانين، وإن كان عبداً-: فيجلد أربعين.
وكذلك: المكاتب، وأم الولد، ومن بعضه حر وبعضه رقيقٌ-: فحدهم حد العبيد، ولا يجب الحد بقذفهم.
ولو قذف صبي أو مجنون إنساناً-: فلا حد عليه، ثم إن كان الصبي يعقل عقل مثله، والمجنون له تمييز-: يُعزر.
ولو نسبه إلى كبيرة غير الزنى: من كفر أو سرقه، أو شرب، أو قتل-: فلا حد عليه، ولن يعزر للأذى، وأكثر مسائل هذا الباب مذكورة في "كتاب اللعان"، والله أعلم.
باب السرقة قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا...﴾ الآية [المائدة: 38].
السرقة أخذ المال خفية من الحرز، فكل مكلفٍ التزم حكم الإسلام، سرق نصاباً من

المال، مختاراً من حرز مثله لا شبهة له فيه-: وجب عليه القطع، سواءٌ كان السارق رجلاً أو امرأة، حراً أو عبداً، آبقاً كان العبد أو غير آبق.

ولو سرق صبي أو مجنونٌ شيئاً-: لا قطع عليه؛ لأن القلم عنه مرفوع.
وكذلك: لو أكره على السرقة، ففعل-: لا قطع عليه.
ويجب على الذمي القطع بالسرقة، ولا يجب على الحربي؛ لأنه لم يلتزم أحكام الإسلام، وفي المستأمن قولان.
ولا يجب القطع بسرقة مادون النصاب.
والنصاب ربع دينار من الذهب الخالص، لما رُوي عن عائشة - رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:"تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً" والمراد بـ "الدينار" المثقال وزن سبعة مثاقيل.

وقال داود: النصاب غير شرط، ويقطع بسرقة القليل والكثير جميعاً، والخبر حجة عليه، ولأن القطع شرع للزجر عما يميل الطبع إليه، وطبع الإنسان لا يميل إلى سرقة الشيء التافه القليل، فلم تشرع فيه العقوبة، للزجر فإذا سرق ربع دينار، أو سرق شيئاً قيمته ربع دينار-: يجب القطع.

وتقويم المسروق يكون بالذهب، حتى لو سرق دراهم-: تقوم بالدنانير، فإن بلغت قيمتها ربع دينار-: قطع؛ وألا فلا يقطع.

وعند أبي حنيفة: نصاب السرقة عشرة دراهم وعند مالك: ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، ويقوم المسروق بالدراهم.

والخبر حجة لنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدر النصاب بالذهب.
ولو سرق دنانير مغشوشة، فإن كان فيها من الذهب الخالص ربع دينار فيقطع وألا فلا، ولو سرق تبراً من الذهب، أو حلياً من ذهب وزن ربع دينار، وقيمته أقل من ربع دينار مضروب-: هل يجب القطع؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول الأكثرين-: يجب القطع؛ لأن الاعتبار بالذهب، وقد سرق من الذهب وزن ربع دينار.
والثاني- وهو قول الإصطخري، وأبي علي بن أبي هريرة-: أنه لا يجب القطع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على ربع دينارٍ.
والدينار اسم للمضروب؛ فعلى هذا: يقوم تبر الذهب بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالدنانير المضروبة.
ولا يختلف القطع باختلاف أنواع المال، حتى تجب بسرقة الثمار الرطبة، والبقول، والخضروات، والرياحين، وسرقة الأطعمة المطبوخة، كالهريسة، والحلواء، والشواء، ونحوها.

وهل يجب بسرقة الماء؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لأنه مال يباع ويبتاع.
والثاني: لا يجب؛ لأنه لا يقصد إلى سرقته، كالشيء التافه الذي لا تبلغ قيمته نصاباً.
ويجب بسرقة كل شيء [كان] أصله على الإباحة، فملك كالحشيش والحطب والصيود والطين وغيرها.
وعند أبي حنيفة: لا قطع في الثمار الرطبة، ولا في الأطعمة المطبوخة، ولا فيما كان أصله على الإباحة؛ كالحشيش والحطب والخشب، إلا أن يكون الخشب معمولاً: فيجب فيه القطع، وأوجبوا في خشب الساج، وإن لم يكن معمولاً ولم يوجبوا في الطين والزجاج، وإن كان معمولاً، فقالوا: لا يجب في الصيود والطيور، إلا الدراج.
وقالوا: لا يجب فيما يستخرج من المعادن من النفط والمومياء، ونحوه، إلا الجواهر.
والدليل على ما قلنا: ما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن التمر المعلق؟ قال: من سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين مبلغ ثمن المجن، فعليه القطع".
وعن عثمان؛ أنه قطع سارقاً في أنزجةٍ قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر

درهماً بدينارٍ، ولأنه مالٌ محرز؛ فيجب بسرقة جنسه القطع؛ كالدراهم والدنانير، وإن كان أصلها على الإباحة.
ويجب القطع بسرقة المصحف والتفاسير وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم.
وتجب بسرقة كتب الأشعار عن كانت حكمة، وإلا فلا، إلا أن يصلح جلده وقرطاسه للاستعمال في مباح وبلغ نصاباً.
وعند أبي حنيفة: لايقطع بسرقة المصحف، وإن كانت حليته ثمينة تزيد على النصاب.
فصلٌ: في بيان الحرز رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة الجبل، فإذا آواه المراح والجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" فأسقط القطع في الماشية، إلا ما آواه المراح، وفي الثمر المعلق إلا ما أواه الجرين، فدل أن الحرز شرط في إيجاب القطع.
ورُوي أن صفوان بن أمية قدم المدينة فنام في المسجد وتوسد رداءه، فجاء سارقٌ، وأخذ رداءه، فأخذه صفوان، فجاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر أن تقطع يده، فقال صفوان: "إني لم أرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فهلا قبل أن تأتيني به" الحرز شرط لوجوب القطع في السرقة؛ فإن سرق من حرز، وأخذ نصاباً-: قطع، وإن سرق من حرزين نصاباً-: لا يقطع، وإن سرق من غير حرز-: لاقطع عليه.
والحرز يختلف باختلاف الأموال، والمرجع فيه إلى العرف والعادة، فما يعرفه الناس حرزاً لنوع من الأموال، وهو ما لا ينسب المودع إلى التضييع بوضع الوديعة فيه عند إطلاق الإيداع، فإذا سرق منه: يجب القطع، وما لا يعرفونه حرزاً لمثله-: لا يجب فيه القطع؛ لان الشرع لما دل على اعتبار الحرز، ولم يجعل له حداً-: كان الرجوع فيه إلى العرف، لقبض المبيع والتفرق عن مكان البيع، وإحياء الموات، وكل ما كان حرزاً لشيء -: فهو

حرز لما دونه دون ما فوقه؛ فالإصطبل حرزٌ للدواب دون النقود، والثياب، والمتبن حرز للتبن دون الفرش والأواني.
وعند أبي حنيفة: الحرز لا يختلف، فما كان حرزاً لنوع -: كان حرزاً لجميع الأنواع، حتى جعلوا الإصطبل والمتبن حرزاً للنقود والثياب.
إذا ثبت أن الحرز يختلف-: فالأموال النفيسة كالنقود والجواهر والثياب الثمينة من الحرز تختلف، فالأموال النفيسة والبرد، الإبريسم فحرزها الخزائن والبيوت في الخانات والأسواق الحريزة، وفي الدور المنيعة، والصفة في الدار حرز للفراش والصحن حرز للأواني.
ولو نام رجل في صحراء أو مسجد على ثوبه، أو اتكأ عليه، [أو] توسد متاعه، فجاء سارقٌ، وأخذ الثوب من تحته، أو المنديل من رأسه، أو المداس من رجله، أو الخاتم، من إصبعه، أو أخذ شيئاً من المتاع الذي توسده- قطع؛ لأنه محرز به؛ بدليل حديث صفوان.
ولو زحف عن ثوبه في النوم، فأخذه رجل أو رفعه السارق من الثوب، ثم أخذ الثوب - لا يقطع؛ لأن الحرز قد زال بزحفه ورفعه السارق.
ولو وضع ثيابه أو خفه أو متاعه بقربه، فنام، فسرق - لم يقطع؛ لأنه غير محرز، وإن كان متيقظاً، ينظر فتغفله رجلٌ، فسرق - قطع.
ولو طُر جيب إنسان أو كمه، فأخذ المال - قطع سواء كان ربطه في الكم أولم يربطه، فادخل يده في كمه أو جيبه، فأخذه، وسواء كان الرباط داخلاً أو خارجاً، وإن أخذه من رأس منديله في رأسه: فإن كان قد شده عليه - قُطع، وإن لم يشده فلا.
والبقال والصيدلاني: إذا أخرج متاعه على باب الحانوت، وقام، فتركه- نُظر: إن ضم الأمتعة بعضها إلى بعض، وربطها بحبلٍ، أو نصب عليها شبكة، أو نصب لوحين في باب الحانوت مخالفاً: فإن كان بالنهار، والناس ينظرون - فهو حرزٌ؛ يقطع من سرق منه، وإن ترك الأمتعة خارج الحانوت متفرقة، [لم يضمم بعضها إلى بعض، ولم يربطها]- فليس بحرزٍن و [في الليلي لا يكون حرزاً، كيفما كان؛ إلا أن يكون عليه حارس [أو كان في

سكة أو سوق، وله باب مغلق ولذلك المكان حارسٌ] وكذلك لو سرق الطعام من غرائر يشد بعضها إلى بعض في موضع البيع بحيث لا يمكن أخذ شيء منه إلا بحل الرباط أو فتق الظرف - قُطع؛ لان العادة تركه في موضع البيع، [وإن لم يكن عليها باب مغلق عند الأمن.
وقيل: لا يقطع؛ إلا أن يكون في دار، دونها بابٌ مغلق، وكذلك لو سرق حطباً شد بعضه إلى بعض - قطع؛ لأنه محرز بالشد، وإن كان متفرقاً- لم يقطع، وقيل: لا يقطع؛ إلا بأن يكون في دار دونها باب مغلق، أو على سطح محوط، مجتمعاً كان أو متفرقاً، والقصيل على السطح محرز؛ إن كان السطح محوطاً بالحطب.
ولو سرق أجذاعاً ثقالاً مطروحة على أبواب المساكن- قُطع، ولو ترك البقال المتاع في الحانوت بالليل، وأغلق بابه: فإن كان فيوقت الأمن - فهو محرز، وإن لم يكن- فلا يكون محرزاً؛ إلا بحارس، ومال البياع والبزاز لا يكون محرزاً إلا بحارس.
ولو سرق باب دار أو دكان أو المغلاق، أو حلقة الباب، وهي مسمرة- قطع؛ لأنها محرزة بالتركيب والتسمير، وكذلك الآجر إذا سرقه من صحن الدار أو أخرجه من الجدار، خارجاً أو داخلاً، ليلاً كان أو نهاراً، والحنطة في المطمورة أو في الجبانة، والتبن في المتبن، والثلج في المثلجة والجمد في المجمدة - غير محرز إلا بحارس، وكذلك الكدس، في الصحراء، والزرع والكرسف، قصيلاً كان أو اشتد حبهن وخرج جوزقه فلا يكون محرزاً إلا بحارس، وكذلك البذر في الأرض: إن كان مستتراً بالتراب، وإن كانت هذه الأشياء في محوط - فكالثمار، والثمار على الأشجار في البرية- لا تكون محرزة إلا بحارس، فإن كانت في البساتين والروم - نظر: إن كانت متباعدة عن الطرق والمساكن - لا تكون محرزة إلا بحارس.
وإن كانت متصلة بالدور والبساتين، لها جيران حفظة - فهو محرز، وإن لم يكن لها حارس على الخصوص؛ وإلا - فلا تكون محرزة إلا بحارس؛ كالأمتعة في الدور،

والأشجار الراسخة في أفنية الدور محرزة بباب الدور وفي البرية- لا تكون محرزة إلا بحارس، ولو سرق شيئاً من المواشي من الأبنية المغلقة - يجب القطع، فإن كانت الإبل في صحراء لا يخلو: أما إن كانت راعية أو مقطرة، أو باركة، فإن كانت راعية، وعليها حافظ، يرى الكل - فهي محرزة، فإذا احتال رجلٌ، وسرق منها شيئاً- قُطع، وإن كان بعضها في وهدة، أو خلف جبل، أو وراء حائل لا يراه الحافظ: فما لايراه الحافظ- لا يكون محرزاً، وكذلك، لو نام الحافظ عما يراه- لا يكون محرزاً، [وإن] كانت الإبل في السير - نظر: إن لم تكن مقطرة، ويسوقها رجل أو يقودها واحدٌ، ويتبعه الآخر - فلا يكون محرزاً، لأن حرزها التقطير في السير، وإن كانت مقطرة -نظر: إن كانت في مستوى الأرض، وواحدٌ يسوقها، أو يقودها، أو ركب واحداً منها، وهذا القائد يلتفت كل ساعة، وإذا التفت يرى الكل- فهي محرزة بهذين الشرطين بالالتفات إليها، وبمشاهدة الكل، وكذلك لو كان يسوق بقرة، والعجل خلفه يتبعه، فسرق العجل، فإن كان قريباً منه بحيث لو التفت يراه، وهو يلتفت كل ساعة - قطع؛ وإلا - فلا.
وإنما تكون الإبل بالإفطار محرزاً، إذا لم يزد في قطار واحد على تسع؛ لأنه العرف في القطار، فإن كان القطار في أبنية البلد - فما يقع عليه بصره؛ لو التفت - يكون محرزاً، [وما يستتر بالبناء - ولا يقع عليه بصره؛ إذا التفت - لا يكون محرزاً] وقال أبو حنيفة: إن كان يسوقها - فالكل محرز، وإن كان يقودها - فالذي بيده زمامه محرز دون غيره.
فكل موضع جعلنا الإبل محرزة- فما عليه من المتاع محرز، بقطع سارقه؛ سواء سرق المتاع من الوعاء أو مع الوعاء، أو سرق البعير الذي عليه المتاع معه.
وقال أبو حنيفة: إن سرق مع الوعاء - لا يقطع، وإن أدخل يده في الوعاء، فأخذ منه شيئاً - قطع، ولو أخذ رجلٌ بزمام البعير الذي عليه الحارس، فذهب -يقطع؛ لأنه محرزٌ بالحارس، ويد الحارس لم تزل عنه، وإن كان على البعير عبد - نظر: إن كان صغيراً - فهو كسائر الأموال؛ يكون محرزاً بالسيد، وإن كان كبيراً - فهو كالسيد؛ يكون المال محرزاً به.

قال الإمام- رحمه الله-: إن كان القائم بالمال هو ذلك العبد؛ [وألا] يجب القطع على من سرقه مع البعير، كمن سرق عبداً بالغاً قائماً مع المتاع - يقطع، وإن كان الراكب نائماً، فأنزله عن البعير، وذهب بالبعير - لم يقطع؛ لأنه رفع الحرز، ولم يهتكه؛ بخلاف ما لو فتح الحرز، أو ثقب الجدار، فأخذ المال، قُطع؛ لأنه هتك الحرز.
وإن كانت الإبل باركةً، وهو ينظر إليها - فهي محرزة، وإن كان لا ينظر إليها - فلا تكون محرزة إلا بشرطين: أحدهما: أن يعقلها.
والثاني: أن ينام عندها.
فإن فقد أحد الشرطين -فلا تكون محرزة، وما على الجمال من الأحمال محرز بحرز الجمال.
والغنم في المرعى - كالإبل.
فإن كان الراعي على نشر، يرى الكل - فهي محرزة، وإن كانت متفرقة، إذا كان يبلغها صوته، إذا زجرها، فإن كان بعضها في هبوط أو على صعود؛ لا يراها الراعي - فما غاب عن بصره - لا يون محرزاً.
وكذلك الخيل والبغال والحمير في المراعي.
وإن بعدت الأغنام عنه؛ بحيث لا يبلغها صوته فما لم يبلغها صوته - لا يكون محرزاً؛ لأنها تجتمع وتتفرق بصوته، وإن كانت الأغنام والخيل والبغال والحمير سائرة، وخلفها سائق يرى جميعها، ويبلغا صوته؛ [إذا زجرها - فهي محرزة، وما غاب عن عينه أو لم يبلغها صوته] فغير محرز.
وإن كانت في مراحها- نظر: إن كان في البلد- فلا تكون محرزة؛ إلا أن تكون في بناء، والباب مغلق، وإن كان في صحراء - فحتى يكون حولها جدارٌ من حشيش أو حطب، وينام عندها.
ولو سرق عبداً صغيراً، أو أعجمياً- قطع، إن كان محرزا، وحرزه: أن يكون في الدار، أو بفناء الدار؛ سواء كان نائماً؛ فرفعه، أو منبتها؛ فدعاه؛ وسواء كان وحده أو

يلعب مع الصبيان؛ [لأن الولي لا ينسب إلى التضييع بترك العبد الصغير على باب الدار.
فإن بعد من داره؛ بأن دخل سكة أخرى- لم يقطع سارقه] لأن الولي ينسب على التضييع في هذه الحالة، وإن كان العبد بالغاً عاقلاً - فلا يقطع؛ إذا دعاه، فإن أكرهه، أو كان نائماً، فرفعه - قطع؛ سواء كان بفناء الدار أو لم يكن؛ لأنه محرزاً بنفسه، ولو سرق صغيراً حراً لا قطع عليه؛ لأن الحر - لا يضمن باليد، فإن كان معه مال أو في عنقه قلادة تبلغ نصاباً - فيه وجهان: أحدهما: يقطع؛ لأنه سرق نصاباً.
والثاني: لا يقطع؛ لأنه محرز بالصبي، والصبي معه؛ كما لو قاد الجمل، والمالك عيه نائم؛ فنه لا يقطع.
أما إذا سرق حلياً في عنق صبي - يقطع، وإن كان صغيراً، إذا كان قريباً من الدار، فإن كان بعيداً فلا، كالعبد الصغير يسرقه.
ولو سرق كلباً في عنقه قلادة، قيمتها نصاب، أو سرق القلادة من عنقه - قطع، وحرز الكلب: أن يكون في الدار، كالدواب.
ولو سرق بقرة لا تساوي نصاباً، فتبعها العجل، فتم به النصاب لا يقطع؛ لأن اتباع العجل بسوق الأم تسبب، والقطع يجب بالمباشرة، وهل يدخل العجل في ضمانه؟ فيه وجهان: [ولو سرق أم ولد إنسان]؟ فيه وجهان: أصحهما: يقطع؛ لأنها مملوكة؛ تضمن باليد؛ كالعبد القن.
والثاني: لا يقطع؛ لنقصان معنى المالية فيها.
ولو سرق مكاتباً- لا يقطع؛ لأنه في يد نفسه، وكذلك من بعضه حر وبعضه رقيق.
ولو ضرب فسطاطاً أو خيمة، وآوى إليه متاعه، فسرق الفسطاط والمتاع- نظر.
إن كان منفرداً في [مفازة]، ولم يكن معه من يتقوى به - فلا يكون محرزاً، وكذلك في البلد، وإن نام فيه؛ لأنه لا يعد حرزاً في البلد.
وإن كان الفسطاط في الصحراء -نظر: إن شده بالأوتاد، وأرسل أذياله، ونام فيه، أو

على بابه - فهو محرز، فمن سرق الفسطاط، أو شيئاً مما فيه - يجب عليه القطع.
وعند أبي حنيفة: إن سرق المتاع دون الفسطاط - قطع، وإن سرق مع الفسطاط - لا يقطع؛ ولا فرق عندنا بينهما؛ لأن الكل محرز به، فلو اخرج النائم من السطاط، وبعده عنه، ثم سرق-فلا قطع؛ لارتفاع الحرز بإخراجه، ولو شد الفسطاط بالأوتاد، ولم يسبل ذيوله، ونام فيه: فإن سرق شيء مما فيه- لم يقطع، وإن سرق الفسطاط - قطع؛ لأنه محرز بالشد.
قال الشيخ - رحمه الله-: إن كان الحافظ مستيقظاً - قطع؛ سواء سرق الفسطاط أو ما فيه.
وإن كان متاعه في دار - نظر: إن كانت منفصلة عن البلد؛ كالرباطات في البرية فإن لم يكن هناك من يتقوى به- فليس بحوز، وإن كان عليها حارس، وإن كانت متصلة بالدور في موضع مأهول نظر: إن كان باب الدار مغلقاً، وفيها حافظ - فهو حرز، ليلاً كان أو نهاراً؛ سواء كان الحافظ مستيقظا أو نائماً، وإن لم يكن عليها حافظ، والباب مغلق - فهو حرز في وقت الأمن في النهار، وليس بحرز بالليلن ولا في أيام الخوف والنهب؛ ليلاً كان أو نهاراً، إلا بحافظ، وإن كان الباب مفتوحاً: فإن كان فيها حافظ متيقظ - فهو حرز وإن كان من فيها نائماً - فلا يكون حرزاً؛ لأن النائم الغائب، ولو غاب صاحب البيت، وترك الباب مفتوحاً- فلا يكون ما فيه محرز، كذلك إذا نام.
وقيل: هو محرز بكون النائم فيه؛ إذا كان المتاع قريباً منه: لأن العادة قد جرت بأن ينام صاحب الدار [ساعة]، ويترك الباب مفتوحاً.
والأول أصح؛ كما لو نام في صحراء، فترك متاعه بين يديه - لا يكون محرزاً، وحكم باب البيت وباب الدار والبستان وحلقة الباب وآجر الجدار حكم متاع الدار؛ من قلعه، فسرقه - يجب عليه القطع.
فكل موضع جعلنا ما في الدار محرزاً بإغلاق الباب نم غير حافظ: فإن كان باب الدار مغلقاً، وباب البيت مفتوح - فهو حرز؛ كما يكون الصحن والصفة حرزاً له، فإن أخرج شيئاً من البيت إلى الصحن- لم يقطع، وإن أخرج من الدار - قطع.
وإن كان باب البيت مغلقاً، وباب الدار مفتوحاً، فأخرجه من البيت إلى الدار - قطع،

وإن كان باب البيت والدار مغلقين: فإن أخرج من الدار - قطع، وإن أخرج من البيت إلى الصحن - ففيه وجهان: أحدهما: يقطع؛ ما لو كان باب الدار مفتوحا.
والثاني: لا يقطع؛ لأن باب الدار: إن كان مغلقاً - فلم يخرجه عن تمام الحرز؛ كما لو أخرجه من صندوق إلى البيت، ولم يخرجه عن البيت - لم يقطع.
وإن كانت الدار يسكنها جماعة ينفرد كل واحد ببيت، كالخان والمدارس والرباطات أو دار يسكنها جماعة بالكراء، كل واحد في بيت - فهي كدار الغير فيحق من لا يسكنها، فإن سرق أجنبي من صحنها شيئاً، يحرز في الصحن - قطع، وإن أخرج من بيت إلى الصحن - فعلى وجهين؛ كالدار.
وإن سرق واحد من سكانها شيئاً - نظر.
إن أخذ من الصحن - لم يقطع؛ لأن الصحن مشترك بين سكانها.
وإن أخرجه من بيت إلى الصحن: فإن كان باب البيت مغلقاًن ففتحه - قطع؛ سواء كان باب الخان مغلقاً أو مفتوحاً.
وإن أخرجه من بيت غير مغلق - لم يقطع.
وإن دخل داراً ضيقاً، فسرق [منها] شيئاً - نظر: إن أخذه من الموضع الذي قعد فيه - لم يقطع؛ لأنه خائن ليس: بسارق، وإن أخذه من بيت مغلق - قطع.
وإن لم يكن مغلقاً - لم يقطع؛ لأنه غير محرز عنه.
وإن سرق من الحمام إزاراً، أو ثوب واحد ممن دخل الحمام نظر إن دخل متحمماً، فسرق - لم يقطع، وإن دخل سارقاً - نظر: إن كان الحمامي حاضراً أو حافظ غيره مستيفظاً - قطع، وإن لم يكن حاضراً أو كان نائماً أو معرضاً عنها، لا يشاهدها - لم يقطع؛ لأنه غير محرز، وغنما يجب بسرقة ثوب من دخل الحمام، إذا أمر الحمامي بحفظه، فإن لم يأمر - فلا قطع على السارق، [ولا ضمان على الحمامي بترك حفه.
وإن استحفظه، فتواني في حفظه - فلا قطع على السارق] لأنه غير محرز، ويجب

الضمان على الحمامي؛ لتفريطه في حفظه.
وكذلك: صاحب الدكان، إذا أذن للناس في دخول دكانه للشراء، فدخله مشتر، فسرق شيئاً - لم يُقطع، وإن دخل للسرقة - قطع، وإن لم يكن أذن في الدخول - قطع بكل حال، ولا فرق في هتك الحرز، ووجوب القطع: بين أن يكسر الباب، أو يقلعه، أو يفتح المغلاق أو القُفل، أو ينقب الجدار، أو يتسور الحائط، أو يدخل يده، أو محجنه، فيجر شيئاً أو يطُر جيب إنسان، أو يشق كمه، فيخرج المال.
وعند أبي حنيفة: إن أدخل يده في جوالق، فأخرج - قُطع، وإن أدخل في بيت، فلا؛ لأن العادة في البيت الدخول فيه للإخراج، ولا يجب القطع حتى يخرج المال من جميع الحرز، فإن أخذ طرف عمامة أو خشبة، فأخرج بعضها - لم يقطع ما لم ينفصل الكل عن الحرز.
ولو نقب الحرز، فأخرج أقل من نصاب، ثم عاد، وأخرج تمام النصاب - نظر: إن كان يخرج شيئاً فشيئاً، ويضعه على باب النقب؛ حتى تمام النصاب - يجب القطع، وإن فارق الحرز أو عاد إلى مسكنه بعد إخراج بعض النصاب، ثم عاد من ليلته، فأتم النصاب - ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي العباس بن سريج: يقطع؛ لأنه أخذ نصاباً من حرز هتكه؛ كما لو أخرجه دفعة واحدة، وكما لو طر جيب رجل، فجعل يخرج درهماً درهماً؛ حتى تم النصاب، أو خرق جراباً، فأخذ طرف منديل يجره شيئاً فشيئاً؛ حتى أخرج كله - يجب القطع.
والثاني: قاله أبو إسحاق: لا يجب القطع؛ لأنه أخذ بقية النصاب من حرز مهتوك.
والثالث: وهو قول ابن خيران: إن عاد، فسرق الباقي بعدما اشتهر هتك الحرز، [وعلم به الناس أو علم به المالك - لم يقطع، وإن عاد قبل أن اشتهر] وعلم -قطع.
ولا فرق بين أن يعود في هذه الليلة فأتم النصاب، وبين أن يعود في الليلة الثانية، وقيل: إن عاد في اليلة الثانية، فأتمه - لم يقطع وجهاً واحداً.
ولو نقب رجلٌ حرزاً ودخله آخر، فأخذ المال - لا قطع على واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يجمع بين هت الحرز، وأخذ المال؛ بل يجب على الناقب ضمان الجدار،

وعلى الآخذ ضمان المال، هذا إذا لم يكن في الدار حافظ [قريب من النقب] فإن كان في الدار حافظ قريب من النقب] بحيث يكون المتاع به محفوظاً - فيجب القطع على الآخر؛ عن كان الحافظ مستيقظاً، وإن كان نائماً - فلا يجب؛ على أصح الوجهين؛ كمن نام في الدار، وترك الباب مفتوحاً.
ولو نقب الحرز رجل ثم أدخل فيه صبياً لا يعقل، أو عبداً أعجمياً؛ حتى أخرج المال، أو كان في الحرز صبي أو أعجمي، فرفع إليه، حتى أخرجه - يجب القطع على الناقب؛ لأن فعل الصبي والأعجمي - محال عليه؛ كما لو أدخل فيه محجناً، وأخرج المال -يجب القطع.
ولو نقب رجلان معاً، ثم دخلا، وأخرجا نصابين: فإن أخذ كل واحد نصاباً، أو حملاً متاعاً، ثقيلاً أو خفيفاً، معاً، قيمته نصابان - يجب عليهما القطع، ويحصل الاشتراك في النقب، بأن أخذ أحدهما سيناً، فنقب بعضه، ثم أخذ الآخر، فنقب بعضه؛ هذا هو الأصح.
وقيل: لا يحصل الاشتراك إلا بأن يأخذ آلة واحدة بأيديهما، فينقبان معاً؛ كالاشتراك في قطع الطرف؛ لوجوب القصاص.
وإن نقبا وأخذا نصاباً واحداً - لا قطع عليهما.
وإن أخذ أحدهما نصاباً أو أكثر، ولم يأخذ الآخر شيئاً أو أخذ أقل من نصاب - فيجب على من أخذ نصاباً القطع، ولا يجب على الآخر إلا ضمان ما أخذ]] وعند أبي حنيفة - رحمه الله -: إذا كانوا جماعة، وأخذ واحد قدر ما لو ودع على الكل - خص كل واحد نصاباً - يجب على جميعهم القطع، وإن كان الآخذ واحداً؛ لأن الآخرين كانوا ردءا للآخذ، وعنده: يعاقب الردء ما يعاقب المباشر.
ولو نقبا الجدار، ودخل أحدهما، وأخذ المتاع، ولم يخرج من الحرز، ولكن أخرج يده مع المتاع من فم النقب، فأخذه صاحبه - يجب القطع على الداخل دون الآخر، ولو أدنى الداخل المتاع من النقب في البيت، فأدخل الخارج يده، فتناوله، وأخرجه - وجب القطع على الخارج، لأنه أخرج المتاع، ولا يجب على الداخل.

ولو نَقَبَا الجدار، فدخل أحدهما، فوضع المتاع في نصف النقب، فأخذه الآخر، وأخرجه - لا قطع على كل واحد منهما؛ لأن كل واحدٍ لم يوجد فعله في الإخراج عن جميع الحرز.
وحكى الحارث بن سريج القفال قولاً: أن عليهما القطع؛ لأنهما اشتركا في النقب، كما لو أخذا معاً، وأخرجا.
والأول المذهب؛ لأنهما.
وإن اشتركا في النقب - فقد تفرقا في الإخراج؛ فصار كما لو نقب رجل الحرز، ودخل موضع المتاع في نصف النقب، فأخذه الآخر فلا قطع على واحد منهما، وكذلك لو نقب رجلٌ الحرز، ودخل غيره، فوضع في نصف النقب، فأخذه الناقب - فلا قطع عليهما.
ولو أن رجلين أعمى، ومقعداً، نقباً حرزاً، فدخلا، فأخذ المقعد المال، ثم حمله الأعمى، فأخرجه - يجب القطع على المقعد، وهل يجب على الأعمى؟ فيه وجهان.
وكذلك: صحيحان، نقبا، ودخلا، وأخذ أحدهما المال، ثم حمله الآخر، فأخرجه - يجب القطع على المحمول، وفي الحامل وجهان: أحدهما: يجب؛ لأنه حمل حامل المال، فصار كمال لو حمل المال.
والثاني: لا يجب؛ لأنه لم يحمل بنفسه المال، ولا يُجعل حمل حامل المال كحمل المال؛ بدليل أنه لو حلف ألا يحمل متاعاً، فحمل حامله- لا يحنث.
ولو أخذ المقعد المال في الحرز، فدفعه إلى الأعمى، فأخرجه - فالقطع على الأعمى، دون المقعد.
وكذلك: لو وقف أحد السارقين على طرف [السطح، ونزل الآخر الدار، فجمع المتاع، فشده في حبل، فجره الذي على طرف] السطح، وأخرجه - يجب القطع على من جره دون من [جمعه و] شده، ولو دخل الحرز، وأخذ متاعاً، فرماه إلى الخارج - قطع، سواء خرج فأخذه أو أخذه غيره.
وكذلك: لو كانت الريح تهب، فألقاه على الريح حتى خرج، أو وضعه في النقب،

فطارت به الريح - قطع؛ لأن الفعل له، وإن عاونته الريح؛ كما لو رمي سهماً إلى شيء، فقوته الريح - كان مضافاً إليه [في وجوب القصاص وحل الصيد، وإن كانت الريح ساكنةً، فوضعه على طرف الحرز، فهبت به الريح، فأخرجته ففيه وجهان؛ قال الشيخ - رحمه الله-: الأصح عندي: لا يجب.
وكذلك: لو وضعه على ماء جارٍ حتى خرج - قُطع، وإن كان الماء راكداً في الحرز، فوضعه فيه: فإن حركه، حتى خرج - قطع، وإن حركه غيره - لم يقطع، وإن انفجر الماء، وجاء سيل، فأجراه، فأخرجه - فعلى وجهين.
ولو وضعه على ظهر دابة في الحرز، فسيرها، أو شده على جناح طائر، وطيره، حتى خرج، أو كانت الدابة في السير، فوضع على ظهرها، فخرجت قطع.
وإن كانت الدابة واقفة، فسارت بنفسها حين وضع المتاع عليها - نظر: إن وقفت ساعةً، ثم سارت - لا يقطع، وإن سارت أو طارت في الحال - فوجهان: أحدهما: يقطع؛ لأن خروجه عن الحرز بسبب منه.
والثاني: لا يقطع؛ لأن للدابة اختياراً.
وكذلك: إذا قلنا: إذا فتح قفصاً على طائر، فوقف، ثم طار - لا يضمن، ولو فتح حرزاً عن غنم، فخرجت: فإن حرها حتى خرجت - قطع، وإن خرجت من غير تحريك - فلا قطع، ولو فتح كندوجاً، فانثالت منه الحنطة، أو طر جيبه أو كُمَّه، فسقط منه المال - يجب القطع؛ هذا هو المذهب.
ولو حلب شاةً في الحرز، فأخرج لبنها - يجب القطع؛ إن كانت قيمة اللبن نصاباً، ولو شرب اللبن في الحرز، ثم خرج - لا قطع عليه؛ بل يجب عليه ضمان اللبن؛ لأنه لم يخرج المال عن الحرز؛ كما لو أتلف في الحرز مالاً أو أحرقه، ولم يخرجه - فلا قطع عليه.
ولو ابتلع في الحرز جوهرة أو ديناراً، وخرج - ففي وجوب القطع وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأنه استهلكها في الحرز؛ بدليل وجوب القيمة عليه؛ كما لو أكل الطعام.
والثاني: يقطع؛ لأنها قائمة في جوفه؛ كما لو وضعها في جيبه، أو في وعاء، فأخرجها - يجب القطع.

ولو أخذ في الحرز طيباً، فتطيب به، ثم خرج - نظر: إن لم يمكن أن يجمع منه ما قيمته نصابٌ - فلا قطع عليه؛ كما لو كان طعاماً، فأكله، وإن [كان يمكن] أن يجمع منه ما قيمته نصابٌ - فعلى وجهين: أحدهما: لا يقطع؛ لأن استعمال الطيب إتلاف؛ كالطعام يأكله.
والثاني: يقطع؛ لأن عينه باقيةٌ؛ ولهذا: يجوز لصاحبه مطالبته برده.
ولو شق في الحرز ثوباً، أو ذبح شاةً، فأخرجه - يجب القطع؛ إن كانت قيمة الثوب المشقوق أو الشاة المذبوحة نصاباً، ولو سرق كيساً فيه [فلوسٌ ظنها] دنانير يقطع؛ إن كانت قيمتها نصاباً.
وإن ظنها فلوساً، لاتبلغ قيمتها نصاباً، وكانت دنانير - قُطع، وكذلك لو سرق نصاباً من دار، وهو يظن أن الدار داره، والمال ماله - يقطع.
وعند أبي حنيفة: لا يقطع.
ولو سرق ثوباً خلقاً، لاتبلغ قيمته نصاباً، فظهر في جيبه دينارٌ - لم يعلمه ففي وجوب القطع وجهان: أصحهما: يقطع؛ لأنه أخرج من الحرز نصاباً؛ كما لو ظن ما في الكيس فلوساً؛ فبانت دنانير، وكما لو سرق ثوباً ظنه لا يبلغ نصاباً، فبان ديباجاً - قطع.
والثاني: لا يقطع، وبه قال أبو حنيفة: لأنه لم يقصد أخذ الدنانير؛ بخلاف ما لو ظن الدينار فلساً، أو الثوب قطناً؛ لأنه قصد أخذ عينة، وهو نصابٌ.
ولو سرق شيئاً قيمته نصابٌ، فانتقصت بعد الإخراج قيمته بانخفاض السوق، أو بآفة سماوية، أو بجناية جان - لا يسقط عنه القطع.

وعند أبي حنيفة: إن انتقصت قيمته بالسوق - يسقط القطع] وكذلك: لو تملك السارق المسروق بإرث أو ابتياع، أو اتهاب - لا سقط عنه القطع، وعنده يسقط.
فنقول: الاعتبار في العقوبات بحالة الوجوب؛ كما لو زنى بجارية، ثم ملكها - لا يسقط الحد، وكذلك: لو انهدم الحرز بعد وجوب القطع، أو هلك المسروق، أو هلك بعضه، فانتقص النصاب - لا سقط القطع بالاتفاق.
فصلٌ إذا استأجر داراً، فآوى إليها متاعه، ثم سرق الآجر منه مال المستأجر - يجب عليه القطع.
وعند أبي حنيفة: - رحمه الله-: لا قطع عليه.

وبالاتفاق: لو أجر عبده من إنسان لحفظ متاعه، ثم سرق الآجر المال من العبد - يجب القطع.
وكذلك: لو استعار داراً، ثم المعير سرق منها مال المستعير - يجب القطع؛ نص عليه، وهو المذهب.
وفيه أوجه آخر: أنه لا يقطع؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأن حق الرجوع له ثابت، متى شاء؛ فلم يكن حرزاً في حقه، وقيل: إن نوى الرجوع حال السرقة - لم تقطع، وإن لم ينو - قطع؛ كمن وطيء جارية: فإن قصدها مهرها، والاستيلاء عليها - ملكها، ولا حد عليه، فإلا يجب عليه الحد، فلو غصب داراً، فسرق المالك منها مال الغاصب لا يقطع، ولو سرق أجنبي مال الغاصب منها - فلا قطع أيضاً؛ لأن الدار المغصوبة لا تكون حرزاً، ولو اشترى داراً، ثم سرق المشتري منها مال البائع - نظر: إن كان قبل توفية الثمن - قطع لأن [حق] الحبس ثابت للبائع؛ كالدار المستأجرة، وإن كان بعد توفية الثمن - فوجهان: الأصح: يُقطع، ولو كان في يده مال لغيره بحق، كالوديعة والرهن، والعارية، والمال في يد الوكيل، مال المضاربة والشركة والعين المستأجرة، وكان في حرز، فجاء إنسان وسرقه - يجب القطع؛ لأن أيدي هؤلاء يد حق؛ كما لو سرق من المالك، والخصم فيه مالك المال.
وعند أبي حنيفة- لمن في يده أن يخاصم، ولو سرق المالك - فلا قطع؛ لأنه أخذ ملك نفسه.
ولو أخذ المالك مع ماله نصاباً آخر يجب [عليه] القطع.
وعند أبي حنيفة: لا يجب، والأصل عنده: أن من سرق ما يقطع فيه، وما لا يقطع - لا يجب القطع، ولو غصب شيئاً أو سرقه وأحرزه، فجاء أجنبي، وسرقه منه - هل عليه القطع؟ فيه وجهان: أحدهما: يقطع لأنه سرق نصاباً من حرز لا شبهة له فيه.
والثاني: لا يقطع؛ لأنه حرز لم يرض به مالكه؛ فكان كغير المحرز؛ وسواء كان عالماً أنه مغصوب أو لم يكن، أما إذا قصد أخذه؛ ليرده إلى المالك - فلا قطع عليه، ولو نقب المالك حرز الغاصب، وأخذ عين ماله - لا قطع عليه، وإن أخذ معه مالاً آخر - نظر:

إن كان: مختلطاً بماله؛ بأن كان طعاماً قد خلطه الغاصب بماله -فلا قطع عليه، وإن كان متميزاً عن ماله - ففيه وجهان: أصحهما: لا قطع عليه؛ لأنه أخذه من حرز هتكه بحق، فصار ما لو سرق مالاً من حرز مهتوك.
والثاني: يقطع؛ لأنا بينا أنه قصد هتك الحرز لمال غيره.
ولو سرق من بيت ظن أن المغصوب فيه، فلم يكن: قال الشيخ - رحمه الله-: أو سرق من بيت فيه المغصوب، ولم يكن قصده أخذ ملكه - قُطع، ولو اشترى شيئاً، ثم سرقه من البائع- لم يقطع؛ لأنه ملكه، وكذلك: لو سرقه في زمان الخيار: فإن سرق معه مالاً آخر: فإن سرق معه مالاً آخر: فإن كان قبل توفية الثمن قُطع، وإن كان بعده - فوجهان؛ كما لو سرق من الدار المشتراة، ولو وهب له شيء، فسرقه بعد القبول، وقبل القبض - لم يقطع على الأصح، ولو أوصى له بشيء، فقبل موت [الموصى سرقه] الموصى له - قطع؛ بخلاف الهبة؛ لأنها تمت بالقبول، ولوسرقه بعد موت الموصى، والقبول - فلا قطع؛ لأنه ملكه، وإن سرقه بعد موت الموصى قبل القبول: إن قلنا: يُملك بموت الموصى - لم يقطع؛ وإلا - قُطع.
ولو أوصى للفقراء بشيء، فسرقه فقير بعد موت الموصى - لم يقطع؛ كالمشترك، وإن سرقه غنيٌّ -قطع.
فصلٌ: في حكم النباش وغيره رُوي عن البراء بن عازب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه".
النباش: إذا أخرج الكفن من القبر بعدما وُري، وكان نصاباً - تقطع يده؛ إذا كان القبر في بيت محرز أو في مقبرة متصلة بالعمران، فإن كان في برية بعيدة من العمران - فيه وجهان: أحدهما: تُقطع، وهو اختيار الشيخ القفال؛ لأن القبر أينما كان يكون حرزاً للكفن، بدليل أن الولي لايكون مضيعاً بتكفين الميت ودفنه في ذلك الموضع.

والثاني: لا تقطع؛ لأنه ليس بحرزٍ؛ كثوب غير الكفن؛ فلا يكون حرزاً للكفن، وإنما دفن هناك، لأجل الضرورة.
قال الشيخ- رحمه الله-: على هذا: لو كان القبر في بيت محرز، فسرق الكفن حافظ القبر - لا يقطع، وعلى الوجه الأول: يقطع به، وعند الثوري وأبي حنيفة: لا قطع على النباش.
وهم مختلفون فيما إذا كان القبر في بيت حريزٍ، والحديث حجة عليهم، ولهم فيه ثلاث نكات: إحداها: أنه موضوع للبلى؛ كالبذر في الأرض.
الثانية: أنه غير محرز؛ بدليل أنه لا يكون حرزاً لثوب أحد سوى الكفن.
الثالثة: أنه ليس له مال؛ كما لبيت المال.
قلنا: قولكم: "إنه موضوعٌ للبلى" - ليس كذلك؛ بل هو مصروفٌ إلى حاجة الميت، وإن كان يتسارع إليه البلى؛ كالثوب الذي يلبسه الإنسان يكون البلى أسرع إليه من الثوب الذي في الصندوق، ويستويان في وجوب القطع بسرقتهما.
والبذر في الأرض موضوع للنماء، ويجب القطع بسرقته.
وقولكم: أنه غير محرز ليس كذلك؛ لأن القبر حرز للكفن، بدليل أن الولي لا ينسب إلى التفريط بتكفين الصبين ولا يجعل مضيعاً.
وقولكم:"ليس له مالك - ليس كذلك، ولنا فيه ثلاثة أوجه: أصحها: أنه ملك للوارث؛ غير أن حق الميت فيه مقدم؛ كتركة الميت ملك للورثة، ثم يقضي منها دين الميت.
والثاني: أنه باق على ملك الميت؛ بدليل أن الميت لو افترسه سبع - صرف الكفن إلى ديون الميت ووصاياه.
وعلى هذين الوجهين: الخصم فيه هو الوارث.
وقيل: الحق فيه لله تعالى، والخصم فيه هو الحاكم.

ويجب القطع عندنا بسرقة مالٍ لا مالك له؛ كما لو سرق ستار الكعبة - يجب عليه القطع، وإنما يجب القطع؛ إذا أخرج الكفن من جميع القبر إلى وجه الأرض، فإن أخرجه من اللحد إلى وسط القبر - فلاقطع عليه، ولو كفن في أكثر من خمسة أثواب، فسرق ما زاد على الخمسة - لا يقطع؛ لأنه مُضيع كما لو وضع في القبر مالاً أو ثوباً آخر سوى الكفن، وإذا كُفن رجلٌ من بيت المال، أو كفنه رجلٌ متبرع، فسرق - يجب القطع، وإن كان لا يجب القطع بسرقة مال بيت المال؛ لأن مال بيت المال لكل أحد فيه حق؛ فلم يجب القطع على سارقه، فإذا صرفه الإمام إلى واحدٍ - انقطع عنه حق غيره؛ فوجب القطع بسرقته؛ كما لو صرف شيئاً منه إلى حي لحاجته؛ فسرقه سارقٌ - يقطع.
وإذا كفن الميت، فافترس الميت سبعٌ وبقى الكفن نُظر؛ إن كفن من تركته رد إلى وارثه؛ لأن مال الميت انتقل إليه بالإرث، وقيل: يكون لبيت المال؛ لأنه لا حق للورثة في قدر الكفن من تركته، وإن كفن من بيت المال- رُد إلى بيت المال، وقيل: يكون للوارث؛ لأنه صار ملكاً للميت، وإن كفنه إنسانٌ متبرعاً - رُد إلى المتبرع، وقيل: هو كما لو كفن من تركته.
فكل موضع قلنا: يُرد إلى الوارث، فإذا سرق - فالخصم فيه الوارث، وإن قلنا: إلى بيت المال فالخصم فيه الحاكم، وإن قلنا: إلى المتبرع - فالخصم فيه المتبرع.
وإذا سرق الكفن، ولم يظفر بالسارق - كُفن من تركته ثانياً، فإن لم يكن له تركةٌ - فمن بيت المال، فإن لم يكن - فعلى المسمين تكفينه، والله أعلم بالصواب.
باب قطع اليد والرجل في السرقة رُوي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في السارق: "إن سرق، فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، فإن سرق، فاقطعوا رجله".

السارق: تقطع يده اليمنى من مفصل الكوع، ثم إذا سرق ثانياً - تقطع رجله اليسرى

[من مفصل الكعب] [ثم] إذا سرق ثالثاً - تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق رابعاً - تقطع رجله اليمنى.
وعند الثوري وأبي حنيفة: تقطع يده اليمنى أولاً، ثم رجله اليسرى، فإذا سرق ثالثاً - يعزرن ولا يقطع؛ حتى قال أبو حنيفة: لو سرق أول مرة، وهو فقيد يده اليسرى، أو فقيد إبهام أو سبابة أو وسطى منها - لا تقطع يمينه، والخبر حجة عليه، ولأن السرقة تعتمد البطش والمشين ففي المرة الأولى: ينقص بطشه، لعله ينزجر، فإن عاد - ينقص مشيه، فإن عاد - يستوفي بطشه، فإن لم ينزجر - يستوفي مشيه.

وإذا سرق خامساً بعد قطع أطرافه الأربعة - يعزر، ويحبس؛ حتى تظهر توبته،

ولا يقتل، وروي عن عثمان أنه يُقتل في الخامسة، وبه قال عمر بن عبد العزيز.
ولو سرق مراراً فلم يتفق القطع - فلا يجب إلا قطع واحدٌ، كمن شرب مراراً؛ فلم يُحد - لا يجب إلا حد واحدٌ، وكل مرة يقطع عضو منه - يحسم بالدهن المغلي، حتى تنسدأفواه العروق، فيرقأ الدم، ولا يؤدي سيلانه إلى الهلاك، وثمن الزيت يكون في بيت المال كأجرة القاطع والحاسم، ولو ترك الإمام الحسم - لا شيء عليه، ويستحب للسارق أن يحسم يد نفسه، فإن لم يفعل - لا يلزمه؛ لأنه مداواة العلة؛ فله تركها، وإذا رضي السارق بتركه لا يحسمه الإمام.

وقيل: إن رضي السارق [بترك الحسم] للإمام أن يحسمه؛ لأن فيه حفظ روحه، وهو حق الله تعالى.
ويقطع بأخف مؤنة، فيجز أولاً، حتى ينفصل الزند من الكوع، ثم يقطع بحديدة حادة غير كالة، ولا مسمومة، ويُقطع جالساً، ويُضبط عند القطع؛ حتى لا يتحرك، فيجنى على نفسه.
والسُّنة: أن يعلق العضو المقطوع في عنقه ساعةً، ثم يزال، فإنه روي عن فضالة بن عبيد قال "أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسارق، فأمر به، فقطعت يده، ثم علقت في رقبته".
ولو سرق، ولا يمين له - تقطع رجله اليسرى، وإن كانت يده اليمنى شلاء - يسأل أهل البصر: فإن قالوا: لو قطعت يمينه يرقأ الدم - تقطع يمينه، وإنقالوا: لا يرقأ الدم - فهي كالمفقودة، تقطع رجله اليسرى، وإن كانت له يمين عليها إصبع واحدة - تقطع يمينه، ولا تقطع [رجله اليسرى].
وإن كان له كفٌّ، لا إصبع عليه، أو ذهب بعض الكف، ومحل القطع باقٍ - ففيه وجهان: أحدهما: تقطع كفه؛ لأن محل القطع باقٍ.
والثاني: لا تقطع، بل تقطع رجله؛ لأن البطش يحصل بالإصبع، وهي فائتة؛ كما لو كان له ذراع، ولا كف عليها - لا تقطع.
ولو سرق ويمينه صحيحةٌ، فقبل القطع: سقط يمينه، أو قطعها جانٍ - سقط عنه قطع

السرقة، ولا تقطع رجله؛ لأن القطع تعلق بيمينه، وقد فاتت؛ بخلاف ما لو كان يوم السرقة فقيد اليد.
قلنا: تقطع رجله؛ لأن القطع هناك تعلق بالرجل لفقد اليد، ولا قصاص على من قطع يمينه؛ لأنه قطع يداً تستحق القطع؛ غير أنه يعزر؛ لتفويته على الإمام.
ولو شلت يده بعد وجوب القطع عليه: فإن قال أهل البصر: يرقأ دمه - تقطع يمينه؟ وإن قالوا: لا يرقأ- سقط القطع؛ كما لو سقط كفه.
ولو سرق، وله يمينٌ عليها ست أصابع- هل تقطع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تقطع؛ كما في القصاص - لا تقطع ست أصابع بخمس.
والثاني: تقطع؛ لأن المساواة شرط في القصاص دون السرقة.
فإن قلنا: لاتقطع يمينه - تقطع رجله اليسرى، كما لو كان فقيد اليمين.
وإن كانت له كفان - لا تقطعان بسرقة واحدة، ثم ننظر: إن كان يبطش بأحدهما - قطعت الباطشة، ثم إن سرق ثانياً - تقطع رجله، وإن صارت الأخرى باطشة - تقطع في السرقة الثانية التي صارت باطشة، ولا تقطع الرجل، [ثم إذا سرق ثالثاً - تقطع الرجل]، وإن كانتا باطشتين تُقطع أحداهما ثم إذا سرق ثانياً تقطع الأخرى، ولا تقطعان بسرقة واحدة؛ بخلاف الإصبع الزائدة؛ لأنه لا يقع عليها اسم يد.
ولو وجب عليه قطع اليمين بسبب السرقة، فقطع رجلٌ يساره، أو الجلاد قطع يساره قصداً - لا يسقط عنه قطع اليمين [بسبب السرقة] وعلى من قطع يساره القصاص في يساره، فإن قال: لم أعلم أنها يساره - حلف وعليه الدية، وإن قال الجلاد: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها، وقال السارق: ظننت أني أخرجت اليمين، أو ظننت أن اليسار تقوم مقام اليمين - يسقط عنه قطع اليمين على الصحيح من المذهب، وهو المنصوص.
وقيل: لا يسقط عنه قطع اليمين؛ كما في القصاص.
وإذا هلك المسروق في يد السارق - تقطع يده، ويغرم المال.

وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: لا يُجمع عليه بين القطع والغرم، بل إن قطع - يسقط عنه الغرم، وإن غرم - سقط القطع.
وبالاتفاق: لو كان المسروق قائماً - يسترد، ويقطع؛ وهذا لأن القطع حق الله تعالى؛ وجب لهتك حرمة الشرع، والغرم حق العبد؛ وجب لإهلاك ماله؛ فلا يمنع أحدهما الآخر؛ كما في حال بقاء العين؛ يقطع ويسترد المال.
ولو سرق عيناً، فقطعت يده، ثم سرق تلك العين ثانياً من المالك الأول أو من غيره - يقطع ثانياً، وعند أبي حنيفة: لا تُقطع إلا بأن تتغير العين بصفة أو بتبدل المالك.
فنقول: عقوبة تجب بإيقاع فعل في عين غير مملوكة له، فتتكرر بعد الاستيفاء بتكرر الفعل فيها؛ كما لو زنى بامرأة، فحُد، ثم زنى بها ثانياً- يُحد ثانياً والله أعلم بالصواب.
باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها لا تثبت السرقة إلا بإقرار من السارق، أو بينةً تقوم عليها؛ فإن أقر انه سرق نصاباً من الحرز - تثبت، ولا يشترط فيه التكرار.

وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: لا تثبت؛ حتى يقر مرتين.
فنقول: [ما يثبت] بالإقرار - لا يشترط فيه التكرار؛ كسائر الحقوق.
ولو أقر بالسرقة، ثم رجع - يسقط عنه القطع، ولو أقر رجلان بسرقة [نصف] دينار، ثم رجع أحدهما - سقط القطع عن الراجع، ولا يسقط عن الآخر.
ولو أقر أنه سرق من مال فلان الغائب ربع دينار من حرز لا شبه لي فيه - فهل يقطع قبل حضور الغائب؟ فيه وجهان: أحدهما: قاله أبو إسحاق-: يقطع؛ كما لو أقر أنه زنى بجارية [فلان، وفلان غائب] يقام عليه الحد.
والثاني: وهو المذهب-: لا تقطع حتى يحضر فلان الغائب؛ لأنه ربما أباح له الأخذ، بخلاف حد الزنا؛ فإنه لا يسقط بالإباحة.
وقال ابن سريج: لا يقام حد الزنا ولا قطع السرقة حتى يحضر المالك الغائب؛ لأنه كما يجوز أن يكون أباح له أخذ المال - يجوز أن يكون وقف عليه الجارية؛ فيصير شبهة في سقوط العقوبة.
فإن قلنا لا تقطع حتى يحضر الغائب - فهل يحبس المقر أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يحبس؛ لان الحد قد وجب عليه بإقراره؛ كما لو أقر على نفسه بالقصاص لغائب أو صبي - يحبس حتى يحضر الغائب، ويبلغ الصبي.
والثاني: إن كانت المسافة قريبة - حبس على قدوم الغائب، وإن كانت بعيدة - لم يحبس لأن في حبسه إطالة الضرر عليه، والحق لله تعالى ومبناه على المساهلة.
ومن أصحابنا من قال: إن كان المسروق قائماً- أخذ منه، ولم يحبس؛ لأنه ليس عليه إلا عقوبة لله تعالى، ومبناها على المُسامحة، وإن كان المسروق تالفاً - يحبس؛ ليغرم.
فأما إذا قامت بينة على السرقة - فلا يحكم بها، حتى يشيروا إلى السارق وإلى المسروق منه؛ إن كان حاضراً، وإن كان غائباً: نرفع في نسبه بحيث يزول الإشكال، ويبينوا

قدر المسروق، ويصفوا السرقة والحرز، فيقولون: سرق هذا من فلان من فلان من حرز كذا ربع دينار، أو متاعاً قيمته ربع دينار لا شبهة له فيه، وتُسمع الشهادة؛ سواء شهدوا بعد دعوى المالك أو وكيله، أو شهدوا من غير دعوى حسبة، ثم هل تُقطع [في غيبة المسروق منه - فعلى ما ذكرنا من الإقرار، والأصح: أنه لا يقطع] ويقام حد الزنا في الغيبة.
ومن أصحابنا من قال: إذا ثبتت بالبينة - فلا يقطع في غيبة المسروق منه، ولا يحد وجهاً واحداً؛ بخلاف ما لو ثبت بالإقرار؛ لأنه لا تهمة في إقراره.
والمذهب: أن لا فرق بينهما.
ثم إذا شهد على السرقة شاهدان حسبة في غيبة المسروق منه، وقلنا: يحبس المشهود عليه، فإذا حضر المسروق منه، ولم يدعه - يطلق، وإن ادعاه - قطع من غير إعادة الشهادة، وهل تجب إعادة الشهادة لأجل المال؟ فيه وجهان: أصحهما: تجب؛ لأن المال حق الآدمي؛ فلا يثبت بشهادة الحسبة.
والثاني: لا تجب؛ لأنه ثبت تبعاً للقطع.
ولو قال المشهود عليه بعدما شهد الشهود: لم أسرق؛ لكنه ملكين كان قد غصبه مني، فاسترجعته، أو كنت قد اشتريته منه، أو وهبنييه، أو أذن لي في أخذه - لا يُقبل قوله في حق المسروق منهن بل القول قول المسروق منه؛ في أنه لم يغصب ولم يبع ولم يهب مع يمينه.
أما القطع - فالمنصوص: أنه لا يجب؛ لان ما يدعيه محتملٌ، والقطع يسقط بالشبهة.
وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى هذا، ومنهم من قال- وإليه ذهب أبو إسحاق-: بمجرد هذه الدعوى- لا يسقط عنه القطع؛ لأنه يُفضى إلى سقوط قطع السرقة أصلاً؛ فإن أحداً لا يعجز عن مثل هذه الدعوى؛ ليسقط القطع عن نفسه؛ فعلى هذا: إن حلف المسروق منه؛ أنه مالي، ولم آذن له أو نكل، ولم يحلف السارق - قُطع؛ لأن القطع وجب بالبينة، وإن لم يحلف المسروق منه على أنه مالي، وحلف السارق - فلا قطع عليه، وكذلك؛ إذا ادعى السارق؛ أن المسروق منه عبدي، وكان مجهول النسب، أو ادعى، أن الدار ملكي غصبها مني -سقط القطع على قول الأكثرين؛ لمجرد الدعوى، لأنه صار خصماً، وكذلك إذا شهد

عليه الشهود؛ أنه زنى بجارية، فادعى أنها كانت ملكي، أو كنت اشتريتها، أو كنت نكحتها، أو كانت حرة، فادعى أنه تزوجها، وأنكرت - سقط الحد؛ بمجرد هذه الدعوى عند الأكثرين.
وعلى قول أبي إسحاق: بمجرد هذه الدعوى - لا يسقط الحد بعد قيام البينة، فإن حلف المالك؛ أنه لم يبغ منه الجارية، ولم يزوجها، وحلفت الحرة أنه لم ينكحها - حُدَّ، وإن نكلا، وحلف هو على الشراء أو النكاح - سقط الحد.
أما إذا قطع يد رجلٍ، ثم ادعى أنه قطع بإذنه - لا يسقط القصاص عنه بمجرد الدعوى وجهاً واحداً؛ والقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه من حقوق العباد، ومبناه على الضيق كما لا يسقط في السرقة ضمان المال.
ولو سرق رجلان [شيئاً] معاً، ثم ادعى كل واحد [فيه الملك -لا قطع على واحدٍ] منهما؛ كما ذكرنا في الواحد.
أما إذا ادعى أحدهما الملك لنفسه، ولم يدعه الآخر- لا قطع على المدعي، ثم نظر: عن صدقه صاحبه، وقال: المال ملكه، وأنا أخذت منه بإذنه -: فلا قطع على واحدٍ منهما، وإن كذبه صاحبه، وقال: ليس المال ملكك، ولكنا سرقناه: قال صاحب "التلخيص": يجب القطع على المكذب، لأنه مقر بسرقة مال لا شبهة له فيه.
قال الشيخ القفال - رحمه الله -: يحتمل سقوط القطع عنهما؛ لتمكن الشبهة فيه؛ ألا ترى أن المسروق منه: لو قال: هذا مال السارق، وأنكر السارق - يسقط القطع بالاتفاق، وإن كان هو يقر بسرقة ولا شبهة له فيها.
أما إذا سرق اثنان، فادعى أحدهما أن هذا مال شريكي، أخذته منه بإذنه، وأنكر شريكه، وقال بل سرقناه.
رأيت لأصحابنا أن لا قطع على المدعي، وهل يجب على شريكه؟ فيه وجهان؛ كما لو شهد اثنان بالقصاص، ثم رجعا بعد الاستيفاء، فقال أحدهما: تعمدنا جميعاً، وقال صاحبه: أنا أخطأت - لا قود على من يدعي الخطأ، وفي الآخر وجهان.
قال الشيخ - رحمه الله -: والذي عندي، وهو الأولى: أنه يجب القطع على المكذب؛ لأنه لا يدعي شبهة، وفي المدعي وجهان

أحدهما: لا قطع عليه؛ لأن ما يدعيه - لو ثبت - لم يجب عليه القطع.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئاً؛ إنما يدعي لشريكه، وشريكه منكرٌ.
نظيره من شهود القصاص: أن يقول أحد الشاهدين: تعمدنا جميعاً، [وقال الآخر تعمدت أنا، وأخطأ هو - يجب القصاص على من قال: تعمدنا جميعاً] وفي الآخر وجهان؛ لأنه يدعي الشبهة لشريكه، وهو منكرٌ.
وعلى هذا: لو أن عبداً سرق وقامت عليه بينة بالسرقة، فادعى أن المسروق ملك لسيدي، فإن صدقه سيده - سقط عنه القطع، ولايُقبل قولهما في المال، وإن كذبه سيده، وقال: ليس المال لي - ففيه وجهان.
أحدهما: وبه قال صاحب "التلخيص"-: يسقط القطع؛ كالحر يدعي أنه ملكي.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئاً؛ إنما يدعي لمولاه، ومولاه منكرٌ.
ولو ادعى السارق نقصان قيمة المسروق عن النصاب - لم يقطع، [ولو] قامت بينة على أن قيمته تمام النصاب قطع، بخلاف ما لو ادعى أنه ملكه - لم يُقطع.
ولو شهد على السرقة رجلٌ وامرأتان، أو شاهدٌ واحدٌ، وحلف المدعي معه - لا يثبت القطع، ويثبت المال؛ لأن المال يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، والقطع عقوبة لا تثبت إلا برجلين؛ من حلف بطلاق امرأته، أو بعتق عبده؛ ألا يغصب أو لا يسرق، فشهد عليه رجل وامرأتان بالغصب أو بالسرقة، أو شهد شاهدٌ واحدٌ، وحلف معه المدعي - يثبت الغصب والسرقة، ولا يحكم بوقوع الطلاق والعتقن وهذا بخلاف ما لو شهد رجلٌ وامرأتان على قتل العمد، لا يثبت القصاص ولا الدية؛ لأن قتل العمد لا يوجب القود والمال جميعاً؛ إنما يوجب أحدهما لا بعينه؛ [فلا يتعين بالشهادة أن موجبه القود]، وهو الأصل، فإذا لم يثبت - لم يثبت المال، والسرقة توجب القطع والغُرم جميعاً، فإذا لم يثبت أحدهما لعدم حجته - ثبت الذي قامت حجته، وقيل في ثبوت المال [في السرقة] قولان، والمذهب ثبوته قولاً واحداً، والله أعلم.
باب ما لا قطع فيه رُوي عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس على خائن ولا منتهب،

ولا مُختلس - قطعٌ".
لا قطع على من سرق من غير حرزٍ، ولا على من سرق أقل من نصاب، ولا على مختلس، ولا منتهب، ولا خائن، لأن في الشرع أوجب القطع على السارق، ولا يسمى المختلس والمنتهب والخائن سارقاً، ولو سرق العبد مال سيده - لا قطع عليه؛ لأن الشبهة له

في ماله؛ باستحقاق النفقة؛ بخلاف ما لو زنى بجارية سيده - يجب عليه الحد، لأنه لا يستحق الإعفاف على سيده، وكذلك المدر، وأم الولد ومن بعضه حر وبعضه رقيقٌ، إذا سرق مال سيده - لا يقطع.
وإذا سرق أجنبي مال من بعضه حر وبعضه رقيق - يقطع، وإن سرق مالك نصفه منه شيئاً - نظر: إن كان المال له بنصفه الحر، والسيد أخذ نصيبه: قال الشيخ القفال: لا يقطع؛ لأن له شبهة في بدنه، والمال في الحقيقة لجميع بدنه.
وقال الشيخ أبو علي: يقطع؛ لأن ملكه تام بنصفه الحر؛ بدليل أنه يورث منه لو مات على القول المعروف -فهو كما لو قاسم شريكه المال المشترك، ثم سرق من نصيب شريكه شيئاً - قطع.
ولو سرق المكاتب مال سيده - ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول صاحب "التلخيص"-: لا يقطع؛ كالمأذون له في التجارة؛ إذا سرق مال سيده.
والثاني: يقطع؛ لأنه خارج عن حكم المولى، وله ملك؛ بدليل نفوذ تصرف المولى معه.
أما السيد إذا سرق مال مكاتبه - لا قطع عليه؛ لأن له في ماله شبهة ملك.
ولو سرق أحد الزوجين مال صاحبه ما هو محرز عنه - ففيه أقاويل: أحدها- وبه قال أبو حنيفة- رحمه الله-: لايجب القطع؛ لأن بينهما سبباً يستحق به النفقة؛ فيصير شبهة في سقوط قطع السرقة؛ كالولاء.
والثاني: وهو الأصح، وبه قال مالك، واختاره المُزني -: يجب القطع؛ لأن النكاح

عقد على المنفعة، فلا يمنع وجوب قطع السرقة؛ كالإجارة؛ فإن من استأجر أجيراً لعملٍ، ثم سرق أحدهما مال الآخر - يجب القطع.
والثالث: يقطع الزوج بسرقة مال الزوجة لأنه لا شبهة له في مالها، ولا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج؛ لأن لا شبهة في ماله باستحقاق النفقة.
أما إذا لم يكن مال أحدهما محرزاً عن صاحبه - فلا يجب القطع بسرقته.
ولو سرق عبدٌ أحد الزوجين مال الآخر - فهو ما لو سرق أحدهما مال الآخر - ففي وجوب القطع هذا الاختلاف، فإن قلنا: لا يقطع العبد - ففي مكاتب أحدهما، إذا سرق مال الآخر - وجهان؛ كما لو سرق المكاتب مال سيده، ولو سرق مال ولده أو ولد ولده، وإن سفلوا من الذكور والإناث، أو سرق مال أحد أبويه، أو مال واحدٍ من أجداده أو جداته، وإن علوا من جهة الأب، أو من جهة الأم - فلا قطع عليه؛ لأن لكل شبهة في مال الآخر باستحقاق النفقة؛ بخلاف حد الزنا - يختص سقوطه بالأب، حتى لو زنا الابن بجارية الأب - يجب عليه الحد، ولو فعله الأب بجارية الابن - لا يجب؛ لأن على الابن إعفاف الأب، ولا يجب على الأب إعفاف الابن.
ولو سرق عبد الأب مال الابن أو عبد الابن مال الأب - لا يجب القطع، كما لو سرق هو بنفسه، ولو سرق مال أخيه، أو عمه أو خاله أو مال ابن أخيه - يجب القطع، وعند أبي حنيفة: لا يجب، ولو سرق أب الزوج مال الزوجة، أو أب الزوجة مال الزوج، أو ولد أحدهما مال الآخر - يجب القطع؛ كما لو سرق أحدهما مال الآخر، ولو سرق أحد الشريكين شيئاً من المال المشترك بينهما، وهو في حرز الشريك الآخر - فالمذهب أنه لا يجب القطع [كما لو وطيء] جارية مشتركة بينه وبين غيره - لا حد عليه.
وخرج قولٌ: أنه يجب القطع؛ لأنه لا شبهة له في نصيب الشريك؛ فعلى هذا: إنما يقطع إذا سرق من نصيب الشريك ربع دينار.
ثم اختلفوا في كيفيته: الأكثرون قالوا: إن كان بينهما نصفان، فسرق نصف دينار - قطع، وإن كان الثلثان للسارق، فإذا سرق ثلاثة أرباع دينار - قطع؛ لأن ربع دينار من المسروق للشريك.
وذكر الشيخ وجهاً محتملاً، فقال: إن كان المال بينهما نصفان - فما لم يسرق [نصف الجميع] وزيادة ربع دينار - لا يقطع، وإن كان له الثلثان - فما لم يسرق الثلثين

جارٍ التحميل